← Фатава

Фатава · id 8380

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الطيار والموسى - قسم العقيدة

ابن باز

Полный текст (503 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» (١) فأخبر أنهم شرار الخلق بسبب تعظيمهم للقبور بالبناء عليها، واتخاذ الصور والمساجد عليها. فالذي يفعله بعض الناس من اتخاذ المساجد على القبور، أو اتخاذ القباب عليها، كل هذا منكر ومن وسائل الشرك بأهلها، وقد ثبت عنه ﷺ أنه نهى عن تجصيص القبور، وعن القعود عليها، وعن البناء عليها، فلا يجوز للمسلمين أن يبنوا على القبور المساجد، ولا القباب، ولا غيرها من الأبنية، بل تبقى ضاحية مكشوفة في الجبانة أي المقبرة، فيأتي إليها الزائر ويسلم عليهم ويدعو لهم ثم ينصرف، ولا تجوز الصلاة عندها، ولا بين القبور، ولا التمسح بالتراب، ولا الجلوس عندها للقراءة، أو الدعاء، كل هذا منكر، وإنما يسلم عليهم ويدعو لهم وينصرف، كما فعل النبي ﷺ ، وكما فعل أصحابه ﵃، وكما علمهم النبي ﷺ ذلك ﵊. والصلاة عند القبور من البدع، ومن وسائل الشرك أيضا، والنبي ﷺ قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا» (٢) فدل ذلك على أن القبور لا يصلى فيها، ولا يصلى عندها، إنما الصلاة في المساجد وفي البيوت، أما القبور فلا; لأن الصلاة عندها من وسائل الشرك، والعبادة لها من دون الله. وهكذا البناء عليها، وهكذا اتخاذ المساجد عليها، وهكذا اتخاذ القباب عليها، وفرشها، وتطييبها، كل هذا من وسائل الشرك، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بما يفعله الناس الجهلة من هذا الشيء، كما في

стр. 352

بلاد كثيرة حيث يعظمون القبور ويبنون عليها المساجد والقباب، وهذا من المنكرات العظيمة ومن وسائل الشرك، كما هو معلوم عند أهل العلم. فوصيتي ونصيحتي للسائل أن يحذر هذا، فإذا زار القبور يزورها زيارة شرعية، يسلم عليهم ويدعو لهم إن كانوا مسلمين وينصرف، أما الصلاة في مسجد على القبر، أو بين القبور، فهذا منكر، كذلك الجلوس عندها للدعاء أو القراءة كذلك لا يجوز، وأما دعاؤها والاستغاثة بها والنذر لها، وطلب المدد منها كما يفعله الجهلة، فهذا هو الشرك الأكبر، فالواجب الحذر من ذلك غاية الحذر. وكثير من المسلمين عندهم جهل كثير في هذه المسائل، فيفعلون ما يرون العامة يفعلونه عند القبور، ولا يعلمون أحكام الشرع في ذلك، والواجب على العلماء في كل البلاد أن يعلموا الناس، وأن يرشدوا الناس إلى سنة نبيهم ﵊، وأن يحذروهم من الشرك والبدع، هذا هو الواجب على أهل العلم في كل مكان. ولكن بسبب قلة العلماء، وقلة أهل التحقيق كثر هذا الشر في بلدان كثيرة، وظنوه دينا وظنوه شيئا مشروعا، فصاروا يسارعون إليه يحسبون أنهم على هدى، وعلى حق في ذلك، وهذه مصيبة عظيمة يجب التنبيه عليها. ويجب على كل مسلم أن يسأل عما أشكل عليه، وألا يتساهل بالأمور التي يرى عليها آباءه وأسلافه، بل عليه أن يسأل، فإن الكفار كان من عادتهم اتباع أسلافهم على غير بصيرة، كما حكى الله عنهم أنهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) [الزخرف: ٢٣] ، فلا ينبغي التأسي بالكفرة في ذلك، بل يجب على المسلم

стр. 353

أن يسأل أهل العلم إن كانوا عنده، أو يكتب إليهم في أي البلاد، ويسألهم عما أشكل عليه من أمور دينه حتى يكون على بصيرة، لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) [النحل: ٤٣] . فالواجب على أهل الإسلام إذا لم يكن عندهم علم أن يسألوا، وعلى كل إنسان ليس عنده علم أن يسأل عما أشكل عليه في أمور القبور، أو في أمور صلاته، أو في زكاته، أو في صيامه، أو في معاملاته، وفي كل شيء

стр. 354

الطواف بالقبور س١٢٨: يقول السائل: كنت جالسا مع إخوة لي من أبناء وطني من صعيد مصر، فقالوا لي: يوجد عندنا مقام لأبي الحسن الشاذلي من طاف به سبع مرات كانت له عمرة، ومن طاف به عشر مرات كان له حجة، ولا يلزمه الذهاب إلى مكة، فقلت لهم: إن هذا الفعل كفر بل شرك -والعياذ بالله- فهل أنا مصيب؟ وبماذا تنصحون من ينخدع بذلك؟ الجواب: نعم قد أحسنت، لا يجوز الطواف بالقبور، لا بقبر أبي الحسن الشاذلي، ولا بقبر البدوي، ولا بقبر الحسين، ولا بالسيدة زينب، ولا بالسيدة نفيسة ولا بقبر من هو أفضل منهم، لأن الطواف عبادة لله وإنما يكون بالكعبة خاصة، ولا يجوز الطواف بغير الكعبة أبدا، وإذا طاف بقبر أبي الحسن الشاذلي أو بمقامه يتقرب إليه بالطواف، صار شركا أكبر، وليس هو يقوم مقام حجة، ولا مقام عمرة، بل هو كفر وضلال، ومنكر عظيم، وفيه إثم عظيم.

