المتاخمة لشبه الجزيرة العربية تعتمد على مناطق البادية المتاخمة لها فتتخذ منها مناطق تابعة تصد عنها أية غارات خارجية، سواء أجاءت هذه الغارات من القبائل البدوية أو دول أخرى. ومثل هذا حدث في حالة الإمبراطورية الفارسية التي كانت تسيطر على منطقة وادي الرافدين, وفي حالة الدولة البيزنطية التي كانت تسيطر على المنطقة السورية. لقد حولت كل من الإمبراطوريتين المنطقة البدوية المتاخمة لها إلى إمارة تابعة لها؛ الإمبراطورية تساعدها وتساندها ماديا وفي مقابل ذلك تقوم هذه الإمارة بالتصدي لأية غارات من الجانب الآخر "أو من بدو الصحراء" على حدودها. وهكذا قامت إمارة المناذرة على الحدود الغربية لوادي الرافدين، وإمارة الغساسنة على الحدود الشرقية للمنطقة السورية، في حدود هذا المفهوم الذي أشرت إليه.
стр. 317
الزراعة والمحاصيل الطبيعية
المورد الزراعي
...
٢- الزراعة والمحاصيل الطبيعية:
أ- المورد الزراعي:
المورد الثاني من الموارد الاقتصادية أو موارد الإنتاج في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام هو الزراعة. وفي هذا المجال فهناك تصور سائد مؤداه أن الزراعة كانت موردًا متدنيًا في العصر السابق للإسلام، ونحن نجد في الواقع ما يؤيد هذا التاريخ في الشعر الجاهلي. بل إن شاعرًا جاهليًّا ليس أقل من الأعشى الكبير، أحد شعراء المعلقات الذين تباهى العرب بشعرهم، يصف لنا مدى ازدرائه للزراعة والذين يعملون فيها حين يعبر عن بني إياد بأنهم يعيشون على هذه المهنة المتدنية -في نظره- ويصور لنا هؤلاء القوم وقد أخذوا ينتظرون موسم الحصاد وهم لا يجدون من عمل يقومون به سوى الجلوس خلف أبواب
стр. 318
موصدة يعالجون القمل وتشدهم إلى الأرض قيود لا يملكون معها فكاكًا٦.
وربما كان أحد الأسباب الكامنة وراء هذا التصور هو أن الزراعة -وبخاصة زراعة الحبوب- دخلت بعض أقسام شبه الجزيرة العربية من مناطق أخرى، ومن ثم اعتبرت مهنة دخيلة بينما ظل الرعي دائما هو المورد الأساسي والعمل به هو المهنة الأصيلة. ونحن نجد في الواقع ما قد يؤيد مثل هذا التصور في وجود بعض ألفاظ عربية من أصل آرامي في مجال الزراعة؛ فلفظة "حارث" العربية مأخوذة من "آرس" الآرامية، و"بيدر" مأخوذة من "إدّر" و"أكّار" وهو العامل الذي يعمل في الحقل هي ذاتها اللفظة الآرامية، ولفظة "نير" مأخوذة من "نيدرا"، ولفظة "ناطور" وهو الحارس الذي يحرس الكروم هو "ناطورا" في الآرامية، ولفظة "قمح" مأخوذة من "قمحنو"، هذا بينما ريّ "البعل" في العربية هو الري الذي يعتمد على ماء المطر "الذي يرسله بعل، إله الآراميين"٧.
ولكننا إذا تتبعنا هذا التصور نجد أنه كان في حقيقة الأمر قاصرًا على البدو وحدهم وأن الزراع لم يكونوا يعتنقون هذا التصور. وفي هذا الصدد فنحن نجد بين النصوص العربية الجنوبية القديمة التي عثر عليها المنقبون الأثريون
стр. 319
في اليمن ألفاظًا كثيرة تشير إلى المحصولات الزراعية أو إلى منتجاتها والمعاملات الخاصة بها. فلفظة "قمح" تقابلها لفظة "بُرّ" ولفظة "طحين" تقابلها لفظة "دققم" أي الدقيق، كما ترد في هذه النصوص لفظة "دق" بمعنى الحب الذي يتبقى في الأرض بعد التذرية، ولفظ "علص" بمعنى درس الحبوب أو بمعنى الحقل أو المزرعة. هذا بينما نجد ألفاظا أخرى عديدة غير منقولة عن الآرامية أو غيرها من لغات المناطق الواقعة خارج شبه الجزيرة, تشير إلى أنواع أخرى من الثمار أو المحاصل أو إلى عقود لتأجير الأرض بغرض الزراعة وهكذا٨. وهذه النصوص بما فيها من تسميات ومعاملات تشير جميعًا إلى أن الحياة الزراعية في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة كانت حياة طبيعية أصيلة لا ترد الألفاظ الدالة عليها من خارج البلاد وإنما تشكل موردا أصليا من موارد الإنتاج ليس فيه مجال لأن يتعالى أحد عليه أو يحط من شأنه أو شأن المشتغلين به.
كذلك ربما يتبادر إلى الذهن أن هذه النصوص العربية الجنوبية قد تشير إلى أن وجود الحياة الزراعية كمورد اقتصادي أساسي أمر قاصر على القسم الجنوبي من شبه الجزيرة. ولكن شهادة الكتاب الكلاسيكيين في أواخر القرن الثالث ق. م. وأوائل القرن الذي يليه، ثم شهادة القرآن الكريم في أوائل القرن السابع الميلادي، أي: بعد ذلك بعشرة قرون كاملة، ما يثبت أن تصور الحياة الزراعية كمورد اقتصادي أساسي في شبه الجزيرة العربية كلها كان تصورا قائما وراسخا. وفي هذا المجال نجد الجغرافي اليوناني إراتوسثينس "إراتسطين الجغرافي عند العرب" يصف شبه الجزيرة في الفترة التي اشتهر
стр. 320
وكتب خلالها "٢٧٥-١٩٤ق. م." فيذكر عن بلاد العرب الميمومة "وهي شبه الجزيرة، اتجاهًا نحو الجنوب، فيما يلي رأس خليج العقبة -أيلة- غربا, ورأس الخليج العربي "الفارسي" شرقا" أن "أول قوم يقطنون بلاد العرب الميمونة، فيما يلي السوريين وأهل يهودية, هم قوم يعملون بالفلاحة، وبعد هؤلاء نجد الأرض رملية جرداء تنتج قليلًا من أشجار النخيل وبعض الأشجار الشوكية وأشجار الطرفاء MYRIKE، ويعمد أهلها إلى حفر الآبار ليحصلوا على مياه الري.... أما المناطق التي تقع في أقصى الجنوب في المنطقة المقابلة للحبشة فترويها أمطار الصيف وتبذر أرضها مرتين كل عام"٩. وهو حديث كما نرى، يشير إلى درجات متفاوتة من الزراعة، مبتدئا بالزراعة العادية في الشمال، ومثنيا بالخفيفة في الوسط، ومنتهيا بالزراعة المكثفة في الجنوب.
أما آيات القرآن الكريم، الذي يشير إلى أحوال شبه الجزيرة العربية في أواخر العصر الجاهلي، فهي تتواتر لتثبت لنا أن الزراعة كانت موردا أساسيا ومرموقا في الوقت نفسه بين الموارد الاقتصادية لشبه الجزيرة العربية بأكملها, وقد عبرت الآيات القرآنية عن ذلك بأكثر من طريقة. فمن جهة نجد القرآن الكريم يتحدث عن الأطوار المتعددة التي يمر بها الزرع, ابتداء بإعداد الأرض وانتهاء بنضج المحصول، فهو يشير إلى حرث الأرض بداية ثم نمو الحبوب في باطن الأرض ثم الري واستواء الزرع على سيقانه ثم تركيب السنابل ثم الحصاد. كذلك يشير بوجه عام إلى الزرع واختلاف أنواعه، ثم يعدد بشكل مفصل بعض هذه الأنواع مثل: الحب والنخيل والأعناب وعدد من الفواكه الأخرى. كذلك يشير في عدد كبير من الآيات إلى قيمة الزراعة كمورد اقتصادي أساسي مرموق، فنجد إبراهيم ﵇ يحس بوطأة المكان الذي اتخذه لذريته -وهو مكان غير ذي زرع- ويبتهل إلى الله أن يرزق
стр. 321
هذه الذرية قدرًا من الثمرات تعينهم على ممارسة حياتهم، كما نجد الآيات القرآنية تشبه العمل الصالح بالحبوب التي تنبت كل منها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. وتقدم لنا مثلا لشخصين يتباهى أحدهما على الآخر بأنه يملك جنتين من نخيل وأعناب، بل إن بعض الآيات تقدم مثل هذه الجنات كأمنية لأي شخص له أسرة أو ذرية يسعى إلى تحقيق هذه الأمنية ويحافظ عليها ويخشى أن تتعرض لما يتعرض له الزرع والثمر من عوامل الطبيعة التي قد تعصف بها أو تحرقها. كما نجد في آية أخرى هذا الزرع وقد وضع موضع رضًا وإعجاب بالنسبة لأصحابه من المؤمنين ومصدر غيظ بالنسبة لمن وقف في سبيلهم أو تصدى لهم من غير المؤمنين١٠.
