أما الحديث الذي ذكروه فليس في ديوان من دواوين السنة المعروفة ووجود طبقات كافرة في فترات من العصور دليل على كذبه فإن النبي ﷺ لم يتنقل في أصلاب آباء مؤمنين وأرحام نساء مؤمنات في كل طبقات أجداده، بل كان بعضهم مؤمنا كإبراهيم وإسماعيل، وبعضهم كان كافرا، فالحديث موضوع مفترى على رسول الله ﷺ ، وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (١) فهو خبر صريح عن أهل النار من الكفار وبيان لاستمرار عذابهم فيها يوم القيامة، وليس فيه دلالة من قريب ولا من بعيد على أن الروح إذا خرجت من بدن عند الموت في الدنيا تقمصت بدنا آخر ليكون حبسا وعذابا لها، فتفسيرها بذلك تحريف لها عن موضعها وتلاعب بنصوص القرآن.
ختم الدرزي المحاورة باعتراف الشيخ الرافعي المزعوم بأن الدروز هم أفضل فرقة إسلامية على الإطلاق، ولا شك أن هذا الاعتراف وهمي؛ لأنه من شيخ مصطنع موهوم.
ولو قدر أن شيخا ما حقيقيا ناقش طالبا درزيا هذه المناقشة وجرت بينه وبين الطالب الدرزي هذه المحاورة لما دل ذلك على صدق النتيجة فكم من محق مغلوب على أمره في النقاش والجدل لضعفه في العلم والمناظرة فاستسلامه لا يدل على صحة مذهب
стр. 1577
مناظره ولا على صدقه فيما ادعاه واعتقده.
بيان ما في المحاورة الثانية من الكذب والدجل والتلبيس:
جاء في النشرة أن محاورة ثانية كانت بين من ادعى أنه عالم سني، وأنه يدعى الشيخ الحق الحسيني يقوم بوظيفة رئيس العلوم الشرقية في إحدى الكليات، وبين أستاذ درزي يدعى الشيخ أبا حسن زيدان، وهي عبارة عن أسئلة توجه ممن قيل أنه سني إلى درزي فيجيب عنها، وقد جاءت في أسلوب هزيل وتراكيب ضعيفة من جهة اللغة العربية، ومعانيها ضحلة مجملة غير محررة، وهذا يدل على أنها مصطنعة لم تحصل أو حصلت بين من لا شأن لهما في العلم ولا يعتد بهما في المناظرة ولا يعول على نتائجها، وفيما يلي تفصيل الكلام عليها:
قال السني المزعوم:
س١: ما هو دينكم؟
ج١: فأجاب الدرزي ديننا هو الإسلام. اهـ.
تقدم في ص ٢ - ٤ أنهم ليسوا بمسلمين، وأنهم أكفر من اليهود والنصارى.. إلخ. وسيأتي في أجوبة الدرزي وشرحه لعقائد الدروز في أركان الإسلام وغيرها ما يؤكد أنهم ليسوا بمسلمين.
стр. 1578
س٢: ما هو مذهبكم؟
ج٢: مذهبنا هو التوحيد لله تعالى والإقرار برسالة الرسول وهو أحد مذاهب التقية في الإسلام. اهـ.
أقر الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (الثاني) بأن مذهب الدروز التقية وقد صدق فيما أقر به على قومه، ومن المعلوم أن التقية مواربة وخداع ومراوغة ونفاق في العقيدة والقول والعمل، وقد استعملها الدرزي في نفس الجواب فبين أن مذهب الدروز التوحيد لله تعالى والإقرار برسالة الرسول، ولكن إلههم الذي وحدوه وعبدوه هو الحاكم العبيدي ملك مصر. والرسول الذي يقرون به هو رسول الحاكم الذي اختاره داعية لعبادته كحمزة بن علي بن أحمد الفارسي الحاكمي الدرزي الذي لقبه الحاكم الفاطمي برسول الله فهذا الأسلوب في الجواب أوضح تفسير وأصدق تطبيق للتقية لما فيه من المراوغة والنفاق.
س٣: هل أنتم سنيين أم شيعيين؟
ج٣: لا سنية ولا شيعية، بل إحدى الفرق التي أشار إليها الرسول بقوله: ستنقسم أمتي من بعدي إلى ثلاثة وسبعون فرقة.
أجمل الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (الثالث) فنفى أن يكون الدروز سنيين أو شيعيين ولم يكشف عن حقيقة طائفته، بل
стр. 1579
أبهم فقال: هم إحدى الفرق التي أشار إليها الرسول بقوله: (ستنقسم أمتي من بعدي إلى ثلاثة وسبعون فرقة) فجمع بين اللحن في اللغة وتحريف الحديث والتلبيس على السائل فلم يحدد له الجواب ولم يحرره، وكذب في قوله: إنهم ليسوا شيعيين، فإنهم من القرامطة الباطنية الذين هم من أخبث فرق الشيعة الغالية.
س٤: هل تصلون بأوقات الصلاة؟
ج٤: نعم نصلي؛ لأن الصلاة واجبة على كل مؤمن؛ لأنها تقرب الصلة بين العبد وخالقه.
