← Фатава

Фатава · id 8380

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الطيار والموسى - قسم العقيدة

ابن باز

Полный текст (503 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهكذا بعد ذلك الأمم من قوم هود وقوم صالح ومن بعدهم ; أرسل الله إليهم الرسل تدعوهم لتوحيد الله وتنذرهم الشرك بالله ، ولم يؤمن إلا القليل، وأكثر الخلق غلب عليهم طاعة الهوى والشيطان، ونبينا محمد ﵊ هو خاتم الأنبياء وهو أفضلهم وإمامهم، بعثه الله إلى هذه الأمة لينذرهم الشرك بالله، ويدعوهم إلى توحيد الله وطاعته، وكان الشرك في وقته قد انتشر في الأرض وعم، ولم يبق على التوحيد إلا بقايا قليلة من أهل الكتاب، فأنذرهم ﵊ هذا الشرك، وكانوا يتعلقون بالأشجار والأحجار والأصنام، ويدعون الأنبياء والصالحين، ويستغيثون بهم، وينذرون لهم وكانوا يقولون إنهم شفعاؤنا عند الله، وإنهم يقربونا إلى الله زلفى، كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) قال الله سبحانه ردا عليهم: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) [يونس: ١٧ - ١٨] . هذا شأن المشركين يعبدون الأصنام والأشجار والأحجار والأولياء والأنبياء، وبهم يستغيثون، ولهم ينذرون، وإليهم يتقربون بالذبائح، هذا هو الشرك الأكبر، وهذا هو الذي أنكرته الرسل، وأنكره أتباعهم من دعاة الحق، وقال الله سبحانه في ذلك: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) [الأنعام: ٨٨] .

стр. 282

وقال فيه : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) [الزمر: ٦٥] . وقال فيه سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) [لقمان: ١٣] وقال فيه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٣) [النساء: ٤٨] وفي موضع آخر: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤) [النساء: ١١٦] . وبهذا نعلم حقيقة الشرك، وأنه تشريك غير الله مع الله في العبادة ، من أولياء، أو أنبياء، أو جن، أو ملائكة، أو أحجار، أو أصنام، أو شجر، أو غير ذلك، هذا هو الشرك الأكبر، والذنب الأعظم الذي نهت عنه الرسل وأنزل الله فيه الكتب ، وتوعد الله عليه بعدم المغفرة، وبعدم دخول الجنة. وهكذا يلحق بذلك جميع أنواع الكفر، كلها حكمها حكم الشرك كمن سب الله، أو سب رسوله، أو استهزأ بالدين، أو تنقص الرسول ﷺ ، أو طعن في رسالته ﵊، أو جحد بعض ما أوجب الله من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة كأن جحد وجوب الصلوات الخمس، أو جحد وجوب زكاة المال، أو جحد وجوب صوم رمضان، أو جحد وجوب الحج مع الاستطاعة، أو جحد تحريم الزنا، أو جحد تحريم الخمر، أو جحد تحريم السرقة أو ما أشبه ذلك، كل هذا يسمى كفرا ويسمى شركا بالله ، وصاحبه إذا مات عليه مخلد في النار والعياذ بالله، والجنة عليه حرام وأعماله حابطة، كما قال سبحان: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) [الأنعام: ٨٨] ، وقال

стр. 283

الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (١) [الفرقان: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) [المائدة: ٥] . والواجب على جميع المكلفين الحذر من الشرك، وأن يخصوا الله بالعبادة دون كل ما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله، وتثبت العبادة لله وحده سبحانه، كما قال في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٣) [الحج: ٦٢] ، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) [النحل: ٣٦] ، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥) [الأنبياء: ٢٥] . وهذا التوحيد هو الذي خلق الله لأجله الثقلين، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٦) [الذاريات: ٥٦] ، والمعنى أن يخصوني بالعبادة، ويفردوني بعبادتي من صوم وصلاة ودعاء وخوف ورجاء وغير ذلك، هذا هو الواجب على المكلفين جميعا أن يعبدوا الله وحده ويخصوه بعباداتهم دون كل ما سواه. أما الرسل والأنبياء فحقهم الاتباع والمحبة والطاعة، أما العبادة فهي حق الله كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٧) [الإسراء: ٢٣] ، وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٨) [الفاتحة: ٥] ، وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٩) [البينة: ٥] .

