← Фатава

Фатава · id 8380

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الطيار والموسى - قسم العقيدة

ابن باز

Полный текст (503 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تجوز الشفاعة الأولى والثانية والثالثة؟ الجواب: له ﵊ ثلاث شفاعات خاصة به ﵊. إحداها: الشفاعة العظمى في أهل الموقف يوم القيامة، يشفع لهم حتى يقضى بينهم، وهذا هو المقام المحمود الذي قال فيه سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) [الإسراء: ٧٩] ، هذا هو المقام المحمود الذي يبعثه الله يوم القيامة، وهو أنه يشفع في أهل الموقف ﵊ إلى الله سبحانه ليقضى بينهم في هذا الموقف العظيم، حتى ينصرف كل إلى ما كتب الله له. أما الشفاعة الثانية: فهي الشفاعة في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة ; فإنهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته ﵊ فيشفع إلى ربه فيؤذن لهم بدخول الجنة. الشفاعة الثالثة: خاصة بعمه أبي طالب، يشفع في عمه أبي طالب أن يخفف عنه، قال ﷺ : إنه وجده في غمرات النار فشفع له حتى صار في ضحضاح من النار، فالرسول ﷺ يشفع لعمه أبي طالب فقط في التخفيف لا في الخروج; لأنه مات كافرا، هذا الذي عليه أهل العلم والتحقيق، أنه مات كافرا، أراد النبي ﷺ عند موته أن يقول لا إله إلا الله فأبى وقال: هو على ملة عبد المطلب فمات على الكفر بالله. فالرسول ﷺ شفع له بأن يكون في ضحضاح من النار، بسبب ما حصل من نصره للنبي ﷺ وتعبه وحمايته له ﵊، ولهذا حرص ﷺ أن يسلم لكن لم يقدر له الإسلام فصار هذا من الآيات

стр. 142

الدالة على أنه ﷺ لا يملك هداية أحد، فالهداية بيد الله ، فهو يهدي من يشاء، ولهذا لما مات عمه أبو طالب على الكفر أنزل الله في حقه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [القصص: ٥٦] ، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) [البقرة: ٢٧٢] . ولهذا شفع فيه في أن يكون في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه -نسأل الله العافية-، ولقد قال النبي ﷺ : «أهون الناس عذابا يوم القيامة أبو طالب فإنه في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه» (٣) أو كما قال ﵊. وفي لفظ آخر يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة من يكون له نعلان من نار يغلي منهما دماغه» (٤) وهو يرى أنه أشد الناس عذابا وهو أهونهم عذابا. وهناك شفاعات له أخرى ﷺ ليست مختصة به ﷺ ، فهناك شفاعات فيمن دخل النار من أهل التوحيد يخرج منها، ومن لم يدخلها أن لا يدخلها من العصاة; فإن العصاة قسمان: قسم يعفى عنه قبل دخول النار بالشفاعة أو برحمة الله ، وعفوه جل وعلا. وقسم يدخل النار بمعاصيهم وسيئاتهم ثم بعد ما يمضي عليهم ما شاء الله في النار يخرجون منها بشفاعة الشفعاء، أو برحمة الله سبحانه المجردة من دون شفاعة أحد; لأنه كتب جل وعلا أنه لا يخلد فيها إلا الكفرة، فالنار لا يخلد فيها إلا الكفار.

стр. 143

أما العصاة إذا دخلوها فإنهم يمكثون فيها ما شاء الله ثم يخرجون، هذا هو الذي عليه أهل الحق; من أهل السنة والجماعة أن العصاة لا يخلدون في النار ولكن يمكث فيها من دخلها منهم ما شاء الله ثم يخرجهم الله من النار إلى نهر يقال له نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في (حميل) السيل. وهؤلاء الذين يخرجون من النار أقسام: منهم من يخرج بشفاعة النبي ﷺ ، ومنهم من يخرج بشفاعة غيره من الأنبياء، ومنهم من يخرج بشفاعة الملائكة، ومنهم من يخرج بشفاعة المؤمنين والأفراط، ومنهم من يبقى في النار حتى يخرجه الله برحمته، من دون شفاعة أحد، فإذا شفع الشفعاء وانتهى أمرهم يخرج الله من النار من بقي فيها من بقيه أهل التوحيد، الذين ماتوا على بعض السيئات والمعاصي، فيخرجهم سبحانه من النار فضلا منه ورحمة . والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) مع ما ثبت من الأحاديث الصحيحة عن ذلك.

стр. 144

مصير أهل الفترة س٥٦: يقول السائل: نعلم أن من كان من أهل الجاهلية، أي: قبل مبعث النبي ﷺ ، فهو من أهل الفترة، وسؤالي عن حكم أهل الفترة لأنني سمعت حديثا عن رسول الله ﷺ : «أنه جاءه رجل فقال: أين أبي؟ فقال في النار فذهب الرجل يبكي فناداه فقال له إن: أبي وأباك في النار» (١) فهل هذا الحديث صحيح؟ أفيدونا أفادكم الله؟