стр. 355

فإن كان طاف يحسب أنه مشروع، ويطوف لله لا لأجل أبي الحسن فهذا يكون بدعة ومنكرا، وإذا كان طوافه من أجل أبي الحسن ومن أجل التقرب إليه فهو شرك أكبر -والعياذ بالله- وهكذا دعاؤه والاستغاثة بأبي الحسن الشاذلي، أو النذر له، أو الذبح له، كله كفر أكبر -نعوذ بالله- وكذلك الحلف بأبي الحسن، وكذلك الحلف بالنبي، أو بالحسن، أو بالحسين، أو بفاطمة، أو بالكعبة، أو بالأمانة، أو الحلف بحياة فلان أو شرفه كله لا يجوز لأن الحلف بغير الله ممنوع وهو شرك أصغر؛ لقول النبي ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (١) . ولقول الرسول ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر» (٢) وفي لفظ: «فقد أشرك» وفي لفظ آخر: «فقد كفر أو أشرك» (٣) ولقول الرسول ﷺ : «من حلف بالأمانة فليس منا» (٤) ولقوله ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» (٥) فالحلف يكون بالله وحده; لأنه تعظيم لا يليق إلا بالله وحده، فالحلف بغير الله من الشرك الأصغر وقد يكون أكبر إذا حصل في قلبه من التعظيم للمخلوق ما هو من جنس تعظيم الله يكون كفرا أكبر، فالدعاء والاستغاثة بالأموات، والذبح لهم، والنذر لهم، والتوكل عليهم، أو اعتقاد أنهم يعلمون الغيب، أو يتصرفون في الكون، أو يعلمون ما في نفوس أصحابهم، والداعين لهم، والطائفين بقبورهم، كل هذا شرك أكبر -نعوذ بالله من ذلك- فالغيب لا يعلمه إلا الله; لا يعلمه الأنبياء ولا غيرهم، وإنما يعلمون من الغيب ما علمهم الله إياه،

стр. 356

ويقول الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) [النمل: ٦٥] . فمن زعم أن شيخه يعلم الغيب، أو يعلم ما في نفس زائره، أو ما في قلب زائره فهذا كفر أكبر-والعياذ بالله- فالغيب لله وحده ، وكذلك إذا عكف على القبر يطلب فضل صاحب القبر، ويطلب أن يثيبه أو يدخله الجنة بالجلوس عند قبره، أو بالقراءة عند قبره، أو بالاستغاثة به أو نذره له، أو صلاته عنده، أو نحو ذلك، فهذا كفر أكبر. فالحاصل أن الواجب على المؤمن أن يحذر الشرك كله وأنواعه. والقبور إنما تؤتي للزيارة، يزورها المؤمن للدعاء لهم، والترحم عليهم، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يغفر الله لنا ولكم يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية» (٢) وهكذا. أما أن يدعوهم مع الله، أو يستغيث بهم، أو ينذر لهم، أو يتقرب إليهم بالذبائح بالبقر، أو بالإبل، أو بالغنم، أو بالدجاج فكل هذا كفر أكبر -والعياذ بالله- فالواجب الحذر والواجب التفقه في الدين، المسلم عليه أن يتفقه في دينه حتى لا يقع في الشرك والمعاصي. وعلماء السوء علماء ضلالة يضلون الناس ويغشونهم، فالواجب على علماء الحق أن يتقوا الله وأن يعلموا الناس من طريق الخطب والمواعظ وحلقات العلم، ومن طريق الإذاعة، ومن طريق الكتابة والصحافة، ومن طريق التلفاز، يعلمون الناس دينهم ويرشدونهم إلى

стр. 357

الحق حتى لا يعبدوا الأموات، ولا يستغيثوا بهم، وحتى لا يطوفوا بقبورهم، وحتى لا يتمسحوا بها، وحتى لا ينذروا لها وحتى لا يقعوا بالمعاصي. والقبور تزار للذكرى; لذكر الآخرة، وذكر الموت، وللدعاء للميت والترحم عليه كما تقدم، أما أن يطاف بقبره أو يدعى من دون الله أو يستغاث به، أو يجلس عنده للصلاة، فهذا لا يجوز، والجلوس عند قبره للصلاة عنده أو للقراءة عنده بدعة، وإذا كان يصلي له كان كفرا أكبر، فإن صلى لله وقرأ لله يطلب الثواب من الله، ولكن يرى أن القبور محل جلوس لهذه العبادات صار بدعة فالقبور ليست محل جلوس للصلاة أو للقراءة، ولكنها تزار للدعاء للأموات، والترحم عليهم، مثلما زارهم النبي ﷺ وأصحابه ﵃. فالنبي ﷺ كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين» (١) وكان إذا زار البقيع يقول: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (٢) ويترحم عليهم، وهذه هي الزيارة الشرعية، فيجب الحذر مما حرم الله مما أحدثه عباد القبور، وأحدثه الجهال، مما يضر ولا ينفع بل يوقع أصحابه في الشرك الأكبر -ولا حول ولا قوة إلا بالله-.

