إهداء قراءة القرآن الكريم للرسول ﷺ أو لغيره
س٤١: ما حكم إهداء قراءة القرآن الكريم للرسول ﷺ أو لغيره؟
الجواب: إهداء قراءة القرآن الكريم لروح الرسول ﷺ والأموات لا أصل له، وليس بمشروع ولا فعله الصحابة ﵃، والخير في اتباعهم.
ولأن الرسول ﷺ يعطى مثل أجورنا; عما فعلناه من الخير فله مثل أجورنا; لأنه الدال عليه ﵊، وقد قال ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (١) ، فهو الذي دل أمته على الخير وأرشدهم إلى الخير; فإذا قرأ الإنسان أو صلى أو صام أو تصدق، فالرسول ﷺ يعطى مثل أجور هؤلاء من أمته لأنه هو الذي دلهم على الخير وأرشدهم إليه ﵊، فلا حاجة به إلى أن يهدى له القراءة أو غيرها، لأن ذلك ليس له أصل كما تقدم.
وقد قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) . وهكذا القراءة للأموات أيضا ليس لها أصل والواجب ترك ذلك.
أما الصدقة عن أموات المسلمين والدعاء لهم، فكل ذلك مشروع،
стр. 107
كما قال الله في صفة عباده الصالحين التابعين للسلف الصالح: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١) الآية [الحشر: ١٠] .
وقد شرع الله صلاة الجنازة للدعاء والترحم عليهم، وهكذا الصدقة عن الميت تنفعه كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ . وهكذا الحج عنهم، والعمرة، وقضاء الدين، كل ذلك ينفع الميت المسلم.
стр. 108
(١١)
الرسل
стр. 109
الرسول يدخل في الأوامر التي جاءت على يديه
س٤٢: يقول السائل: هل كل أمر موجه إلى رسول الله ﷺ أو أهل بيته يكون موجها إلينا جميعا؟
الجواب: نعم، هذا هو الأصل; الرسول يدخل في الأوامر التي جاءت على يديه، وهكذا أهل بيته كجميع الناس.
فالرسل داخلون فيما جاء على أيديهم من الأوامر والنواهي، فقوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) [يونس: ١٠٦] يعم الجميع وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) [الجن: ١٨] ، يعم الجميع، يعم الرسل وغيرهم، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) [البينة: ٥] يعم الجميع، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤) [البقرة: ٤٣] يعم الجميع، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٥) [النساء: ٢٢] يعم الجميع.
وهكذا، الأصل أن الأنبياء والرسل داخلون في الأوامر والنواهي التي جاءوا بها، وهكذا أهل بيوتهم داخلون إلا ما قام الدليل على التخصيص، فإذا قام دليل خاص على أن هذا خاص بالرسول أو خاص بفلان، كالتسع له ﷺ من الزوجات فهذا خاص به ﷺ ، وكعناق أبي بردة جاء الحديث أنها خاصة به لما ضحى بها وهي لم تبلغ الثنية.
والمقصود: أن الأصل هو العموم فيما يأتي من الأوامر والنواهي على أيدي الرسل; تعم الرسل، وتعم أهل بيوتهم إلا ما خصه الدليل.
стр. 110
حول حديث: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (١)
س٤٣: سائل يقول: سمعت أحد المذيعين يوم جمعة وكان يتحدث في فضل يوم الجمعة، وقد أورد حديثا يقول: «فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٢) رواه الخمسة إلا الترمذي.
أليس هذا يتعارض مع الآية الكريمة التي يقول الله فيها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٣) [الكهف: ١١٠] ، وقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (٤) [الكهف: ٨] ، وأنه لما دخل عليه العباس عمه حينما مات، ومكث ثلاثة أيام قبل أن يدفن، وكان واضعا يديه على أنفه، وقال: عجلوا بدفن صاحبكم، والله إنه ليأسن كما يأسن سائر البشر. وهذا الحديث الذي سمعته موجود في كتاب نيل الأوطار شرح منتقى الأخيار، والحديث أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وذكره ابن أبي حاتم في العلل وحكى عن أبيه بأنه حديث منكر; لأن في إسناده عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو منكر الحديث، وقال ابن العربي إن الحديث لم يثبت. وأسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه؟
الجواب: الحديث المذكور معروف عند أهل العلم ولا بأس به عند أهل العلم، ولا نكارة في ذلك، فإن الله جل وعلا له أن يخص من شاء من
стр. 111
عباده بما يشاء ، فإذا خص الأنبياء بتحريم أجسادهم على الأرض فلا غرابة في ذلك; لما لهم لديه من الكرامة.
والصلاة والسلام عليه مشروعة مطلقا، ولو فرضنا أن الجسد قد أكلته الأرض كما تأكل أجساد الناس الآخرين، فإن هذا لا يمنع من الصلاة والسلام عليه، ولا يمنع أيضا من تخصيص الجمعة بالإكثار من ذلك لما جاء في الحديث، فإن الصلاة والسلام عليه مشروعان دائما ﵊ في حياته وبعد وفاته ﵊.
وقد قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) [الأحزاب: ٥٦] ، اللهم صل عليه وسلم صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
وقال ﵊ كما روى مسلم في الصحيح: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا» (٢) . فالصلاة والسلام عليه أمر مشروع في حياته وبعد وفاته، حال كونه في البرزخ وفي غير ذلك، وهذا أمر مشروع ومعلوم عند الجميع.