س٥: كيف يكون وقت الصلاة؟
ج٥: عندما نصلي على الميت فإننا نستقبل القبلة، ولكن الصلاة العادية حلقة ذكر.
في السؤال الرابع والخامس إجمال وقصور وكأنه مقصود ليتمكن الدرزي من الإجمال في الجواب أولا ثم من الهرب والتحريف في المراد بالصلاة ثانيا وقد فعل فقال: نصلي؛ لأن الصلاة واجبة، ولأنها تقرب الصلة بين العبد وخالقه، ثم ألحد في المراد بالصلاة ثالثا فقال: عندما نصلي على الميت نستقبل القبلة، وألحد أيضا ففسر الصلاة العادية أنها حلقة ذكر، وفي ذلك إنكار أن يكون هناك صلوات خمس بالكيفية التي بينها رسول الله محمد ﷺ وتكذيب لزعمه في الجواب عن السؤال الأول بأن دينهم الإسلام.
стр. 1580
س٦: هل تركعون وقت الصلاة؟
ج٦: الركوع عندنا نافلة.
س٧: هل تسجدون وقت الصلاة؟
ج٧: نعم نسجد حين السجود؛ لأنه فريضة واجبة للتقرب إلى الله والتوسل إليه.
في السؤال السادس والسابع إجمال وقصور أيضا، ومع ذلك أنكر الدرزي أن يكون الركوع فرضا وذكر أنه نافلة، أما السجود فاعترف بفرضيته ولكنه أجمل في كيفيته وكأن هناك تواطؤا بين السائل والمجيب، أو السائل والمجيب شخص واحد، وهذا مما يناقض قوله في الجواب عن السؤال الأول ديننا الإسلام؛ لأن الصلاة في الإسلام ليست حلقة ذكر وإنما هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بالصفة التي عرفت من الدين بالضرورة فهو مفتر بالنص والإجماع.
س٨: هل تصومون شهر الصيام؟
ج٨: إن البعض وخصوصا الشيوخ يصومون، ولكن في عرفنا أن الصوم الظاهري نافلة، وأما الصوم الحقيقي فهو صيانة النفس عن المحرمات وهو في هذه الحالة فريضة لازمة مدى الحياة وليس بأوقات معينة؛ لأننا نعتقد أن لا نفع
стр. 1581
للصوم الظاهري مع مخالفة ما ينهى الله ورسوله عنه.
أنكر الدرزي في جوابه عن السؤال (الثامن) فرض صيام رمضان فقال: إن الصوم الظاهري نافلة، وفسر الصيام الحقيقي عنده بصيانة النفس عن المحرمات، وهذا إنكار لما علم من الدين بالضرورة، وتحريف للنصوص يسقط عن المكلفين ما أوجب الله تعالى ورسوله ﷺ من شعائر الإسلام، وهو كفر صريح وردة عن الإسلام بالنص والإجماع ومناقض لدعواه أن دينهم الإسلام.
س٩: هل تحجون؟
ج٩: إن الحج في عرفنا هو نافلة أيضا؛ لقول الآية الكريمة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) فكلمة (من استطاع) ، هي عبارة عن فسحة واسعة للذين لم يستطيعوا أداء فريضة الحج.
في الجواب عن السؤال التاسع سلك نفس المسلك فأنكر فريضة الحج كما أنكر فريضة صيام رمضان، فقال: إن الحج في عرفنا نافلة فجحد فرضيته وهذا كفر؛ لأنه إنكار لما علم من الدين بالضرورة، ثم موه بإيراد آية صريحة في تأكيد وجوب الحج على المستطيع، وإنما الفسحة في الآية لغير القادر عليه بنفسه ولا بنائب
стр. 1582
عنه. وفي هذا أيضا تكذيب لزعمه في جواب السؤال الأول أن دين الدروز هو الإسلام.
س١٠: وهل منكم من حج إلى مكة؟
ج١٠: نعم كثير منا من زار مكة المكرمة والمدينة المنورة.
في السؤال (العاشر) إجمال وقصور يهيئ للمجيب طريق الهروب ويمهد له سبيل الحيدة؛ ولذا أتى المسؤول بجواب إجمالي يمكن حمله على رحلة عادية إلى مكة كالرحلة إلى أي بلد للترفيه عن النفس مثلا، فقال: كثير منا من زار مكة والمدينة المنورة، وهذا هو ديدن القرامطة الباطنية، فإن دأبهم التلبيس واستعمال التقية كما تقدم.
س١١: كيف تصلون على الميت؟
ج١١: إن صلاتنا على الميت هي على السنية وهي على الطريقة الشافعية ولكي نكفيكم مؤونة البحث الكثير فإننا نقدم لكم هذا الكتاب الصادر من لدن مشيخة العقل الجليلة التي هي عندنا المرجع الأعلى للمذهب التوحيدي ومن هذا الكتاب تعرفون حقيقة طقوسنا المذهبية في الصلاة على الميت وفي كتابة عقود الزواج وفي الإرث بعد الموت وخلاف ذلك.