стр. 358

اهتمام مشايخ الصوفية بالقباب والأضرحة س١٢٩: يقول السائل: عندنا من مشايخ الصوفية من يهتم بصنع القباب والأضرحة، والناس يعتقدون فيهم الصلاح والبركة، فإن كان

стр. 359

هذا الأمر غير مشروع فما هي نصيحتكم لهم، وهم قدوة في نظر السواد الأعظم من الناس. أفيدونا بارك الله فيكم؟ الجواب: النصيحة لعلماء الصوفية ولغيرهم من أهل العلم أن يأخذوا بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وأن يعلموا الناس ذلك، وأن يحذروا إتباع من قبلهم فيما يخالف ذلك، فليس الدين بتقليد المشايخ ولا غيرهم، وإنما الدين ما يؤخذ عن كتاب الله وعن سنة رسوله محمد ﵊، وعما أجمع عليه أهل العلم، من الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان، الدين هكذا يؤخذ لا عن تقليد زيد وعمرو. وقد دلت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا اتخاذ المساجد عليها، ولا اتخاذ القباب، ولا أي بناء، كل ذلك محرم بنص الرسول ﵊، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت ﵂: يحذر ما صنعوا. وفي الصحيحين عن أم سلمة وأم حبيبة ﵄ أنهما ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال ﵊: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» (١) فأخبر ﵊ أن الذين يتخذون المساجد على القبور هم شرار الخلق، وهكذا من يتخذ عليها الصور لأنها دعاية للشرك؛

стр. 360

لأن العامة إذا رأوا عليها المساجد والقباب عظموا المدفونين، واستغاثوا بهم، ونذروا لهم، ودعوهم من دون الله، وطلبوا منهم المدد والعون، وهذا هو الشرك الأكبر. وفي حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁، الذي خرجه مسلم في الصحيح، عن النبي ﷺ ما نصه: «إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (١) هكذا رواه مسلم في الصحيح. فدل ذلك على فضل الصديق ﵁، وأنه أفضل الصحابة وخيرهم، وأنه لو ساغ للنبي ﷺ أن يتخذ خليلا لاتخذه خليلا ﵁، ولكن الله جل وعلا منعه من ذلك حتى تتمحض محبته لربه ، فإن الخلة أعلى المحبة. وفي الحديث دلالة على تحريم البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وعلى ذم من فعل ذلك من جهات ثلاث: الأولى: ذمه من فعل ذلك. الثانية: قوله ﷺ : «فلا تتخذوا القبور مساجد» (٢) الثالثة: قوله ﷺ : «فإني أنهاكم عن ذلك» (٣) فحذر من البناء على القبور من هذه الجهات الثلاث، بقوله ﷺ : «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» (٤) ثم قال: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد» (٥) يعني لا تتأسوا بهم، فإني أنهاكم عن ذلك- وهذا تحذير صريح من البناء على القبور واتخاذها

стр. 361

مساجد، والعلة والحكمة في ذلك ما قاله أهل العلم أنه وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر، وإلى عبادة أهل القبور، وصرف الدعاء، والنذور، والاستغاثة، والذبائح لهم، وطلب المدد منهم والعون، كما هو الواقع الآن في بلدان كثيرة عند السائل في السودان، وفي مصر، وفي الشام، والعراق. وفي بلدان كثيرة، يأتي الرجل العامي الجاهل يقف على صاحب القبر المعروف عندهم فيطلب المدد والعون والغوث، كما يقع عند قبر البدوي، والحسين، والسيدة نفيسة، وزينب، وغيرها في مصر، وكما يقع عندكم في السودان عند قبور كثيرة، وكما يقع في بلدان أخرى، وكما يقع من بعض الحجاج الجهال عند قبر النبي ﷺ في المدينة، وعند قبور أهل البقيع، وعند قبر خديجة في مكة، وقبور أخرى، يقع هذا من الجهال فهم يحتاجون إلى تبصير، وإلى بيان، وإلى عناية من أهل العلم، فالواجب على أهل العلم جميعا سواء كانوا من المنسوبين إلى التصوف أو غيرهم، فالواجب على علماء الشريعة جميعا أن يتقوا الله، وأن ينصحوا عباد الله، وأن يعلموهم دينهم، وأن يحذروهم من البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها أو القباب، أو غير ذلك من أنواع البناء، وأن يحذروهم من دعاء الموتى، والاستغاثة بالموتى، فالدعاء عبادة لله وحده، لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) [الجن: ١٨] ، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) [يونس: ١٠٦] ، يعني المشركين، ويقول ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (٣) .

стр. 362

ويقول النبي ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» (١) فالميت قد انقطع عمله عن الناس، فهو في حاجة أن يدعى له ويستغفر له وإلى أن يترحم عليه، لا أن يدعى من دون الله; لقول النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (٢) فكيف يدعى من دون الله؟! وهكذا الأصنام، وهكذا الأشجار، والأحجار، وهكذا القمر والشمس والكواكب، كلها لا تدعى من دون الله، ولا يستغاث بها، وهكذا أصحاب القبور وإن كانوا أنبياء، وإن كانوا صالحين، هكذا الملائكة، والجن، لا يدعون مع الله; والله سبحانه يقول: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣) آل عمران: ١٨٠، فجعل اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا بالدعاء والاستغاثة كفرا، والله لا يأمر به . وفي حديث جابر عند مسلم، يقول ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها» (٤) وذلك لأنها وسيلة إلى الشرك، فالبناء عليها، والتجصيص والكسوة، والقباب كل هذا وسيلة إلى تعظيمها، والغلو فيها، ودعاء أهلها، أما القعود عليها فهو امتهان لا يجوز، فلا يقعد عليها فهي محترمة لا تمتهن، فلا يقعد عليها، ولا يبول عليها ولا يتغوط عليها، ولا يستند إليها، ولا يطؤها، فهذا ممنوع احتراما للمسلم. والمسلم حيا وميتا محترم، لا يجوز أن يداس قبره، ولا تكسر عظامه، ولا يقعد على قبره، ولا يبال عليه، ولا أن توضع عليه القمائم،

