اعتقاد النفع والضر من الأولياء
س٦٩: يقول الأخ السائل: بعض المسلمين يعتقدون أن للأولياء تصرفات تضر وتنفع وتجلب المنافع وتدفع البلاء، بينما هم ينتمون إلى الإسلام، ويؤدون شعائر الإسلام كالصلاة وغيرها، فهل تصح الصلاة خلف إمامهم؟ وهل يجوز الاستغفار لهم بعد موتهم؟ أفيدونا مشكورين؟
الجواب: هذا قول من أقبح الأقوال، وهذا من الكفر والشرك بالله ؛ لأن الأولياء لا ينفعون ولا يضرون، ولا يجلبون منافع ولا يدفعون مضار إذا كانوا أمواتا، إذا صح أن يسموا أولياء لأنهم معروفون بالعبادة والصلاح، فإنهم لا ينفعون ولا يضرون، بل النافع الضار هو الله وحده، فهو الذي يجلب النفع للعباد وهو الذي يدفع عنهم الضر، كما قال الله جل وعلا للنبي ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (١) [الأعراف: ١٨٨] ، فهو النافع الضار .
قال في المشركين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) [يونس: ١٨] ، فالله جل وعلا هو النافع الضار، وجميع الخلق لا ينفعون ولا يضرون.
أما الأموات فظاهر؛ لأنه قد انقطعت حركاتهم وذهبت حياتهم، فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم، ولا يضرون لأنهم فقدوا الحياة وفقدوا القدرة على التصرف، وهكذا في الحياة لا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله،
стр. 177
ومن زعم أنهم مستقلون بالنفع والضر وهم أحياء كفر أيضا، بل النافع الضار هو الله وحده ، ولهذا لا تجوز عبادتهم، ولا دعاؤهم، ولا الاستغاثة بهم، ولا النذر لهم، ولا طلب المدد منهم.
ومن هذا يعلم كل ذي بصيرة أن ما يفعله الناس عند قبر البدوي، أو عند قبر الحسين، أو عند قبر موسى كاظم، أو عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو ما أشبه ذلك، من طلب المدد والغوث أنه من الكفر بالله، ومن الشرك بالله ، فيجب الحذر من ذلك، والتوبة من ذلك، والتواصي بترك ذلك. ولا يصلى خلف هؤلاء لأنهم مشركون، وعملهم هذا شرك أكبر، فلا يصلى خلفهم، ولا يصلى على ميتهم؛ لأنهم عملوا الشرك الأكبر الذي كانت عليه الجاهلية في عهد النبي ﷺ ، كأبي جهل وأشباهه من كفار مكة، وعليه كفار العرب؛ وهو دعاء الأموات والاستغاثة بهم أو بالأشجار والأحجار وهذا هو عين الشرك بالله ، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) [الأنعام: ٨٨] .
والواجب على أهل العلم أن يبينوا لهم، وأن يوضحوا لهم الحق، وأن يرشدوهم إلى الصواب، وأن يحذروهم من هذا الشرك بالله، فيجب على العلماء في كل مكان في مصر والشام، والعراق، ومكة، والمدينة، وسائر البلاد، أن يرشدوا الناس، ولاسيما عند وجود الحجاج، فيجب أن يرشدوا، وأن يبينوا لهم هذا الأمر العظيم، والخطر الكبير؛ لأن بعض الناس قد وقع فيه في بلاده، فيجب أن يبين لهم توحيد الله، ومعنى لا إله إلا الله، وأن معناها لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي
стр. 178
الشرك وتنفي العبادة لغير الله، وتوجب العبادة لله وحده، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) [الإسراء: ٢٣] ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) [البينة: ٥] ، ومعنى قوله جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٤) [الزمر: ٢، ٣] ، وقوله سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) [غافر: ١٤] .
فالواجب توجيه العباد إلى الخير، وإرشادهم إلى توحيد الله، وأن الواجب على كل إنسان أن يعبد الله وحده، ويخصه بالعبادة؛ من دعاء، ورجاء، وتوكل وطلب الغوث، وصلاة، وصيام، إلى غير ذلك، كله لله وحده، ولا يجوز أبدا فعل شيء من ذلك لغير الله ، سواء كان نبيا أو وليا أو غير ذلك.
فالنبي لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، ولكن يجب أن يتبع ويطاع في الحق ويحب المحبة الصادقة، ونبينا ﷺ أفضل الأنبياء وأشرفهم ومع ذلك لا يدعى من دون الله، ولا يستغاث به، ولا يسجد له، ولا يصلى له، ولا يطلب منه المدد، ولكن يتبع، ويصلى ويسلم عليه، ويجب أن يكون أحب إلينا من أنفسنا، وأموالنا وآبائنا وأولادنا، وغيرهم، كما قال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٦) .
لكن هذه المحبة لا توجب أن نشرك به، ولا تسوغ لنا أن ندعوه من دون الله، أو نستغيث به، أو نسأله المدد، أو الشفاء. ولكن نحبه المحبة الصادقة لأنه رسول الله إلينا، ولأنه أفضل
стр. 179
الخلق، ولأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، نحبه في الله محبة صادقة فوق محبة الناس والمال والولد، ولكن لا نعبده مع الله. وهكذا الأولياء نحبهم في الله، ونترحم عليهم من العلماء والعباد، ولكن لا ندعوهم مع الله، ولا نستغيث بهم، ولا نطوف بقبورهم، ولا نطلب منهم المدد، كل هذا شرك بالله ولا يجوز.
والطواف بالكعبة لله وحده، فالطواف بالقبر من أجل طلب الفائدة من الميت، وطلب المدد، وطلب الشفاء وطلب النصر على الأعداء كل هذا من الشرك بالله . فالواجب الحذر منه غاية الحذر.
ومن وسائل الشرك بهم البناء على قبورهم، واتخاذ المساجد والقباب عليها، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) متفق على صحته، وثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» (٢) وفي صحيح مسلم أيضا عن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٣) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
стр. 180
دعاء الشيخ الميت، والنذر له
س٧٠: يقول في مدينة الموصل مزار يسمى مزار الشيخ فتحي أبو عبد الله، وهذا الشيخ له أثر كبير عند أهالي الموصل وخاصة النساء،
стр. 181
بحيث إذا مرضن أو أصبن بأذى فإنهن يذهبن لزيارة الشيخ فتحي فيحصل لهن الشفاء العاجل كما يدعين، ولأجل شفائهن من المرض ينذرن النذور للشيخ فتحي، ويكون ذلك بعبارات يقلنها مثل: النذر لوجه الله، والثاني لأبي عبد الله، أو نذر لله والشيخ فتحي، أو لله وثوابها لأبي عبد الله.
