ج- النشاط التجاري البحري:
وأنتقل بالحديث الآن إلى الشق الآخر من النشاط التجاري لشبه الجزيرة، وهو النشاط التجاري البحري. وأول ما نلاحظه في هذا الصدد هو أن الموقع الجغرافي التاريخي لشبه الجزيرة العربية كان موقعًا يتيح لها إمكانات واسعة في مجال التجارة البحرية. فهي تشغل، كما سبق أن رأينا في مناسبة سابقة، موقعا وسطا بين بحرين هما البحر الأحمر من الغرب والخليج من الشرق وبينهما يمتد المحيط الهندي ليستمر بعد ذلك شرقا. كذلك فإن الرياح الموسمية التي تسود المنطقة أثبتت أنها عامل مساعد للملاحين إلى حد كبير. هذا، إلى أن نهري دجلة والفرات في شمال الخليج، ونهر النيل عبر البحر الأحمر، بإمكاناتهما في مجال النقل يشكلان امتدادين لهذا الموقع التجاري الوسيط، أما من الناحية التاريخية فشبه الجزيرة كان يحيط بها دائما قوتان حضاريتان كبيرتان
стр. 352
إما حضارة الآشوريين والبابليين أو الفرس في الشرق، وإما المصريون أو البطالمة أو الرومان في الغرب.
ولكن وقفت في الجانب الآخر عدة صعاب لم تمكن عرب شبه الجزيرة في الحقبة الأولى من العصور القديمة من الانتفاع بهذه الإمكانات المتاحة لها من حيث الموقع. فالبحر الأحمر شواطئه ليست آمنة تماما، بل إن أغلب هذه الشواطئ، وبخاصة في القسم الشمالي من هذا البحر, عبارة عن شعب مرجانية لا تسمح بوجود موانئ ترسو عليها السفن في شيء من الأمان، أما فيما يخص الخليج فإن سواحله الشرقية لا تطل على أماكن يوجد فيها قدر كافٍ من الماء اللازم لمساعدة القائمين بأي نوع من النشاط التجاري في الفترات الموغلة في القدم. كذلك فإن شبه الجزيرة لا تنتج أي نوع من الأخشاب الصلبة الطويلة التي تصلح لبناء السفن. ومن هنا، فرغم أننا نسمع عن نشاط بحري في الحقبة الأولى من العصور القديمة في البحر الأحمر من جانب المصريين، أو لفترة وجيزة من جانب العبرانيين "على عهد سليمان" يعاونهم الفينيقيون "على عهد حيرام ملك صور"، وفي الخليج الفارسي من جانب الآشوريين والفرس، إلا أننا لا نسمع عن نشاط بحري عربي من جانب شبه الجزيرة في هذه الحقبة على الإطلاق٤٦.
وفي الواقع فإن علينا أن ننتظر إلى العصر المتأغرق "القرون الثلاثة الأخيرة ق. م" والعصر الروماني الذي بدأ بعده مباشرة قبل أن نسمع عن ظهور النشاط التجاري البحري لسكان شبه الجزيرة وعن تطور هذا النشاط, وقد كان العصر المتأغرق في الواقع عصر نشاط اقتصادي من الطراز الأول
стр. 353
وبخاصة في مجال التجارة، وعلى وجه التحديد في مجال التجارة البحرية، وهو نشاط أشار الإسكندر الأكبر إلى اتجاهه حين أرسل عددًا من معاونيه البحريين ليتعرفوا على شواطئ شبه الجزيرة سواء من ناحية الخليج أو من ناحية البحر الأحمر٤٧، وحين أسس مدينة الإسكندرية على الشاطئ المصري لتصبح بعد موته أنشط ثغر بحري في مجال الاتصالات التجارية بين الشرق والغرب، ومن ثم يدخل البحر الأحمر والخليج في دائرة التصور الكامل لهذه الاتصالات.
وهكذا نسمع عن مدن من شبه الجزيرة العربية لها نشاط تجاري بعد ذلك بقليل. ففي أواسط القرن الثالث ق. م. أو قبل ذلك، يبدأ الجرهائيون "أهل مدينة جرهاء" قرب الشاطئ العربي للخليجيقومون بنشاط تجاري كبير, وحقيقة: إن أغلب هذا النشاط كان بريًّا في اتجاه القسم الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة, ولكن جزءًا منه كان بحريا يمر بمياه الخليج ثم يسير شمالا في نهر الفرات حتى مدينة سليوقية seleukeia التي أقامها السلوقيون على النهر "في المكان الذي أصبح بغداد فيما بعد"٤٨. كذلك نجد حوليات العهد المبكر من حكم أسرة "هان" في الصين، في مجال الحديث عن علاقات هذه الأسرة الصينية الحاكمة مع منطقتي الشرق الأوسط والأدنى، تشير إلى نشاط بحري في المنطقة في فترة ترجع إلى ما بعد ١٤٠ ق. م. فتذكر أن الرحلة البحرية بين "تياو شيه" TIAO-CHIH "التي أمكن التعرف على أنها القسم الجنوبي المطل على الخليج من وادي الرافدين" "وأرض الشمس الغاربة" "ربما يقصد شمالي البحر الأحمر" تستغرق مائة يوم٤٩. والإشارة إلى هذه السفرة البحرية تشير إلى نشاط بحري من إحدى موانئ المنطقة دون شك,
стр. 354
وأرجح أن تكون هذه الميناء هي خاراكس charax "ميسان الحالية" التي تقع على رأس الخليج في جنوبي وادي الرافدين، وكان الإسكندر قد أسسها وجعل لها ميناء في المنطقة، ثم ذوت أهميتها بعض الشيء، ولكن أنطيوخوس antiochos خامس الحكام السلوقيين "الذين خلفوا الإسكندر على حكم سورية ووادي الرافدين" اعتنى بها وأعاد إليها أهميتها، ثم أعاد إنشاءها ملك "أو زعيم" لمنطقة عربية مجاورة هو سباوسينيس٥٠ spaosenes "لعل النطق العربي للاسم شباس أو سباس".
كذلك فإن هذه الحوليات الصينية تذكر في أواخر القرن الأول الميلادي "٩٧م" أن أحد سفرائها من أواسط آسيا، وكان - ينج kan-ying الذي وصل إلى تياو - تشيه -التي سبق ذكرها- في طريقه إلى تاتسن ta-t'sin "سورية" استفسر عن هذه الرحلة فذكر له سكان تياو - تشيه "الشواطئ الجنوبية لوادي الرافدين" أن "البحر كبير وواسع، وأنه إذا كانت الرياح مواتية فمن الممكن الوصول في ثلاثة أشهر، أما إذا لم تكن مواتية فمن الممكن أن تستمر السفرة سنتين، ولهذا فإن الذين يركبون البحر يأخذون معهم زادًا يكفيهم لثلاث سنوات، فإن في البحر شيئًا يحرك في الإنسان الحنين إلى بلده، وقد فقد الكثيرون حياتهم بسبب ذلك"٥١.
والنص، يشير، كما هو واضح، إلى معرفة بالبحر ومن ثم بالتجارة البحرية، ولكن يبدو أن شيئا من التخوف كان يحيط بالرحلات البحرية بين الخليج من جهة والبحر الأحمر من جهة أخرى، ربما لأن تجارة الشاطئ العربي المطل على الخليج كانت موجهة حتى ذلك الوقت أساسًا إلى الشرق أو على أكثر تقدير إلى الشواطئ الجنوبية لشبه الجزيرة، إذا اتجهت غربًا.
стр. 355
وربما نستطيع أن نستنتج مثل هذا التصور إذا عرفنا أن تجار خاراكس "ميسان حاليا" كانوا يمارسون تجارة نشطة مع باريجازه barygaza، على خليج كامباي cambay، في الهند -تحمل سفنهم السلع العربية إليها، ثم تعود منها محملة بالنحاس والعاج وأنواع مختلفة من الأخشاب، ولعل استيراد هذه السلعة الأخيرة يشير إلى نوع من النشاط في بناء السفن التي كانت الأخشاب الصالحة لبنائها لا توجد في شبه الجزيرة العربية على نحو ما رأينا آنفًا. كذلك كانت سفن خاراكس تحمل السلع إلى الشواطئ الجنوبية العربية لشبه الجزيرة٥٢. كما يذكر لنا بيلينيوس ثلاث مدن وموانئ أخرى ذات نشاط تجاري بحري، هي جرهاء وأكيلة acila "قرب رأس الخيمة الحالية" وهمنة homna وأطانة attana كموانئ على الجانب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، ويذكر واحدة منها على الأقل، وهي أكيلة، في صدد العلاقات التجارية مع الهند٥٣.
هذا عن النشاط التجاري العربي انطلاقا من منطقة الخليج. أما عن النشاط المماثل في البحر الأحمر، فنحن نجد اهتمام الإسكندر الأكبر بالتعرف على هذا البحر قد استمر في عهد حكام أسرة البطالمة الذين أسسوا دولة في مصر على أثر وفاته وكان هذا الاهتمام دافعًا كبيرًا وراء النشاط التجاري في هذا البحر. وحقيقة: إن التجار والملاحين اليونانيين قد استأثروا بالقسم الأكبر من هذا النشاط، ولكن النشاط التجاري العربي ظهر هنا في صور مختلفة منذ بداية هذا العهد وطوال العصر المتأغرق والقسم الأكبر من عصر الإمبراطورية الرومانية الذي ابتدأ في فجر العهد الميلادي.
