← Фатава

Фатава · id 8380

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الطيار والموسى - قسم العقيدة

ابن باز

Полный текст (503 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أو بالتوحيد والإخلاص لله، وتقول: اللهم اغفر لي، لأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت؛ لأنك الواحد الأحد مستحق العبادة، أو تقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت،» (١) كما جاء الحديث الشريف بهذا السؤال، فلا بأس بهذا، فهذا وسيلة شرعية. أو تتوسل بأعمالك الطيبة فتقول: اللهم اغفر لي بإيماني بك ومحبتي لك، أو بإيماني بنبيك ومحبتي له ﷺ ، اللهم ارحمني بطاعتي لك واتباعي لشريعتك، اللهم ارحمني ببري بوالدي، اللهم ارحمني بعفتي عن الفواحش، اللهم ارحمني بأداء الأمانة ونصحي لله والعباد، وما أشبه ذلك. ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ : «أن ثلاثة آواهم المبيت إلى غار» (٢) وفي رواية أخرى: «آواهم المطر إلى غار في الجبل فدخلوا فيه، فانحدرت عليهم صخرة من أعلى الجبل فسدت الغار عليهم، وكانت صخرة عظيمة لا يستطيعون دفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فدعوا الله ، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهم أهلا ولا مالا (والغبوق اللبن الذي يشربه الناس بعد العشاء، وكان هذا من عادة العرب سقي الضيوف والأهل اللبن في الليل) ، يقول: كنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا وإنه نأى بي طلب الشجر ذات ليلة فلم أرح عليهما إلا في آخر الليل، يعني إلا متأخرا فوجدهما نائمين، فوقف والقدح على يديه ينتظر استيقاظهما، فلم يستيقظا حتى برق الفجر.

стр. 457

قال: اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة بعض الشيء، ولكن لا يستطيعون أن يخرجوا. وقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإني أردتها على نفسها فأبت علي، ثم إنها ألمت بها سنة -أي: حاجة-، فجاءت إلي تطلب الرفد فقلت لها إلا أن تمكنيني من نفسك، فاتفق معها على مائة وعشرين دينارا فمكنته من نفسها، فلما جلس بين رجليها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام خائفا من الله وترك الذهب وترك الفاحشة، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة زيادة لكن لا يستطيعون الخروج. ثم قال الثالث: اللهم إنه كان لي أجراء فأعطيت لكل أجير حقه إلا واحدا ترك أجره، فثمرته له -أي: نميته له- حتى صار له إبل وبقر وغنم ورقيق، ثم جاء يطلب أجره فقلت له: كل ما تراه من أجرك. فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت له: إني لا أستهزئ بك، كله من أجرك فاستاقه كله، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا» (١) بأسباب هذه الدعوات وهذه الأعمال الصالحة. فالدعاء بهذا وأشباهه دعاء طيب ولا بأس به، ووسيلة صالحة، أما الدعاء بحق فلان أو بجاه فلان أو بركة فلان، أو حرمة فلان، فهذا لا أصل له، ولم تأت به السنة، فالواجب تركه، وهو ليس من الشرك ولكنه من البدع، فالواجب ترك هذا، وهو الصواب الذي عليه جمهور أهل

стр. 458

العلم. والله المستعان.

стр. 459

حكم التوسل بجاه النبي ﷺ في الدعاء س١٦٣: إذا دعونا الله ، وتضرعنا له بالدعاء، وذكرنا في الدعاء أن يستجيب لنا بجاه نبينا محمد ﷺ ، وذلك كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ عندما أصاب الجزيرة العربية قحط، فإنه دعا الله بجاه عم محمد ﷺ العباس أن يفرج عن الأمة، فهل هذا جائز أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله. الجواب: التوسل بجاه النبي ﷺ ليس بمشروع، وإنما المشروع التوسل بأسماء الله وصفاته، كما قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) [الأعراف: ١٨٠] يعني يسأل الله بأسمائه كأن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم، بأنك الجواد الكريم، اغفر لي، ارحمني، اهدني سواء السبيل وغير ذلك. لأن الدعاء عبادة وقربة عظيمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) [غافر: ٦٠] ، وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٦] . ويقول النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (٤) ، ويقول ﷺ : «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن تعجل له دعوته في الدنيا وإما أن تدخر له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال: الله أكثر» (٥) .

стр. 460

فالمسلم إذا دعا وتضرع إلى الله فهو على خير عظيم; مأجور ومثاب، وقد تعجل دعوته وقد تؤجل لحكمة بالغة، وقد يصرف عنه من الشر ما هو أعظم من المسألة التي سأل. لكن لا يتوسل إلى الله إلا بما شرع; من أسمائه وصفاته، أو بتوحيده سبحانه، كما في الحديث: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد» (١) أو بأعمالك الصالحة، فتقول: يا ربي أسألك بإيماني بك وإيماني بنبيك محمد ﵊، اللهم إني أسألك بحبي لك، أو بحبي لنبيك محمد ﵊، أو اللهم إني أسألك ببري بوالدي، أو عفتي عما حرمت علي يا رب أو ما أشبه ذلك. فتسأله بأعمالك الصالحة التي يحبها وشرعها . ولهذا لما دخل ثلاثة فيمن قبلنا غارا للمبيت فيه، وفي رواية أخرى بسبب المطر; يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنها انحدرت عليهم صخرة من أعلى جبل سدت عليهم الغار لا يستطيعون دفعها فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذه المصيبة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فدعوا الله . فتوسل أحدهم بأنه كان بارا بوالديه، ودعا ربه أن يفرج عنهم الصخرة بسبب بره بوالديه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء. ثم قال الثاني: إنه كان له ابنة عم يحبها كثيرا، وإنه أرادها عن نفسها فلم تجب، ولما ألمت بها حاجة شديدة، وجاءت إليه تطلب العون، فقال لها: إلا أن تمكنه من نفسها، فوافقت على ذلك بسبب حاجتها على

