← Фатава

Фатава · id 8380

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الطيار والموسى - قسم العقيدة

ابن باز

Полный текст (503 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أو صديقك فتقول له: أقرضني كذا، أو عاوني بكذا فلا بأس؛ فهو حي يسمع كلامك، أو بالهاتف (التليفون) ، أو بالبرقية، أو بالتلكس، أو بالمكاتبة، فتطلب منه شيئا وهو قادر فلا بأس، فهذا ليس من العبادات، بل هذه أمور عادية حسية. وكان الصحابة يطلبون من النبي في حياته ﷺ ؛ يطلبون منه أن يشفع لهم أو يعينهم على كذا، فلا بأس بهذا في حياته ﷺ ، لكن بعد الوفاة لا يسأل هو ولا غيره بعد الوفاة. وهكذا يوم القيامة حين يبعثه الله يسأله الناس يوم القيامة ليشفع لهم، فلا بأس لأنه حي حاضر بين أيديهم، أما بعدما توفاه الله وقبل يوم القيامة فإنه لا يدعى، ولا يستغاث به، ولا يذبح له، ولا ينذر له، بل هذا من الشرك. وهكذا غيره كالخضر، أو نوح، أو موسى، أو عيسى، لا يدعون مع الله، ولا يستغاث بهم، ولا ينذر لهم، ولا يذبح لهم، وهكذا البدوي، وهكذا الحسين، وهكذا زينب، ونفيسة، وغيرهم ممن يعبدهم الجهلة، وهكذا الشيخ عبد القادر، وهكذا أبو حنيفة، وهكذا غيرهم كل هؤلاء وغيرهم ليس لأحد أن يدعوهم من دون الله، وليس له أن يستغيث بهم، كما أنه لا يجوز أن تدعى الأصنام التي يعبدها الجهلة، أو الجن، أو الكواكب، أو الأشجار، أو الأحجار، فكل هذا لا يجوز. فالعبادة حق الله وحده، يقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) [الإسراء: ٢٣] ، ويقول سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) [الفاتحة: ٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) [الجن: ١٨] ،

стр. 212

ويقول : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) [يونس: ١٠٦] ، يعني المشركين. والآيات في هذا المعنى كثيرة. ويقول النبي ﷺ : «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار» (٢) رواه البخاري في صحيحه. والند الشبيه والمثيل، يعني يدعو ميتا أو صنما أو شجرا أو حجرا مع الله، يقول: أغثني أو المدد المدد، أو اشف مريضي، أو رد غائبي، أو نحو ذلك من الأدعية، فكل هذا من الشرك الأكبر، وكله مما نهى الله عنه ورسوله وكله من اتخاذ الأنداد المنهي عنه. فيجب على أهل العلم وعلى طلبة العلم، وعلى كل من عنده بصيرة أن يعلم الناس وأن يحذرهم من هذا الشرك، في كل مصر، وفي كل مكان، وفي كل زمان، وهذا واجب المسلمين، لقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٣) أخرجه مسلم في صحيحه. وهكذا يقول الرب : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) [النحل: ١٢٥] ، ويقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٥) ولما بعث الرسول ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ إلى خيبر ليدعو اليهود إلى الدخول في الإسلام، قال له ﵊: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٦) متفق على صحته، يقسم ﷺ ويحلف وهو الصادق وإن لم يحلف، أن هداية واحد على يد الداعية إلى الله خير من حمر

стр. 213

النعم، أي خير من جميع النوق الحمر، والمعنى: خير من الدنيا وما عليها. فدل ذلك على وجوب التناصح، والدعوة إلى الله، وبيان حق الله على عباده، وتحذيرهم من الشرك، حتى يكون الناس على بينة وعلى بصيرة نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

стр. 214

حكم من يصلي ويصوم ويؤدي الفرائض وهو يستعين ويحلف بغير الله س٧٩: ما رأيكم فيمن يكفر من يصلي ويصوم ويؤدي الفرائض ويحج ولكنه يدعو غير الله أو يستعين بغير الله أو يحلف بغير الله؟ الجواب: الإسلام أصله توحيد الله، وتخصيصه بالعبادة، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا أصل الدين وأساس الملة، وهذا هو الركن الأول من أركان الإسلام مع شهادة أن محمدا رسول الله قبل الصلاة والصيام والزكاة، كما في حديث جبرائيل ﵇، لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام قال له ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت» (١) أخرجه مسلم في صحيحه. وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت» (٢) فالركن الأول شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،

стр. 215

عن علم، وعن عمل، وعن صدق، وعن إخلاص، وعن محبة، وعن قبول للحق، فإذا كان يعبد الله وحده وشهد أن محمدا رسول الله ويؤمن به وبما جاء به صحت صلاته وصيامه وحجه وزكاته، وإذا كان يدعو الأموات ويستغيث بهم بطلت أعماله، وصار مشركا نعوذ بالله من ذلك، لقول الله سبحانه يخاطب نبيه ﷺ في سورة الزمر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) [الزمر: ٦٥، ٦٦] وقال سبحانه في حق المشركين: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) [الأنعام: ٨٨] . فإذا كان يدعو الأموات، ويستغيث بهم، وينذر لهم، ويقول المدد المدد يا سيدي فلان، أو يا سيدي فلان، أو يطلب من الرسول ﷺ بعد وفاته أو من المرغني، أو من الحسين، أو من البدوي، أو من الشيخ عبد القادر، أو من غيرهم، فإن هذا يكون شركا أكبر؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤) الجن: ١٨، ويقول : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) [يونس: ١٠٦] ، يعني المشركين، ويقول : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٦) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٧) [فاطر: ١٣، ١٤] ، سمى دعاءهم إياهم شركا بالله ، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٨) [المؤمنون: ١١٧] .