وفي هذا الصدد أعود إلى نقش أسلفت الإشارة إليه يرجع إلى النصف
стр. 356
الأول من القرن الثالث ق. م. وفيه نجد تاجرًا معينًا هو زيد إبل بن زيد، وقد التحق بخدمة المعابد المصرية ضمن رجال الدين وكان يستورد المر والقليمة لهذه المعابد لقاء سلع من الأقمشة المصرية الفاخرة المصنوعة من الكتان ويقوم بهذا النشاط "في سفينته الخاصة"٥٤. ومعنى هذا أن عربا من شبه الجزيرة كانوا يمارسون التجارة في البحر الأحمر وأن الملاحة في هذا البحر كانت آمنة آنذاك من غارات القراصنة الذين كانوا ينشطون فيه من حين لآخر. كذلك نجد في القرن الثاني في جزيرة ديلوس delos في بجرايجة "بين آسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان" نقوشا عربية معينية وسبئية مقدمة إلى آلهة عربية جنوبية من تجار عرب٥٥. وفي هذا إشارة واضحة إلى المدى الذي وصل إليه هؤلاء التجار الذين نستطيع أن نرجح أنهم كانوا ينقلون تجارتهم في البحر الأحمر إلى مصر ثم إلى الإسكندرية ومنها إلى جزيرة ديلوس فقد كانت تجارة الإسكندرية نشطة مع هذه الجزيرة في خلال العصر البطلمي، كما كانت تجارة العرب الجنوبيين مع مصر واردة كما يثبت ذلك نص زيد إبل التاجر المعيني السابق الذكر.
على أن النشاط التجاري العربي في البحر الأحمر يبدو أن تراجع في القرن الأول ق. م. فلا يوجد لدينا خلال هذا القرن من الكتابات أو النقوش ما يشير إليه. وربما كان هناك سببان وراء هذا التراجع: السبب الأول هو تكثيف البطالمة في مصر لنشاطهم التجاري في البحر الأحمر والمحيط الهندي وإحكام سيطرتهم الاقتصادية على هذين الامتدادينِ المائيينِ، فقد عثر في مصر على أربعة نقوش ترجع إلى الفترة بين عامي ١١٠ و٥١ ق. م. تشير إلى موظفين في حكومة البطالمة "مسئولين عن شئون البحر الأحمر والمحيط
стр. 357
الهندي"*. ومثل هذا التكثيف التجاري من جانب البطالمة بإمكاناتهم الاقتصادية القوية من المنطقي أن يؤدي إلى التراجع الذي أصاب التجارة البحرية من الجزيرة العربية، على الأقل في خارج دائرة النشاط البحري المحلي. أما العامل الآخر الذي أدى إلى هذا التراجع فهو اكتشاف بحار يوناني اسمه هبالوس hippalos لقيمة الرياح الموسمية في تسهيل رحلات السفن عبر المحيط الهندي إذا أحكم توقيت هذه الرحلات بحيث تتم في شهور معينة من السنة. وقد أدى هذا الاكتشاف لقيمة الرياح الموسمية إلى تكثيف أكثر للتجارة المباشرة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي٥٦، وهي تجارة كان لا يمكن للتجار العرب أن ينافسوا فيها التجار اليونان الذين يملكون السفن الكبيرة التي تستخدم فيها المسامير لتوصيل ألواحها ببعضها، بينما كانت السفن العربية من النوع الصغير الذي تستخدم فيه الألياف لربط الألواح ببعضها٥٧.
على أننا لا نلبث أن نسمع عن عودة للنشاط العربي في التجارة البحرية مع العصر الإمبراطوري الروماني الذي ابتدأ في فجر القرن الأول الميلادي. ففي أواسط هذا القرن يصف لنا صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" "وهو كاتب يوناني" ميناء ليوكي كومي leuke kome "القرية البيضاء" في القسم الشمالي من ساحل شبه الجزيرة، المطل على البحر الأحمر، بأنها سوق نبطية "أي: في منطقة الأنباط" للسفن العربية المحلية. كما يتعرض هذا الكاتب لميناء موزا muza "عند أو قرب مخا حاليا" فيصفها بأنها
стр. 358
سوق بحكم القانون ترسو عندها السفن. وعندها نجد المكان "وقد اكتظ بالعرب سواء من أصحاب السفن أو التجارة وهم منشغلون بأمورهم التجارية، إذ إنهم كانوا يمارسون التجارة مع الساحل البعيد "الساحل الإفريقي" ومع باريجازه "في الهند"" ثم ينتقل الكاتب في حديثه إلى "كانة" kane "حصن الغراب حاليا" التي تقع في شرقي العربية الميمونة arabia Eudaemon فيذكر أن أحمال اللبان والبخور كانت تصل إليها وأن هذه المدينة التي كانت سوقا "تتاجر كذلك مع مدن السوق الموجودة في الجانب البعيد "الجانب الإفريقي" كذلك، كما كانت تتاجر مع باريجازه وسكيثية "وادي السند" وأومانة OMANA "ربما لم تكن عمان الحالية" وبرسيس PERSIS المجاورة لها". هذا بينما نجد جزيرة سقطري "جنوبي شبه الجزيرة العربية" "التي تتبع ملك أرض اللبان" "يقصد ملك العربية الجنوبية" وقد أقام على شواطئها الشمالية تجار عرب وهنود ويونان"٥٨.
أما عن الساحل الإفريقي فنحن نجد التجار العرب في كل مكان تقريبا حتى ميناء رابطة RHAPTA جنوبًا "قرب الزنجبار- جزء من تانزانيا حاليا". وعن هذه المنطقة يقول صاحب كتاب الطواف: "إن رئيسها "الذي كان من أصل عربي جنوبي" يحكمها بمقتضى حق قديم يجعلها خاضعة لسيادة المدينة التي تصل إليها أول ما تصل إلى ساحل العربية "يقصد مدينة موزا". وأهل موزا ... يرسلون الآن سفنًا يجعلون عليها غالبا بحارة ووكلاء من العرب، على معرفة بأهل البلاد، يتزاوجون معهم ويعرفون الشاطئ ولغة المنطقة"٥٩.
وحين يأتي القرن الثاني الميلادي لا يختفي النشاط التجاري البحري لعرب شبه الجزيرة رغم ازدياد نشاط التجارة اليونانية الرومانية في هذا القرن. وفي
стр. 359
هذا الصدد عثر المنقبون الأثريون في مصر على نقش من عهد الإمبراطور الروماني هادريانوس "١١٧-١٣٨م" يذكر نقابة مزدهرة ومعترفًا بها من الإمبراطور لربابنة من مدينة "تدمر" يعملون في البحر الأحمر٦٠. وهو نقش يدعو في الحقيقة إلى التأمل، إذ إن أهل هذه المدينة قد اعتادوا ممارسة التجارة البرية في منطقة صحراوية، ومن ثم فانتقالهم إلى التجارة البحرية، إلى جانب إشارته إلى مقدرتهم، يثير في الحقيقة أكثر من تساؤل حول تغيير محتمل في ميزان الأهمية النسبية لكل من التجارة البرية وتجارة البحر.
ويبدو أن هذا القرن شهد الازدهار الأخير لنشاط التجارة البحرية العربية قبل الإسلام، ففي القرن الثالث الميلادي لا نسمع شيئا عن هذا النشاط، وفي الحقيقة لقد شهد هذا القرن عصر التدهور الاقتصادي للإمبراطورية الرومانية كما هبط فيه النشاط التجاري اليوناني في البحر. أما القرون الثلاثة التالية "بين القرن الرابع وظهور الدعوة الإسلامية في القرن السابع الميلادي" وهي الفترة التي عاصرت الإمبراطورية البيزنطية في الغرب والإمبراطورية الساسانية في الشرق, فنحن لا نسمع فيها شيئًا عن النشاط العربي التجاري في البحر الأحمر.
لقد أصبحت جزيرة سيلان في تلك الفترة هي همزة الوصل بين تجارة الصين وتجارة الشرق الأدنى. إليها يصل التجار الصينيون ليفرغوا تجارتهم، ومنها يبحر بهذه التجارة تجار من فارس والحبشة axum. وقد عادت التجارة اليونانية إلى النشاط بعض الشيء، فكانت تصل من شمالي البحر الأحمر حتى أدوليس adulis "عدول" على شاطئ الحبشة شمالي باب المندب، وربما عبرت باب المندب في بعض الأحيان. أما عن التجارة العربية البحرية وأما
стр. 360
عن التجار العرب فلا يرد ذكر لها سواء في نقوش أو كتابات هذه الفترة٦١. بل نحن نجد شاهدا على تدهور النشاط البحري العربي عموما فيما حدث في عام ٥٢٤-٥٢٥م حين أرسل أتزبيهه atzbeha ملك الحبشة "أكسوم" حملة من أدوليس عبرت البحر الأحمر ورست على شواطئ اليمن. ورغم أن هذه الحملة لقيت بعض المقاومة على هذا الشاطئ إلا أن حاكم المنطقة الحميري "ذا نواس" لم يكن لديه أسطول وانتهى الأمر باحتلال القوات الحبشية للمنطقة٦٢. ولكن إذا كان النشاط التجاري البحري لغرب شبه الجزيرة لم يصل إلينا شيء عنه في ذلك العصر، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه اختفى نهائيًّا، وربما يكون الاستنتاج المعقول، حسبما يرى باحث معاصر، هو أنه "لم يعد يلعب دورا جديرا بالملاحظة في البحار الكبيرة"٦٣ بل أصبح يدور في نطاق محلي. وقد كان هذا طبيعيا في إطار التدهور الاقتصادي والسياسي الذي لحق بالعربية الجنوبية في القرن السادس الميلادي. وأضيف، تأييدا لهذا الرأي، أن الإشارة إلى نشاط بحري تجاري عربي ترد في القرن السادس مرتين على الأقل، إحداهما عند طرفة بن العبد والأخرى عند المثقب العبدي، كما ترد الإشارة إلى هذا النشاط في القرن السابع في عدد من آيات القرآن الكريم٦٤.