стр. 461

أن يعطيها مائة وعشرين دينارا، فلما جلس بين رجليها، قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف من الله وقام وترك الفاحشة، وترك الذهب لها، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، لكن لا يستطيعون الخروج. ثم توسل الآخر بأداء الأمانة، وأنه كان عنده أمانه لبعض الأجراء فنماها، وثمرها حتى اشترى منها إبلا وبقرا وغنما ورقيقا، وكانت آصعا من أرز أو من ذرة، ثم جاء الأجير يسأله حقه، فقال له: كل هذا من حقك، كل الذي ترى من حقك من إبل وغنم وبقر ورقيق، فقال له الأجير: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقال: إني لا أسخر بك. هو مالك، فأخذه كله، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فقال النبي ﷺ : فانفرجت عنهم الصخرة وخرجوا» (١) ، هذا بأسباب إيمانهم بالله وتوسلهم إليه بأعمالهم الصالحة. فالوسيلة الشرعية هي التوسل بأسماء الله وصفاته، أو بتوحيده والإخلاص له، أو بالأعمال الصالحات. هذه الوسيلة الشرعية التي جاءت بها النصوص. أما التوسل بجاه فلان، أو بحق فلان، فهذا لم يأت به الشرع، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أنه غير مشروع فالواجب تركه، وأن يتوسل الإنسان بالوسائل الشرعية التي هي أسماء الله وصفاته، أو بتوحيده، أو بالأعمال الصالحات، هذه هي الوسائل الشرعية التي جاءت بها النصوص.

стр. 462

وأما ما فعله عمر ﵁، فهو لم يتوسل بجاه العباس، وإنما توسل بدعائه، قال ﵁ لما خطب الناس يوم الاستسقاء، لما أصابتهم المجاعة والجدب الشديد والقحط صلى بالناس صلاة الاستسقاء، وخطب الناس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. وهكذا كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ في حياته يقولون: ادع لنا، فيقوم ويدعو لهم، ويخطب الناس يوم الجمعة ويدعو ويقول: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا» (١) وهكذا في صلاة الاستسقاء يتوسل بدعاء النبي ﷺ إلى ربه ، وسؤاله الغوث. وهكذا قال للعباس: يا عباس قم فادع ربنا، فقام العباس ودعا ورفع يديه ودعا الناس وأمنوا، فسقاهم الله على دعائهم، فهو توسل بعم النبي ﷺ ; بدعائه، واستغاثته ربه ، وسؤاله بفضل العباس وقربه من رسول الله ﷺ ، فهو عم رسول الله ﷺ ، وهو من أفضل الصحابة، ومن خير الصحابة رضي الله عن الجميع. فإذا توسل المسلمون بالصالحين من الحاضرين عندهم، بدعائهم -كأن يقول الإمام أو ولي الأمر: يا فلان قم ادع الله-، من العلماء الطيبين، أو الأخيار الصالحين، أو من أهل بيت النبي الطيبين، وقالوا في الاستسقاء يا فلان قم فادع الله لنا، كما قال عمر للعباس، هذا كله طيب. أما التوسل بجاه فلان فهذا لا أصل له، ويجب تركه، وهو من البدع المنكرة. والله جل وعلا أعلم.

стр. 463

حكم من يتوسل بجاه النبي ﷺ س:١٦٤: يقول السائل: فضيلة الشيخ، ما هو حكم المسلم الذي يقيم الفرائض ويتوسل بجاه النبي الكريم ﷺ ؟ وهل يجوز رميه بالشرك أفيدوني أفادكم الله؟ الجواب: المسلم الذي يوحد الله، ويدعوه وحده ويؤمن بأنه الإله الحق، ويعتقد معنى لا إله إلا الله، وأن معناها لا معبود حق إلا الله، ويؤمن بمحمد ﷺ وأنه رسول الله حقا أرسله الله إلى العالمين من الجن والإنس، هذا يقال له مسلم لأنه أتى بالشهادتين، ووحد الله وحده، وصدق الرسول ﷺ فإنه يكون مسلما. فإذا أتى شيئا من المعاصي فإن هذا يكون قدحا في الإيمان ونقصا في الإيمان، كالزنا والسرقة والربا، إذا لم يعتقد حل ذلك ولكن أطاع الهوى في فعل هذه المعاصي أو بعضها فهذا يكون نقصا في إيمانه وضعفا في إيمانه. أما إذا توسل بجاه النبي ﷺ وقال: اللهم إني أسألك يا رب بجاه محمد أو بحق محمد; فهذا بدعة عند جمهور أهل العلم، ونقص في الإيمان وضعف، ولا يكون مشركا ولا يكون كافرا بل هو مسلم، لكن يكون هذا نقصا في الإيمان وضعفا في الإيمان مثل بقية المعاصي والبدع التي لا تخرج من الدين؛ لأن الدعاء ووسائل الدعاء توقيفية، ولم يرد في الشرع ما يدل على أن التوسل بجاه النبي ﷺ من الوسائل الشرعية، بل هذا مما أحدثه الناس.