وعند تصفح السائل الكتاب التفت إلى المسؤول وقال: أنتم حقا مسلمون!؟
стр. 1583
الجواب عن هذا السؤال (الحادي عشر) كذب وتناقض فإنه نفى نفيا عاما في جواب السؤال الثالث أن يكون الدروز من أهل السنة، وأثبت هنا أنهم يصلون صلاة الجنازة على مذهب الشافعي والشافعي من أهل السنة فكيف صارت صلاتهم على الجنازة على مذهبه، ثم حاد عن إيضاح الجواب وأحال على كتاب مبهم لم يعينه باسمه حتى يرجع إليه الناس ليعرفوا صدقه في دعواه أن صلاتهم على الميت هي على السنة وعلى مذهب الشافعية؟! ثم ذكر الدرزي أن العالم السني المزعوم قال بعد تصفح الكتاب: إنكم حقا مسلمون، وتقدم أن هذا الاعتراف في مثل هذه المحاورة المصطنعة لا حظ له من الاعتبار، بل هو مجرد تمويه وتغرير ودعاية كاذبة لمذهب الدروز.
ولو كان مذهب الدروز يوافق الإسلام لأظهره وبين اسم الكتاب حتى يرجع لمعرفة الحقيقة لكنه خاف الفضيحة فأبهم ولم يوضح كما هو دأبه فيما تقدم ودأب قومه. نسأل الله العياذ منه.
س١٢: كيف طريقة تقسيم الميراث عندكم؟
ج١٢: إن طريقة تقسيم الميراث عندنا هي حسب الفريضة الشرعية إذا لم يترك الميت وصية، وأما إذا ترك وصية فيكون الميراث منطوق الوصية؛ لأن الوصية عندنا فريضة يجب العمل بموجبها؛ وذلك عملا بالآية الكريمة ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) ،
стр. 1584
ثم عملا بالآية الكريمة ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١)
س١٣: كيف طريقة الوصية عندكم؟
ج١٣: إن طريقة الوصية هي أن للإنسان كل الحق أن يوصي بماله لمن يشاء سواء كان قريبا أو بعيدا.
س١٤: إن مذهب السنة يمنع الوصية للوارث فلماذا أنتم توصون له؟
ج١٤: نحن نوصي للوارث؛ عملا بالآية الكريمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) فمن هذه الآية الكريمة يتبين حقا جليا أن الوصية جائزة للوارث ولغير الوارث، ونحن على الطريقة سائرون.
ذكر الدرزي في جواب هذه الأسئلة (١٢، ١٣، ١٤) أن الميراث عندهم حسب الفريضة الشرعية ولم يعينها. ثم قيد ذلك بما إذا لم تكن هناك وصية فإن كانت هناك وصية بكل المال لغير وارث أو لوارث ولو على خلاف الفريضة الشرعية كانت العبرة في
стр. 1585
توزيع بقية التركة بما نصت عليه الوصية، وهذا يخالف نص الشريعة الإسلامية في أنه لا وصية لوارث، وقد أجمع على ذلك المسلمون، وبذلك يعرف كذبه في جوابه عن السؤال الأول بأن دين الدروز هو الإسلام.
ثم آية ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) والتي بعدها فيها بيان للفرائض الشرعية للميراث، وتفصيل لأنصباء الورثة، وأمر من الله بالوقوف عند الحد الذي قدره الله لكل وارث، فلم يترك لنا الخيار فيمن نوصي له من هؤلاء المذكورين في الآيتين، ولا الخيار في القدر الذي نوصي به لكل منهم، بل بين أنواع الورثة ونصيب كل نوع منهم، وألزمنا بذلك، وبين سبحانه أن تقسيم التركة عليهم إنما يكون بعد قضاء ما على الميت من الديون، وبعد تنفيذ ما أوصى به من المال في حدود الثلث لغير وارث كما بين ذلك النبي ﷺ ، فاستدلال الدرزي بالآيتين فيه إجمال، وتلبيس وخلط في المراد بالوصية في توزيع المواريث والوصية التي تنفذ قبل التوزيع والتقسيم، ثم إنه ضرب صفحا عن السنة التي لا بد من اعتبارها في تقييد الوصية، وأعرض عن إجماع المسلمين في ذلك، وهذا دأب المبطل في استدلاله، إجمال وتمويه وتشبيه على من يناظره ليخدعه عن الحق بتزيين الباطل له، وبهذا يظهر إلحادهم في
стр. 1586
القرآن وتحريفهم له عن معانيه الصحيحة ومخالفتهم للرسول ﷺ قولا وعملا، ولإجماع الصحابة ومن بعدهم من أئمة المسلمين إرضاء لأهوائهم وموافقة لمن على شاكلتهم.
س١٥: هل تعددون الزوجات؟
ج١٥: كلا، نحن لا يجوز بمذهبنا تعدد الزوجات؛ عملا بالآية الكريمة: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (١) ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (٢) ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٣) ، ولن تعدلوا أبدا على النساء وإن حرصتم، وبما أننا نعتقد أنه لا يمكن العدل بين الاثنين؛ فإن المشروع أوجب علينا الاقتران بواحدة.