стр. 361
٤- التعدين والصناعة:
وتبقى في نهاية الحديث كلمة عن مورد آخر من الموارد التي شكلت في مجموعها وفيما كان يتصل بها من معاملات، صورة الوضع الاقتصادي لشبه
стр. 362
الجزيرة العربية في العصور السابقة لظهور الإسلام -وهذا المورد هو التعدين والصناعة. وفي صدد الحديث عن هذا المورد يسترعي الانتباه عدد من الملاحظات أو الظواهر العامة سواء بصدد توزيعه على أقسام شبه الجزيرة أو في مدى معرفة سكان المنطقة به أو في مدى اعتمادهم عليه أو نظرتهم إليه. وفيما يخص الظاهرة الأولى وهي توزيع هذا المورد فإن المصادر تشير إلى وجود المعادن، على سبيل المثال، في مناطق دون مناطق أخرى، فالمناطق التي توجد فيها هذه المعادن هي الحجاز واليمن والساحل الشرقي المطلّ على الخليج والمحيط الهندي، أما بقية المناطق فلا تشير إليها هذه المصادر.
ومن الطبيعي أن أقسامًا من شبه الجزيرة لا توجد فيها معادن، كذلك من الطبيعي أنه إذا وجدت بعض المعادن في أماكن لا يوجد فيها عمران فإنها تبقى مطمورة دون أن يعرف أحد عن وجودها. ولكن مع ذلك فلنا أن نتصور أن بعض المناطق المعمورة "بنسب متفاوتة" لم يكن سكانها يهتمون بهذا المورد؛ فالمناطق التي كانت تعيش على الرعي، حيث البدو الرحل، لم يكن لدى سكانها مثل هذا الاهتمام أو الإمكانات التي تشجع عليه. كذلك فإن القسم الأكبر من سكان الواحات، وبخاصة الواحات المتناثرة في قلب البادية، يصدق عليها هذا الحكم. وإلى جانب هذا فالمناطق الموجودة في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة، مثل: مملكة معين الشمالية وممكلة الأنباط حيث وجد قدر ظاهر من الثروة والاستقرار "كما يظهر من الآثار المتبقية في المنطقة" يبدو أنها جنت خيرا كثيرا من المورد التجاري ومن ثم انصرفت إلى الحفاظ عليه والذود عنه ضد كل من يحاول التأثير عليه بالمنافسة أو بأي نوع آخر من النشاط بحيث إنها لم تهتم بأي مورد آخر غيره.
أما عن الظاهرة الثانية وهي مدى معرفة سكان شبه الجزيرة بالمعادن والتعدين فيدل على ذلك عدد من الشواهد: والشاهد الأول يأتي من القرآن الكريم "القرن السابع م" حيث نجد فيه إشارة مباشرة وصريحة إلى معرفة بفوائد
стр. 363
الحديد وإلى خبرة بصهر المعادن وصناعة الحلي والأدوات منها. والشاهد الثاني نجده فيما تركه لنا الكتاب الكلاسيكيون من وصف لموارد شبه الجزيرة حيث يشير أرتميدوروس "أوائل القرن الثاني ق. م" إلى وجود الذهب في المنطقة القريبة من الساحل الغربي لشبه الجزيرة شمالي سبأ "الحجاز أو نجران" سواء في صورة تراب الذهب أو في صورة معدن على هيئة قطع يصلون إليها عن طريق التعدين، كما يشير إلى أن سكان المنطقة يبادلون به الفضة والنحاس من الأماكن المجاورة لهم، ولنا أن نرجح أن الإشارة هنا هي إلى أن المناطق الموجودة في اليمن. كذلك يشير الكاتب الروماني بلينيوس "أواسط القرن الأول الميلادي" إلى وجود الذهب في بعض الأماكن على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة٦٥.
стр. 364
كذلك من بين هذه الشواهد الألفاظ العديدة التي استعملها كتاب العصر الإسلامي كأسماء للذهب في حالاته المختلفة مثل "التبر" وهو الذهب الذي لم يعالج بعد، و"العسجد" وهو اسم يبدو أنه كان عامًّا يطلق على الذهب والجواهر كالدرر والياقوت، و"السحالة" وهي تراب الذهب و"الإبريز" و"العقيان" وهو الذهب الخالص. وهذا التعدد في الأسماء نجده كذلك فيما يخص بعض المعادن الأخرى مثل الفضة التي كانت تعرف كذلك باسم "اللجين" كما كانت تعرف باسم "الصريف" في حالتها الخالصة و"الرضراض" في حالتها المتفوقة كما كانت تعرف سبيكتها أو القطعة المجلوَّة منها باسم "الوذيلة". ومثل الرصاص الذي عرف سكان اليمن نوعين منه، الأبيض وكانوا يسمونه "الأسرب" أو "الأبار" والأسود وكانوا يسمونه "الصرفان" أو "القلعي" وهكذا. وإلى جانب ذلك فنحن نجد لدى كتاب العصر الإسلامي كذلك ذكرًا لأماكن عديدة كانت توجد بها المناجم "أو المعادن حسبما كانوا يسمونها، جمع معدن وهو المنجم أو مكان التعدين"، التي كانوا يستخرجون منها المعادن التي أشاروا إليها في كتاباتهم٦٦. وطبيعي أن تعدد الأسماء التي كانت تطلق على كل
стр. 365
معدن في حالاتها المختلفة ووفرة عدد الأماكن التي كانت تستخرج منها المعادن شاهدان يدلان على المعرفة المفصلة بالمعادن والتعدين، وهو أمر لا يمكن أن يكون قد طهر فجأة في العصر الإسلامي وإنما كان موجودا, على الأقل في نسبة منه، في عصور ما قبل الإسلام.
أما الشاهد الخير في هذا الصدد فهو الآثار التي خلفها لنا سكان شبه الجزيرة في الفترة السابقة للإسلام. وفي هذا المجال فقد عثرت شركة التعدين السعودية العربية في منجم "مهد الذهب" الذي يقع إلى شمالي المدينة، على أدوات ترجع إلى عصر ما قبل الإسلام كانت تستخدم لاستخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه من بينها رحى وأدوات تنظيف ومدقات ومصابيح، كما وجدوا آثارًا تدل على قيام عمال بالحفر في هذا المنجم لاستخراج الذهب منه. كما عثر المنقبون الأثريون على بقايا من الرصاص في المباني الأثرية باليمن تشير إلى أن أهل المنطقة كانوا يصبون الرصاص المصهور في أسس الأعمدة لتثبيتها وبين مواضع اتصال الحجارة لتشدها إلى بعضها٦٧.
ولم تقتصر معرفة المجتمع العربي قبل الإسلام على هذه المعادن وعلى معالجتها وحدها, فقد عرف عرب شبه الجزيرة في تلك الفترة معادن أخرى مثل: الملح والعقيق والزمرد وغيرها, كما عرف أهل اليمن قدرًا متقدمًا من صناعة النسيج والحياكة. وقد ورد ذكر هذه الصناعة الأخيرة في النصوص العربية الجنوبية كما ورد في أشعار الجاهليين ما يشير إلى المستوى المرموق
стр. 366
سواء للنسيج اليماني أو للمهارة في هذه الصناعة٦٨.
ويبقى في نهاية الحديث عن الصناعة وما يتصل ببعض جوانبها من تعدين تساؤل هو: إلى أي حد نظر سكان شبه الجزيرة العربية إلى هذا المورد بعين الاهتمام؟ وإلى أي حد كان استغلالهم له؟ وهل وصل هذا الاستغلال للقدر الذي يجعل المصنوعات سلعًا للتصدير تسهم في زيادة دخل المجتمع أو المجتمعات التي وجدت في شبه الجزيرة؟ إن الإجابة على هذا التساؤل لا يمكن إلا أن تكون مختلطة ومتداخلة. فالشواهد التي عرضت طرفًا منها تدل على قدر غير قليل من الاهتمام بهذا المورد وباستغلاله. وقد وصل هذا الاستغلال في بعض الأحيان إلى تصدير بعض السلع على الأقل من منطقة إلى أخرى، في داخل شبه الجزيرة العربية، مثل السيوف اليمانية والنسيج اليماني، وهما سلعتان يبدو من أشعار الجاهليين أنهما كانتا تصلان من اليمن إلى بقية مناطق شبه الجزيرة.