стр. 284

وهكذا الأولياء حقهم أن يحبوا في الله، وأن يسلك سبيلهم الطيب في طاعة الله ورسله، أما أن يعبدوا مع الله فلا، فالعبادة حق الله لا يعبد مع الله أحد، لا ملك ولا نبي ولا ولي، ولا غير ذلك. والواجب على جميع المكلفين أن يكون اهتمامهم بهذا الأمر أعظم اهتمام; لأن التوحيد هو أصل الدين وأساس الملة، وهو أعظم واجب وأهم واجب، ولأن الشرك هو أعظم الذنوب وأكبر الجرائم، فوجب أن يكون اهتمام المسلمين واهتمام طلاب العلم والعلماء بهذا الأمر أعظم من كل اهتمام، وأولى من كل أمر. نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

стр. 285

الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار س١٠٣: يقول السائل: هل الشرك الأصغر وهو الرياء يخلد صاحبه في النار أم لا؟ الجواب: الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار، مثل الكبائر لا يخلد صاحبها في النار. وذلك مثل قول: لولا الله وأنت ما شاء الله وشئت، وكذلك الرياء، والحلف بغير الله. فكل هذا يعد من الشرك الأصغر، ولا يوجب الخلود في النار، ولا يبطل الأعمال، ولكنه محرم، مثل كبائر الذنوب بل أشد من كبائر الذنوب، ولكنه لا يوجب الخلود فى النار، وهذا بالنسبة للرياء في العبادات، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشاء فلان، ولولا الله وفلان، فهذا كله يعد من الشرك الأصغر،

стр. 286

والواجب الحذر منه والبدار بالتوبة منه.

стр. 287

قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) س١٠٤: يسأل السائل عن معنى هذه الآية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٣) [الروم: ٣١، ٣٢] ؟ الجواب: يبين تعالى في الآية أن من صفات المشركين تفريق الدين وأن يكونوا فيه شيعا ; كل شيعة لها رأي ولها كلام ولها أنصار، هكذا يكون المشركون وهكذا الكفار، يتفرقون وكل طائفة لها رئيس ولها متبوع، تغضب لغضبه، وترضى لرضاه، ليس همهم الدين وليس تعلقهم بالدين. أما المسلمون فهم يجتمعون على كتاب الله وسنة الرسول ﵊، وهدفهم هو اتباع الكتاب والسنة، فهم مجتمعون على ذلك ومعتصمون بحبل الله. أما غيرهم من الكفار فهم أحزاب وشيع، والله يحذرنا أن نكون مثلهم، ويأمرنا أن نقيم الصلاة، وأن نستقيم على دين الله، وأن نجتمع على الحق، ولا نتشبه بأعداء الله المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وهكذا أصحاب البدع شابهوا المشركين حرفوا دينهم وكانوا شيعا؟ هذا معتزلي، وهذا جهمي، وهذا مرجئ، وهذا شيعي

стр. 288

إلى غير ذلك. فالتفرق في الدين هو مخالفة لما أمر الله به من الاعتصام بحبل الله، والاستقامة على دين الله، وعدم التنازع والفشل.

стр. 289

حول ترك الصلاة والشرك س١٠٥: سائل يقول: ما معنى هذه الآية التي وردت في سورة الروم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٢) ، وهل يقال لتارك الصلاة إنه مشرك؟ الجواب: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٣) ، وثبت عنه ﵊ أيضا أنه قال: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (٤) خرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر. وهذا يدل على أن تارك الصلاة يسمى كافرا ويسمى مشركا، وهذا هو الحق وهو المعروف عن الصحابة ﵃، فإن عبد الله بن شقيق العقيلي ﵁ ورحمه- التابعي الجليل قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يعدون شيئا تركه كفر إلا الصلاة. وهذا يدل على أن ترك الصلاة عند الصحابة ﵃ يعتبر كفرا أكبر، ويسمى تاركها كافرا مشركا، وهذا هو أصح قولي العلماء إذا لم يجحد وجوبها. أما من جحد وجوبها فإنه كافر عند الجميع، نعوذ بالله من ذلك. فالذي ترك الصلاة قد فرق دينه وقد خرج عن جماعة المسلمين

стр. 290

واستحق أن يقتل إن لم يتب; لقول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١) فالذي يترك الصلاة يعتبر تاركا لدينه مفارقا للجماعة. نسأل الله العافية والسلامة. لكن هل يقال لمن ترك الصلاة إنه مشرك؟ نعم يقال له مشرك ويقال له كافر في أصح قولي العلماء، لكن الجمهور قالوا: كفر دون كفر وشرك دون شرك إذا لم يجحد وجوبها، والصواب الذي عليه جمع من أهل العلم أنه كفر أكبر وشرك أكبر، كما حقق ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب الصلاة، وذكره الذهبي عن جماعة من أهل العلم في كتابه الكبائر، وذكره آخرون، ودل عليه الحديث السابق الذي رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (٢) فسماه كفرا وشركا، والكفر المعرف والشرك المعرف بأداة التعريف هو الكفر الأكبر والشرك الأكبر، والآية تبين أن من صفات المشركين تفريق الدين والتشيع، كل شيعة لها رأي ولها كلام ولها أنصار. هكذا يكون المشركون وهكذا يكون الكفار، متفرقين، كل طائفة لها رئيس ولها متبوع تغضب لغضبه وترضى لرضاه، ليس همهم الدين وليس لهم تعلق بالدين، أما المسلمون فهم يجتمعون على كتاب الله وسنة الرسول ﵊، وهدفهم هو اتباع الكتاب والسنة، فهم مجتمعون على ذلك معتصمون بحبل الله، أما غيرهم من الكفار فهم أحزاب وشيع.