أنكر الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (الخامس عشر) ما علم من الدين بالضرورة جوازه وهو مشروعية تعدد الزوجات وحاول الاستدلال على باطله بما لا دليل له فيه، فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (٤) ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (٥) ومعلوم أن الآيتين في بيان سنة الله الكونية في خلق الأشياء، وأن حكمته اقتضت أن يخلق في كل نوع من الأحياء حيوانات ونباتات ذكرا وأنثى، وفي كل نوعين متقابلين ليكون التلقيح والنسل وتستقر الحياة وتحقق المنافع والمصالح، وليست
стр. 1587
الآيتان في حكم تعدد الزوجات من قريب ولا من بعيد، فالاستدلال بهما على منع تعدد الزوجات إلحاد في القرآن، وميل به إلى غير ما قصد به.
وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) فصريح مع صدر الآية في جواز تعدد الزوجات عند الأمن من الجور في القسمة بينهن في المعيشة والنفقة، وهو ممكن مستطاع، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٢) فالمقصود منه نفي استطاعة العدل في الحب القلبي والميل النفسي، لا نفي استطاعة العدل في المبيت والنفقة، وقد بين ذلك النبي ﷺ وشرحه بقوله وعمله فتزوج زوجات، وعدل بينهن في المعيشة والنفقة وقال: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (٣) » .
وأجمع الصحابة على جواز تعدد الزوجات وعملوا بذلك وهم عرب وبلغتهم نزل القرآن، وهم أفهم من الدرزي وأمثاله ممن يتبعون أهواءهم في تفسير كتاب الله مجاراة للنصارى والملحدين، وإرضاء للجنس اللطيف في نظرهم.
وقد حرف الدرزي لفظ الآية الرابعة، وهي قوله تعالى:
стр. 1588
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (١) وأدخل فيها ما ليس منها.
س١٦: هل يجوز عندكم الطلاق؟
ج١٦: نعم، يجوز الطلاق لأسباب مشروعة، وأما الذي يطلق لغير سبب مشروع أو غير تراضي بينه وبين مطلوقته فعليه أن يقدم لها نصف ما يملك، وأما إذا كانت هي المتسببة في الطلاق من جراء جرم فعلته فعليها دفع نصف ما تملك للزوج.
اعترف الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (١٦) بأن الطلاق جائز لكن لأسباب مشروعة وأبهم هذه الأسباب التزاما بمبدأ التقية في عدم بيان حقيقة مذهب الدروز كما هو دأبهم في حديثهم مع من يخالفهم، ثم أضاف إلى ذلك طامة كبرى وتشريعا ما أنزل الله به من سلطان، فأوجب على الزوج أن يقدم لزوجته نصف ما يملك إن طلقها بغير سبب مشروع أو عن غير تراض بينهما، وأوجب عليها أن تدفع نصف ما تملك للزوج إن كان طلقها من أجل جرم فعلته، وهذا مخالف صراحة لما شرع في الإسلام من حقوق الزوجين عند الطلاق، ومناقض لما قاله في جوابه عن السؤال الأول: ديننا الإسلام.
стр. 1589
س١٧: سمعنا أنكم تعتقدون التقمص وعلى أي شيء تبنونه؟
ج١٧: نعم نعتقد التقمص ونبني هذا الاعتقاد على سببين أحدهما المنقول والثاني المعقول، فأما المنقول قول الآية الكريمة: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) فمن هذه الآية الكريمة وبعض آيات غيرها نفسرها طبقا لهذا المعتقد. وأما الذي من المعقول فهو لما كان الله تعالى عادل في خلقه، فلماذا جعل بينهم هذا التفاوت العظيم من غنى وفقر وسعد ونحس وحسن وقبيح. طالما الناس يخلقون جديدا في هذه الدنيا فمن هذا التفاوت الكبير ومن اعتقادنا الراسخ بأن الله ﷻ منتهى العدل، ومن الآية الكريمة المار ذكرها، فإننا نعتقد التقمص.
ذكر الدرزي التقمص في جوابه عن هذا السؤال (١٧) وأدلته من النقل والعقل في نظر الدروز، وقد تقدم بيان معنى التقمص ومناقشة أدلتهم النقلية عليه في الفقرة الرابعة من مناقشة المحاورة الأولى، وبيان أن القول به مجرد خرص وتخمين، فإن تفصيل البعث والجزاء يوم القيامة وبيان نوعه وكيفيته من الأمور السمعية التي لا مجال للعقول في تحديدها.
стр. 1590
وأما ما استدلوا به عقلا من كمال عدل الله وحكمته وتفاوت الخلق في سلوكهم وأخلاقهم وأعمالهم وأرزاقهم، وأن مقتضى عدله تعالى فيهم أنه يجزي كل نفس بما كسبت بأن يخلقهم مرة أخرى في الدنيا ليوفي كل نفس جزاءها، وذلك يجعل روح من مات في بدن آخر في الدنيا لتشقى بوجودها فيه. فيقال: لا دلالة في ما ذكر على خصوص عود روح عند موت صاحبها إلى بدن آخر في الدنيا، بل ذلك مجرد تخمين، وإنما دل على تفصيل الجزاء وكيفيته نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة، وأن ذلك يكون في يوم آخر بعد انتهاء الدنيا يسمى: يوم البعث والنشور ويوم القيامة. وقد يعجل الله بعض الجزاء لبعض عباده في الدنيا كما يشاء لا كما عينه الدروز في التقمص - التناسخ - خاصة.