كذلك فنحن نجد أن نشاط التعدين أو الصناعة لم يكن على نفس المستوى في الأقسام المختلفة من شبه الجزيرة. وفي هذا الصدد يذكر لنا الكاتب اليوناني أرتميدوروس في وصفه لسكان المنطقة التي تقع إلى شمالي سبأ أن بعض هؤلاء السكان يحصلون على الذهب في هيئة كتل أو كرات صغيرة عن طريق الحفر "يقصد التعدين بالضرورة" وهم إما أن يأخذوا هذه الكرات كما هي
стр. 367
ولا يصنعون فيها شيئًا أكثر من ثقبها لكي يصنعوا منها عقودًا وأساورَ، أو أنهم يبيعونها "بسعر رخيص إلى جيرانهم، بسبب عدم مقدرتهم على صياغة الذهب"٦٩. وفي هذا دليل واضح على أن جيرانهم هؤلاء، وفي ترجيحي أنهم السبئيون أنفسهم حسبما يشير سياق الكلام عند هذا الكاتب، أكثر منهم مقدرةً على هذه الصياغة.
وفي الواقع فإننا نجد من الشواهد التي أسلفت الإشارة إليها أن أغلب نشاط التعدين والنشاط الصناعي عمومًا يكاد يكون مركزًا في اليمن حيث توجد منطقة سبأ والمناطق الأخرى المجاورة لها. وتفسير ذلك في رأيي أن هذه المناطق كانت أكثر استقرارًا من غيرها, ففي اليمن كانت ظروف التربة الخصبة والأمطار الموسمية المنتظمة تساعد على اقتصاد زراعي وافر وثابت. كذلك كانت مواردها الطبيعية من الطيوب مادة أولية ثابتة ومستمرة للتجارة، كما كان موقعها عند بدء الخطوط التجارية البرية إلى سورية ووادي الرافدين، وعند مفترق الطريق التجاري البحري بين البحر الأحمر والمحيط الهندي "ومن ثَمَّ بين تجارة الشرق والغرب" ما يجعلها في مأمن مما قد يصيب تجارة العبور من هزات تسببها الظروف الطارئة. وطبيعي أن مثل هذا الاستقرار يجعل في إمكان المجتمع الموجود بالمنطقة أن يقبل على النشاط الصناعي.
ولكن مع ذلك فيبدو أن الحجم الحقيقي للمصنوعات لم يكن بالقدر الذي قد تنتظره لأول وهلة. فرغم أن اليمن، على سبيل المثال، قد صدرت السيوف اليمانية وبعض أنواع النسيج إلى عدد من أقسام شبه الجزيرة، إلا أن تصدير هاتين السلعتين أو غيرهما من السلع المصنعة ظل قاصرًا على هذا الإطار المحلي ولم يعرف طريقه إلى الخارج, إذ لا نصادف في المصادر التي بين أيدينا ما يشير إلى ذلك. بل أكثر من هذا، فرغم الإشارات المتواترة إلى
стр. 368
وجود الذهب ومعادنه "مناجمه" في اليمن وإلى وجود صناعة نسيج قوية بها، إلا أننا نجد أحد الكتاب اليونان يذكر لنا أن ميناء أبولوجوس "أُبُلّه" الفارسية كانت تصدر إلى اليمن عددًا من السلع من بينها الأقمشة والذهب٧٠ "وأغلب الظن أن هذا لم يكن ذهبا خاما، ولكنه ذهب قد تمت صياغته".
أما عن تفسير هذا التناقض فأغلب الظن أنه يكمن في النظرة التي كان ينظر بها العرب إلى العمل اليدوي. فرغم أنهم كانوا بحاجة إلى السلع المصنوعة ذاتها، ورغم تغنيهم بها في أشعارهم، إلا أنهم كانوا يعتبرون ممارسة العمل في صنع هذه السلع أمرًا متدنيًا في قيمته كمهنة يحترفونها إذ "لا يليق بالعربي الشريف الحر" على حد تعبير باحث معاصر "أن يكون صانعًا؛ لأن الصناعة من حرف العبيد والخدم والأعاجم والمستضعفين من الناس" وهي نظرة يبدو أنها استمرت بين عرب شبه الجزيرة في العصر الإسلامي, إذ نجد أحد الكتاب المسلمين في هذا العصر يذكر لنا عن أحد المعادن "المناجم" أن به ألوفًا من المجوس الذين يعملون المعدن حتى إنه كان لهم بيتا نار للعبادة في ذلك المكان٧١.
стр. 369
الباب التاسع: الأوضاع الداخلية
مدخل
...
الباب التاسع: الأوضاع الداخلية
بعد الحديث عن الموارد الاقتصادية لشبه جزيرة العرب يصبح في مقدورنا أن نتحدث عن الإطار العام للأوضاع الداخلية في هذه المنطقة بجوانبها الثلاثة: السياسية والاجتماعية والدينية. فقد كانت هذه الأوضاع نتيجة منطقية لهذه الموارد من جهة ثم لتفاعل هذه الموارد مع الموقع والظرف التاريخي الذي أحاط بأقسام شبه الجزيرة من جهة أخرى. لقد رأينا أن الموارد الاقتصادية تدور بصفة أساسية حول محاور ثلاثة: الرعي بنوعيه، المتنقل الضارب في قلب البادية والمستقر أو شبه المستقر على حدود الهلال الخصيب بدوله أو إمبراطورياته المستقرة، ثم الزراعة بنوعيها الخفيف والمكثف، ثم التجارة بخطوطها التجارية التي تربط بين شبه الجزيرة والمناطق المحيطة بها إلى الشمال الشرقي من جهة وإلى الشمال الغربي من جهة أخرى. كذلك كانت تحدق بالمنطقة دول أو إمبراطوريات في هاتين الجهتين وكان بين هذه الدول أو الإمبراطوريات صراع شبه مستمر لا يهدأ إلا لكي يثور من جديد، وكانت كل هذه العوامل تتداخل وتتفاعل في حركة تاريخية يبرز جانب منها حينًا ويبرز أكثر من جانب في أحيان أخرى، وكان لا بد لهذا كله أن يترك أثره
стр. 370
على الأوضاع التي سادت شبه الجزيرة بشكل يظهر في كل قسم من أقسامها حسب موارده الاقتصادية ومدى تفاعلها مع الظرف التاريخي في مرحلة أو أخرى من مراحله.
стр. 371
الوضع السياسي
مدخل
...
١- الوضع السياسي:
وفيما يخص الوضع السياسي فقد ظهر هذا الاختلاف من قسم إلى قسم فيما يخص التكوين العام من جهة، وأعني بذلك الشكل السياسي الذي برز في كل قسم، سواء أكان ذلك تكوينًا صغيرًا أو كبيرًا، أم كان تكوينًا مستقلًّا أم تابعًا أم يقف في نقطة توازن متحركة بين الاستقلال والتبعية، ومن جهة أخرى من حيث نوعية التنظيم السياسي أو نظام الحكم الذي وجد في قسم أو في آخر من أقسام شبه الجزيرة.
стр. 372
أ- التكوينات السياسية:
وأحد الأشكال أو التكوينات السياسية في شبه الجزيرة العربية هو التكوين القبلي، ولا أعني هنا التكوين القبلي بمفهومه الاجتماعي، فقد وجدت القبائل كوحدات اجتماعية في كل أرجاء شبه الجزيرة، ولكني أعني التكوين أو الشكل القبلي الذي تصبح فيه القبيلة إلى جانب وظيفتها الاجتماعية وحدة سياسية كذلك تتصرف بوصفها كيانا سياسيا قائما بذاته سواء في أمورها الداخلية أو في علاقاتها الخارجية بما يدخل في ذلك من حرب وسلام واتفاقات وتحالفات ومناورات وغير ذلك من أشكال هذه العلاقات. وفي هذا الصدد فقد كانت الوحدة السياسية القبلية هي الشكل المنتشر في البادية؛ أدت إلى ذلك طبيعة هذه البادية بقسوتها التي كانت تدفع كل قبيلة إلى التنقل وراء الكلأ حيثما وجد انتجاعًا للمرعى -وهو وضع كان الشكل السياسي الوحيد الذي يتواءم معه هو الوحدة السياسية الصغيرة، وهي القبيلة.
стр. 373
وقد كانت الأسرة هي الخلية التي تتألف القبيلة من تكرارها وتكويناتها, تعيش الأسرة في خيمة أو ربما في عدد صغير من الخيام، وكل مجموعة من الأسر تشكل حيًّا أو قومًا يعتقدون، حقيقة أو تصورًا، أنهم ينحدرون من أصل واحد ومن ثم تربط بينهم آصرة الدم أو القرابة، ومن مجموع هذه الأحياء أو الأقوام تتكون القبيلة. وقد عبر أبناء الحي أو القوم الواحد عن آصرة القرابة التي تربط بينهم بانتسابهم إلى اسم هو الجد الأول لهم فيما كانوا يعتقدون، فهم بنوه الذين يعرفون ويتعاملون ويتفاخرون باسمه. فهناك بنو الأصفر وبنو جرم وبنو جرهم وبنو شاكر وبنو عباد وبنو عبد القيس وبنو هذيل، وبنو ذبيان، إلى آخر هذه الأسماء. وقد يسمي أبناء القبيلة كلها "أو ربما عدد من القبائل" أنفسهم أنهم بنو فلان أو غيره مثل: بني تنوخ أو بني لخم، ولكن الوضع السائد عادة هو أن هذه التسمية كانت لتمييز الأحياء أو الأقوام.
