" المسألة الثامنة "
٢٣٠٤ - وَإِنْ يُوَافِقْ فِعْلُهُ مَا قَدْ أُقِرْ … فَهْوَ صَحِيحٌ فِي التَّأَسِّي مُعْتَبَرْ
٢٣٠٣ - إِذْ نَفْسُ الإِقْرَارِ بِحَيْثُ مَا صَدَرْ … لَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ نَظَرْ
" المسألة الثامنة"
"و" هي في بيان أنه "إن يوافق فعله" ﵊ "ما" من الأفعال أو الأقوال "قد أقر"هـ "فـ" إن ذلك الإقرار "هو" دليل و"صحيح في" شأن "التأسي" وبرهان "معتبر" في ذلك وصاف، لا كدر فيه، ولا شوب، ولا انحطاط عن أعلى ما يتمسك به في شأن التأسي، لأن فعله ﵊ واقع موقع الصواب، فإذا وافقه إقراره لغيره على مثل ذلك الفعل، فإن التأسي به في ذلك كمجرد الاقتداء به في الفعل فالإقرار دليل زائد مثبت. فيكون الإقرار المقبول المعمول به على الوجه الصحيح هو هذا الذي معه الفعل النبوي "إذ نفس الإقرار" وحده لا يدل على جريان الاقتداء ومضيه فيما ورد فيه "بحيث ما صدر" ووقع سواء كان فعلا أو قولا، كما أنه "لا يقتضي" أو يستوجب "الجواز" لإتيان ما ورد فيه "من غير نظر" وبحث، لأنه - أي الإقرار - وإن اقتضى الصحة فالترك كالمعارض له، وإن لم تتحقق فيه المعارضة فقد رمى فيه شوب التوقف لتوقفه ﵊ عن الفعل. ومثاله إعراضه عن سماع اللهو وإن كان مباحا وبعده عن التلهي به وإن لم يحرج في استعماله وقد كانوا يتحدثون بأشياء من أمور الجاهلية بحضرته وربما تبسم عند ذلك ولم يكن يذكر هو من ذلك إلا ما دعت إليه حاجة أو ما لا بد منه ولما جاءته المرأة تسأله عن مسألة من طهارة الحيضة قال لها خذي فرصة ممسكة فتطهري بها فقالت وكيف أتطهر بها فأعاد عليها واستحيى حتى غطى وجهه ففهمت عائشة ما أراد ففهمتها بما هو أصرح وأشرح فأقر عائشة على الشرح الأبلغ وسكت هو عنه حياء فمثل هذا مراعى إذا لم يتعين بيان ذلك فإنه من باب الجائز أما إذا تعين فلا يمكن إلا الإفهام كيف كان فإنه محل مقطع الحقوق والأمثلة كثيرة. والحاصل أن نفس الإقرار لا يدل على مطلق الجواز من غير نظر بل فيه ما يكون كذلك نحو الإقرار على المطلوبات والمباحات الصرفة ومنه ما لا يكون كذلك كالأمثلة. فإن قارنه قول فالأمر فيه كما تقدم فينظر إلى الفعل فيقضى بمطلق الصحة فيه مع المطابقة دون المخالفة. والله - تعالى أعلم -، وأحكم (١).
стр. 947
" المسألة التاسعة "
٢٥٠٦ - وَسُنَّةُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ … مَقْبُولَةً فِي جُمْلَةِ الأحْكَامِ
٢٥٠٧ - لِمَا أَتَى فِي شَأْنِهِمْ خُصُوصًا … أَوْ فِي عُمُومٍ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَا
" المسألة التاسعة"
"و" هي في ذكر أن "سنة الصحابة الكرام" ﵃ سنة "مقبولة" وطريقة يمضي عليها، ويرجع إليها "في جملة" أي كل "الأحكام" الفقهية.