س١٨: هل تعتقدون أن عمر وأبا بكر وعثمان هم أحق من علي بالخلافة بعد النبي أم علي أحق منهم؟
ج١٨: هذا شيء يعلمه الله تعالى، ولكن نحن نعتقد بأن العمر محتوم عملا بالآية: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (١) وحيث إن أبا بكر وعمر وعثمان توفوا في حياة علي، فلو ولي علي الخلافة بعد النبي لكان أبو بكر وعمر وعثمان توفوا في حياته، ولم يتسن لهم تأدية رسالتهم إلى الأمة لذلك قضت مشيئة الله
стр. 1591
بما قضت حتى يؤدي كل واحد منهم رسالته في حينها خدمة للأمة بتقدير من الله .
حاد الدرزي عن الجواب على هذا السؤال (١٨) فقال: (الله أعلم) ولزم التقية كما هو دأبه ودأب قومه في إخفاء حقيقة مذهبهم على من ليس منهم، ثم فلسف تأخير خلافة علي عن الثلاثة الخلفاء فلسفة ملتوية، فذكر أن الله علم أن الثلاثة سيموتون قبل علي فجعل خلافتهم قبل خلافته ليؤدي كل منهم رسالته خدمة للأمة ولو تولى علي الخلافة قبلهم لم يتسن لهم أن يتولوها لوفاتهم قبله، فاقتضت مشيئة الله أن يكون واقع الخلافة كونا على الترتيب المعروف، وفي هذه الفلسفة حيدة عن الجواب عما سئل عنه من الحكم الشرعي إلى بيان ما زعمه حكمة للترتيب الكوني، ومع ذلك فجوابه مناقض لعقيدتهم في الخلفاء الراشدين ﵃ فإنهم يسبون الثلاثة ويؤلهون عليا، فالجواب كله حيدة ومواربة وتطبيق لمبدأ التقية، ويفهم من كلامه أن تولي الخلفاء الثلاثة الخلافة قبل علي لم يكن لفضلهم عليه، وإنما كان لأمر كوني اقتضته مشيئة الله، وهذا خلاف ما أجمع عليه أهل السنة.
س١٩: هل تفضلون أبا بكر وعمر وعثمان وعلي حسب ترتيبهم في الخلافة؟
ج١٩: نعم، ولكن في ذات الوقت لا نفضلهم في المنزلة
стр. 1592
على أحد بل نعتقد أن عليا أعلى منهم وذلك عملا بكلام الرسول حيث قال في حجة الوداع يوم الخطبة: (من كنت أنا مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ... ) .
تناقض الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (١٩) وغمط الخلفاء الثلاثة الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان حقهم في الفضل فقال: نعم، أي: نفضل الخلفاء الأربعة حسب ترتيبهم في الخلافة، ثم قال: لا نفضلهم في المنزلة على أحد، وهذا صريح في أنهم لا يفضلونهم على أحد من الخلق عامة. ثم أخبر بأن عليا أعلى منهم ﵃ أجمعين مع أنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عليا أخبر أن أبا بكر وعمر أفضل منه ﵃، ومع إجماع الأمة على أن أبا بكر وعمر أفضل منه، والجمهور على تفضيل عثمان عليه ﵃، ثم استدل لأفضليته عليهم بحديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه (١) » الحديث.
فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بما يأتي:
وأما قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه (٢) » ... إلخ) فهذا ليس في شيء من الأمهات إلا في الترمذي، وليس فيه إلا «من كنت مولاه فعلي مولاه (٣) » ، وأما الزيادة فليست في الحديث، وسئل عنها الإمام أحمد فقال: زيادة كوفية، ولا ريب
стр. 1593
أنها كذب لوجوه: (أحدها) أن الحق لا يدور مع معين إلا النبي ﷺ ؛ لأنه لو كان كذلك لوجب اتباعه في كل ما قال، ومعلوم أن عليا ينازعه الصحابة وأتباعه في مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه كالمتوفى عنها زوجها وهي حامل.
وقوله: (اللهم انصر من نصره ... ) إلخ خلاف الواقع قاتل معه أقوام يوم صفين فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا (كسعد) الذي فتح العراق لم يقاتل معه، وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه فتحوا كثيرا من بلاد الكفار ونصرهم الله.
وكذلك قوله: (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) مخالف لأصل الإسلام، فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغي بعضهم على بعض، وقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه (١) » فمن أهل الحديث من طعن فيه كالبخاري وغيره، ومنهم من حسنه، فإن كان قاله فلم يرد به ولاية مختصا بها، بل ولاية مشتركة وهي ولاية الإيمان التي للمؤمنين والموالاة ضد المعاداة. ولا ريب أنه يجب موالاة المؤمنين على سواهم، ففيه رد على النواصب. اهـ.