كذلك تظهر لنا الزراعة كمورد اقتصادي أساسي من موارد الإنتاج في شبه الجزيرة حين نعرف شيئا عن الأنواع العديدة من المعاملات التي اتصلت بالزرع والزراعة، وهي معاملات كانت على جانب كبير من التنظيم والتقنين. ومن بين هذه المعاملات، على سبيل المثال، المحاقلة، أي: استئجار الأرض بالحنطة أو الذهب أو أي شيء آخر يقوم مقامهما، والمزارعة وهي الاتفاق على أن يزرع شخص أرض شخص آخر لقاء نسبة معلومة من الثمر أو الحصاد يتفق عليه، على أن تكون البذور من مالك الأرض، والمخابرة وهي على نمط المزارعة ولكن تكون البذور على الزارع، وفي بعض أنواع الإيجار المتعلق
стр. 322
بالأرض المزروعة لمدة معينة تكون هناك شروط من بينها مثلًا أن يكون للمالك حق إبطال العقد إذا أظهر المستأجر تباطؤًا أو تكاسلًا أو إهمالًا في استغلال الأرض، إذ يصبح معنى هذا، في حالة الاتفاق على نسبة يؤديها المستأجر إلى المؤجر، أن يكون هذا التباطؤ أو الإهمال سببًا في نقص المحصول ومن ثم في قلة نصيب صاحب الأرض من هذا المحصول١١.
كذلك كانت هناك المعاملة على القصارة, وهي ما تبقى في السنابل من الحب بعد التذرية فيكون هناك اتفاق يجعل هذه القصارة من نصيب الذاري أحيانا ومن نصيب صاحب الزرع في أحيان أخرى. وهناك معاملة المساقاة وهي الاتفاق بين طرفين على قيام أحدهما بتوصيل الماء إلى أرض الآخر سواء أكان صاحب هذه الأرض أم ملتزمًا لها، مقابل تعهد يقدمه الطرف المستفيد من الماء إلى صاحب الماء بجزء من المحصول أو أي شيء آخر. وهناك كذلك المحاينة وهي الحصاد لقاء أجر، والمخاضرة وهي بيع الثمار قبل أن تنضج ربما للتخلص من معاملات جني الثمر أو حراسته أو حمله إلى الأسواق وما يحيط بذلك أو يتصل به من معاملات تستلزم كثيرا من الجهد أو العناء. وقد كانت المخاضرة في كثير من الأحيان مثارًا لعدد من الخلافات والمنازعات بين الأطراف المتعاقدة بسبب ما قد يصيب المحصول من تلف قبل أن يتم نضجه مما يفقد المبتاع لهذا المحصول ربحه أو جزءا من هذا الربح، فيطلب استرجاع ما دفعه كله أو بعضه، وقد أدى تواتر هذه الخصومات إلى أن نهى الرسول ﷺ عن بيع المحصول قبل أن ينضج إلا بعد أن يتبين صلاح
стр. 323
هذا المحصول، وعندئذ لا يحق لمبتاع أن يتذمر من شرائه. وأخيرا، وليس آخرًا، في هذا الصدد، فإن النصوص العربية الجنوبية تعرفنا، إلى جانب عدد من المعاملات الزراعية، بنوع من الجمعيات التعاونية لكل منها مجلس يتألف من ثمانية أشخاص يقوم على إدارة شئون الإقطاع الزراعي من تهيئة البذور والإشراف على العمل وإدارته ودفع حصة المعبد من المحصول، وحصة الحكومة "أي الضريبة المستحقة لها" وبيع المحصول أو توزيعه وهكذا١٢.
أما عن المحاصيل فكانت متعددة، وتشير النقوش العربية الجنوبية والقرآن الكريم إلى عدد لا بأس به، سواء في ذلك الفواكه أو الحبوب أو الخضراوات، ولكن تبرز من بين هذه المحاصيل والثمار ثلاثة أنواع بوجه خاص هي النخيل والأعناب والحبوب. ويحظى النخيل وما ينتجه من تمر الأهمية الأولى في شبه الجزيرة، وقد كانت وفرة النخيل بسبب ملاءمة مناخ شبه الجزيرة لنموه، هي دون شك التي دفعت به إلى المقدمة لكي يصبح العنصر الغذائي الأساسي لسكان هذه المنطقة. يتخذه البدوي طعاما، كما مر بنا في مناسبة سابقة، إلى جانب شيء من حليب النوق وفي بعض المناسبات القليلة شيء من لحم الإبل، ويصنع من نواه المدقوق أقراصًا يعطيها لإبله علفًا، ويتخذه الحضري طعاما إلى جانب أنواع أخرى لا يتيسر للبدو. ويبدو اهتمام سكان شبه الجزيرة قبل الإسلام بالنخيل من طريقة ذكره في أشعارهم ومن ورود ذكره عند مختلف الطبقات الاجتماعية التي ينتمي إليها هؤلاء الشعراء.
وفي هذا المجال نجد امرأ القيس، وهو ملك ينتمي إلى أعلى طبقة اجتماعية, يصف في معلقته مطرا عنيفا في غزارته فلا ينسى أن يذكر ما سببه هذا المطر
стр. 324
من دمار كان بين أبرز آثاره أنه لم يترك جذع نخلة في مدينة تيماء "في شمالي غربي شبه الجزيرة" إلا اقتلعها، وفي هذا إشارة متضمنة إلى شهرة هذه المدينة بوفرة أشجار النخيل بها. كذلك نجد هذا الملك في قصيدة أخرى يصف بعض حسان الطبقة الاجتماعية الموسرة وقد ارتدين ثيابًا ملونة من قماش موشًّى جاء من أنطاكية، فلا يجد ما يشبه به لونها وجمالها، سوى لون التمر الذي لم يكتمل نضجه، ولبيد بن ربيعة وهو من سادة بني ربيعة، يفخر في معلقته بفرسه فيشبهها، إذا رفعت عنقها، بنخلة طويلة لا يكاد يصل إلى قمتها من يريد قطف ثمارها. ثم يصف الشاعر نعمة الله على الأبرار فيذكر أن الله يرزق هؤلاء أشجار نخيل طويلة كثيرة الحمل من التمر١٣. وربما كانت إحدى الملاحظات اللغوية التي قدمها باحث حديث عن النخل والتمر من بين الملاحظات التي لا تخلو من مغزى في هذا الصدد، إذ يشير هذا الباحث إلى أن لفظة "نخل" مصدر يفيد معنى استخلاص الشيء الطيب من غيره من الشوائب "من فعل نَخَل"، فهذه الشجرة، إذن، هي خلاصة الشجر جميعا، كذلك لفظة "تمر" التي هي نطق آخر للفظة "ثمر" وكأنما المقصود هو أن الثمر إذا ذكر وحده فلا بد أن يكون تمر النخيل أولًا وقبل كل شيء، فإذا كان المقصود ثمرا آخر فلا بد أن يحدد نوعه. هذا إلى ما نراه في المخربشات التي تركها سكان شبه الجزيرة في العصر السابق للإسلام في مواضع
стр. 325
عديدة من آثارهم والتي يظهر فيها رسم النخلة بشكل ظاهر١٤.
أما في القرآن الكريم الذي تشير آياته إلى أحوال شبه الجزيرة في الفترة الأخيرة من العصر الجاهلي فتبرز فيه شجرة النخيل لتحتل، مع الأعناب, المكان الأول بين الأشجار التي يشير إليها وإلى أهميتها في مجتمع تلك الفترة على نحو ما أسلفت١٥. وفي الواقع فإن الإشارة إلى الأعناب متواترة في الشعر الجاهلي، أحيانًا بوصفها أعنابًا فحسب، وأحيانًا أخرى بوصفها الفاكهة التي تصنع الخمر من عصارتها، وأحيانًا ثالثة في وصف مطول مفصل للخمر وما تبعثه في النفس، وهو وصف لا نكاد نرى شاعرا جاهليا إلا وعرج عليه في قصيدة على الأقل من قصائده, فيما عدا استثناءات قليلة، بل إن بعض شعراء العصر الجاهلي جعلوا من إفراطهم في شرب الخمر وحرصهم على ذلك نقطة فخر بالنسبة لهم في عديد من المناسبات. وقد يفيد في إعطائنا صورة من هذا الفخر وهذا الحرص أن أشير، كمثال من بين أمثلة عديدة، إلى موضعين في شعر طرفة بن العبد، يساوي في موضع منهما بين مبادرته إلى الشراب قبل الآخرين، وبين مبادرته لنجدة من يلجأ إليه، كاثنتين من لذات الحياة التي يسعى إليها، بينما يفخر في الموضع الآخر بأن قومه لا تعز الخمر عليهم ولو دفعوا خير إبلهم ثمنًا لها١٦.