стр. 464

فالقول بالتوسل بجاه النبي ﷺ ، أو بجاه الأنبياء، أو بحق النبي، أو بحق الأنبياء، أو بجاه فلان أو بجاه علي، أو بجاه أهل البيت، كل هذا من البدع، والواجب ترك ذلك لكن ليس بشرك، وإنما هو من وسائل الشرك وليس بشرك، ولا يكون صاحبه مشركا، بل هو مسلم ولكن أتى ببدعة تنقص الإيمان وتضعف الإيمان عند جمهور أهل العلم، لأن الوسائل في الدعاء توقيفية، فالمسلم يتوسل بأسماء الله وصفاته، كما قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) [الأعراف: ١٨٠] . ويتوسل بالتوحيد والإيمان كما جاء في الحديث: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (٢) ، وهذا توسل بتوحيد الله. وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات، كما في حديث أصحاب الغار، الذين انطبقت عليهم صخرة لما دخلوا الغار من أجل المطر أو المبيت «فانطبقت عليهم صخرة فلم يستطيعوا دفعها فقال بعضهم لبعض إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فدعوا الله بصالح أعمالهم فتوسل أحدهم ببره بوالديه فانفرجت الصخرة بعض الشيء ثم توسل الآخر بعفته عن الزنا وأنه كانت له ابنة عم يحبها كثيرا، فأرادها لنفسه فأبت عليه، ثم إنه ألمت بها سنة، فجاءت إليه تطلب منه العون، فقال: إلا أن تمكنيني من نفسك، فوافقت على أن يعطيها مائة وعشرين دينارا من الذهب، فلما جلس بين رجليها، قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف من الله وقام عنها،

стр. 465

ولم يأت الفاحشة، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، ولكن لا يستطيعون الخروج. ثم توسل الثالث بأداء الأمانة، وأنه كان عنده آصع لبعض العمال تركها عنده فنماها، وعمل فيها حتى صارت مالا كثيرا من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فلما جاء صاحبها أداها إليه كاملة، فقال: يا رب إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت عنهم الصخرة وخرجوا» (١) . وهذا يدل على أن التوسل بالأعمال الصالحات من أسباب الإجابة. أما التوسل بجاه النبي ﷺ ، أو بجاه فلان، أو بجاه علي، أو بجاه عمر، أو بجاه أبي بكر الصديق، أو بجاه آل البيت، أو ما أشبه ذلك فهذا ليس له أصل، ولكن يتوسل بإيمانه، فيقول: اللهم إني أسألك بإيماني بك، وبمحبتي لك، وبمحبتي لنبيك ﵊ فهذا طيب وهذه وسيلة طيبة، أو يتوسل بالتوحيد: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، بأنك الواحد الأحد، كل هذا طيب، أو يتوسل إلى الله ببره بالوالدين، أو بالمحافظة على الصلوات أو بعفته عن الفواحش، كل هذه أعمال صالحة، هذا هو الذي قرره أهل العلم وأهل التحقيق وأهل البصيرة، أما التوسل بجاه فلان أو بحق فلان فهذا بدعة، والذي عليه جمهور أهل العلم أنه غير مشروع.

стр. 466

حكم التوسل بجاه الله وجاه الأنبياء والصحابة س١٦٥: يقول السائل: سمعني أحد المؤمنين وأنا في دعاء أطلب من الله بعد الصلاة، فقلت: اللهم بجاهك، وبجاه محمد، وبجاه الصحابة الكرام أطلب أن تغفر لي وترحمني، فأخبرني أن هذا الدعاء لا يجوز. أفيدوني عن صحة ذلك بارك الله فيكم. الجواب: التوسل بجاه الأنبياء، أو بجاه الصحابة، بدعة لا يجوز، أما بجاه الله معناه بعظمة الله فلا يضر، لكن بجاه النبي أو بجاه أصحاب النبي ﷺ ، أو بجاه الأنبياء، أو بجاه الصالحين، أو بحق الأنبياء، أو بحق الصالحين، هذا بدعة على الأصح عند جمهور أهل العلم وأجازه بعض أهل العلم، ولكنه قول ضعيف مرجوح، والصواب أنه لا يجوز. إنما التوسل يكون بأمور أخرى، فيكون بأسماء الله وصفاته ، كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) [الأعراف: ١٨٠] فتقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تغفر لي، وأن ترحمني، وأن تعتقني من النار، وأن ترزقني الذرية الصالحة، إلى غير ذلك، أو تقول: اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم، بأنك الرءوف الرحيم، بأنك السميع العليم، بأنك الجواد الكريم أن ترحمني وأن تغفر لي وأن تهب لي كذا وكذا، فهذا لا بأس به. وهكذا التوسل بتوحيد الله، والإيمان به، تقول اللهم إنني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، اللهم إني أسألك بأني أؤمن بك وأحبك وأخافك