стр. 216

فسماهم كفرة بالدعاء، والمدعو من دون الله يسمى إلها، ويسمى ندا، فمن يدعو مع الله صنما أو وليا أو نبيا أو قمرا أو كوكبا أو غير ذلك أو جنيا يكون قد اتخذه ندا لله وجعله إلها مع الله، فهذا العمل شرك أكبر تبطل معه الصلاة والصوم والزكاة والحج وغير ذلك، لما سبق من قول الله سبحانه في كتابه العظيم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) [الزمر: ٦٥] ، يخاطب النبي ﷺ وهو معصوم من هذا، لكن لتعلم الأمة أن هذا الأمر عظيم وأن من فعله صار مشركا وحبط عمله، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) [الأنعام: ٨٨] ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) [النساء: ١١٦] . فالشرك لا يغفر لمن مات عليه. فالواجب الحذر من دعاء الأموات والاستغاثة بهم أو بالأصنام، أو بالأشجار، أو بالأحجار أو الجن وطلبه المدد منهم، فكل ذلك شرك بالله يبطل الأعمال. والواجب على كل من فعله البدار بالتوبة من هذا الأمر، والحذر منه، والعزم الصادق ألا يعود فيه من فعله، وبهذا يصح إسلامه، أما ما دام يعبد الأموات والقبور ويستغيث بهم وينذر لهم فقد أبطل أصل الإسلام، وقد أبطل الشهادة، مثل الذي يتوضأ ثم يحدث، إذا توضأ الإنسان ثم خرج منه البول أو الريح بطل وضوءه، فهكذا الذي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم يدعو الأموات أو يستغيث بالأموات أو الجن أو ينذر لهم أو يسب الله ورسوله أو يأتي بأي ناقض من نواقض الإسلام؛ فإنه بذلك يبطل

стр. 217

إسلامه مثلما أبطل طهارته بالريح أو بالبول ونحوهما من الأحداث الناقضة للوضوء. وهكذا لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قال بعد ذلك: إن مسيلمة الكذاب نبي، أو قال: إن الأسود العنسي نبي، أو قال: إن طليحة الأسدي نبي، أو قال: إن فلانا وفلانا ممن ادعى النبوة بعد النبي ﷺ نبي؛ فإنه يكون كافرا ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولو قال: أشهد أن محمدا رسول الله؛ لأنه كذب الله في قوله في محمد ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) [الأحزاب: ٤٠] . وهكذا لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قال: الصلاة غير واجبة كفر. ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أو ترك الصلاة عمدا على القول الصحيح كفر أيضا، أو قال: إن الزكاة ليست بواجبة أو صوم رمضان ليس بواجب ولو صام، أو قال: الحج ليس بواجب مع الاستطاعة كفر، ولو حج لأنه كذب الله ورسوله. وهكذا لو أن إنسانا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلي ويصوم ويتصدق، ولكن يسب الرسول ﷺ ، أو يسب الله، أو يسب الإسلام، كفر بهذا السب، ولم تنفعه هذه الشهادة، وهذا الصوم، وهذه الصلاة؛ لأنه أتى بناقض من نواقض الإسلام. فلابد في حق المسلم وبقاء الإسلام عنده أن يبتعد عن نواقض الإسلام وعن أسباب الردة. وهكذا لو أن إنسانا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلي، ويصوم، ويزكي، ويحج، ولكنه يستهين

стр. 218

بالمصحف، يطؤه برجله، أو يجلس عليه إهانة له، أو يلطخه بالنجاسة؛ كفر إجماعا بعمله مع المصحف؛ لأن هذا يدل على استخفافه بكلام الله، وسبه لله بإهانة كلامه؛ فيكون كافرا عند جميع العلماء، ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولو صلى، ولو زكى، ولو صام، ولو حج. فينبغي للمسلم التنبه لهذه الأمور، وأن الإسلام إنما يبقى مع السلامة من نواقض الإسلام، ومع البعد عما ينقض الإسلام، نسأل الله للجميع الهداية والعافية.

стр. 219

الإحسان إلى من مات وهو يعتقد أن الرسول ﷺ ليس ببشر ويعلم الغيب وغير ذلك س٨٠: يقول السائل في رسالته: إذا مات الشخص وهو يعتقد أن الرسول ﷺ ليس ببشر، وأنه يعلم الغيب، وأن التوسل بالأولياء الأموات والأحياء قربة إلى الله فهل يدخل النار أو يعتبر مشركا؟ وإذا كان لا يعلم غير هذا الاعتقاد، وأنه عاش في منطقة علماؤها وأهلها كلهم يقرون بذلك. فما حكمه؟ وما حكم التصدق عنه والإحسان إليه بعد موته؟ الجواب: من مات على هذا الاعتقاد، وهو أن يعتقد أن محمدا ﷺ ليس ببشر، وليس من بني آدم، أو يعتقد أنه يعلم الغيب، فهذا اعتقاد كفري، فيعتبر كافرا، وهكذا إذا كان يتوسل به بمعنى يدعوه، ويستغيث به، وينذر له؛ لأن التوسل فيه تفصيل، فبعض الناس يطلق التوسل على

стр. 220

دعاء الميت وطلب المدد والاستغاثة به، وهذا من الكفر بالله، فإذا مات على ذلك الحال مات على حالة كفرية، لا يتصدق عنه، ولا يصلى عليه، ولا يغسل في هذه الحال، ولا يدعى له، ثم بعد ذلك أمره إلى الله في الآخرة، إن كان عن جهالة وعدم بصيرة وليس عنده من يعلمه فهذا حكمه حكم أهل الفترة يوم القيامة، يمتحنون ويؤمرون، فإن أجابوا وأطاعوا نجوا ودخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار. أما إن كان يعلم، ولكنه تساهل، ولم يبال، فهذا حكمه حكم الكفرة؛ لأنه مكذب لله ، والله بين أن محمدا ﷺ بشر، وبين أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وأنه مستحق للعبادة، فالذي يعتقد أن محمدا ليس ببشر، وأنه يعلم الغيب، فقد كذب الله ، ويكون كافرا،نسأل الله العافية. أما إذا كان جاهلا فأمره إلى الله في الآخرة، أما في الدنيا فحكمه حكم الكفرة؛ لا يصلى عليه، ولا يدعى له. . . . إلى آخره. أما التوسل بمعنى التوسل بجاه فلان، يعني أن يقول: أسأل الله بجاه فلان، أسألك يا الله بجاه محمد ﷺ ، أو بجاه الأنبياء، أو بحق الأنبياء؛ فهذا فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من أجازه ومنهم من منعه وليس بشرك، من أجازه رأى أنه وسيلة لا بأس بها، ومن منعه يرى أنه بدعة وليس بشرك؛ لأن الوسائل لا بد أن يأتي فيها النص، ولا بد أن تعرف بالنصوص، ولم يأت في النص ما يدل على أن التوسل بجاه فلان، أو حق فلان، أنه جائز وأنه شرعي، بل جاءت النصوص على أن هذا ليس بجائز وليس بشرعي بل هو بدعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى

стр. 221

يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) [الأعراف: ١٨٠] ؛ هذه وسيلة، تسأل ربك بأسمائه: يا ربي، يا رحمن، يا رحيم، اهدني، أنجني من النار، يا سميع الدعاء، يا حي يا قيوم، إلى غير ذلك، تسأله بأسمائه وصفاته . وهكذا التوسل بالتوحيد والإيمان تقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، بأني أؤمن بك وبأنبيائك ورسلك، فهذه وسيلة شرعية لا بأس بها، أو تسأله بأعمالك الصالحة، تقول: اللهم إني أسألك ببري والدي، وطاعتي لك ولرسولك أن تغفر لي، أن تهب لي كذا وكذا، فلا بأس، كما ثبت في الحديث الصحيح في قصة أهل الغار وهم ثلاثة، آواهم المبيت والمطر إلى الغار، فلما دخلوا فيه انحدرت عليهم صخرة من أعلى الجبل فسدت الغار عليهم، ولم يستطيعوا الخروج، ولم يستطيعوا دفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذا إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم، فتوجهوا إلى الله فاسألوه ببعض أعمالهم الطيبة. فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، يعني لا أسقي الغبوق وهو اللبن في الليل قبلهما أهلا ولا مالا، وإنه نأى بي طلب الشجر ذات ليلة فلم أرح عليهما إلا وقد ناما، فحلبت لهما غبوقهما وجعلته على يدي ووقفت أنتظرهما حتى طلع الفجر، واستيقظا فسقيتهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء ولكن لا يستطيعون الخروج.

стр. 222

والثاني: توسل بعفته عن الزنا، فكان له ابنة عم يحبها كثيرا، وأرادها عن نفسها فأبت عليه، ثم إنها ألمت بها حاجة أي شدة فجاءت تطلب منه حاجة فأبى عليها إلا أن تمكنه من نفسها، فوافقت على هذا من أجل الحاجة، فأعطاها مائة دينار وعشرين دينارا، فلما جلس بين رجليها، قالت له: يا عبد الله، اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف من الله حينئذ، وقام عنها وترك لها الذهب خوفا من الله ، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة أكثر لكن لا يستطيعون الخروج. ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيت كل واحد أجره إلا واحدا ترك أجره فنميته له، حتى اشتريت منه إبلا وبقرا وغنما ورقيقا، فجاء يطلب أجره، فقلت له: كل هذا من أجرك، يعني الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله، اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك إنه كله مالك، فاستاقه كله، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون. وهذا يدل على أن التوسل بالأعمال الطيبة الصالحة أمر مشروع، وأن الله يسبب به الفرج. أما التوسل بجاه فلان، أو حق فلان، أو بذات فلان، فهذا غير مشروع، وهذا هو الصواب.

стр. 223

من يعيش في قرية تنتشر فيها البدع والخرافات العقدية س٨١: يقول السائل: إذا كنت أعيش في منطقة أهلها لا يعرفون التوحيد، ويحبون البدع والخرافات، ومن اعتقاداتهم التوسل بالأولياء والعكوف عند الأضرحة، والذبح عندها، والنساء يخرجن متبرجات، وكثير من أهل هذه البلدة على هذه الحال. فهل يجوز لي أن أصلي خلفهم؟ علما بأنه لا يوجد مسجد آخر غير هذا المسجد الذي هم قائمون عليه. أفيدونا أفادكم الله. الجواب: ما دام أهل هذه القرية بهذه الصفة فالواجب عليك أن تهاجر منها، وأن تنتقل إلى قرية صالحة، يعبد أهلها الله ، فالهجرة واجبة من البلاد الشركية إلى البلاد الإسلامية، أما إن كنت تستطيع توجيههم وإرشادهم، أو عندك من أهل العلم والبصيرة من يرشدهم حتى يتعلموا، فاستعينوا بالله وأرشدوهم؛ لأن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات شرك أكبر والعياذ بالله فالعبادة حق الله وحده، قال سجانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) [البينة: ٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣) [الإسراء: ٢٣] ، والآيات كثيرة في ذلك. فالواجب إخلاص العبادة لله وحده، فلا يدعى إلا هو ، ولا يستغاث إلا به، ولا يصلى إلا له، ولا يسجد إلا له، فمن يطلب من الأموات المدد ويستغيث بهم فقد أشرك بالله ، وهكذا إذا صلى لهم، وسجد لهم، وذبح لهم، ونذر لهم، كل هذا عبادة