стр. 326
وقد انتشرت زراعة الأعناب في عدد من أماكن شبه الجزيرة العربية في العصر السابق للإسلام فالنصوص العربية الجنوبية تشير في مواضع عديدة إلى معاملات تتعلق بهذه الزراعة أو بالزبيب الناتج عن تجفيف ثمارها في اليمن ومن بين هذه نص يشير إلى توزيع أبرهة "حاكم اليمن من قبل نجاشي الحبشة في أواسط القرن السادس الميلادي" لحصص من الزبيب "فصمم أو فصم في اللهجات العربية الجنوبية" بمناسبة إسهامهم في بناء سد مأرب. كذلك تظهر صور أغصان العنب وعناقيده محفورة على الآثار اليمنية سواء في الأحجار أو على الأخشاب أو الألواح المسواة من الجص، حتى صار هذا النوع من الزخرف إحدى خصائص الفن اليمني. كما نجد الأعشى الكبير يشيد بأعناب "أثافت"، إحدى مدن نجران، وقت قطافها وعصرها، في إحدى قصائده عن الخمر. والأعشى هو شاعر الخمر وشاعر الترحال والأسفار الذي يستطيع أن يقارن بين بلد وبلد وبين ما تنتجه هذه أو تلك من الأعناب. كذلك اشتهرت بعض الأماكن في الحجاز، مثل الطائف، بالأعناب والزبيب الذي يجفف منها، فعمرو بن العاص، وهو مخضرم أدرك الجاهلية، كان له بوهط من الطائف, كرم كثير بلغ عدد شجره ألف ألف عود١٧. وفي الواقع فإن الأعناب وما يجفف منها من زبيب كانت تمثل عنصرًا أساسيًّا من عناصر ثروة الطائف الاقتصادية.
أما عن النوع الثالث من الزراعة فهو الحبوب, ومن بينها الشعير الذي كانت زراعته منتشرة بعض الشيء ثم الحنطة أو البر "القمح" الذي يبدو أن
стр. 327
زراعته كانت على مستوى ضيق ربما بسبب عدم ملاءمة المناخ أو التربة إلا في بعض المناطق القليلة، وهو تصور ينطبق بشكل خاص على النصف الشمالي من شبه الجزيرة. ويبدو أن هذا الوضع كان سببا في ارتفاع أثمان الحنطة وهو أمر نستنتجه من اقتصار استخدام الخبز المصنوع من الحنطة على طبقة السادة أو الطبقة الموسرة بين عرب الجاهلية كما نراه في بيت للمتنخل الهذلي يفخر فيه بأنه يقدم "خبز" البر إلى النازلين بضيافته، ولا ينسى أن يشير، في نغمة مباهاة ظاهرة، إلى أن لديه مقادير مخزونة من هذا البر -الأمر الذي يظهر ما كانت عليه هذه السلعة من ندرة وما كان عليه ثمنها من ارتفاع. وكانت الطائف، مثل اشتهارها بالأعناب والزبيب، مشهورة كذلك بهذا المحصول المرموق، فكانت القوافل تقبل منها وهي تحمل، فيما تحمل، الحنطة إلى مكة١٨.
стр. 328
ب- المحاصيل الطبيعية:
وإلى جانب الزراعة، وربما أهم منها من الناحية الاقتصادية، يوجد في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية مورد طبيعي في أغلبه هو نباتات التوابل والطيوب. ومن بين هذه اللبان أو البخور والمر والقصيعة والقرفة واللادن أو المستكة١٩. وقد مر بنا في مناسبة سابقة أن العصر القديم كان عصر استهلاك مكثف للبخور والطيوب بوجه خاص، ومن هنا كان الاهتمام الزائد للكتاب الكلاسيكيين في التعرف على كل المعلومات التي تتصل بهذه النباتات العربية التي حظي بها القسم الجنوبي من شبه الجزيرة، كما اتجهت
стр. 329
أنظار الدول الكبرى في العصر القديم إلى الحصول على نصيب منها، سواء في شكل هدايا أو ضرائب أو محاولة احتلال المنطقة العربية المنتجة لها٢٠، وهذه كلها شواهد على القيمة الكبيرة لهذا المورد الاقتصادي.
ولعل في ذكر بعض الحقائق التي أوردها الكاتب الموسوعي الروماني وهو بلينيوس PLINIUS، عن أحد هذه المنتجات وهو اللبان أو البخور، ما يعطينا فكرة عن حجم هذا المورد والأهمية التي ارتبطت به. إن الغابات التي تنمو بها أشجار اللبان في منطقة سبأ تصل مساحتها إلى ٢٠ سخوينوس SCHOENUS طولًا ونصف ذلك عرضًا، فإذا عرفنا أن طول هذا المقياس هو ٥ أميال ظهرت لنا المساحة الهائلة لهذه الغابات، وهي ١٠٠ ميل طولا و٥٠ ميلا عرضا تنتشر على التلال المرتفعة من قمتها إلى سفحها في منطقة تدعى سربية sariba وهي، حسبما يدعي اليونان، كلمة تعني "السر الخفي" وتقع ضمن أرض السبئيين على مسيرة ثمانية أيام من العاصمة شبوه. أما الأسر التي تملك هذه الغابات فتعد نحو ثلاثمائة أسرة ويدعى أفرادها بالمقدسين. كما أن العمل الذي يقوم به هؤلاء الأفراد، وهو شق لحاء الأشجار لاستخراج العصارة الصمغية القوام التي يتكون منها اللبان، يحيط به قدر كبير من القدسية التي تشير إلى مدى الأهمية التي أعطاها أصحاب هذه الغابات لهذا المورد الاقتصادي المهم. ففي الموسم المذكور لا يجوز لهم أن "يفقدوا طهارتهم" بلقاء النساء أو الاشتراك في مواكب الجنازات "ويبدو أن هذا الاشتراك كان يفقد الطهارة في نظرهم لسبب أو لآخر". ويبدو أن عددا من الشعائر الدينية كانت تحيط بهذا الموسم إذ إن بلينيوس يذكر لنا في هذا الصدد أن ارتفاع ثمن هذه السلعة
стр. 330
يرجع في أحد أسبابه إلى التكاليف التي تستتبعها الدقة الصارمة في اتباع هذه الشعائر.
ثم يذكر لنا الكاتب أنه في الزمن السابق لوقته "عاش الكاتب في أواسط القرن الثاني الميلادي"، حين كانت فرصة تسويق اللبان أقل منها في وقته، كانت العادة أن يجمع اللبان مرة واحدة في العام، أما في وقته فإن الطلب الكبير على هذه السلعة أدى إلى جمعها مرتين في العام، إحداهما في الربيع، والأخرى حين تصل حرارة الصيف إلى أشدها. أما بعد أن يجمع المحصول من الغابات فإنه يحمل على الجمال إلى العاصمة شبوه SABOTA ويفتح أحد أبواب المدينة لتدخل منه هذه القوافل المحملة باللبان. وقد حرص ملوك سبأ على أن تلتزم هذه القوافل الطريق العام الممتد بين الغابات والعاصمة واعتبروا أن الانحراف عنه يشكل جريمة أساسية يعاقب مرتكبها "وهو أمر يدلنا على حرص هؤلاء الملوك على ألا يكون هناك أي تلاعب في المحصول وهو في طريقه إلى المدينة". فإذا ما دخلت القوافل إلى شبوه أخذ الكهنة عشر المقدار تقدمة إلى إله المدينة, قبل أن يسمحوا لأحمال اللبان أن تعرض في السوق, وينفق هذا العشر في آداب دينية عامة تقام باسم هذا الإله٢١.
стр. 331
التجارة
مدخل
...
٣- التجارة:
وأتحدث الآن عن مورد اقتصادي آخر، لعله كان أهم الموارد التي لعبت دورًا أساسيًّا في تشكيل الحياة الاقتصادية بما لها من تداخلات أخرى "اجتماعية وسياسية ودينية" في مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام, وهذا المورد هو التجارة. أما المقومان الرئيسيان لهذا المورد فقد كان أحدهما هو الطيوب والتوابل التي تنبت في جنوبي شبه الجزيرة لتجد طريقها برًّا وبحرًا إلى مصر
стр. 332
وسورية ثم من الشواطئ السورية عبر المتوسط إلى الشواطئ الأوروبية في بلاد اليونان والرومان، بينما كان المفهوم الآخر هو الموقع الأوسط الذي تحتله شبه الجزيرة العربية بين الشرق والغرب لتمر بها الخطوط التجارية التي تربط بينهما، سواء في ذلك الخطوط البرية التي تخترق شمالي شبه الجزيرة متجهة إلى الشاطئ السوري، أو الخطوط البحرية التي تأتي من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر مارَّة بمداخله عند عدن لتكمل طريقها إما برا عبر شبه الجزيرة من الجنوب إلى الشمال، أو بحرا بطول البحر الأحمر حتى موانئه الشمالية أو متنقلة بين الطريق البري والطريق البحري.