стр. 467

وأرجوك أن تغفر لي وترحمني، اللهم إني أسألك بتوحيدك وإيماني بك. وهكذا بأعمالك الصالحة الأخرى بأن تقول: اللهم إنني أسألك بحبي لك ولنبيك، اللهم إني أسألك بابتعادي عما حرمت علي، بعفتي عن الزنا، بأدائي الأمانة، ببري بوالدي. فتسأل الله بأعمالك، كما جاء في قصة أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة، وهم ثلاثة وسدت الباب عليهم ولم يستطيعوا دفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم، فألهمهم الله هذا الخير، فدعوا الله بصالح أعمالهم; فتوسل أحدهم بأنه بار بوالديه، وأنه كان لا يغبق قبلهما أهلا ولا مالا، عندما يأتي بالحليب في الليل، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطعيون الخروج معه. ثم توسل الثاني بأنه كان يحب ابنة عمه حبا كثيرا، وأنها ألمت بها سنة، يعني حاجة، فجاءت تطلبه المساعدة، فأبى إلا أن تمكنه من نفسها، فمكنته من نفسها على مائة وعشرين دينارا من الذهب، فلما جلست بين رجليها قالت: يا عبد الله اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام خائفا من الله، وترك الفاحشة، وترك لها الذهب خوفا من الله ، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئا لكن لا يستطيعون الخروج. ثم توسل الثالث بأدائه الأمانة، فكان عنده أجراء فأعطاهم حقوقهم إلا واحدا، بقي حقه عنده فنماه له وثمره له، حتى صار منه إبل وغنم

стр. 468

وبقر ورقيق. فلما جاء الرجل صاحب الأجر يطلب حقه، قال له: كل هذا من حقك، كل ما ترى من الإبل والغنم والبقر والرقيق كله من حقك، فقال الرجل: اتق الله ولا تستهزئ بي، قال: إني لا أستهزئ بك. إن هذا كله من مالك ثمرته لك، فاستاقها كلها; استاق البقر والإبل والغنم والرقيق، ثم قال الرجل: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا. وهذا توسل بأعمالهم الطيبة الصالحة، فهذه هي الوسائل الشرعية. أما التوسل بجاه فلان، وبحق فلان، وبذات فلان، فهذا بدعة، ومن وسائل الشرك، والواجب ترك ذلك، هذا هو الصواب من قولي العلماء في ذلك. والله المستعان.

стр. 469

(٢٣) الولاء والبراء حكم مصاحبة الكافر س١٦٦: فضيلة الشيخ، سائل يقول: يسكن معي شخص مسيحي، وهو يقول لي: يا أخي، ونحن إخوة، ويأكل معنا ويشرب فهل يجوز هذا العمل أم لا؟ الجواب: الكافر ليس أخا للمسلم، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) [الحجرات: ١٠] ، ويقول ﷺ : «المسلم أخو المسلم» (٢) فليس الكافر -يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا أو مجوسيا أو شيوعيا أو غيرهم- ليس أخا للمسلم، ولا يجوز اتخاذه صاحبا وصديقا، لكن إذا أكل معكم بعض الأحيان من غير أن تتخذوه صاحبا وصديقا، وإنما يصادف أن يأكل معكم، أو في وليمة عامة فلا بأس. أما اتخاذه صاحبا وصديقا وجليسا وأكيلا فلا يجوز ; لأن الله قطع بيننا وبينهم المحبة والموالاة، فقال الله في كتابه العظيم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٣) [الممتحنة: ٤] ، وقال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٤) يعني يحبون ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (٥) [المجادلة: ٢٢] . فالواجب على المسلم البراءة من أهل الشرك وبغضهم في الله، ولكن لا يؤذيهم ولا يضرهم ولا يتعدى عليهم بغير حق، لكن

стр. 470

لا يتخذهم أصحابا ولا أخدانا، ومتى صادف أن أكل معهم في وليمة عامة أو طعام عارض من غير صحبة ولا ولاية ولا مودة فلا بأس.

стр. 471

علاقة المسلم بغير المسلمين والمشاركة في حفلات توديعهم س١٦٧: كيف يحدد المسلم علاقته بالآخرين من غير المسلمين من حيث المعاملة، ومن حيث الاشتراك في حفلات التوديع لبعض الزملاء غير المسلمين؟ الجواب: هذا أمر فيه تفصيل; فإن الكافر له حالات مع المسلم، غير حالته مع الكفار، وغير حالة المسلم مع إخوانه المسلمين، والمقصود أن المسلم لا يبدأ الكافر بالسلام، ولا مانع بل يجب أن يرد عليه إذا سلم، يقول: وعليكم. ولا مانع أن يسأله عن أولاده وعن حاله، فلا بأس في ذلك، ولا بأس أن يأكل معه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولا بأس أن يجيب دعوته كما أجاب النبي ﵊ دعوة اليهود وأكل من طعامهم إذا رأى المصلحة الشرعية في ذلك.