س٢٠: يتضح مما تقدم أن كل شيء عندكم من الاعتقاد تبنونه إما على آية كريمة أو على حديث شريف؟
ج٢٠: نحن لا نعمل بالرأي أو القياس ولكن بما أمرنا به.
لا عبرة بما جاء في هذا السؤال (٢٠) وجوابه من الاعتراف
стр. 1594
بأن الدروز يبنون عقيدتهم إما على آية أو حديث؛ لما تقدم من أن المناظرة مصطنعة، وعلى تقدير أن لها واقعا فليس كل مناظر من المسلمين يمثل أهل السنة. ودعوى الدرزي أن الدروز لا يعملون بالرأي ولا بالقياس دعوى يكذبها الواقع بشهادته بإلحادهم وعملهم بالهوى وفيها مواربة وتقية حيث قال: ولكن نعمل بما أمرنا به فبنى الفعل للمجهول حتى يتم له التلبيس فيمن يكون منه الأمر أهو الحاكم بأمره وسائر الأئمة المعصومين بزعمهم أم غيرهم، ولا غرابة فالتقية شعارهم وهم لا يألون جهدا في استعمالها. وبالله التوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 1595
تناسخ الأرواح
стр. 1596
انتقال الروح من إنسان إلى آخر
السؤالان الثالث والخامس من الفتوى رقم (٥١٦٧) :
س٣: لقد قال لنا أستاذ الفلسفة: أن الروح تنتقل من إنسان إلى آخر فهل هذا صحيح، وإن كان صحيحا فكيف أن الروح هي التي تعذب وتحاسب وإن انتقلت فيحاسب الإنسان الآخر؟
ج٣: ما ذكره لكم أستاذ الفلسفة من أن الروح تنتقل من إنسان إلى آخر ليس بصحيح، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (١) وجاء تفسير هذه الآية فيما رواه مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٢) فقال عمر
стр. 1597
رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون (١) » الحديث.
قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث، قد صح عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵃ أجمعين وغيرهم. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك وذكروا: أن القول بانتقال الروح من جسم إلى آخر هو قول أهل التناسخ وهم من أكفر الناس، وقولهم هذا من أبطل الباطل.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 1598
س٥: هناك من يقول إن الإنسان منذ زمن بعيد كان قردا وتطور فهل هذا صحيح وهل من دليل؟
ج٥: هذا القول ليس بصحيح، والدليل على ذلك أن الله بين في القرآن أطوار خلق آدم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (١)
стр. 1599
ثم إن هذا التراب بل حتى صار طينا لازبا يعلق بالأيدي، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ (٢) ثم صار حمأ مسنونا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٣) ثم لما يبس صار صلصالا كالفخار، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (٤) وصوره الله على الصورة التي أرادها ونفخ فيه روحه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٥) ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٦) هذه هي الأطوار التي مرت على خلق آدم من جهة القرآن، وأما الأطوار التي مرت على خلق ذرية آدم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٧) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ (٨) ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٩)
стр. 1600
أما زوجة آدم حواء فقد بين الله تعالى أنه خلقها منه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (١) الآية.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 1601
صفحة فارغة
стр. 1602
الماسونية
стр. 1603
السؤال الأول من الفتوى رقم (٨٩٣) :
س١: (أ) مات رجل وأوصى أن يدفن في تابوت فما الحكم؟
(ب) مات أحد المسلمين وكان عضوا في الجماعة الماسونية، وأقيمت عليه صلاة الجنازة ثم أقيمت شعائر الماسونية بعد ذلك، فما حكم الإسلام في هذا الميت وفيمن أقاموا أو سمحوا بإقامة هذه الشعائر؟
(ج) ما هي الماسونية؟ وما حكم الإسلام فيها؟
ج١: (أ) لم يعرف وضع الميت في تابوت على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد الصحابة ﵃، وخير للمسلمين أن يسيروا على نهجهم؛ ولذا كره وضع الميت في تابوت سواء كانت الأرض صلبة أم رخوة أم ندية، وإذا أوصى بوضعه في تابوت لم تنفذ وصيته، وأجاز ذلك الشافعية إذا كانت الأرض رخوة أو ندية، ولا تنفذ وصيته عندهم إلا في مثل هذه الحالة.
(ب، ج) الماسونية هي جمعية سرية سياسية تهدف إلى القضاء على الأديان والأخلاق الفاضلة وإحلال القوانين الوضعية
стр. 1604
والنظم غير الدينية محلها، وتسعى جهدها في إحداث انقلابات مستمرة وإحلال سلطة مكان أخرى بدعوى حرية الفكر والرأي والعقيدة. ويؤيد ذلك ما أعلنه الماسوني ... في مؤتمر الطلاب الذي انعقد في ١٨٦٥م في مدينة لييج التي تعتبر أحد المراكز الماسونية من قوله: يجب أن يتغلب الإنسان على الإله، وأن يعلن الحرب عليه، وأن يخرق السماوات ويمزقها كالأوراق. ويؤيده ما ذكر في المحفل الماسوني الأكبر سنة ١٩٢٢م صفحة ٩٨ ونصه: سوف نقوي حرية الضمير في الأفراد بكل ما أوتينا من طاقة، وسوف نعلنها حربا شعواء على العدو الحقيقي للبشرية الذي هو الدين.