стр. 145

الجواب: الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، ويؤمرون فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، وجاء في هذا عدة أحاديث عن أبي هريرة ﵁، وعن الأسود بن سريع التميمي، وعن جماعة، كلها تدل على أنهم يمتحنون يوم القيامة، ويخرج لهم عنق من النار، ويؤمرون بالدخول فيه، فمن أجاب صار عليه بردا وسلاما، ومن أبى التف عليه وأخذه وصار إلى النار، نعوذ بالله من ذلك. فالمقصود أنهم يمتحنون فمن أجاب وقبل ما طلب منه وامتثل دخل الجنة، ومن أبى دخل النار، وهذا هو أحسن ما قيل في أهل الفترة. وأما حديث: «إن أبي وأباك في النار» (١) فهو حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه، «أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال في النار فلما ولى دعاه وقال له إن أبي وأباك في النار» (٢) واحتج العلماء بهذا على أن أبا النبي ﷺ كان ممن بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة، فلهذا قال: في النار، ولو أنه كان من أهل الفترة لم يقل له النبي ﷺ هذا الكلام في حقه، وهكذا لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه نهي عن ذلك، ولكنه أذن له أن يزورها، ولم يؤذن له في الاستغفار لها، فهذا يدل على أنهما بلغتهما الدعوة، وأنهما ماتا على دين الجاهلية، وعلى دين الكفر، وهذا هو الأصل في الكفار أنهم في النار، إلا من كان لم تبلغه الدعوة أعني دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام فهذا هو صاحب الفترة، فمن كان في علم الله أنه لم تبلغه الدعوة والله أحكم الحاكمين وهو الحكم العدل، فيمتحنه يوم

стр. 146

القيامة. أما من بلغته دعوة الرسل في حياته، كدعوة إبراهيم وموسى وعيسى، وعرف الحق، ثم بقي على الشرك بالله فهذا ممن بلغتهم الدعوة، فيكون من أهل النار; لأنه عصى واستكبر عن اتباع الحق، والله جل وعلا أعلم.

стр. 147

حكم والدي النبي ﷺ س٥٧: قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ أخبر أن والديه في النار. والسؤال: ألم يكونا من أهل الفترة والقرآن صريح بأنهم ناجون؟ أفيدونا أفادكم الله. الجواب: أهل الفترة ليس في القرآن ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون، إنما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) [الإسراء: ١٥] فالله جل وعلا من كمال عدله لا يعذب أحدا إلا بعد بعث الرسول، فمن لم تبلغه الدعوة فليس بمعذب حتى تقام عليه الحجة، أخبر سبحانه أنه لا يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة. والحجة قد تقوم عليهم حتى يوم القيامة، كما جاء في السنة أنه تقام الحجة على أهل الفترات ويمتحنون يوم القيامة; فمن أجاب وامتثل نجا، ومن عصى دخل النار، والنبي ﷺ قال: «إن أبي وأباك في النار لرجل سأله عن أبيه قال أين أبي فقال في النار فلما رأى ما في وجهه من التغير قال إن أبي وأباك في النار» (٣) حتى يتسلى بذلك، وأنه

стр. 148

ليس خاصا بأبيه، ولعل هذين بلغتهما الحجة، فلعل أبا الرجل وأبا النبي ﷺ بلغتهما الحجة. والنبي ﷺ حينما قال: «إن أبي وأباك في النار» (١) قاله عن علم، فهو ﵊ لا ينطق عن الهوى، كما قال الله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٢) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٣) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥) [النجم: ١-٤] . فلولا أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ قد قامت عليه الحجة; لما قال النبي ﷺ في حقه ما قاله، فلعله بلغه ما يوجب عليه الحجة من جهة دين إبراهيم ﵊، فإنهم كانوا على ملة إبراهيم حتى أحدثوا ما أحدثه عمرو بن لحي الخزاعي، وسار في الناس ما أحدثه عمرو، من بث الأصنام ودعوتها من دون الله، فلعل عبد الله كان قد بلغه ما يدل على أن ما عليه قريش من عبادة الأصنام باطل فتابعهم; فلهذا قامت عليه الحجة. وهكذا ما جاء في الحديث من أنه ﷺ استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له، فاستأذن أن يزورها فأذن له، فهو لم يؤذن له أن يستغفر لأمه; فلعله لأنه بلغها ما يقيم عليها الحجة، أو لأن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في أحكام الدنيا، فلا يدعى لهم، ولا يستغفر لهم; لأنهم في ظاهرهم كفار، وظاهرهم مع الكفرة، فيعاملون معاملة الكفرة وأمرهم إلى الله في الآخرة. فالذي لم تقم عليه الحجة في الدنيا لا يعذب حتى يمتحن يوم القيامة; لأنه قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٦) [الإسراء: ١٥]

стр. 149

فإذا علم أن أناسا في فترة لم تبلغهم دعوة نبي فإنهم يمتحنون يوم القيامة فإن أجابوا صاروا إلى الجنة وإن عصوا صاروا إلى النار، وهكذا الشيخ الهرم الذي ما بلغته الدعوة، والمجانين الذين ما بلغتهم الدعوة وأشباههم، وأطفال الكفار على الصحيح يمتحنون; لأن الرسول ﷺ لما سئل عنهم قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) فأولاد الكفار يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة، فإن أجابوا جوابا صحيحا نجوا، وإلا صاروا مع الهالكين، فليس بحمد الله في حق أبوي النبي ﷺ إشكال على من عرف السنة وقاعدة الشرع.

стр. 150

مصير أطفال المسلمين وأطفال المشركين الذين ماتوا صغارا س٥٨: يقول السائل: قرأت في كتاب شفاء العليل رواية «عن أم المؤمنين عائشة ﵂ حينما توفي طفل قالت طوبى لك طير من طيور الجنة فقال ﷺ وما يدريك يا عائشة أنه في الجنة لعل الله اطلع على ما كان يفعل؟» (١) والنبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة» (٢) ذكر منهم: «الطفل حتى يحتلم» (٣) والروايتان صحيحتان فلا أدري كيف الجمع بينهما. الجواب: هذا الحديث حديث صحيح عند الشيخين، قالت فيه عائشة ﵂: عصفور من عصافير الجنة. قال النبي: «لا يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (٤) والمقصود من هذا منعها من أن تشهد لأحد معين بالجنة أو بالنار،

стр. 151

ولو كان طفلا لا يشهد له ; فقد يكون تابعا لأبويه وأبواه ليسا على الإسلام وإن أظهراه، فالإنسان قد يظهر الإسلام نفاقا، وقد تظهره أمه نفاقا، فلا يشهد لأحد بالجنة أو بالنار، ولو طفلا، ولا يقال هذا من أهل الجنة قطعا; لأنه لا يدري عن حالة والديه، والأطفال تبع لآبائهم. ومن كان مات على الصغر ولم يتبع للمسلمين فإنه يمتحن يوم القيامة على الصحيح، فإذا كان ليس ولدا للمسلمين بل لغيرهم من الكفار فإنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار، كأهل الفترة، فالصحيح أنهم يمتحنون، فهكذا الأطفال، ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) وجاء في السنة ما يدل على أنهم يمتحنون، يعني يختبرون يوم القيامة، ويؤمرون بأمر، فإن أطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، فالمقصود من هذا أنه لا يشهد لأحد معين بجنة ولا بنار إلا من شهد له الرسول ﷺ ، هذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة. فإنكار الرسول ﷺ على عائشة لأنها شهدت بالتعيين; لأنها قالت: عصفور من عصافير الجنة، فلهذا أنكر عليها أن تقول هذا; لأن هناك شيئا وراء هذا الأمر قد يكون سببا لعدم دخوله الجنة، وأنه يمتحن يوم القيامة، لأن والديه ليسا على الإسلام. أما أولاد المسلمين فإنهم تبع لآبائهم عند أهل السنة والجماعة في الجنة، وأما أولاد الكفار فإنهم يمتحنون يوم القيامة وهذا هو الحق، فمن أطاع يوم القيامة دخل الجنة ومن عصى دخل النار، كأهل الفترة، هذا هو الصواب وهذا وجه الحديث.

стр. 152

(١٣) القضاء والقدر

стр. 153

هل الإنسان مخير أم مسير؟ س٥٩: يقول السائل: هناك بعض الناس يقول: إن كل الأعمال التي يعملها الإنسان هي من إرادة الله فنرجو أن توضحوا لنا: هل الإنسان مخير أم مسير؟ الجواب: هذه المسألة قد يلتبس أمرها على بعض الناس، والإنسان مخير ومسير، مخير لأن الله أعطاه إرادة اختيارية، وأعطاه مشيئة يتصرف بها في أمور دينه ودنياه، فليس مجبرا مقهورا، بل له اختيار ومشيئة وله إرادة، كما قال : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (١) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) [التكوير: ٢٨، ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٣) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٤) [المدثر: ٥٥، ٥٦] ، وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ (٥) [الإسراء: ١٨] . فالعبد له اختيار وله إرادة وله مشيئة، لكن هذه الإرادة وهذه المشيئة لا تقع إلا بعد مشيئة الله ، فهو جل وعلا المصرف لعباده، والمدبر لشئونهم، فلا يستطيعون أن يشاءوا شيئا أو يريدوا شيئا إلا بعد مشيئة الله له وإرادته الكونية القدرية ، فما يقع في العباد، وما يقع منهم كله بمشيئة من الله سابقة وقدر سابق، فالأعمال والأرزاق والآجال والحروب وانتزاع ملك، وقيام ملك، وسقوط دولة، وقيام دولة، كله بمشيئة الله ، كما قال تعالى:

стр. 154

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) [آل عمران: ٢٦] . والمقصود أنه جل وعلا له إرادة في عباده ومشيئة لا يتخطاها العباد، ويقال لها الإرادة الكونية والمشيئة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن هذا قوله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) [الأنعام: ١٢٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) [يس: ٨٢] . فالعبد له اختيار وله إرادة ولكن اختياره وإرادته تابعتان لمشيئة الله وإرادته ، فالطاعات بقدر الله، والعبد مشكور عليها ومأجور، والمعاصي بقدر الله والعبد ملوم عليها ومأزور آثم، والحجة قائمة، فالحجة لله وحده سبحانه قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤) [الأنعام: ١٤٩] ، وقال : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٥) [الأنعام: ٣٥] . فالله سبحانه لو شاء لهداهم جميعا ولكن له الحكمة البالغة حيث جعلهم قسمين: كافرا ومسلما، وكل شيء بإرادته ومشيئته فينبغي للمؤمن أن يعلم هذا جيدا، وأن يكون على بينة في دينه فهو مختار، له إرادة، وله مشيئة، يستطيع يأكل، ويشرب، ويضارب، ويتكلم، ويطيع، ويعصي، ويسافر، ويقيم، ويعطي فلانا، ويحرم فلانا، إلى غير هذا، فله مشيئة في هذا وله قدرة; ليس مقهورا ولا

стр. 155

ممنوعا. ولكن هذه الأشياء التي تقع منه لا تقع إلا بعد سبق القدر من الله بها، بعد أن تسبق إرادة الله تعالى ومشيئته لهذا العمل قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (١) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) [التكوير: ٢٨، ٢٩] ، فهو سبحانه مسير لعباده، كما قال : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣) [يونس: ٢٢] ، فهو مسير لعباده وبيده نجاتهم وسعادتهم وضلالهم وهلاكهم، وهو المصرف لعباده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، يسعد من يشاء ويشقي من يشاء، لا أحد يعترض عليه . فينبغي لك يا عبد الله أن تكون على بصيرة في هذا الأمر، وأن تتدبر كتاب ربك، وسنة نبيك ﵊، حتى تعلم هذا واضحا في الآيات والأحاديث، فالعبد مختار له مشيئة وله إرادة وفي نفس الأمر ليس له شيء من نفسه، بل هو مملوك لله مقدور لله ، يدبره كيف يشاء فمشيئة الله نافذة، وقدره السابق ماض فيه، ولا حجة له في القدر السابق، فالله يعلم أحوال عباده ولا تخفى عليه خافية ، وهو المدبر لعباده والمصرف لشئونهم جل وعلا، وقد أعطاهم إرادة ومشيئة واختيارا يتصرفون به فله الحكمة البالغة والحجة الدامغة وهو الحكيم العليم.

стр. 156

ليس هناك تعارض بين الآيتين س٦٠: يقول السائل: يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١) [الشورى: ٣٠]

стр. 157

ويقول تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (١) [التوبة: ٥١] فما معنى الآيتين؟ وكيف نجمع بينهما علما بأن ظاهرهما التعارض؟ الجواب: ليس هناك تعارض يا أخي; فالله جل وعلا بين لنا أن ما أصابنا هو بأسباب كسبنا، وبين أن ما يقع فهو بقضائه وقدره ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٢) فقد سبق علمه وقدره وكتابته لكل شيء، ولكنه سبحانه علق ما أصابنا مما يضرنا بأنه بأسباب معاصينا وإن كانت مكتوبة مقدرة، لكن لنا كسب ولنا عمل ولنا اختيار. فكل شيء يقع بقدر سواء من الطاعات والمعاصي، فما وقع منا من معاص فهو من كسبنا ومن عملنا ونحن مؤاخذون به إذا فعلناه، ولنا عقول ومشيئة وقدرة وعمل ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣) [الشورى: ٣٠] ، والآية الأخرى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٤) [النساء: ٧٩] . فلا تنافي بين القدر وبين العمل; فالقدر سابق ولله الحجة البالغة ، والأعمال أعمالنا كالزنا وشرب الخمر وترك الصلاة والعقوق وقطيعة الرحم، فهي من أعمالنا ونحن نستحق عليها العقوبة بسبب تفريطنا وتقصيرنا لأن لنا اختيارا ولنا عمل ينسب إلينا، وإن كان سبق في علم الله كتابته وتقديره. فالقدر ليس حجة على فعل المعايب والمنكرات، فالله له الحكمة البالغة فيما مضى به قدره وعلمه وكتابته، ونحن

стр. 158

مسئولون عن أعمالنا وعن أخطائنا وعن تقصيرنا، ومؤاخذون بذلك إلا أن يعفو ربنا عنا. وبهذا تعلم أنه لا منافاة بين الآيتين، فإحداهما تدل على أن أعمالنا من كسبنا، وأننا نستحق عليها العقوبة إذا كانت غير صالحة، وهي أعمال لنا باختيارنا، والآية الأخرى تدل على أنه مضى في علم الله كتابتها وتقديرها، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) أخرجه مسلم في صحيحه. فهو سبحانه الحكيم العليم، العالم بكل شيء، الذي سبق علمه بكل شيء ، وكتب كل شيء. وفي آية أخرى يقول : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) [الحديد: ٢٢] . فكتاب الله سابق، وعلمه سابق ، وقدره سابق، وأعمالنا محصاة علينا، ومنسوبة إلينا، ومكتوبة علينا، وهي من كسبنا وعملنا واختيارنا، فنجزى على الطيب الجزاء الحسن، من الطاعات وأنواع الخير والذكر، ونستحق العقاب على سيئها; من العقوق، والزنا، والسرقة، وسائر المعاصي والمخالفات. والله المستعان.

стр. 159

معنى قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (١) س٦١: يسأل هذا السائل عن معنى قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢) [الأنفال: ٢٤] . الجواب: الآية على ظاهرها، فهو سبحانه يتصرف في عباده، فقد يوفق هذا ويشرح قلبه للإيمان ويهديه للإسلام، وقد يجعل في قلبه من الحرج والتثاقل عن دين الله ما يحول بينه وبين الإسلام، فهو يحول بين المرء وقلبه، كما قال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣) [الأنعام: ١٢٥] فهو سبحانه الذي يتصرف في عباده كيف يشاء، فهذا يشرح قلبه للإيمان والهدى، وهذا لا يوفق لذلك.