стр. 363

كل هذا ممنوع، فالميت المسلم لا يمتهن ولا يدعى من دون الله; لا يغالى فيه فيدعى من دون الله، ولا يمتهن ويداس وتوضع عليه القمائم والأبوال والقاذورات، لا هذا ولا ذاك، فالشريعة جاءت بالوسط; جاءت باحترام القبور، والدعاء لأهلها بالمغفرة والرحمة، وزيارتهم للدعاء لهم، والاستغفار لهم، ونهت عن إيذائهم بالقاذورات وبالقمائم وبالبول وبالقعود عليهم، إلى غير ذلك. ومن هذا ما جاء في الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (١) لا يجوز أن تجعل قبلة ولا أن يقعد عليها فجمعت الشريعة الكاملة العظيمة بين الأمرين; بين تحريم الغلو في أهل القبور ودعائهم من دون الله، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، ونحو ذلك، وهذا من الشرك الأكبر، وبين النهي عن إيذائهم وامتهانهم والجلوس على قبورهم، أو الوطء عليها والاستناد إليها، أو وضع القاذورات عليها، كل هذا ممنوع، وبهذا يعلم المؤمن، ويعلم طالب الحق، أن الشريعة جاءت بالوسط; لا بالشرك ولا بالإيذاء والامتهان، فالنبي والرجل الصالح يدعى له، ويستغفر له، ويسلم عليه عند زيارته، أما أن يدعى من دون الله فلا، فلا يقال: يا سيدى المدد المدد، أو انصرني، أو اشف مريضي، أو أعني على كذا، فهذا يطلب من الله، ولا يمتهن فتوضع القمامة على قبره، أو يوطأ عليه، أو يداس عليه، لا هذا ولا ذاك. أما الحي فلا بأس أن يتعاون معه; لأن له عملا فيما يجوز شرعا من الأسباب الحسية، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) [القصص: ١٥] ،

стр. 364

في قصة موسى، فإن موسى حي وهو المستغاث به، فاستغاثه الإسرائيلي على الذي من عدوه وهو القبطي، وهكذا الإنسان مع إخوانه، ومع أقاربه، يتعاونون في مزارعهم، وفي إصلاح بيوتهم، وفي إصلاح سياراتهم، وفي أشياء أخرى من حاجاتهم يتعاونون بالأسباب الحسية المقدورة، فلا بأس، وهكذا من طريق الهاتف (التليفون) ، من طريق المكاتبة، من طريق الإبراق والتليكس، كل هذا تعاون حسي لا بأس به في الأمور المقدورة. لكن ما يتعلق بالعبادة فلا، فلا يقال للحي أو الميت: اشف مريضي، أو رد غائبي، لاعتقاد أن له سرا في ذلك، ولا يقال: انصرنا على عدونا، أي بسره، أما طلب النصر من الحي القادر الحاضر بالأسباب الحسية كالسلاح والقرض فلا بأس. كذلك يأتي الطبيب يطلب منه العلاج لا بأس، أما أن يقول: اشفني; لأنه يعتقد فيه سرا، كما هو مشهور عند الصوفية وغيرهم، فهذا كفر; لأن الإنسان ما يستطيع أن يتصرف في الكون، إنما في الأمور الحسية، والطبيب يتصرف في الأمور الحسية كالأدوية. كذلك الإنسان القادر الحي يتصرف في الأسباب الحسية، يعينك بيده، يقف معك، يعطيك مالا كقرض، أو مساعدة تبني بها، أو يعطيك قطع غيار لسيارتك، أو يساعدك بالشفاعة لدى من يعينك، فهذه أمور حسية ولا بأس بها، ولا تدخل في عبادة الأموات، والاستغاثة بالأموات، ونحو ذلك. وكثير من دعاة الشرك يشبهون بهذه الأمور، وهذه أمور واضحة

стр. 365

بينة، لا تشتبه إلا على من هو من أجهل الناس، فالتعاون مع الأحياء شيء جائز بشروطه المعروفة، وسؤال الأموات، والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم أمر ممنوع ومعلوم عند أهل العلم وأنه شرك أكبر بإجماع أهل العلم، ليس فيه نزاع بين الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان وأهل البصيرة، والبناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب كذلك منكر معلوم عند أهل العلم، جاءت الشريعة بالنهي عنه، فلا يجوز أن يلتبس هذا على أهل العلم. فالواجب على أهل العلم مرة أخرى- أن يتقوا الله أينما كانوا، وأن ينصحوا لعباد لله وأن يعلموهم شريعة الله، وألا يجاملوا في ذلك زيدا ولا عمرا، بل يعلمون الأمير والصغير والكبير، ويحذرون الجميع مما حرم الله، ويرشدونهم إلى ما شرع الله، هذا هو الواجب على أهل العلم أينما كانوا، من طريق الكلام الشفهي، ومن طريق الكتابة، ومن طريق التأليف، ومن طريق الخطابة في الجمع وغيرها، ومن طريق الهاتف، ومن طريق التليكس من أي الطرق التي وجدت الآن، يستعان بها على تبليغ دعوة الله، وعلى نصح عباد الله. نسأل الله للجميع الهداية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 366

حكم الإقامة لأيام عند المقام المبني على القبر س١٣٠: يقول السائل: يوجد في بلدتنا رجل صالح متوفى، وقد بني له مقام على قبره، وله عادة عندنا في كل عام، نذهب مع الناس إليه رجالا ونساء، ويقيمون عنده ثلاثة أيام بالمدح والتهاليل والأذكار،

стр. 367

وغير ذلك من الأوصاف المعروفة. فنرجو من سماحة الشيخ التوجيه والإرشاد. جزاكم الله خيرا؟ الجواب: هذا العمل لا يجوز، بل هو من البدع التي أحدثها الناس، فلا يجوز أن يقام على قبره بناء; سواء سمي مقاما، أو سمي قبة، أو سمي غير ذلك، وكانت القبور في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة مكشوفة ليس عليها بناء، والنبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر وأن يجصص، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) متفق على صحته. وقال جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» (٢) . فالبناء على القبور منكر، وهكذا تجصيصها; ووضع الزينات عليها، أو الستور، كله منكر وهو وسيلة إلى الشرك، فلا يجوز، وكذلك وضع القباب أو الستور، أو المساجد عليها أو السرج. وهكذا زيارتها على الوجه الذي ذكره السائل; كالجلوس عندها، والتهاليل، وأكل الطعام، والتمسح بالقبر، أو الدعاء عند القبر، أو الصلاة عند القبر، كل هذا منكر، وكله بدعة. فلا يجوز. إنما المشروع زيارة القبور، وأن يزورها ويدعو لهم ثم ينصرف، فيمر على القبور ويقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين» (٣) وما أشبهه من الدعوات. هذا هو المشروع الذي علمه النبي أصحابه ﵊،