ويؤيده أيضا قول الماسونيين: إن الماسونية تتخذ من النفس الإنسانية معبودا لها، وقولهم: إنا لا نكتفي بالانتصار على المتدينين ومعابدهم، إنما غايتنا الأساسية إبادتهم من الوجود. مضابط المؤتمر الماسوني العالمي سنة ١٩٠٣م صفحة ١٠٢، وقولهم: ستحل الماسونية محل الأديان وأن محافلها ستحل محل المعابد ... إلى غير هذا مما فيه شدة عداوتهم للأديان وحربهم لها حربا شعواء لا هوادة فيها. والجمعيات الماسونية من أقدم الجمعيات السرية التي لا تزال قائمة ولا يزال منشؤها غامضا وغايتها غامضة على كثير من الناس، بل لا تزال غامضة على كثير من أعضائها. لإحكام رؤسائها ما بيتوا من مكر سيئ وخداع دفين ولشدة حرصهم على كتمان ما أبرموه من تخطيط، وما قصدوا إليه
стр. 1605
من نتائج وغايات، ولذا يدبر أكثر أمورها شفويا. وإن أريد كتابة فكرة أو إذاعتها عرضت قبل ذلك على الرقابة الماسونية لتقرها أو تمنعها. وقد وضعت أسس الماسونية على نظريات فأخذت من مصادر عدة، أكثرها التقاليد اليهودية، ويؤيد ذلك أن النظم والتعاليم اليهودية هي التي اتخذت أساسا لإنشاء المحفل الأكبر سنة ١٧١٧م ولوضع رسومه ورموزه، وأن الماسونيين لا يزالون يقدسون حيرام اليهودي، ويقدسون الهيكل والمعبد الذي شيده حتى اتخذوا منه نماذج للمحافل الماسونية في العالم، وأن كبار الأساتذة من اليهود لا يزالون العمود الفقري للماسونية، وهم الذين يمثلون الجمعيات اليهودية في المحافل الماسونية، وإليهم يرجع انتشار الماسونية والتعاون بين الماسونيين في العالم، وهم القوة الكامنة وراء الماسونية وإلى خواصهم تسند قيادة خلاياها السرية يدبرون أمرها ويرسمون الخطط لها ويوجهونها سرا كما يشاءون، ويؤيد ذلك ما جاء في مجلة (أكاسيا) الماسونية سنة ١٩٠٨م عدد ٦٦ من أنه لا يوجد محفل ماسوني خال من اليهود، وأن جميع اليهود لا تحتضن المذاهب، بل هناك المبادئ فقط وكذلك الحال عند الماسونية؛ ولهذه العلة تعتبر المعابد اليهودية خليفتنا، ولذا نجد بين الماسونيين عددا كبيرا من اليهود. اهـ.
ويؤيد أيضا ما ذكر في سجلات الماسونية من قولهم: لقد
стр. 1606
تيقن اليهود أن خير وسيلة لهدم الأديان هي الماسونية، وأن تاريخ الماسونية يشابه تاريخ اليهود في الاعتقاد ... وأن شعارهم هو نجمة داود المسدسة، ويعتبر اليهود والماسونيون أنفسهم معا الأبناء الروحيين لبناة هيكل سليمان، وأن الماسونية التي تزيف الأديان الأخرى تفتح الباب على مصراعيه لإعلاء اليهودية وأنصارها، وقد استفاد اليهود من بساطة الشعوب وحسن نيتها، فدخلوا في الماسونية، واحتلوا فيها المراكز الممتازة، وبذلك نفثوا الروح اليهودية في المحافل الماسونية وسخروها لأغراضهم. اهـ.
ومما يدل على شدة حرصهم على سريتها وبذلهم الجهد في كتمان ما يخططون لهدم الأديان، وتبييتهم المكر السيئ لإحداث الانقلابات السياسية ما جاء في بروتوكولات حكماء صهيون من قولهم: وسوف نركز هذه الخلايا تحت قيادة واحدة معروفة لنا وحدنا، وستتألف هذه القيادة من علمائنا وسيكون لهذه الخلايا ممثلوها الخصوصيون، كي تحجب المكان الذي تقيم فيه قيادتنا حقيقة، وسيكون لهذه القيادة وحدها الحق في تعيين من يتكلم، وفي رسم نظام اليوم، وفي هذه الخلايا سنضع الحبائل والمصايد لكل الاشتراكيين وطبقات المجتمع الثورية [وإن معظم الخطط السياسية السرية معروفة لنا وسنهديها إلى تنفيذها حالما تتشكل] ، ولكن الوكلاء في البوليس الدولي السري تقريبا سيكونوا أعضاء في هذه الخلايا ... وحينما تبدأ المؤامرات خلال العالم
стр. 1607
فإن بدأها يعني أن واحدا من أشد وكلائنا إخلاصا يقوم على رأس هذه المؤامرات وليس إلا طبيعيا أننا كنا الشعب الوحيد الذي يوجه المشروعات الماسونية ونحن الشعب الوحيد الذي يعرف أن يوجهها ونعرف الهدف الأخير لكل عمل على حين أن الأمميين -أي: غير اليهود - جاهلون بمعظم الأشياء الخاصة بالماسونية، ولا يستطيعون حتى رؤية النتائج العاجلة لما هم فاعلون ... إلى غير ذلك مما يدل على قوة الصلة بين اليهودية والماسونية، ومزيد التعاون بين الطائفتين في المؤامرات الثورية وإحداث الحركات الهدامة، وعلى أن الماسونية في ظاهرها دعوة إلى الحرية في العقيدة والتسامح في الرأي، والإصلاح العام للمجتمعات، ولكنها في حقيقتها ودخيلة أمرها دعوة إلى الإباحية والانحلال وعوامل هرج ومرج وتفكك في المجتمعات، وانفصام لعرى الأمم ومعاول هدم وتقويض لصرح الشرائع ومكارم الأخلاق وإفساد وتخريب العمران.