أما كون جسده يبقى فهو في هذا الحديث، وسنده لا بأس به عند أهل العلم، أما قول العباس، فلم أعلم إلى يومي هذا صحته ولم أتتبع أسانيده، ولو فرضنا صحة هذا عن العباس فإنه لا ينافيه; فقد يعتري الجسد ما يعتريه ولكنه يسلم ويبقى، ويحرم على الأرض أن تأكله، ويزول ما يعتريه من تغير ورائحة، فإن الله على كل شيء قدير ، فإذا وضع في القبر ففي الإمكان أن تزول هذه الرائحة وهذا التغير، وأن يبقى الجسد سليما طريا، وليس في الشرع ولا في العقل
стр. 112
ما يمنع ذلك.
والمقصود أن الصلاة والسلام عليه مشروعان مطلقا سواء بقي الجسد أم لم يبق الجسد، وكونه تعرض صلاتنا عليه لا يمنع ذلك فناء جسده لو لم يصح الحديث; لأن الروح باقية في الرفيق الأعلى، وهكذا الأرواح باقية عند أهل السنة والجماعة، أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، وروحه ﷺ في أعلى عليين ﵊، وأرواح المؤمنين في طيور تعلق في شجر الجنة كما صح بذلك الحديث، وأرواح الشهداء تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديل معلقة تحت العرش، وهي في أجواف طير خضر كما جاء في الحديث الشريف.
فالمقصود أن الأرواح باقية وفي الإمكان عرض الصلاة والسلام عليه، ﵊، ولو ذهب الجسد، ولكن حديث «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (١) لا بأس به، فالأصل الأخذ به والبقاء عليه، حتى يعلم بالأدلة التي لا شك فيها ما يخالف ذلك.
وقوله ﷺ : «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٢) خبر منه ﷺ وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فمتى سلم الخبر من العلة، وهو عند أهل العلم في ظاهر أسانيده صحيح ولا بأس به، وإذا ثبت أثر العباس، فإن ما قاله العباس لو ثبت ووقع لا يمنع من بقاء الجسد وزوال هذا الأثر كما تقدم.
стр. 113
هل النبي ﷺ مخلوق من نور ؟
س٤٤: سائل يقول: نسمع في بعض خطب الجمعة عندنا أن رسول الله ﷺ مخلوق من نور، وليس من تراب كسائر الناس. نسأل عن صحة هذا الكلام؟
الجواب: هذا كلام باطل وليس له أصل، فالله خلق نبينا ﷺ مثل ما خلق بقية البشر; من ماء مهين، من ماء أبيه عبد الله وأمه آمنة، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (١) [السجدة: ٨] ، فمحمد ﷺ من نسل آدم، وجميع نسل آدم كلهم من سلالة من ماء مهين وهو منهم.
أما ما يروى أنه خلق من النور فهذا لا أصل له، وهو حديث موضوع مكذوب باطل لا أصل له، وبعضهم يعزوه إلى مسند أحمد عن جابر، وهذا لا أصل له، وبعضهم يعزوه لمصنف عبد الرزاق وهذا لا أصل له. والمقصود أنه حديث باطل لا أصل له عن النبي ﷺ ، وإنما خلقه الله مما خلق منه بني آدم، وخلق منه الأنبياء جميعا، وهو من ماء الرجل وماء المرأة، هذا هو الأمر المعلوم، وأما ما يدعيه بعض الغلاة، وبعض الجهلة أنه خلق من النور فهذا باطل لا أصل له.
وهو نور ﷺ ، جعله الله نورا للناس بما أوحى الله إليه من الهدى، من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، كما قال الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٢) [المائدة: ١٥] ، هذا النور هو محمد ﷺ بما أوحى الله إليه من النور، سماه الله نورا; لأن الله جعله نورا بما أوحى إليه من الهدى، كما قال في الآية الأخرى:
стр. 114
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢) [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] .
فهو السراج المنير، وهو نور لما أعطاه الله من الوحي العظيم من القرآن والسنة، فإن الله أنار بهما الطريق، وأوضح بهما الصراط المستقيم، وهدى بهما الأمة إلى الخير، فهو نور وجاء بالنور ﵊، وليس معناه أنه خلق من نور، إنما خلق من ماء مهين، لكنه نور بما أوحى الله إليه من الهدى، وما أعطاه الله من العلم الذي علمه الناس ﷺ ، فالرسل نور، والعلماء نور; علماء الحق، لما أعطاهم الله من الهدى، فهم نور للعالم بما اقتبسوه مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام.
стр. 115
حكم القول بأن أول ما خلق الله نور محمد ﷺ
س٤٥: يقول السائل: سمعت أناسا يقولون: إن الرسول ﷺ خلق من نور، وأول ما خلق الله هو نور محمد ﷺ ، وهؤلاء يقرءون القرآن الكريم، ويهدون ثوابه إلى الرسول ﷺ ، والأموات ... أفيدونا عن صحة هذا جزاكم الله خيرا.
الجواب: ما يقوله الناس من أنه ﷺ خلق من نور فهذا كله لا أصل له، فقولهم إنه خلق من نور أو أنه أول ما خلق نور محمد، هذه كلها أخبار موضوعة لا أصل لها، ولا أساس لها عن النبي ﷺ ، بل هي موضوعة ومكذوبة على الرسول ﷺ .