стр. 368

حيث كان يعلمهم إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية» (١) وفي حديث عائشة ﵂: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين» (٢) وحديث ابن عباس: «السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر» (٣) . هذا هو المشروع، وأما الإقامة عند القبر للأكل والشرب، أو للتهاليل، أو للصلاة، أو لقراءة القرآن ; فكل هذا منكر. بل الصواب أن يسلموا ويذهبوا، ويدعوا للميت، ويترحموا عليه، أما اتخاذه محل دعاء، أو محل قراءة، أو محل طواف، أو محل تهاليل، أو محل أكل يوم أو يومين- فهذا ليس له أصل، وهذا بدعة ومن وسائل الشرك. فيجب الحذر من ذلك، ويجب ترك ذلك.

стр. 369

تعظيم قبر جد النبي ﷺ س١٣١: يقول السائل: يوجد في فلسطين قبر جد النبي ﷺ هاشم على ما يقال وهذا القبر موجود داخل مسجد، وهو مبنى قديم لعله من عهد دولة المماليك، ويعتبر الناس هذا المسجد أثريا، ويعزونه ويعظمونه، وبعضهم يعتبره محلا للتبرك، فقام بعض الشباب الصالحين بهدم هذا القبر درءا للمفسدة، ومنعا لاجتماع الرجال والنساء عنده، وتقديم الشموع والنقود، فأنكر عليهم كثير من المنتسبين للدين ذلك، وقالوا: إن هؤلاء منحرفون ويبغضون النبي ﷺ ويخالفون جماعة المسلمين، ومما زاد الطين بلة ما صدر عن دار إفتاء

стр. 370

بلد عربي مجاور قالوا: إن الذين هدموا قبر هاشم جد النبي ﷺ خارجون عن الإسلام. فنرجو من سماحتكم بيان حكم ذلك؟ وهل لجد النبي ﷺ حق علينا أن نقول له: سيدنا، أو أن نعظم قبره، أو ما شابه ذلك، أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب: هؤلاء الذين هدموه وأحسنوا إلى الناس بإزالة هذه الفتنة مأجورون; لأن جد النبي ﷺ مات في الجاهلية، فجد النبي ﷺ هاشم مات على الجاهلية ليس بمسلم، وهكذا عبد المطلب، وهكذا أبو النبي عبد الله، كلهم ماتوا في الجاهلية، فليس لأحد أن يعظمهم، ولا أن يقول لهم: سيدنا فلان؛ لأنهم ماتوا في الجاهلية على دين الكفرة، على دين الضالين، وأحسن أحوالهم أن يكونوا من أهل الفترة، أمرهم إلى الله يوم القيامة إذا كانت ما بلغتهم الدعوة -دعوة الأنبياء الماضين-. فعلى كل حال هم ماتوا في الجاهلية، وماتوا على أعمال الجاهلية، فليس لهم حق في أن يعظموا ولا أن يدعى على قبورهم، أو تعظم قبورهم، أو يقال سيدنا فلان; هاشم أو غيره، كل هذا لا يجوز، ولا يجوز تعظيم قبره لو عرف، مع أنه لا يعرف قبره، لكن لو عرف لم يجز تعظيمه، لا بالشموع، ولا بالبناء عليه، ولا بغير ذلك، حتى لو كان مسلما، فكيف وهو مات على الجاهلية. وإذا قال بعض الناس إن هؤلاء أخطئوا، أو أنهم يبغضون النبي ﷺ ، فهذا جهل من قائله، بل الذي يفعل ما أمر به النبي ﷺ هو الذي يحب النبي ﷺ ، حتى لو كان صاحب القبر مسلما، وهدم البناء على القبور مما شرعه الرسول ﷺ ومما يحبه الرسول عليه الصلاة

стр. 371

والسلام، وهو القائل: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) . وقد قال جابر ﵁: «إن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه» (٢) رواه الإمام مسلم في صحيحه، فهو نفسه ﷺ نهى عن تجصيص القبور، ونهى عن البناء عليها، فالذي يهدم البناء على القبور قد فعل ما أمر به النبي ﷺ ; وامتثل أمره، واتبع سنته، ولكن الجهل هو المصيبة كما قال الشاعر: ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه فالواجب على علماء الإسلام أن يبينوا مثل هذه الأمور، وألا يتركوا الجهلة يتكلمون، فالبناء على القبور -حتى ولو كان أهلها مسلمين- لا يجوز، ولا يجوز اتخاذ قبورهم مساجد ولا البناء عليها، بل هذا منكر نهى عنه النبي ﷺ وحذر منه، وهو من وسائل الشرك، ولا يعرف قبر هاشم ولا غيره من أجداده ﷺ . ولو قدر أنه عرف في فلسطين أو غيرها فلا يجوز البناء عليه، ولا اتخاذه مسجدا، ولا اتخاذ الشموع عليه، ولا تعظيمه بالسيادة، حتى قبر الخليل ﵇، وهو موجود في الخليل في المغارة فلا يجوز البناء عليه، ولا اتخاذ المسجد عليه، ولا دعاء الخليل من دون الله، ولا الاستغاثة به وهو إبراهيم أبو الأنبياء، خليل الرحمن ﵊، فلا يجوز البناء على قبره لو عرف عينه، ولا يجوز دعاؤه من دون الله، ولا الاستغاثة به ﵊ بل تشرع الصلاة عليه، ومحبته في الله؛ لأنه خليل الرحمن، أما أن يدعى من دون الله أو

стр. 372

يستغاث به أو ينذر له فهذا لا يجوز. وهكذا نبينا محمد ﷺ لا يجوز أن يدعى من دون الله، ولا أن يستغاث به، ولا ينذر له، ولا يذبح له، ولكن تجب طاعته واتباعه ﷺ ، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) [آل عمران: ٣١] ، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) [النساء: ٨٠] . فالواجب على الأمة الإسلامية المحمدية أن تتبع الرسول ﷺ وتنقاد لما جاء به من الشرع، أما أن يعبد من دون الله، أو ينذر له، أو يستغاث به; فهذا لا يجوز، وهذا من الشرك الأكبر، حتى مع نبينا وهو أفضل الخلق ﵊ وسيد ولد آدم فكيف بغيره، ولكن المصيبة الجهل العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله. والله المستعان.

стр. 373

نقل المقبرة دفعا للشر والفتنة س١٣٢: يسأل سائل فيقول: توفي والدي وأنا لم أزل صغيرا فدفن في مقبرة لعمي، وبعد مضي عدة سنوات حصل بيني وبين عمي نزاع فقال لي: أخرج والدك من مقبرتي، وهددني بسوء إن لم أفعل، فلم أجد حلا إلا أن أجبت طلبه ونقلت جثمان والدي إلى مقبرة تخصني فهل علي إثم بذلك، وهل المقابر ملك للأحياء يتصرفون فيها كيف شاءوا أم أنها ملك لساكنيها؟ أفيدونا بارك الله فيكم. الجواب: نقل أبيك من مقبرة إلى مقبرة دفعا للشر والفتنة لا بأس به عليك ولا حرج في ذلك والحمد لله.

стр. 374

أما المقابر فتختلف إذا كان الذي سبلها أرادها لقوم معينين فليس لغيرهم أن يدفنوا فيها إلا بإذنه، إذا كان عينها لقرابته أو لجيرانه أو لقبيلة معينة فليس لغيرهم الدفن فيها إلا بإذنه، أما إذا كان أرادها للمسلمين عموما، أو له ولجيرانه ولأقاربه وللمسلمين، فلا مانع أن يدفن كل مسلم من قرابته وغيرهم.

стр. 375

حكم المقابر التي حول المسجد س١٣٣: يقول السائل: إنه يوجد في قريتنا مسجد جامع، وهذا المسجد يقع وسط المقابر التي تحيط به من الشمال والجنوب، والمسافة بينه وبين الجهة الشمالية متران، وكذلك الجنوبية متران، وأن تلك المقابر في طريقها للتوسع، كما أن بعض المصلين هداهم الله يجعلون تلك المقابر مواقف لسياراتهم، أخبرونا جزاكم الله عنا كل خير في الحكم في مثل ذلك ولكم جزيل الشكر والتقدير؟ الجواب: لا حرج في بقاء المسجد المذكور؛ لأن العادة جارية أن الناس يدفنون حول المساجد، فلا يضر ذلك شيئا، والمقصود أن الدفن حول المساجد لا بأس به لأنه أسهل على الناس فإذا خرجوا من المسجد دفنوه حول المسجد، فلا يضر ذلك شيئا ولا يؤثر في صلاة المصلين. لكن إذا كان في قبلة المسجد شيء من القبور فالأحوط أن يكون بين المسجد وبين المقبرة جدار آخر غير جدار المسجد أو طريق يفصل بينهما، هذا هو الأحوط والأولى ليكون ذلك أبعد عن استقبالهم

стр. 376

للقبور. أما إن كانت عن يمين المسجد أو عن شماله، أي عن يمين المصلين، أو عن شمالهم فلا يضرهم شيئا، لأنهم لا يستقبلونها; لأن هذا أبعد عن استقبالها وعن شبهة الاستقبال. أما بالنسبة لإيقاف السيارات فلا يجوز إيقافها على القبور، بل توقف بعيدا عن القبور، في الأراضي السليمة التي ليس فيها قبور، لأنه لا يجوز للناس أن يمتهنوا القبور، أو تكون السيارات على القبور، فهذا منكر ولا يجوز، ومن الواجب أن يبعدوها عن القبور، وأن تكون في محلات سليمة ليس فيها قبور، وإذا تيسر تسويرها بما يمنع استطراقها وامتهانها فهو أحوط وأسلم لأن المسلم محترم حيا وميتا، ولهذا نهى الرسول ﷺ أن يصلى إلى القبور وأن يقعد عليها.

стр. 377

(٢٠) التصوير

стр. 378

حكم الرسم س١٣٤: يقول أحد الشباب: من الشباب من يحب فن الرسم، وهو يرسم مرارا فنريد معرفة موقف الإسلام من الرسم؟ الجواب: الرسم له معنيان: أحدهما رسم الصور ذوات الأرواح، وهذا جاءت السنة بتحريمه، فلا يجوز الرسم الذي هو رسم ذوات الأرواح، لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «كل مصور في النار» (١) وقوله ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون الذين يضاهئون بخلق الله» (٢) ولقوله ﷺ : «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٣) . ولأنه ﷺ لعن آكل الربا وموكله، ولعن المصور، فدل ذلك على تحريم التصوير، وفسر العلماء ذلك بأنه تصوير ذوات الأرواح; من الدواب والإنسان والطيور. أما رسم ما لا روح فيه -وهو المعنى الثاني- فهذا لا حرج فيه، كرسم الجبل والشجر والطائرة والسيارة وأشباه ذلك، لا حرج فيه عند أهل العلم، ويستثنى من الرسم المحرم ما تدعو الضرورة إليه، كرسم صور المجرمين حتى يعرفوا وحتى يمسكوا، أو الصورة في حفيظة النفوس التي لا بد منها ولا يستطيع الحصول عليها إلا بذلك، وهكذا ما تدعو الضرورة من سوى ذلك، فإذا رأى ولي الأمر أن هذا الشيء مما تدعو الضرورة إلى تصويره لخطورته ولقصد سلامة المسلمين من شره حتى يعرف أو لأسباب أخرى فلا بأس، قال الله : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤) [الأنعام: ١١٩] .

стр. 379

حكم تجميع صور ذوات الأرواح للذكرى س١٣٥: يقول السائل: ما حكم تجميع الصور الفوتوغرافية لذوات الأرواح للذكرى؟ الجواب: لا يجوز جمع صور ذوات الأرواح للذكرى، بل يجب إتلافها; لأن الرسول ﵊ قال لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها» (١) ولما ثبت في حديث جابر عند الترمذي وغيره أن النبي ﷺ نهى عن الصورة في البيت، وأن يصنع ذلك. فجميع الصور التي للذكرى تتلف بالتمزيق أو الإحراق، وإنما يحتفظ بالصورة التي لها ضرورة، كالصورة التي في التابعية، وما أشبه ذلك مما يكون هناك ضرورة لحفظه، وإلا فالواجب إتلافها.

стр. 380

حكم تعليق الصور الفوتوغرافية على الجدران س١٣٦: يقول السائل: ما حكم تعليق الصور الفوتوغرافية على الجدران؟ وهل يجوز تعليق صورة الأخ أو الأب أو ما شاكلهما؟ الجواب: تعليق صور ذوات الأرواح على الجدران أمر لا يجوز، سواء كان ذلك في بيت أو مجلس أو مكتب أو شارع أو غير ذلك، كله منكر، وكله من عمل الجاهلية، والرسول ﷺ قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون» (١) وقال: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٢) وبعث عليا ﵁ قائلا له:

стр. 381

«لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (١) . ونهى عن الصورة في البيت وأن يصنع ذلك، فالواجب طمسها ولا يجوز تعليقها، ولما رأى في بيت عائشة صورة معلقة في ستر غضب وتغير وجهه وهتكها ﵊، فدل ذلك على أنه لا يجوز تعليق الصور، سواء كانت صورا للملوك، أو الزعماء، أو العباد، أو العلماء، أو الطيور، أو الحيوانات الأخرى، كله لا يجوز، كل ذي روح تصويره محرم، وتعليق صورته على الجدران، أو في المكاتب كله محرم، ولا يجوز التأسي بمن فعل ذلك. والواجب على أمراء المسلمين، وعلى علماء المسلمين، وعلى كل مسلم أن يدع ذلك، وأن يحذر ذلك، وأن يحذر منه، طاعة لله ولرسوله ﵊، وعملا بشرع الله في ذلك. والله المستعان.

стр. 382

الصور التي لا يجوز وجودها في البيت س١٣٧: سائل يقول في رسالته: ما هي أنواع الصور التي لا يجوز وجودها في البيوت؟ الجواب: الصور المنصوبة التي تنصب على الجدران أو على الأبواب، أو تجعل في الستور التي على الأبواب أو الجدران، أو في براويز تجعل على الجدار، فهذه لا تجوز، أما إذا كانت الصورة في الفراش الذي يوطأ، أو في السرر التي يجلس عليها، أو في الوسائد فلا حرج فيها؛ لأنها ممتهنة، وقد ثبت عنه ﷺ أنه رأى سترا عند عائشة فيه تصاوير، فغضب وأمر بهتكه، فجعلت منه عائشة وسادتين كان يرتفق بهما

стр. 383

عليه الصلاة والسلام. وثبت من حديث أبي هريرة عند النسائي وغيره «أن جبرائيل ﵊ كان له موعد مع النبي ﷺ فلما حضر وجد في البيت تمثالا وسترا فيه تصاوير، وكلبا لم يعلمه النبي ﷺ ، فتوقف جبرائيل ولم يدخل حتى أخبره جبرائيل بذلك، فقال له: مر برأس التمثال أن يقطع، وبالستر أن يتخذ منه وسادتان منتبذتان توطآن، وبالكلب أن يخرج، فأمر به النبي ﷺ فأخرج الكلب وكان تحت نضد الحسن أو الحسين، وأمر بالستر أن يتخذ منه وسادتان منتبذتان توطآن، وأمر بالتمثال أن يقطع رأسه فدخل جبرائيل ﵊» .

стр. 384

حكم الصور المتداولة بين الناس اليوم س١٣٨: يقول السائل في رسالته: قال رسول الله ﷺ : «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم» (١) أرجو من سماحتكم توضيح معنى هذا الحديث وهل هو صحيح؟ وإذا كان هذا الحديث صحيحا فما حكم الصور المتداولة بين الناس اليوم في الأسواق والمنازل والسيارات، والصور المطلوبة في المدارس والجامعات، وجميع الصور بأنواعها؟ وما هي الصور المحللة في الدين؟ أفيدونا أفادكم الله. الجواب: نعم هذا الحديث صحيح، رواه البخاري ﵀ في الصحيح وغيره عن عائشة ﵂، وفي الباب أحاديث أخرى، يقول النبي ﷺ : «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٢) وكان سبب ذلك أنه ﷺ قدم من سفر فرأى على بيت عائشة سترا فيه تصاوير، فغضب وهتك الستر، وقال: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٣)