كذلك نجد بين بعض هذه الأسماء التي انتسبت إليها الأحياء أسماء نساء تشير بالضرورة إلى إحدى المراحل التي مر بها مجتمع البادية وهي المرحلة الأموية matriarchal التي كانت فيها الأم هي محور رابطة القرابة أو الدم ومن ثم كان الانتساب إليها. وهكذا وجد من بين عرب شبه الجزيرة أقوام مثل بني بجيلة وبني البقعاء وبني جهينة وبني ربيعة وبني فزارة وبني حنيفة وبني الرباب وبني أمية وبني جذيمة، وقد ظلت هذه التسميات الأموية قائمة حتى بعد أن انقرض النظام الأموي وحل محله النظام الأبوي patriarchal، بل لقد وصل الأمر إلى أن أصبحت بعض هذه الأسماء أسماء لذكور مثل أمية بن أبي الصلت أو جذيمة بن الأبرش. هذا، وجدير بالذكر هنا أن انتساب بعض الأقوام إلى نسب أموي ليس شيئًا غريبًا في حد ذاته، فقد كانت المرحلة الأموية إحدى المراحل التي مرت بها أغلب المجتمعات القديمة عامة، سواء في شبه الجزيرة العربية أو في غيرها من المناطق.
كذلك كان يحدث في بعض الأحيان أن يظهر نوع من التكوين القبلي
стр. 374
ينتظم عددًا من القبائل تتكتل في هيئة مجموعات موحدة بصورة أو بأخرى ولسبب عارض أو دائم تحت رئاسة أو زعامة واحدة. ومثل هذه التكتلات العربية نستنتج وجودها من عدد من النقوش الآشورية التي نجد واحدًا منها يشير إلى قوة عسكرية "عربية" تحت زعامة "جندبو" كواحدة من القوات المتحالفة مع ملك دمشق ضد الملك الآشوري شلمنصر الثالث "٨٥٨-٨٢٤ق. م" كما نجد عددا آخر منها يشير إلى صدامات عسكرية أو علاقات سياسية مع عدد من الشخصيات يوصف كل منها بأنه "ملك بلاد العرب" أو أنها "ملكة بلاد العرب" على نحو ما سنرى بالتفصيل في حديث قادم. والشيء ذاته نستنتجه من بعض مواضع في التوراة نجد فيها العرب يتكتلون مرة مع الفلسطينيين لاكتساح مملكة يهوذا "أو يهودية" في عهد الملك العبراني يهورام "٨٥١-٨٤٣ق. م", ثم نجد خلفه الملك عزّيّا "٧٧٩-٧٤٠ق. م" ينتصر على الفلسطينيين وعدد من حلفائهم من بينهم "العرب الساكنون في جور بعل" على نحو ما مر بنا في مناسبة سابقة. وكلها إشارات يدل ما جاء فيها من تسميات وما أحاط بها من ملابسات على أن المقصود هو تكتلات أو تجمعات قبلية وليست قبائل منفردة١.
وإلى جانب هذا النوع من التكوينات السياسية، وهو التكوين القبلي سواء اتخذ شكل قبائل منفردة أو تجمعات من القبائل, وجد نوع آخر هو الإمارات أو الممالك الصغيرة التي قامت إما حول مراكز تجارية أو عند نقطة توازن بين دولتين كبيرتين متصارعتين أو على حدود كل من هاتين الدولتين، تدخل في منطقة نفوذ الواحدة أو الأخرى منهما وتعمل لحسابها لحماية حدودها
стр. 375
ضد أية غارات من البدو أو من جانب القوة الأخرى. والصفة المشتركة بين هذه الإمارات أو الممالك الصغيرة هي أن وجودها كان عابرًا، إذ كان يتوقف على بقاء أوضاع تجارية مواتية أو على بقاء علاقات وظروف دولية بين الدول الكبيرة المتصارعة، كما كان تدهورها أو اندثارها معلقًا بأي تعديل في مسار الخطوط التجارية أو أي تغيير في ميزان العلاقات بين الدول الكبيرة المتصارعة.
ومن بين هذه الإمارات أو الممالك، مملكة الأنباط التي قامت في القسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة العربية حول المدينة التي عرفت في نصوص التوراة باسم "سيلع" أي: الصخرة, والتي عرفها الكتاب اليونان باسم بترا PETRA وهي الترجمة اليونانية للفظة ذاتها كما أنها الاسم الذي لا تزال المدينة تعرف به حتى الآن في صورته العربية "البتراء" والأنباط الذين كانوا في بدايتهم قبائل بدوية متنقلة استولوا من الإيدوميين في القرن السادس ق. م. على المنطقة السهلية التي تشرف عليها المدينة "وهي المنطقة التي تعرف الآن باسم وادي موسى" ثم ما لبثوا أن استولوا على المدينة ذاتها التي كانت موقعًا أساسيًّا على الخط التجاري الذي كان يصل بين سبأ والمناطق المجاورة في جنوبي شبه الجزيرة وبين الموانئ السورية في الشمال٢.
وقد وصل الأنباط نتيجة لهذا الموقع التجاري الحيوي الذي تميزت به عاصمتهم إلى قدر ظاهر من الازدهار الاقتصادي مكنهم من توسيع حدود
стр. 376
مملكتهم على حساب جيرانهم، ففي ٨٧ ق. م. أدخلوا ضمن هذه الحدود دمشق ومنطقة البقاع "جوف سورية koele syria في تعبير الكتاب اليونان" كما ضموا إلى مملكتهم كذلك المنطقة الشمالية من الحجاز "مدائن صالح" ربما في القرن الأول الميلادي, ولكن هذا القرن "الأول الميلادي" كان قد بدأ يشهد تطورين ما لبثا أن أديا إلى تدهور هذه المملكة ثم سقوطها واندثارها. ففي غضون هذا القرن نشط الخط التجاري البحري الذي يمر من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي ومن ثم انتقل إليه قسم غير قليل من التجارة التي كانت تنقل على الخطوط البرية، كذلك تزحزح مسار الخط البري الطولي من اليمن إلى سوريا نحو الشرق قليلًا فلم تعد البتراء تمثل موقعًا تجاريًّا حيويًّا، كما تزحزح الخط التجاري العرضي الذي كان يمر بين وادي الرافدين والشواطئ السورية نحو الشمال, فانتقلت الأهمية التجارية من البتراء إلى تدمر في الشمال, وكان هذا إيذانًا بالتدهور الاقتصادي لمملكة الأنباط٣.
أما التطور الآخر فهو أن مملكة الأنباط كانت في هذا القرن قد بدأت تسترعي انتباه الإمبراطورية الرومانية بشكل متزايد بعاصمتها المنيعة التي تحصنها التكوينات الصخرية المحكمة من ثلاث جهات هي الشرق والغرب والجنوب بحيث لا يمكن النفاذ إليها إلا من ممر ضيق بين الصخور في الشمال. وهكذا رأت روما في المنطقة حاجزا حدّيّا أمام محاولات الفرثيين "الإمبراطورية الفارسية" للتوسع على حساب أراضي الإمبراطورية الرومانية، ومن ثم أدخلت مملكة الأنباط في دائرة نفوذها في شكل تبعية غير رسمية. ورغم أن هذه التبعية لم تؤثر في البداية على ازدهار المنطقة "بل لقد وصل هذا الازدهار إلى درجة كبيرة في ظل هذه التبعية التي انحصر هدفها في القيمة العسكرية للموقع
стр. 377
فحسب" إلا أن هذه التبعية لم تلبث أن وصلت إلى نهايتها المنطقية حين ضمت روما مملكة الأنباط إلى إمبراطوريتها بشكل رسمي في ١٠٥م على عهد الإمبراطور ترايانوس "تراجان،٧٠-١٠٦م" لتصبح من تلك السنة ولاية رومانية ويختفي نشاطها من سجل التاريخ لعدة قرون٤.
والإمارة أو المملكة الأخرى التي تمثل هذا النوع من التكوينات السياسية هي تدمر التي يرجع قيامها وازدهارها إلى موقعها الذي يتحكم في خط تجاري حيوي من جهة ويشغل منطقة حدية مهمة في مجال التوازن بين القوتين الكبيرتين المتصارعتين في الشرق والغرب. ورغم أن تدمر لم تظهر على مسرح التاريخ كتكوين سياسي محسوس إلا منذ أوائل القرن الأول الميلادي، إلا أنها كانت موجودة قبل ذلك، ففي أحد النقوش التي ترجع إلى عهد الملك الآشوري تجلات بيليسر الأول "١١١٤-١٠٧٦ق. م" نجد ذكر هذه المدينة "تدمر بفتح الميم في النطق الآشوري" "الواقعة في آمورور" أي الغرب كموقع من المواقع التي اجتاحها هذا الملك في طريقه إلى سورية. ثم نسمع عنها بعد ذلك بأكثر من عشرة قرون حين يحاول القائد الروماني ماركوس أنطونيوس marcus antonius أن يستولي عليها في ٤٢-٤١ ق. م. أما ظهورها ككيان سياسي يتميز عن مجرد كونه مكانًا أو موقعًا يشكل واحة في الصحراء الممتدة بين وادي الرافدين وسورية فيعود إلى ما قبل القرن الأول بقليل إذ ترجع أول نقوشها المحلية إلى ٩ ق. م٥.