стр. 472

الواجب على المسلم تجاه غير المسلم س١٦٨: يسأل السائل فيقول: ما هو الواجب على المسلم تجاه غير المسلم سواء كان ذميا في بلاد المسلمين أو كان في بلاده والمسلم يسكن في بلاد ذلك الشخص غير المسلم. والواجب الذي أريد توضيحه هو المعاملات بكل أنواعها ابتداء

стр. 473

من إلقاء السلام وانتهاء بالاحتفال مع غير المسلم في أعياده؟ وهل يجوز اتخاذه صديق عمل فقط، أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب: إن واجب المسلم بالنسبة إلى غير المسلم أمور متعددة: أولا: الدعوة إلى الله أن يدعوه إلى الله ويبين له حقيقة الإسلام حيث أمكنه ذلك، وحيث كانت لديه البصيرة؛ لأن هذا أعظم إحسان وأكبر إحسان يهديه إلى مواطنه وإلى من اجتمع به من اليهود أو النصارى أو غيرهم من المشركين، لقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (١) وقوله ﵊ لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر وأمره أن يدعو اليهود إلى الإسلام قال: «والله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٢) وقال ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا» (٣) . فدعوته إلى الله وتبليغه الإسلام ونصيحته في ذلك، هذا من أهم المهمات ومن أفضل القربات. ثانيا: لا يظلمه، لا في نفس، ولا في مال، ولا في عرض، إذا كان ذميا أو مستأمنا أو معاهدا فإنه يؤدي إليه حقه، فلا يظلمه في ماله لا بالسرقة ولا بالخيانة ولا بالغش، ولا يظلمه في بدنه بالضرب ولا بالقتل، لأن كونه معاهدا أو ذميا في البلد أو مستأمنا هذا كله يعصمه. ثالثا: لا مانع من معاملته في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك، فقد صح عن رسول الله ﵊ أنه اشترى من الكفار عباد الأوثان واشترى من اليهود وهذه معاملة وتوفي ﵊ ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام لأهله ﵊.

стр. 474

رابعا: في السلام لا يبدؤه بالسلام، ولكن يرد، لقوله ﷺ : «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام» (١) وقال ﷺ : «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» (٢) فالمسلم لا يبدأ الكافر ولكن متى بدأ فسلم عليك اليهودي أو النصراني أو غيرهما تقول: وعليكم، كما قاله النبي ﵊. هذا من الحقوق المتعلقة بين المسلم والكافر، ومن ذلك أيضا حسن الجوار إذا كان جارا تحسن إليه ولا تؤذيه في جواره وتتصدق عليه إذا كان فقيرا، وتهدي إليه، وتنصح له فيما ينفعه لأن هذا مما يسبب رغبته في الإسلام، ودخوله في الإسلام. ولأن الجار له حق; قال الرسول ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٣) متفق على صحته، وإذا كان الجار كافرا كان له حق الجوار، وإذا كان قريبا وهو كافر صار له حقان: حق الجوار، وحق القرابة. ومن حق الجار أن يتصدق عليه إن كان فقيرا من غير الزكاة لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤) [الممتحنة: ٨] ، وفي الحديث الصحيح «عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أن أمها دخلت عليها وهي مشركة في الصلح الذي كان بين النبي ﷺ وبين أهل مكة تريد المساعدة فاستأذنت أسماء النبي ﷺ في ذلك هل تصلها؟ فقال النبي ﷺ صليها» أما بالنسبة لاحتفالاتهم بأعيادهم فالمسلم لا يشاركهم في

стр. 475

احتفالاتهم بأعيادهم، لكن لا بأس أن يعزيهم في ميتهم ويقول لهم: جبر الله مصيبتكم، أو أحسن لك الخلف في خير، أو ما أشبه ذلك من الكلام الطيب، ولا يقول: غفر الله له، ولا ﵀ إذا كان الميت كافرا، فلا يدعو للميت إذا كان كافرا، ولكن يدعو للحي بالهداية والعوض الصالح ونحو ذلك.

стр. 476

حكم إلقاء السلام على المسيحي والرد عليه س١٦٩: هذه رسالة من سائل يقول فيها: هل يجوز إلقاء السلام على المسيحي أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب: المسيحي لا يبدأ بالسلام، وهكذا بقية الكفرة لقول النبي ﷺ : «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام» (١) ولقوله ﷺ : «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» (٢) . فإذا كان اليهود والنصارى لا يبدءون بالسلام ; فالكفار الآخرون كذلك من باب أولى، فالوثني أكفر من اليهود والنصارى، فلا يبدأ اليهودي ولا النصراني ولا البوذي ولا الوثني ولا غيرهم، لكن إذا بدءوا يقال: وعليكم.

стр. 477

فيما يقال للكافر إذا مات س١٧٠: يقول السائل: إذا مات رجل أو امرأة وهو كافر فهل يمكن أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وكذلك هل نقول أيضا ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (١) ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (٢) [الفجر: ٢٧، ٢٨] ، إلى آخره؟

стр. 478

الجواب: الكافر إذا مات فلا بأس أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله، ولو كان من غير أقربائك لأن كل الناس إليه راجعون، وكل الناس ملك لله فلا بأس بهذا، ولكن لا يدعى له ما دام كافرا، ولا يقال له: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (١) ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (٢) لأن نفسه ليست مطمئنة بل نفسه فاجرة، فلا يقال له هذا، وإنما يقال هذا في المؤمن. فالحاصل أن الكافر إذا مات، لا بأس أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا بأس أن يقول لك غيرك: أعظم الله أجرك فيه، وأحسن عزاءك فيه; لأنه قد يكون لا مصلحة في حياته، وقد يكون في حياته يحسن إليك وينفعك، فلا بأس لكن لا يدعى له، ولا يستغفر له، ولا يتصدق عنه إذا مات كافرا.