стр. 224

لغير الله، فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى الله، والندم، ومن تاب تاب الله عليه، فالعبادة حق الله يجب إخلاصها لله. أما النساء فلا يجوز لهن التبرج بين الرجال الأجانب وإظهار الزينة، فهذا من المنكرات، ومن أسباب الفتن، وظهور الفواحش، فالواجب إنكار ذلك. فالخلاصة أن عليك يا عبد الله أن تنصح أهل هذه القرية، وأن تطلب لهم العلماء ولو من بلاد أخرى يأتون إليهم، حتى يرشدوهم، وحتى يعلموهم، وحتى ينصحوهم، ولا يجوز تركهم على هذه الحالة السيئة، بل يجب أن يوجهوا إلى الخير، وينصحوا، وأن يطلب لهم العلماء من الأقطار الأخرى التي بقربهم من أهل التوحيد حتى ينصحوهم، وحتى يوجهوهم. وإذا كنتم في السودان، فإن عندكم أنصار السنة اطلبوا منهم من يأتي إليكم، وينصحكم، ويوجه هؤلاء إلى الخير، وهكذا في أي البلاد اطلب الذين يعرفون التوحيد، ويدعون إلى التوحيد حتى يحضروا إلى هذه القرية وحتى ينصحوهم، ويرشدوهم، ويعلموهم، فالدين النصيحة، والله يقول : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) [النحل: ١٢٥] . «ويقول النبي ﷺ لابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ لما بعثه إلى خيبر، قال: ادعهم إلى الإسلام - يعني اليهود - وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه» (٢) ثم قال: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٣) أي خير لك من جميع النوق

стр. 225

الحمر، والمعنى خير لك من الدنيا وما عليها، فدل ذلك على عظم شأن الدعوة إلى الله وإرشاد الناس، وأنها قربة عظيمة، فلا يجوز إهمال القرى الجاهلة التي يقع فيها الشرك والمعاصي الظاهرة، بل يجب إرشادهم وتوجيههم إلى الخير، وتعليمهم ما أوجب الله عليهم حتى يزول الشرك، وحتى تختفي المعاصي. رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

стр. 226

الائتمام بمن يستعين بالتيجاني ويسأله ويحمده س٨٢: يقول السائل: إذا كان هناك إمام يفعل البدع أثناء الليل؛ فإذا سأل يسأل باسم الشيخ أحمد التيجاني، وإذا استعاذ يستعيذ به ويحمده. فهل يجوز اتباعه والاقتداء به؟ أفيدونا أفادكم الله. الجواب: مثل هذا لا يصلى خلفه إذا كان بهذا الوصف، فمن كان بهذه المثابة يدعو التيجاني ويستعيذ بالتيجاني، أو بالحسين، أو بالبدوي، أو بغيرهم من الأنبياء، أو الأموات؛ فهذا شرك أكبر، فالذي يقول: يا سيدي أحمد التيجاني أنا في حسبك أو في جوارك، أو أنا مستجير بك، أو يا سيدي الحسين، أو يا سيدي البدوي، أو يا ست زينب، أو يا فلان، أو يا فلان، فهذا من الشرك الأكبر، والله يقول : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) [غافر: ٦٠] ، ويقول : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) [الجن: ١٨] ، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) [يونس: ١٠٦] ، يعني المشركين.

стр. 227

فالله أمر عباده أن يدعوه، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) [غافر: ٦٠] ، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢) [البقرة: ١٨٦] ، وقال : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٤) [فاطر: ١٣، ١٤] فسمى دعاءهم إياهم شركا. قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) [المؤمنون: ١١٧] سماهم كفرة لدعوتهم غير الله من الأموات والملائكة والجن ونحو ذلك، فالعبادة حق الله، هو الذي يدعى ، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٦) [البقرة: ٢١] وكما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٧) [الذاريات: ٥٦] ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٨) [النحل: ٣٦] وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٩) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (١٠) [الزمر: ٢، ٣] وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١١) [البينة: ٥] . ونهى عن عبادة غيره فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١٢) [الجن: ١٨] ، والدعاء هنا يشمل دعاء المسألة، ويشمل دعاء العبادة؛ فلا يدعى مع الله أحد، لا بالصلاة، ولا بالصوم، ولا بالضراعة إليه وسؤاله، ولا بالنذر والذبح، ولا بالسجود، ولا بغير هذا، بل هذا حق الله وحده .

стр. 228

فالذي يدعو التيجاني أو يدعو الرسول ﷺ أو يدعو أحد الصحابة كعلي ﵁، أو الحسين، أو الحسن ﵃ جميعا، أو يدعو البدوي، أو المرسي، أو الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو فلان، كل هذا شرك أكبر يجب تركه، والحذر منه، ولا يتخذ هذا إماما، ولا يعتمد عليه في فتوى أو في غيرها؛ لأن الشرك أعظم الذنوب وأكبرها فالواجب تحذيره ونصيحته ودعوته إلى الله ، لعله يتوب فيتوب الله عليه. يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) [الأنعام: ٨٨] ويقوله سبحانه يخاطب نبيه ﵊: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) [الزمر: ٦٥] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) [لقمان: ١٣] ويقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) [النساء: ٤٨] فبين سبحانه أن الشرك لا يغفر لمن مات عليه، أما ما دونه من المعاصي فتحت مشيئة الله جل وعلا، من مات على المعاصي كالزنا أو الخمر، أو نحو ذلك، فهذا تحت مشيئة الله ولا يكفر إذا لم يستحل ذلك، لكن هو تحت مشيئة الله إذا مات على ذلك، إن شاء الله سبحانه غفر له بأعماله الصالحة وتوحيده وإسلامه، وإن شاء عذبه على قدر المعاصي التي مات عليها، ثم منتهاه إلى الجنة بعد التطهير والتمحيص إذا كان مات على التوحيد والإيمان والإسلام.

стр. 229

الصلاة خلف من يجوز دعاء الأموات س٨٣: هل تجوز الصلاة خلف من جوز دعاء الأموات؟ أفيدونا أفادكم الله. الجواب: الذي يبيح دعاء الأموات يكون مشركا؛ فالذي يبيح أن يدعى الميت، وأن يطلب منه المدد يعتبر مشركا، ولا يصلى خلفه ولا خلف من يعمل عمله، ولا خلف من يرضى عمله أيضا، بل هذا من الشرك الأكبر، ومن عمل الجاهلية، من مثل عمل أبي جهل وغيره من المشركين؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) [الجن: ١٨] ويقول سجانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) [يونس: ١٠٦] يعني من المشركين. ويقول الله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٤) [فاطر ١٣، ١٤] سمى دعاءهم إياهم شركا بالله، وقال : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) [المؤمنون: ١١٧] وهكذا من يدعو الأصنام أو الأحجار أو الكواكب أو الأشجار أو الجن، ويستغيث بها، أو ينذر لها يسمى مشركا، فلا يصلى عليه، ولا يصلى خلفه، ولا يتخذ صاحبا بل يبغض في الله، ويعادى في الله ، ولكن ينصح ويوجه ويعلم لعل الله أن يهديه.