وقد دخلت تدمر في دائرة النفوذ الروماني في أوائل القرن الأول الميلادي
стр. 378
وأصبحت ولاية رومانية في أوائل القرن الثاني وظلت كذلك حتى الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي ولكنها مع ذلك نظرًا لموقعها الحدي بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية كانت ولاية من نوع متميز بعض الشيء فلم ترسل روما ولاة رومانيين إليها، وإنما كان حكامها من أبنائها المحليين الذين أبدوا ولاءً غير عادي لروما في التصدي لمحاولات التوسع الفارسية على حساب الحدود الرومانية الشرقية. وفي ظل هذا الوضع المتميز وصلت تدمر إلى قمة ازدهارها الاقتصادي بين ١٣٠ و٢٧٠م، وبخاصة بعد أن نشطت طريق التجارة البرية الآتية من الصين إلى الغرب مارة بهذه المدينة وهو ازدهار مَكَّن مملكة تدمر من أن توسع حدودها فلم تعد قاصرة على العاصمة والقرى أو المدن الصغيرة الواقعة بقربها وإنما اتسعت منطقة نفوذها، كمكافأة من الإمبراطور، لتشمل سورية وشمالي شبه الجزيرة العربية. ولكن حين حاولت الزبَّاء أو زينب "زينوبيا zenobia عند الرومان" أن تستغل موقعها الحدي بين الشرق والغرب وتتفاهم مع الفرس وتعتمد على هذا التفاهم لتحصل على مناطق توسع جديدة في آسيا الصغرى ومصر اجتاحت القوات الرومانية هذه المملكة ودمرت عاصمتها في ٢٧٢م واختفت من فوق المسرح التاريخي ونسيت خرائبها حتى بدأ الرحالة وعلماء الآثار ابتداء من القرن الثامن عشر في اكتشافها وتكوين صورة تتضح يومًا بعد يوم عن تاريخها وحضارتها٦.
كان هذان، إذن، مثالين من النوع الثاني للتكوينات السياسية التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية، وهو النوع الذي اتخذ شكل الإمارة أو المملكة الصغيرة. وقد قامت المملكة الأولى وهي مملكة الأنباط، كما رأينا،
стр. 379
بشكل أساسي على أساس من موقعها الحيوي المتحكم في الخط التجاري الطولي الذي يصل جنوبي شبه الجزيرة العربية بالمنطقة السورية من جهة، والخط التجاري الطولي الذي يصل جنوبي شبه الجزيرة العربية بالمنطقة السورية من جهة، والخط التجاري العرضي الذي يصل بين وادي الرافدين والمنطقة السورية، وحين تدهورت أهمية موقعها تدهورت معه المملكة وانتهت بالسقوط. أما المملكة الثانية وهي تدمر فقد قامت على أساسين متوازيين، أولهما هو الموقع التجاري الأوسط الذي يحكم الطريق التجارية العرضية بعد أن تزحزحت نحو الشمال، وثانيهما هو الاعتماد على موقعها الاستراتيجي المتوسط بين القوتين المتصارعتين: الإمبراطورية الفارسية في الشرق والإمبراطورية الرومانية في الغرب، بأن تضع نفسها في خدمة إحداهما وهي الإمبراطورية الرومانية، ولكنها حين حاولت أن تحول اللعبة لحسابها بتغيير ولائها إلى الجانب الآخر، أثبتت لعبة القوى الكبرى أنها أقوى منها، فدمرها الرومان ولم يساعدها الفرس.
أما المثال الثالث لهذا النوع الثاني من التكوينات السياسية في شبه الجزيرة العربية، وهو الممالك أو الإمارات الصغيرة، فتمثله إمارتان قامت إحداهما على حدود الإمبراطورية الفارسية والأخرى على حدود الإمبراطورية الرومانية. أما الأساس الذي قامت عليه كل منهما, فهو في قسم بسيط منه وقوع أقسام من الخطوط التجارية في أراضيهما، ولكن القسم الأهم منه هو قيام كل من هاتين الإمارتين بحماية حدود الإمبراطورية التي تدين لها الإمارة بالتبعية والولاء سواء من غارات البدو أو من محاولات التوسع التي يقوم بها الجانب الآخر -هاتان الإمارتان هما إمارة الغساسنة على الحدود الشرقية للشام وإمارة اللخميين على التخوم الغربية لنهر الفرات.
وربما كان الغساسنة يشكلون في الأصل قبيلة يمنية هاجرت إلى منطقة حوران على أثر تصدع سد مأرب في القرن الثالث الميلادي تحت زعامة عَمْر
стр. 380
مزيقية بن عامر ماء السماء، ولكن المؤسس الحقيقي للإمارة بعد استقرارها في موطنها الجديد "إذا كانت حقيقة قد نزحت من اليمن" هو جفنة أحد أبناء هذا الزعيم أو الرئيس. وقد أسست هذه القبيلة إمارتها في المنطقة الواقعة إلى الجنوب الشرقي من دمشق عند الطرف الشمالي للخط التجاري البري الذي يصل اليمن بالشام واتخذوا موقع "جابية" في الجولان عاصمة لهم كما كانت "جُلّق" عاصمة لهم بعض الوقت. وما لبث الغساسنة أن دخلوا في دائرة نفوذ الإمبراطورية البيزنطية "الرومانية الشرقية" ووضعوا أنفسهم في خدمة مصالحها في المنطقة، وكانت هذه المصالح تتمثل بالدرجة الأولى في الحفاظ على الحدود الشرقية للإمبراطورية على نحو ما أسلفت. وقد كان أهم ملوك هذه الإمارة هو الحارث الثاني أو الحارث بن جبلة "حوالي ٥٢٩-٥٦٩م" الذي لقب باسم الحارث الأعرج عند الكتاب المسلمين. وقد أظهر هذا الحاكم من الولاء للإمبراطور البيزنطي ما أدى بالإمبراطور يوستنيانوس justinianus "جستنيان" إلى أن يضفي عليه لقب فيلارخوس phylarchos وهو أسمى لقب في الإمبراطورية بعد لقب الإمبراطور، كما عينه في ٥٢٩م سيدًا على كل القبائل العربية في سورية.
وقد أدى ملوك الغساسنة دورهم الذي تقتضيه تبعية إمارتهم للإمبراطورية البيزنطية، فدافعوا عن حدود هذه الإمبراطورية. وكان من بين ما قاموا به في هذا المجال حرب شرسة مستطيلة قام بها الحارث في أواسط القرن السادس الميلادي لصالح البيزنطيين ضد المنذر الثالث ملك الحيرة الذي كان بدوره يدافع عن حدود الإمبراطورية الفارسية. كذلك قام خلفه المنذر "الغساني" بغارة أحرق خلالها الحيرة عاصمة اللخميين. إلا أن البيزنطيين كانوا قد بدءوا يشكون في ولائه "لأسباب تتعلق بالمذهب الديني الذي كان يعتنقه" فأخذوه إلى القسطنطينية وسجنوه بعد ذلك في صقلية. أما ابنه النعمان فقد حاول أن يغير على بعض الأراضي التابعة للإمبراطورية فاستاقوه كذلك إلى
стр. 381
القسطنطينية. وبانتهاء حكم النعمان يشيع في مملكة الغساسنة قدر ظاهر من التفكك وعدم الاستقرار كما لا نستطيع التحقق الكامل من ظروفها إلى أن يتم فتح المنطقة في ٦٣٦م على يد خالد بن الوليد في موقعة اليرموك في عصر الفتوح الإسلامية٧.
أما إمارة اللخميين في الجانب الآخر فقد أقامتها مجموعة من القبائل من بني تنوخ الذين استقروا في المنطقة المتاخمة للضفة الغربية للفرات في أوائل القرن الثالث الميلادي "وهو ذات الوقت الذي استقر فيه الغساسنة في بادية الشام"، وكان التنوخيون يشكلون عددًا من قبائل مجموعة أكبر هي مجموعة قبائل اللخميين الذين ربما كانوا يشكلون هجرة يمنية إلى المنطقة وربما كانوا يشكلون مجرد تسرب بطيء من قبائل البادية إليها. وقد أقام التنوخيون مقرًّا لهم في الموقع الذي عرف بعد ذلك باسم الحيرة على مقربة من بابل "على مسافة كيلومترات قليلة جنوبي الكوفة". ونحو أواخر القرن ذاته أسس أحد التنوخيين وهو عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن لخم إمارة في المنطقة وضعت نفسها في خدمة الإمبراطورية الفارسية. وقد ظهر هذا واضحًا في اشتراك المنذر الأول إلى جانب الساسانيين في حربهم ضد البيزنطيين من ٤٢١م وفي قيام المنذر الثالث "حوالي ٥٠٥-٥٥٤" بغارات على سورية خربت أراضي المنطقة حتى أنطاكية إلى أن تصدى له الحارث الغساني.