стр. 333
أ- أهمية هذا المورد ومظاهر ذلك:
وقد كان هذا الموقع الوسط وما ترتب عليه من مرور التجارة من الشرق إلى الغرب بشبه الجزيرة العربية ظاهرة استرعت اهتمام الكتاب الكلاسيكيين في العصرين اليوناني والروماني بدرجة تعطينا صورة مجسمة على حجم هذا المورد وأثره في تنمية اقتصاديات شبه الجزيرة في ذلك العصر الذي وصل فيه استهلاك الطيوب والتوابل إلى قدر كان مجال تعليق لهؤلاء الكاتب. فإلى جانب التفاصيل التي أفاضوا فيها عن طيوب شبه الجزيرة وتوابلها ووصولها إلى العالم الغربي، وهو أمر بدأ يتنبه هؤلاء الكتاب إليه منذ عهد المؤرخ اليوناني هيرودوتس في أواسط القرن الخامس ق. م. "وإن كان هذا لا يعني بطبيعة الحال، أن هذه التجارة لم تكن موجودة قبل ذلك". ومن الكتابات التي تركها لنا هؤلاء نعرف أن عرب شبه الجزيرة لم يكونوا يقتصرون على تصدير طيوبهم وتوابلهم إلى الغرب وإنما كانوا يصدرون كذلك ما يستوردونه من هذه السلع من الهند ومن الحبشة وبعض مناطق السودان aethiopia ومن الصومال trogloditikae. ويشير بلينيوس إلى الحجم الهائل لما كانت تستورده روما من شبه جزيرة العرب ضمن حديثه عن مستوردات روما من بعض
стр. 334
هذه المناطق في أواسط القرن الأول الميلادي حين يذكر في مجال الحديث عن هذه السلع أن "الهند والصين وشبه جزيرة العرب تأخذ منا كل عام ١٠٠ مليون سستركه sesterces "عملة رومانية""، ونعرف أن هذا المبلغ كان شيئا كثيرا، حتى بالنسبة إلى الإمبراطورية الرومانية آنذاك، من العبارة التي ينهي بها حديثه في هذا الموضع حيث يقول في تعجب ظاهر: "وهذا هو ما كان يكلفنا ترفنا ونساءنا"٢٢.
وقد عاد هذا المورد التجاري على عدد من مناطق شبه الجزيرة بقدر كبير من الثروة "بغض النظر عن نصيب الطبقات المختلفة في المجتمع من المشاركة في هذه الثروة". ويتحدث الجغرافي اليوناني سترابون strabo عن غنى المنطقة الجنوبية الغربية في مجال وصفه لأسباب الحملة الرومانية التي جردها أغسطس، أول الأباطرة الرومان، على هذه المنطقة في ٢٤ ق. م. فيذكر أن الحافز الذي دفع الإمبراطور الروماني إلى محاولة احتلالها هو ما سمعه عن ثروة سكانها ومن ثم كان هدفه هو "التعامل معهم كأصدقاء أثرياء أو السيطرة عليهم كأعداء أثرياء"٢٣. وبصرف النظر عن مدى ما في هذا التعليل من دقة أو تطابق مع أهداف أغسطس من الحملة فإن الإشارة واضحة إلى ثروة المنطقة. كذلك يتحدث الكاتب الموسوعي الروماني بلينيوس plinius عن العرب فيذكر أنهم " في عمومهم, أغنى أجناس العالم؛ لأن ثروات واسعة تتجمع في أيديهم من روما وبلاد فارس لقاء ما يبيعونه لهذين البلدين سواء من نتاج البحر "يقصد اللآلئ" أو من غاباتهم "يقصد غابات الطيوب",
стр. 335
دون أن يشتروا منهما شيئا في مقابل ذلك٢٤. وربما كان بلينيوس مبالغًا بعض الشيء فيما وصف به العرب من عدم استيراد أي شيء، ولكن يبدو فعلا أن وارداتهم لم تكن كثيرة، فنحن لا نسمع شيئا كثيرا عنها في علاقاتهم مع الآشوريين أو البابليين أو الفرس، أو في العصر اليوناني الروماني، وحين نبدأ نسمع شيئا عن ذلك في الشعر الجاهلي في القرن السادس الميلادي فهو لا يزيد كثيرا على بعض السيوف من الهند أو بعض الأقمشة الثمينة أو الموشاة من العراق والشام٢٥، وربما كانت هناك كماليات أخرى مماثلة لم يرد إلينا ذكرها, ولكن تبقى في النهاية حقيقة ثابتة هي أن صادرات العرب كانت أكثر بكثير من وارداتهم، فالسلعتان الأساسيتان في العالم القديم وهما الحبوب والطيوب كانت إحداهما وهي الطيوب متوفرة لديهم، وكانت الأخرى وهي الحبوب متوفرة في منطقة اليمن وبعض الواحات، بينما لم يكن باقي سكان شبه الجزيرة يعتمدونها كمادة غذائية أساسية كما مر بنا في مناسبة سابقة.
وفي الواقع فإن الثروة التي عرفتها بعض مناطق شبه الجزيرة العربية قد أدت ببعض الكتاب الكلاسيكيين إلى قدر من المبالغة في تقدير مظاهر هذه الثروة، كما فعل أجاثارخيدس agatharchides في وصفه المسهب لحياة البذخ عند السبئيين، وكما فعل أرتميدوروس ARTEMIDOROS حين ذكر أن الجرهائيين "أهل جرهاء على شاطيء الخليج" والسبئيين "قد أصبحوا، بسبب تجارتهم،
стр. 336
أغنى الجميع "يقصد سكان شبه الجزيرة العربية" فلديهم قدر كبير من الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة مثل: النمارق والكراسي والأوعية وكئوس الشراب، كما تتصف منازلهم بالبذخ إذ إن أبوابها وجدرانها وسقوفها مطعمة بالعاج والذهب والفضة ومرصعة بالأحجار الكريمة"٢٦.
ولكن إذا كانت مظاهر الثروة في بعض مناطق شبه الجزيرة قد ذكرت في المصادر الكتابية بشكل مبالغ فيه في بعض الجوانب, فإن الحديث عنها ليس خاليًا من أساس حقيقي، يدعم ذلك عدد من الأدلة الأثرية في أكثر من منطقة. ففي سبأ, على سبيل المثال، لا تزال هناك بقايا من أسوار المدن والأبراج والمعابد مثل معبد المقه إله القمر، والقصور ومجموعات الأعمدة والتماثيل، وسد مأرب الذي كان يحجز وراءه كميات هائلة من المياه تمرّر من خلال أنفاق في جسم السد لها أبواب تفتح عند اللزوم لأغراض الري. وكل هذا دليل على موارد هائلة من الثروة كانت تتمتع بها المنطقة، كما تؤكد ذلك مجموعات العملة التي ترجع إلى عهد الملوك السبئيين والملوك السبئيين الحميريين، وهي عملة كانت تضرب منذ القرن الثالث ق. م. على خط العملة الأثينية التي وجدت طريقها إلى المنطقة مع القوافل التجارية الآتية من غزة. كما كانت تتبع الوزن البابلي الشائع٢٧ -وهي إشارات تدل على مدى نشاط تجارة هذه المنطقة من الجزيرة العربية, سواء مع وادي الرافدين أو مع شواطئ البحر المتوسط، ومن ثم الرخاء والثروة المترتبان على ذلك.
وفي الأقسام الأخرى من شبه الجزيرة تجد في المنطقة التي كانت فيها إمارة الأنباط الأضرحة المنحوتة في الصخر في مدائن صالح -في شمال غربي السعودية- والبتراء -بالأردن- في مهارة فنية فائقة وبشكل يشير في مجموعه
стр. 337
وفي تفاصيله إلى قدر كبير من الثراء الذي يصل إلى حد البذخ في مواضع عديدة، كما نجد في مدينة جرش -بالأردن حاليا- الساحة الكبيرة forum التي تحيط بها الأعمدة الشاهقة على النمط الروماني، وبقايا الشوارع المتقاطعة المرصوفة بالأحجار العريضة والتي لا يزال عدد كبير من الأعمدة التي تحف بها قائمة حتى الآن، هذا إلى جانب المسرح الحجري المدرج الذي بقي حتى الوقت الحاضر محتفظًا بحالته القديمة في أغلب مقوماته مثل ساحة الجوقة ومدرجات المشاهدين. أما تدمر, هذه المدينة الفريدة التي كانت تقع في قلب الصحراء في شمالي شبه الجزيرة عند نقطة التوازن القوية بين أملاك الرومان في الغرب وأملاك الفرس في الشرق، والتي عرفها اليونان والرومان باسم "مدينة النخيل" palmyra، فلا تزال آثارها الباقية حتى الآن تنطق بما كانت تتمتع به من ثروة كبيرة, ومن بين هذه الآثار العديدة طريق الأعمدة التي تنتهي بقوس النصر, وكانت هذه هي الطريق الرئيسة في المدينة, يحف بها صفانِ من الأعمدة بطولها من اليمين واليسار لا يزال باقيا منها حتى الآن ١٥٠ عمودا ضخما من أصل ٣٧٥ عمودا، ومعبد بعل ومعبد بعل شمين "رب السموات" وعدد من الأبراج الجنائزية المربعة الشكل التي كانت تستخدم كمقابر للدفن وعدد من المناظر المنحوتة على طريقة النحت البارز التي كانت تزين واجهات المعابد والمباني الأخرى٢٨.