стр. 116
وإنما الحق أنه ﷺ خلق من ماء مهين كما خلق الناس الآخرون، خلق من ماء عبد الله بن عبد المطلب، ومن ماء آمنة أمه، ولم يخلق من نور ولكن الله جعله نورا ﵊، جعله سراجا منيرا بما أعطاه الله من الوحي، وبما أنزل الله من القرآن والسنة، جعله الله نورا للناس، جعله الله سراجا منيرا بالدعوة إلى الله، وبيان الحق للناس وإرشادهم وتوجيههم إلى الخير، فهو نور جاءه بعدما أوحى الله إليه ﵊، وإلا فهو بشر من بني آدم خلق من ماء مهين، من ماء أبيه وأمه.
وأما ما يقوله بعض الناس، وبعض المخرفين، وبعض الصوفيين: إنه خلق من نور، أو إن أول شيء خلق هو نور محمد، فهذه كلها أخبار لا أصل لها، وكلها باطلة، وهي أخبار موضوعة لا أساس لها كما تقدم. وقد قال الله سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢) [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] ، وذلك بما أوحى الله إليه من الكتاب والسنة ﵊.
стр. 117
الزعم بأن الدنيا بما فيها خلقت من أجل الرسول ﷺ
س٤٦: يقول سائل: لقد أصبح من المتعارف عليه وشائعا على ألسنة الناس عندنا وكأنما هو شيء بديهيا أن الدنيا بما فيها خلقت لأجل رسول الله ﷺ ، ولولاه لم تكن ولم تخلق ولم توجد. نرجو من فضيلة الشيخ المجيب على أسئلة المستمعين الإجابة على سؤالي مع الأدلة
стр. 118
الشافية إن كان كما قيل، وجزيتم خيرا؟
الجواب: هذا ينقل من كلام بعض العامة وهم لا يفهمون، يقول بعض الناس: إن الدنيا خلقت من أجل محمد ولولا محمد ما خلقت الدنيا ولا خلق الناس وهذا باطل لا أصل له، وهذا كلام فاسد، فالله خلق الدنيا ليعرف ويعلم وليعبد جل وعلا، خلق الدنيا وخلق الخلق ليعرف بأسمائه وصفاته، وبقدرته وعلمه، وليعبد وحده لا شريك له ويطاع ، لا من أجل محمد، ولا من أجل نوح، ولا موسى، ولا عيسى، ولا غيرهم من الأنبياء، بل خلق الله الخلق ليعبد وحده لا شريك له.
خلق الله الدنيا وسائر الخلق ليعبد ويعرف ويعظم، وليعلم أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) [الذاريات: ٥٦] ، بين أنه خلقهم ليعبدوه، لا من أجل محمد ﵊.
ومحمد من جملتهم خلق ليعبد ربه، كما قال له سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢) [الحجر: ٩٩] ، وقال في سورة الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣) [الطلاق: ١٢] ، وقال : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ (٤) [ص: ٢٧] . فالله جل وعلا خلق الخلق ليعبد، خلقه بالحق وللحق ليعبد ويطاع ويعظم، وليعلم أنه على كل شيء قدير، وأنه العالم بكل شيء .
стр. 119
فأيها السائل، هذه الأشياء التي سمعتها باطلة لا أساس لها، لم يخلق الله الخلق، لا الجن، ولا الإنس، ولا السماء، ولا الأرض، ولا غير ذلك; لم يخلق ذلك من أجل محمد ﵊، ولا من أجل غيره من الرسل، وإنما خلق الخلق وخلق الدنيا ليعبد وحده لا شريك له، وليعرف بأسمائه وصفاته.
فهذا هو الحق، وهذا الذي قامت عليه الأدلة، وإن كان محمد ﷺ هو أشرف الناس، وهو أفضل الناس ﵊ وخاتم الأنبياء وسيد ولد آدم، لكن الله خلقه ليعبد ربه، وخلق الناس ليعبدوا ربهم ، ما خلقهم من أجل محمد، وإن كان أفضل الناس، فاعرف هذا وبلغه لغيرك أيها السائل; لأن هذه مسألة مهمة، وقد وقع فيها بعض من ينتسب إلى العلم وهو من الجهلة ومن الغلاة، الذين ليس عندهم العلم الحقيقي الأصيل، وإنما هم في الحقيقة من الجهلة والعامة الذين ليس عندهم علم.
أما أهل العلم والبصائر فهم يعلمون أن هذا باطل، وأن الله خلق الخلق ليعبد وحده لا شريك له، وليعرف بأسمائه وصفاته وأنه الحكيم العليم، وأنه السميع المجيب، وأنه العليم القادر على كل شيء ، وأنه الكامل في صفاته وأسمائه وذاته وأفعاله كما سبق.