وذلك "لـ" أمور أحدها "ما أتى" في نصوص شرعية من الثناء "في" حقهم و"شأنهم خصوصا" من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله - تعالى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عِمرَان: ١١٠] "أو في" نصوص ذي "عموم يقبل التخصيصا" - الألف للإطلاق - كقوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البَقَرَة: ١٤٣] ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم وذلك يقضي باستقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة وفي الثانية إثبات العدالة مطلقا وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى. ولا يقال إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم. لأنا نقول أولا ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر. وثانيا على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول ﵊ وهم المباشرون للوحي. وثالثا أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التى وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم. فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح. وأيضا فإن من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء ولا محاشاة بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته وذلك مصدق لكونهم أحق بذلك المدح من غيرهم فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق وأنهم وسط أي عدول بإطلاق وإذا كان كذلك فقولهم معتبر وعملهم مقتدى به وهكذا سائر الآيات التى جاءت بمدحهم كقوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحَشر: ٨] إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ
стр. 948
٢٥٠٨ - وَشِدَّةُ اقْتِدَائِهِمْ أَوْجَبَ أَنْ … كَانَ الذِي يَرَوْنَهُ أَهْدَى سَنَنْ
٢٥٠٩ - وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ كَوْنُ مَالِكِ … مُتَّبَعًا مُسْتَحْسَنَ الْمَدَارِكِ
٢٥١٠ - إِذْ جَدَّ فِي اقْتِفَاءِ آثَارِ السَّلَفْ … فَصَارَ مُقْتَدَى بِهِ عِنْدَ الْخَلَفْ
﴿وَالْإِيمَانَ﴾ [الحَشر: ٩] الآية وأشباه ذلك (١).
"و" يضاف لهذا "شدة اقتدائهم" ومتابعتهم للرسول ﷺ ، وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته، مع حمايته ونصرته، وذلك قد "أوجب" واقتضى "أن كان الذي يرونه" ويستنبطونه من الأحكام الفقهية والمناهج التي تسلك إلى بناء تلك الأحكام هو "أهدى سنن" وأصحها، وأحرى بالاتباع مما سواه "ومن" هذا الذي تقرر "هنا" في حق الصحابة من الفضل والعلم "يظهر" لك سر أو علة "كون مالك" بن أنس - رحمه الله تعالى - إماما "متبعا" - بفتح الباء - ومقتدى به "مستحسن المدارك" التي يأخذ بها في بناء الأحكام، ويتخذها سبلا إلى إدراكها، فحمد أهل العلم مسلكه في ذلك "إذ جد" وأخذ بالحزم "في اقتفاء" واتباع "آثار السلف" الصالح وما صدر عنهم من فتاوى وأقضية وطرق في الاستنباط للأحكام من أدلتها، "فصار" متبعا و"مقتدى به عند الخلف" ممن بعده من أهل العلم الموافقين له في مذهبه. وما كان له ذلك إلا ببركة اتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم وجعلهم قدوة رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. وثانيها: ما جاء في الحديث من الأمر باتباعه وأن سنته في طلب الاتباع كسنة النبي ﷺ كقوله ﵊: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وقوله تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا ومن هم يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي وعنه أنه قال أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلا به وعنه أيضا إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي منهم أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم خير ويروى في بعض الأخبار أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم إلى غير ذلك مما في معناه.
والثالث أن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل فقد جعل طائفة
стр. 949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قول أبي بكر وعمر حجة ودليلا وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلا وبعضهم يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلا. ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المعتمد في المسألة وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين فمدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة. وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فقط لا عن النظر معهم فيما نظروا فيه. وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل أن يجتهد لا يمنع من تقليد الصحابة ويمنع في غيره. وهو المنقول عنه في الصحابي كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته ولكنه مع ذلك يعرف لهم قدرهم.
وأيضا فقد وصفهم السلف الصالح ووصف متابعتهم بما لا بد من ذكر بعضه.