ونحن نستطيع في الواقع أن ندرك، من زاوية أخرى، مقدار ما كان يمكن أن تجنيه بعض مناطق شبه الجزيرة من ثروة من هذا المورد الاقتصادي التجاري إذا ألقينا نظرة سريعة على بعض المؤشرات التي نستنتج منها حجم النشاط التجاري والمعاملات التجارية في شبه الجزيرة العربية، ومن بين هذه المؤشرات, على سبيل المثال، ما نجده في النقوش التي عثر عليها المنقبون
стр. 338
الأثريون في العربية الجنوبية من وفرة في الألفاظ ذات المعاني التجارية التي تتصل بالبيع والشراء والامتلاك والعقود والأوامر التي كان الملوك يصدرونها لتنظيم جباية المكوس -الضرائب الجمركية- على السلع التي تباع في الأسواق وما يترتب على مخالفتها أو التهرب منها من عقوبات، أو لتنظيم المعاملات التجارية بجوانبها المختلفة مثل الشروط التي تتصل بحقوق الأغراب في ممارسة التجارة بالمنطقة أو بممارسة أهل المنطقة للتجارة في الخارج.
وعلى سبيل المثال, فنحن نجد من بين هذه النقوش نقشًا يشكل مرسومًا ملكيًّا موجهًا من الملك "شهر هلل -أو هلال- بن يدع اب" إلى تجار قتبان، سواء منهم أبناء المنطقة أو الأغراب القادمون إليها بقصد الاتجار، ومن بين ما ورد في هذا النقش أن "من يتجر تجارة في تمنع -عاصمة قتبان- أو بخارج تمنع فعليه أن يقدم عربونًا إلى تمنع وأن يكون مقيما بشمر -إحدى المدن- وإن آثر قتبان محلًّا لاتجاره، وأراد أن يتجول ليشتري، فعليه أن يشتري من شمر"٢٩ والجملة تشير، كما هو واضح, إلى الشروط التي يجب أن يلتزم بها التجار الأغراب الوافدون إلى قتبان للاتجار فيها, سواء من حيث مكان إقامتهم أو مكان مشترياتهم أو مكان ممارستهم لتجارتهم، أو الرسوم المطلوب تأديتها إلى الإدارة المختصة بالعاصمة.
والشيء ذاته نجده في منطقة الحجاز حيث ظهر أكثر من مركز تجاري من بينها مكة ويثرب والطائف. وفي مكة، على سبيل المثال, نرى قبيلة قريش وقد نشطت نشاطا ملحوظا ومستمرا في المعاملات التجارية سواء فيما بين القرشيين وبعضهم أو مع الشعوب الأخرى مثل البيزنطيين والفرس والحبش، بحيث أصبح لديهم من تجاربهم في هذا المجال عدد من القواعد والأصول التي شكلت عرفا تجاريا متبعا جعل باحثا معاصرا يرى فيه ما يمكن
стр. 339
أن نسميه "قانون التجارة" بالنسبة لأهل تلك المدينة٣٠، كما نجد قريشا تعقد عددا من المعاهدات أو الاتفاقات التجارية لتأمين تجارتها سواء في خارج شبه جزيرة العرب أو في داخلها مثل المعاهدتين التي عقدت إحداهما مع حكومة الإمبراطورية البيزنطية في بيزنطة والأخرى مع حكومة الإمبراطورية الفارسية في طيسفون ctesiphon -المدائن في العصر الإسلامي- ومثل الاتفاق الذي تم مع الرسول ﷺ والمسلمين بعد أن أخذ المسلمون يقطعون على قريش الطريق التي تمر بها قوافلها التجارية، وهو الاتفاق الذي تضمنه صلح الحديبية٣١.
وقد كان هناك عدد من الطرق البرية والبحرية التي تنقل هذه التجارة النشطة. وبعض هذه الطرق كان يبدأ من المنطقة الجنوبية الغربية في شبه الجزيرة متخذًا طريقه إلى وادي الرافدين أو إلى سورية، والبعض الآخر كان يخترق شبه الجزيرة في اتجاه عرضي بين وادي الرافدين وسورية، ثم كانت هناك الطرق التي تحمل التجارة من المحيط الهندي ثم بطول البحر الأحمر حتى موانئه الشمالية. ويحدثنا الكتاب الكلاسيكيون عن هذه الطرق وتقسيماتها وتفريعاتها وما حدث فيها من تغير أو إضافات بين عصر وعصر والخدمات التي كانت تتم على طول بعض هذه الطرق بشيء غير قليل من التفصيل الذي يعطينا فكرة واضحة في عمومها عن النشاط التجاري الكثيف لشبه الجزيرة العربية.
стр. 340
ب- طرق التجارة البرية:
ومن خلال هذه التفاصيل ومن عدد من النقوش والمصادر الأخرى نستطيع أن نميز عدة اتجاهات رئيسة للطرق البرية. والاتجاه الأول كانت تتبعه طريق موازية تقريبا للبحر الأحمر من أقصى جنوب شبه الجزيرة إلى المنطقة السورية وشواطئها في الشمال. هذه الطريق كانت تبدأ من مناطق قتبان في الركن الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة وحضرموت الواقعة إلى شرقيها وسبأ المتاخمة لهما من ناحية الشمال. ويبدو أن اتفاقًا ما كان قائما في أواسط القرن الثاني الميلادي "وربما كان قائما قبل ذلك التاريخ, وربما استمر قائما بعده" بين اثنتين من هذه المناطق الثلاث على الأقل، وهما سبأ وقتبان، تتجمع بمقتضاه أحمال الطيوب في تمنع "thomna عند الكاتب الموسوعي الروماني بلينيوس plinius" عاصمة قتبان، ولعل التضاريس الجغرافية هي التي قضت بهذا الاتفاق، ومن تمنع تبدأ طريق القوافل الرئيسة نحو الشمال مخترقة الحدود الشمالية لمنطقة سبأ لتتخذ بعد ذلك شكل ممر طويل ضيق يقع في أرض المعينيين ثم تصل بعد ذلك إلى مكة التي نراها قبل ظهور الإسلام مركزا تجاريا نشطا يعقد الصفقات ويبرم الاتفاقات سواء منها الداخلية أو التي تتم مع الدول المتاخمة لشبه الجزيرة، ثم تستمر الطريق شمالًا إلى ديدان "العلا الحالية" ثم إلى مدين "مغاور شعيب حاليا" حيث لا تزال الآثار التي تنم عن ثروة هاتين المدينتين تشير إلى الثروة التجارية التي كانتا تتمتعان بها ثم إلى أيلة -العقبة حاليا- ثم بعد ذلك إلى البتراء "petra عند الكتاب الكلاسيكيين" عاصمة الأنباط، ثم تتفرع الطريق هنا إلى فرعين أحدهما إلى تدمر "palmyra عند الكتاب الكلاسيكيين" في الشمال والآخر يتجه إلى الغرب مع ميل طفيف إلى الشمال الغربي حتى يصل إلى غزة ورينوكولورا rhinokoloura على الشاطئ الفلسطيني. هذا وقد زيد على هذين الفرعين فرع ثالث في عهد الإمبراطور تراجان "ترايانوس trajanus" يصل بين أيلة -العقبة- وتدمر
стр. 341
ثم شقّه في ١١٠-١١١ مارًّا بالبتراء وآريوبوليس areopolis "ربة عمون" وفيلادلفيا philadelphia "عمان" وبصرى bostra ومنتهيا إلى تدمر٣٢.
هذه هي الطريق البرية الطولية التي كانت تصل بين جنوبي شبه الجزيرة العربية وشماليها، اتجاها إلى المنطقة السورية. ويذكر لنا أراتوسثنيس الجغرافي اليوناني "٢٧٥-١٩٤ق. م" أن القوافل التجارية كانت تقطع الجزء الواقع من هذه الطريق بين جنوبي شبه الجزيرة وأيله -العقبة- في الشمال في ٧٠ يومًا٣٣, كما يذكر بلينيوس "٢٣ /٢٤ -٧٥م" أن رحلة القوافل من تمنع "عاصمة قتبان" إلى غزة كانت مقسمة إلى ٦٥ شوطا "تمثل بالضرورة ٦٥ يوما" في كل شوط منها مواقف للجمال، وأن أصحاب القوافل كان عليهم أن يدفعوا في كل شوط من هذه الأشواط ثمن الحصول على الماء أو الحشائش والعلف للجمال أو أجر النزل الخاصة بالمبيت أو رسومًا لقاء السماح بالمرور أو الحماية وهكذا٣٤.