стр. 120
عرج بالنبي ﷺ إلى السماوات، فهل هو أول رائد فضاء ؟
س٤٧: يقول السائل في رسالته: عندما كنت أدرس بالمرحلة المتوسطة طرح لنا أحد الأساتذة سؤالا وقال فيه: من هو أول رائد للفضاء؟ فأجبنا على سؤاله بأنه سوفيتي الجنسية. وقال لنا الأستاذ الإجابة خطأ. وقال: إن أول رائد للفضاء هو نبينا محمد ﷺ ، عندما عرج به إلى السماوات، وكانت مركبته البراق. فهل هذا صحيح؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: لا نعلم في الموضوع غير ما ذكره المجيب; فإننا لا نعلم أحدا عرج به إلى السماء وفرضت عليه صلوات خمس سوى نبينا ﵊، فإنه عرج به إلى السماء السابعة حتى كان فوقها، وحتى سمع كلام الرب . فإذا عبر عنه بأنه رائد فضاء فهذا له بعض الوجاهة، لكن ليس بصحيح أنه رائد فضاء، بل إنما عرج به إلى السماء، إلى ربه ليفيض عليه بما يشاء ، وليس المقصود من هذه الرحلة أن يجوب الفضاء، وأن ينظر في الفضاء، بل المقصود من هذه الرحلة مع الملك جبرائيل ﵊ أن يرتفع إلى الله، ويجوب السماوات حتى يصل إلى ما فوق السماء السابعة، وحتى يسمع كلام ربه، وليس المقصود أن يجوب الفضاء.
وهذا الكلام الذي قاله هذا المجيب له بعض الوجاهة من جهة أن النبي ﷺ شق الفضاء كله حتى جاوز السبع الطباق، فله وجه من هذه الحقيقة، لكن ليس هو المعنى المقصود عند الدول الموجودة اليوم أمريكا والسوفيت وغيرهم; فإن مقصودهم هو اختبار الفضاء، واختبار
стр. 121
ما فيه من العجائب وهو ما دون السماء الدنيا، وليس المقصود هذا المعنى الذي حصل للنبي ﷺ .
فالمجيب الذي قال: السوفيتي له وجه، والسائل الذي سأله لقصده وجه، ولكن ليس منطبقا على مراد الناس اليوم، وعلى مقصود الناس اليوم; لأن الرسول ﷺ لم يرتحل ليجوب الفضاء، وإنما ارتحل بأمر ربه، ليتصل بالله فوق السماء السابعة، وليسمع كلامه ، وليمتثل أمره جل وعلا، فالرسول ﷺ مأمور بأن يرتحل هذه الرحلة العظيمة، ويسمع كلام ربه، وليفرض الله عليه هذه الصلوات العظيمة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. والله ولي التوفيق.
стр. 122
حول رؤية الرسول ﷺ في المنام
س٤٨: يقول السائل: ادعى بعض الناس أنه رأى النبي ﷺ في المنام، وأنه ﵊ قال له: إنه خجلان في قبره؛ لأن الحرب لم تتوقف بين إيران والعراق. وقال آخر: إنه رآه ﵊ وقال له: سوف تستمر الحرب ستة وثلاثين شهرا وها قد مضى على الحرب الآن أربع سنوات فما حكم الشرع في مثل هذه الرؤى التي فيها ما يخالف الواقع؟
الجواب: كثير من الناس يدعي أنه رأى النبي ﷺ ، وهو إما كاذب، وإما أنه لم يعرف الرسول ﷺ ، وظن أنه الرسول وليس هو الرسول ﵊.
стр. 123
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (١) ، فمن رآه في صورته فقد رآه، وهو ﷺ لا يقول إلا الحق.
لكن هذه المرائي تعرض على ما علم من الشرع، فإن وافقت ما علم من الشرع فهي حق، وإلا فهي تلبيس على صاحبها، وأن صاحبها لم ير الرسول ﷺ ، وإنما خيل له وظن أنه الرسول وليس هو الرسول، فقد يراه بعض الناس في صورة شاب أمرد، وقد يراه بعض الناس شيبة قد ابيض شعره، وقد يراه بعض الناس في صورة إنسان قصير، وقد يراه بعض الناس في صورة إنسان طويل، وقد يراه بعض الناس في صورة إنسان أسود اللون، وقد يراه بعض الناس في صور أخرى، وهذا ليس هو الرسول ﷺ .
الرسول ربعة من الرجال، أبيض اللون، مشرب بحمرة ﵊، من أجمل الرجال ﵊، شعره أسود ليس فيه إلا بياض قليل، شعرات قليلة من الشيب.
فلا بد في الرائي أن يكون رآه على صورته المعروفة في كتب الحديث والسيرة، وأن يكون ثقة معروفا بالصدق والأمانة والعدالة، وإلا فإنه لا يعتمد على قوله؛ ولهذا قال ﷺ : «فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (٢) ولم يقل لا يتمثل بي، بل قال: «في صورتي» (٣) ، فدل ذلك على أنه إذا رآه الإنسان في غير صورته فليس هو النبي ﵊، ثم إذا رآه فلا بد أن يعرض ما رآه على ما جاء به الشرع إن كانت تتعلق بالأحكام والعبادات فتعرض على الشرع، فإن خالفت الشرع فليس هو النبي عليه
стр. 124
الصلاة والسلام.
ثم قوله: خجلان ليس من لغة النبي ﷺ ، بل هذه من لغة العصر، فهذا دليل على أنه لم ير الرسول ﵊ وإنما رأى شيطانا، ثم الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، والوحي قد انقطع، فهو لا يعلم الغيب في حياته إنما يعلم ما أوحى الله إليه وبينه له ، وما لم يأت به الوحي لا يعلمه ﵊ من أمور الغيب، فهو لا يعلم شأن الحرب التي بين العراق وبين إيران، والوحي قد انقطع بوفاته ﵊، وهذا من أوضح الدلالة على أن هذه الرؤيا مكذوبة وليست من النبي ﷺ ، بل هي من بعض الشياطين الذين تراءوا للرجل القائل، أو أنه كاذب في رؤياه ولم ير شيئا.