стр. 385

وقال ﵊: «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون» (١) وقال ﵊: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في نار جهنم» (٢) . وقال أيضا ﵊: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» (٣) فهذا كله يدل على تحريم تصوير ذوات الأرواح من الدواب والطيور وبني الإنسان، وكل ذلك ممنوع لعموم هذه الأحاديث إلا للضرورة، فقد قال : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤) [الأنعام: ١١٩] . فإذا كان للضرورة التي لا بد منها فلا حرج في ذلك، مثل تصوير من يعطى حفيظة نفوس حتى يتميز هل هو من هذه الدولة أو من هذه الدولة، وحتى لا يشتبه بغيره، وحتى لا يستعمل الرعوية لمن ليس من أهلها، فإذا وجدت الصورة لم يستطع غير صاحبها أن ينسبها إلى نفسه، وهكذا عند الضرورات الأخرى، مثل أصحاب الجرائم المعروفين إذا صورهم ولاة الأمور، ونشروا صورهم بين الحراس في أطراف البلاد حتى يعرفوهم ويمسكوهم، أو ما أشبه ذلك مما تدعو إليه الضرورة، فلا حرج في ذلك. وما سوى ذلك فالواجب عدم التصوير وطمس الصور، وقد ثبت في الصحيح عن علي ﵁ أمير المؤمنين أن النبي ﷺ قال له:

стр. 386

«لا تدع صورة إلا طمستها» (١) هكذا يقول النبي ﷺ لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٢) خرجه مسلم في الصحيح، وذلك يوجب عليك أيها المسلم إذا رأيت في بيتك صورة تزيلها سواء في جدار أو صورا محفوظة عند أهلك يجب أن تتلفها أو تطمسها. وهكذا القبور المشرفة تهدم، فلا يبنى على قبر مسجد ولا قبة ولا غير ذلك، ولهذا ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا، وقال ﵊: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) خرجه مسلم في الصحيح عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁. وثبت في الصحيح عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها» (٥) فلا يبنى على القبر قبة ولا مسجد ولا حجرة وليكن القبر بارزا أمام السماء، مثل قبور الصحابة في البقيع، وقبور المسلمين في البلاد السليمة من هذا البلاء فتكون بارزة مكشوفة، ويرفع القبر عن الأرض مقدار شبر ولا يبنى عليه شيء، بل يكون مكشوفا ليس عليه سقف ولا بناء وهكذا قبور المسلمين ترفع عن الأرض مقدار شبر بالتراب الذي خرج من اللحد، يكون فوق القبر حتى يعرف أنه قبر، حتى لا يوطأ ولا يمتهن، ولا يبنى عليه قبة ولا مسجد ولا حجرة ولا غير ذلك.

стр. 387

هكذا نهى النبي ﷺ ، وهكذا حذرنا من التشبه بغيرنا، وأما الصور التي في الفراش الذي يوطأ فلا حرج فيها، إذا كانت في الفراش الذي يطؤه الناس فلا حرج في ذلك، لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ «أنه رأى عند عائشة قراما فيه تصاوير فهتكه قالت عائشة ﵂ فجعلته وسادتين يرتفق بهما النبي ﷺ » (١) . فهذا يدل على أن الصور التي تمتهن في الفراش أو الوسادة لا تمنع من دخول الملائكة، لكن لا يجوز تصويرها فيه، فليس لأحد أن يصورها في الفراش ولا في الوسادة ولا في الخرق. لكن لو وجدت في بيتك خرقة مصورة أو بساط مصور فلا بأس أن تجعله وسادة، ولا بأس أن تجعل فراشا في بيتك تطؤه ولا حرج في ذلك. والله المستعان.

стр. 388

حكم الصور التي تعلق في المنازل س١٣٩: يقول السائل: ما حكم الصور التي يعلقها كثير من الناس في المنازل؟ أفيدونا أفادكم الله. الجواب: لا يجوز تعليق الصور في المنازل ولا غيرها فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها» (١) وثبت عنه ﷺ أنه «دخل ذات يوم على عائشة وعندها ستر معلق على سهوة لها فيه تصاوير فغضب وهتكه وقال إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٢) . فالواجب على المسلمين ترك هذه الستور التي فيها الصور، وأن

стр. 389

لا يعلقوا صورة لا في مسكن، ولا في مكتب، ولا في مجلس، ولا في غير ذلك، فتعليق الصور لا يجوز، أما إذا كانت الصور في محل يمتهن كالبساط والوسائد فهذه لا حرج فيها؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك، فثبت عنه أن عائشة ﵂ لما رأت منه الغضب من جهة الستر جعلته وسادتين يرتفق بهما النبي ﷺ . وثبت عنه في النسائي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ «أن جبرائيل كان له موعد مع النبي ﷺ فتأخر عن موعده فلقيه النبي ﷺ خارج البيت فسأله عن المانع فقال إن في البيت تمثالا وسترا فيه تصاوير وكلبا فقال له جبرائيل مر برأس التمثال أن يقطع حتى يكون كهيئة الشجرة وبالستر أن يتخذ منه وسادتان توطآن منتبذتان ومر بالكلب أن يخرج ففعل النبي ﷺ فدخل جبرائيل» (١) . وهذا يدل على أن الستر الذي فيه التصاوير إذا جعل وسادة أو فراشا يوطأ، فهذا لا بأس به; لأنه يمتهن حينئذ، ولا يكون فيه تعظيم ولا تكريم للصور، ولا رفع لشأنها، أما جعلها على الأبواب، أو على الجدران، أو في براويز في الجدران، فهذا كله منكر لا يجوز، وتجب إزالة ذلك.

стр. 390

حكم الصلاة في الحجرة التي بها تصاوير س١٤٠: يقول السائل: أصلي بغرفة بها صور، كصورة صديق لي معلقة على الحائط أو صورة إنسان آخر، وقد قال لي بعض الأخوة إن صلاتك باطلة بسبب استقبال هذه الصور. فماذا أفعل في المدة
следующие страницы →