стр. 342
ونحن نجد، إلى جانب هذا التعميم، مثالًا محددًا لما كان يحدث في تمنع في بداية الطريق، حيث كان ملك قتبان يجبي ضريبة على كل الطيوب المارة بمنطقته, كما كانت حصص من الطيوب تعطى لرجال الدين ولأمناء الملك وحرس حاشيته وخدمه ولحراس البوابات مما كان يرتفع كثيرا بثمن هذه الطيوب قبل أن تصل إلى نهاية طريقها على شواطئ المتوسط٣٥. أما الطريق بين أيلة وتدمر، وهي الطريق التي شقت في عهد الإمبراطور تراجان فقد لقيت عناية مستمرة من جانب الولاة الرومان الذين أقاموا عليها مراكز شرطة للحراسة عند محاطِّ القوافل التجارية التي كانت تمر بها، أقاموا عددا آخر من هذه المراكز على امتداد هذه الطريق في الطريق الرئيسة جنوبا حتى الحدود التي كانت تفصل بين سورية والحجاز، أي: إلى منطقة ديدان -العلا حاليا- وإجرا "الحجر في القرآن الكريم والوجه حاليا"٣٦.
أما عن الطرق التي كانت تخترق شبه الجزيرة عرضًا فقد عرفت المنطقة أربعًا منها على الأقل في العصور السابقة للإسلام. وأولى هذه الطرق جنوبا يشير إليها إراتوسثنيس "أراتسطين" الجغرافي حين يذكر أن طريقا كانت تمتد من المناطق المنتجة للمر في الغرب، متخذة اتجاها شرقيا بطول الساحل المتعرج لشبه الجزيرة حتى تصل إلى المنطقة المنتجة للقرفة بعد ٥٠٠٠ ستاديون -حوالي ٦٠٠ ميل- ولكن يبدو أن هذه الطريق لم تكن توصل إلى ميناء على شاطئ المحيط الهندي أو الخليج الفارسي -الخليج العربي الآن- إذ يذكر لنا هذا الكاتب أن أحدا لم يكن قد وصل بعد في عصره "٢٧٥-١٩٤ق. م." إلى أبعد من منطقة القرفة التي يتحدث عنها، كما يزيد على ذلك أنه لا توجد مدن كثيرة على الشاطئ بينما يوجد في الداخل عدد من المدن الجميلة وهي
стр. 343
إشارة لنا أن نستنتج منها عدم وجود موانئ على الشاطئ٣٧. وهكذا يبدو لنا أن نعتبر أن هذه الطريق كانت مهمتها الأساسية, وربما الوحيدة، أن تتبعها قوافل القرفة "سواء أكانت هذه القوافل لتجار من منطقة القرفة، أم لتجار أتوا إليها من الغرب وعادوا بأحمال القرفة" متجهة نحو الغرب حتى تتجمع في تمنع "عاصمة قتبان" عند بداية خط القوافل المتجهة شمالًا. وهو استنتاج يؤيده ما يذكره لنا الكاتب الموسوعي بلينيوس الذي نعرف منه أن ملك قتبان كان الوحيد الذي يتحكم في تجارة القرفة٣٨.
والطريق الثانية تنطلق كذلك من القسم الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة، متخذة اتجاها شماليا إلى جرهاء GERRHA وهي مدينة من المرجح أن موقعها كان على مقربة من ميناء العقير الحالية "شمال شرقي الهفوف" في وسط ساحل شبه الجزيرة المطلّ على الخليج. ويبدو أن نشاط هذا الخط التجاري كان مكثفًا إلى حد كبير، فجرهاء كانت إحدى المنطقتين التي أفاض الكتاب الكلاسيكيون في وصف سكانهما بالثراء الذي يصل إلى حد البذخ، كما يبدو أن هذا النشاط التجاري يرجع إلى فترات زمنية موغلة في القدم، كما تدل على ذلك آثار الأماكن القريبة منها في الدوسرية وجزيرة تاروت وأبقيق وكلها تشير إلى علاقة حضارية قوية مع حضارة عصر العُبيد -بضم العين- التي سادت وادي الرافدين في أواسط الألف الرابعة ق. م. أما عن نشاط هذه الطريق في العصر المتأغرق "عصر ما بعد الإسكندر الأكبر خلال القرون الثلاثة الأخيرة ق. م.", فتدل عليه, إلى جانب ما ذكره الكتاب الكلاسيكيون، الآثار التي وجدت في منطقة الفاو بوادي الدواسر في منطقة نجد والتي ترجع إلى حوالي ٣٠٠ ق. م. وهي منطقة يشير موقعها أنها كانت إحدى المحطات
стр. 344
على الطريق التي نحن بصدد الحديث عنها. وقد سبق أن رأينا من بين ما عثر عليه من آثار هذا الموقع سوقًا تجارية كاملة تضم مخازن تجارية وطرقًا ونزلًا لمبيت التجار، كذلك تدل بعض هذه الآثار، ومنها مقابض أبواب من البرونز على شكل رأس أسد، على قدر من الثراء والترف يصلح مؤشرا إلى مدى النشاط الاقتصادي على هذه الطريق التجارية التي كانت تحمل طيوب العربية الجنوبية إلى وادي الرافدين. هذا وحين كانت أحمال الطيوب تصل إلى جرهاء كانت تنقل بعد ذلك إلى وادي الرافدين إما برا، وإما في قوارب تبحر في الخليج حتى تصل إلى نهر الفرات ومن هناك تستأنف رحلتها البرية إلى حيثما توجد أسواق المنطقة٣٩.
الطريق البرية الثالثة التي تخترق شبه الجزيرة عرضا تبدأ من مكة وتنتهي إلى وادي الرافدين. ودليلنا التاريخي على ذلك هو إبرام القرشيين لاتفاق مع الإمبراطور الفارسي كما أشرت في مناسبة سابقة، وهو اتفاق كان هدفه تأمين تجارة القرشيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الفرس، ومن ثم يشير إلى وجود مثل هذه الطريق. وفي الواقع فإن هناك آثارًا لا تزال باقية حتى
стр. 345
الآن لطريق بين مكة ووادي الرافدين. وعند حائل في وسط المسافة تقريبا تتفرع الطريق إلى فرعين في هذا الاتجاه، أحدهما يصل إلى مصب الفرات مارًّا بموقع "بُرَيْدة" والآخر يصل إلى بابل مارًّا بعدد من المواقع أو بقربها مثل "السِّفن"، و"فيد". وقد أصبح هذا الفرع الأخير طريقًا رئيسة للحج والتجارة في العصر الإسلامي تحت اسم "درب زبيدة" "الذي كان يصل إلى المتحف بجوار بابل"، ولكن يبدو مؤكدا أنه كان موجودا ومستخدما قبل ظهور الإسلام، ففي "فيد" توجد آثار يطلق عليها الآن اسم "خرائب قصر جراش" يعتقد أنها تشكل موقع مدينة كانت قائمة في عصر ما قبل الإسلام. وأما السفن -بكسر وتشديد السين- فهي تقع في وادٍ صغير "في سفح جبل أجا إلى الشمال الشرقي من حائل" وقد اكتشفت بها آثار أحواض وقنوات مائية قديمة كانت تستخدم لتصريف مياه الوادي وسقي المزارع، ويستدل من النقوش الموجودة على جبل أجا -الذي تقع عند سفحه- على أن الموقع يعود تاريخه إلى القرن الخامس ق. م. ومثل هذا الوادي بمزارعه وأحواضه وقنواته دليل استقرار يشير إلى أنه موقع صالح لأن يكون محطًّا من محاطِّ طرق القوافل في العصر القديم٤٠.
ويبدو أن طريق مكة، وادي الرافدين لم تكن طريقًا قديمة لها من الشهرة ما كان للطرق الأخرى التي اهتم بها رواد المنطقة أو الذين كتبوا عنها من الجغرافيين والكتاب الكلاسيكيين الأوائل، فنحن لا نسمع عنها حتى عهد بلينيوس الذي كتب في أواسط القرن الأول الميلادي بينما نسمع عن الطريق الجنوبية الشمالية الموصلة بين قتبان وسبأ وحضرموت من جهة وأيلة وغزة من جهة أخرى، وعن الطريق الموصلة بين هذه المناطق وجرهاء. ولكنا نبدأ في التعرف عليها في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي حين نراها
стр. 346
على خريطة الجغرافي اليوناني بطلميوس كلاوديوس "كتب بين ١٢١، ١٥١م, وهو الذي عرفه الكتاب المسلمون فيما بعد باسم القلوذي أو الجغرافي"، وهي تظهر في خريطته تحت اسم مكارابو makarabu. ونحن إذا تأملنا الاسم نجد أن طريقة نطقه ونهايته لها مسحة أكدية واضحة٤١ "واللغة الأكدية تطلق على اللهجتين الساميتين: البابلية والآشورية. وهذا يشير إلى حقيقة ظاهرة هي الاتصال القوي بين مكة وبين وادي الرافدين عن طريق القوافل التجارية بحيث أصبح الشكل الأكدي لاسم مكة هو الشكل السائد الذي تعرف به عند الشعوب الأخرى والكتاب الذين ينتمون إلى هذه الشعوب مثل بطلميوس الجغرافي، وهو يوناني من مصر. كذلك نستطيع أن نستنتج من ورود اسم مكة في خريطة هذا الجغرافي مع عدم ورودها في الكتابات الجغرافية أو الموسوعية أو النصوص السابقة أن أهميتها قبل عهد بطلميوس الجغرافي كانت محلية ومحدودة، وأنها لم تبدأ تظهر على أي مستوى له قيمته في مجال التجارة الدولية إلا في الوقت الذي كتب فيه هذا الجغرافي أو قبل ذلك بقليل، ربما في أواخر القرن الأول الميلادي "الذي كتب بلينيوس في وسطه ولم يذكرها، على كثرة ما ذكر من أماكن ومناطق في وصفه لشبه الجزيرة العربية وعلى حرصه على ذلك".