وسؤالي: هل هذا حلال أم حرام أفيدونا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟
الجواب: هذا القبر الذي ذكره السائل لا نعرف صاحبه، ولكن بكل حال فلا يجوز إتيان القبور لدعائها والاستغاثة بأهلها والنذر لهم، سواء كان هذا القبر أو غيره، لا قبر فتحي ولا غيره، فلا يجوز للمسلمين ذكورا كانوا أو إناثا أن يأتوا القبور لدعائها، والاستغاثة بأهلها، أو النذر لهم أو التمسح بقبورهم، أو ما أشبه ذلك؛ فهذا منكر ولا يجوز ومن الشرك الأكبر؛ لأن دعاء الميت والاستغاثة به من الشرك الأكبر، فعلى أهل العلم أن يوضحوا للنساء وغير النساء أن هذا لا يجوز، وأن عليهن أن يسألن الله جل وعلا، إذا نزل بهن بأس من مرض أو غيره أن يسألن الله، ويضرعن إليه في سجودهن، وفي آخر الصلاة وفي آخر الليل، وبين الأذان والإقامة وفي غير ذلك من الأوقات يسألن الله جل وعلا الشفاء والعافية.
ومن ذلك الاستشفاء بالرقية، فيرقي بعضهن بعضا بالرقية الشرعية: اللهم رب الناس أذهب الباس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما وبقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) والمعوذتين، والفاتحة وآية الكرسي، وغير ذلك من الآيات القرآنية.
стр. 182
فالمقصود أن إتيان القبور لسؤال أهلها الشفاء أو النصر أو ما أشبه ذلك، منكر ومن الشرك الأكبر، وهذا من عمل الجاهلية، وإنما تزار القبور للسلام على أهلها والدعاء لهم، والترحم عليهم، كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين» (١) ويدعو لهم: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، ونحو هذا، فهذه هي الزيارة الشرعية.
«وكان النبي ﷺ يزور قبور البقيع فيقول: السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر.» (٢)
هذه هي الزيارة الشرعية، أما الزيارة لدعاء الميت، أو الاستغاثة بالميت فهذا من الشرك الأكبر، وهكذا الطواف بقبره يرجو شفاعته أو يرجو عائدته أو يرجو أن يشفي مرضه، فكل هذا من الشرك الأكبر، وهكذا التمسح بتراب القبر والاستشفاء بتراب القبر، فهذا من عمل الجاهلية ومن الشرك الذي حرمه الله .
فالواجب على أهل العلم أن ينبهوا العامة، وأن يوضحوا لهم أن هذا لا يجوز، وأن الله هو الذي يسأل ويرجى لشفاء المرض والنصر على الأعداء ونحو ذلك . وهو القائل جل وعلا: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) [الجن: ١٨] ، والقائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٤) [غافر: ٦٠] ، وقال : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) [يونس: ١٠٦] .
стр. 183
وقال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (١) فلا يجوز أن يدعى غير الله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الدعوة لله وحده وهو الذي يرجى ويدعى .
ولا يجوز أن يقال: يا رسول الله، اشف مريضي، انصرني، أو يا شيخ فتحي أبو عبد الله انصرني، أو يا شيخ عبد القادر الجيلاني انصرني أو اشف مريضي، أو يا سيدي البدوي، أو يا سيدي الحسين، أو ما أشبه ذلك؛ فكل هذا منكر، وكله من الشرك الأكبر، فالواجب التنبه لهذا الأمر من الإخوان في العراق وغيرها.
والواجب على أهل العلم وفقهم الله أن يوضحوا للناس حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، وأن ينكروا على العامة ما يقعون فيه من الشرك بالله عند قبور من يسمونهم بالأولياء.
فالحاصل أن هذه أمور عظيمة يجب على أهل العلم أن يهتموا بها وأن يعتنوا بها حتى ينقذوا العامة من الشرك، وحتى يوجهوهم إلى توحيد الله والإخلاص له، ودعائه سبحانه، ورفع الأيدي له جل وعلا، فهو الذي يشفي ويكفي ، فهو الشافي لعباده سبحانه وهو المالك لكل شيء، وهو القادر على كل شيء .
وأما ما قد يقع لبعض الناس من كونه يدعو الميت ويشفى فهذا قد يقع استدراجا وابتلاء وامتحانا، والله هو الشافي ، وقد يكون المرض من أسباب الشياطين؛ يسببون المرض للإنسان حتى إذا دعا الميت كفوا عنه ما قد فعلوا به.
فالحاصل أن هذا ليس بحجة، فكون المريض يأتي إلى الميت
стр. 184
ويدعوه، ويستغيث فيشفى سريعا، هذا قد يكون استدراجا وابتلاء وامتحانا، حتى يمتحن صبره وإيمانه، فلا يغتر بهذا. وقد يصادف القدر الذي قدره الله بالشفاء، فيظن أنه من أسباب الميت، وقد يكون شيء من أسباب الشيطان، فقد يفعل الشيطان بالإنسان شيئا، يعني يعمل له عملا يؤذيه ويضره ويمرض منه، فإذا ذهب إلى الميت ودعاه وسأله كف عنه هذا الشيطان، حتى يغريه بالشرك، وحتى يوقعه بالشرك، وحتى يظن هذا الجاهل أن هذا من عمل الولي، وأنه هو الشافي، وهذا من أقبح الغلط والمنكر. فالله هو الذي يشفي ويعافي .
والولي وغير الولي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فهو مملوك لله ، وهو النافع الضار ، فينبغي التنبه لهذا الأمر.