стр. 291

والله يحذرنا أن نكون مثلهم، ويأمرنا أن نقيم الصلاة، وأن نستقيم على دين الله، وأن نجتمع على الحق ولا نتشبه بأعداء الله المشركين، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وهكذا أصحاب البدع شابهوا المشركين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، هذا معتزلي، وهذا جهمي، وهذا مرجئ، وهذا شيعي إلى غير ذلك، فالتفرق في الدين هو مخالفة لما أمر الله به من الاعتصام بحبل الله، والاستقامة على دين الله، وعدم التنازع والفشل.

стр. 292

(١٨) الحلف

стр. 293

حكم الحلف بغير الله س١٠٦: عندنا الكثير من الناس يحلفون بغير الله، مثلا يقولون: وحياة النبي محمد ﵊، أو: وحياة عيسى، أو موسى ﵊، أو: وحياة القرآن أو وحياة قبر أبي، أو أقسم بشرفي أفيدونا بهذا جزاكم الله خير الجزاء؟ الجواب: الحلف بغير الله لا يجوز، بل يجب أن يكون الحلف بالله وحده ; لما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت» (١) . وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢) وفي لفظ آخر فقد كفر وفي لفظ آخر فقد كفر أو أشرك. فالحلف بغير الله من المحرمات الكفرية، ولكنه من الشرك الأصغر، إلا إذا قصد أن محلوفه عظيم كعظمة الله، أو أنه يتصرف في الكون، أو أنه يستحق أن يدعى من دون الله، صار كفرا أكبر والعياذ بالله. فإذا قال: وحياة فلان، أو وحياة الرسول، أو وحياة موسى، أو وحياة عيسى، أو وقبر أبي، أو حلف بالأمانة وبالكعبة أو ما أشبه ذلك، فكل ذلك حلف بغير الله، وكل ذلك لا يجوز، وكل ذلك منكر. والواجب أن لا يحلف إلا بالله ، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه ، والقرآن من كلام الله، فالقرآن من صفات الله، فإذا قال: والقرآن، أو وحياة القرآن، فهذا لا بأس به؛ لأن القرآن كلام الله ، فإذا حلف بالقرآن، أو قال: بعزة الله،

стр. 294

أو بعلم الله، أو بحياة الله، فلا بأس، فصفات الله يقسم بها، لكن المخلوقون لا يقسم بهم، فلا يقسم بالنبي ﷺ ، وهو أشرف الخلق، ولا بحياة فلان، ولا بالكعبة ولا بالأمانة، ولا بشرف فلان؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، وحذر من هذا ﷺ . وقال ابن عبد البر الإمام المشهور ﵀: أجمع العلماء على أنه لا يجوز الحلف بغير الله. فيجب على المؤمن أن يحذر هذه الأيمان الباطلة، وأن يحذر إخوانه من ذلك، وأن يدعوهم إلى الحلف بالله وحده . .

стр. 295

هل الحلف بالطلاق حلف بغير الله س١٠٧: سائل يقول: سمعنا في برنامجكم نور على الدرب أن الحلف بغير الله حرام، كما سمعنا فيه أن الشخص إذا حلف بالطلاق فلا تطلق زوجته. أليس في ذلك تناقض يا سماحة الشيخ؟ الجواب: الحلف بغير الله منكر، والنبي ﷺ قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (١) وقال ﵊: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٢) وهو حديث صحيح، وقال ﵊: «من حلف بالأمانة فليس منا» (٣) وقال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» (٤) . هذا حكمه ﵊ وهو منع الحلف بغير الله كائنا من كان، فلا يجوز الحلف بالنبي ﵊، ولا بالكعبة ولا بالأمانة، ولا بحياة فلان، ولا بشرف فلان، وكل هذا لا يجوز؛ لأن

стр. 296

الأحاديث الصحيحة دلت على منع ذلك. . . وقد نقل أبو عمر ابن عبد البر الإمام المشهور ﵀ إجماع أهل العلم على أنه لا يجوز الحلف بغير الله، فالواجب على المسلمين أن يحذروا ذلك، وليس لأحد أن يحلف بحياة فلان، أو شرف فلان، أو بالكعبة، أو بالنبي، أو بالأمانة، كل هذا لا يجوز. أما الطلاق فليس من الحلف في الحقيقة، وإن سماه الفقهاء حلفا، لكن ليس من جنس هذا، الحلف بالطلاق معناه تعليقه على وجه الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، مثل لو قال: والله ما أقوم، أو والله ما أكلم فلانا فهذا يسمى يمينا، فإذا قال: علي الطلاق ما أقوم، أو علي الطلاق ما أكلم فلانا. فهذا يسمى يمينا من هذه الحيثية، يعني من جهة ما يتضمنه من الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، سمي يمينا لهذا المعنى، وليس فيه الحلف بغير الله، فهو ما قال: بالطلاق ما أفعل كذا، أو بالطلاق لا أكلم فلانا، فهذا لا يجوز. ولكن إذا قال: علي الطلاق ألا أكلم فلانا، أو علي الطلاق ما تذهبي إلى كذا وكذا، أي زوجته، أو علي الطلاق ما تسافري إلى كذا وكذا، فهذا طلاق معلق، يسمى يمينا لأنه في حكم اليمن من جهة الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، فالصواب فيه أنه إذا كان قصد منعها، أو منع نفسه، أو منع غيره من هذا الشيء الذي حلف عليه فيكون حكمه حكم اليمين، وفيه كفارة يمين. وليس في هذا مناقضة لقولنا إن الحلف بغير الله ما يجوز، وليس في هذا مخالفة؛ لأن هذا شيء وهذا شيء، فالحلف بغير الله مثل أن يقول:

стр. 297

باللات والعزى، بفلان، بحياة فلان، وحياة فلان، هذا حلف بغير الله، أما هذا فطلاق معلق ليس حلفا في المعنى الحقيقي بغير الله، ولكنه حلف في المعنى من جهة منعه وتصديقه وتكذيبه. فإذا قال عليه الطلاق ما يكلم فلانا، فكأنه قال: والله ما أكلم فلانا، أو لو قال: علي الطلاق ما تكلمين فلانا- يخاطب زوجته- فكأنه قال: والله ما تكلمين فلانا- فإذا حصل الخلل وحنث في هذا الطلاق، فالصواب أنه يكفر عن يمينه بكفارة يمين، أي أن له حكم اليمين إذا كان قصد منع الزوجة أو منع نفسه، وما قصد إيقاع الطلاق، إنما نوى منع هذا الشيء، منع نفسه، أو منع الزوجة من هذا الفعل، أو من هذا الكلام فهذا يكون له حكم اليمين عند بعض أهل العلم، وهو الأصح، وعند الأكثرين يقع الطلاق. لكن عند جماعة من أهل العلم لا يقع الطلاق وهو الأصح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وجماعة من السلف رحمة الله عليهم; لأنه له معنى اليمين من جهة الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، وليس له معنى اليمين في تحريم الحلف بغير الله; لأنه ليس حلفا بغير الله، وإنما هو تعليق فينبغي فهم الفرق بين هذا وهذا. والله أعلم.

стр. 298

(١٩) القبور

стр. 299

حكم زيارة القبور للرجال والنساء س١٠٨: يقول السائل: هناك من يقول تكره زيارة القبور للنساء لحديث أم عطية، وإن علم وقوع محرم منهن حرمت، وعليه يحمل قوله ﷺ : «لعن الله زوارات القبور» (١) إلا لغير النبي ﷺ وقبري صاحبيه ﵄ فتسن زيارتها للرجال والنساء، لعموم الأدلة في طلب زيارته ﷺ فما هذه الأدلة؟ وما رأي سماحتكم في المسألة عامة. . . وفقكم الله؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه لعن زائرات القبور، وثبت ذلك من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري. وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء محرمة؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم، بل يدل على أنه من الكبائر; لأن العلماء ذكروا أن المعصية التي يكون فيها لعن أو فيها وعيد بالنار هذه تكون من الكبائر. فالصواب أن زيارة النساء للقبور محرمة، لا مكروهة، والسبب في ذلك والله أعلم أنهن في الغالب قليلات الصبر، وهن فتنة، فزيارتهن للقبور، واتباعهن للجنائز قد يفتن الناس وقد يسبب مشاكل على الرجال، فكان من رحمة الله أن منعهن من الزيارة،

стр. 300

وحرم عليهن زيارة القبور سدا لذريعة الفتنة بهن أو منهن. وقد صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (١) وقول بعض الفقهاء إنه يستثنى من ذلك قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه ﵄; قول بلا دليل، والصواب أن المنع يعم جميع القبور، حتى قبر النبي ﷺ ، وحتى قبر صاحبيه ﵄.. هذا هو المعتمد من حيث الدليل. وأما الرجال فيستحب لهم زيارة القبور، وزيارة قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه، ﵊، لكن بدون شد الرحل فالسنة أن تزار القبور في البلد من دون شد الرحل، لا يسافر لأجل الزيارة، ولكن إذا كان في المدينة زار قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه، وزار البقيع، والشهداء. أما أن يشد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط، فهذا لا يجوز على الصحيح من قولي العلماء، لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» (٢) . أما إذا شد الرحل إلى المسجد النبوي، فإن الزيارة تدخل تبعا لذلك. فإذا وصل المسجد صلى فيه ما تيسر، ثم زار قبر النبي ﷺ ، وزار قبر صاحبيه، ودعا له ﵊، وصلى وسلم عليه، ﵊، ثم سلم على الصديق ﵁ ودعا له، ثم على الفاروق ودعا له. وهكذا السنة. وهكذا في القبور الأخرى، فلو زار مثلا دمشق، أو القاهرة، أو الرياض، أو أي بلد.. يستحب له زيارة القبور لما فيها من العظة.