стр. 125
الواجب الصلاة عليه إذا مر ذكره ﷺ
س٤٩: يقول السائل: هل يجب أن يصلى على النبي ﷺ كلما مر ذكره أم إن ذلك سنة؟
الجواب: الواجب الصلاة عليه إذا مر ذكره ﵊; لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل علي» (١) ، وهذا يدل على أن الصلاة عليه واجبة عند ذكره ﷺ .
стр. 126
عدد أهل الكهف
س٥٠: سائلة تسأل تقول: ما هو القول الصحيح في عدد أهل الكهف؟ وهل هم أصحاب الصخرة؟ أم غيرهم؟ وإن كان كذلك فمن هم إذن أصحاب الصخرة؟ وما هي قصتهم؟
الجواب: أهل الكهف بينهم الله في كتابه العظيم، والأقرب هو ما قاله جماعة من أهل العلم أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، هذا هو الأقرب والأظهر، وهم أناس مؤمنون، آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، وفارقوا قومهم لأجل الشرك والكفر، فلما توفاهم الله بعد ذلك بعدما ناموا المدة الطويلة توفاهم الله بعد ذلك على دينهم الحق، هؤلاء هم أهل الكهف كما بينه الله في كتابه العزيز.
إنهم فتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، وناموا النومة الطويلة بإذن الله، ثم ماتوا بعد ذلك ثم بنى عليهم بعض أهل الغلبة من الأمراء والرؤساء مسجدا، وقد أخطأوا وغلطوا في ذلك; لأن القبور لا يجوز البناء عليها ولا اتخاذ المساجد عليها؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ، وحذر من البناء على القبور، وتجصيصها، واتخاذ المساجد عليها، كل هذا نهى عنه الرسول ﷺ ، فلا يجوز للمسلمين أن يبنوا على القبور مساجد ولا قبابا ولا غير ذلك، بل تكون القبور ضاحية للشمس والأمطار ليس عليها بناء، لا قبة ولا مسجد ولا غير ذلك؛ عملا بالأحاديث الصحيحة وسدا لذريعة الغلو فيها والشرك بأهلها.
وهكذا كانت قبور المسلمين في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء
стр. 127
الراشدين حتى غير الناس بعد ذلك وبنوا على القبور وهذا من الجهل والغلط والمنكر العظيم؛ لقول رسول الله ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ، قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا، وقال ﷺ لما أخبرته أم حبيبة وأم سلمة لما كانتا في أرض الحبشة عن كنيسة فيها تصاوير قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصور» (٢) ، ثم قال: «أولئك شرار الخلق عند الله» (٣) .
فأخبر أنهم شرار الخلق بسبب بنائهم على القبور واتخاذهم الصور عليها، نسأل الله السلامة، وقال ﷺ فيما رواه جندب بن عبد الله في صحيح مسلم: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) ، فنهى ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد وحذر من هذا وبين أنه من عمل من كان قبلنا من اليهود والنصارى وهو عمل مذموم ملعون فاعله لكونه من وسائل الشرك، فلا يجوز للمسلمين أن يتخذوا قبابا ولا مساجد على قبور أمواتهم، بل هذا منكر ومن وسائل الشرك.
أما أصحاب الصخرة فهم أناس خرجوا يتمشون فآواهم المبيت والمطر إلى غار في جبل، فلما دخلوا انحدرت عليهم صخرة وسدت عليهم باب الغار، فقالوا فيما بينهم: لا ينجيكم من هذا إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم -التي فعلتموها لله-.
فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر ذات ليلة فلم أرح عليهما
стр. 128
إلا وقد ناما فوقفت بالقدح أنتظر استيقاظهما فلم يستيقظا حتى برق الصبح، والصبية يتضاغون تحت قدمي. اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئا قليلا لا يستطيعون معه الخروج.
ثم قال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإني أردتها على نفسها فأبت، فألمت بها سنة -يعني: حاجة في بعض السنين- فجاءت إلي تطلبني، فقلت لها: لا حتى تمكنيني من نفسك، فوافقت على ذلك -على عشرين ومائة دينار سلمها لها- فلما جلس بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام خوفا من الله وتركها، وترك الذهب لها، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة أيضا ولكنهم لا يستطيعون الخروج.
ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيت كل أجير حقه إلا أجيرا واحدا كان له فرق من أرز فتركه، فثمرته له حتى اشتريت منه رقيقا وإبلا وبقرا وغنما فجاء بعد ذلك وقال: أعطني حقي، فقلت: يا عبد الله كل هذا من حقك، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت له: إني لا أستهزئ بك بل هذا كله من حقك، فأخذه واستاقه جميعا. اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون.