أما الطريق العرضية الرابعة، فكانت تتفرع من الطريق الطولية الجنوبية الشمالية بعد مسافة شمالي يثرب "iatribu في النصوص الأكَّدية والمدينة المنورة منذ هجرة الرسول ﷺ إليها" في اتجاه شمالي شرقي مارة بعدد من الأماكن أهمها تيماء "tema
стр. 347
في النصوص الأكدية" ثم دومة الجندل "adumatu في النصوص الأكدية، والجوف حاليا" ثم تنتهي إلى وادي الرافدين عند بابل على نهر الفرات. وهذه الطريق من الطرق التجارية المهمة القديمة، فنحن نجد الإشارة إلى تيماء في أكثر من نص من النصوص الأكدية أولها يرجع إلى عهد تجلات بيليسر الثالث "٧٢٧-٧٤٤ ق. م" فنجده يستولي عليها في حملة شنها على سورية بعد العام التاسع من حكمه، ثم تظهر في نص آخر غير محدد التاريخ ولكنه يعود إلى حكم الملك ذاته. ثم يتواتر ذكرها عدة مرات في عهد الملك البابلي نابونائيد "٥٥٥-٥٣٩ ق. م" الذي يقيم بها نحو عشر سنوات من سني حكمه. والمدينة تقع ضمن واحة كانت على قدر كبير من الازدهار في العصور القديمة، نعرف ذلك من أحد النقوش المتعلقة بالملك نابونائيد الذي يشير إلى المدينة وإلى الريف المحيط بها، وهو ريف يبدو أنه كان غنيًّا ببساتين النخيل التي ظلت سمة هذه الواحة عبر القرون إلى أن نجد إشارة واضحة إليها في شعر امرئ القيس في القرن السادس الميلادي بعد ١٢ قرنًا من عهد الملك نابونائيد "ولا يزال في الواقع حتى الآن، كما يستطيع الزائر للمنطقة أن يراه وبخاصة حول بئر الهداج التي يحتمل أن يعود تاريخ بنائها إلى القرن الثالث ق. م" كذلك يشير النص إلى قصر اتخذه نابونائيد بتيماء وإلى حامية عسكرية من جنوده اتخذت مراكز هناك لحماية المدينة. وفي الواقع فإن الآثار المتبقية حتى الآن من هذه المدينة تشير بشكل واضح إلى أهميتها التي كانت ذات طابع اقتصادي في المقام الأول. فلا يزال هناك جزء من سورها الضخم يرجع إلى حوالي القرن الخامس ق. م. وبقايا من قصر الرضم الذي يرجع إلى القرن الثالث ق. م. والذي شيدت دعامات سوره من الحجر المصقول, كما لا تزال هناك بعض قواعد الأعمدة التي كانت تشكل جزءًا من قصر السموأل بن عادياء "القرن السادس الميلادي" المسمى بقصر الأبلق والذي نجد إشارة إليه في أكثر من
стр. 348
موضع من شعر الأعشى الكبير الذي عاصر نهاية العصر الجاهلي وبداية العصر الإسلامي٤٢.
أما عن دومة الجندل فهي لا تقل في قدمها وأهميتها عن تيماء فقد ورد ذكرها في نص أكدي كإحدى المدن التي استولى عليها سنخريب الملك الآشوري "٧٠٤-٦٨١". كذلك كانت هذه المنطقة -ولا تزال- واحة تجعل منها محطًّا تجاريًّا من الطراز الأول، يزيد من أهميته وقوعه في نقطة الوسط على الطريق بين وادي الرافدين والخط التجاري الطولي الذي يمتد بإزاء الشاطئ الغربي لشبه الجزيرة. ونحن نستطيع أن نعرف شيئًا عن الأهمية التجارية لهذه المدينة باستقراء الآثار التي لا تزال باقية بها حتى الآن، ومن بين هذه قصر مارد أو قصر الأكيدر الذي يرجع بناؤه إلى القرن الثالث ق. م. كما نستنتج من دراسة هذا الأثر أن فترات بناء متعددة قد تعاقبت عليه بعد ذلك، مما يدل على أهمية موقعه. وإلى جانب هذا فقد عثر في الموقع على عدد من النقوش المتباينة في لهجاتها، بين معينية وثمودية ولحيانية ونبطية٤٣, وهي ظاهرة تدل على قوافل تجارية لأقوام متعددة كانت تمر بهذه المنطقة.
стр. 349
وتبقى في نهاية الحديث عن الطرق البرية العرضية طريق خامسة، هي الطريق التي تقع إلى أقصى الشمال في شبه الجزيرة العربية. وقد كانت هذه الطريق تشكل في الواقع امتدادًا صحراويًّا لطريق تجارية تبدأ من الرمادي "على نهر الفرات إلى شمالي غربي بغداد" وتسير بمحاذاة النهر حتى ماري mari "قرب أبو كمال الحالية على القسم الشمالي من نهر الفرات من ناحية الصحراء" ثم تمتد غربا إلى تدمر، ومن تدمر تمتد غربا بميل طفيف إلى الشمال الغربي إلى حمص، ومن هناك تتفرع إلى عدة فروع تصل بين حمص من جهة والموانئ الفينيقية ودمشق وفلسطين من الناحية الأخرى. وفي الواقع فإن هذه الطريق كانت حلقة الوصل فيها هي مدينة تدمر، هذه الواحة الغنية بالنخيل التي تقبع في وسط الصحراء، أما بقية الطريق الواقعة إلى شرقي تدمر أو غربيها، فكانت، رغم قصرها "فهي لا تزيد كثيرا على ٣٠٠ ميل" معرضة لغارات القبائل البدوية المتنقلة بالمنطقة المحيطة بها٤٤. ولكن مع ذلك فقد احتفظت هذه الطريق القديمة بأهميتها. كما احتفظت بالأهمية ذاتها كل الطرق الأخرى التي شقت بعد ذلك واتخذت من تدمر نقطة ارتكاز لها في الوصل بين طرفي الصحراء عند حدود كل من وادي الرافدين وسورية وأهمها طريق دقلديانوس STRATA DIOCLETIANS التي شقت في عهد هذا الإمبراطور "٢٨٤-٣٠٥م" بين دمشق في الجنوب الغربي وسرجيوبوليس sergiopolis "الرصافة" في الشمال الشرقي على مقربة من الفرات، بعد تدمير مدينة تدمر "٢٧٣م". أما السبب الذي أدى إلى أهمية هذه الطريق فله صفة سياسية، إلى جانب صفته التجارية. فالمنطقة، كما أسلفت، كانت تقطنها قبائل بدوية متنقلة تسبب كثيرا من القلق على الحدود السورية أو حدود وادي الرافدين. ومن ثم فقد كان موقع تدمر كنقطة تأمين للطريق ومن ثم إقرار للأمور أمرا واردا لأي من القوتين في شرقي الصحراء أو غربيها، وهكذا انتهى الأمر دائما بتأمين الطريق لهذا
стр. 350
الهدف السياسي وتبع ذلك ازدهار النشاط التجاري عليه. وهكذا، على سبيل المثال، اعتنت حكومة الإمبراطورية الرومانية ببناء عدد من الحصون على طول طريق دقلديانوس التي سبقت الإشارة إليها، وقد تم اكتشاف بقايا عدد من هذه الحصون قائمة في أماكن عديدة على طول هذه الطريق حتى الآن٤٥. هذا، إلى أن التوتر السياسي والعسكري الدائم بين الرومان والفرس ودأب الفرس على قطع الطريق التجارية على التجار الرومان، أفسح المجال أمام مدينة تدمر على أن تلعب دور الوساطة التجارية كمنطقة شبه محايدة، وإن كانت داخلة ضمن النفوذ الروماني، طالما أنها لم تكن من الناحية الرسمية، وهكذا تضمن روما الحصول على السلع اللازمة لها من الشرق الأوسط والأقصى.