стр. 301

والنبي ﵊ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (١) فيزورها للذكرى، والعبرة، والدعاء للموتى، والترحم عليهم. وهذه هي السنة، من دون شد الرحل. ولكن لا يزورهم لدعائهم من دون الله. فدعاؤهم من دون الله شرك بالله . فكونه يدعوهم، أو يستغيث بهم، أو يذبح لهم، أو يتقرب إليهم بشيء من العبادة، أو يطلب منهم المدد، فهذا لا يجوز، وهذا من الشرك بالله ، فكما أنه لا يجوز مع الأصنام، ومع الأشجار والأحجار، فهكذا لا يجوز مع الموتى. فلا يدعو الصنم ولا يستجير به ولا يستغيث به، ولا الشجر، ولا الحجر، ولا الكوكب، وهكذا أصحاب القبور، لا يدعون مع الله، ولا يستغاث بهم، ولا يطلب منهم المدد. بل هذا شرك بالله ، كما قال الله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) [الجن: ١٨] وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٤) [فاطر: ١٣، ١٤] . فبين سبحانه أن دعاء العباد للموتى ونحوهم شرك به سبحانه، لقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٥) فجعل دعاءهم إياهم- أي: دعاء الموتى والاستغاثة بأصحاب القبور - شركا بالله .

стр. 302

وهكذا قوله سبحانه ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) [المؤمنون: ١١٧] فسمى دعاء غير الله كفرا، وحكم على أهله بأنهم كافرون وغير مفلحين فيجب على المسلم أن يحذر هذا، ويجب على العلماء أن يبينوا هذه الأمور، حتى يحذر الناس الشرك بالله. وكثير من العامة إذا مر بقبور من يعظمهم استغاث بهم، وقال المدد المدد يا فلان، أو يا سيدي فلان. المدد. المدد. أغثني. انصرني. اشف مريضي، وهذا هو الشرك الأكبر والعياذ بالله، وهذا إنما يطلب من الله ، لا من الموتى، ولا من الأصنام، ولا من الكواكب، وإنما يطلب من الله . أما الحي فإنه يطلب منه ما يقدر عليه، إذا كان حاضرا يسمع كلامه، أو عن طريق الكتابة، أو الهاتف، أو الإبراق، أو التلكس، أو ما أشبه ذلك من الأمور الحسية فيطلب منه ما يقدر عليه; تبرق له، أو تكتب له، أو تكلمه بالهاتف، وتقول: أقرضني كذا وكذا، أو ساعدني على عمارة بيتي، أو على إصلاح مزرعتي، فإذا كان بينك وبينه شيء من التعاون فلا بأس. أما أن تطلب من الميت أو الحي ما لا يقدر عليه، أو الغائب بدون الآلات الحسية، فهذا شرك به ؛ لأن دعاء الغائب من غير الآلات الحسية معناه اعتقاد أنه يعلم، وأنه يسمع دعاءك وإن بعدت، وهذا اعتقاد باطل، واعتقاد كفري، من اعتقد أن غير الله يعلم الغيب فهذا كفر أكبر.

стр. 303

يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) [النمل: ٦٥] أو تعتقد أن الله جعل له سرا في الكون، فيتصرف; يعطي من يشاء، ويحرم من يشاء. كما يظنه بعض الجهلة، فهذا أيضا شرك أكبر. فالزيارة للموتى زيارة إحسان، وزيارة ترحم عليهم، وتذكر للآخرة، والاستعداد لها. تذكر أنك ميت كما ماتوا فتستعد للآخرة، وتدعو لإخوانك المسلمين الميتين، وتترحم عليهم، وتستغفر لهم. وهذه هي الفائدة من الزيارة; ففيها عظة وذكرى ودعاء للموتى. كذلك لا يزور القبور من أجل أن يدعو عندها، فيجلس عندها ويدعو، أو من أجل الصدقة عندها، أو للقراءة عندها، فهذا غير مشروع، بل هذا من البدع. لكن يزورها للسلام عليهم، والدعاء لهم، والترحم عليهم، ولهذا «كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين» (٢) هكذا كان يعلمهم ﵊. وكان إذا زار القبور هو ﵊، قال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (٣) هكذا جاء في حديث عائشة ما هذا معناه. والمقصود أن الزيارة للقبور في الحقيقة إحسان للموتى، وطلب للمغفرة لهم، والرحمة لهم، وإحسان لنفسك لأنك تذكر بهذا

стр. 304

الآخرة، وتذكر الموت حتى تستعد للقاء الله . ولكن تكون هذه الزيارة كما تقدم بدون شد الرحل، بل تزور قبور أهل البلد التي أنت فيها، ويكون شد الرحل لغير ذلك، للمدينة يكون شد الرحل للمسجد، والصلاة فيه، والقراءة فيه، ونحو ذلك وإذا زار المسجد زار قبر النبي ﷺ ، وسلم عليه وعلى صاحبيه، ويستحب له أن يزور البقيع كذلك، وقبور الشهداء، ويزور مسجد قباء ويصلي فيه أيضا كل هذا مشروع. وهكذا إذا زار بعض البلاد الأخرى لتجارة، أو لصديق، أو لقريب، يستحب له أن يزور القبور حتى يدعو لأهلها، وحتى يترحم عليهم، وحتى يتذكر بهم الآخرة، وحتى يستعد لها، وحتى يتذكر الموت- هكذا بين أهل العلم، ودلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﵊. والخلاصة أن زيارة القبور بالنسبة للنساء ممنوعة مطلقا وهذا هو الصواب لصحة الأحاديث بمنعهن وعدم الدليل على الاستثناء.