وهذا دليل على أن الله على كل شيء قدير وأنه يبتلي عباده بالسراء والضراء، وهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم
стр. 129
في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، فهو حديث صحيح فيه عبرة وفيه إرشاد إلى الضراعة إلى الله، وسؤاله عند الكروب والشدائد، وأنه سبحانه قريب مجيب يسمع دعاء الداعي ويجيب دعوته إذا شاء ، وأن الأعمال الصالحات من أسباب تفريج الكروب، ومن أسباب تيسير الأمور، ومن أسباب إزالة الشدة، والمؤمن إذا وقع في الشدة يضرع إلى الله ويسأله ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته وبأعماله الصالحة، بإيمانه بالله ورسوله وبتوحيده وإخلاصه لله.
هذه هي الأسباب، والله سبحانه من فضله وإحسانه يجيب دعوة المضطر، ويرحم عبده المؤمن، ويجيب سؤاله، كما قال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١) [البقرة: ١٨٦] ، وهو القائل سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) [غافر: ٦٠] ، وهو القائل سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٣) [النمل: ٦٢] ، وهؤلاء مضطرون، نزل بهم أمر عظيم وكربة شديدة، فسألوا الله بصالح الأعمال فأجاب الله دعاءهم.
وفي هذا من الفوائد فضل بر الوالدين، وأن بر الوالدين من أفضل القربات ومن أسباب تفريج الكروب وتيسير الأمور، وهكذا العفة عن الزنا، فإن الحذر من الزنا من الأعمال الصالحات، ومن أسباب تفريج الكروب ومن أسباب النجاة من كل شدة، ومن أفضل الأعمال الصالحات، وهكذا أداء الأمانة، والنصح في أداء الأمانة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب، ومن أفضل الأعمال الصالحات والنعم،
стр. 130
فهذه الأعمال الصالحة من أسباب النجاة في الدنيا والآخرة.
стр. 131
قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (١)
س٥١: يقول السائل: ورد في سورة الكهف على لسان الرجل الصالح في قصته مع موسى ﵇، في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٢) إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٣) [الكهف: ٧٩-٨٢] .
لاحظت أنه عند السفينة قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (٤) وعند ذكر الأبوين المؤمنين: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ (٥) وعند ذكر قصة اليتيمين صاحبي الجدار: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ (٦) فما الفرق بين التعابير الثلاثة؟ وهل ذلك يعني أن للرجل الصالح إرادة في الأمر مع إرادة الله؟
الجواب: الصحيح أن هذا الرجل هو الخضر صاحب موسى ﵊، وأنه نبي، وليس مجرد رجل صالح بل الصحيح أنه نبي، ولهذا قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (٧) أي: بل عن أمر الله .
وجاء في القصة نفسها في الصحيح أنه قال لموسى: «إنك على علم من علم الله علمك الله إياه لا أعلمه أنا، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت» (٨) .
فدل ذلك على أنه من الأنبياء، ولهذا قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ (٩)
стр. 132
وقال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (١) والرسول يعلم إرادة الله حيث جاءه الوحي بذلك.
وفي قصة السفينة نسب الأمر إليه ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (٢) هذا والله أعلم لأن الرب سبحانه ينسب إليه الشيء الطيب، والعيب ظاهره ليس من الشيء الطيب، فنسبه إلى نفسه تأدبا مع ربه ، فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (٣) وهذا عيب يراد منه أن تسلم السفينة حتى لا يأخذها الملك; لأنه كان يأخذ كل سفينة صالحة سليمة فأراد الخضر أن يعيبها لتسلم من هذا الملك إذا رآها معيبة خاربة تسلم من شره وظلمه، فلما كان ظاهر الأمر لا يناسب ولا يليق إضافته لله نسبه لنفسه فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (٤)
وعند ذكر الأبوين المؤمنين قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ (٥) كذلك لما كان أمرا طيبا نسبه إلى نفسه؛ لأنه مأمور من جهة الله (أردنا) ، وذكر نون الجمع؛ لأنه نبي، والنبي رجل عظيم فناسب أن يقول: (أردنا) ، ولأنه عن أمر الله وعن توجيه الله فناسب أن يقال فيه: (أردنا) ، ولأنه كان عملا طيبا ومناسبا وفيه مصلحة.
ولما كان أمر اليتيمين فيه خير عظيم وصلاح لهما، ومنفعة لهما قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ (٦) فنسب الخير إليه ، وهذا من جنس قول الجن في سورة الجن، حيث قال سبحانه عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (٧) [الجن: ١٠] .
فالشر لم يضيفوه إلى الله ، ولما جاء الرشد قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (٨) فنسبوا الرشد إلى الله ; لأن
стр. 133
الرشد خير فنسبوه إلى الله، وأما الشر فلا ينسب إليه، كما جاء في الحديث الصحيح: «والشر ليس إليك» (١) ، وهذا من الأدب الصالح، من أدب الجن المؤمنين، ومن أدب الخضر ﵊، قال في العيب: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (٢) وفي اليتيمين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ (٣) وهذا من الأدب المناسب مع الله سبحانه.
стр. 134
(١٢)
اليوم الآخر
стр. 135
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)
س٥٢: يقول السائل: يقول الله تعالي: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢) [النمل: ٨٢] . ما تفسير هذه الآية الكريمة. جزاكم الله خيرا؟
الجواب: جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنها دابة تخرج في آخر الزمان عند طلوع الشمس من مغربها; قبلها بقليل أو بعدها بقليل، والله أعلم بمكثها في الأرض، ولكنها تخرج في آخر الزمان، وتكلم الناس، كما قال الله ، وأما تفاصيل أخبارها فليس في تفاصيل أخبارها أحاديث صحيحة فيما أعلم.