стр. 185
من يعتقد في بعض الرجال أنهم أولياء لله،
ويدعونهم، ويحلفون بهم
س٧١: يقول السائل: إن هناك من الناس من يعتقد في بعض الرجال أنهم أولياء الله الصالحين، ولذلك يدعونهم، ويسألونهم، ويحلفون بهم، ويدعون أنهم يعلمون الغيب، ويقصدونهم من دون الله في كل صغيرة وكبيرة، والشيء الذي يحدث أيضا أنه عندما يقابل الواحد شيخه يخلع عمامته ونعليه ويجلس ويضع ركبتيه على الأرض، ويقبل يد هذا الرجل ظنا منه أن هذا احترام لأولياء الله الصالحين المقربين الذين
стр. 186
يعلمون ما في نفس المريد المحب لهم ويقضون حوائجه، ثم يسرد أمورا منكرة مثل هذه، وفوق ذلك أننا نجد أن بعض العلماء يقرونهم على هذه الأفعال. فما هو حكم هؤلاء وحكم صلاتهم وصيامهم؟
الجواب: هذه أمور منكرة عظيمة خطيرة، ولا يجوز مثل هذا العمل، وأولياء الله هم أهل الإيمان، وليس أولياء الله أناسا خاصين غير أهل الإيمان، فأولياء الله هم المؤمنون وهم المسلمون كما قال الله : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٢) [يونس: ٦٢، ٦٣] ، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٣) [الأنفال: ٣٤] .
والنبي ﷺ يقول: «إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما أوليائي المؤمنون» (٤) فأولياء الله وأولياء رسوله ﷺ وأولياء المؤمنين هم المؤمنون، وهم المتقون لله ، من جميع الناس؛ من العرب والعجم، من الذكور والإناث، من العلماء وغير العلماء، هؤلاء هم أولياء الله.
فاعتقاد أن المؤمنين أو بعض من يسمون بأولياء الله أنهم يعلمون الغيب، أو أنهم يدعون مع الله، أو يستغاث بهم، وينذر لهم، ويذبح لهم، ويتقرب إليهم بالذبائح، هذا شرك أكبر، وهذا شرك الجاهلية، وشرك المشركين الأولين، سواء كانوا أحياء أو أمواتا.
فإن اعتقد في هذا الشيخ أنه يعلم الغيب، أو يشفي المرضى، أو يتصرف في الكون، فهذا شرك أكبر والعياذ بالله، وهكذا لو قصد قبره إذا كان ميتا، يدعوه مع الله، ويستغيث به، وينذر له، ويطلب منه المدد،
стр. 187
كما يفعل مع البدوي، أو مع الحسين، أو مع ابن عربي، أو مع غيرهم من الناس، فهذا شرك أكبر، أو مع الرسول ﷺ يدعوه ويستغيث به بعد وفاته ﷺ ، كل هذا شرك أكبر، فيجب الانتباه لهذا الأمر، والحذر منه، وتحذير الناس، ومن أقر الناس على هذا ممن ينسب للعلم، فهذا جاهل وليس بعالم. أما العلماء العارفون بالله وبدينه فإنهم لا يقرون هذا، بل ينهون عن هذا، ويعلمون أن هذا شرك أكبر
أما التقرب للشيخ بطرح العمامة أو خلع النعلين، فكل هذا جهل لا أصل له، وباطل، وكان الصحابة يأتون النبي ﷺ فلا يطرحون عمائمهم، ولا يخلعون نعالهم، وهم القدوة ﵃.
فالواجب على أهل العلم البصيرين بالله وبدينه أن يوجهوا الناس، وأن يرشدوهم إلى الحق، وأن يعلموهم دين الله، فالعبادة حق الله كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) [الإسراء: ٢٣] ، وقال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) [الزمر: ٢، ٣] ، وقال سجانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤) [الفاتحة: ٥] ، وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥) [البينة: ٥] .
والصلاة عبادة، والسجود عبادة، والذبح عبادة، والنذر عبادة، والدعاء عبادة، والاستغاثة عبادة، فعلى المؤمن والمؤمنة الانتباه لهذا الأمر، وأن يخصوا العبادة بالله وحده، أما المؤمنون والعلماء فعليهم أن يحبوهم في الله، ويطيعوهم في الخير إذا دعوهم إلى الخير، وينصحوا
стр. 188
لهم، ويحسنوا إليهم إذا كانوا فقراء، أما أن يعبدوهم من دون الله فهذا منكر عظيم، وكفر شنيع، فيجب الحذر من ذلك، ويجب الانتباه إلى هذا الأمر، ويجب تحذير الناس منه، ويجب على العلماء أينما كانوا أن يحذروا الناس من هذا الشرك، ويبينوا لهم أن هذا خلاف شرع الله، والواجب على العلماء أن يكونوا قدوة في الخير لا قدوة في الشر، نسأل الله السلامة.
стр. 189
حكم دعاء الأولياء سواء أمواتا أو أحياء والذبح والنذر لهم
س٧٢: يقول السائل: نريد إيضاح الأدلة عما يوجد في بلادنا: بلدة الجاح باليمن، حيث يوجد أناس كثيرون يذبحون للأولياء سواء كانوا أمواتا أو أحياء، ويدعونهم ويطلبون منهم جلب المنافع ودفع المضار، ووصل الأمر بهم عندما نصحناهم أنهم قالوا لنا: أنتم مشركون، فماذا يجب علينا نحوهم؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: قد أحسنتم بإنكاركم عليهم، وبيان أن عملهم هذا منكر، وأما إنكارهم عليكم وزعمهم أنكم مشركون فهذا من أغلاطهم وجهلهم، كما قيل: رمتني بدائها وانسلت.
هم المشركون بعملهم هذا، إذا كانوا يسألون الموتى، ويتقربون إليهم بالذبائح، وينذرون لهم، ويدعونهم من دون الله، ويستغيثون بهم، وهذا هو الشرك الأكبر إذا فعلوا ذلك مع من يسمونهم بالأولياء، سواء كانوا أحياء أو أمواتا يعتقدون فيهم أنهم ينفعونهم ويضرونهم، وأنهم يجيبون دعوتهم، وأنهم يشفون مريضهم، وأن لهم فيهم سرا يدعون من أجله ويستغاث
стр. 190
بهم. وهذا شرك أكبر والعياذ بالله، وهذا عمل المشركين مع اللات والعزى ومناة، ومع أصنامهم وآلهتهم الأخرى.
فالواجب على ولاة الأمر في اليمن أن ينكروا هذا الأمر وأن يعلموا الناس ما يجب عليهم من شرع الله، وأن يمنعوا هذا الشرك، ويحولوا بين العامة وبينه، وأن يهدموا القباب التي على القبور ويزيلوها لأنها فتنة، ولأنها من أسباب الشرك، ولأنها محرمة فالرسول ﷺ نهى أن يبنى على القبور، ولعن من اتخذ المساجد عليها، فلا يجوز أن يبنى عليها لا مسجد ولا غيره، بل يجب أن تكون بارزة ضاحية ليس عليها بناء، كما كانت قبور المسلمين في المدينة المنورة، وفي كل بلد إسلامي لم يتأثر بالبدع والأهواء ودعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، أو بالأشجار والأحجار، أو بالجن، أو بالملائكة، وعبادتهم من دون الله بطلب المدد منهم، أو الغوث، أو شفاء المرضى، أو رد الغياب أو دخول الجنة أو النجاة من النار؛ كل هذا من الشرك الأكبر.
وهكذا الذبح لغير الله، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (١) يعني ذبحي ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٤) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٥) [الكوثر: ١، ٢] .
وقال النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله» (٦) فالذبح لغير الله من الكواكب والجن والملائكة والأولياء وغيرهم شرك أكبر والعياذ بالله؛ لأن الذبح عبادة يجب أن يكون لله وحده.
стр. 191
وهكذا النذر عبادة، فإذا نذر للأولياء ذبيحة أو طعاما أو نقودا صار شركا أكبر والعياذ بالله، وهكذا الاستعاذة بهم والاستغاثة بهم، ودعاؤهم لتفريج الكروب، وقضاء الحاجات ونحو ذلك، كل هذا من الشرك الأكبر.
وهكذا طلب المدد؛ بقولهم: المدد يا فلان، المدد يا فلان، فعلى العلماء أن ينكروا هذا، ويعلموا هؤلاء الجهال ويرشدوهم، وعلى ولاة الأمور أن ينفذوا حكم الله فيهم، وأن يزجروهم عن هذا الأمر، وأن يحولوا بينهم وبينه، وأن يؤدبوا من لم يرتدع،، وأن يستتيبوهم من هذا الشرك الوخيم، هذا هو الواجب على العلماء، وعلى الحكام والأمراء، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
ومن عرف هذا منهم ولم يستجب لداعي الحق يجب أن يهجر وينكر عليه هذا العمل السيئ، حتى يتوبوا إلى الله منه، وحتى يستقيموا على الطريق السوي. وعلى الدولة الإسلامية في اليمن وغيرها أن تستتيب هؤلاء وأمثالهم، فإن تابوا وإلا وجب قتلهم لكونهم بهذا العمل يعتبرون مرتدين عن الإسلام. ولو قالوا إنهم لا يعتقدون فيهم النفع والضر وإنما يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله، لأن هذا هو دين المشركين الأولين من أهل مكة وغيرهم، كما قال الله سبحانه عنهم وأمثالهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) وبقوله سبحانه في سورة الزمر: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٤) [الزمر ٢: ٣] .
стр. 192
فسماهم سبحانه كذبة كفرة بقولهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالواجب على جميع المكلفين الحذر من هذا الشرك والتواصي بتركه، والواجب على جميع الحكومات الإسلامية وعلى علماء المسلمين إنكاره والتحذير منه، وعلى ولاة الأمر عقوبة من لم يتب من ذلك بقتله لكونه بذلك يعتبر مرتدا عن الإسلام، يجب قتله إذا لم يتب، لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١) رواه البخاري في صحيحه، وفي الصحيحين: «عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال في يهودي أسلم ثم ارتد وأبى أن يسلم: يقتل، هذا قضاء الله ورسوله» (٢) .
стр. 193
النذر لأحد الأئمة
س٧٣: تسأل سائلة وتقول: منذ مدة صادفتني مشكلة فنذرت نذرا لأحد الأئمة إن انحلت هذه المشكلة، وقد علمت أنه لا يجوز النذر لغير الله علما بأن المكان الذي فيه الإمام بعيد عني، فهل يجوز أن أدفع هذا النذر للفقراء أو أكفر عنه؟ أفيدوني حفظكم الله.
الجواب: هذا النذر باطل؛ لأنه عبادة لغير الله، وعليك التوبة إلى الله من ذلك والرجوع إليه والإنابة والاستغفار والندم، فالنذر عبادة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (١) [البقرة: ٢٧٠] ، يعني فيجازيكم عليه، وقال النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٢) .
стр. 194
فهذا النذر نذر باطل وشرك بالله ، هذا النذر الذي نذرتيه لأحد الأئمة الأموات، لعلي، أو للحسين، أو الشيخ عبد القادر أو غيرهم نذر باطل وشرك بالله، وهكذا النذور لغير هؤلاء: للسيد البدوي أو للسيدة زينب أو للسيدة نفيسة، أو غير ذلك كله باطل، وهكذا النذر لرسول الله ﷺ باطل أيضا فالنذر لا يجوز إلا لله وحده لأنه عبادة، فالصلاة والذبح والنذر والصيام والدعاء كلها لله وحده : كما قال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) [الإسراء: ٢٣] ، يعني أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) [غافر: ١٤] ، وقال : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤) [الجن: ١٨] .
فالعبادة حق الله، والنذر عبادة، والصوم عبادة، والصلاة عبادة، والدعاء عبادة، والذبح عبادة، فيجب إخلاصها لله وحده، فهذا النذر باطل وليس عليك شيء لا للفقراء ولا لغيرهم، بل عليك التوبة، وليس عليك الوفاء بهذا النذر؛ لكونه باطلا وشركا، وعليك بالتوبة الصادقة والعمل الصالح، وفقك الله وهداك لما فيه رضاه ومن عليك بالتوبة النصوح.
стр. 195
النذر لقبر النبي يونس
س٧٤: سائل يقول: قبل ثلاث سنوات نذرت لوجه الله تعالى نذرا؛ فقلت: علي نذر أن أضع دينارا عراقيا كل شهر في قبر النبي يونس ﵇،
стр. 196
مع العلم أن المبالغ التي توضع في القبر تؤخذ. فهل هذا النذر صحيح وجائز وأستمر على تنفيذه أم أتوقف أم أعطيه للفقراء كل شهر؟ وما الحكم إذا توقفت عن وضعه وعدم إعطائه للفقراء؛ وما هي كفارة ذلك؟ أفيدوني أثابكم الله.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد. . .
فقد أجمع أهل العلم على أن النذر لا يجوز لغير الله كائنا من كان؛ لأنه عبادة وقربة إلى الله ، والناذر يعظم المنذور له بهذا النذر، والنذر للأموات من الأنبياء وغير الأنبياء شرك أكبر، فإذا نذر أن يقدم دراهم أو دنانير أو أطعمة أو زيتا أو غير ذلك للقبور أو للأصنام أو غيرها من المعبودات من دون الله، فإنه يكون نذرا باطلا، ويكون شركا أكبر.
فالواجب عليك في هذا أن تدع هذا العمل؛ لأن نذرك باطل، وعليك التوبة إلى الله ، فإن تقديم النذر إلى قبر النبي يونس ﵊ مقصوده القربى، أي التقرب إليه بهذا النذر، وطلب الزلفى لديه، أو الشفاعة منه إلى الله في شفاء المرضى، أو كذا أو كذا، وهذا كله باطل، ولا يجوز النذر إلا لله وحده .
وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (١) خرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂، والله يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢) [البقرة: ٢٧٠] .
стр. 197
فالنذر الشرعي مدح الله الموفين به، كالنذر بأن تصلي أو تصوم أو تتصدق لله فهذا نذر شرعي، قال : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (١) [الإنسان: ٧] ، مدح المؤمنين بهذا الوفاء. أما النذور التي للقبور والأشجار والأحجار أو للأصنام أو للكواكب أو للجن أو للأنبياء أو للأولياء، فكلها نذور باطلة؛ لأنها عبادة، والعبادة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) [الإسراء: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) [البينة: ٥] وقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) [الذاريات: ٥٦] وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) [الفاتحة: ٥]
فبادر بالتوبة إلى الله، واستغفر الله ، واحفظ مالك ولا تقدمه إلا في شيء يرضي الله كالصدقة على الفقراء والمساكين، وصلة الرحم، وتعمير المساجد ودورات المياه حولها، ونحو ذلك مما ينفع المسلمين.
أما النذور للقبور أو للجن، أو للأصنام أو للأشجار والأحجار، أو للكواكب، كلها نذور باطلة لا يجوز تنفيذها بالكلية، وهي قربة لغير الله، وعبادة لغير الله، وشرك بالله ، رزقنا الله وإياك الهداية والبصيرة، ومن علينا وعليك بالتوبة النصوح، إنه جل وعلا جواد كريم.
стр. 198
مدى صحة مكان قبر يونس
س٧٥: فضيلة الشيخ، بالنسبة لصحة مكان قبر يونس ﵇. هل هو فعلا في العراق؟
الجواب: أما نبي الله يونس ﵊ فلا يعرف قبره، وليس لهذا صحة، بل جميع قبور الأنبياء لا تعرف ما عدا قبر نبينا ﵊ فإنه معلوم في بيته في المدينة ﵊، وهكذا قبر الخليل إبراهيم معروف في المغارة هناك في الخليل في فلسطين، وأما سواهما فقد بين أهل العلم أنها لا تعلم قبورهم، ومن ادعى أن هذا قبر فلان أو قبر فلان فهو كذب لا أصل له ولا صحة له، ودعوى أن قبر يونس موجود في نينوى أو أنه في المحل المعين لا أصل له، فينبغي أن يعلم هذا، ولو علم لم يجز التبرك به ولا دعاؤه ولا النذر له ولا غير ذلك من أنواع العبادة؛ لأن العبادة حق الله وحده لا يجوز صرف شيء منها لغيره بإجماع المسلمين.
стр. 199
حول المساجد التي بها قبور، والنذر للأموات والطرق المحدثة
س٧٦: ما هو حكم المساجد التي بها قبور لبعض الصالحين؟ هل تصح الصلاة فيها أم لا؟ وهل يصح النذر لهؤلاء المشايخ؟ أفيدونا أفادكم الله. وما هو حكم الشرع في أصحاب الطرق الموجودة حاليا في
стр. 200
أكثر الدول الإسلامية أمثال: الصوفية والبومية والبهائية والمعتزلة وغيرها من الطرق؟ وما حكم ما يذكرونه من الصلوات النارية، والتسبيح بأعداد كبيرة، وقراءة القرآن بأعداد أيضا؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: أما المساجد التي تبنى على قبور فحكمها الهدم، لا يجوز بقاؤها ولا أن يصلى فيها؛ لما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة ﵂ يحذر ما صنعوا» (١) متفق على صحته. وقال ﵊: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٢) .
فبين ﷺ أن الله لعن اليهود والنصارى بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وبين ﷺ أن الواجب على المسلمين أن يتجنبوا ذلك، وألا يتأثروا باليهود والنصارى في هذا الأمر، فدل ذلك على أنه لا يجوز اتخاذ المساجد على القبور ولا يصلى فيها؛ لأن هذا يفضي إلى الشرك بها وعبادتها من دون الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن هذا ما رواه مسلم في الصحيح عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن تجصيص القبر وعن القعود عليه وعن البناء عليه» (٣) فالقبور لا تجصص ولا يبنى عليها، لا مساجد ولا غيرها، وما ذلك إلا لأن اتخاذها مساجد والبناء عليها من أسباب الغلو فيها، وعبادة أهلها من دون الله، والنذر لهم، والذبح لهم، ونحو ذلك، فلهذا نهى الرسول ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، وأخبر أن الله لعن اليهود والنصارى بأسباب ذلك.
стр. 201
فالواجب على المسلمين أن يحذروا هذا، وألا يبنوا على القبور مساجد، وألا يبنوا عليها شيئا، لا قبة، ولا حجرة، ولا مسجدا، ولا تجصص؛ لأن الرسول ﷺ حذر من ذلك. أما إن كان المسجد قائما من قبل ذلك ثم دفن فيه ميت أو أموات، فهذا الميت أو الأموات ينبشون وتنقل رفاتهم إلى المقبرة العامة، كل رفات توضع في حفرة تخصه، ويسوى ظاهرها كسائر القبور، حتى يبقى المسجد سليما من القبور، وهذا هو الواجب وبهذا يصلى فيه، فإذا نبشت القبور ونقلت من المسجد؛ فإنه يصلى فيه لأن المسجد هو القديم وهو الأصل. أما إذا كانت القبور هي الأصلية، ثم حدث المسجد فالواجب هدمه وإزالته، وأن تبقى القبور كسائر القبور ضاحية، ليس عليها بناء، كما كان النبي ﷺ على ذلك وأصحابه في البقيع وفي غير البقيع. ولا يخفى ما يترتب على بناء المساجد على القبور واتخاذ القباب عليها، وفرشها وتنويرها وتطييبها من الغلو فيها، وتعظيم أهلها، وعبادتهم من دون الله؛ بالنذر لهم، ودعائهم، وطلب المدد منهم، شرك أكبر، فدعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات من الشرك الأكبر عند جميع أهل العلم المعتبرين، وهو كدعاء الأصنام ودعاء الأشجار والأحجار والكواكب والاستغاثة بها، كله شرك بالله ، وتعظيمها ببناء المساجد عليها والقباب وسيلة إلى ذلك.
وأما الطرق التي أحدثها الناس كالصوفية والبهائية والقاديانية وغيرها فهي طرق منكرة محدثة يجب أن تعرض على كتاب الله وسنة
стр. 202
الرسول ﷺ ، فما وافق كتاب الله أو وافق سنة الرسول ﷺ قبل، وما خالفهما مما أحدثه الناس فإنه يرد ويطرح لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليست عليه أمرنا فهو رد» (١) رواه مسلم، يعني مردود، وقال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» (٢) متفق على صحته.
وكان ﷺ يقول في خطبة الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (٣) خرجه مسلم في صحيحه.
فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا ما أحدثه الناس من الطرق التي تخالف شرع الله ، سواء كانت صوفية أو غير صوفية، فالواجب عرض ما أحدثه الناس من الطرق على كتاب الله وعلى سنة الرسول ﷺ ، فما وافقهما أو أحدهما قبل وما خالفهما رد على من أحدثه.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (٤) [النساء: ٥٩] ، فأمر سبحانه برد ما تنازع فيه الناس لله ورسوله. ومعنى " إلى الله ": إلى كتابه العظيم، ومعنى " إلى الرسول ": يعني إليه في حياته ﷺ ، وإلى سنته بعد وفاته، هكذا قال أهل العلم رحمة الله عليهم، وهكذا قال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) [الشورى: ١٠] .
لكن البهائية طائفة كافرة معروف كفرها، بما لديها من دعوة النبوة للبهاء وربما ادعوا أنه الله، فالبهائية طائفة كافرة يجب الحذر منها،
стр. 203
ويجب على الدول الإسلامية إبعادها والقضاء عليها وعدم إقرارها في البلاد، وهكذا القاديانية طائفة كافرة؛ لأنها تثبت النبوة لمرزا غلام أحمد القادياني، وهذا كفر وضلال؛ لأن محمدا ﷺ هو خاتم الأنبياء ﵊ وليس بعده نبي، قال الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) [الأحزاب: ٤٠] .
وثبت عن الرسول ﷺ وتواتر عنه أنه قال: «أنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي» (٢) فدعوى القاديانية أن مرزا غلام أحمد نبي، وأنه يوحى إليه كفر مستقل وردة كبرى عند أهل العلم، فيجب الحذر منهم، وعدم إقرارهم حتى يستجيبوا لله والرسول، ويتوبوا من هذه العقيدة الباطلة.
стр. 204
التقرب إلى الله بالأولياء والذبح لهم
س٧٧: تقول السائلة: سمعت أن للأولياء منزلة عند الله ، فإذا طلب الإنسان حاجة وتقرب إلى الله بهم يستجاب له، وتأكدت من هذا الأمر بنفسي؛ وذلك عندما أصبت في يوم من الأيام بموقف حرج وتقربت بأحد منهم إلى الله استجاب الله لي. فهل يجوز لي أن أتقرب بهم إلى الله وأهدي لهم النذور؟ أفيدونا أفادكم الله. وما جوابكم على ما حصل لي؟
الجواب: هذا فيه التفصيل؛ فأولياء الله لهم منزلة عند الله، ولهم فضل، ولهم مقام عظيم، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٢) [يونس: ٦٢، ٦٣] . هؤلاء هم أولياء الله، وهم أهل الإيمان والتقوى، الذين عبدوا الله
стр. 205
واستقاموا على دينه، وعظموا أمره ونهيه، وانقادوا لشريعته، وهم الرسل وأتباعهم فهؤلاء لهم مقام عند الله عظيم.
أما سؤالهم، والاستغاثة بهم، والنذر لهم؛ فهو منكر، ومن الشرك الأكبر، ولا يجوز دعاؤهم، ولا سؤالهم، ولا التقرب إليهم بالنذور، ولا بالذبائح، بل هذا حق الله، وهذه عبادة الله، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) [البينة: ٥] ، وقال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) [الفاتحة: ٥] وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) [غافر: ١٤] ، وقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤) [الجن: ١٨] .
فالواجب إخلاص العبادة لله وحده، فلا ينذر إلا له ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يتقرب بالنذور والذبائح إلا له ، لا للأموات من الرسل ولا من المؤمنين ولا من غيرهم، ولا للأصنام، ولا للأشجار، ولا للأحجار ولا للجن فالعبادة حق الله وحده.
أما كونك دعوت أحد الأولياء، أو طلبت منه بعض الحاجة، أو توسلت إلى الله ببعضهم، فقضيت حاجتك، فقد يكون هذا من باب الابتلاء والامتحان صادف القدر بذلك، وهذا امتحان لك وابتلاء، فقد تنتبهين للأمر وقد لا تنتبهين. ولا يدل على أن ما فعلت مع بعض الأولياء ليس بشرك لأن عباد القبور وعباد الأصنام قد تقضى حاجتهم ابتلاء وامتحانا، لأن القدر قد سبق بذلك، وقد تقضى الحاجة بواسطة الشياطين المعينين على الشرك فلا يدل ذلك على جواز عبادة غير الله
стр. 206
ولا على جواز طلب الحاجات من الأموات والغائبين والجن وغيرهم.
وأما التوسل بهم، أي بجاههم، وبمحبتهم فهذا فيه تفصيل؛ أما الجاه فلا يجوز التوسل به، فلا يقال: أسألك يا الله بجاه فلان أو بحق فلان، هذا غير مشروع بل بدعة.
أما التوسل بحبهم، أي بحب أهل الإيمان، فهذا طاعة لله، فحبهم حق، فإذا قال المؤمن أو المؤمنة: اللهم إني أسألك بحبي لأوليائك ولرسلك وإيماني بهم، فهذا لا بأس به.
وأما دعاؤهم فلا يجوز، فلو قالت: يا سيدي يا رسول الله أغثني، أو يا أبا بكر أغثني، أو يا عمر أغثني، أو اشفني، فصادف أنه شفي من مرضه، فليس هذا من أجل هذا الدعاء، بل هذا وافق القدر الذي قدره الله أن يشفى، فقد يظن هذا المريض -أو هذه المريضة- أنه بأسباب دعائه، وهذا ليس بسبب ذلك، لكن صادف القدر وكان ابتلاء وامتحانا.
فالواجب الانتباه، وأن ينتبه المؤمن والمسلم لهذا الأمر، ولا يظن أن الولي هو الذي شفاه، بل الله الذي يشفيه ، كما قال عن الخليل إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (١) [الشعراء: ٨٠] ، فهو الذي يشفي جل وعلا، وهو الذي يقضي الحاجات للعباد، بأن يكتب لهم الشفاء، ويهب لهم العلم، إلى غير ذلك.
أما المخلوق الحي الحاضر القادر إذا طلبت منه حاجة يقدر عليها فهذا لا بأس به، وليس من الشرك. كأن تقول لأخيك أو لصديقك: أعني على كذا بكذا وكذا، أو أقرضني كذا وكذا، أو ساعدني على تعمير بيتي، أو إصلاح سيارتي، فهذا لا بأس به؛ لأن الله سبحانه ذكر عن كليمه
стр. 207
موسى ﵊ في سورة القصص ما يدل على ذلك حيث قال سبحانه: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (١) [القصص: ١٥] لأن موسى حي حاضر يستطيع إغاثة من استغاث به في مثل هذا الأمر، ولقول الله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، وهو جواز استعانة الإنسان بغيره من الأحياء القادرين الحاضرين، أو الغائبين بالمكاتبة والمكالمة الهاتفية. أما دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، أو للأصنام، أو للكواكب أو ما أشبه هذا، فهذا هو الشرك الأكبر، فالأولياء يحبون في الله، لكن لا يدعون مع الله.
وهذا هو الواجب على أهل الإسلام، أن يحبوهم في الله، ويعرفوا لهم قدرهم، لكن لا يدعونهم مع الله، ولا يستغيثون بهم، ولا ينذرون لهم، ولا يتقربون لهم بالذبائح، فهذا هو الشرك الأكبر؛ سواء مع الأولياء من الرسل، أو من المؤمنين، أو مع غيرهم من الطواغيت؛ فلا يدعون مع الله ولا يستغاث بهم.
فالواجب التنبه لهذا الأمر، وأن تحذري هذا الشرك، وأن تعبدي الله وحده بدعائك، واستغاثتك، ونذرك، وغير هذا. والواجب أن تجعلي ذلك كله لله .
стр. 208
حلم بعض النساء بالذبح للخضر وغيره
س٧٨: كثيرا ما تحلم بعض النساء أنه جاءها رجل وقال لها: اذبحوا لله وللخضر ذبائح، وإلا يقبل عليكم مرض، ويقولون أيضا: إن الذي لا يذبح تنقص عائلته بالموت. أفيدونا عن هذا أفادكم الله.
الجواب: هذا الحلم وما أشبهه من الشيطان، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يكره فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليتعوذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأى ثلاث مرات ثم ينقلب على جنبه الآخر فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحدا» (١) فهذه الرؤيا من الشيطان.
فإذا رأت المرأة أو الرجل مثل هذا الحلم، كأن يرى أنه يضرب، أو يهدد بقتل، أو في محل مخوف، فكل هذا من الشيطان، فعليه أن ينفث عن يساره؛ بأن يتفل عن يساره ثلاث مرات بريق خفيف، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأيت؛ ثلاث مرات، ثم ينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحدا.
والذبح لله عبادة في أي وقت، فإذا ذبح لله وتصدق بها فلا بأس. أما الذبح للخضر أو لغيره من الأموات والغائبين للتقرب إليهم وطلب شفاعتهم أو نحو ذلك فهذا من الشرك الأكبر وهو من عمل كفار قريش وأشباههم كما قال الله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية [يونس: ١٨] ، فالذبح لغير الله لا يجوز، بل هو من الشرك كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]
стр. 209
ونسكي: يعني ذبحي، ويقول الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) [الكوثر: ١، ٢] ، ويقول النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله» (٣) خرجه مسلم في صحيحه من حديث علي ﵁.
فلا يجوز الذبح للخضر، ولا للبدوي، ولا للحسين، ولا لغيرهم من الناس، ولا للأصنام، ولا للجن، بل الذبح يكون لله وحده، والتقرب بالذبح يكون لله وحده سبحانه، كالضحايا والهدايا. أما الخضر، أو البدوي، أو الحسين، أو المرسي، أو ابن عربي، أو الشيخ عبد القادر، أو فلان، فكل هؤلاء لا يجوز الذبح لهم أصلا. والتقرب إليهم بالذبائح ليشفعوا لك، أو ليشفوا ولدك. . كل هذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله، مثل الذبح للأصنام والجن والكواكب فكله شرك أكبر. فيجب الحذر من هذا وأشباهه، ويجب التواصي بترك ذلك، والتناصح؛ فالذبح يكون لله وحده . وهكذا الدعاء والاستغاثة؛ لا يستغاث بالخضر، ولا بالبدوي، ولا بالحسين، ولا بالنبي ﷺ ، ولا بغيرهم، بل الاستغاثة بالله وحده.
ولا يستغاث بالأموات، ولا بالجن، ولا بالملائكة، ولا بالأصنام، ولا بالكواكب، إنما يدعى الله وحده، ويستغاث به وحده سبحانه. ولا يطلب المدد من الأموات كالبدوي وغيره، ولا من الرسول ﷺ ، ولا من غيرهم، بل المدد يطلب من الله ؛ لأنه هو الذي يملك كل شيء سبحانه، ولا بأس به من الحي القادر. تقول: يا أخي
стр. 210
ساعدني على كذا وهو يسمعك، أو بالكتابة، أو بالبرقية، أو بالهاتف، فتقول له: ساعدني على كذا وهو قادر، أقرضني كذا، فهذا لا بأس به، وهذه أمور عادية، وأسباب حسية لا حرج فيها. لكن كونك تأتي الميت وتقول: يا سيدي البدوي اشف مريضي، أو رد غائبي، أو مدد المدد، أو يا سيدي الحسين، أو يا سيدي يا رسول الله، أو يا سيدي ابن عربي، أو يا شيخ عبد القادر، أو ما أشبه ذلك، فهذا من الشرك الأكبر. ويجب على كل مسلم أن يتنبه لهذا الأمر، ويجب على العلماء - وفقهم الله - أن ينصحوا الناس، وأن يعلموهم، يقول الله سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) [الجن: ١٨] ، ويقول : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣) [فاطر: ١٣، ١٤] ، ، فسمى دعاءهم شركا.
وهكذا يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) [المؤمنون: ١١٧] ، فسمى دعاء غير الله كفرا وشركا، فيجب التنبه لهذا الأمر الذي وقع فيه كثير من العامة والجهلة، ويجب على أهل العلم وعلى طلبة العلم أن ينصحوا لله ولعباده، ويعلموا هؤلاء الجهال حتى لا يستهينوا بدعوة القبور وأهلها، وحتى يدعوا الله وحده، ويستغيثوا به في حاجاتهم.
أما الحي الحاضر القادر فلا بأس، كأن يكون أخاك أو قريبك
стр. 211
أو صديقك فتقول له: أقرضني كذا، أو عاوني بكذا فلا بأس؛ فهو حي يسمع كلامك، أو بالهاتف (التليفون) ، أو بالبرقية، أو بالتلكس، أو بالمكاتبة، فتطلب منه شيئا وهو قادر فلا بأس، فهذا ليس من العبادات، بل هذه أمور عادية حسية.
وكان الصحابة يطلبون من النبي في حياته ﷺ ؛ يطلبون منه أن يشفع لهم أو يعينهم على كذا، فلا بأس بهذا في حياته ﷺ ، لكن بعد الوفاة لا يسأل هو ولا غيره بعد الوفاة.
وهكذا يوم القيامة حين يبعثه الله يسأله الناس يوم القيامة ليشفع لهم، فلا بأس لأنه حي حاضر بين أيديهم، أما بعدما توفاه الله وقبل يوم القيامة فإنه لا يدعى، ولا يستغاث به، ولا يذبح له، ولا ينذر له، بل هذا من الشرك.
وهكذا غيره كالخضر، أو نوح، أو موسى، أو عيسى، لا يدعون مع الله، ولا يستغاث بهم، ولا ينذر لهم، ولا يذبح لهم، وهكذا البدوي، وهكذا الحسين، وهكذا زينب، ونفيسة، وغيرهم ممن يعبدهم الجهلة، وهكذا الشيخ عبد القادر، وهكذا أبو حنيفة، وهكذا غيرهم كل هؤلاء وغيرهم ليس لأحد أن يدعوهم من دون الله، وليس له أن يستغيث بهم، كما أنه لا يجوز أن تدعى الأصنام التي يعبدها الجهلة، أو الجن، أو الكواكب، أو الأشجار، أو الأحجار، فكل هذا لا يجوز.
فالعبادة حق الله وحده، يقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) [الإسراء: ٢٣] ، ويقول سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) [الفاتحة: ٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) [الجن: ١٨] ،
стр. 212
ويقول : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) [يونس: ١٠٦] ، يعني المشركين. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ويقول النبي ﷺ : «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار» (٢) رواه البخاري في صحيحه. والند الشبيه والمثيل، يعني يدعو ميتا أو صنما أو شجرا أو حجرا مع الله، يقول: أغثني أو المدد المدد، أو اشف مريضي، أو رد غائبي، أو نحو ذلك من الأدعية، فكل هذا من الشرك الأكبر، وكله مما نهى الله عنه ورسوله وكله من اتخاذ الأنداد المنهي عنه.
فيجب على أهل العلم وعلى طلبة العلم، وعلى كل من عنده بصيرة أن يعلم الناس وأن يحذرهم من هذا الشرك، في كل مصر، وفي كل مكان، وفي كل زمان، وهذا واجب المسلمين، لقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٣) أخرجه مسلم في صحيحه.
وهكذا يقول الرب : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) [النحل: ١٢٥] ، ويقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٥) ولما بعث الرسول ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ إلى خيبر ليدعو اليهود إلى الدخول في الإسلام، قال له ﵊: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٦) متفق على صحته، يقسم ﷺ ويحلف وهو الصادق وإن لم يحلف، أن هداية واحد على يد الداعية إلى الله خير من حمر
стр. 213
النعم، أي خير من جميع النوق الحمر، والمعنى: خير من الدنيا وما عليها.
فدل ذلك على وجوب التناصح، والدعوة إلى الله، وبيان حق الله على عباده، وتحذيرهم من الشرك، حتى يكون الناس على بينة وعلى بصيرة نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.
стр. 214
حكم من يصلي ويصوم ويؤدي الفرائض وهو يستعين ويحلف بغير الله
س٧٩: ما رأيكم فيمن يكفر من يصلي ويصوم ويؤدي الفرائض ويحج ولكنه يدعو غير الله أو يستعين بغير الله أو يحلف بغير الله؟
الجواب: الإسلام أصله توحيد الله، وتخصيصه بالعبادة، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا أصل الدين وأساس الملة، وهذا هو الركن الأول من أركان الإسلام مع شهادة أن محمدا رسول الله قبل الصلاة والصيام والزكاة، كما في حديث جبرائيل ﵇، لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام قال له ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت» (١) أخرجه مسلم في صحيحه.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت» (٢) فالركن الأول شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،
стр. 215
عن علم، وعن عمل، وعن صدق، وعن إخلاص، وعن محبة، وعن قبول للحق، فإذا كان يعبد الله وحده وشهد أن محمدا رسول الله ويؤمن به وبما جاء به صحت صلاته وصيامه وحجه وزكاته، وإذا كان يدعو الأموات ويستغيث بهم بطلت أعماله، وصار مشركا نعوذ بالله من ذلك، لقول الله سبحانه يخاطب نبيه ﷺ في سورة الزمر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) [الزمر: ٦٥، ٦٦] وقال سبحانه في حق المشركين: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) [الأنعام: ٨٨] .
فإذا كان يدعو الأموات، ويستغيث بهم، وينذر لهم، ويقول المدد المدد يا سيدي فلان، أو يا سيدي فلان، أو يطلب من الرسول ﷺ بعد وفاته أو من المرغني، أو من الحسين، أو من البدوي، أو من الشيخ عبد القادر، أو من غيرهم، فإن هذا يكون شركا أكبر؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤) الجن: ١٨، ويقول : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) [يونس: ١٠٦] ، يعني المشركين، ويقول : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٦) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٧) [فاطر: ١٣، ١٤] ، سمى دعاءهم إياهم شركا بالله ، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٨) [المؤمنون: ١١٧] .