وعلى هذا فمن كان من المسلمين عضوا في جماعة الماسونية وهو على بينة من أمرها، ومعرفة بحقيقتها ودفين أسرارها، أو أقام مراسمها وعني بشعائرها كذلك فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن مات على ذلك فجزاؤه جزاء الكافرين، ومن انتسب إلى الماسونية وكان عضوا في جماعتها وهو لا يدري عن حقيقتها ولا يعلم ما قامت عليه من كيد للإسلام والمسلمين وتبييت الشر لكل من يسعى لجمع الشمل وإصلاح الأمم، وشاركهم في
стр. 1608
الدعوة العامة، والكلمات المعسولة التي لا تتنافى حسب ظاهرها مع الإسلام فليس بكافر، بل هو معذور في الجملة لخفاء واقعهم عليه، ولأنه لم يشاركهم في أصول عقائدهم ولا في مقاصدهم ورسم الطريق لما يصل بهم إلى غاياتهم الممقوتة، فقد قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (١) » . . . الحديث لكن يجب عليه أن يتبرأ منهم إذا تبين له أمرهم ويكشف للناس عن حقيقتهم ويبذل جهده في نشر أسرارهم وما بيتوا للمسلمين من كيد وبلاء ليكون ذلك فضيحة لهم ولتحبط به أعمالهم.
وينبغي للمسلم أن يحتاط لنفسه في اختيار من يتعاون معه في شئون دينه ودنياه، وأن يكون بعيد النظر في اصطفاء الأخلاء والأصدقاء حتى يسلم من مغبة الدعايات الخلابة وسوء عاقبة الكلمات المعسولة، ولا يقع في حبائل أهل الشرك ولا في شباكهم التي نصبوها للأغرار وأرباب الهوى وضعاف العقول.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة
عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي
стр. 1609
صفحة فارغة
стр. 1610
المهدية
стр. 1611
السؤال الثاني من الفتوى رقم (٥٢٣٥) :
س٢: الأنصار - أنصار الإمام المهدي - المنتشرة في غرب السودان والتي يدين بطريقته الملايين من عوام الناس يقول المهدي في منشوراته: والرسول ﷺ كان يمشي أمام جيشي ويبشرني بالنصر. ما رأيكم في هذه الخرافات والدجل نرجوكم الرد؟
ج٢: أولا: دعوى هذا الرجل أنه المهدي وأن الرسول ﷺ كان يمشي أمام جيشه ويبشره بالنصر كذب وزور ومخالفة لشرع الله ولواقع الأمر المتفق عليه بين أهل الملة الإسلامية؛ لأن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره إلا يوم البعث؛ لقول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٢) وقوله سبحانه ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٤) وقول النبي ﷺ : «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة (٥) » .
ثانيا: سبق أن كتب في المهدي المنتظر عدة كتابات من
стр. 1612
أجمعها وأقربها للصواب ما كتبه فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية سابقا.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 1613
صفحة فارغة
стр. 1614
البدع
стр. 1615
المراد بالبدع البدعة الحسنة والبدعة السيئة
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٩٤٨) :
س٣: اختلف علماؤنا في البدعة، فقال بعضهم: البدعة منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح فهل هذا صحيح؟
ج٣: البدعة: هي كل ما أحدث على غير مثال سابق، ثم منها ما يتعلق بالمعاملات وشؤون الدنيا، كاختراع آلات النقل من طائرات وسيارات وقاطرات، وأجهزة الكهرباء، وأدوات الطهي، والمكيفات التي تستعمل للتدفئة والتبريد. وآلات الحرب من قنابل وغواصات ودبابات ... إلى غير ذلك مما يرجع إلى مصالح العباد في دنياهم فهذه في نفسها لا حرج فيها ولا إثم في اختراعها، أما بالنسبة للمقصد من اختراعها وما تستعمل فيه فإن قصد بها خير واستعين بها فيه فهي خير، وإن قصد بها شر من تخريب وتدمير وإفساد في الأرض واستعين بها في ذلك فهي شر وبلاء.
وقد تكون البدعة في الدين عقيدة أو عبادة قولية أو فعلية، كبدعة نفي القدر،