وكما رأينا في حالة الإمارات السابقة، فهناك كذلك وصلت إمارة اللخميين إلى قدر من الاستقرار, كان من بين مظاهره قدر من النشاط المعماري المتقدم مثل قصر الخورنق الذي أقامه النعمان الأول "حوالي ٤٠٠-٤١٨م" بالقرب من الحيرة والذي كان يعتبر أعجوبة معمارية في عصره، ومثل قصر السدير الذي يذكر لنا ياقوت الحموي أن النعمان أقامه كذلك، وكان يقوم
стр. 382
في وسط الصحراء بين الحيرة وسورية، ومثل الدير، الذي أقامته إحدى أميرات هذه الإمارة وهي هند، أم عمرو بن هند، ومثل انتشار قدر من الحياة الثقافية في الحيرة. كما يدل على هذا الاستقرار كذلك ما وصل إلينا عن حياة البذخ التي كان يمكن للقصر أن يمارسها, كما تشهد على ذلك إشارات إلى توافد مغنين وموسيقيين من الرجال والنساء، سواء في ذلك الذين وفدوا من مكة أو البابليون أو اليونان.
ولكن هذا الاستقرار كان مرتبطًا دائمًا بإرادة الدولة الكبيرة، الإمبراطورية الفارسية، التي كان منطلقها الأساسي هو مصلحتها إزاء الصراع الكبير بينها وبين الإمبراطورية البيزنطية، ومدى ثقتها في ولاء الأمراء اللخميين إزاء هذا الهدف. وهكذا فرغم ظروف التخلخل الذي كانت تمر به الإمبراطورية من حين لآخر حول مسألة العرش -وهي ظروف أتاحت الفرصة لبعض حكام إمارة اللخميين للتدخل في مناسبة واحدة على الأقل في تحديد الشخص الذي يلي العرش "كما حدث أيام المنذر الأول ٤١٨-٤٦٢م"- إلا أن الوضع كان يتغير تماما إذا أحس الأباطرة الفرس بشيء من الشك في ولاء الأمراء اللخميين، وقد حدث هذا بعد حكم النعمان الثالث أو النعمان أبي قابوس بن المنذر "٥٨٠-٦٠٢م" إذ نجد الإمبراطور الفارسي يعين إلى جانب الأمير العربي، وهو النعمان بن قبيسة الطائي "٦٠٢-٦١١م" مقيما فارسيا يمسك في يده بمقاليد الحكومة وهكذا تحول الأمراء العرب في المنطقة إلى حكام بلا سلطة، وظل الأمر كذلك حتى الفتوح الإسلامية حين حصل خالد بن الوليد على استسلام الحيرة في ٦٣٣م٨.
وأصل الآن إلى المثال الأخير لهذا النوع الثاني من التكوينات السياسية التي عرفتها شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، وهو الإمارات أو الممالك الصغيرة، وهذا المثال هو مملكة كندة التي قامت في المنطقة الوسطى من
стр. 383
شبه الجزيرة كمملكة تابعة للملك اليمني حسان بن تبَّع الحميري، وكان قيامها، فيما أرجح, يشكل نوعًا من حصول الملك اليمني على منطقة نفوذ قريبة من إمارتي اللخميين والغساسنة كإجراء لازم في ضوء الصراع الفارسي البيزنطي الذي لم يقتصر على الحدود المباشرة بين هاتين الإمبراطوريتين، وإنما اتسعت دائرته لتشمل المناطق التي تمر بها الخطوط التجارية البرية والبحرية التي تصل إلى الإمبراطوريتين ومن ثم وجدت منطقة اليمن نفسها منساقة إلى الاشتراك بشكل أو بآخر في هذا الصراع وإلى اتخاذ بعض المواقف إزاءه.
وقد بدأ ظهور مملكة كندة حين عين الملك الحميري في الربع الأخير من القرن الخامس "حوالي ٤٨٠م" أحد رؤساء قبيلة كندة وحو حُجْر آكل المرر حاكمًا على بعض القبائل العربية الموجودة في وسط شبه الجزيرة والتي كان الملك الحميري قد غزاها في فترة سابقة. وفي مجال العمل السياسي في هذا الصراع المثلث بين القوى الدولية استطاع أحد ملوك كندة وهو الحارث بن عمرو أن يسيطر على الحيرة بعد موت الإمبراطور الفارسي قباذ، ولكن المنذر الثالث، ملك الحيرة، تمكن من استعادة إمارته "في ٥٢٩م" وأعدم الحارث ونحو خمسين من زعماء مملكة كندة، ليحل بعد ذلك في هذه المملكة نوع من التفكك وضع نهاية لوجودها السياسي. ورغم أن أحد أمراء هذه القبيلة، وهو امرؤ القيس، حاول أن يعيد كيان هذه المملكة بمساعدة الإمبراطور البيزنطي معتمدًا على العداء بين هذا الإمبراطور والإمبراطور الفارسي الذي كانت إمارة الحيرة تابعة له، إلا أن لعبة الدول الكبرى كانت أوسع من طموحه، وهكذا لم يحصل على المساندة المنشودة وباءت هذه المحاولة بالفشل. ولكن رغم اندثار مملكة كندة بعد فترة وجيزة من ظهورها إلا أن قيامها في حد ذاته، رغم قصر مدته، كانت له في رأي أحد الباحثين المعاصرين قيمة أساسية من حيث إنها كانت سابقة لاتحاد قبائل وسط شبه الجزيرة العربية،
стр. 384
أوجدت تصور الوحدة في هذه المنطقة ومن ثم كانت سابقة مهدت الطريق أمام توحيد المنطقة بعد ظهور الدعوة الإسلامية٩.
هذا عن النوع الثاني من التكوينات السياسية التي عرفتها شبه جزيرة العرب قبل الإسلام، وهو النوع الذي انتشر أساسًا في القسم الشمالي منها، أما النوع الثالث من هذه التكوينات فقد كانت تشكله الملكيات أو الممالك التي قامت في جنوبي شبه الجزيرة. وقد كان الأساس الذي قامت عليه هذه الملكيات أكثر ثباتًا واستقرارًا وأقل اعتمادًا على الظروف العارضة من الإمارات والممالك الشمالية. فبينما كانت هذه الأخيرة تقوم في المناطق الصحراوية وتعتمد على أساس من تجارة العبور التي تعتمد على الموقع التجاري ومن التوازن الدولي بين القوى الكبيرة المتصارعة في شرقي شبه الجزيرة وغربيها، ومن ثم تزدهر وتقوى إذا ظلت الخطوط التجارية في مكانها وعلى أهميتها وإذا ظل التوازن الدولي مواتيًا، نجد أن الأساس الذي قامت عليه ممالك الجنوب يختلف عن ذلك اختلافا جذريا, فقد عرفت هذه الممالك الجنوبية مساحات ممتدة من الأراضي الخصبة وقدرًا كافيًا ومنتظمًا من الأمطار الموسمية الغزيرة، وهكذا عرفت الأساس الاقتصادي الزراعي المستمر، بل لقد كان السكان لا يكتفون بالأراضي السهلية فيزرعون محصولاتهم على "الأجلال" أو المدرجات التي يسوونها على جوانب الجبال١٠.
كذلك عرفت المنطقة مساحات واسعة من الغابات الطبيعية والنباتات التي تنتج الطيوب والتوابل، وهي سلعة لم يكن للعالم القديم غناء عنها -الأمر الذي زاد من استقرار المورد الاقتصادي. أما المورد الذي شكل القسم الثاني من هذا الأساس الاقتصادي فهو ما سبقت الإشارة إليه في مناسبة سابقة وهو
стр. 385
التجارة. وهذه التجارة لم تكن مثل نظيرتها في الشمال مجرد تجارة عبورية تعتمد على بقاء الخطوط التجارية وتختلّ إذا أصاب هذه الخطوط أي تغيير أو تعديل في مسارها, وإنما هي تجارة أصلية، الجزء الأكبر من مقوماتها "أو موادها الأولية" موجود في البلاد فعلًا، وإلى جانب كل من هذا فموقع هذه الممالك الموجود في جنوبي الجزيرة كان يجعلها بالضرورة على نقطة الانطلاق من بداية أية طريق برية نحو الشمال، كما كان موقعها عند ملتقى البحر الأحمر والمحيط الهندي يعطيها ميزة مضاعفة في مجال الخطوط التجارية، فالخطان البري والبحري موجودان, وإذا قوي أحدهما على حساب الآخر فإن هذا لا يدفع بها إلى خارج الصورة، وإنما تظل منتفعة في كل الأحوال١١. وقد كانت نتيجة كل ذلك أن بقيت هذه الممالك طوال العصر القديم. حقيقة إن واحدة منها قد تصل إلى مركز القوة على حساب الأخريات في بعض الأحيان, ولكن واحدة منها لم تندثر، كما حدث في بعض الإمارات والممالك الشمالية، كما كانت الحال مع مملكة الأنباط أو مملكة تدمر على سبيل المثال.