стр. 479

التبرع بالدم لغير المسلم س١٧١: هل يجوز لي التبرع بنقل دم لمريض أوشك على الهلاك وهو على غير دين الإسلام؟ الجواب: لا أعلم مانعا من ذلك؛ لأن الله تعالى يقول جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١) [الممتحنة: ٨] . فأخبر سبحانه أنه لا ينهانا عن الكفار الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا أن نبرهم ونحسن إليهم، والمضطر في حاجة شديدة إلى الإسعاف، وقد جاءت أم أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى

стр. 480

عنها إلى بنتها; وهي كافرة، في المدينة في وقت الهدنة بين النبي ﷺ وأهل مكة تسألها الصلة، فاستفتت أسماء النبي ﷺ ذلك فأفتاها أن تصلها، وقال: «صلي أمك» (١) وهي كافرة. فإذا اضطر المعاهد أو الكافر المستأمن الذي ليس بيننا وبينه حرب، إذا اضطر إلى ذلك فلا بأس بالصدقة عليه من الدم، كما لو اضطر إلى الميتة، وأنت مأجور في ذلك; لأنه لا حرج عليك أن تسعف من اضطر إلى الصدقة.

стр. 481

التعامل مع غير المسلمين بالبيع والشراء س١٧٢: سائل يقول: هناك أصحاب مهن كالحلاقة والخياطة وعمال في المطاعم أو غير ذلك وهم غير مسلمين; إما مسيحيون أو لا دينيون فما حكم تعامل المسلم معهم؟ الجواب: ما داموا في البلاد يتعاطون هذه الأمور فلا مانع من الشراء منهم، وقضاء الحاجة، والبيع عليهم، فقد اشترى الرسول ﷺ من اليهود، واشترى من بعض المشركين، فلا بأس، ولكن لا يحبهم، ولا يواليهم، بل يبغضهم في الله، ولا يتخذهم أصدقاء ولا أحبابا، والأفضل أن يستخدم المسلمون والمسلمات دون الكفار في كل الأعمال. لكن إذا كان العمل في الجزيرة العربية حرم استقدام الكفار إليها واستخدامهم فيها; لأن الرسول ﷺ أوصى بإخراجهم من هذه الجزيرة العربية وقال: «لا يجتمع فيها دينان» لكن إذا قدموا لتجارة ثم

стр. 482

يعودون أو بيع حاجات على المسلمين أو قدموا إلى ولي الأمر برسالة من رؤسائهم فلا حرج في ذلك; لأن رسل الكفار كانوا يقدمون على النبي ﵊ في المدينة، وكان بعض الكفار من أهل الشام يقدمون على المدينة لبيع بعض ما لديهم من طعام وغيره.

стр. 483

مشاركة النصراني أو غيره في التجاوة أو غيرها س١٧٣: هل يجوز للمسلم أن يكون شريكا للنصراني في تربية الأغنام أو تجارتها أو أي تجارة أخرى. أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد. فإن اشتراك مسلم مع نصراني أو غيره من الكفرة في المواشي أو في الزراعة أو في أي شيء آخر، الأصل في ذلك جوازه إذا لم يكن هناك موالاة، وإنما تعاون في شيء من المال كالزراعة أو الماشية أو نحو ذلك، وقال جماعة من أهل العلم بشرط أن يتولى ذلك المسلم، أي أن يتولى العمل في الزراعة، أو في الماشية المسلم ولا يتولى ذلك الكافر لأنه لا يؤمن. وهذا فيه تفصيل فإن كانت هذه الشركة تجر إلى موالاة، أو لفعل ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله حرمت هذه الشركة لما تفضي إليه من الفساد، أما إن كانت لا تفضي لشيء من ذلك، والمسلم هو الذي يباشرها وهو الذي يعتني بها حتى لا يخدع فلا حرج في ذلك. ولكن بكل حال فالأولى به السلامة من هذه الشركة، وأن يشترك مع

стр. 484

إخوانه المسلمين دون غيرهم، حتى يأمن على دينه ويأمن على ماله، فالاشتراك مع عدو له في الدين فيه خطر على خلقه ودينه وماله، فالأولى بالمؤمن في كل حال أن يبتعد عن هذا الأمر، حفظا لدينه، وحفظا لعرضه، وحفظا لماله، وحذرا من خيانة عدوه في الدين، إلا عند الضرورة والحاجة التي قد تدعو إلى ذلك، فإنه لا حرج عليه بشرط مراعاة ما تقدم. أي بشرط أن لا يكون في ذلك مضرة على دينه أو عرضه أو ماله، وبشرط أن يتولى ذلك بنفسه فإنه أحوط له، فلا يتولاه الكافر بل يتولى الشركة والأعمال فيها المسلم، أو مسلم ينوب عنهما جميعا.

стр. 485

تفضيل العمال الكفار على العمال المسلمين س١٧٤فضيلة الشيخ: يعقد السائل مقارنة أو موازنة بين العمال من المسلمين وغير المسلمين فيقول: إن غير المسلمين هم من أهل الأمانة، وأستطيع أن أثق فيهم، وطلباتهم قليلة، وأعمالهم ناجحة، أما أولئك فهم على العكس تماما، فما رأيكم سماحة الشيخ؟ الجواب: هؤلاء ليسوا بمسلمين على الحقيقة، هؤلاء يدعون الإسلام، أما المسلمون في الحقيقة فهم أولى وأحق وهم أكثر أمانة وأكثر صدقا من الكفار، وهذا الذي قلته غلط لا ينبغي أن تقوله، والكفار إذا صدقوا عندكم وأدوا الأمانة حتى يدركوا مصلحتهم معكم، وحتى يأخذوا الأموال عن إخواننا المسلمين، فهذه لمصلحتهم; فهم ما أظهروا هذا لمصلحتكم ولكن لمصلحتهم هم، حتى يأخذوا الأموال