стр. 351
ج- النشاط التجاري البحري:
وأنتقل بالحديث الآن إلى الشق الآخر من النشاط التجاري لشبه الجزيرة، وهو النشاط التجاري البحري. وأول ما نلاحظه في هذا الصدد هو أن الموقع الجغرافي التاريخي لشبه الجزيرة العربية كان موقعًا يتيح لها إمكانات واسعة في مجال التجارة البحرية. فهي تشغل، كما سبق أن رأينا في مناسبة سابقة، موقعا وسطا بين بحرين هما البحر الأحمر من الغرب والخليج من الشرق وبينهما يمتد المحيط الهندي ليستمر بعد ذلك شرقا. كذلك فإن الرياح الموسمية التي تسود المنطقة أثبتت أنها عامل مساعد للملاحين إلى حد كبير. هذا، إلى أن نهري دجلة والفرات في شمال الخليج، ونهر النيل عبر البحر الأحمر، بإمكاناتهما في مجال النقل يشكلان امتدادين لهذا الموقع التجاري الوسيط، أما من الناحية التاريخية فشبه الجزيرة كان يحيط بها دائما قوتان حضاريتان كبيرتان
стр. 352
إما حضارة الآشوريين والبابليين أو الفرس في الشرق، وإما المصريون أو البطالمة أو الرومان في الغرب.
ولكن وقفت في الجانب الآخر عدة صعاب لم تمكن عرب شبه الجزيرة في الحقبة الأولى من العصور القديمة من الانتفاع بهذه الإمكانات المتاحة لها من حيث الموقع. فالبحر الأحمر شواطئه ليست آمنة تماما، بل إن أغلب هذه الشواطئ، وبخاصة في القسم الشمالي من هذا البحر, عبارة عن شعب مرجانية لا تسمح بوجود موانئ ترسو عليها السفن في شيء من الأمان، أما فيما يخص الخليج فإن سواحله الشرقية لا تطل على أماكن يوجد فيها قدر كافٍ من الماء اللازم لمساعدة القائمين بأي نوع من النشاط التجاري في الفترات الموغلة في القدم. كذلك فإن شبه الجزيرة لا تنتج أي نوع من الأخشاب الصلبة الطويلة التي تصلح لبناء السفن. ومن هنا، فرغم أننا نسمع عن نشاط بحري في الحقبة الأولى من العصور القديمة في البحر الأحمر من جانب المصريين، أو لفترة وجيزة من جانب العبرانيين "على عهد سليمان" يعاونهم الفينيقيون "على عهد حيرام ملك صور"، وفي الخليج الفارسي من جانب الآشوريين والفرس، إلا أننا لا نسمع عن نشاط بحري عربي من جانب شبه الجزيرة في هذه الحقبة على الإطلاق٤٦.
وفي الواقع فإن علينا أن ننتظر إلى العصر المتأغرق "القرون الثلاثة الأخيرة ق. م" والعصر الروماني الذي بدأ بعده مباشرة قبل أن نسمع عن ظهور النشاط التجاري البحري لسكان شبه الجزيرة وعن تطور هذا النشاط, وقد كان العصر المتأغرق في الواقع عصر نشاط اقتصادي من الطراز الأول
стр. 353
وبخاصة في مجال التجارة، وعلى وجه التحديد في مجال التجارة البحرية، وهو نشاط أشار الإسكندر الأكبر إلى اتجاهه حين أرسل عددًا من معاونيه البحريين ليتعرفوا على شواطئ شبه الجزيرة سواء من ناحية الخليج أو من ناحية البحر الأحمر٤٧، وحين أسس مدينة الإسكندرية على الشاطئ المصري لتصبح بعد موته أنشط ثغر بحري في مجال الاتصالات التجارية بين الشرق والغرب، ومن ثم يدخل البحر الأحمر والخليج في دائرة التصور الكامل لهذه الاتصالات.
وهكذا نسمع عن مدن من شبه الجزيرة العربية لها نشاط تجاري بعد ذلك بقليل. ففي أواسط القرن الثالث ق. م. أو قبل ذلك، يبدأ الجرهائيون "أهل مدينة جرهاء" قرب الشاطئ العربي للخليجيقومون بنشاط تجاري كبير, وحقيقة: إن أغلب هذا النشاط كان بريًّا في اتجاه القسم الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة, ولكن جزءًا منه كان بحريا يمر بمياه الخليج ثم يسير شمالا في نهر الفرات حتى مدينة سليوقية seleukeia التي أقامها السلوقيون على النهر "في المكان الذي أصبح بغداد فيما بعد"٤٨. كذلك نجد حوليات العهد المبكر من حكم أسرة "هان" في الصين، في مجال الحديث عن علاقات هذه الأسرة الصينية الحاكمة مع منطقتي الشرق الأوسط والأدنى، تشير إلى نشاط بحري في المنطقة في فترة ترجع إلى ما بعد ١٤٠ ق. م. فتذكر أن الرحلة البحرية بين "تياو شيه" TIAO-CHIH "التي أمكن التعرف على أنها القسم الجنوبي المطل على الخليج من وادي الرافدين" "وأرض الشمس الغاربة" "ربما يقصد شمالي البحر الأحمر" تستغرق مائة يوم٤٩. والإشارة إلى هذه السفرة البحرية تشير إلى نشاط بحري من إحدى موانئ المنطقة دون شك,
стр. 354
وأرجح أن تكون هذه الميناء هي خاراكس charax "ميسان الحالية" التي تقع على رأس الخليج في جنوبي وادي الرافدين، وكان الإسكندر قد أسسها وجعل لها ميناء في المنطقة، ثم ذوت أهميتها بعض الشيء، ولكن أنطيوخوس antiochos خامس الحكام السلوقيين "الذين خلفوا الإسكندر على حكم سورية ووادي الرافدين" اعتنى بها وأعاد إليها أهميتها، ثم أعاد إنشاءها ملك "أو زعيم" لمنطقة عربية مجاورة هو سباوسينيس٥٠ spaosenes "لعل النطق العربي للاسم شباس أو سباس".
كذلك فإن هذه الحوليات الصينية تذكر في أواخر القرن الأول الميلادي "٩٧م" أن أحد سفرائها من أواسط آسيا، وكان - ينج kan-ying الذي وصل إلى تياو - تشيه -التي سبق ذكرها- في طريقه إلى تاتسن ta-t'sin "سورية" استفسر عن هذه الرحلة فذكر له سكان تياو - تشيه "الشواطئ الجنوبية لوادي الرافدين" أن "البحر كبير وواسع، وأنه إذا كانت الرياح مواتية فمن الممكن الوصول في ثلاثة أشهر، أما إذا لم تكن مواتية فمن الممكن أن تستمر السفرة سنتين، ولهذا فإن الذين يركبون البحر يأخذون معهم زادًا يكفيهم لثلاث سنوات، فإن في البحر شيئًا يحرك في الإنسان الحنين إلى بلده، وقد فقد الكثيرون حياتهم بسبب ذلك"٥١.
والنص، يشير، كما هو واضح، إلى معرفة بالبحر ومن ثم بالتجارة البحرية، ولكن يبدو أن شيئا من التخوف كان يحيط بالرحلات البحرية بين الخليج من جهة والبحر الأحمر من جهة أخرى، ربما لأن تجارة الشاطئ العربي المطل على الخليج كانت موجهة حتى ذلك الوقت أساسًا إلى الشرق أو على أكثر تقدير إلى الشواطئ الجنوبية لشبه الجزيرة، إذا اتجهت غربًا.
стр. 355
وربما نستطيع أن نستنتج مثل هذا التصور إذا عرفنا أن تجار خاراكس "ميسان حاليا" كانوا يمارسون تجارة نشطة مع باريجازه barygaza، على خليج كامباي cambay، في الهند -تحمل سفنهم السلع العربية إليها، ثم تعود منها محملة بالنحاس والعاج وأنواع مختلفة من الأخشاب، ولعل استيراد هذه السلعة الأخيرة يشير إلى نوع من النشاط في بناء السفن التي كانت الأخشاب الصالحة لبنائها لا توجد في شبه الجزيرة العربية على نحو ما رأينا آنفًا. كذلك كانت سفن خاراكس تحمل السلع إلى الشواطئ الجنوبية العربية لشبه الجزيرة٥٢. كما يذكر لنا بيلينيوس ثلاث مدن وموانئ أخرى ذات نشاط تجاري بحري، هي جرهاء وأكيلة acila "قرب رأس الخيمة الحالية" وهمنة homna وأطانة attana كموانئ على الجانب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، ويذكر واحدة منها على الأقل، وهي أكيلة، في صدد العلاقات التجارية مع الهند٥٣.
هذا عن النشاط التجاري العربي انطلاقا من منطقة الخليج. أما عن النشاط المماثل في البحر الأحمر، فنحن نجد اهتمام الإسكندر الأكبر بالتعرف على هذا البحر قد استمر في عهد حكام أسرة البطالمة الذين أسسوا دولة في مصر على أثر وفاته وكان هذا الاهتمام دافعًا كبيرًا وراء النشاط التجاري في هذا البحر. وحقيقة: إن التجار والملاحين اليونانيين قد استأثروا بالقسم الأكبر من هذا النشاط، ولكن النشاط التجاري العربي ظهر هنا في صور مختلفة منذ بداية هذا العهد وطوال العصر المتأغرق والقسم الأكبر من عصر الإمبراطورية الرومانية الذي ابتدأ في فجر العهد الميلادي.
وفي هذا الصدد أعود إلى نقش أسلفت الإشارة إليه يرجع إلى النصف