стр. 305

زيارة القبور تختص بالرجال دون النساء س١٠٩: إذا خرجت النساء إلى زيارة المقابر مع ذي محرم، فهل في هذا شيء؟ وهل قول الله : ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (١) [التكاثر: ٢] ، يخصص الزيارة للرجال فقط دون النساء. أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب: الزيارة تختص بالرجال، والرسول ﷺ نهى النساء عن زيارة القبور، وعن اتباعهن الجنائز، وقد صح عنه ﵇ أنه

стр. 306

لعن زائرات القبور، فليست للمرأة أن تزور القبور، ولا أن تتبع الجنائز إلى المقبرة. نعم تصلي على الميت مع الناس في المسجد أو في المصلى، أو في البيت، ولا بأس بذلك، أما الزيارة للمقابر أو الذهاب مع الناس للمقابر فلا يجوز لها ذلك، هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. وأما قوله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (١) ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٢) [التكاثر: ١، ٢] ، فهذا المراد به الموت، يعني حتى نقلتم إلى المقابر ميتين، وليس المراد الزيارة المعروفة، والمقصود تحذير الناس من أن يشتغلوا بالتكاثر حتى يموتوا، وسماها زيارة لأن الإنسان لا يقيم في القبر دائما، فهي زيارة ثم يخرج يوم القيامة إلى الجنة أو إلى النار. فالمقابر ليست هي المحل الأخير، بل المحل الأخير الجنة أو النار، فالموتى زاروا القبور وبقوا في القبور حتى البعث والنشور، فإذا كان يوم القيامة أخرجوا من قبورهم وحاسبهم الله وجازاهم على أعمالهم، فالمتقون إلى الجنة والكرامة، والكافرون للنار، والعصاة على خطر; قد يعفى عنهم فيدخلون الجنة، وقد يعاقبون على قدر معاصيهم ثم بعد المعاقبة وبعد التعذيب الذي يستحقونه يخرجهم الله من النار إلى الجنة- عند أهل السنة والجماعة. فالحاصل أن قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (٣) ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٤) [التكاثر: ١، ٢] ليس المقصود به الزيارة المعروفة، بل المراد به هنا الموت، يعني ألهاكم التكاثر في الدنيا وحرصتم عليها حتى متم ونقلتم إلى القبور، لكن الله سماها زيارة لأنهم لا يبقون

стр. 307

في القبور أبدا، بل هم زائرون سوف يخرجون من القبور يوم القيامة إلى الجنة أو النار، كما دلت عليه الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحة وأجمع عليه المسلمون، كما قال جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١) [التغابن: ٧] فالله يجمع الناس يوم القيامة ويبعثهم من قبورهم ثم يجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. فالواجب على كل مسلم وكل مسلمة الاستعداد لهذا اليوم، والحرص على الأعمال الصالحات حتى يسعد ويفوز بالنجاة يوم القيامة، وهذا واجب على كل مكلف من أهل الأرض من الجن والإنس، فيجب على جميع المكلفين من العرب والعجم والإنس والجن والكفار والمسلمين يجب عليهم أن يستعدوا لهذا اليوم، وأن يدخل الكفار في الإسلام، وأن يستقيموا عليه حتى يفوزوا بالنجاة يوم القيامة، والله المستعان.

стр. 308

زيارة المرأة لقبر النبي ﷺ س١١٠: تقول السائلة هل يجوز زيارة قبر الرسول ﷺ وصاحبيه للمرأة مع العلم أنني مكرهة، فقد دخلت مع والدة زوجي، وبعض النساء من الأقارب حيث ألحوا علي وأكثروا الكلام علي فخشيت الجدال في المسجد، والتشويش على المصلين فذهبت معهم لزيارة القبر، علما بأنها المرة الأولى والأخيرة؟ وهل علي كفارة لأنني أعلم الحديث المحرم لزيارة النساء؟

стр. 309

الجواب: زيارة النساء للقبور مسألة خلاف بين أهل العلم، منهم من أجازها ومنهم من منعها. والصواب والأرجح من القولين أنها ممنوعة، وأنه لا يجوز للنساء زيارة القبور، لا قبر الرسول ﷺ وصاحبيه ولا القبور الأخرى؛ لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور، ثبت هذا من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حسان بن ثابت رضي الله عن الجميع. فلا يجوز للنساء على الصحيح زيارة القبور مطلقا، حتى قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه، لكن إذا كانت المرأة في المسجد، أو في بيتها، فإنه يشرع لها أن تصلي على النبي ﷺ وتسلم عليه، في البيت أو في الطريق أو في المسجد كما يشرع ذلك للرجال لقوله ﷺ : «لا تجعلوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١) . فالصلاة تبلغ النبي ﷺ حيث كان الإنسان. فصلاتك يا عبد الله وسلامك، وهكذا صلاتك يا أمة الله وسلامك كل ذلك يبلغه ﷺ فلا حاجة إلى حضور المرأة عند قبره ﷺ ، ولا في البقيع، ولا في غيره من القبور، عملا بالأحاديث التي فيها النهي واللعن لزائرات القبور. ومن وقع منها ذلك فعليها التوبة والاستغفار ويكفي، سواء وقع منها ذلك جهلا، أو أكرهها بعض أصحابها، فالتوبة والاستغفار كافيان في ذلك.

