← Фатава

Фатава · id 8380

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الطيار والموسى - قسم العقيدة

ابن باز

Полный текст (503 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

«لا تدع صورة إلا طمستها» (١) هكذا يقول النبي ﷺ لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٢) خرجه مسلم في الصحيح، وذلك يوجب عليك أيها المسلم إذا رأيت في بيتك صورة تزيلها سواء في جدار أو صورا محفوظة عند أهلك يجب أن تتلفها أو تطمسها. وهكذا القبور المشرفة تهدم، فلا يبنى على قبر مسجد ولا قبة ولا غير ذلك، ولهذا ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا، وقال ﵊: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) خرجه مسلم في الصحيح عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁. وثبت في الصحيح عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها» (٥) فلا يبنى على القبر قبة ولا مسجد ولا حجرة وليكن القبر بارزا أمام السماء، مثل قبور الصحابة في البقيع، وقبور المسلمين في البلاد السليمة من هذا البلاء فتكون بارزة مكشوفة، ويرفع القبر عن الأرض مقدار شبر ولا يبنى عليه شيء، بل يكون مكشوفا ليس عليه سقف ولا بناء وهكذا قبور المسلمين ترفع عن الأرض مقدار شبر بالتراب الذي خرج من اللحد، يكون فوق القبر حتى يعرف أنه قبر، حتى لا يوطأ ولا يمتهن، ولا يبنى عليه قبة ولا مسجد ولا حجرة ولا غير ذلك.

стр. 387

هكذا نهى النبي ﷺ ، وهكذا حذرنا من التشبه بغيرنا، وأما الصور التي في الفراش الذي يوطأ فلا حرج فيها، إذا كانت في الفراش الذي يطؤه الناس فلا حرج في ذلك، لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ «أنه رأى عند عائشة قراما فيه تصاوير فهتكه قالت عائشة ﵂ فجعلته وسادتين يرتفق بهما النبي ﷺ » (١) . فهذا يدل على أن الصور التي تمتهن في الفراش أو الوسادة لا تمنع من دخول الملائكة، لكن لا يجوز تصويرها فيه، فليس لأحد أن يصورها في الفراش ولا في الوسادة ولا في الخرق. لكن لو وجدت في بيتك خرقة مصورة أو بساط مصور فلا بأس أن تجعله وسادة، ولا بأس أن تجعل فراشا في بيتك تطؤه ولا حرج في ذلك. والله المستعان.

стр. 388

حكم الصور التي تعلق في المنازل س١٣٩: يقول السائل: ما حكم الصور التي يعلقها كثير من الناس في المنازل؟ أفيدونا أفادكم الله. الجواب: لا يجوز تعليق الصور في المنازل ولا غيرها فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها» (١) وثبت عنه ﷺ أنه «دخل ذات يوم على عائشة وعندها ستر معلق على سهوة لها فيه تصاوير فغضب وهتكه وقال إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٢) . فالواجب على المسلمين ترك هذه الستور التي فيها الصور، وأن

стр. 389

لا يعلقوا صورة لا في مسكن، ولا في مكتب، ولا في مجلس، ولا في غير ذلك، فتعليق الصور لا يجوز، أما إذا كانت الصور في محل يمتهن كالبساط والوسائد فهذه لا حرج فيها؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك، فثبت عنه أن عائشة ﵂ لما رأت منه الغضب من جهة الستر جعلته وسادتين يرتفق بهما النبي ﷺ . وثبت عنه في النسائي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ «أن جبرائيل كان له موعد مع النبي ﷺ فتأخر عن موعده فلقيه النبي ﷺ خارج البيت فسأله عن المانع فقال إن في البيت تمثالا وسترا فيه تصاوير وكلبا فقال له جبرائيل مر برأس التمثال أن يقطع حتى يكون كهيئة الشجرة وبالستر أن يتخذ منه وسادتان توطآن منتبذتان ومر بالكلب أن يخرج ففعل النبي ﷺ فدخل جبرائيل» (١) . وهذا يدل على أن الستر الذي فيه التصاوير إذا جعل وسادة أو فراشا يوطأ، فهذا لا بأس به; لأنه يمتهن حينئذ، ولا يكون فيه تعظيم ولا تكريم للصور، ولا رفع لشأنها، أما جعلها على الأبواب، أو على الجدران، أو في براويز في الجدران، فهذا كله منكر لا يجوز، وتجب إزالة ذلك.

стр. 390

حكم الصلاة في الحجرة التي بها تصاوير س١٤٠: يقول السائل: أصلي بغرفة بها صور، كصورة صديق لي معلقة على الحائط أو صورة إنسان آخر، وقد قال لي بعض الأخوة إن صلاتك باطلة بسبب استقبال هذه الصور. فماذا أفعل في المدة

стр. 391

الماضية؟ وما حكم صلاتي بارك الله فيكم؟ الجواب: الصلاة صحيحة، ومن قال إن الصلاة باطلة فقد غلط، فالصلاة صحيحة، ولكن يكره الصلاة في هذه الحجرة إذا تيسر غيرها، وإلا فالصلاة صحيحة لأنك لا تعبد الصور إنما صليت لله فصلاتك صحيحة. ولا يجوز لصق الصور في الحجر، ولا لصق الصور في المكاتب ولا تعليقها، بل الواجب إزالتها، فعليك أن تنصح أخاك أن يزيل هذه الصور المعلقة وألا يبقيها في البيت، لقول النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب» (١) ولقوله ﷺ لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٢) هكذا قال نبينا ﷺ لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٣) . ولما رأى سترا عند عائشة ﵂ فيه تصاوير هتكه وغضب ﵊، وقال: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٤) فأنت تنصح أخاك حتى يزيل الصور المعلقة، وأما الصلاة فصحيحة، ولكن يكره الصلاة في المحل الذي فيه تصاوير إلا عند الحاجة، أما إذا لم تيسر غيره فلا بأس.