стр. 160

التوبة من الحسد س٦٢: أريد أن أتوب إلى الله من صفة الحسد، وأحاول التخلص منها قدر الاستطاعة ولكن الشيطان يزين لي ذلك في كثير من الأحيان عن طريق الغيرة؛ إذ أغار من زميلاتي أو من بقية النساء ثم أحسد، وسمعت من صديقة لي أنها تقول: اكظمي غيرتك وحسدك في قلبك ولا تتلفظي به على لسانك حتى لا يؤاخذك الله عليه؟ الجواب: نعم، إذا أحسست بشيء فجاهدي نفسك، واكظمي ما عندك، ولا تفعلي شيئا يخالف الشرع، لا تؤذي المحسودة

стр. 161

أو المحسود، لا بقول ولا بفعل، واسألي الله أن يزيله من قلبك ولا يضرك، فالإنسان إذا حسد ولم يحقق شيئا لم يضره ذلك إذا كان لم يفعل، لا أذى للمحسود ولا إزالة لنعمة عنه، ولا تكلما في عرضه، وإنما شيء في نفسه كظمه، فإنه لا يضره، ولكن عليه الحذر، حتى لا يقول شيئا يضر المحسود أو يفعل شيئا يضره، وقد روي في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (١) فالحسد خبيث، ولكنه يبدأ بصاحبه، يؤذي صاحبه قبل غيره، فينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يحذرا ذلك مع سؤال الله العافية، المؤمن يضرع إلى الله، وهكذا المؤمنة تضرع إلى الله أن يزيل ذلك من قلبها، حتى لا يبقى في قلبها شيء، ومتى أحست بشيء فلتجاهد في كظمه وإبقائه في القلب من دون أذى للمحسود، لا أذى فعلي ولا قولي، والله المستعان.

стр. 162

(١٤) الكفر والتكفير

стр. 163

هذا إذا كان التكفير في غير محله س٦٣: يقول السائل: حدث حوار بيني وبين صديق لي عن الإسلام، حيث قال هذا الصديق: إنه لا يصلي على الإطلاق، فقلت له: أنت كافر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (١) وقال لي: أنت أيضا كذلك وذكر لي قول النبي ﷺ : «من كفر مسلما فقد كفر» (٢) وبعد ذلك تركته وذهبت حتي لا يحتدم النقاش إلى أكثر مما وصل إليه. فما حكم كلامنا هذا الذي تم بيننا؟ وهل نأثم عليه؟ الجواب: الصواب أن من ترك الصلاة فهو كافر، وإن كان غير جاحد لها، هذا هو القول المختار والراجح عند المحققين من أهل العلم؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٣) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن عن بريدة بن الحصيب ﵁ بإسناد صحيح. ولقوله أيضا صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (٤) خرجه الإمام مسلم في صحيحه. ولقوله أيضا ﵊: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (٥) خرجه الإمام أحمد والإمام الترمذي رحمة الله عليهما في إسناد صحيح عن معاذ ﵁. ولأحاديث أخرى جاءت في الباب.

стр. 164

فالواجب على من ترك الصلاة أن يتوب إلى الله وأن يبادر بفعلها ويندم على ما مضى من تقصيره ويعزم على ألا يعود، وهذا هو الواجب عليه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكون عاصيا معصية كبيرة، وجعل هذا الكفر كفرا أصغر، واحتج بما جاء في الأحاديث الصحيحة من فضل التوحيد وأن من مات عليه فهو من أهل الجنة إلى غير هذا، لكنها لا تدل على المطلوب، فإن ما جاء في فضل التوحيد وأن من مات عليه دخل الجنة إنما يكون بالتزامه أمور الإسلام، ومن ذلك أمر الصلاة، فمن التزم بها حصل له ما وعد به المتقون، ومن أبى حصل عليه ما توعد به غير المتقين ولو أن إنسانا قال لا إله إلا الله ووحد الله، ثم جحد وجوب الصلاة كفر ولم ينفعه قوله لا إله إلا الله وتوحيده لله مع جحده وجوب الصلاة عند جميع أهل العلم. فهكذا من تركها تساهلا وقلة مبالاة ولم يجحد وجوبها؛ حكمه حكم من جحد وجوبها في الصحيح من قولي أهل العلم، ولم تنفعه شهادته بأنه لا إله إلا الله؛ لأنه ترك حق هذه الكلمة فإن من حقها أن يؤدي الصلاة، وهكذا لو وحد الله وأقر بأنه لا إله إلا الله ولكنه استهزأ بشيء من دين الله فإنه يكفر كما قال الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٦٥، ٦٦] . وهكذا لو قال لا إله إلا الله ووحد الله، وجحد وجوب الزكاة أو جحد وجوب صوم رمضان أو جحد الحج مع الاستطاعة أو جحد

стр. 165

تحريم الزنا أو جحد تحريم السرقة أو جحد تحريم اللواط أو ما أشبه ذلك؛ فإن من جحد هذه الأمور أو شيئا منها كفر إجماعا ولو أنه يصلي ويصوم، ولو أنه يقول لا إله إلا الله؛ لأن هذه النواقض تفسد عليه دينه، وتجعله بريئا من الإسلام بهذه النواقض لكونه بجحدها أو شيء منها يعتبر مكذبا لله سبحانه ولرسوله ﷺ . فينبغي للمؤمن أن ينتبه لهذا الأمر العظيم، وهكذا من ترك الصلاة وتساهل بها يكون كافرا وإن لم يجحد وجوبها في الأصح من قولي العلماء كما تقدم دليل ذلك في الأحاديث السابقة وما جاء في معناها، فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يرد كافرهم وعاصيهم إلى التوبة النصوح. وقوله: «من كفر مسلما فقد كفر» (١) هذا إذا كان التكفير في غير محله، كما قال النبي ﷺ : «من قال لأخيه يا عدو الله أو قال يا كافر وليس كذلك إلا حار عليه» (٢) لكن هذا الذي قال: أنت كافر بترك الصلاة، قد وقع تكفيره في محله فلا يرجع إلى القائل، ولا يكون القائل كافرا، بل قائله قد نفذ أمر الله، وأدى حق الله، وبين ما أوجبه الله من تكفير هذا الصنف من الناس، فهو مأجور وليس بكافر، وإنما الكافر الذي ترك الصلاة وعاند وكابر، نسأل الله العافية.

стр. 166

من يسب الله ورسوله ويدعي أنه من أولياء الله س٦٤: يوجد رجل في بلدتنا لا يصوم ولا يصلي، ورأيته بنفسي يلعب القمار، ويدعي أصحابه أنه من الأولياء والمقربين، وحدثني الثقات بأنه يسب الله ورسوله ﷺ ، فلما أنكرت هذا العمل الشنيع ادعى مريدوه وأصحابه بأن هذه حاله في الظاهر، أما في باطنه فهو مؤمن، فما حكم الشرع في مثل هذا؟ الجواب: هذا زنديق وليس بمؤمن، بل مثل هذا من أولياء الشيطان؛ فأولياء الله هم أهل الإيمان والتقوى، قال الله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٢) [يونس: ٦٢، ٦٣] ، هكذا في سورة يونس هذه صفة أولياء الله الإيمان والتقوى في الظاهر والباطن، وقال في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٣) وقال ﷺ : «إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما أوليائي هم المؤمنون» (٤) فأولياء الله وأولياء الرسول ﷺ هم المؤمنون هم أهل التقوى. فالذي يتظاهر بعدم الصلاة وبعدم الصوم وبسب الله ورسوله هذا ليس من أولياء الله، بل هو من أولياء الشيطان، والواجب على ولاة الأمور إذا عرفوه أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فتارك الصلاة كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وأما ساب الله ورسوله فهذا يقتل من غير استتابة عند جمع من أهل العلم؛ لأن جريمته عظيمة، وقال قوم: يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

стр. 167

والخلاصة: أن هذا الرجل وأشباهه ليسوا من أولياء الله ولكنهم من أولياء الشيطان. والذين يناصرونهم ويذبون عنهم ويقولون: إنهم في الظاهر هكذا وفي الباطن مؤمنون؛ حكمهم حكمهم وهم من جنسهم. وقال علماء السنة رحمة الله عليهم فيمن يدعى له الولاية قالوا: لو طار في الهواء أو مشى على الماء فلا يعتبر أنه من أولياء الله حتى ينظر في أعماله، وحتى يوزن بميزان الشريعة، فإن استقام أمره في ميزان الشريعة، وعلم أنه مستقيم على طاعة الله ورسوله، مبتعد عن محارم الله ورسوله، فهذا هو المؤمن وهو الولي، وإن رؤي منه ما يدل على فسقه واقترافه المحارم، أو تضييعه الواجبات فهذا يدل على أنه من أولياء الشيطان وليس من أولياء الله، كما نص على هذا الشافعي ﵀ وأحمد وغيرهما من أهل العلم. فالحاصل: أن مثل هذا من أولياء الشيطان، والواجب على من عرف ذلك أن يرفع أمره إلى ولاة الأمور، حتى يعامل بما يجب من استتابته أو قتله إذا لم يتب، أو قتله مطلقا إذا كان يسب الله ورسوله؛ فإن جمعا من أهل العلم يرون أنه يقتل من غير استتابة، نسأل الله العافية، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول وكما ذكر ذلك أهل العلم في باب حكم المرتد.

стр. 168

حكم سب الدين س٦٥: يقول السائل: هناك أحد الأشخاص يجهل أمر الدين ويسب الدين فما حكمه؟ وماذا عليه أن يفعل إذا أدرك خطأه أفيدوني

стр. 169

أفادكم الله؟ الجواب: سب الدين كفر أكبر وردة عن الإسلام والعياذ بالله، إذا سب المسلم دينه أو سب الإسلام، أو تنقص الإسلام وعابه أو استهزأ به فهذه ردة عن الإسلام، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٦٥، ٦٦] . وقد أجمع العلماء قاطبة على أن المسلم متى سب الدين أو تنقصه أو سب الرسول ﷺ أو انتقصه أو استهزأ به؛ فإنه يكون مرتدا كافرا حلال الدم والمال، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وبعض أهل العلم يقول: لا توبة له من جهة الحكم بل يقتل، ولكن الأرجح إن شاء الله أنه متى أبدى التوبة وأعلن التوبة ورجع إلى ربه أن يقبل، وإن قتله ولي الأمر ردعا لغيره فلا بأس، أما توبته فيما بينه وبين الله فإنها صحيحة، إذا تاب صادقا فتوبته فيما بينه وبين الله صحيحة ولو قتله ولي الأمر سدا لباب التساهل بالدين وسب الدين. والمقصود: أن سب الدين والتنقص للدين أو للرسول ﷺ أو الاستهزاء بذلك ردة وكفر أكبر بإجماع المسلمين، وصاحب هذا يستتاب فإن تاب قبل الله توبته، وعفا عنه، أما كونه يقبل في الدنيا أم لا يقبل فهذا محل خلاف بين أهل العلم كما ذكرنا.

стр. 170

حكم زوجة من سب الدين ثم تاب س٦٦: لقد سمعت من بعض العلماء المسلمين أن الرجل إذا سب الدين طلقت عليه امرأته، ويلزم له التوبة والاستغفار وعقد قران جديد، وكثيرا

стр. 171

ما يحدث هذا الأمر خاصة وقت الغضب الشديد. فما مدى صحة هذا الكلام؟ الجواب: سب الدين ردة عن الإسلام، وكذلك سب القرآن وسب الرسول ردة عن الإسلام، وكفر بعد الإيمان، نعوذ بالله، لكن لا يكون طلاقا للمرأة بل يفرق بينهما من دون طلاق، فلا يكون طلاقا بل تحرم عليه لأنها مسلمة وهو كافر، وتحرم عليه حتى يتوب فإن تاب وهي في العدة رجعت إليه من دون حاجة إلى شيء، أي إذا تاب وأناب إلى الله رجعت إليه، وأما إذا انتهت العدة وهو لم يتب فإنها تنكح من شاءت، ويكون ذلك بمثابة الطلاق، لا أنه طلاق، لكن بمثابة الطلاق لأن الله حرم المسلمة على الكافر. فإن تاب بعد العدة وأراد أن يتزوجها فلا بأس، ويكون بعقد جديد أحوط خروجا من خلاف العلماء، وإلا فإن بعض أهل العلم يرى أنها تحل له بدون عقد جديد، إذا كانت تختاره، ولم تتزوج بعد العدة بل بقيت على حالها، ولكن إذا عقد عقدا جديدا فهو أولى خروجا من خلاف جمهور أهل العلم، فإن الأكثرين يقولون: متى خرجت من العدة بانت منه وصارت أجنبية لا تحل إلا بعقد جديد، فالأولى والأحوط أن يعقد عقدا جديدا، هذا إذا كانت قد خرجت من العدة قبل أن يتوب، فأما إذا تاب وهي في العدة فهي زوجته؛ لأن النبي ﷺ أقر الذين أسلموا بعد إسلام زوجاتهم على أنكحتهم قبل خروج زوجاتهم من العدة.

стр. 172

هل على المرتد قضاء ؟ س٦٧: سائل يقول: هل على المرتد قضاء للصلاة والصيام إذا عاد إلى الإسلام وتاب إلى الله؟ الجواب: ليس عليه القضاء، من تاب تاب الله عليه، فإذا ترك الإنسان الصلاة أو أتى بناقض من نواقض الإسلام ثم هداه الله وتاب فإنه لا قضاء عليه، وهذا هو الصواب من أقوال أهل العلم، لأن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها. قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) [الأنفال: ٣٨] ، فبين الله أن الكافر إذا أسلم غفر الله له ما قد سلف. والنبي ﷺ قال: «التوبة تجب ما قبلها والإسلام يهدم ما كان قبله» (٢) والحمد لله.

стр. 173

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١) س٦٨: لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) [النساء: ١٤٥] ، ما المقصود بالمنافقين، والنفاق في هذه الآية الكريمة؟ الجواب: المراد بالمنافقين هم الذين يتظاهرون بالإسلام وهم على غير الإسلام؛ يدعون أنهم مسلمون وهم في الباطن يكفرون بالله

стр. 174

ويكذبون رسوله ﵊؛ هؤلاء هم المنافقون؛ سموا منافقين لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر. وهم المذكورون في قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٣) [البقرة: ٨ - ١٠] ، يعني شك وريب: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) [البقرة: ١٠] ، فهؤلاء هم المنافقون. وهم المذكورون في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ (٥) [النساء: ١٤٢] ، يعني ليس عندهم إيمان: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٦) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٧) [النساء: ١٤٢، ١٤٣] . المعنى: أنهم مترددون بين الكفار والمسلمين؛ تارة مع الكفار إذا ظهر الكفار وانتصروا، وتارة مع المؤمنين إذا ظهروا وانتصروا؛ فليس عندهم ثبات، ولا دين مستقيم، ولا إيمان ثابت؛ بل هم مذبذبون بين الكفر والإيمان، وبين الكفار والمسلمين. وهم المذكورون في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٨) ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٩) [التوبة: ٥٤، ٥٥] ، فهؤلاء هم المنافقون النفاق الأكبر نسأل الله العافية والسلامة، وهم المتوعدون بالدرك الأسفل من النار لعظم

стр. 175

كفرهم وعظم شرهم وتلبيسهم على الناس.

стр. 176

اعتقاد النفع والضر من الأولياء س٦٩: يقول الأخ السائل: بعض المسلمين يعتقدون أن للأولياء تصرفات تضر وتنفع وتجلب المنافع وتدفع البلاء، بينما هم ينتمون إلى الإسلام، ويؤدون شعائر الإسلام كالصلاة وغيرها، فهل تصح الصلاة خلف إمامهم؟ وهل يجوز الاستغفار لهم بعد موتهم؟ أفيدونا مشكورين؟ الجواب: هذا قول من أقبح الأقوال، وهذا من الكفر والشرك بالله ؛ لأن الأولياء لا ينفعون ولا يضرون، ولا يجلبون منافع ولا يدفعون مضار إذا كانوا أمواتا، إذا صح أن يسموا أولياء لأنهم معروفون بالعبادة والصلاح، فإنهم لا ينفعون ولا يضرون، بل النافع الضار هو الله وحده، فهو الذي يجلب النفع للعباد وهو الذي يدفع عنهم الضر، كما قال الله جل وعلا للنبي ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (١) [الأعراف: ١٨٨] ، فهو النافع الضار . قال في المشركين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) [يونس: ١٨] ، فالله جل وعلا هو النافع الضار، وجميع الخلق لا ينفعون ولا يضرون. أما الأموات فظاهر؛ لأنه قد انقطعت حركاتهم وذهبت حياتهم، فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم، ولا يضرون لأنهم فقدوا الحياة وفقدوا القدرة على التصرف، وهكذا في الحياة لا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله،

стр. 177

ومن زعم أنهم مستقلون بالنفع والضر وهم أحياء كفر أيضا، بل النافع الضار هو الله وحده ، ولهذا لا تجوز عبادتهم، ولا دعاؤهم، ولا الاستغاثة بهم، ولا النذر لهم، ولا طلب المدد منهم. ومن هذا يعلم كل ذي بصيرة أن ما يفعله الناس عند قبر البدوي، أو عند قبر الحسين، أو عند قبر موسى كاظم، أو عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو ما أشبه ذلك، من طلب المدد والغوث أنه من الكفر بالله، ومن الشرك بالله ، فيجب الحذر من ذلك، والتوبة من ذلك، والتواصي بترك ذلك. ولا يصلى خلف هؤلاء لأنهم مشركون، وعملهم هذا شرك أكبر، فلا يصلى خلفهم، ولا يصلى على ميتهم؛ لأنهم عملوا الشرك الأكبر الذي كانت عليه الجاهلية في عهد النبي ﷺ ، كأبي جهل وأشباهه من كفار مكة، وعليه كفار العرب؛ وهو دعاء الأموات والاستغاثة بهم أو بالأشجار والأحجار وهذا هو عين الشرك بالله ، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) [الأنعام: ٨٨] . والواجب على أهل العلم أن يبينوا لهم، وأن يوضحوا لهم الحق، وأن يرشدوهم إلى الصواب، وأن يحذروهم من هذا الشرك بالله، فيجب على العلماء في كل مكان في مصر والشام، والعراق، ومكة، والمدينة، وسائر البلاد، أن يرشدوا الناس، ولاسيما عند وجود الحجاج، فيجب أن يرشدوا، وأن يبينوا لهم هذا الأمر العظيم، والخطر الكبير؛ لأن بعض الناس قد وقع فيه في بلاده، فيجب أن يبين لهم توحيد الله، ومعنى لا إله إلا الله، وأن معناها لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي

стр. 178

الشرك وتنفي العبادة لغير الله، وتوجب العبادة لله وحده، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) [الإسراء: ٢٣] ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) [البينة: ٥] ، ومعنى قوله جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٤) [الزمر: ٢، ٣] ، وقوله سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) [غافر: ١٤] . فالواجب توجيه العباد إلى الخير، وإرشادهم إلى توحيد الله، وأن الواجب على كل إنسان أن يعبد الله وحده، ويخصه بالعبادة؛ من دعاء، ورجاء، وتوكل وطلب الغوث، وصلاة، وصيام، إلى غير ذلك، كله لله وحده، ولا يجوز أبدا فعل شيء من ذلك لغير الله ، سواء كان نبيا أو وليا أو غير ذلك. فالنبي لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، ولكن يجب أن يتبع ويطاع في الحق ويحب المحبة الصادقة، ونبينا ﷺ أفضل الأنبياء وأشرفهم ومع ذلك لا يدعى من دون الله، ولا يستغاث به، ولا يسجد له، ولا يصلى له، ولا يطلب منه المدد، ولكن يتبع، ويصلى ويسلم عليه، ويجب أن يكون أحب إلينا من أنفسنا، وأموالنا وآبائنا وأولادنا، وغيرهم، كما قال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٦) . لكن هذه المحبة لا توجب أن نشرك به، ولا تسوغ لنا أن ندعوه من دون الله، أو نستغيث به، أو نسأله المدد، أو الشفاء. ولكن نحبه المحبة الصادقة لأنه رسول الله إلينا، ولأنه أفضل

стр. 179

الخلق، ولأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، نحبه في الله محبة صادقة فوق محبة الناس والمال والولد، ولكن لا نعبده مع الله. وهكذا الأولياء نحبهم في الله، ونترحم عليهم من العلماء والعباد، ولكن لا ندعوهم مع الله، ولا نستغيث بهم، ولا نطوف بقبورهم، ولا نطلب منهم المدد، كل هذا شرك بالله ولا يجوز. والطواف بالكعبة لله وحده، فالطواف بالقبر من أجل طلب الفائدة من الميت، وطلب المدد، وطلب الشفاء وطلب النصر على الأعداء كل هذا من الشرك بالله . فالواجب الحذر منه غاية الحذر. ومن وسائل الشرك بهم البناء على قبورهم، واتخاذ المساجد والقباب عليها، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) متفق على صحته، وثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» (٢) وفي صحيح مسلم أيضا عن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٣) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

стр. 180

دعاء الشيخ الميت، والنذر له س٧٠: يقول في مدينة الموصل مزار يسمى مزار الشيخ فتحي أبو عبد الله، وهذا الشيخ له أثر كبير عند أهالي الموصل وخاصة النساء،
следующие страницы →