стр. 310

حديث: «لعن الله زائرات القبور» (١) س١١١: سائلة تقول: ورد في الحديث الشريف عن رسول الله ﷺ قوله: «لعن الله زائرات القبور» (٢) فأرجو التوضيح هل يقصد به النساء جميعا، أم هناك نساء معينات؟ وكيف الحال عند زيارة قبر الرسول ﷺ وما هي الأدعية التي تقال عند زيارة القبور؟ أفيدونا بارك الله فيكم. الجواب: اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور بعدما أجمعوا على سنيتها للرجال، وكان النبي ﷺ قد نهى عن زيارة القبور في أول الإسلام خشية الفتنة بالقبور; لأن الجاهلية كانت تعظم القبور، وربما عبدت بعض المقبورين من دون الله. فنهاهم عن زيارة القبور حماية للتوحيد وسدا لذرائع الشرك، ثم أذن للرجال بالزيارة، قال ﵊: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» (٣) وفي رواية: «فإنها تذكركم الموت» (٤) . واختلف العلماء في النساء: هل دخلن في هذا أم لا؟ على قولين لأهل العلم. والصواب أنهن لا يدخلن في الرخصة، بل ينهين عن زيارة القبور لأنه ورد عنه ﷺ من عدة طرق أنه: «لعن زائرات القبور» (٥) وفي لفظ: «زوارات القبور» (٦) من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث حسان بن ثابت ﵃، وفيها لعن زائرات القبور. فالصواب أنهن لا يزرن القبور مطلقا. هذا هو الأرجح من قولي العلماء، حتى قبر النبي ﷺ لا يزرنه ولا

стр. 311

يقفن عليه، ولكن يصلين على النبي ﷺ في كل مكان; في المسجد النبوي، وفي الطريق، وفي بيوتهن، وفي البيت، في كل مكان، والنبي ﵊ قال: «لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١) . فالرسول ﷺ حثنا ورغبنا في الصلاة عليه والسلام عليه، كما أمر الله بذلك في كتابه العظيم حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) [الأحزاب: ٥٦] ﷺ وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين. فالمشروع للنساء الصلاة عليه والسلام عليه في كل مكان، كالرجال، ولا يشرع لهن زيارة القبور لا في بلدهن ولا في غير بلدهن. هذا هو المعتمد والأرجح من قولي العلماء في هذه المسألة. وإذا كانت المرأة في المدينة زائرة فإنها تصلي في المسجد مع الناس، وتصلي على النبي ﷺ وهي في المسجد فليس هناك حاجة إلى أن تذهب عند القبر وتصلي عليه، بل تصلي عليه في محلها وتسلم عليه، تقول: اللهم صل وسلم على رسول الله، عليك الصلاة والسلام يا رسول الله، ونحو ذلك. ويكفي هذا والحمد لله احتياطا وبعدا عما حرم الله.

стр. 312

س١١٢: هل يشمل المنع قبور الأئمة أيضا؟ وما هو الدعاء الذي يقال عند زيارة القبور؟

стр. 313

الجواب: نعم، المنع يشمل قبور الأئمة وغيرهم، ويشمل قبور الناس جميعا; فلا يشرع للمرأة أن تزور القبور مطلقا ; لا قبر أبيها، ولا قبر أمها، ولا غير ذلك فجميع القبور تنهى المرأة عن زيارتها في بلدها وغيرها، وإنما الزيارة للرجال خاصة. ولعل الحكمة في ذلك، والله أعلم، أنهن قليلات الصبر وقد يفتن بهن الرجال، فكان من حكمة الله أن منعهن من الزيارة حتى لا تكون القبور محل فتنة ولا محل نياحة وجزع وقلة الصبر، وبذلك رحم الله النساء وكفاهن ما قد يترتب على زيارتهن للقبور من الفتنة، بخلاف الرجال فإنهم أصبر وأقل خطرا إذا زاروا القبور من النساء، وفي زيارة القبور ذكرى للآخرة وذكرى للموت. والمرأة في إمكانها أن تتذكر الموت بالصلاة على الجنائز في المساجد مع الناس، فالمرأة تصلي على الجنازة في المسجد وفي المصلى، وإنما المنهي عنه ذهابها إلى القبور واتباعها للجنائز إلى القبور، أما صلاتها على الجنازة في المسجد أو في المصلى فمشروع وفيه ذكرى ويغني عن ذهابها للقبور، وهكذا تتذكر الموت دائما وتجعله على البال وتتذكر الآخرة، وكل هذا يكفي بحمد الله في تذكر الآخرة والإعداد لها. أما الدعاء فقد بينه النبي ﷺ ، فكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية وربما زاد فقال: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (١) إذا

стр. 314

زارهم، أو يقول: «يغفر الله لنا ولكم» (١) أو «غفر الله لنا ولكم» أو «رحمنا الله وإياكم» فكل هذا كلام طيب. .