فعن سعيد بن جبير أنه قال ما لم يعرفه البدريون فليس الدين. وعن الحسن وقد ذكر أصحاب محمد ﷺ قال إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم ورب الكعبة على الصراط المستقيم وعن إبراهيم قال لم يدخر لكم شيء خبئ عن القوم لفضل عندكم وعن حذيفة أنه كان يقول اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من قبلكم فلعمري لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا وعن ابن مسعود من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم وقال علي إياكم والاستنان بالرجال. ثم قال فإن كنتم لا بد فاعلبن فبالأموات لا بالأحياء وهو نهي للعلماء لا للعوام. ومن ذلك قول عمر بن عبد العزيز قال سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمك بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل
стр. 950
" المسألة العاشرة "
٢٥١١ - مَا كَانَ مُخْبِرًا بِهِ الرَّسُولُ … مِنْ خَبَرٍ فَهْوَ كمَا يَقُولُ
٢٥١٢ - مُعْتَمَدٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَخْبَرَا … بِهِ وَعَنْهُ مُطْلَقًا حَيْثُ جَرَا
٢٥١٣ - كمِثْلِ مَا إِذَا بِحُكْمٍ نَطَقَا … أَمْرًا وَنَهْيًا فَهْوَ حَقٌّ مُطْلَقَا
المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا وفي رواية بعد قوله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي خالفها من اهتدى بها مهتد الحديث.
وكان مالك يعجبه كلامه جدا وعن حذيفة قال اتبعوا آثارنا فإن أصبتم فقد سبقتم سبقا بينا وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بعيدا وعن ابن مسعود نحوه فقال اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وعنه أنه مر برجل يقص في المسجد ويقول سبحوا عشرا وهللوا عشرا فقال عبد الله إنكم لأهدى من أصحاب محمد أو أضل بل هذه بل هذه يعني أضل والآثار في هذا المعنى يكثر إيرادها وحسبك من ذلك دليلا مستقلا وهو: الرابع ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبتهم وذم من أبغضهم وأن من أحبهم فقد أحب النبي ﷺ ومن أبغضهم فقد أبغض النبي ﵊ (١).
وما ذكره المصنف هنا من حجية قول الصحابي يجب أن ينظر مع ما قرره ابن حزم - رحمه الله تعالى - في هذا الشأن، وبين أمره. وملخصه أن الحجة إنما هي في كلام الله ورسوله ﷺ أوما أخذ منهما بطرق برهانية. قتأمل.
"المسألة العاشرة"
في بيان أن "ما كان مخبرا" - بكسر الباء بصيغة اسم الفاعل - "به الرسول" ﷺ "من خبر" دنيوي أو أخروي "فهو كما يقول" فخبره ﵊ كله صدق وحق "معتمد عليه فيما أخبرا" - الألف للإطلاق - "به" من خبر "و" كذا فيما أخبر به "عنه" أي عن نفسه "مطلقا" بلا تفصيل "حيث" ما "جرا" وورد أي سواء انبنى عليه في التكليف حكم أم لا؟ "كمثل ما إذا" كان "بحكم نطقا" سواء كان "أمرا" أو كان طلب كف "ونهيا فهو حق مطلقا".
стр. 951
٢٥١٤ - مُتَّبَعَ الْحُكْمِ بِكُلِّ حَالِ … فِي الاعْتِقَادَاتِ وَفِي الأعْمَالِ
٢٥١٥ - لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَحْيِ وَالإِلْهَامِ … فِيهِ وَالاطِّلَاعِ وَالْمَنَامِ
٢٥١٦ - لِأنَّهُ مُؤَيِّدٌ مَعْصُومُ … وَفي الْكَلَامِ حُكْمُ ذَا مَعْلُومُ
وهو كذلك "متبع الحكم" والمقتضى "بكل حال" سواء "في"ذلك "الاعتقادات وفي الأعمال" البدنية، "لا فرق" في ذلك "بين" ما كان حاصلا بسبيل "الوحي" وهو ما يخبر به الملك عن الله - تعالى - "و" ما كان من جهة "الإلهام" في حقه ﵊ والإلهام هو النفث في الروع والإلقاء في النفس، ولا فصل "فيه" كما لا فرق بين ما ذكر "و" بين "الاطلاع" والكشف الذي يكون ﷺ عليه "و" كذلك ما يرد في حال "المنام" من المغيبات التي تكون على وجه خارق للعادة، أو كيف ما كان فذلك كله معتبر يحتج به ويبنى عليه في الاعتقادات والأعمال جميعا "لأنه مؤيد" من رب العالمين بالتوفيق "معصوم" من همزات الشياطين، ومسالك الخطيئة، والمعصية، لا ينطق عن الهوى "وفي" علم "الكلام" الذي موضوعه العقائد "حكم ذا" وهو كونه ﵊ معصوما، وكون كل ما يصدر عنه حق "معلوم" مفصل فيه المقال، فلا نطيل بالإحتجاج عليه، ولكنا نمثله ثم نبني عليه ما أردنا بحول الله. فمثاله قوله ﵊: إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب فهذا بناء حكم على ما ألقي في النفسر. وقال ﵊ أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها فالتمسوها في العشر الغوابر وفي حديث آخر آرى رؤياكم قد تواطت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر فهذا بناء لمن النبي ﷺ على رؤيا النوم ونحو ذلك وقع في بدء الأذان وهو أبلغ في المسألة عن عبد الله بن زيد قال لما أصبحنا أتينا رسول الله ﷺ فأخبرته بالرؤيا فقال إن هذه لرؤيا حق الحديث إلى أن قال عمر بن الخطاب والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. قال فقال رسول الله ﷺ فلله الحمد فذاك أثبت فحكم ﵊ على الرؤيا بأنها حق وبنى عليها الحكم في ألفاظ الآذان. وفي الصحيح صلى رسول الله ﷺ يوما ثم انصرف فقال يا فلان ألا تحسن صلاتك ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي فإنما يصلي لنفسه. إني والله الأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي فهذا حكم امرئ بني على الكشف ومن تتبع الأحاديث وجد أكثر من هذا، فإذا تقرر هذا فلقائل أن يقول قد مر قبل هذا في كتاب المقاصد قاعدة بينت أن ما يخص
стр. 952
٢٥١٧ - وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَا … بِذَاكَ لِلأمَّةِ لَنْ يَعُمَّا
رسول الله ﷺ يخصنا وما يعمه يعمنا فإذا بنينا على ذلك فلكل من كان من أهل الكشف والاطلاع أن يحكم بمقتضى اطلاعة وكشفه ألا ترى إلى قضية أبي بكر الصديق مع بنته عائشة فيما نحلها إياه ثم مرض قبل أن تقبضه قال فيه وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله قالت فقلت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى قال ذو بطن بنت خارجة أراها جارية وقضية عمر بن الخطاب في ندائه سارية وهو على المنبر فبنوا كما ترى على الكشف والاطلاع المعدود من الغيب وهو معتاد في أولياء الله تعالى وكتب العلماء مشحونة بأخبارهم فيه فيقتضي ذلك جريان الحكم وراثة عن النبي ﷺ . والجواب أن هذا السؤال هو فائدة هذه المسألة وبسببه جلبت هذه المقدمة وإن كان الكلام المتقدم في كتاب المقاصد كافيا ولكن نكتة المسألة هذا تقريرها. فاعلم أن النبي ﷺ مؤيد بالعصمة معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال وصحة ما بين وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصوما بلا خلاف إما بأنه لا يخطئ البتة وإما بأنه لا يقر على خطإ إن فرض فما ظنك بغير ذلك؟ فكل ما حكم به أو أخبر عنه من جهة رؤيا نوم أو رؤية كشف مثل ما حكم به مما ألقى إليه الملك عن الله وأما أمته فكل واحد منهم غير معصوم بل يجوز عليه الغلط والخطأ والنسيان ويجوز أن تكون رؤياه حلما وكشفه غير حقيقي وإن تبين في الوجود صدقة واعتيد ذلك فيه وطرد فإمكان الخطأ والوهم باق (١).
"ومن "هذا الذي قرر "هنا" وثبت بالدليل والبرهان "يعلم" ويدرك على تمام "أن" هذا "الحكما" - الألف للإطلاق - الثابت في حقه ﵊ مخصوص به و"بذاك" فإنه "للأمة لن يعما" - الألف للإطلاق - أي يشمل، فأي فرد منها كيفما كان حاله ومنزلته في الصلاح والتقوى لا يبنى على ما يصدر عنه حكم شرعي، لما تقدم ذكره.
وأيضا فإن كان مثل هذا معدودا في الاطلاع الغيبي فالآيات والأحاديث تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، كما في الحديث من قوله ﵊ في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمَان: ٣٤] إلى آخر السورة، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعَام: ٥٩] واستثنى المرسلين في الآية الأخرى بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا
стр. 953
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجنّ: ٢٦، ٢٧] الآية. فبقي من عداهم على الحكم الأول، وهو امتناع علمه وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عِمرَان: ١٧٩] الآية. وقال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النَّمل: ٦٥] وفي حديث عائشة: ومن زعم أن محمدا يعلم ما في غد؛ فقد أعظم الفرية على الله وقد تعاضدت الآيات والأخبار وتكررت في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهو يفيد صحة العموم من تلك الظواهر، حسبما مر في باب العموم من هذا الكتاب، فإذا كان كذلك؛ خرج من سوى الأنبياء من أن يشتركوا مع الأنبياء صلوات الله عليهم في العلم بالمغيبات.
وما ذكر قبل عن الصحابة أو ما يذكر عنهم بسند صحيح؛ فمما لا ينبني عليه حكم، إذ لم يشهد له رسول الله ﷺ ووقوعه على حسب ما أخبروه هو مما يظن بهم، ولكنهم لا يعاملون أنفسهم إلا بأمر مشترك لجميع الأمة، وهو جواز الخطإ لذلك قال أبو بكر: أراها جارية؛ فأتى بعبارة الظن التي لا تفيد حكما، وعبارة يا سارية! الجبل مع أنها إن صحت لا تفيد حكما شرعيا، هي أيضا لا تفيد أن كل ما سواها مثلها، وإن سلم؛ فلخاصية أن الشيطان كان يفر منه؛ فلا يطور حول حمى أحواله التي أكرمه الله بها بخلاف غيره، فإذا لاح لأحد من أولياء الله شيء من أحوال الغيب؛ فلا يكون على علم منها محقق لا شك فيه، بل على الحال التي يقال فيها: أرى أو أظن، فإذا وقع مطابقا في الوجود، وفرض تحققه بجهة المطابقة أولا، والاطراد ثانيا؛ فلا يبقى للإخبار به بعد ذلك حكم لأنه صار من باب الحكم على الواقع؛ فاستوت الخارقة وغيرها. نعم تفيد الكرامات والخوارق لأصحابها يقينا وعلما بالله تعالى، وقوة فيما هم عليه وهو غير ما نحن فيه. ولا يقال: إن الظن أيضا معتبر شرعا في الأحكام الشرعية؛ كالمستفاد من أخبار الاحاد والقياس وغيرهما، وما نحن فيه إن سلم أنه لا يفيد علما مع الاطراد والمطابقة؛ فإنه يفيد ظنا، فيكون معتبرا.
لأنا نقول: ما كان من الظنون معتبرا شرعا؛ فلاستناده إلى أصل شرعي حسبما تقدم في موضعه من هذا الكتاب، وما نحن فيه لم يستند إلى أصل قطعي ولا ظني، هذا وإن كان النبي ﷺ ثبت ذلك بالنسبة إليه؛ فلا يثبت بالنسبة إلينا لفقد الشرط وهو العصمة، وإذا امتنع الشرط امتنع المشروط باتفاق العقلاء (١).
كِتَابُ الاجْتِهَادِ
٢٥١٨ - وَيَرْجِعُ القَصْدُ بِحَيْثُ اجْتُهِدَا … إِلَى اجْتِهَادٍ وَلِفَتْوىً وَاقْتِدَا
٢٥١٩ - فَانْحَصَرَ الْكَلَامُ فِي أَطْرَافِ … ثَلَاثَةٍ بَيَانُهَا يُوَافِي
الطَّرَفُ الأَوَّلُ فيما يتعلق بالمجتهد من جهة الاجتهاد وفيه مسائل
" المسألة الأولى "
كتاب الاجتهاد
كتاب بيان الاجتهاد وأحواله
والاجتهاد هو استفراغ الفقيه الجهد في استنباط الحكم من الدليل الشرعي "ويرجع القصد" من البحث والنظر في هذا الكتاب المعقود "بحيث اجتهدا" يعني في أي موضع وقع الاجتهاد "إلى" المجتهد من جهة "اجتهاد"ـه وأحواله وهذا هو الطرف الأول، "و" كذلك يرجع "لفتوى"ـه. وهو الطرف الثاني "و" يرجع كذلك إلى إعمال قوله والـ"اقتدا"ء به.
"فانحصر" بذلك "الكلام" هنا - في هذا الكتاب - "في" مواضيع هي "أطراف" وأجزاء هذا الكتاب، وهي "ثلاثة" كما ترى، "بيانها" وإيضاحها يأتي و"يوافي" على الولاء والتتابع.
ويبدأ ببيان "الطرف الأول" منها، وهو - كما تقدم - محصور "فيما يتعلق بالمجتهد من جهة" ما يأتيه من أصناف "الاجتهاد" وأضربه، و"فيه" يعني وفي سبيل هذا الطرف نورد "مسائل" وهي أربعة عشرة مسألة:
"المسألة الأولى"
منها في أن الاجتهاد ليس صنفا واحدا.
стр. 982
٢٥٢٠ - الاجْتِهَادُ كُلُّهُ ضَرْبَانِ … مُتَّصِلُ الْحُكْمِ مَدَى الزَّمَانِ
٢٥٢١ - دُونَ انْقِطَاعٍ وَهْوَ مَا تَعَلَّقَا … بِحَيْثُ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أُطْلِقَا
٢٥٢٢ - وَأَنَّهُ لَا خُلْفَ فِي قَبُولهِ … كَكُلِّ مَا يُؤْخَذُ مِن دَلِيلِهِ
٢٥٢٣ - مُسْتَدْعِيًا لِلْبَحْثِ فِي تَعْيِينِ … مَحَلِّهِ بِمُوجِبٍ تَبْيِينِي
٢٥٢٤ - كَمِثْلِ فَهْمِ مُدَّعِ مِنْ مُدَّعَا … عَلَيْهِ فَي يُنْفِذَ مَا قَدْ شُرِعَا
وبيان ذلك أن "الاجتهاد" من دوامه وانقطاعه "على ضربين" أحدهما:
الاجتهاد الذي لا ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة، وبذلك "فهو متصل الحكم" دائما "مدى الزمان" والدهر.
"و" هذا الضرب "هو ما" من الاجتهاد "تعلقا" - الألف للإطلاق - "بحيث تحقيق المناط" يعني بتحقيق المناط الذي "أطلقا" - الإلف للإطلاق - "و" هذا الضرب قد تقرر "أنه لا خلف" بين جمهور الأمة "في قبوله كـ" ما لا خلف بينهم في قبول "كل ما" يفيده من الأحكام و"يؤخذ من دليله" يعني من دلالته ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله، وبذلك يكون واقع الحال في هذا المحل "مستدعيا" وطالبا "للبحث" والنظر "في تعيين" موضع هذا الحكم و"محله بـ" ما يعينه من دليل و"موجب تبييني" وتوضيحي مظهر للأنظار والعقول وجه ذلك التعيين وما يحققه من دلالة ويثبته من صفة عادية أو شرعية، وذلك "كمثل فهم" وإدراك من هو "مدع" و"من" هو "مدعى عليه" والتمييز بينهما في مجرى التقاضي والتنازع وهذا الفهم والتمييز مطلوب، على سبيل التعيين وذلك "كي ينفد ما قد شرعا" - الألف للإطلاق - في حقهما. ومعلوم أن المالكية قد رجحوا أن المدعي هو من قوله مجرد من أصل أو عرف يشهد له، والمدعى عليه بعكسه، إلا أن العلم بهذا التفصيل لا يبين لك من هو المدعي ومن هو المدعى عليه حتى ينظر في حال دعواهما وصفتها وتسمع لما يقولان في شأنها، وما يوصل إلى التصور التام لها مع البحث عن قرائن الأحوال التي قد تعلم بها حقيقة الأمر في ذلك، وهذا متوقف إدراكه على استفراغ الجهد.
ومن ذلك أن الشارع لما قال: "واشهدوا ذوي عدل منكم" وثبت عندنا معنى العدالة افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة، "وليس الناس في وصف العدالة
стр. 983
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على حد سواء، بل ذلك يختلف اختلافًا متباينًا، فإنا إذا تأملنا العدول وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة: طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه كأبي بكر الصديق. و"طرف آخر" وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى الوصف، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام فضلا عن مرتكبي الكبائر المحدودين فيها.
"وبينهما" مراتب لا تنحصر. وهذا الوسط غامض، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع، وهو الاجتهاد (١).
فهذا مما يفتقر إليه الحاكم في كل شاهد، كما إذا أوصى بماله للفقراء، فلا شك أن من الناس من لا شي له، فيتحقق فيه اسم الفقر، فهو من أهل الوصية ومنهم من لا حاجة به ولا فقر وإن لم يملك نصابا. وبينهما وسائط، كالرجل يكون له الشيء ولا سعة له، فينظر فيه: هل الغالب عليه حكم الفقر أو حكم الغنى؟ وكذلك في فرض نفقات الزوجات والقرابات، إذ هو مفتقر إلى النظر في حال المنفق عليه والمنفق، وحال الوقت إلى غير ذلك من الأمور التي لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في آحادها. فلا يمكن أن يستغني هاهنا بالتقليد، لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد لأن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير وإن لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا. فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد. وكذلك وإن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها، فلا بد من النظر في كونها مثلها أولا، وهو نظر اجتهاد أيضا وكذلك القول فيما فيه حكومة من أروش الجنايات، وقيم المتلفات. ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين، وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق، ولا هو طردي بإطلاق، بل ذلك منقسم إلى الضربين، وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين. فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل؟ فإن أخذت بشبه من الطرفين فالأمر أصعب، وهذا كله بين لمن شدا في
стр. 984
٢٥٢٥ - وَلَا غِنَى عَنْهُ لِكُلِّ مُجْتَهِدْ … بَلْ لِلمُكَلَّفِينَ حُكْمُهُ اعْتُمِدْ
٢٥٢٦ - وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ هَذَا يَرْتَفِعْ … لَارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ وَهْوَ مُمْتَنِعْ
العلم: ومن القواعد القضائية "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" فالقاضي لا يمكنه الحكم في واقعة - بل لا يمكنه توجيه الحجاج ولا طلب الخصوم بما عليهم - إلا بعد فهم المدعي من المدعى عليه، وهو أصل القضاء ولا يتعين ذلك إلا بنظر واجتهاد ورد الدعاوى إلى الأدلة، وهو تحقيق المناط بعينه (١).
فالحاصل أنه لا بد منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت بل بالنسبة إلى كل مكلف في نفسه؛ فإن العامي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهوا من غير جنس أفعال الصلاة أو من جنسها إن كانت يسيرة فمغتفرة وإن كانت كثيرة فلا. فوقعت له في صلاته زيادة، فلا بد له من النظر فيها حتى يردها إلى أحد القسمين، ولا يكون ذلك إلا باجتهاد ونظر. فإذا تعين له قسمها تحقق له مناط الحكم فأجراه عليه. وكذلك سائر تكليفاته. ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن؛ لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة. فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون. وكله اجتهاد" (٢).
"و" هذا الضرب من الاجتهاد "لا غنى عنه لكل مجتهد" سواء كان قاضيا أو مفتيا، "بل" لا غنى عنه "للمكلفين" لأنه "حكمه اعتمد" وقصد دخوله في شأن التكليف، وتحصيل المكلف به كالصلاة والزكاة، ومصارفها، وما تجري فيه صحته وما لا تجري فيه وكل ما وضع الشرع حقائقه وأوكل إلى المكلف العلم بمواضعها، وما تتحقق فيه من صور، وأحوال. "ولو فرضنا" جدلا "أن هذا" الضرب من الاجتهاد "يرتفع" وينقطع "لارتفع التكليف" الشرعي عن العباد "وهو" أمر "ممتنع" ومحال، فإن فرض ارتفاعه مع بقاء التكليف فإن ذا يوجب التكليف بالمحال، المعلوم امتناعه شرعا، وعقلا، وهذا واضح في هذه المسألة.
стр. 985
٢٥٢٧ - وَبَعْضُهُ صَحَّ بِهِ التَّقْلِيدُ … فِيمَا فِي الأنْوَاعِ لَهُ وُجُودُ
٢٥٢٨ - لَاكِنَّ الاجْتِهَادَ فِي الأنْوَاعِ لَا … يَكْفِي فِي الأشْخَاصِ إِذَا تُؤُمِّلَا
٢٥٢٩ - ثَانِيهِمَا الْمُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَا … وَهْوَ إِلَى ثَلَاثَةٍ تَنَوَّعَا
" و" قد يكون "بعضه" أي بعض هذا الضرب من الاجتهاد "صح به" يعني فيه "التقليد" وذلك "فيما" أي اجتهد فيه الأولون من تحقيق المناط إذا كان متوجها على الأنواع، لا على الأشخاص المعينة، فكان له "في" تلك الأنواع "وجود" وثبوت، وذلك كالمثل في جزاء الصيد فإن الذي جاء في الشريعة في ذلك هو قوله - تعالى -: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المَائدة: ٩٥] وهذا ظاهر في اعتبار المثل؛ إلا أن المثل لا بد من تعيين نوعه، وكونه مثلا لهذا النوع المقتول، ككون الكبش مثلا للضبع، والعنز مثلا للغزال، والعناق مثلا للأرنب، والبقرة مثلا للبقرة الوحشية، والشاة مثلا للشاة من الظباء. وكذلك الرقبة الواجبة في عتق الكفارات، والبلوغ في الغلام والجارية، وما أشبه ذلك (١).
"لاكن الاجتهاد في الأنواع لا يكفي في "اجتهاد "الأشخاص" ولا يغني عنه "إذا تؤملا" واعتبر حاله. لأنه وإن كان قد علم أن الكبش مثل الضبع - مثلا - فإن معرفة الكبش المناسب بعينه ليكون مثلا للضبع المقتول متوقف على الاجتهاد والنظر ولا يغني عنه تقرر كون الكبش مثله، لأن الكبش يطلق على الكبير والصغير والهزيل، والسمين والصحيح، والمريض ولا بد من الاجتهاد في تعيين ما يصلح من ذلك في الجزاء، وتعيين ما لا يصلح منه لاعتبارات شرعية أو عرفية.
وهذا الذي قيل في الكبش في هذا الموضوع يقال في غيره من البهائم الأخرى المذكورة بأنه يجري فيه جزاء الصيد. وإذا علم هذا فإنه لا بد من هذا الاجتهاد في كل زمان، إذ لا يمكن حصول التكليف إلا به، كما تقدم ذكره. هذا هو الضرب الأول وحاله.
"ثانيهما" أي الضربين هو الاجتهاد "الممكن أن ينقطعا" - الألف للإطلاق - وإن يرتفع "و" هذا الضرب "هو إلى ثلاثة" من الأنواع "تنوعا" - الألف للإطلاق - النوع