стр. 486

وحتى ترغبوا فيهم. فالواجب عليكم ألا تستقدموا إلا الطيبين من المسلمين; وإذا رأيتم مسلمين غير مستقيمين فانصحوهم ووجهوهم فإن استقاموا وإلا فردوهم إلى بلادهم واستقدموا غيرهم، وطالبوا الوكيل الذي يختار لكم أن يختار الناس الطيبين المعروفين بالأمانة، المعروفين بالصلاة، المعروفين بالاستقامة; لا يستقدم من هب ودب، وكثير من الناس يدعي الإسلام وهو كافر ليس بمسلم كالمنافقين. ولكن أنتم أرباب الأعمال عليكم أن تستقدموا الناس الطيبين، وألا تغتروا بهؤلاء الكفرة الذين يتصنعون عندكم ويظهرون عندكم ما يرغبكم فيهم، من أمانة وصدق ونحو ذلك، فهذا لا ينبغي منكم بل إخوانكم المسلمون أولى بأموالكم وأولى بخدمتكم، وإذا حصل منهم نقص فوجهوهم وعلموهم ولاحظوهم حتى يستقيموا. وهذا لا شك أنه من خداع الشيطان، أن يقول لكم: إن هؤلاء الكفار أحسن من المسلمين، أو أكثر أمانة، أو كذا أو كذا; كله لما يعلمه عدو الله وجنوده من الشر العظيم في استقدام الكفرة واستخدامهم بدل المسلمين; فلهذا يرغب فيهم ويزين لكم استقدامهم حتى تدعوا المسلمين، وحتى تستقدموا أعداء الله، إيثارا للدنيا على الآخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد بلغني عن بعضهم أنه يقول: إن المسلمين يصلون ويعطلون الأعمال بالصلاة، والكفار لا يصلون حتى يأتوا بأعمال أكثر. وهذا أيضا من جنس ما قبله، ومن البلاء العظيم; أن يعيب المسلمين بالصلاة

стр. 487

ويستقدم الكفار لأنهم لا يصلون، فأين الإيمان؟ وأين التقوى؟ وأين خوف الله؟ أن تعيب إخوانك المسلمين بالصلاة! نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 488

دخول غير المسلمين المساجد س١٧٥: يقول السائل: بالنسبة لدخول غير المسلمين من المشركين والشيوعيين المساجد هناك من يقول: يجوز لهم دخول المساجد لعل الله أن يهديهم. وهناك من يقول: لا يجوز لهم. فنرجو إفادتنا بالصواب أفادكم الله؟ الجواب: أما المسجد الحرام فلا يجوز دخوله لجميع الكفرة; اليهود، والنصارى وعباد الأوثان والشيوعيين، فجميع الكفرة لا يجوز لهم دخول المسجد الحرام لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١) [التوبة: ٢٨] فمنع سبحانه من دخولهم المسجد الحرام. والمشركون يدخل فيهم اليهود والنصارى عند الإطلاق، فلا يجوز دخول أي مشرك المسجد الحرام، لا يهودي، ولا نصراني، ولا غيرهما، بل هذا خاص بالمسلمين. وأما بقية المساجد فلا بأس من دخولهم للحاجة والمصلحة، ومن ذلك المدينة وإن كانت المدينة لها خصوصية، لكنها في هذه المسألة كغيرها من المساجد؛ لأن الرسول ﷺ ربط فيها الكافر في مسجد النبي

стр. 489

صلى الله عليه وسلم وأقر وفد ثقيف حين دخلوا المسجد قبل أن يسلموا وهكذا وفد النصارى دخلوا مسجده ﵊، فدل ذلك على أنه يجوز دخول المسجد النبوي للمشرك. وهكذا بقية المساجد من باب أولى إذا كان لحاجة، إما لسؤال، أو لحاجة أخرى، أو لسماع درس ليستفيد، أو ليسلم ويعلن إسلامه، أو ما أشبه ذلك. والحاصل أنه يجوز دخوله إذا كان هناك مصلحة، أما إذا لم يكن هناك مصلحة فلا حاجة إلى دخوله المسجد، أو أن يخشى من دخوله العبث في أثاث المسجد، أو النجاسة فيمنع.

стр. 490

(٢٤) المناهي اللفظية

стр. 491

السؤال ببركة فلان -أحد الصالحين- س١٧٦: يقول السائل: فضيلة الشيخ: لنا إمام مسجد يقول: إنه يجوز للإنسان أن يسأل الله ببركة فلان، كأن يقول: اغفر لي يا رب ببركة فلان -أي أحد الصالحين مثلا- فهل هذا نوع من الشرك؟ علما بأنه في نفس الوقت لا يصرح بها شفهيا إلا إذا سألناه، كما أن هذا الإمام يكتب الحجاب والبخورات للناس كطرق علاج فهل نصلي خلفه أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب: هذا ليس من الشرك، ولكنه من وسائل الشرك وهو التوسل ببركة فلان، أو بحق فلان، أو جاه فلان، أو ذات فلان، هذا من وسائل الشرك، وليس من الشرك بل هو بدعة عند جمهور أهل العلم؛ لأن التوسل عبادة لا بد لها من توقيف، ولا بد لها من بيان من الله أو من رسول الله ﷺ ، والله سبحانه بين لنا وهكذا الرسول ﷺ بين لنا وسائل العبادة، وأن المشروع أن نتوسل إلى الله في دعائنا إياه بأسمائه، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) [الأعراف: ١٨٠] ، وهكذا صفاته ، وهكذا التوسل بالتوحيد: اللهم إني أسألك بأنني أشهد أن لا إله إلا أنت، كما جاء في الحديث. وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات، فيتوسل المؤمن بإيمانه بالله ورسله، وبمحبته لله ورسله، وببره لوالديه، وبأدائه الأمانة، وبعفته عن الفواحش، وبمحافظته على الصلوات، إلى غير ذلك. وفي هذا الباب قصة أهل الغار، الثابتة في الحديث الذي رواه