стр. 315

فيمن تذهب والدتها إلى قبر أبيها كل خميس س١١٣: هذا سؤال من سائلة تقول: إن والدتي تذهب كل يوم خميس إلى قبر والدي فهل يجوز هذا أم لا؟ الجواب: الصحيح من أقوال العلماء أن الزيارة تختص بالرجال، وأن النساء لا يزرن القبور; لأنه ﷺ لعن زائرات القبور، وكان أولا ﷺ نهى عن زيارة القبور مطلقا للرجال والنساء، ثم رخص للجميع ﵊، لما في زيارتها من ذكرى للآخرة؟ ولما في ذلك من الإحسان للموتى والدعاء لهم، ثم استقرت الشريعة على منع النساء وعلى شرعيتها للرجال، وقال ﵊: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (١) وفي لفظ آخر «تذكركم الموت» (٢) والزيارة فيها مصالح من تذكير الآخرة، وتذكير الموت، وزهد في الدنيا، والدعاء للأموات، والترحم عليهم، لكن هذا في حق الرجال. وأما النساء فلا يزرن القبور وهذا هو الصحيح، وهو الصواب لا يزرن القبور للنهي الأخير ولعنه ﷺ زائرات القبور; ولأن في زيارتهن خطرا لأنهن فتنة، فربما سبب ذلك فتنة للزوار من الرجال، وربما أيضا سبب ذلك أيضا فتنة لها هي لشدة جزعها وقلة صبرها إلا من رحم الله.

стр. 316

فالمقصود أن الزيارة للقبور مختصة بالرجال دون النساء في أصح قولي العلماء. فلا ينبغي لأم السائلة أن تزور قبر أبيها ولا غيرها، بل تدعو له في بيتها وفي كل مكان، تدعو له بالمغفرة والرحمة إذا كان مات على الإسلام والحمد لله، ويكفي أن تدعو له بالرحمة والمغفرة وتتصدق عنه، وهذا كله طيب، أما أن تزور قبره فلا; لأن الرسول نهى النساء عن ذلك ﵊.

стр. 317

هل يشعر الميت بمن يزور قبره س١١٤: يقول السائل في رسالته: هل الميت يشعر بالذين يزورونه في المقبرة وهل الواجب الوقوف أمام القبر أم يكفي دخول المقبرة فقط؟ أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب: الشعور من الميت بزائره: الله أعلم به، وقد قال بعض السلف بذلك، ولكن ليس عليه دليل واضح فيما أعلم، ولكن السنة معلومة في شرعية زيارة القبور وأن نسلم عليهم، فنقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يغفر الله لنا ولكم يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين. كل هذا مشروع، وأما كونه يشعر أو لا يشعر هذا يحتاج إلى دليل واضح -والله أعلم ولكن لا يضرنا شعر أم لم يشعر، علينا أن نفعل السنة فيستحب لنا أن نزور القبور، وأن ندعو لهم ولو لم يشعروا بنا؛ لأن هذا أجر لنا وينفعهم، فدعاؤنا لهم ينفعهم، وزيارتنا تنفعنا لأن فيها أجرا، ولأن فيها ذكر الموت وذكر الآخرة فننتفع بها،

стр. 318

والميت ينتفع بذلك أيضا; بدعائنا له، واستغفارنا له، فينتفع الميت بذلك. أما الوقوف على القبر، فالأمر فيه واسع إن وقف على القبر فلا بأس، وإن وقف على حافة المقبرة وسلم كفى، فإذا وقف على طرف القبور وقال: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين. كفى هذا، وإن اتصل بقبر أبيه، أو قبر أخيه يكون أفضل وأتم، فكونه يصل إلى قبر أخيه أو أبيه أو قريبه، أو صديقه يقف عليه، ويقول السلام عليك يا فلان ورحمة الله وبركاته، غفر الله لك ورحمك الله، وضاعف حسناتك، ونحوها طيب، وهذا أفضل وأكمل.

стр. 319

ليس من السنة أن يقرأ عند القبور ولا بين القبور س١١٥: يقول السائل في رسالته: روي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من مر على المقابر وقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات هل هذا الحديث صحيح؟ الجواب: هذا الحديث لا أصل له عند أهل العلم، وهو من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي ليس لهذا سند صحيح، وليس من السنة أن يقرأ عند القبور ولا بين القبور، إنما السنة إذا زار القبور أن يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين أو: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين

стр. 320

والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية، ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة، هذا هو السنة، أما أن يقرأ عليهم القرآن، أو بينهم القرآن، فهذا لا أصل له.
следующие страницы →