стр. 230

حكم زيارة القبور ودعاء الأموات والصلاة خلف من يفعل ذلك س٨٤: يوجد إمام مسجد في إحدى القرى، ممن يزورون القباب ويسألون أصحابها الأموات النفع، وجلب المصالح، وكذلك يلبس الحجب، ويتبرك بالحجارة التي على الأضرحة فهل تجوز الصلاة خلفه؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فماذا نفعل مع العلم بأنه ليس هناك مسجد آخر؟ الجواب: من شرط الإمامة، أن يكون الإمام مسلما، واختلف العلماء، هل يشترط أن يكون عدلا أم تصح خلف الفاسق؟ على قولين لأهل العلم. والصواب: أنها تصح خلف الفاسق إذا كان مسلما ولكن لا ينبغي أن يولى مع وجود غيره؛ بل ينبغي لولاة الأمور أن يتحروا في الإمام أن يكون مسلما عدلا، طيب السيرة، حسن العمل؛ لأنه يقتدى به. أما من كان يزور القبور، ليدعو أهلها من دون الله ويستغيث بهم، ويتمسح بقبورهم، ويسألهم شفاء المرضى، والنصر على الأعداء، فهذا ليس بمسلم؛ هذا مشرك؛ لأن دعاء الأموات والاستغاثة بهم، والنذر لهم، من أنواع الكفر الأكبر؟ فلا يجوز أن يتخذ إماما، ولا يصلى خلفه. وإذا لم يجد المسلمون مسجدا آخر، صلوا قبله أو بعده، صلوا في المسجد الذي يصلي فيه إذا لم يكن فيه قبر، لكن قبله أو بعده، فإن تيسر عزله، وجب عزله، وإن لم يتيسر، فإن المسلمين ينتظرون صلاة هؤلاء،

стр. 231

ثم يصلون بعدهم، أو يتقدمونهم إذا دخل الوقت ويصلون قبلهم إن أمكن ذلك، فإن لم يمكنهم، صلوا في بيوتهم، لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) [التغابن: ١٦] وينبغي أن يعلم هذا الإمام، ويرشد إلى الحق، لأنه في حاجة إلى الدعوة إلى الله. والمسلم ينصح للمسلمين، وينصح لغيرهم، ويدعو إلى الله، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر لدعوة اليهود إلى الإسلام: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٢) وقال ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٣) والله يقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) [فصلت: ٣٣] وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٥) [يوسف: ١٠٨] وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦) [النحل: ١٢٥] فهذا الإمام يدعى إلى الله، ويوجه إلى الخير، ويعلم أن عمله باطل، وأنه شرك، بالأساليب الحسنة، وبالرفق والحكمة، لعله يهتدي ويقبل الحق، فإن لم يتيسر ذلك، فيتصل بالمسئول عن المسجد، كالأوقاف وغيرها، ويبين لهم أن هذا الإمام لا يصلح، والواجب عزله، وأن يولى المسجد رجل موحد مؤمن مسلم، حتى لا يتفرق الناس عن المسجد، وحتى لا يصلي بهم إنسان كافر. هذا هو الواجب على المسلمين، أن يتعاونوا على الخير، وأن ينصحوا

стр. 232

لولاة الأمور، وأن ينصحوا لهذا الإمام الجاهل، لعله يهتدي.

стр. 233

س٨٥: هناك من الناس الطيبين من تكلم في هذا المسجد حول الشرك، واستدل بآيات من القرآن وأحاديث من السنة، فقال الإمام: إن هذه الآيات والأحاديث إنما هي في المشركين الأوائل. فهل آيات الشرك والكفر، خاصة بالمشركين الأوائل؟ أم تنطبق على كل من يعمل عملهم؟ الجواب: ليست خاصة بهم، بل هي لهم ولمن عمل أعمالهم، فالقرآن نزل لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة، فهو حجة الله على عباده إلى يوم القيامة؛ يقول : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) [الذاريات: ٥٦] فهذا يعم من كان في زمانه ﷺ وقبله وبعده إلى يوم القيامة. وقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) [الجن: ١٨] يعم أهل مكة، وأهل المدينة، ويعم جميع الناس، كلهم منهيون أن يدعوا مع الله أحدا، في زمانه ﷺ وبعد ذلك إلى يوم القيامة. وهكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) [المؤمنون: ١١٧] فهذا عام. وهكذا قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (٤) [سبأ: ٢٢] هذا يعم جميع الخلائق، كما يعم الأصنام ويعم جميع ما يعبد من دون الله.

стр. 234

وهكذا قوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٢) [الإسراء ٥٦، ٥٧] وهذا يعم جميع الناس. وكذلك قوله : ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٤) [فاطر: ١٣، ١٤] فبين سبحانه أن المدعو من دون الله، من أصنام أو جن أو ملائكة أو أنبياء أو صالحين، لا يسمعون دعاء من دعاهم: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ (٥) وأنهم ما يملكون من قطمير، وهو اللفافة التي على النواة، فهم لا يملكون ما يطلب منهم ولا يستطيعون أن يسمعوا: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ (٦) هذا كلام الحق ، ثم قال: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (٧) فلو فرض أنهم سمعوا لم يستجيبوا لعجزهم، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٨) فسمى دعاءهم إياهم شركا بهم. فوجب على أهل الإسلام أن يتركوا ذلك ويحذروا الناس منه، وعلى كل مكلف أن يدع ذلك، وألا يدعو إلا الله . وهذا يعم جميع العصور، من عصره ﷺ إلى آخر الدهر. نسأل الله للجميع الهداية.