стр. 492

الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، «أن ثلاثة من الناس فيمن كان قبلنا، آواهم المبيت، وفي رواية المطر، إلى غار فدخلوا فيه، فانحدرت عليهم صخرة سدت عليهم الغار، يقول النبي ﷺ : فقالوا: لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقام أحدهم فسأل ربه ببره لوالديه فانفرجت الصخرة بعض الشيء، وقام الثاني وسأل الله بعفته عن الفاحشة عن الزنا فانفرجت الصخرة بعض الشيء، وقام الثالث وتوسل إلى الله بأدائه الأمانة فانفرجت الصخرة وخرجوا» (١) وهذا دليل على أن التوسل بالأعمال الصالحات وسيلة شرعية. وهكذا التوسل بأسماء الله وصفاته كما تقدم وهكذا التوسل بتوحيده والإخلاص له، أما التوسل بجاه فلان، أو ببركة فلان، أو بحق فلان، فهذا لا أصل له، ولا يجوز، بل هو من البدع ولكن ليس من الشرك. والصلاة خلف الإمام الذي يقول هذا: صحيحة. لكن ينبغي أن يعلم ويوجه إلى الخير، فإن عرف الحق وامتثل وتاب إلى الله من ذلك وإلا فالواجب أن يبدل بغيره، والواجب على المسئولين أن يلتمسوا إماما أصلح منه للمسجد حتى لا يغر الناس، وهكذا إذا كان يتعاطى كتابة الحجب وهي التمائم فهذا أيضا منكر، والرسول ﷺ أمر بقطع التمائم وقال: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» (٢) وأخبر أنها شرك فلا يجوز كتابة التمائم لا من العظام، ولا من الخرز، ولا من الطلاسم، ولا من غير ذلك. واختلف العلماء فيما إذا كانت التمائم من القرآن على قولين:

стр. 493

أحدهما: الجواز، والثاني: المنع، والصواب: المنع، فلا يجوز اتخاذ التمائم والحجب حتى ولو من القرآن في أصح قولي العلماء؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن التمائم وأطلق وعمم فلا يجوز استثناء شيء من ذلك؛ لأن تعليق التمائم من القرآن وسيلة إلى تعليق غيرها فينفتح الباب ويقع الشرك، وسد الذرائع أمر معلوم من الشريعة، وأصل من أصولها، ولأن تعليقها قد يفضي إلى امتهان الآيات القرآنية فوجب منع ذلك. وأما البخور فشيء آخر، فقد تعالج بعض الأمراض بالبخور، ولكن بعض من يدعي الطب قد يتظاهر بأشياء وعنده أشياء أخرى، قد يتظاهر بالتمائم أو بالبخور وهو يتعاطى خدمة الجن، وسؤال الجن، ودعوى علم الغيب بواسطة الجن، ومثل هذا خطره عظيم. فالواجب أن ينكر على هذا، وأن يوجه إلى الخير، وأن يعلم حتى يستفيد، وحتى ينتبه لهذا الخطر، فإن استقام وتاب إلى الله وسار على الطريق السوي، وإلا فالواجب إبداله بغيره من أئمة المسلمين الذين عندهم العناية بأمر الله، وعندهم صلاح العقيدة، وسلامة الدين. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 494

قول: يا سيد للكافر س١٧٧: يقول السائل: فضيلة الشيخ: هل يجوز أن يقال للكافر: يا سيد. مثل أن يكتب بالفاتورة أو غيرها: السيد فلان وهو يعلم أنه كافر، أو أثناء الحديث معه بالإنجليزية مثلا مستر فلان؟ وإذا كان لا يجوز أن يقال للكافر يا سيد; فما الدليل؟ أفيدونا أفادكم الله؟

стр. 495

الجواب: نعم لا يقال للكافر سيد، ولا للفاسق سيد؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقل للفاسق سيدا» فنهى النبي ﵊ عن هذا الشيء، فلا ينبغي للمؤمن أن يقول للكافر ولا للفاسق سيدا، لأن هذا وصف عظيم لا يليق بالكافر والفاسق، والسيد هو الرئيس والكبير والفقيه، فلا ينبغي أن يقال للكافر بالله أو المعروف بالمعاصي الظاهرة لا يقال له سيد، بل يدعى باسمه المعروف: فلان، أو: أبي فلان، كما قال النبي ﷺ في عبد الله بن أبي: «ما فعل أبو الحباب؟» فإذا دعي بلقبه أو باسمه أو قيل فلان المدعو كذا وكذا فلا بأس ويكفي هذا، أما أن يقال السيد فلان، أو يأتي بما هو أعظم من ذلك، فلا يجوز لكونه فاسقا معروفا بالفسق ولا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →