← История

История · id 8384

العرب في العصور القديمة

لطفي عبد الوهاب

Полный текст (524 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

على ما تقدمه من خدمات، وفي بعض الأحيان تجمع بين الموردين: الإنتاج والنقل وهكذا. ومن ثم كانت السيادة السياسية بين هذه الممالك تتعاصر أحيانًا وتتتابع أحيانًا, وتتفوق فيه مملكة على مملكة أخرى، أو تصل إحدى هذه الممالك إلى السيطرة على كل الممالك الباقية فيما يشبه الوحدة السياسية. ونظرة واحدة على المسار السياسي لهذه الممالك توضح ما أعنيه بهذا التوافق أو التداخل بين الممالك التي قامت في هذا القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية, فقد قامت مملكة سبأ الأولى "جنوبي نجران" واتخذت صرواح "غربي مأرب" عاصمة لها بين ٧٥٠ و٦١٠ق. م. لتتلوها مملكة سبأ الثانية التي اتخذت مأرب "٦٠ ميلا تقريبا شرقي صنعاء" عاصمة لها بين ٦١٠ و١١٥ق. م. وفي ذروة ازدهار سبأ سيطرت لفترة من الوقت على مملكة المعينيين التي قامت في منطقة الجوف اليمنية "غير الجوف الموجودة في شمالي شبه الجزيرة". أما المعينيون فقد عاصروا السبئيين لفترة من الوقت، إذ قامت مملكتهم بين ٧٠٠ ق. م. واستمرت حتى القرن الثالث وكانت عاصمتهم هي قرناو "معين الحالية" في القسم الجنوبي من الجوف إلى الشمال الشرقي من صنعاء، وفي فترة ازدهارهم سيطروا على القسم الأكبر من العربية الجنوبية. وغير هاتين المملكتين قامت مملكة قتبان في الركن الجنوبي من شبه الجزيرة شرقي عدن بين أوائل القرن الرابع وأواسط القرن الأول ق. م. "٤٠٠-٥٠ق. م.". واتخذت مدينة "تمنع" "كُحلان الحالية" عاصمة لها, كما قامت مملكة حضرموت إلى شرقي قتبان بين أواسط القرن الخامس ق. م. وآخر القرن الأول الميلادي, وفي بعض الفترات كانت هاتان المملكتان تحت السيطرة السبئية أو المعينية. ثم نجد السيادة الحميرية تظهر ابتداء من ١١٥ وحتى نهاية العصر القديم، وقد أتى الحميريون من المرتفعات الجنوبية الغربية لليمن واتخذوا من "ظفار"

стр. 387

"حوالي ١٠٠ ميل شمالي شرقي مخا على الطريق إلى صنعاء" عاصمة لهم وسيطروا على قسم كبير من المنطقة التي وجدت فيها الممالك التي سبق ذكرها واتخذ كل من حكامهم لقب: "ملك سبأ وذو ريدان" "وذو ريدان هي قتبان" وبقى هذا هو اللقب الملكي حتى أول القرن الثالث الميلادي "٣٠٠م" حين نجده يتغير إلى "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات" ومعنى ذلك: أن مملكة حضرموت قد دخلت في تبعية السيطرة الحميرية في ذلك الوقت. هذا وقد زاد هذا اللقب في فترة لاحقة ليضم "وأعرابها في الجبال وفي تهامة"، "وتهامة تقع على الشاطئ الغربي في امتداد جنوبي شمالي" وهي زيادة تشير إلى اتساع نطاق السيادة الحميرية لتشمل كل المنطقة المأهولة في العربية الجنوبية١٢. ثم تأتي الصفة الثالثة لهذه الممالك الجنوبية وهي نقاط التوسع خارج حدودها عن طريق المستوطنات. ونحن نستدل على ذلك من بعض النقوش الآشورية التي يرد في واحد منها من عهد الملك تجلات بيليسر الثالث "٧٤٤-٤٢٧ ق. م", على سبيل المثال, أن هذا الملك مد نفوذه إلى عدد من القبائل والمدن من بينها سبأ, ثم يذكر في النقش ذاته أن هذه الأماكن تقع في أقصى الغرب "بالنسبة لدولة آشور" كما يضع سبأ في ترتيبها بعد تيماء مما يعطينا فكرة عامة عن موضعها. وهذا النقش وغيره من النقوش الآشورية التي يرد فيها اسم سبأ تشير بشكل واضح إلى أن المقصود هو مستوطنات سبئية في الشمال. كذلك نجد عددًا من النقوش المعينية في العلا وفي شمالي غربي شبه الجزيرة وفي الجوف في القسم الشمالي منها، وكلها تشير إلى قيام عدد من المستوطنات المعينية في هاتين المنطقتين. كما نجد مثالًا تتضخم فيه هذه المستوطنات لكي تتحول بعد ذلك إلى دولة متكاملة، كما حدث في عهد المملكة الحميرية

стр. 388

حين أقام بعض العرب الجنوبيين مستوطناتٍ لهم في الحبشة ابتداء من القرن الأول الميلادي وكانوا بذلك نواة لدولة أكسوم التي قامت في المنطقة١٣. ومثل هذه المستوطنات ابتدأت بالضرورة كمحطات تجارية لتجار العربية الجنوبية ثم نمت واستقرت بعد ذلك لتتحول إلى مدن لها كيانها الخاص ولكن تبقى بينها وبين الأماكن التي انبثقت منها في البداية علاقات مصالح تجارية، كما نتصور أن تكون لها مع هذه الأماكن علاقات أدبية ودينية، كما حدث في حال المستوطنات اليونانية خارج بلاد اليونان، التي تحولت على مدى الزمن إلى مدن يونانية لكل منها كيانها السياسي المستقل القائم بذاته.

стр. 389

ب- نظام الحكم: بعد الحديث عن الأشكال أو التكوينات السياسية التي عرفتها شبه الجزيرة العربية, نلقي نظرة سريعة على النظم السياسية، أو نظم الحكم، التي عرفتها هذه التكوينات. وفي هذا الصدد نستطيع أن نتبين ثلاثة أنواع من هذه النظم, والنوع الأول نراه في النظام السياسي الذي عرفته التكوينات القبلية ونظام الحكم هنا يمكن أن نصفه بأنه نظام رئاسي يقوم على قاعدة شعبية قوامها كل أفراد القبيلة أو التجمع القبلي "في حالة وجود كيان سياسي يضم أكثر من قبيلة" ولكنه مع ذلك يميل إلى الصفة الطبقية أو الأرستقراطية إذا جاز لي أن أستعير تعبيرًا غير عربي.

стр. 390

وحاكم القبيلة أو التجمع القبلي هنا هو الشيخ أو السيد. والأساس الذي يقوم عليه حكمه ليس هو الوراثة وإنما هو الاختيار الذي قد يكون انتخابًا أو إجماعًا من القبيلة أو التجمع القبلي لنا أن نتصور أنه يتم في حدود رؤساء الأسر والأقوام "الأحياء" التي يتكون منها هذا الكيان القبلي إذا أدخلنا في اعتبارنا حرص العرب على النقاء الأسري في العصر السابق للإسلام حين لم تعرف القبائل العربية في البداية نظام الدولة بما لها من مؤسسات، ومن ثم كان التماسك الأسري "داخل التماسك القبلي" هو البديل الأساسي إن لم يكن البديل الوحيد لحفظ كيان القبيلة من التميع ومن ثم الاندثار. والصفات التي تؤهل السيد لمنصبه في السيادة أو الرئاسة هي صفات مستوحاة من حاجة القبيلة ومن ظروفها أساسًا. فالسن عليها معول كبير دون شك، إذ إنها مؤشر إلى التجربة والحكمة في مجتمع كانت العلاقات القبلية فيه تتعرض للغارات المتبادلة لأوهى الأسباب، وإن كان لنا أن نتصور وجود سادة أو رؤساء للقبائل دون اشتراط تقدم السن إذا كانت التجربة أو الحكمة في التصرف متوفرة في الشخص المرشح للرئاسة. كذلك كانت الشجاعة والحلم والكرم والثروة والحرص على مصالح القبيلة من المؤهلات الرئيسة للسيد. فالشجاعة مؤهل أساسي في مجتمع الغارات المتبادلة, والكرم لا يقل عنه ضرورة في مجتمع معرض للظروف الجغرافية القاسية التي قد تودي بالزرع والضرع، أو تؤدي إلى ندرة العشب إذ حلت بالمنطقة فترة جفاف طويلة. وقد كان ذلك واردًا في شبه الجزيرة١٤. على أنه يحدث في بعض الأحيان أن يكون السيد الجديد ابنًا للسيد القديم، ولكن هذا لم يكن معناه ابتعادًا عن النظام الانتخابي أو الاختياري المذكور أو اقترابًا من النظام الوراثي، وإنما يكون ناتجًا عن توفر صفات الرئاسة بحكم

стр. 391

الصدفة أو الواقع في ابن السيد السابق. ونحن نجد في هذا الصدد سيدًا لإحدى القبائل، وهو عامر بن الطفيل الذي يبدو أنه اختير سيدًا بعد وفاة أبيه، السيد السابق للقبيلة، يحاول جاهدًا أن يرد عن نفسه ما قد يوجه إليه من اتهام بوراثة السيادة ويستنكر مثل هذا الاتهام، ذاكرًا أن قبيلته هي التي سودته عليها ومشيرا إلى صفاته التي جعلت قبيلته تختاره لسيادة القبيلة فيقول: فإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المندوب في كل موكب فما سوَّدتني عامرٌ عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب١٥ كذلك قد يحدث أن تعطى سيادة القبيلة أو التجمع القبلي لامرأة وليس بالضرورة لرجل, والبيت الثاني من الأبيات السابقة يشير صراحة إلى هذا الاتجاه. ولم يكن هذا في الواقع أمرا غريبا عن عرب شبه الجزيرة في العصور السابقة للإسلام؛ فنحن نعرف من المصادر التي وردت فيها معاملات بين عرب شبه الجزيرة وغيرهم من الشعوب عن عدد من النساء اللاتي شغلن منصب الرئاسة لمجتمعات قبلية عربية، وقد أسمتهن هذه النصوص "ملكات" للعرب حسب التسمية السائدة عند الشعوب التي تنتمي إليها هذه النصوص. وهكذا نسمع في القرآن الكريم وفي التوراة عن معاملات في القرن العاشر ق. م. بين سليمان ملك اليهودية "٩٧١-٩٣٧ق. م" وبين ملكة سبأ، التي أصبح من المرجح أنها لم تكن ملكة دولة سبأ الموجودة في جنوبي شبه الجزيرة، وإنما رئيسة مستوطنة سبئية شكلتها مجموعة قبائل جنوبية هاجرت واستقرت في شمالي شبه الجزيرة. وفي القرن الثامن ق. م. نسمع في النقوش الآشورية عن احتكاكات سياسية وعسكرية بين الملك الآشورية تجلات بيليسر الثالث

стр. 392

"٧٤٤-٧٢٧ ق. م." وبين ملكتين عربيتين هما الملكة زبيبة والملكة سمسي، وفي القرن السابع ق. م. نسمع من النقوش ذاتها عن معاملات سياسية بين الملك الآشوري إسار حدّون "٦٨٠-٦٦٩ق. م" وبين ملكة عربية أخرى هي إسكلاتو. كما نسمع في الكتابات اليونانية في أواخر القرن الرابع الميلادي "حوالي ٣٨٠م" عن "ماوية، ملكة العرب" التي قامت بعدد من الغارات على الأراضي الفلسطينية والفينيقية١٦. وإلى جانب السيد أو شيخ القبيلة نستطيع أن نتبين من النصوص وجود تجمعين أو مجلسين يشاركانه في تصريف أمور القبيلة: أحدهما هو مجلس أعيان القبيلة والآخر يضم كل أفراد القبيلة. ويشير القرآن الكريم إلى المجلس الأول في أكثر من مناسبة تحت اسم "الملأ". وحقيقة إن هذه التسمية قد وردت في إحدى الآيات القرآنية لتدل على مجرد مجموعة من الناس، كما وردت في آيات أخرى قليلة بشكل قد يحتمل المعنى العام والمعنى الخاص الذي نحن بصدد الحديث عنه، ولكن الصفة المتواترة عند ذكر هذه التسمية تشير بشكل لا يشوبه الغموض إلى أن المقصود منها هو هذا المجلس الذي يضم الأعيان, الذين يبدو منطقيا أنهم كانوا رؤساء الأحياء والأسر التي تشكل القبيلة. ولنا أن نستنتج أن هذه التسمية بالذات هي التي كانت سائدة للتدليل على هذا المجلس، طالما أن القرآن الكريم يذكرها على أنها شيء معروف عند العرب الجاهليين الذين كان يخاطبهم.

стр. 393

أما النقاش داخل هذا "الملأ" فيبدو أنه كان إلى حد غير قليل نقاشًا مفتوحًا وديمقراطيًّا يتسع للرأي ونقيضه. ونحن نجد صورة نابضة في القرآن الكريم لهذا النقاش الذي يتعاقب فيه الفريقان المتعارضان في اجتماع الملأ واحدًا بعد الآخر، في إدلاء بالرأي، ورد عليه ثم اعتراض على الرد ثم رد على الاعتراض وهكذا. كما نجد أحد الفريقين المتناقشين، حين تتأزم المناقشة، يطرح موضوع النقاش على العامة من أفراد القبيلة ليدلوا برأيهم في الموضوع وربما كان الاسم الذي أطلق على هذا التجمع العام الأخير هو النادي الذي قد يشير كذلك إلى مكان هذا الاجتماع العام. فالاسم ورد في القرآن الكريم في معنى التجمع العام، كما أن مدلول اللفظة ذاتها يفيد معنى التجمع المقترن بالنقاش١٧. والنوع الثاني من التنظيمات السياسية التي عرفتها شبه الجزيرة العربية نجده في التجمعات القبلية التي تحولت إلى إمارات أو ممالك تابعة للإمبراطوريات الكبرى أو داخلة في دائرة نفوذها بشكل أو بآخر مثل مملكة تدمر وإمارتي الغساسنة واللخميين. ومنصب الذي يتقلد الرئاسة على هذه القبائل كان بالنسبة للعرب يتخذ تسمية "الملك"، كما يتبين من النقش الذي وجد على قبر امرئ القيس الأول بن عمرو بن عدي "٢٨٨-٣٢٨م" وهو أحد الحكام اللخميين وفيه نجده يصف نفسه بأنه "ملك العرب كلهم"، وكما يتبين لنا كذلك من إشارة الشاعر التغلبي عمرو بن كلثوم إلى عمرو بن المنذر الثالث بن ماء السماء "المعروف باسم عمرو بن هند" الذي يقول: إذا ما الملك سام الناس خسْفًا ... أبينا أن نقر الذل فينا١٨

стр. 394

أما بالنسبة للدولة التي تتبعها الإمارة فقد كان لقب حاكم الإمارة يتخذ أسماء متعددة حسب الظروف, كما حدث في حالة أذينة حاكم تدمر، على سبيل المثال، حين نجد الإمبراطور الروماني يضفي عليه لقبين لقاء خدماته، أحدهما "قائد الشرق" أو "قائد المنطقة الشرقية" dux orientis والآخر "آمر الجند" imperator وكما حدث في حال المنذر الثالث الغساني الذي أضفى عليه الإمبراطور يوستنيانوس "جستنيان" لقب "حاكم القبائل" phylarchus إلى جانب لقب شرفي آخر هو "النبيل" patricius. والحكم في هذه الإمارات كان فرديا وراثيا "على عكس ما رأينا في نظام الحكم القبلي بالنسبة للسيد" يظهر هذا من قائمة حكام الغساسنة واللخميين كما يبدو في تدمر من تقلد الزباء ملكة تدمر لصلاحيات السلطة كوصية على العرش بعد موت زوجها أذينة. ويبدو أن الدول الكبرى التي كانت تتبعها هذه الإمارات لم تتدخل في هذا النظام الوراثي، ولعل السبب في ذلك هو أن هذا النظام كان يمثل بالنسبة لها شيئا من الاستقرار الذي تنشده على حدودها. وحتى حين كانت تشك في نوايا أو تصرفات أحد هؤلاء الحكام كانت تبقي على نظام الوراثة كما هو ولكنها تتخذ الإجراء الذي تراه مناسبًا للمحافظة على مصالحها. ومن أمثلة ذلك ما حدث حين لم ترتح الإمبراطورية البيزنطية إلى بعض تصرفات المنذر الرابع وابنه النعمان فأخذ الأول سجينًا إلى القسطنطينية ثم سجن بعد ذلك في صقلية، بينما اقتِيدَ الثاني منفيًّا إلى القسطنطينية. ومن أمثلته كذلك ما حدث حين عين الإمبراطور الفارسي إلى جانب إياس بن قبيصة "٦٠٢-٦١١م"، الحاكم اللخمي، مقيما فارسيا وضعت السلطة الحقيقية في يده بحيث أصبحت سلطة الحاكم العربي سلطة اسمية١٩.

стр. 395

نظام آخر من أنظمة الحكم في شبه الجزيرة في العصور القديمة نجده في مملكة الأنباط التي قامت وازدهرت كمملكة مستقلة في أغلب مراحل وجودها حتى أدخلها الرومان في دائرة نفوذهم في أواخر القرن الأول ق. م. أو أوائل القرن الأول الميلادي قبل أن تتحول إلى ولاية رومانية رسمية في أوائل القرن التالي. وفي هذه المملكة كان منصب الملك وراثيًّا كذلك. ولكن يبدو أن الحكم مع ذلك لم يكن فرديًّا، فنحن نجد مجلسًا شعبيًّا يذكر لنا الكاتب اليوناني سترابون أن الملك كان يقدم أمامه تقريرًا عن أعماله، بل لقد كان هذا المجلس يناقش الأسلوب الذي يتبعه الملك في حياته الخاصة في بعض الأحيان. كذلك كان يحد من سلطات الملك وزير أو رئيس للجهاز التنفيذي يتخذ لفظ "الأخ" ونحن نعرف على الأقل واحدا من الذين شغلوا منصب "الأخ" وهو سللايوس syllaeus "صلاء، شلاء" الذي عاصر حملة الرومان على شبه الجزيرة العربية في ٢٤ ق. م. وقد كان صاحب سلطة واسعة فعلًا. وربما كان ناتجًا عن قوة شخصيته وضعف شخصية الملك النبطي آنذاك وهو عبيدة "أوبودا oboda عند الرومان" كما يشير إلى ذلك سترابون في شيء من التفصيل. ولكن مع ذلك فإن التسمية التي أطلقت على المنصب وهي "الأخ" تشير إلى شيء من اتساع صلاحيات هذا المنصب٢٠. أما النوع الأخير من نظم الحكم أو النظم السياسية فقد وجد في جنوبي شبه الجزيرة العربية، والنظام كان ملكيا في الدول التي قامت في هذا القسم من شبه الجزيرة. ويبدو أن الملكية في هذه المنطقة كانت فردية مطلقة في المرحلة الأولى من مراحل ظهورها، وهي مرحلة ترجع إلى القرن السابع على أقل تقدير في بعض أجزاء المنطقة. ويظهر لنا ذلك من أن الملك كان يجمع بين

стр. 396

منصبه الملكي ومنصب الكاهن الأعلى أو "المكرب"، "المقرب، ربما من تقديم القرابين إلى الآلهة" في واحدة على الأقل من الممالك التي قامت في المنطقة، وهي مملكة سبأ في مرحلتها الأولى "من حوالي ٦١٠ إلى ١١٥ق. م"٢١. وهو وضع مغزاه، إذا أدخلنا في اعتبارنا أن الدين كان يعتبر الدعامة التي تعطي للنظام الملكي قاعدته الشرعية في العصر القديم بوجه عام، ولنا أن نتصور في ظل هذا الوضع أن يكون الحكم الملكي وراثيًّا كذلك، فهو أمر وارد في النظام الملكي وهو أمر أكثر ورودًا إذا كان الحكم الملكي من النوع الفردي المركزي. ولكن يبدو أن هذا النظام الملكي الذي يقوم على الحكم الفردي المركزي "سواء في سبأ أو الملكيات الأخرى" لم يبق على ما كان عليه. ففي سبأ, على سبيل المثال، فقد الملك صلاحياته الدينية ابتداء من ١١٥ ق. م. لتتركز في أيدي رجال الدين الذين يبدو أنهم كانوا يشكلون طبقة لا يستهان بها إذا بنينا حكمنا على العدد الهائل من المعابد التي يذكر الكاتب الروماني بلينيوس أنها كانت موجودة في بعض مدن المنطقة في أواسط القرن الأول الميلادي، وهي فترة غير متأخرة كثيرا عن التاريخ المذكور. كذلك يذكر لنا سترابون "أواخر القرن الأول ق. م وأوائل القرن الأول الميلادي" أن النظام الملكي لم يكن وراثيًّا آنذاك فيقول في هذا المجال: إن ابن مالك لم يكن هو الذي كان يخلفه على العرش وإنما أحد أفراد الأعيان "أو الطبقة الأرستقراطية"٢٢، وبذلك تكون ركيزة الوراثة قد انتزعت كذلك من صلاحيات النظام الملكي. ومثل هذا التطور ليس في الواقع شيئًا معدوم النظير في العصور القديمة، فقد عرفته الدويلات اليونانية حوالي القرن الثامن في المرحلة التي عاصرت

стр. 397

تطور نظام الحكم من الحكم الملكي إلى الحكم الأرستقراطي. فقد بدأت بانتزاع صلاحيات الملك واحدة بعد الأخرى. وكان من بين هذه الصلاحيات النظام الوراثي والسلطة الدينية. ونحن نستطيع أن نفهم ما حدث في الممالك العربية الجنوبية في هذا الصدد إذا عرفنا مدى قوة الطبقة الأرستقراطية هناك وهو أمر نستنتجه مما يذكره لنا الكاتب بلينيوس ذاته حين يعرفنا أن ثلاثًا من المناطق العربية الجنوبية "وهي مناطق السبئيين والمعينيين والحضرميين" كانت فيها ٣٠٠٠ أسرة تحتكر حق امتلاك أشجار الطيوب والاتجار فيها بشكل وراثي، وهو أمر غير غريب عن مناطق العربية الجنوبية، فالملكية الجماعية، أو الإدارة الجماعية لقطع واسعة من الأراضي الزراعية معروفة لنا من النصوص التي عثر عليها في المنطقة٢٣. ومعنى هذا في الواقع أن الطبقة الأرستقراطية الثرية كانت طبقة لا يمكن أن يتجاهلها الملك، بل لا يمكن إلا أن تزحف على صلاحيات النظام الملكي بما في ذلك النظام الوراثي للعرش بحيث يتحول الملك إلى ما يمكن أن نسميه "الأول بين الأقران" أو Primus inter pares حسب التعبير اللاتيني الذي صاغه الرومان عن هذا المعنى. فالملوك كانوا، هم الآخرون، من الأسر التي تملك هذا الحق الاقتصادي الوراثي. وفي ضوء هذا الوضع تتحول سلطة الملك الذي كانت الطبقة الأرستقراطية تختاره بطريقة أو بأخرى من بين صفوفها إلى ممثل لهذه الطبقة والتي هو نفسه منها، يحافظ على مصالحها وينمِّي هذه المصالح إزاء أية ظروف معاكسة. ولعلنا نفهم من خلال هذا التصور ما يذكره لنا الكاتب اليوناني أرتميدوروس "اشتهر في أوائل القرن الثاني ق. م." من أن الملك عند السبئيين رغم كونه المرجع "في القضايا وكل شيء" إلا أنه "كان لا يملك أن يترك قصره "لعله

стр. 398

يريد أن يترك العرش" وإذا تركه فإن الغوغاء, حسب نبوءة معينة، ترجمة حتى الموت"٢٤. ولنا أن نتصور أن هؤلاء الغوغاء هم أتباع أو أجراء الطبقة الأرستقراطية المالكة لهذا المورد الإنتاجي الأول في البلاد، كذلك لنا أن نتصور شيئًا من المبالغة فيما يخص مسألة الرجم. ولكن يبقى المعنى، حتى بعد هذه التحفظات واضحًا، وهو أن تنازل الملك عن عرشه أو تركه له بشكل أو بآخر، قد لا يناسب الطبقة التي اختارته إذا جاء ذلك في وقت غير مناسب لها، ومن ثم فمثل هذا التنازل لم يكن ليتم إلا بموافقة هذه الطبقة.

стр. 399

الوضع الاجتماعي مدخل ... ٢- الوضع الاجتماعي: كان هذا، إذن، هو الوضع السياسي في شبه الجزيرة العربية في العصور السابقة للإسلام وليكن حديثنا الآن عن الوضع الاجتماعي. وفي هذا المجال فإن الناظر إلى مجتمعات شبه الجزيرة، سواء في ذلك المجتمعات القبلية البدوية أو مجتمعات الحضر التي تظهر على أوضحها في التكوينات السياسية الكبيرة، يجد أنها تشترك جميعًا في عنصرين أساسيين: العنصر الأول هو عوامل التماسك التي تبدو وكأنها تشد المجتمع إلى بعضه. والعنصر الثاني هو عوامل الانقسام الطبقي التي تسير في موازاة العوامل الأولى. ولنحاول الآن أن نعرف إلى أي حد سيطر كل من العاملين على سكان شبه الجزيرة.

стр. 400

أ- عوامل التماسك: وفيما يخص عوامل التماسك فإننا نجد عددا واضحا منها في التكوينات القبيلة تهدف إلى إشاعة التماسك، حسب تصور معين، في المجتمع القبلي. ومن بين هذه العوامل، عامل العصبية وعامل آخر مكمل له وهو الثأر. وحقيقة، إن العصبية والثأر قد أديا إلى مناسبات كثيرة من الصراع بين قبائل

стр. 401

شبه الجزيرة في العصر السابق للإسلام، وكان هذا الصراع يصل في بعض الأحيان إلى فترات من العداء الصريح الذي يستمر عقودًا بأكملها بين توتر أو مناوشات أو غارات كثيفة متبادلة حفظ التراث العربي لنا عددًا من مواقعها وهي التي تسمى أيام العرب٢٥. ولكن من الجانب الآخر فإن كلًّا من هذين العاملين كان أمرًا حيويًّا بالنسبة للقبيلة حتى لا يذوب كيانها في مجال العلاقات بين القبائل في ظل الظروف القاسية التي سادت مجتمع البادية في شبه الجزيرة، فالعصبية التي تنتج عن تصور حقيقي أو مفترض لرابطة القرابة أو الدم كانت وسيلة التكتل الأساسية بين أفراد القبيلة في غياب أية وسائل أخرى ثابتة لإشاعة هذا التكتل. وهي وسيلة تجمع بين هؤلاء الأفراد بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى المطروحة مثل اعتبارات الحق والباطل أو الظلم والعدل، بحيث يصبح هذا التكتل هو القيمة الأولى في حياة القبيلة التي كثيرًا ما كان يدفعها السعي وراء الكلأ إلى التنقل، وهو ظرف قد يؤدي إلى التشتت ومن ثم الاندثار كوحدة اجتماعية، أو إلى التصارع مع قبائل أخرى في سبيل الحصول على هذا الكلأ أو على عين ماء إذا أدخلنا في اعتبارنا قلة الماء في شبه الجزيرة إلى درجة الندرة في بعض الأحيان, وهنا مرة أخرى يبدو التكتل كعامل حيوي في ظل هذا الصراع. ونحن نجد الحديث عن هذه العصبية واردًا في أغلب ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، سواء أكان في الفخر بالقبيلة إلى درجة المبالغة، أم في هجاء قبيلة أو قبائل أخرى إلى درجة المبالغة كذلك.

стр. 402

كذلك يذكر لنا المؤرخ اليوناني هيرودوتوس٢٦ أن القبيلة قد تلجأ في سبيل تقوية هذه العصبية إلى ما يمكن أن نسميه المؤاخاة بين شخص من داخل القبيلة وآخر من خارجها وذلك بأن يتقاسم هذا الأخير طعامًا مع ابن القبيلة, أو يمص قطرات من جرح يحدثه في جسمه, وهكذا يصبح هذا الشخص الغريب عن القبيلة ابنًا متبنًّى لهذه القبيلة. ولنا أن نتصور أن مثل هذا الشخص يكون مرغوبًا في تبنيه بسبب غزوة له أو بأس يتصف به، ولكن الأمر يظل على أي الأحوال طريقة من الطرق التي تلجأ إليها القبيلة لتقوية عصبيتها. ومن ثَمَّ يصبح هذا التصرف مؤشرًا نحو التماسك. أما الثأر فهو نتاج طبيعي للعصبية وامتداد لها ويكمل نفس المهمة وهي الحفاظ على كيان القبيلة عن طريق مقابلة الاعتداء عليها باعتداء يهدف القائمون به إلى أن يكون رادعًا، ونحن نرى في هذا الصدد فكرة الثأر وقد أصبحت أحد واجبات سيد القبيلة كما يظهر، على سبيل المثال، من موقف أحد رؤساء القبائل، وهو عامر بن الطفيل "سيد بني عامر الذي سبقت الإشارة إليه" همًّا لا يستطيع أن يستريح قبل أن يقوم به رغم ما قد يسببه له ذلك في بعض الأحيان من حرج أو ألم. تقوم ابنة العمريّ: ما لك، بعدما ... أراك صحيحًا، كالسليم المعذب؟ فقلت لها: همي الذي تعلمينه ... من الثأر في حيي زبيد وأرحب إن أغْزُ زبيدًا أغْزُ قومًا أعزة ... مركبهم في الحي خير مركب وإن أغز حيي خثعم، فدماؤهم ... شفاء، وخير الثأر للمتأوب ثم يمضي ليفخر بتأديته لواجبه في طلب الثأر بكل ما يرى أنه: سلاح امرئ قد يعلم الناس أنه ... طلوب لثارات الرجال مطلَّب

стр. 403

وبعد أن يتحدث عن اختيار قبيلته إياه سيدًا عليها يلخص مغزى الثأر بالنسبة لها "وفي الواقع بالنسبة لأية قبيلة أخرى" حين يقول: ولكنني أحمي حماها، وأتقي ... أذاها، وأرمي من رماها بمنكب٢٧ وإذا كانت العصبية والثأر هما عاملا التماسك بالنسبة لكيان القبيلة, فإن الحرص عليهما لم يكن قاصرًا على رجال القبيلة فحسب، بل كان يتعدى ذلك إلى نسائها اللائي كن يحرصن عليهما بكل الطرق، بما في ذلك تحريض الرجال بكافة الطرق على التمسك بهذين العاملين اللذين أصبحا محورا أساسيا لحياة القبيلة وبمساعدتهن لهم على تنفيذهما والوقوف إلى جانبهم حتى في ميدان القتال، كما يبدو واضحًا من أبيات عمرو بن كلثوم في وصف أحد لقاءات الحرب: على آثارنا بيض حسان ... نحاذر أن تقسّم أو تهونا أخذن على بعولتهن عهدًا ... إذا لاقوا كتائب معلمينا ليستلبُنَّ أفراسا وبيضا ... وأسرى في الحديد مقرنينا يقُتْن جيادنا ويقلن: لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا إذا لم نحمهن، فلا بقينا ... لشيء، بعدهن، ولا حيينا٢٨ أما العامل الثالث الذي ساعد على التماسك القبلي فهو الاشتراك على المشاع في الكلأ الذي يوجد حيث تحل القبيلة، كما أشرت في مناسبة سابقة. إن هذا النظام أملته ظروف البادية على المجتمع القبلي من حيث هو ضرورة

стр. 404

اقتصادية لا يمكن إغفالها أو تجاوزها، ولكنه في الوقت ذاته كان عاملًا من عوامل التماسك الاجتماعي بين أفراد القبيلة حول قيمة حيوية بالنسبة لهم -يعيشون فيها ويذودون عنها، وفي كل الأحوال يلتفون حولها متضامنين فيما يقدمون عليه سواء كان انتفاعا أو دفاعا. فإذا خرجنا عن نطاق التكوينات القبلية إلى تكوينات ذات المجتمعات الكبيرة مثل تلك التي كانت موجودة في القسم الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة حين تزدهر الزراعة وتوجد الغابات الممتدة من أشجار الطيوب وقدر لا بأس به من أعمال الصناعة والتعدين وجدنا كذلك إشارات متواترة، سواء في النقوش التي عثر عليها المنقبون الأثريون أو في الكتابات التي تركها لنا الكتاب الكلاسيكيون، إلى عدد من الممارسات في الحياة اليومية يؤدي إلى التماسك في جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية. وفي المجال يبدو أن فكرة الملكية "الامتلاك" الجماعية كانت معروفة في المنطقة بين أفراد الأسرة الواحدة على الأقل، يشير إلى ذلك سترابون ذاكرًا أن السيطرة على هذه الأملاك الجماعية كانت في يد الأخ الأكبر، ونحن نجد تأييدًا لهذا فيما ذكره بلينيوس الذي سبقت الإشارة إلى حديثه عن ملكية جماعية بين ٣٠٠٠ أسرة لجميع أشجار الطيوب الموجودة في دول الجنوب ولحق الاتجار في نتاج هذه الأشجار، وأضيف هنا أن هذا الكاتب يخوض في تفصيل كيفية هذا الانتفاع الجماعي فيذكر أن هناك من يقول: إن "مجموعات من" هذه الأسر تتناوب هذا الانتفاع من سنة إلى سنة وأن هناك من يقول: إن أرباح النتاج تقسم على كل الأسر سنويًّا، وسواء كان هذا أو ذاك ففكرة الملكية الجماعية والانتفاع الجماعي حسب تنظيم أو آخر قائمة في الحالين٢٩.

стр. 405

ولنا أن نصدق ما رواه هذان الكاتبان فأولهما كان صديقا شخصيا لقائد الحملة الرومانية على بلاد اليمن وقد كان حريصًا أن يستفسر من الجنود الرومان الذين اشتركوا في الحملة عما شهدوه في المنطقة، والثاني وهو بلينيوس يذكرنا في أكثر من موضع بأنه يحصل على معلوماته من التجار الرومان واليونان الذين يتعاملون مع سكان هذه المناطق. كما نجد تأييدًا لهذه النزعة نحو الملكية الجماعية في عدد من النقوش العربية الجنوبية التي يشير بعضها إلى جمعيات زراعية من نوع الجمعيات التعاونية التي نعرفها في الوقت الحاضر. وقد أسلفت الإشارة إلى واحدة من هذه الجمعيات كان لها مجلس إدارة مكون من ثمانية أشخاص يقومون على إدارة هذه "المؤسسة الزراعية" حسبما سماها باحث معاصر، والإشراف على العمل بها من تهيئة البذور ودفع الحصص أو الضرائب الواجب دفعها للحكومة أو للمعبد، ومن خزن وتسويق وبيع٣٠. ومثل هذا الاتجاه نحو الجماعية في الامتلاك أو إدارة الأملاك أو الانتفاع بنتاجها، رغم أنها ممارسة اقتصادية إلا أن انعكاساتها الاجتماعية تؤدي إلى التماسك بين شرائح كبيرة وكثيرة في هذا المجتمع الذي مُورست فيه الزراعة أو الانتفاع بغابات الطيوب أو الاتحاد في محصولها على نطاق واسع. ولعل إشارة أخيرة، في هذا الصدد قدمها لنا الكاتب الجغرافي والتاريخي سترابون تعطينا، في ختام الحديث عن هذه النقطة مدى تأثير هذه النزعة الجماعية حتى على التصورات أو الاعتبارات المتصلة بروابط الأسرة، إذ يذكر لنا هذا الكاتب أن "الإخوة كانوا يوضعون في منزلة أكثر تقديرًا من الأبناء"٣١. ونحن إذا تمعَّنَّا في هذه العبارة التي تجعل الإخوة مقدمين على الأبناء وجدناها تشير بشكل واضح إلى تجاوز التكتل داخل الأسرة الواحدة

стр. 406

"أي بين الأب والأم والأبناء" إلى تكتل أوسع هو مجموعة الأسرة التي يكونها كل من الإخوة حول آصرة قوية هي الآصرة التي تربط هؤلاء الإخوة.

стр. 407

ب- عوامل الانقسام: ولكن مع كل العوامل المؤشرة إلى التماسك سواء في مجتمع التكوينات القبلية أو في مجتمع التكوينات الكبيرة فإن عوامل الانقسام كانت موجودة في داخل هذه التكوينات في الوقت ذاته. ففي المجتمع القبلي، رغم ما كانت عليه العصبية من رسوخ يدفع القبيلة إلى أن تخفَّ للدفاع عن أي فرد من أفرادها إذا تعرض لأذًى أو اعتداء أو إهانة من قبيلة أخرى، فإن نداء العصبية هذا لم يكن يمارس بنفس الحماس في حالة كل الأشخاص. ولعل الأقرب إلى الواقع في هذا الصدد هو أن هذا الحماس في الاستجابة لنداء العصبية كان يشتد أو يخف أو حتى ينعدم حسب وضع الشخص في القبيلة، فإذا كان من الوجهاء أو الأعيان أو السادة فإن القبيلة تهب في استجابة فورية لهذا النداء، كما حدث، على سبيل المثال، فيما يرويه ابن الأثير من غضب عمرو بن كلثوم حين أحس أن إهانة قد لحقت بأمه على يدي أم الأمير اللخمي عمرو بن هند فنادى آل قبيلته تغلب، واستجابت القبيلة للنداء وكان بعدها صدام مسلح انتهى لصالح التغلبيين٣٢. ونحن نستطيع أن نقابل بين هذا وبين ما نستنتجه من شعر قاله قريط بن أنيف أحد بني العنبر "وهو شاعر مخضرم" وكان عدد من أفراد بني ذهل بن شيبان قد نهبوا عددًا من إبله فاستغاث بقوم فلم يغيثوه، فندَّد بموقفهم

стр. 408

هذا في أبياته. والتفسير المنطقي هنا هو أن قريطًا ربما كان من طبقة العوام في قبيلته، ومن ثم لم يكن ما أصابه من أذى "سواء بالحق أو بالباطل" مدعاة لاهتمام بين أفرادها ليهبوا لمساندته، وهو يشرح لنا هذا الموقف بكل وضوح حين يقول: لو كنت من مازن لم تستبِحْ إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذن لقام بنصري معشر خُشُن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة هانا قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا٣٣ كذلك فقد كان العرف المتبع في القبيلة يضع حواجز بين بعض فئاتها، فالعبيد الذين حرروا لا يصبحون أبناء للقبيلة وإنما يتحولون إلى موالٍ أو أتباع مهما قدموا من خدمات. والتصنيف ذاته ينطبق على أي غريب يلجأ للقبيلة لسبب أو لآخر ويطلب أن تحميه وأن يعيش في كنفها٣٤. إنه هو الآخر يصبح من طبقة الموالي الذين لا يرقون إلى مرتبة أبناء القبيلة مهما تفانى في تأدية دوره في خدمة مصالحها والذود عن هذه المصالح. وهكذا تتكون بالتدريج داخل كل قبيلة فئة أو طبقة لا تشعر بالانتماء الكامل لها ويمكن أن تصبح عنصر انقسام بدلًا من أن تكون عنصر تماسك. والشيء ذاته نجده، في صورة أخرى في حالة الخلعاء، أي: أفراد القبيلة الذين تخلعهم القبيلة لتصرف أتوه ولم ترضَ القبيلة عنه. إن القبيلة تعلن على لسان سيدها أو شيخها أنها غير مسئولة عن تصرفاته؛ وبالتدريج تتكون مجموعة من المنبوذين عن المجتمع القبلي تشكل بدورها عنصرًا من عناصر الانقسام. هذا إلى وجود طبقة من المدقعين

стр. 409

أو المعدمين من أفراد القبائل, كان فقرهم يدفع بهم إلى الحصول على رزقهم بكافة الطرق دون مراعاة لعرف القبيلة وتقاليدها، وهؤلاء هم صعاليك العرب الذين كان ينتهي بهم الأمر إلى الخروج على القبيلة والخروج من أرضها، لتتضخم بذلك طبقة غير المنتمين على اختلاف فئاتهم. بل أكثر من هذا فإنه حتى في حالة المنتمين من أفراد القبيلة، فإنهم رغم المساواة المفترضة بينهم، لم يكونوا كلهم سواء فعلًا، ولم يكونوا كلهم راضين عن معاملة القبيلة لهم. ولقد مر بنا أنه حتى في حالة الكلأ الذي كان مشاعًا بين جميع أفراد القبيلة، كانت هناك أحماء يتمتع بها أفراد بعينهم إلى جانب تمتعهم بميزات الكلأ العام٣٥. وهو نوع من التمييز كان لا بد أن يشكل خطًّا، مهما كان باهتًا، يقسم القبيلة إلى طبقة من المتميزين وطبقة ممن لا يحظون بهذا الموقع المتميز. ونحن نلمس هذا الانقسام الطبقي بين سكان شبه الجزيرة في أكثر من شاهد. فالكاتب اليوناني أرتميدوروس يذكر لنا في مجال حديثه عن السبئيين أن "الملك ومن حوله يعيشون في بذح أنثوي"، كما سبق أن رأيناه يتحدث عن الطبقة الثرية من السبئيين والجرهائيين ليذكر أنهم يقتنون الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة ويسكنون بيوتًا طعمت أبوابها وجدرانها وسقوفها بالعاج والذهب والفضة ورصعت بالأحجار النفيسة. هذا، إلى ما سبقت الإشارة إليه من امتلاك طبقة محددة تتكون من ٣٠٠٠ أسرة لكل أشجار الطيوب في العربية الجنوبية، ولحق التجارة في هذه الطيوب دون غيرهم. وأضيف هنا إلى هذا أن الوظائف في الدولة كانت قاصرة على أولاد الملوك، فإذا أدخلنا في اعتبارنا ما سبقت الإشارة إليه من أن منصب الملك كان بالتناوب بين أفراد الطبقة الأرستقراطية، كان معنى هذا أن وظائف الدولة هي الأخرى كانت

стр. 410

حكرًا على هذه الطبقة. وفي القرن السابع الميلادي نجد الظاهرة لا تزال موجودة، فالقرآن الكريم يتحدث عن فئة من المجتمع تكسب ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ وعن ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مشيرا بذلك إلى وجود طبقة أخرى من المعوزين لا تعود عليهم هذه الثروة بأي نفع يخفف من ضائقتهم, كما يسمي على الأقل واحدا من أثرياء مكة الذين جمعوا قدرا كبيرا من المال، وهو أبو لهب، ملمحًا إلى موقفه الطبقي المتعنت اعتمادا على ثروته٣٦. كذلك نجد، في الجانب الآخر، تقسيمًا في مجتمع العربية الجنوبية في أواخر القرن الأول ق. م. وأوائل القرن الأول الميلادي، يصنف هذا المجتمع إلى فئات لها طابع طبقي؛ إلى فلاحين وحرفيين وعاملين في جمع المر واللبان، وهو تصنيف مانع لا يتغير من الآباء إلى الأجداد ولا يمكن أن يغير فيه أحد الأفراد مهنته لينتقل من فئة إلى فئة، ومن ثم فهو يكرس الطبقية في صورة حادة ومستمرة في الوقت ذاته. وقد زاد من حدة الوضع الطبقي أن طبقة أصحاب الحرف أو من كانوا يعملون بالأجر كان ينظر إليهم، كما مر بنا، على أنهم يمارسون عملا متدنيا، رغم حاجة المجتمع إليهم. أما في أوائل القرن السادس الميلادي فنحن نجد الشنفرى، أحد صعاليك العرب, يصف لنا حياة الجوع التي كان يمارسها والتي وصل من حدتها أنه كان يماطل الجوع ويستفُّ التراب حتى لا تظهر عليه آثاره فيشمت فيه أفراد الطبقة الأخرى، وهو وصف لا أرى فيه مبالغة إذا أدخلنا في اعتبارنا أن الشاعر

стр. 411

كان لا يبغي من وراء شعره استعطافًا لأحد وأنه يفخر باعتزازه الشديد رغم جوعه الشديد: أديم مطال الجوع حتى أُميتَه ... وأضرب عنه الذكر صفحًا، فأذهل وأستفّ ترب الأرض كي لا يُرى له ... عليّ، من الطوْل, امرؤ متطول وأطوي على الخمص الحوايا، كما انطوت ... خيوطة ماريّ تغار وتفتل وأغدو على القوت الزهيد، كما غدا ... أزل تهاداه القنائف، أطحل كما نجد صعلوكًا آخر، وهو تأبط شرًّا، يعرض حياته لخطر محقق ليسرق قليلا من العسل من منحل في غار لبني هذيل، ثم يجد في احتياله حتى يفر من القتل نوعًا من الذكاء الذي يفخر به -الأمر الذي نستنتج منه مدى المعاناة التي كانت تمارسها هذه الطبقة، وبخاصة إذا عرفنا أن بني هذيل كانوا أعداء لتأبط شرًّا يتربصون به الدوائر، ومع ذلك فقد أقدم على المخاطرة في سبيل ما يسد به جوعه. فإذا وصلنا إلى القرن السابع الميلادي وجدنا القرآن الكريم يشير في شكل متواتر إلى طبقة متعددة الفئات من الذين تفصل بينهم وبين الطبقة الثرية هوة واسعة من بينهم السائلون والمساكين وأبناء السبيل واليتامى الذين يبدو أن العرف السائد في المجتمع لم يكن يضمن لهم أي نوع من الكفالة الاجتماعية، أو إذا وجدت هذه الكفالة الاجتماعية افتراضًا، كان المجتمع متهاونًا في الوسائل التي تمكن من وضعها موضع التنفيذ الفعلي٣٧.

стр. 412

وقد ظهرت آثار هذا التقسيم الطبقي الحاد، سواء أكان بموجب قوانين رسمية، أم كان نتيجة للممارسة الفعلية للطبقات الموجودة في المجتمع، أم كان سببه تصور يؤدي إلى نظرة استعلائية إزاء إحدى الفئات أو الطبقات وكانت محصلة هذه الآثار المترتبة على التقسيم الطبقي وجود طبقة متضررة تعبر عن معارضتها للأوضاع القائمة بأكثر من وسيلة. ففي العربية الجنوبية نسمع من النقوش التي عثر عليها المنقبون الأثريون عن جماعات من المزارعين تهرب من الأرض وتلجأ إلى المدن بكل ما يترتب على هذا من إلحاق الأذى بالزراعة وبالمحاصيل، وذلك رغم تشديد الحكومات على منع الهجرة وترك المزارع دون موافقة أصحاب الأرض. كذلك نجد القرآن الكريم يعطينا صورة للمعارضة التي كانت قائمة ضد الأوضاع السائدة في مجتمعات شبه الجزيرة في عصور ما قبل الإسلام والتي كانت تتبلور كلما ظهر أحد الرسل والأنبياء بدعوة تستهدف إصلاح أحوال المجتمع وكان صوت هذه المعارضة يبدو واضحا ومحددا في الانحياز إلى جانب أصحاب هذه الدعوات وفيما كان يثور بينهم وبين الطبقة المسيطرة على أمور المجتمع من محاجَّات ومجادلات. وأخيرًا فقد كانت هجرة الرسول ﷺ هو وأتباعه من مكة إلى المدينة دليلا واضحا على مدى الانقسام المذكور ومدى التعنت الطبقي الذي كان يسود مجتمع شبه الجزيرة في الوقت الذي ظهرت فيه الدعوة الإسلامية٣٨.

стр. 413

الوضع الديني مدخل ... ٢- الوضع الديني: وأنقل الحديث الآن إلى الوضع الديني أو الحياة الدينية التي عرفتها مجتمعات شبه الجزيرة العربية في العصور السابقة للإسلام؛ استكمالًا للتكوين الذي عرفته هذه المجتمعات والذي عرفنا شيئا عن موارده الاقتصادية ثم عن أوضاعه

стр. 414

السياسية والاجتماعية. ولن أخوض في تفاصيل هذا الوضع، وهي تفاصيل تخرج عن طبيعة هذه الدراسة التقديمية وعن نطاقها، ولكني مع ذلك أود أن أشير إلى عدد من الظواهر التي اتصلت بهذا الوضع سواء فيما يخص تطور العقائد الدينية أو فيما يخص الظروف التي أحاطت بالحياة الدينية المتصلة بها.

стр. 415

أ- تطور العقائد الدينية وانتشارها: والظاهرة التي نلاحظها على تطور العقائد الدينية في شبه الجزيرة هي أن المنطقة عرفت عددًا من مراحل التطور الديني في العصور السابقة للإسلام, ولكن مع ذلك فإن هذا التطور لم يشمل كل أرجاء شبه الجزيرة في وقت واحد منتقلا بها كلها من مرحلة إلى مرحلة، وإنما ظهرت هذه المراحل بشكل متفرق في الأقسام المختلفة من شبه الجزيرة وكانت في بعض الأحيان تتجاور أو تتداخل حسب ظروف كل قسم من هذه الأقسام, ويشمل هذا التطور في عمومه مراحل أربعة. والعبادات التي تمثل المرحلة الأولى من مراحل هذا التطور الديني، إذا كانت قد ظهرت بين عدد من مجتمعات شبه الجزيرة في حياته البدائية قبل أن تصبح مجتمعات أكثر تطورًا وتقدمًا، وإذا كانت بعض آثارها قد ظلت موجودة في صورة أو أخرى في هذه المجتمعات حتى بعد تطورها، إلا أنها كانت السمة التي بقيت كظاهرة أساسية في مجتمع البادية. هذه المرحلة الأولى هي مرحلة عبادة أو تقديس أشياء مادية محددة مثل: الأحجار والأشجار والكهوف وينابيع المياه، وهي أشياء يرى البدوي أنها تفيده في حياته اليومية. فالأحجار، وبخاصة ما كان منها يختلف عن اللون الرملي المعتاد في الصحراء، مثل الحجر الأسود "وفي بعض الأحيان الحجر الناصع البياض" أو إذا كانت بارزة في مظهرها بشكل أو بآخر، كان وجودها في مكان ما يشكل إشارة يستدل بها البدوي على طريقه في مناطق قد تتشابه فيها الرمال في كل الاتجاهات ومن ثم يصبح فيه البدوي على طريقه

стр. 416

معرضًا لأن يضل طريقه في أثناء تنقله من مكان إلى مكان. والأشجار وبخاصة شجرة النخيل كانت تشكل عنصرا أساسيا في حياة البدوي يعتمد على تمرها كغذاء رئيسي ويعتمد على أجزاء أخرى منها لتغطية حاجات وضرورات أخرى في حياته اليومية، والشجرة تصبح أكثر أهمية ومن ثم أكثر قداسة بالنسبة له في المناطق التي يقل فيها الشجر؛ وبالتالي تصبح شيئا يعتمد عليه البدوي ويلتصق به بدرجة أكبر. والكهوف تمثل في الصحراء نقطة الحماية التي يلجأ إليها البدوي للاحتماء من الشمس أو من الأعداء، وقد لجأ الرسول ﷺ هو ورفيقه أبو بكر الصديق إلى غار حراء، على سبيل المثال، للاحتماء من متتبعيه من قريش في الفترة التي ضيقت هذه خلالها الخناق عليه هو وأتباعه. أما ينابيع المياه فهي بالضرورة نبع الحياة في الامتدادات الصحراوية المقفرة التي لا تعرف الأنهار وقد تمر سنوات متتابعة لا تنزل بها الأمطار، وإذا نزلت فهي تنزل بغير انتظام وتكون قصيرة المدى رغم شدتها التي قد تبلغ مبلغ السيل في بعض الأحيان. وهذا النوع من العبادة أو التقديس هو ما يعرف باسم "الأرواحية" أو حيوية المادة ANIMISM أي أن يتصور المرء أن هناك روحًا تحل في هذه الأشياء فتعطيها هذه الفائدة الحيوية بالنسبة له. وربما لم يصل الأمر دائما إلى عبادة هذه الأشياء أو على الأقل إلى عبادتها بصفة دائمة، ولكن تقديسها ظل قائما في كل الأحوال، حتى حين انتقل البدوي إلى مرحلة دينية أكثر تطورًا حين بدأ يعتقد في قوى إلهية أكثر شمولا وأكثر تجريدا، كما حدث عندما ظهرت في منطقة الحجاز أو انتقلت إليها عبادات اللات والعزى ومناة وبعل٣٩.

стр. 417

وهنا نجد "اللات" وهي القوة الإلهية بالدرجة الأولى ويمثلها في الطائف حجر مربع، والعزى "الزهراء التي تقابل فينوس عند الرومان" وهي الآلهة التي يشير اسمها إلى القوة وكانت تمثل عند قريش أقدس القوى الإلهية, كانت تمثلها شجرة في منطقة "نخلة" الواقعة إلى شرقي مكة، وكان محرابها يتكون من ثلاث شجرات، بينما كان القرشيون يقدمون إليها القرابين من الضحايا البشرية في كهف مقدس بالمنطقة يدعى كهف "غَبْغَبْ". و"مناة" الآلهة التي كانت تمثل القدر, كان محرابها أو رمزها الأساسي حجرًا أسودَ في موقع "القديد" على الطريق بين مكة ويثرب. أما الإله "بعل" الذي انتقلت عبادته من المنطقة السورية إلى الحجاز فقد ارتبطت عبادته بالينابيع والمياه الجوفية التي تروي الأشجار، ويشير باحث معاصر إلى أن آثار هذا الارتباط قد ظلت مستمرة حتى تركت أثرها في نظام الضرائب التي كانت تجبى على المزروعات في العصر الإسلامي، إذ كانت قيمة الضريبة تختلف بين زراعة البعل "أي: التي لا تحتاج إلى ري بالطرق المعتادة" وبين الزراعات الأخرى. وشبيه من هذا بئر زمزم التي كانت تعتبر مياهها مقدسة في الفترة السابقة للإسلام على أساس ارتباطها بقصة إسماعيل ﵇ وزوجته هاجر٤٠. أما المرحلة التالية فهي عبادة الكواكب التي عرفتها بوجه خاص العربية

стр. 418

الجنوبية, وكان أهم هذه الكواكب هو الثالوث الذي يمثله القمر والشمس والزهراء, وكان الأول بين أركان هذا الثالوث هو القمر الذي عرفه السبئيون باسم "المقه" والمعينيون باسم "ودّ" "ربما تعني الحب أو المحب أو الأب" والحضرميون باسم "سن" والقتبانيون باسم "عم" "أي العم". وكانت زوجته الإلهية هي الشمس التي أطلقت عليها تسمية "ذات حمم" عند السبئيين و"نكرح" عند المعينيين ثم ابنهما الإلهي الذي عرف عند المعينيين باسم "عثتر" وهو كوكب الزهراء٤١. وعبادة هذا الثالوث من الكواكب تمثل في حقيقة الأمر تداخلًا بين مرحتلين من مراحل تطور المجتمع. فعبادة القمر والزهراء هي عبادات مجتمع رعي في المقام الأول، فالانتقال في البادية, حيث يحدث أن تتشابه الاتجاهات وبخاصة في الليل، يكون فيه ضوء القمر وسيلة لتوضيح المعالم والشيء ذاته، بالنسبة لكوكب الزهراء الذي يمكن التعرف على الوقت والاتجاه من خلاله، ولكن ربما كانت القيمة الأساسية هي أن القمر بالذات يرمز إلى فترة الليل حيث تهبط درجة الحرارة وتتكثف الأبخرة الموجودة في الجو لتتحول إلى ندى يبعث الحياة في العشب الذي تتكون منه المراعي، بينما ينظر البدوي إلى الشمس على أنها عدوه الأول حيث تحرق بشواظها الذي ينبعث مع أشعتها النارية هذا العشب, ومن ثم تدمر المقوم الأول للحياة الرعوية. هذا بينما أشعة الشمس بالنسبة للمجتمعات الزراعية هي التي تعطي النماء للزراعة وهي التي تنضج المحصول٤٢. وقد كانت العربية الجنوبية منطقة زراعية في المقام الأول، ولكنها عرفت شيئًا من الرعي كذلك في بعض مناطقها، وأكثر من ذلك فإن الرعي يمثل مرحلة مبكرة تظهر عادة في المجتمعات قبل مرحلة الزراعة التي تمثل بالضرورة مرحلة أكثر استقرارًا ومن ثم أكثر تطورًا.

стр. 419

ولكن مع ذلك فعبادة القمر قد ظلت في مكان متفوق على عبادة الشمس كما شهدنا في هذا التكوين الكوكبي الثلاثي، وهذا في حد ذاته يمثل نوعًا من دأب العبادات القديمة في الاستمرار حتى بعد أن يكون المجتمع قد تطور إلى مرحلة جديدة، ومن ثم يمثل نوعًا من التداخل الذي يجمع بين عبادات تنتمي إلى مراحل مختلفة من تطور المجتمع. والظاهرة ليست في الواقع غريبة على العالم القديم أو حتى على المنطقة التي وجدت شبه الجزيرة العربية في وسطها, ففي إحدى أساطير وادي الرافدين نجد حوارًا يشير إلى هذا الدأب في الاستمرار بين دوموزي dumuzi "تمّوز" الذين كان إلهًا أو نصف إله للرعي وإنكمدو Enkimdu الذي كان إلها أو نصف إله للزراعة. ورغم أن وادي الرافدين كان قد تحول في الفترة التي تنتمي إليها القصيدة التي تحتوي على هذه الأسطورة "وهي الفترة السومرية التي انتهت حوالي ٢٤٠٠ ق. م" إلى مجتمع زراعي أساسًا إلا أن الحوار الذي يوجد في القصيدة بين هذين الإلهين أو شبه الإلهين على خطب ود الآلهة إنانّا "عشتار" يشير إلى أن دوموزي الذي يمثل الرعي هو الذي كسب الموقف٤٣. والمرحلة الثالثة في هذا التطور الديني تمثلها عبادة الشمس "شمش" التي تشير إلى مجتمع مستقر يقوم أساسًا على الزراعة، وهذه نجدها في مملكة الأنباط وفي تدمر٤٤. وحقيقة إن كلًّا من المنطقتين لم تكن تمثل مجتمعًا زراعيًّا صرفا، فتدمر كانت واحة غنية بنخيلها ولكن المناطق المحيطة بها والتي كانت تعتبر امتدادا لها كانت مناطق صحراوية بدوية، والشيء ذاته يقال عن مملكة الأنباط التي تعتبر شبه واحة توجد فيها الزراعة في وادي موسى حول مدينة

стр. 420

البتراء عاصمة المملكة ولكن توجد فيها كذلك مناطق صحراوية لا يجود فيها إلا الرعي. ولكن لنا أن نتصور هنا أن عددًا من العوامل أدى إلى انتصار عبادة الشمس، عبادة المجتمع الزراعي المستقر أساسا، رغم هذا التداخل الرعوي الزراعي. فالقسم الشمالي من شبه الجزيرة العربية, حيث توجد هاتان المنطقتان, قريب من حضارتين زراعيتين مستقرتين ومتصل بهما وبما يستتبعه هذا من تأثيرات عن طريق طرق المواصلات التجارية، وهما حضارة مصر في الغرب حيث كان "رع" إله الشمس هو الإله الأول، وحضارة وادي الرافدين في الشرق حيث تطور المجتمع إلى مجتمع زراعي كثيف في المراحل اللاحقة للفترة السومرية "وقد عاصرت المملكتان، النبطية والتدمرية، مرحلة من هذه المراحل اللاحقة" حين أصبح "شَمَس" إله الشمس أحد الآلهة الرئيسة في مجمع الآلهة في وادي الرافدين. كذلك فإن المنطقتين تقعان في القسم الشمالي لشبه الجزيرة العربية حيث تخف درجة الحرارة بشكل ملحوظ عما هو موجود في وسط شبه الجزيرة أو في جنوبها، ومن ثم لا تصبح الشمس عدوًّا يحرق الكلأ بالأشعة النارية. كذلك فإن المجتمع النبطي والمجتمع التدمري بثرائهما التجاري وما ترتب على ذلك من رخاء واستقرار عن طريق تحكمهما في مواقع حيوية على الخطوط التجارية البرية في شبه الجزيرة، كانا بالضرورة مجتمعين تنشط فيهما كافة أنواع المعاملات الخاصة بالتجارة وما يتصل بها من صفقات واتفاقات وأسواق وحسابات وخدمات تجعل الحياة اليومية خلية نشاط في وضح النهار وتصبح فيها الشمس صديقًا للتاجر وليست عدوًّا ينتظر غروبه ليأتي الليل بنسيمه وقمره ونداه الذي يحيي العشب. وأود في ختام الحديث عن هذه المراحل الثلاث من التطور الديني في شبه الجزيرة, وقبل أن أنتقل إلى المرحلة الرابعة من هذا التطور

стр. 421

"وهي مرحلة التوحيد"، أن أشير إلى ظاهرة جديرة بالاهتمام، وهي أن اتجاهًا نحو التوحيد الذي لم يكتمل كان قد بدأ يظهر في مجتمع شبه الجزيرة العربية إلى جانب وجود المعبودات التي عرفها العرب في أثناء وجود هذه المراحل، وهو اتجاه يرجع ظهوره إلى فترة مبكرة. وفي هذا الصدد فقد ظهر معبود تحت اسم "الله" في سورية ثم رفعه السوريون إلى مرتبة الإله الأكبر. وقد انتقلت عبادته إلى اللحيانيين "شمالي الحجاز" بهذه الصفة "صفة كبير الآلهة" عن طريق التعامل التجاري على أرجح تقدير، ثم انتشرت في فترات لاحقة، وبدرجات متفاوتة، في كل أرجاء شبه الجزيرة تقريبا كما يتضح من عدد كبير من النقوش المنتشرة فيها، والتي ترد فيها أسماء مثل: سعد الله، ووهب الله، وزيد الله، وحرم الله، ومرء الله، كما ترد فيها ابتهالات مثل: "يا الله اهدني" و"يا الله مكني من تحقيق الخلاص" و"يا الله امنحه السلام" و"يا الله ارفع عنه ما يسوءه" وهكذا أ.

стр. 422

والذي يؤكد أن هذه النقوش تشير إلى الاتجاه نحو التوحيد، وإن لم يكن قد اكتمل بعد كما ذكرت من لحظات، هو المضمون الذي تحتوي عليه بعض هذه النقوش، والصفة التي ترد في البعض الآخر لوصف المعبود الله. وعلى سبيل المثال فإن هناك نقشًا لحيانيًّا مبكرًا نقرأ فيه "عبد مناة الصادق، امنحه يا الله العمر الطويل والحظ السعيد" وهو تعبير يشير بوضوح إلى عبادة المعبودة "مناة" من جهة ولكنه يشير من جهة أخرى إلى أن "الله" هو المعبود الرئيسي دون منازع. كذلك فإن هناك نقشين ثموديين ترد فيهما صفة "الأبتر" بعد ذكر المعبود "الله" وهي صفة تشير إلى من لا ولد له وهو المعنى المباشر الذي سار عليه أحد الباحثين المعاصرين، كما أن باحثًا آخر رأى فيها معنى "الوحيد" والصفتان من صفات التوحيد دون شك وتردان في القرآن الكريم بهذا المعنى التوحيدي ب. وقد ظهر المعبود "الله" بهذه الصفة التي تمثل خطوة أولى على سبيل التوحيد في نقوش اللحيانيين منذ القرن الخامس ق. م. وعند الثموديين في نقوش ترجع إلى القرنين الثالث والرابع بعد الميلاد. ولا نعرف متى بدأت عبادة "الله" بهذه الصفة في الحجاز، ولكن على أي الأحوال يبدو أنها كانت قد سادت وتمكنت في قبيلة قريش على الأقل قبل ظهور الدعوة الإسلامية, ودليل ذلك أن الإشارة إليه ترد في القرآن الكريم في عدد من الآيات مثل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ والسؤال هنا موجه إلى الجاهليين من قريش قبل أن يسلموا، ومن ثم يكون المقصود بلفظة "الله" هنا هو المعبود الجاهلي وليس الله كما يعرفه المسلمون. والصفة الأساسية لهذا المعبود وهي

стр. 423

أنه على رأس المعبودات الأخرى عند أهل قريش تظهر من آيات قرآنية أخرى من بينها: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ومن الواضح أن "الله" الذي يتحدث عنه القرشيون الجاهليون هو "الله" المعبود الجاهلي الذي كانت عبادته قائمة إلى جانب المعبودات الصغر، وهو ما يتطابق مع النص اللحياني الذي سبقت الإشارة إليه ج. ثم نأتي بعد ذلك إلى المرحلة الرابعة التي وجدت جبنا إلى جنب في بعض أقسام شبه الجزيرة مع واحدة أو أخرى من هذه العبادات السابقة. وهذه المرحلة تمثلها عقائد التوحيد وهي

стр. 424

المسيحية واليهودية ثم الحنيفية التي كانت نوعًا من عقائد التوحيد التي تبتعد عن تفصيلات هاتين الديانتين لتتبع خطوطًا رئيسة بسيطة ظهرت في عقيدة إبراهيم ﵇ وهنا كذلك نجد أن هذه الأديان الثلاث تجاوزت مع مراحل أخرى من مراحل التطور الديني في عدد من أقسام شبه الجزيرة. ففي العربية الجنوبية تجاورت المسيحية واليهودية مع مرحلة عبادة الكواكب وأصبحت اليهودية في عهد "ذو نواس" "الربع الأول من القرن السادس الميلادي" عقيدة رسمية يدين بها الحاكم. وفي إمارة اللخميين تجاورت المسيحية عند الشعب مع الوثنية عند الأسرة الحاكمة التي لم تشذ عنها إلا في حالة حاكم واحد هو النعمان الثالث أبو قابوس "حوالي ٥٨٠-٦٠٢م" الذي اعتنق المسيحية. وفي الحجاز تجاورت العقائد التوحيدية الثلاثة مع المراحل الأولى للتطور الديني حيث عبادة الأحجار والأشجار وتقديس الكهوف والينابيع، وحيث عبادة الكواكب التي كانت قد تحولت إليها في صورة من الصور عبادات اللات والعزى ومناة في الفترة الأخيرة قبل الإسلام، وفي إمارة الغساسنة، كانت الأسرة الحاكمة والرعية قد تحولت إلى المسيحية بعد ظهور هذه الأسرة في عصر الإمبراطورية البيزنطية. أما الظاهرة الثانية التي نلاحظها على تطور العقائد الدينية في شبه الجزيرة في عصر ما قبل الإسلام، فهي تخص انتشار العقائد التي وجدت في المنطقة. وفي هذا المجال نلمس عددا من التأثيرات الدينية التي تعرضت لها المنطقة والتي أتت من المناطق المجاورة لها، وهي ظاهرة لا تبدو غريبة في العصور القديمة التي عرفت هجرة العقائد الدينية أو التأثيرات والأساطير المرتبطة بها من منطقة إلى منطقة أخرى, "إذ كانت هجرة العقائد الدينية أو انتشار تأثيراتها تقابل انتقال العقائد السياسية وتأثيراتها في العصر الحاضر من منطقة إلى مناطق أخرى" كما حدث في انتقال الأساطير المتصلة بعشتار وتموز "إنانّا ودموزي" من وادي الرافدين لتظهر في أساطير برسيفوني وأدونيس في العقائد الدينية اليونانية،

стр. 425

وكما حدث في انتقال عبادة آمون المصرية إلى بلاد اليونان وانتقال عبادة إيزيس المصرية كذلك إلى العالم اليوناني الروماني. وفي هذا المجال، وفيما يخص شبه الجزيرة العربية، نجد عددا من الأمثلة. ففي دولة الأنباط نجد المعبود "ذو شارة" الذي رأينا أنه كان يتمثل في حجر مكعب كبير أسود، ينظر إليه في العصر المتأغرق "ما بعد الإسكندر الأكبر المقدوني" على أنه إله الكروم التي يرجح أن زراعتها قد وجدت طريقها إلى المنطقة من بلاد اليونان في تلك الفترة، ومن ثم فقد أدخلت على عبادته خصائص من عبادة الإله "ديونيسوس DIONYSOS" أو باخوس BACCHOS وهو أحد أسماء هذا الإله الأخير "الذي كان إلها للكروم عند اليونان". كذلك نجد في مملكة تدمر الإله "بل" وهو بابلي الأصل يأخذ مكانه على قمة المجمع الإلهي التدمري٤٥، والإله "بعل شامين" "سيد السموات" الذي تشير تسميته ذاتها إلى خصائص الإله آنو الذي عرفته منطقة وادي الرافدين إلهًا للسماء. أما اليهودية التي وجدت طريقها إلى بعض المناطق في العربية الشمالية مثل: تيماء والحجاز وإلى العربية الجنوبية حيث انتشرت بشكل خاص في ظل المملكة الحميرية الثانية "بعد ٣٠٠م" ووصل انتشارها إلى أقصاه في الفترة المبكرة من القرن السادس الميلادي كما مر بنا، فقد يرجع انتشارها في شبه الجزيرة في نسبة منه إلى فرار عدد من العبرانيين إلى القسم الشمالي من شبه الجزيرة بوجه خاص على أثر تدمير الوالي الروماني بيتوس لأورشليم "القدس"
следующие страницы →