стр. 136
حول السؤال عن الأعمال يوم القيامة
س٥٣: يقول السائل في رسالته: يقول الله تعالى يوم القيامة: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (١) [النحل: ٥٦] ، ويقول جل وعلا: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) [النحل: ٩٣] ، ولكني وجدت آية في سورة الرحمن تنفي حدوث السؤال للإنس والجن يوم القيامة، يقول المولى فيها: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٣) [الرحمن: ٣٩] ، فكيف يمكن الجمع بين هذه الآيات التي تثبت الحساب والأخرى التي تنفي السؤال؟
الجواب: أيها الأخ السائل، اعلم أن يوم القيامة له أحوال وله شئون، وهو يوم طويل، مقداره خمسون ألف سنة، كما قال جل وعلا في كتابه
стр. 137
العظيم: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١) ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (٢) ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (٣) ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٤) [المعارج: ٤-٧] .
فهو يوم طويل عظيم، وله شئون وله أحوال، والناس فيه على أحوال، ففي وقت يسألون، وفي وقت لا يسألون، في وقت يسألهم الله عن أعمالهم، كما قال : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥) ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) [الحجر: ٩٢، ٩٣] ، فيسألهم ويجازيهم، وتعرض عليهم صحائفهم، وفي وقت آخر من هذا اليوم الطويل لا يسألون، وهكذا ما في قوله جل وعلا عن الكفار أنهم قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٧) [الأنعام: ٢٣] ، وفي الموضع الآخر قال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٨) [النساء: ٤٢] ، ولهذا نظائر، فيوم القيامة طويل عظيم، للناس فيه شئون مع ربهم ، فتارة يقرون وتارة يجحدون، وتارة يسألون وتارة لا يسألون، فانتبه لهذا، ولا تشك في شيء من ذلك، فكله حق، والله المستعان.
стр. 138
مصير من تساوت حسناته وسيئاته
س٥٤: ما مصير من تساوت حسناته وسيئاته يوم الحساب، هل سيدخل الجنة أم لا بد أن يأخذ نصيبه من النار؟
الجواب: الله أعلم، أمره إلى الله سبحانه، لكن لا بد من القطع بأنه لا بد أن يكون مصيره إلى الجنة في المنتهى، أما كونه قد يعذب أو لا يعذب، هذا إلى الله ; لأن الموحد الذي تساوت حسناته وسيئاته
стр. 139
منتهاه الجنة، لكن قد يعفى عنه بفضل الله سبحانه، ويدخل الجنة من أول وهلة، وقد يدخل النار بسيئاته التي لم يتب منها، فهو تحت مشيئة الله ، والله أعلم هل يدخل الجنة من أول وهلة أو لا يعفى عنه، بل يعذب على قدر المعاصي التي مات عليها ولم يتب، ثم يدخل الجنة.
هذه قاعدة عند أهل السنة والجماعة; وهي أن مصير الموحدين الجنة، سواء دخلوا النار أم لم يدخلوا النار; فمن دخلها بذنوبه فإنه لا يخلد فيها; بل يخرج منها بعدما يطهر ويمحص يخرج من النار إلى الجنة، يلقى في ماء الحياة فينبت كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم بعد ذلك يدخل الجنة، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، وقد يعفو الله عن العاصي الموحد المؤمن، بشفاعة الشفعاء أو برحمته من دون شفاعة أحد، فيدخله الله الجنة جل وعلا، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [النساء: ٤٨ و ١١٦] .
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أن بعض العصاة يدخل النار ويبقى فيها ما شاء الله، ثم يخرجه الله سبحانه من النار بسبب توحيده وإيمانه وإسلامه إلى الجنة، فالذين تتساوى حسناتهم وسيئاتهم هم في حكم العصاة، وأمرهم إلى الله .
стр. 140
شفاعة النبي ﷺ
س٥٥: يقول السائل: للنبي ﷺ يوم القيامة ثلاث شفاعات، فلمن
стр. 141
تجوز الشفاعة الأولى والثانية والثالثة؟
الجواب: له ﵊ ثلاث شفاعات خاصة به ﵊.
إحداها: الشفاعة العظمى في أهل الموقف يوم القيامة، يشفع لهم حتى يقضى بينهم، وهذا هو المقام المحمود الذي قال فيه سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) [الإسراء: ٧٩] ، هذا هو المقام المحمود الذي يبعثه الله يوم القيامة، وهو أنه يشفع في أهل الموقف ﵊ إلى الله سبحانه ليقضى بينهم في هذا الموقف العظيم، حتى ينصرف كل إلى ما كتب الله له.
أما الشفاعة الثانية: فهي الشفاعة في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة ; فإنهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته ﵊ فيشفع إلى ربه فيؤذن لهم بدخول الجنة.
الشفاعة الثالثة: خاصة بعمه أبي طالب، يشفع في عمه أبي طالب أن يخفف عنه، قال ﷺ : إنه وجده في غمرات النار فشفع له حتى صار في ضحضاح من النار، فالرسول ﷺ يشفع لعمه أبي طالب فقط في التخفيف لا في الخروج; لأنه مات كافرا، هذا الذي عليه أهل العلم والتحقيق، أنه مات كافرا، أراد النبي ﷺ عند موته أن يقول لا إله إلا الله فأبى وقال: هو على ملة عبد المطلب فمات على الكفر بالله.