стр. 392

حكم التصاوير التي على البطانية وعلب الصلصة وغيرها س١٤١: سائل يقول: بعض البطانيات، وعلب الحليب، وكل الأغراض اللازمة والأشياء التي ندخلها في بيوتنا فيها صور. فهل نرفض هذه الأشياء من أجل صورها أم لا؟

стр. 393

الجواب: هذه يعفى عنها لأنها ممتهنة، فالفراش ممتهن، والوسادة ممتهنة، وعلب الصلصة تلقى في القمامة، فلا يضر ما فيها من الصور إن شاء الله; لأنها كلها ممتهنة.

стр. 394

حكم الذهب الذي به صورة حيوانات أو إنسان س١٤٢: تقول السائلة: أفيدونا -جزاكم الله خيرا- عن حكم لبس الذهب الذي يوجد به صورة حيوانات أو إنسان. هل يجوز لبسه أم لا؟ الجواب: الذهب الذي فيه صورة الحيوان لا يجوز لبسه، بل يجب حك ذلك وإزالته، فإذا كان في قلادة أو في أسورة أو نحو ذلك، فإنه يزال بالطريقة التي تزيله، أو يطمس بشيء، ولا يجوز لبسه. وهكذا الثياب، وهكذا الخمر التي على الرأس، وهكذا القمص، كلها لا يجوز لبسها إذا كان فيها صور، بل يجب أن تزال رءوس الصور، فإذا حك الرأس زال المحظور، فالمهم زوال الرأس، فإذا حك الرأس أو طمس بشيء لا يظهر معه بل يختفي زال المحظور، سواء في ذهب، أو فضة، أو في قميص، أو غير ذلك مما يلبسه المؤمن والمؤمنة; والحجة في هذا قول النبي ﷺ : «لا تدع صورة إلا طمستها» (١) هكذا جاء الحديث عن رسول الله ﵊، وهكذا الحديث الثاني «أن الرسول ﵊ نهى عن الصورة في البيت، وأن يصنع ذلك» (٢) .

стр. 395

حكم تصوير الجالسين في حفلات الزواج س١٤٣: هذا سؤال يقول فيه السائل: هناك مجموعة من الناس اجتمعوا في زواج، فقام البعض يريد أن يصور العريس وبعض الجالسين، فاعترضه البعض الآخر، وقال: إنه لا يجوز التصوير، وطال الكلام بينهم حول حرمة تصوير الجالسين. نرجو توضيح ذلك وفقكم الله؟ الجواب: هذا لا يجوز، فلا يجوز أن يصور الناس لا برضاهم ولا بغير رضاهم، وإذا كان برضاهم صار أكبر في الإثم، فالتصوير محرم لذوات الأرواح، لبني آدم وغيرهم من ذوات الأرواح; لأن الرسول ﷺ لعن المصورين وقال: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في نار جهنم» (١) وقال ﵊: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» (٢) فالحاصل أن التصوير محرم لذوات الأرواح، فلا يجوز لإنسان أن يصور الجالسين في العرس، لا رجل ولا امرأة، ليس له أن يصورهم ولو رضوا، لأن التصوير منكر، ولأن هذا يفضي إلى عرض نساء عاريات أو شبه عاريات، يعني غير متحجبات أو شبه عاريات بسبب تساهلهن في الملابس، وظهور الرءوس والوجه والأذرع وغير ذلك. فالحاصل أنه لا يجوز. فالتصوير منكر ومحرم، وفيه فساد فيهما يتعلق بتصوير الحاضرات في الزواج لأنهن يتجملن ويتزين، فإذا صورهن فقد يسعى في الفتنة بعرض هذه الصور على الناس، ويجب أن يرفع أمره إلى المحكمة أو الهيئة، أو إلى إمارة البلد حتى يؤدب على

стр. 396

اقترافه لهذا المنكر.

стр. 397

حكم تصوير العروس والعريس في المنصة المعدة لهما س١٤٤: عند اجتماع العروس بالعريس في المنصة المعدة لهما بين النساء الحاضرات، تقوم إحدى النساء أو أحد الرجال يصور العروس والعريس معا، وتكون قريبة منهم ويكون بعض الأزواج قليل الحياء فيمسك بالزوجة ويسلم عليها بين أهل الحفل، والمصور يصور بهذه الحالة فنرجو التعليق؟ الجواب: هذا لا يجوز، لأن هذا يسبب فتنة، وربما أفضى إلى شر كثير بالزوجة المصورة، والزوج المصور. والحاصل أنه لا يجوز، فالتصوير منكر، ولا يجوز تصوير ذوات الأرواح لما تقدم من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﵊، ومنها قوله: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» (١) . ويقول الرسول ﷺ : «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في نار جهنم» (٢) . فالحاصل أن التصوير منكر، وفي هذه الحالة أشد نكارة، كونه يصور العروس والزوج، وربما صور من حولهما من النساء، وربما صورها وهو يسلم عليها أو يقبلها; لأن بعض الأزواج لا يبالي ولا يستحي، فهذا كله منكر، والواجب أن يؤدب هذا المصور، أو هذه المصورة، تأديبا يردعهما وأمثالهما عن هذا العمل السيئ، وينبغي

стр. 398

لأصحاب البيت، أو لغير أصحاب البيت ممن له غيرة أن يرفع هذا إلى إمارة البلد أو الهيئة، أو إلى المحكمة حتى يعاقب على هذا الشيء، وحتى يكون عبرة لغيره.

стр. 399

(٢١) البدعة

стр. 400

حول تقسيم البدعة إلى واجبة ومحرمة وغيرهما س١٤٥: يقول السائل: فصل الشيخ النووي ﵀ في شرحه موضوع البدعة إلى خمسة أقسام: الأول: بدعة واجبة، ومثالها نظم أدلة المتكلمين على الملاحدة، الثاني: المندوبة، ومثالها تصنيف كتب العلم، الثالث: المباحة، ومثالها البسط في ألوان الطعام، الرابع والخامس: الحرام والمكروه وهما واضحان. والسؤال: يقول الرسول ﷺ : «كل بدعة ضلالة» (١) أرجو توضيح ذلك مع ما يقصده الشيخ النووي ﵀ وبارك الله فيكم؟ الجواب: هذا الذي نقلته عن النووي ﵀ في تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام قد ذكره جماعة من أهل العلم، وقالوا: إن البدعة تنقسم إلى أقسام خمسة: واجبة ومستحبة ومباحة ومحرمة ومكروهة. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن البدعة كلها ضلالة وليس فيها تقسيم، بل هي كلها كما قال النبي ﷺ : ضلالة، قال ﵊: «كل بدعة ضلالة» (٢) هكذا جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﵊، منها ما رواه مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فيقول في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (٣) وجاء في هذا المعنى عدة أحاديث مثل حديث عائشة، وحديث

стр. 401

العرباض بن سارية، وأحاديث أخرى، وهذا هو الصواب; أنها لا تنقسم إلى هذه الأقسام التي ذكرها النووي وغيره، بل كلها ضلالة، والبدعة تكون في الدين لا في الأمور المباحة، فتنوع الطعام على وجه جديد لا يعرف في الزمن الأول لا يسمى بدعة من حيث الشرع، وإن كان بدعة من حيث اللغة لأن البدعة في اللغة هي الشيء المحدث على غير مثال سابق، كما قال : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) [البقرة: ١١٧] ; يعني أنه مبتدعها وموجدها على غير مثال سابق، لكن لا يقال بدعة إلا لما كان في التعبد في الأعمال الشرعية، فهذا كله يقال فيه ضلالة، ولا يقال فيه إنها أقسام واجب وسنة إلى آخره، هذا هو الحق وهذا هو الصواب الذي ارتضاه جماعة من أهل العلم وقرروه وردوا على من خالف ذلك. وكذلك تأليف الكتب وتنظيم الأدلة للرد على الملحدين والخصوم، لا يسمى بدعة، بل هذا مما أمر الله به ورسوله، فهو طاعة لله وليست بدعة، فالكتاب العزيز جاء بالرد على خصوم الإسلام وأعدائه في آيات عظيمات، وجاءت السنة بذلك في الرد على خصوم الإسلام، وهكذا المسلمون من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، اعتنوا بالرد على خصوم الإسلام بما ظهر لهم من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأوضحوا الأدلة ونوعوها، وكل هذا لا يسمى بدعة في الشرع، بل هو قيام بالواجب وجهاد في سبيل الله، وليس ببدعة في حكم الشرع، وهكذا بناء المدارس والربط والقناطر وغير هذا مما ينفع المسلمين لا يسمى بدعة من حيث الشرع، فهو أمر مأمور به; لأن الشرع أمر

стр. 402

بالتعليم، والمدارس تعين على التعليم. وكذلك ما يتعلق بالربط للفقراء; فالشرع أمر بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، فإذا بني لهم مساكن وسميت بالربط فهذا مما أمر الله به، وكذلك القناطر على الأنهار، كل هذا مما ينفع المسلمين وليس ببدعة بل هو مشروع، وتسميته بدعة يكون من جنس ما تقدم من حيث اللغة العربية، كما قال عمر ﵁ في التراويح لما جمع الناس على إمام واحد ليصلي بهم التراويح كل ليلة، قال: «نعمت البدعة هذه» (١) يعني من حيث اللغة، وإلا فالتراويح سنة مؤكدة فعلها النبي ﷺ ، وحث عليها ورغب فيها، فليست بدعة بل هي سنة، ولكن سماها عمر بدعة من حيث اللغة لأنها فعلت على غير مثال سابق لأنهم في عهد النبي ﷺ كانوا يصلون أوزاعا في المسجد ليسوا على إمام واحد، هذا يصلي معه اثنان، وهذا يصلي ومعه ثلاثة، وهذا يصلي ومعه أكثر، وصلى بهم النبي ﷺ ثلاث ليال ثم ترك، وقال: «إني أخشى أن تفرض عليكم صلاة الليل» (٢) فتركها خوفا على أمته أن تفرض عليهم. فالحاصل أن قيام رمضان سنة مؤكدة، وليست بدعة من حيث الشرع، وإن سماها عمر ﵁ بدعة من ناحية اللغة. والخلاصة أن الصواب أن كل ما أحدثه الناس في الدين مما لم يشرعه الله فإنه يسمى بدعة، وهي بدعة ضلالة ولا يجوز فعلها. ولا يجوز تقسيم البدع إلى واجب، وإلى سنة، وإلى مباح، إلى آخره، فهذا خلاف القاعدة التي بينها النبي ﷺ ، وفي هذا خطر عظيم، كأن القائل يرد على النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ يقول: «كل بدعة ضلالة» (٣)

стр. 403

وهذا يقول: لا، بل هي أقسام، فهذا خطر عظيم وسوء أدب مع الرسول ﷺ ، فالواجب على أهل العلم أن يتأدبوا مع رسول الله ﷺ ، وأن يحذروا الشيء الذي قد يخدش في حق من فعل ما يخالف السنة، وإن كان العلماء رحمة الله عليهم الذين قالوا ذلك لم يقصدوا الرد على الرسول ﷺ -حماهم الله من ذلك- ولكن قد يحتج بذلك عليهم من يظن بهم السوء من أعداء الله، وقد يظن ذلك بعض الجهلة، فالحاصل أن التقسيم إلى بدعة مستحبة وواجبة إلى آخره ليس هو الصواب، بل الصواب خلافه.

стр. 404

حكم الصلاة خلف إمام مبتدع س١٤٦: سائل يقول: في حينا مسجد بناه جماعة من الصوفية بعد أن أردنا نحن أهل السنة بناءه، ولكنهم أصروا على بنائه وفعلوا، وهو الآن تحت إدارتهم وتصرفهم، ويقومون فيه بأشعار ومدائح. فهل يجوز لنا نحن السنيين أن نصلي فيه معهم خلف إمامهم المبتدع؟ أم ماذا نفعل؟ الجواب: إذا كان إمامهم ليس بكافر وإنما عنده بعض البدع التي لا تخرجه من الإسلام فلا مانع من الصلاة معهم، ونصيحتهم، وتوجيههم، وإرشادهم، بالدعوة إلى الله بعد الصلوات، وفي حلقات العلم بالمسجد، حتى يستفيدوا ويدعوا ما عندهم من البدع إن شاء الله; لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى ومن باب التناصح. أما إن كان إمامهم يتعاطى ما يوجب كفره كالذي يستغيث بالرسول ﷺ ، أو يدعوه من دون الله، أو يستغيث بالأموات وينذر لهم ويذبح

стр. 405

لهم، فهذا كفر وضلال، وهذه أمور كفرية، فلا يصلى خلفه، لأن هذه الأمور من أمور الكفر بالله والشرك بالله . وهكذا إذا كان إمامهم يعتقد اعتقادات كفرية، كأن يعتقد أن غير الله يتصرف في الكون كمن يعتقد ذلك في الأولياء، وأنهم يديرون هذا العالم، كما يعتقده بعض الصوفية، أو يعتقد ما يعتقده أصحاب وحدة الوجود، من أن الخالق والمخلوق واحد، وأن الخالق هو المخلوق والعبد هو المعبود، ونحو ذلك من المقالات الخبيثة الملحدة، فهذا كافر ولا يصلى خلفه. أما إن كانت بدعته دون الكفر فإن هذا يصلى خلفه، مثل بدعة المولد إذا لم يكن فيها كفر، ومثل بعض البدع الأخرى التي يفعلها الصوفية وليست بكفر، بل دون الكفر فلا تمنع من الصلاة خلفه، ولكن ينبغي التماس من هو خير منه من أهل السنة حسب الطاقة. وأما الأشعار التي يأتي بها فينظر فيها، فإذا كان فيها أشعار كفرية مثل أشعار صاحب البردة في قوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فهذه أشعار كفرية، وهذا اعتقاد ضال، فإذا كان أصحاب المسجد يعتقدون مثل هذه الأمور فلا يصلى خلف إمامهم، لأن الاعتقاد بأن الرسول ﷺ يعلم الغيب، أو أنه يملك الدنيا والآخرة من أعظم الكفر والضلال والعياذ بالله; لأن الغيب لا يعلمه إلا الله ،

стр. 406

وهكذا اعتقاد بعض الصوفية وبعض الوثنية أن الرسول ﷺ ينقذ الناس يوم القيامة، وينقذ من دعاه يوم القيامة، ويخرجهم من النار هذا كله كفر وضلال، إنما الأمور بيد الله ، هو الذي ينجي من النار، وهو الذي يعلم الغيب، وهو المالك لكل شيء، وهو المدبر للأمور . والرسول ﷺ ليس بيده إخراج الناس من النار، بل يشفع، ويحد الله له حدا في الشفاعة ﵊، ولا يشفع إلا لأهل التوحيد والإيمان، كما سأله أبو هريرة ﵁، قال: «يا رسول الله من أحق الناس بشفاعتك؟ قال من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو قال خالصا من نفسه» (١) وقال ﵊: «إني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا» (٢) فشفاعته لأهل التوحيد والإيمان، لا لأهل الكفر بالله . فالحاصل أن الإمام إذا كان عنده شيء من الكفر فهذا لا يصلى خلفه، أما إذا كانت بدعته دون الكفر فلا مانع من الصلاة خلفه، ولكن إذا وجد مسجد آخر فيه أهل السنة فالصلاة خلفهم أولى وأحسن وأبعد عن الشر، ولكن مع ذلك ينبغي لأهل السنة أن يتصلوا بأهل البدع للنصيحة والتوجيه والتعليم والتفقيه، والتعاون على البر والتقوى; لأن بعض أهل البدع قد يكون جاهلا وليس عنده تعصب فلو علم الحق لأخذ به، وترك بدعته. فينبغي لأهل السنة ألا يدعوا أهل البدع، بل عليهم أن يتصلوا بهم،

стр. 407

وينصحوهم، ويوجهوهم، ويعلموهم السنة، ويحذروهم من البدعة؛ لأن هذا هو الواجب على أهل العلم والإيمان، كما قال الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) [النحل: ١٢٥] ، وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) [فصلت: ٣٣] . نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

стр. 408

الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ، والبدعة الحسنة س١٤٧: يقول السائل: بالنسبة للاحتفال بمولد الرسول ﷺ في شهر ربيع الأول من كل عام، أنا أعرف أنه بدعة، ولكنني سمعت من يقول بأن هناك بدعة حسنة أو بدعة مستحبة، وهناك من يعملونه في كل عام هجري في شهر ربيع الأول. فأرجو إيضاح ذلك، بارك الله فيكم؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الاحتفال بالمولد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم أمر قد كثر فيه الكلام، وكتبنا فيه كتابات متعددة، ونشرت في الصحف مرات كثيرة، ووزعت مرات كثيرة، وكتب فيه غيري من أهل العلم كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم، وبين أولئك العلماء أنه بدعة، وأن وجوده من بعض الناس

стр. 409

لا يبرر كونه سنة، ولا يدل على جوازه ومشروعيته. وقد نص على ذلك أيضا الشاطبي ﵀ في كتابه الاعتصام، وكتب في هذا أيضا شيخنا العلامة الكبير محمد بن إبراهيم ﵀ كتابة وافية، وليس في هذا والحمد لله شك عند من عرف الأصول وعرف القاعدة الشرعية في كمال الشريعة والتحذير من البدع، وإنما يشكل هذا على بعض الناس الذين لم يحققوا الأصول، ولم يدرسوا طريقة السلف الصالح دراسة وافية كافية، بل اغتروا بمن فعل المولد من بعض الناس فقلدوه، أو اغتروا بمن قال: إن في الإسلام بدعة حسنة. والصواب في هذا المقام أن الاحتفال بالموالد كله بدعة، بمولده ﵊ وبمولد غيره، كمولد البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهما، لم يفعله السلف الصالح، ولم يفعل النبي ﷺ احتفالا بمولده، وهو المعلم المرشد ﵊، وقد بلغ البلاغ المبين، ونصح الأمة وما ترك سبيلا يقرب من الله ويدني من رحمته إلا بينه للأمة وأرشدهم إليه، وما ترك سبيلا يباعد من رحمة الله ويدني من النار إلا بينه للأمة وحذرهم منه، فقد قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) [المائدة: ٣] . وقد أقام ﵊ في مكة ثلاث عشرة سنة، وفي المدينة عشر سنين ولم يحتفل بهذا المولد، ولم يقل للأمة افعلوا ذلك، ثم صحابته رضي الله عن هم وأرضاهم لم يفعلوا ذلك، لا الخلفاء الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة، ثم التابعون لهم بإحسان من

стр. 410

التابعين وأتباع التابعين من القرون المفضلة كلهم على هذا السبيل، لم يفعلوا شيئا من هذا; لا قولا ولا عملا. ثم أتى بعض الناس في القرن الرابع ممن ينسب إلى البدعة من الشيعة الفاطميين المعروفين، حكام مصر والمغرب فأحدثوا هذه البدعة، ثم تابعهم غيرهم من بعض أهل السنة جهلا بالحق، وتقليدا لمن سار في هذا الطريق، أو أخذا بشبهات لا توصل إلى الحق. فالواجب على المؤمن أن يأخذ الحق بدليله، وأن يتحرى ما جاءت به السنة والكتاب حتى يكون حكمه على بينة وعلى بصيرة، وحتى يكون سيره على منهج قويم. والله يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) [الشورى: ١٠] ، ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) [النساء: ٥٩] . وإذا نظرنا فيما يفعله الناس من الاحتفالات ورددناها إلى القرآن العظيم لم نجد فيه ما يدل عليها، وإذا رددناه إلى السنة لم نجد فيها ما يدل على ذلك لا فعلا ولا قولا ولا تقريرا، فعلم بذلك أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة بلا شك يجب تركها ولا يجوز فعلها، ومن فعل ذلك من الناس فهو بين أمرين إما جاهل لم يعرف الحق فيعلم ويرشد، وإما متعصب لهوى وغرض، فيدعى للصواب ويدعى له بالهداية والتوفيق، وليس واحد منهما حجة; لا الجاهل ولا المتعصب، وإنما الحجة فيما قاله الله ورسوله لا في قول غيرهما.

стр. 411

ثم القول بأن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة وإلى محرمة وواجبة ; قول بلا دليل، وقد رد ذلك أهل العلم واليقين وبينوا خطأ هذا التقسيم، واحتجوا على هذا بقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) يعني: فهو مردود (متفق على صحته) ، وروى مسلم ﵀ في صحيحه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) يعني: فهو مردود. وفي الصحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه كان يقول في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (٣) ، ولم يقل البدعة فيها كذا وكذا; بل قال: «كل بدعة ضلالة،» (٤) وقد وعظ أصحابه فقال: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» والبدعة شرعا إنما تكون في أمور الدين والتقرب إلى الله سبحانه، لا في أمور الدنيا، أما أمور الدنيا مثل المآكل والمشارب فللناس أن يحدثوا بمآكلهم وطعامهم وشرابهم صناعات خاصة، يصنعون الخبز على طريقة والأرز على طريقة، وأنواعا أخرى على طريقة، لهم أن يتنوعوا في طعامهم، وليس في هذا حرج. وإنما الكلام في القربات والعبادات التي يتقرب بها إلى الله، هذا هو محل التبديع، وكذلك الصناعات، وآلات الحرب للناس أن يحدثوا أشياء يستعينون بها في الحرب، من القنابل والمدافع وغير ذلك، وللناس أن يحدثوا المراكب والطائرات والسفن الفضائية والقطارات،

стр. 412

ليس في هذا شيء، إنما الكلام فيما يتقرب به إلى الله، ويعده الناس قربة وطاعة يرجون ثوابها عند الله. هذا هو محل النظر، فما لم يفعله الرسول ﷺ هو ولا أصحابه، ولم يدل عليه ﷺ ، ولم يرشد إليه، بل أحدثه الناس وأدخلوه في دين الله فهو بدعة; شاء فلان أم غضب فلان، فالحق أحق بالاتباع. ومن هذا الباب ما أحدثه الناس من بناء المساجد على القبور واتخاذ القباب عليها، فهذه من البدع التي وقع بها شر كثير، حتى وقع الشرك الأكبر وعبدت القبور من دون الله; بأسباب هذه البدع، فيجب على المؤمن أن ينتبه لما شرعه الله فيأخذ به، وعليه أن ينتبه لما ابتدعه الناس فيحذره; وإن عظمه المشار إليهم من أهل الجهل، أو التقليد الأعمى، والتعصب. فلا عبرة عند الله بأهل التقليد الأعمى، ولا بأهل التعصب، ولا بأهل الجهل، وإنما الميزان عند الله لمن أخذ بالدليل واحتج بالدليل، وأراد الحق بدليله، هذا هو الذي يعتبر في الميزان، ويرجع إلى قوله، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

стр. 413

حكم الاحتفال بالمولد النبوي س١٤٨: يقول السائل: ما حكم المولد النبوي؟ وما حكم الذي يحضره؟ وهل يعذب فاعله إذا مات وهو على هذه الصورة؟ الجواب: المولد لم يرد في الشرع ما يدل على الاحتفال به; لا مولد النبي ﷺ ولا غيره، فالذي نعلم من الشرع المطهر وقرره المحققون من

стр. 414

أهل العلم أن الاحتفالات بالموالد بدعة لا شك في ذلك؛ لأن الرسول ﷺ وهو أنصح الناس وأعلمهم بشرع الله، والمبلغ عن الله لم يحتفل بمولده ﷺ ولا أصحابه، لا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم، فلو كان حقا وخيرا وسنة لبادروا إليه ولما تركه النبي ﷺ ولعلمه أمته أو فعله بنفسه ولفعله أصحابه، وخلفاؤه ﵃، فلما تركوا ذلك علمنا يقينا أنه ليس من الشرع، وهكذا القرون المفضلة لم تفعل ذلك، فاتضح بذلك أنه بدعة، وقد قال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) وقال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) في أحاديث أخرى تدل على ذلك. وبهذا يعلم أن الاحتفالات بالمولد النبوي في ربيع الأول أو في غيره، وكذا الاحتفالات بالموالد الأخرى كالبدوي والحسين وغير ذلك; كلها من البدع المنكرة، التي يجب على أهل الإسلام تركها، وقد عوضهم الله بعيدين عظيمين: عيد الفطر وعيد الأضحى ففيهما الكفاية عن إحداث أعياد واحتفالات منكرة مبتدعة. وليس حب النبي ﷺ يكون بالموالد وإقامتها، وإنما حبه ﷺ يقتضي اتباعه والتمسك بشريعته، والذب عنها، والدعوة إليها، والاستقامة عليها، هذا هو الحب الصادق كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) [آل عمران: ٣١] ، فحب الله ورسوله ليس بالموالد ولا بالبدع. ولكن حب الله ورسوله يكون بطاعة الله ورسوله وبالاستقامة على شريعة الله، وبالجهاد في سبيل الله، وبالدعوة إلى سنة الرسول ﷺ

стр. 415

وتعظيمها والذب عنها، والإنكار على من خالفها، هكذا يكون حب الله سبحانه وحب الرسول ﷺ ويكون بالتأسي به; بأقواله وأعماله، والسير على منهاجه ﵊، والدعوة إلى ذلك، هذا هو الحب الصادق الذي يدل عليه العمل الشرعي، والعمل الموافق لشرعه. وأما كونه يعذب أو لا يعذب هذا شيء آخر، هذا إلى الله جل وعلا، فالبدع والمعاصي من أسباب العذاب، لكن قد يعذب الإنسان بسبب معصيته وقد يعفو الله عنه; إما لجهله، وإما لأنه قلد من فعل ذلك ظنا منه أنه مصيب، أو لأعمال صالحة قدمها صارت سببا لعفو الله أو لشفاعة الشفعاء من الأنبياء والمؤمنين أو الأفراط. فالحاصل أن المعاصي والبدع من أسباب العذاب، وصاحبها تحت مشيئة الله جل وعلا إذا لم تكن بدعته مكفرة، أما إذا كانت بدعته مكفرة من الشرك الأكبر فصاحبها مخلد في النار -والعياذ بالله-، لكن هذه البدعة إذا لم يكن فيها شرك أكبر وإنما هي صلوات مبتدعة، واحتفالات مبتدعة، ليس فيها شرك، فهذه تحت مشيئة الله كالمعاصي، لقول الله سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [النساء: ٤٨] وأما الأشخاص الذين يجعلون لأنفسهم عيدا لميلادهم فعملهم منكر وبدعة كما تقدم، وهكذا إحداث أعياد لأمهاتهم أو لآبائهم أو مشايخهم كله بدعة يجب تركه والحذر منه. وأما ما أحدثه الفاطميون المعروفون، فإن ذلك كان في مصر

стр. 416

والمغرب في القرن الرابع والخامس. وقد أحدثوا موالد للرسول ﷺ ، وللحسن والحسين، وللسيدة فاطمة، ولحاكمهم، ثم وقع بعد ذلك الاحتفال بالموالد بعدهم من الشيعة وغيرهم، وهي بدعة بلا شك؛ لأن الرسول ﷺ هو المعلم المرشد، وأصحابه أفضل الناس بعد الأنبياء، وقد بلغ البلاغ المبين، ولم يحتفل بمولده ﵊، ولا أرشد إلى ذلك، ولا احتفل به أصحابه أفضل الناس، وأحب الناس للنبي ﷺ ، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة الثلاثة. فعلم أنه بدعة، ووسيلة إلى الشرك والغلو في الأنبياء وفي الصالحين، فإنهم قد يعظمونهم بالغلو والمدائح التي فيها الشرك بالله، الشرك الأكبر، كوصفهم لهم بأنهم يعلمون الغيب، أو أنهم يدعون من دون الله، أو يستغاث بهم، وما أشبه ذلك، فيقعون في هذا الاحتفال في أنواع من الشرك وهم لا يشعرون، أو قد يشعرون. فالواجب ترك ذلك، وليس الاحتفالات بالمولد دليلا على حب المحتفلين بالنبي ﷺ وعلى اتباعهم له، وإنما الدليل والبرهان على ذلك هو اتباعهم لما جاء به النبي ﵊، هذا هو الدليل على حب الله ورسوله الحب الصادق، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) [آل عمران: ٣١] . فمن كان يحب الله ورسوله فعليه باتباع الحق، بأداء أوامر الله، وترك محارم الله، والوقوف عند حدود الله، والمسارعة إلى مراضي الله، والحذر من كل ما يغضب الله ، هذا هو الدليل، وهذا

стр. 417

هو البرهان، وهذا هو ما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان. أما الاحتفال بالموالد للنبي ﷺ ، أو للشيخ عبد القادر الجيلاني، أو للبدوي، أو لفلان وفلان، فكله بدعة وكله منكر يجب تركه؛ لأن الخير في اتباع الرسول ﷺ واتباع أصحابه والسلف الصالح، والشر في الابتداع والاختراع ومخالفة ما عليه السلف الصالح، هذا هو الذي يجب وهذا هو الذي نفتي به، وهذا هو الحق الذي عليه سلف الأمة ولا عبرة لمن خالف ذلك وتأول ذلك، فإنما هدم الدين في كثير من البلدان، والتبس أمره على الناس بسبب التأويل والتساهل، وإظهار البدع، وإماتة السنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان.

стр. 418

حكم عمل مولد عند ضريح أحد المشايخ س١٤٩: يقول السائل: فضيلة الشيخ: عندنا في القرية شيخ له ضريح، ويعمل له الناس مولدا كل عام، ويجمعون بعض المال من المواطنين، وأنا ممن يؤخذ منهم المال وأنا غير مقتنع، ولما عارضت قالوا لي: إن هذا ليس بحرام، ونحن نشتري بهذا المال ذبائح للناس الذين يحضرون المولد من البلدة وغيرها، فما الحكم في ذلك؟ الجواب: هذا بدعة ومنكر، لا يجوز اتخاذ موالد لا للعالم، ولا لشيخ القبيلة، ولا لكبير الحارة، ولا لغيرهم، الموالد بدعة، وهكذا الاحتفال بالمولد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام بدعة ليس لها أصل، وهكذا الاحتفال بموالد الأنبياء أو الصالحين أو العلماء، كله

стр. 419

لا أصل له. وقد كان النبي ﷺ بين أصحابه في المدينة عشر سنين ولم يحتفل بمولده ﷺ ، ولم يأمر بذلك، ولم يفعله أصحابه ﵃ وأرضاهم، وهكذا خلفاؤه الراشدون; الصديق وعمر وعثمان وعلي لم يحتفلوا به، وهكذا بقية الصحابة لم يحتفلوا به، وهكذا من بعدهم في القرون المفضلة في القرن الأول والثاني والثالث لم يحتفلوا بذلك، فالواجب على المسلمين أن يدعوا هذا، وإنما المهم أن يحافظوا على طاعته ﷺ واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه، والمسارعة إلى ما أمر به، وترك ما نهى عنه ﵊، وأما الشيوخ والعلماء فمن باب أولى ألا يجوز اتخاذ موالد لهم. وهذا الضريح الذي عندكم لا يحتفل بصاحبه لا بمولد ولا بغيره، ولكن إذا كان طيبا يدعى له بالمغفرة إذا كان مسلما، ويدعى له بالرحمة ويزار الزيارة الشرعية، يمر على قبره ويدعى له: السلام عليك يا فلان غفر الله لك، ورحمنا الله وإياك، وهذا يكفي، أما أن يدعى من دون الله ويستغاث به أو يتمسح بقبره أو يطاف به، فهذا منكر عظيم، لا يطاف بقبره، ولا يدعى من دون الله، ولا يقال: يا سيدي فلان انصرني، أو أنا في حسبك، أو بجوارك، أو اشفع لي، أو اشف مريضي، كل هذا منكر لا يجوز، بل هو من المحرمات الشركية. وهكذا لا يطاف بالقبر ولا يتمسح بالتراب ولا بالنصائب كل هذا من المنكرات العظيمة ومن التبرك المنكر، بل طلب البركة من القبور شرك أكبر نسأل الله العافية.

стр. 420

فالواجب على أهل القرية أن يحذروا ما حرمه الله عليهم، وأن يدعوا هذا الاحتفال وألا يأخذوا أموال الناس بالباطل، وأن يدعوا لهذا الميت إذا كان مسلما بالمغفرة والرحمة، وهذا يكفي، والحمد لله.

стр. 421

حكم الذكر بقول: هو. هو، أو: الله. الله س١٥٠: سائلة تقول: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية، يجتمعون كل يوم جمعة ويوم اثنين، ويذكرون الله بهذا الذكر: لا إله إلا الله، ويقولون في النهاية: الله. الله. بصوت عال، فما حكم الشرع في عملهم هذا؟ الجواب: الطريقة التيجانية طريقة مبتدعة، وطريقة باطلة، وفيها أنواع من الكفر لا يجوز اتباعها، بل يجب تركها، وننصح المعتنقين لها بأن يدعوها ويلتزموا بطريقة الرسول ﷺ وهي الطريقة التي درج عليها أصحاب النبي ﷺ وتلقوها عن نبيهم محمد ﷺ ورضي الله عنهم، وتلقاها عنهم أئمة الإسلام كذلك، كالإمام مالك، والشافعي، والإمام أبي حنيفة، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، والثوري وغيرهم من أهل العلم تلقوها ودرجوا عليها ودرج عليها أهل السنة والجماعة، وهي توحيد الله وعبادته، وإقامة الصلاة، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وطاعة الأوامر التي جاء بها المصطفى ﷺ ، وترك النواهي، وهذه هي الطريقة التي جاء بها الرسول ﷺ . أما الطرق الصوفية فالواجب تركها إلا ما كان فيها من الأشياء التي توافق الشرع فإنه يؤخذ بها لأنها جاء بها الشرع، وأما الشيء الذي

стр. 422

أحدثه الصوفية فيترك، ومن ذلك اجتماعهم على: الله الله، أو: هو. هو، فهذا كله بدعة لا أصل له في الشرع المطهر، فإن المشروع أن يقال: لا إله إلا الله، أو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أما تقطيعها: هو. هو، أو: الله. الله. فهذا بدعة لا أصل لها. أنصحك أيتها السائلة بألا تحضريهم، وألا تكوني منهم، وأن تلتزمي الطريقة المحمدية التي جاءت عن رسول الله ﷺ ، وهي الذكر المعروف كسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، في البيت، وفي المسجد، وفي الطريق، وفي المطبخ، وفي أي مكان، يذكر الإنسان الله على عمله، يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. وهكذا وليس لها حد محدود، بل هكذا كما جاء عن الرسول ﷺ ، ولا يقل: الله. الله، أو: هو. هو أو يجتمعون على رقص وضرب للطبول، فإن كل هذا منكر.

стр. 423

الذكر بقول: هو. هو ... وغيره س١٥١: يقول السائل: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية يجتمعون كل يوم الجمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر: لا إله إلا الله، ويقولون في النهاية: الله. الله بصوت عال فما حكم عملهم هذا؟

стр. 424

الجواب: هذه العقيدة التيجانية من العقائد المبتدعة والطرق المنكرة، وفيها منكرات كثيرة، وبدع كثيرة، ومحرمات شركية يجب تركها، ولا يؤخذ منها إلا ما وافق الشرع المطهر الذي جاء به نبينا محمد ﵊. والاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: الله. الله، أو: هو. هو، إنما الذكر الشرعي أن يقول: لا إله إلا الله فهذا هو الذكر الشرعي، أو سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أستغفر الله، اللهم اغفر لي، أما الاجتماع بصوت واحد: لا إله إلا الله أو: الله. الله، أو: هو. هو; فهذا لا أصل له، بل هو من البدع المحدثة. فالواجب على المسلمين ترك البدع، لأن الرسول ﵊ يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) يعني فهو مردود ويقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) . ويقول أيضا ﵊: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» ، وكان يخطب في الجمعة ﷺ فيقول: «أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (٣) . فالواجب على المسلمين أن يحذروا البدع كلها سواء كانت تيجانية أو غيرها، وأن يلتزموا بما شرعه الله على لسان نبيه ورسوله محمد ﵊، هذا هو الواجب على المسلمين، كما قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) [الحشر: ٧] ،

стр. 425

وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) [النساء: ٥٩] ، وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) [الشورى: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) [النور: ٥٦] . فالواجب على أهل الإسلام من الرجال والنساء طاعة الله ورسوله والحذر من البدع في الدين، بل الله كفانا ، وأتم لنا النعمة وأكمل لنا الدين، كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) [المائدة: ٣] ، فالإسلام الذي رضيه الله وأكمله لنا علينا أن نلتزم به وأن نستقيم عليه وأن نحافظ عليه، وألا نحدث في الدين ما لم يأذن به الله ونسأل الله للجميع الهداية.
следующие страницы →