أما الصفة الثانية التي تميزت بها ممالك العربية الجنوبية فهي ما نلحظه بينها، رغم تعددها, من توافق أو ما يشبه التوافق، يقترب بها من التداخل بقدر ما يبتعد بها عن التناحر والتصارع الذي نجده في بعض إمارات الشمال مثل إمارة الغساسنة وإمارة اللخميين. ولعل مرجع هذا إلى التكاملالاقتصادي فيما بينها؛ فبعض المناطق تنتج نوعًا من الطيوب والتوابل وبعضها ينتج نوعًا آخر وكلها تصب عند بداية خط القوافل البري الذي يمر في مناطق حددتها التضاريس الطبيعية وجعلتها أنسب من غيرها، ومن ثَمَّ لم يكن هناك بديل لها. وهكذا كان لا بد من قدر من الاتفاق بين هذه الممالك جميعًا لا يمكن الاستغناء عنه، فكل منطقة تعتمد على الأخرى، هذه تنتج وتريد أن تسوِّق تجارتها وتلك تمر القوافل من أرضها وتستفيد مما تجنيه من ذلك من رسوم وأجور
стр. 386
على ما تقدمه من خدمات، وفي بعض الأحيان تجمع بين الموردين: الإنتاج والنقل وهكذا. ومن ثم كانت السيادة السياسية بين هذه الممالك تتعاصر أحيانًا وتتتابع أحيانًا, وتتفوق فيه مملكة على مملكة أخرى، أو تصل إحدى هذه الممالك إلى السيطرة على كل الممالك الباقية فيما يشبه الوحدة السياسية.
ونظرة واحدة على المسار السياسي لهذه الممالك توضح ما أعنيه بهذا التوافق أو التداخل بين الممالك التي قامت في هذا القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية, فقد قامت مملكة سبأ الأولى "جنوبي نجران" واتخذت صرواح "غربي مأرب" عاصمة لها بين ٧٥٠ و٦١٠ق. م. لتتلوها مملكة سبأ الثانية التي اتخذت مأرب "٦٠ ميلا تقريبا شرقي صنعاء" عاصمة لها بين ٦١٠ و١١٥ق. م. وفي ذروة ازدهار سبأ سيطرت لفترة من الوقت على مملكة المعينيين التي قامت في منطقة الجوف اليمنية "غير الجوف الموجودة في شمالي شبه الجزيرة". أما المعينيون فقد عاصروا السبئيين لفترة من الوقت، إذ قامت مملكتهم بين ٧٠٠ ق. م. واستمرت حتى القرن الثالث وكانت عاصمتهم هي قرناو "معين الحالية" في القسم الجنوبي من الجوف إلى الشمال الشرقي من صنعاء، وفي فترة ازدهارهم سيطروا على القسم الأكبر من العربية الجنوبية. وغير هاتين المملكتين قامت مملكة قتبان في الركن الجنوبي من شبه الجزيرة شرقي عدن بين أوائل القرن الرابع وأواسط القرن الأول ق. م. "٤٠٠-٥٠ق. م.". واتخذت مدينة "تمنع" "كُحلان الحالية" عاصمة لها, كما قامت مملكة حضرموت إلى شرقي قتبان بين أواسط القرن الخامس ق. م. وآخر القرن الأول الميلادي, وفي بعض الفترات كانت هاتان المملكتان تحت السيطرة السبئية أو المعينية.
ثم نجد السيادة الحميرية تظهر ابتداء من ١١٥ وحتى نهاية العصر القديم، وقد أتى الحميريون من المرتفعات الجنوبية الغربية لليمن واتخذوا من "ظفار"
стр. 387
"حوالي ١٠٠ ميل شمالي شرقي مخا على الطريق إلى صنعاء" عاصمة لهم وسيطروا على قسم كبير من المنطقة التي وجدت فيها الممالك التي سبق ذكرها واتخذ كل من حكامهم لقب: "ملك سبأ وذو ريدان" "وذو ريدان هي قتبان" وبقى هذا هو اللقب الملكي حتى أول القرن الثالث الميلادي "٣٠٠م" حين نجده يتغير إلى "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات" ومعنى ذلك: أن مملكة حضرموت قد دخلت في تبعية السيطرة الحميرية في ذلك الوقت. هذا وقد زاد هذا اللقب في فترة لاحقة ليضم "وأعرابها في الجبال وفي تهامة"، "وتهامة تقع على الشاطئ الغربي في امتداد جنوبي شمالي" وهي زيادة تشير إلى اتساع نطاق السيادة الحميرية لتشمل كل المنطقة المأهولة في العربية الجنوبية١٢.
ثم تأتي الصفة الثالثة لهذه الممالك الجنوبية وهي نقاط التوسع خارج حدودها عن طريق المستوطنات. ونحن نستدل على ذلك من بعض النقوش الآشورية التي يرد في واحد منها من عهد الملك تجلات بيليسر الثالث "٧٤٤-٤٢٧ ق. م", على سبيل المثال, أن هذا الملك مد نفوذه إلى عدد من القبائل والمدن من بينها سبأ, ثم يذكر في النقش ذاته أن هذه الأماكن تقع في أقصى الغرب "بالنسبة لدولة آشور" كما يضع سبأ في ترتيبها بعد تيماء مما يعطينا فكرة عامة عن موضعها. وهذا النقش وغيره من النقوش الآشورية التي يرد فيها اسم سبأ تشير بشكل واضح إلى أن المقصود هو مستوطنات سبئية في الشمال. كذلك نجد عددًا من النقوش المعينية في العلا وفي شمالي غربي شبه الجزيرة وفي الجوف في القسم الشمالي منها، وكلها تشير إلى قيام عدد من المستوطنات المعينية في هاتين المنطقتين. كما نجد مثالًا تتضخم فيه هذه المستوطنات لكي تتحول بعد ذلك إلى دولة متكاملة، كما حدث في عهد المملكة الحميرية
стр. 388
حين أقام بعض العرب الجنوبيين مستوطناتٍ لهم في الحبشة ابتداء من القرن الأول الميلادي وكانوا بذلك نواة لدولة أكسوم التي قامت في المنطقة١٣. ومثل هذه المستوطنات ابتدأت بالضرورة كمحطات تجارية لتجار العربية الجنوبية ثم نمت واستقرت بعد ذلك لتتحول إلى مدن لها كيانها الخاص ولكن تبقى بينها وبين الأماكن التي انبثقت منها في البداية علاقات مصالح تجارية، كما نتصور أن تكون لها مع هذه الأماكن علاقات أدبية ودينية، كما حدث في حال المستوطنات اليونانية خارج بلاد اليونان، التي تحولت على مدى الزمن إلى مدن يونانية لكل منها كيانها السياسي المستقل القائم بذاته.
стр. 389
ب- نظام الحكم:
بعد الحديث عن الأشكال أو التكوينات السياسية التي عرفتها شبه الجزيرة العربية, نلقي نظرة سريعة على النظم السياسية، أو نظم الحكم، التي عرفتها هذه التكوينات. وفي هذا الصدد نستطيع أن نتبين ثلاثة أنواع من هذه النظم, والنوع الأول نراه في النظام السياسي الذي عرفته التكوينات القبلية ونظام الحكم هنا يمكن أن نصفه بأنه نظام رئاسي يقوم على قاعدة شعبية قوامها كل أفراد القبيلة أو التجمع القبلي "في حالة وجود كيان سياسي يضم أكثر من قبيلة" ولكنه مع ذلك يميل إلى الصفة الطبقية أو الأرستقراطية إذا جاز لي أن أستعير تعبيرًا غير عربي.
стр. 390
وحاكم القبيلة أو التجمع القبلي هنا هو الشيخ أو السيد. والأساس الذي يقوم عليه حكمه ليس هو الوراثة وإنما هو الاختيار الذي قد يكون انتخابًا أو إجماعًا من القبيلة أو التجمع القبلي لنا أن نتصور أنه يتم في حدود رؤساء الأسر والأقوام "الأحياء" التي يتكون منها هذا الكيان القبلي إذا أدخلنا في اعتبارنا حرص العرب على النقاء الأسري في العصر السابق للإسلام حين لم تعرف القبائل العربية في البداية نظام الدولة بما لها من مؤسسات، ومن ثم كان التماسك الأسري "داخل التماسك القبلي" هو البديل الأساسي إن لم يكن البديل الوحيد لحفظ كيان القبيلة من التميع ومن ثم الاندثار. والصفات التي تؤهل السيد لمنصبه في السيادة أو الرئاسة هي صفات مستوحاة من حاجة القبيلة ومن ظروفها أساسًا. فالسن عليها معول كبير دون شك، إذ إنها مؤشر إلى التجربة والحكمة في مجتمع كانت العلاقات القبلية فيه تتعرض للغارات المتبادلة لأوهى الأسباب، وإن كان لنا أن نتصور وجود سادة أو رؤساء للقبائل دون اشتراط تقدم السن إذا كانت التجربة أو الحكمة في التصرف متوفرة في الشخص المرشح للرئاسة. كذلك كانت الشجاعة والحلم والكرم والثروة والحرص على مصالح القبيلة من المؤهلات الرئيسة للسيد. فالشجاعة مؤهل أساسي في مجتمع الغارات المتبادلة, والكرم لا يقل عنه ضرورة في مجتمع معرض للظروف الجغرافية القاسية التي قد تودي بالزرع والضرع، أو تؤدي إلى ندرة العشب إذ حلت بالمنطقة فترة جفاف طويلة. وقد كان ذلك واردًا في شبه الجزيرة١٤.
على أنه يحدث في بعض الأحيان أن يكون السيد الجديد ابنًا للسيد القديم، ولكن هذا لم يكن معناه ابتعادًا عن النظام الانتخابي أو الاختياري المذكور أو اقترابًا من النظام الوراثي، وإنما يكون ناتجًا عن توفر صفات الرئاسة بحكم