فالرسول ﷺ شفع له بأن يكون في ضحضاح من النار، بسبب ما حصل من نصره للنبي ﷺ وتعبه وحمايته له ﵊، ولهذا حرص ﷺ أن يسلم لكن لم يقدر له الإسلام فصار هذا من الآيات
стр. 142
الدالة على أنه ﷺ لا يملك هداية أحد، فالهداية بيد الله ، فهو يهدي من يشاء، ولهذا لما مات عمه أبو طالب على الكفر أنزل الله في حقه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [القصص: ٥٦] ، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) [البقرة: ٢٧٢] .
ولهذا شفع فيه في أن يكون في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه -نسأل الله العافية-، ولقد قال النبي ﷺ : «أهون الناس عذابا يوم القيامة أبو طالب فإنه في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه» (٣) أو كما قال ﵊. وفي لفظ آخر يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة من يكون له نعلان من نار يغلي منهما دماغه» (٤) وهو يرى أنه أشد الناس عذابا وهو أهونهم عذابا.
وهناك شفاعات له أخرى ﷺ ليست مختصة به ﷺ ، فهناك شفاعات فيمن دخل النار من أهل التوحيد يخرج منها، ومن لم يدخلها أن لا يدخلها من العصاة; فإن العصاة قسمان:
قسم يعفى عنه قبل دخول النار بالشفاعة أو برحمة الله ، وعفوه جل وعلا.
وقسم يدخل النار بمعاصيهم وسيئاتهم ثم بعد ما يمضي عليهم ما شاء الله في النار يخرجون منها بشفاعة الشفعاء، أو برحمة الله سبحانه المجردة من دون شفاعة أحد; لأنه كتب جل وعلا أنه لا يخلد فيها إلا الكفرة، فالنار لا يخلد فيها إلا الكفار.
стр. 143
أما العصاة إذا دخلوها فإنهم يمكثون فيها ما شاء الله ثم يخرجون، هذا هو الذي عليه أهل الحق; من أهل السنة والجماعة أن العصاة لا يخلدون في النار ولكن يمكث فيها من دخلها منهم ما شاء الله ثم يخرجهم الله من النار إلى نهر يقال له نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في (حميل) السيل.
وهؤلاء الذين يخرجون من النار أقسام:
منهم من يخرج بشفاعة النبي ﷺ ، ومنهم من يخرج بشفاعة غيره من الأنبياء، ومنهم من يخرج بشفاعة الملائكة، ومنهم من يخرج بشفاعة المؤمنين والأفراط، ومنهم من يبقى في النار حتى يخرجه الله برحمته، من دون شفاعة أحد، فإذا شفع الشفعاء وانتهى أمرهم يخرج الله من النار من بقي فيها من بقيه أهل التوحيد، الذين ماتوا على بعض السيئات والمعاصي، فيخرجهم سبحانه من النار فضلا منه ورحمة .
والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) مع ما ثبت من الأحاديث الصحيحة عن ذلك.
стр. 144
مصير أهل الفترة
س٥٦: يقول السائل: نعلم أن من كان من أهل الجاهلية، أي: قبل مبعث النبي ﷺ ، فهو من أهل الفترة، وسؤالي عن حكم أهل الفترة لأنني سمعت حديثا عن رسول الله ﷺ : «أنه جاءه رجل فقال: أين أبي؟ فقال في النار فذهب الرجل يبكي فناداه فقال له إن: أبي وأباك في النار» (١) فهل هذا الحديث صحيح؟ أفيدونا أفادكم الله؟
стр. 145
الجواب: الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، ويؤمرون فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، وجاء في هذا عدة أحاديث عن أبي هريرة ﵁، وعن الأسود بن سريع التميمي، وعن جماعة، كلها تدل على أنهم يمتحنون يوم القيامة، ويخرج لهم عنق من النار، ويؤمرون بالدخول فيه، فمن أجاب صار عليه بردا وسلاما، ومن أبى التف عليه وأخذه وصار إلى النار، نعوذ بالله من ذلك.
فالمقصود أنهم يمتحنون فمن أجاب وقبل ما طلب منه وامتثل دخل الجنة، ومن أبى دخل النار، وهذا هو أحسن ما قيل في أهل الفترة.
وأما حديث: «إن أبي وأباك في النار» (١) فهو حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه، «أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال في النار فلما ولى دعاه وقال له إن أبي وأباك في النار» (٢) واحتج العلماء بهذا على أن أبا النبي ﷺ كان ممن بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة، فلهذا قال: في النار، ولو أنه كان من أهل الفترة لم يقل له النبي ﷺ هذا الكلام في حقه، وهكذا لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه نهي عن ذلك، ولكنه أذن له أن يزورها، ولم يؤذن له في الاستغفار لها، فهذا يدل على أنهما بلغتهما الدعوة، وأنهما ماتا على دين الجاهلية، وعلى دين الكفر، وهذا هو الأصل في الكفار أنهم في النار، إلا من كان لم تبلغه الدعوة أعني دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام فهذا هو صاحب الفترة، فمن كان في علم الله أنه لم تبلغه الدعوة والله أحكم الحاكمين وهو الحكم العدل، فيمتحنه يوم