стр. 235

(١٥) السحر

стр. 236

التحذير من قراءة كتب السحر والتنجيم س٨٦: أرجو من فضيلتكم أن تبينوا حرمة استعمال وقراءة كتب السحر والتنجيم، حيث إنها موجودة بكثرة، وبعض زملائي يريدون شراءها ويقولون: إنها إذا لم تستعمل فيما لا يضر فليس في ذلك حرمه. نرجو الإفادة وفقكم الله. الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. . . أما بعد: هذا الذي قاله السائل حق، فيجب على المسلمين أن يحذروا كتب السحر والتنجيم، ويجب على من يجدها أن يتلفها، لأنها تضر المسلم وتوقعه في الشرك، والنبي ﵊ قال: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (١) والله يقول في كتابه العظيم عن الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٢) [البقرة: ١٠٢] فدل على أن تعلم السحر والعمل به كفر، فيجب على أهل الإسلام أن يحاربوا الكتب التي تعلم السحر والتنجيم، وأن يتلفوها أينما كانت. هذا هو الواجب، ولا يجوز لطالب العلم ولا غيره أن يقرأها أو يتعلم ما فيها، وغير طالب العلم كذلك ليس له أن يقرأها ولا أن يتعلم مما فيها، ولا أن يقرها؛ لأنها تفضي إلى الكفر بالله، فالواجب إتلافها أينما كانت، وهكذا كل الكتب التي تعلم السحر والتنجيم يجب إتلافها.

стр. 237

إبطال السحر س٨٧: ما هو العمل لإبطال السحر بارك الله فيكم؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. . أما بعد. فعلاج السحر يكون بشيئين: أحدهما: الرقى الشرعية. والثاني: الأدوية المباحة التي جربت في علاجه، ومن أنجع العلاج وأنفع العلاج الرقى الشرعية، فقد ثبت أن الرقية يرفع الله بها السحر، ويبطل بها السحر. وهناك نوع ثالث وهو: العثور على ما فعله الساحر من عقد أو غيرها، وإتلافها، كذلك من أسباب زوال السحر وإبطاله. فمن الرقى التي تستعمل أن يرقى المسحور بفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٣) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٤) مع آيات السحر التي جاءت في سورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة طه، وهي قوله سبحانه في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (٥) ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (٧) [الأعراف: ١١٧، ١١٩] وفي سورة يونس يقول سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (٨) ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٩) ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٠) ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١١) [يونس: ٧٩، ٨١]

стр. 238

وفي سورة طه يقول سبحانه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (١) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢) ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (٣) ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (٤) ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٥) [طه: ٦٥ - ٦٩] . هذه الآيات الكريمات العظيمات ينفث بها في الماء، ثم بعد ذلك يصب هذا الماء الذي قرأت فيه على ماء أكثر، ثم يغتسل به المسحور، ويشرب منه بعض الشيء، كثلاث حسوات يشربها منه، ويزول السحر بإذن الله ويبطل، ويعافى من أصيب بذلك، وهذا مجرب مع المسحورين، جربناه نحن وغيرنا ونفع الله به من أصابه شيء من ذلك. وقد يوضع في الماء سبع ورقات خضر من السدر تدق وتلقى في الماء الذي يقرأ فيه، ولا بأس بذلك، وقد ينفع الله بذلك أيضا، والسدر معروف وهو شجر النبق. وهناك أدوية لمن يتعاطى هذا الشيء، ويعالج بهذا الشيء، أدوية مباحة قد يستفاد منها في علاج السحر وإزالته كما أشار إلى هذا العلامة ابن القيم ﵀ في بيان النشرة المشروعة، وقد ذكر ذلك أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتابه فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد، في باب ما جاء في النشرة. أما ما يتعلق بإتيان الكهان أو السحرة والمشعوذين فهذا لا يجوز،

стр. 239

وإنما الطريق الشرعي هو ما ذكرناه من القراءة على المسحور، أو القراءة في ماء ويشربه ويغتسل منه، وإن وضع فيه سبع ورقات من السدر الأخضر الرطبة ودقت فهذا أيضا قد ينفع بإذن الله مع القراءة، وهذا شيء مجرب كما تقدم. والغالب على من استعمل هذا مع إخلاصه لله وتوجهه إلى الله بطلب الشفاء أنه يعافى بإذن الله، وعلى المسحور أن يضرع إلى الله وأن يسأله كثيرا أن يشفيه ويعافيه، وأن يصدق في طلبه، وأن يعلم أن ربه هو الذي يشفيه، وهو الذي بيده الضر والنفع، والعطاء والمنع، وليس بيد غيره .

стр. 240

سؤال السحرة والعرافين، وعلاج السحر س٨٨: يقول السائل في رسالته: كنت غافلا فوجدت سحرا قد عملوه لي ولزوجتي ليطردوني عن داري؛ لأنهم يقولون إن هذا البيت مسكون وفيه شياطين، وذهبت إلى سيد من السادة أهل الدين وكشف لعائلتي ولبيتي، وقال لي فعلوا لك سحرا قدره مائتان وخمسون دينارا فهل هذا صحيحا ووجدت فيه قطعة طويلة مكتوبة بالأزرق، فذهبت إلى هذا السيد، وأخذ مني عشرين دينارا وأما البيت فلم يأته أي شيء، فهل يصيبني ذنب فيما فعلت أم لا؟ وقد ذهبت إلى محافظة أخرى في بلادنا وسألت بعض علماء الدين حول هذا الأمر، فقالوا لي: ضع مصحفا في بيتك وآية للرسول فلا يصيبك إثم ولا ذنب؟ الجواب: السحرة والكهنة والعرافون لا يجوز سؤالهم ولا

стр. 241

تصديقهم فيما يقولون؛ لقول النبي ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١) رواه مسلم في الصحيح. والعراف من يدعي معرفة الأمور الغيبية عن طريق التكهن والاستعانة بالجن، وهكذا الكاهن وهو من له رئي من الجن أي صاحب من الجن يخبره ببعض المغيبات التي يسمعها من الناس في البلدان القريبة أو البعيدة، أو يسمعها من مسترق السمع من الشياطين من جهة السماء، فهؤلاء لا يسألون ولا يصدقون. وهكذا السحرة وهم الذين يتعاطون أمورا يضرون بها الناس بواسطة الاستعانة بالشياطين من الجن، فالسحر له وجود وله حقيقة وبعضه خيال، لكن بعضه له حقيقة يقتل ويمرض ويفرق بين المرء وزوجه فلا يجوز سؤال السحرة ولا تصديقهم ولا العلاج عندهم، ولكنك تعالج المرض عند الأطباء المعروفين، أو بقراءة القرآن، فيقرءون عليك القرآن وآيات السحر وينفثون عليك، أو في الماء تشربه وتغتسل به فلا بأس. أما المعروفون بتعاطي السحر أو الكهانة أو العرافة التي فيها دعوى علم الغيب فهؤلاء كلهم لا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم، وعليك أن تتوب إلى الله من سؤال هذا الساحر. وعليك أن تعمل الأدوية المباحة والطب المباح، ومن ذلك أن تقرأ أنت أو يقرأ لك بعض الإخوان الطيبين أصحاب العقيدة الطيبة في ماء فيقرأ لك الفاتحة وآية الكرسي، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) والمعوذتين، وآيات السحر الموجودة في سورة الأعراف،

стр. 242

وسورة يونس، وسورة طه، يقرؤها في الماء ثم تشرب من هذا الماء وتغتسل بالباقي. هذا بإذن الله علاج لما قد يقع من السحر، وقد يجعل فيه سبع ورقات من السدر الأخضر تدق وتجعل في الماء. ويكون هذا أيضا من باب الطب والعلاج المباح؛ لأنه مجرب ونافع في حق المسحور وفي حق من حبس عن زوجته. فإن هذا العلاج الشرعي بقراءة الفاتحة وآية الكرسي، وآيات السحر المعروفة في سورة الأعراف وسورة يونس وسورة طه، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) والمعوذتين؟ تقرأ في الماء وفيه السدر أو ليس فيه سدر، ثم يشرب منه الإنسان، ويغتسل منه المصاب بالسحر، أو المحبوس عن زوجته، فيبرأ بإذن الله . وإن نفث فيه مع ذلك بقوله: «اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» (٣) وكرر هذا ثلاثا فهو مناسب؛ لأنها هذه الدعوات طيبة ثابتة عن رسول الله ﷺ . وهكذا الدعاء المعروف: «باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك» (٤) يقولها ثلاث مرات أيضا، فلهذا ثابت عن النبي ﷺ أيضا. فإذا نفث بهذا في الماء أو على المريض فهو أيضا طيب، ومن أسباب الشفاء وهو علاج نبوي وعلاج شرعي، وهذا من الدعاء الطيب الذي يرجى فيه النفع، والله المستعان. وذلك كله مع سؤال الله الشفاء والعافية، فعلى الإنسان أن

стр. 243

يسأل ربه أن يمن عليه بالشفاء، ويضرع إلى الله في سجوده، وفي آخر التحيات، وبين الأذان والإقامة، وفي آخر الليل، وفي جميع الأوقات يدعو ربه ويسأله ويضرع إليه أن يشفيه مما أصابه، ويزيل عنه ما به من أذى، والله يحب السائلين جل وعلا، وهو القائل سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) [غافر: ٦٠] وأما عن قول من قال لك: ضع مصحفا في بيتك وآية للرسول فلا يصيبك إثم ولا ذنب، فهذا لا أصل له، وهذا غلط؛ فوضع المصحف لا يمنع من الأدواء، إنما أنزل الله المصحف لقراءته والعمل به لا ليجعل حرزا للبيوت. فهذا كله لا أصل له، وهكذا الآية للنبي، فهذا الكلام لا معنى له. وما معنى آية للنبي؟ ! هل يعني آية فيها ذكر النبي ﷺ ؟ ! فالمصحف كله فيه ذكر النبي ﷺ ! والمقصود أن هذا غلط، وشيء لا وجه له ولا أصل له، وليست وضع المصحف في البيت حرزا للبيت، وإنما الحرز للبيت التعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم " ثلاث مرات صباحا ومساء كما صح ذلك عن النبي ﷺ ، فهذا ينفع الله به كما قال النبي ﷺ ، وكذلك يقرأ آية الكرسي عند النوم وبعد كل صلاة، فهذا من أسباب العافية والحفظ. كذلك يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) والمعوذتين بعد كل صلاة، فهذا من أسباب العافية والحرز، ويقرؤها بعد صلاة المغرب ثلاثا، وبعد

стр. 244

صلاة الفجر ثلاثا، وعند النوم يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) والمعوذتين ثلاث مرات، وكل هذا من أسباب حفظ الله للعبد وتسليمه إياه من شر أعدائه من الشياطين كما بين ذلك النبي ﷺ . وأما المصحف وكونه يوضع في دولاب، أو في فرجة، أو في محل ما في البيت، فليس هذا حرزا ولا أصل له، وإنما الحرز والسبب العظيم هو استعماله ما شرعه الله من أدعية وقراءة وتعوذات كما تقدم.

стр. 245

قول: لا يحل السحر إلا ساحر س٨٩: ما رأي سماحتكم في مقولة يتناقلها كثير ممن يرتادون أماكن السحر، يقولون: لا يحل السحر إلا ساحر، وبعضهم يقول: أذهب إلى الساحر ليدلني على مكان العقد حتى أحلها بعد ذلك؟ الجواب: السحرة والكهنة لا يؤتون ولا يسألون؛ لأن النبي ﷺ نهى عن إتيانهم وعن سؤالهم فقال ﵊: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١) وقال ﷺ : «من أتى كاهنا فصدقته بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (٢) ﷺ ، والسحرة كفرة لا يجوز إتيانهم ولا سؤالهم ولا تصديقهم. وأما هذه العبارة: لا يحل السحر إلا ساحر فهذا يروى عن الحسن البصري التابعي الجليل أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر، والنبي ﷺ قد «سئل عن النشرة فقال ﷺ : هي من عمل الشيطان» (٣) فدل ذلك أن حل السحر بالسحر من عمل الشيطان والحديث صحيح رواه الإمام

стр. 246

أحمد ﵀ وأبو داود ﵀ بإسناد جيد، وهو موجود في باب النشرة من كتاب التوحيد. والمقصود أن حل السحر بالنشرة الشيطانية التي يتعاطاها السحرة، لا يجوز وهو من عمل الشيطان، هكذا قاله المصطفى كله، فلا يجوز حلها بطريق السحرة، يعني لا يجوز حل السحر بطريق السحرة، وذلك ما يسمى النشرة، ولكن يحل بطريق القراءة والأدوية المباحة.

стр. 247

من أتت السحرة والأطباء لما صارت تكره زوجها ! ! س٩٠: سائلة تقول: أنا سيدة متزوجة منذ سبعة عشر عاما، ولي ستة أولاد، وقد عشت من هذه السبعة عشر عاما خمس سنين فقط حياة سعيدة، والباقي أصبحت أكره فيها زوجي، ولا أحب أن يعاشرني معاشرة الأزواج، ولا أطيق النوم معه، فظننت أن هذا شيء من السحر، فذهبت إلى السحرة وإلى الشيوخ فأعطوني بعض الحجب ولم أستفد منها، وأنا لا أثق بأي منهم. وذهبت للأطباء النفسانيين ولم أستفد أيضا، وأنا أريد زوجي ولا أريد أحدا سواه، ويوشك بيتي على الانهيار فماذا أفعل بارك الله فيكم؟ الجواب: هذا مرض عارض قد يكون من آثار السحر، وقد يكون عينا، أي ما يسميه الناس النظلة والنفس، وقد يكون ذلك مرضا آخر سبب هذا الشيء، ولا يجوز إتيان السحرة ولا الكهنة ولا سؤالهم، فذهابك إلى السحرة والكهنة أمر لا يجوز، وقد أخطأت في ذلك فعليك التوبة إلى الله من ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١) رواه مسلم في صحيحه.

стр. 248

والعراف الذي يدعي معرفة الأمور، من طريق الجن أو من طرق أخرى غيبية أو خفية، فهذا لا يجوز سؤاله ولا تصديقه، لقول النبي ﷺ : «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (١) ﷺ فلا يجوز إتيان الكهان، ولا السحرة، ولا سؤالهم، ولكن في الإمكان أن تعالجي عند طبيب معروف قد يعرف مثل هذه الأمور بأدوية معروفة؛ من إبر أو حبوب أو غير ذلك، أو عند قارئ أو امرأة صالحة تقرأ تنفث عليك، فلو وجدت امرأة صالحة قدمت على الرجل فتنفث عليك، وتقرأ عليك فلعل الله يزيل بها العين أو السحر، وهكذا الرجل الذي يعرف بذلك يقرأ عليك من غير خلوة، فيكون عندك أمك، أو أخوك، أو أبوك أو نحو ذلك، من دون خلوة، لعل الله ينفع بذلك. وفي الإمكان أيضا أن يقرأ لك في ماء تقرأ فيه الفاتحة، وآية الكرسي، وآيات السحر المعروفة في سورة الأعراف، وسورة يونس، وطه، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) والمعوذتان، كل هذا يقرأ في ماء مع ما تيسر من الدعاء، مثل: «اللهم رب الناس أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» (٤) . «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك» (٥) ، يكرر هذا الدعاء ثلاث مرات؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ . فإذا فعل ذلك أو فعلت المرأة ذلك تشربين منه بعض الشيء، وتغتسلين بالباقي؟ فهذا مجرب بإذن الله لعلاج السحر، وحبس الرجل

стр. 249

عن زوجته، وهو أيضا علاج للعين، فإن العين ترقى، كما قال النبي ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة» (١) . وهذه أسباب قد ينفع الله بها، وقد يجعل في الماء سبع ورقات من السدر الأخضر تدق وتجعل في الماء، ويقرأ فيها ما تقدم وقد ينفع الله بذلك أيضا، وقد فعلنا هذا لكثير من الناس فنفعه الله بذلك، وقد ذكر ذلك العلماء، ومنهم العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، فإنه ذكر هذا في باب ما جاء في النشرة، فإذا كان عندك الكتاب فطالعيه، أو اعرضي هذا على العلماء وهم إن شاء الله يقومون باللازم. أما السحرة والكهنة والعرافون فلا تسأليهم ولا تصدقيهم، ولكن عليك بعلماء الحق والقراء المعروفين بالخير، حتى يعملوا لك هذه القراءة، أو النساء الصالحات من المدرسات وغيرهن من المعروفات بالخير حتى يفعلن لك هذه القراءة، ولعل الله يمن بالشفاء والعافية بأسباب هذا. ومما ينبغي أن تعمليه هو الدعاء، فتسألين الله أن يزيل عنك ما نزل بك، فالله سبحانه يجب أن يسأل، وهو القائل سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) [غافر: ٦٠] وهو القائل : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٦] . فعليك أن تسألي الله العافية والشفاء، وزوجك كذلك عليه أن يسأل الله لك الشفاء والعافية، فالمؤمن يدعو لأخيه، وهكذا أبوك وأمك كلاهما يسأل الله لك العافية، فالدعاء سلاح المؤمن، والله

стр. 250

وعد بالإجابة، فعليك بالدعاء وجدي في الدعاء، والصدق في الدعاء، لعل الله يمن بالشفاء ، وأنصحك أيضا بأن تنفثي في كفيك عند النوم وتقرئي سورة قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثلاث مرات وتمسحي بهما رأسك ووجهك وصدرك ثلاث مرات، فهذا العمل من أسباب الشفاء والعافية. وقد كان النبي ﷺ إذا اشتكى يفعل ذلك عند النوم، كما صح ذلك عنه ﵊ من حديث عائشة ﵂. والله أعلم.
следующие страницы →