← Тафсир

Тафсир · id 841

استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره

رقية بنت محمد بن سالم باقيس

Полный текст (435 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ـ وقوله ﵀: عند قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، "القاعدة أن ترتيب الحكم على المشتق يدل على أن مصدره علة له، كقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (٥: ٣٨)، فالسرقة علة للقطع، والموصول مع صلته هنا كذلك" (١). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [سورة البقرة: ١٥٨]، "وإن في طي (ولأتم نعمتي عليكم) (٢: ١٥٠) بشارة بهذا الاستيلاء، مفيدة للأمل والرجاء، وقد علم الله المؤمنين بعد هذه البشارة ما يستعينون به على الوصول إليها هي وسائر مقاصد الدين من الصبر والصلاة، وأشعرهم بما يلاقون في سبيل الحق من المصائب والشدائد، فكان من المناسب بعد هذا أن يذكر شيئا يؤكد تلك البشارة ويقوي ذلك الأمل، فذكر شعيرة من شعائر الحج هي السعي بين الصفا والمروة فكان ذكرها تصريحا ضمنيا بأن سيأخذون مكة ويقيمون مناسك إبراهيم فيها، وتتم بذلك لهم النعمة والهداية، وهو قوله : (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)، فهذه الآية ليست منقطعة عن السياق السابق لإفادة حكم جديد لا علاقة له بما قبله كما توهم، بل هي من تتمة الموضوع ومرتبطة به أشد الارتباط، من حيث هي تأكيد للبشارة" (٢). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧]، "فالقرآن يصور المؤمنين عاملين بمقتضى الإيمان، ثم بين أنه ما شرع هذا إلا رأفة بعباده، فقال: (والله رءوف بالعباد)، إذ يرفع همم بعضهم ويعلي نفوسهم حتى يبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده وتقرير الحق والعدل والخير فيهم، ولولا ذلك لغلب شر أولئك المفسدين في الأرض حتى لا يبقى فيها صلاح (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (٢: ٢٥١)، وإن هذا يؤيد ما قلناه في إزالة وهم من يتوهم أن بيع النفس يؤذن بترك الدنيا، وألا يمتع المؤمن نفسه بلذاتها، ولو كان كذلك - وهو من تكليف ما لا يطاق - لما قرنه الله تعالى باسمه الرءوف الدال على سعة رحمته بعباده، فيالله ما أعجب بلاغة كلام الله، وما أعظم خذلان المعرضين عن هداه، ومن الدقة الغريبة في هذا التعبير الموجز بيان حقيقة عظيمة وهي أن وجود هذه الأمة في الناس رحمة عامة للعباد لا خاصة بهم " (٣).

стр. 107

الفصل الثالث: طرق ودلالات الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره . وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص. المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم. المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام. المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن. المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران. المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.

стр. 108

تمهيد: أنزل الله كتابة الكريم بأعظم لغة، وهي اللغة العربية تلك اللغة الثرية بألفاظها، ومعانيها ومدلولاتها، وقد اعتنى اللغويون والنحويون والأصوليون بهذه اللغة ومباحثها وتقسيماتها ودلالاتها كل فيما يهمه منها. ومن أبرز علوم اللغة، علم الدلالات الذي يعنى باللفظ ومدلوله، وقد كانت بحوث اللغويين في علم الدلالات أسبق من غيرهم، ثم تلتها بحوث النحويين، ثم بحوث الأصوليين الذين اهتموا بدراسة المعنى ووضع قواعد وأصول لاستنباطه، فلم يكن ثمة فصل في هذا المجال بين البحث في طرق استنباط النص وبين البحث اللغوي، بل إن مباحث الدلالة عند اللغويين تأثرت بمباحث الأصوليين ومناهجهم في تقعيد فهم النص وتواتر استعمال مصطلح الدلالة في التعبير عن المعنى المستنبط من النصوص والألفاظ، فكان هذا هو الفرق بين اللغويين والأصوليين في تناول مفهوم اللفظ، فكان تركيز الأصوليين مرتبطاً بالدلالة دائماً، فكانت مهمة الأصوليين هي استنباط الأحكام من القول، أو من معناه، أو من علة الحكم (١). معنى الدلالات: الدلالات لغة: جمع دلالة، مصدر دلّ يدلُّ دلالة، وهي التسديد إلى الشيء والإبانة والإرشاد (٢). وقيل: "الدال واللام أصلان: أحدهما إبانة الشيء بأمارة تعلمها، والآخر اضطراب في الشيء، فالأول قولهم: دللت فلانا على الطريق، والدليل: الأمارة في الشيء، وهو بين الدَّلالة والدِّلالة" (٣). الدلالات اصطلاحا (٤): جاءت تعريفات الأصوليين لـ (الدلالات) مختلفة في ألفاظها متفقة في معانيها، ومنها: وضع الشيء بحيث يفهم منه شيء آخر. وقيل هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول: هو الدال والثاني: المدلول.

стр. 109

بحث الاصوليون العلاقة بين اللفظ والمعنى من حيثيات مختلفة: - من حيث وضع اللفظ للمعنى، وينقسم إلى (خاص، وعام، ومشترك، ومؤول). - من حيث استعمال اللفظ في المعنى وينقسم إلى (حقيقة، ومجاز، وصريح، وكناية). - من حيث وضوح اللفظ وخفائه ، انقسموا فيه إلى قسمين: أ - طريقة الأحناف: وهو نوعان: الواضح ويشمل (الظاهر، والنص، والمفسر والمحكم). وغير الواضح، ويشمل: (الخفي، والمشكل، والمجمل، والمتشابة). ب - طريقة الجمهور: وهو نوعان: الواضح، ويشمل (الظاهر، النص، ويشملهما المبين). وغير الواضح، ويشمل: (المجمل، والمتشابة). - من حيث كيفية دلالته على المعنى ، انقسموا فيه إلى قسمين: أ - طريقة الأحناف: عبارة النص= دلالة العبارة. إشارة النص= دلالة الإشارة. دلالة النص= دلالة الدلالة. اقتضاء النص= دلالة الاقتضاء. ب - طريقة الجمهور (١): قسموا الدلالة على المعنى إلى قسمين: ١) المنطوق: وينقسم إلى قسمين: الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص، ويشمل الصريح وغير الصريح. وغير الصريح ينقسم إلى: دلالة اقتضاء - دلالة إيماء= التنبيه- دلالة إشارة. الثاني: ما يحتمل التأويل وهو الظاهر. ٢) المفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، بأن يكون حكما لغير المذكور وحالا من أحواله، وهو نوعان: الأول: مفهوم الموافقة: وهو أن يكون حكم غير المذكور موافقا لحكم المذكور نفياً وإثباتا، ويسمى فحوى الخطاب (أي مفهومه)، وتنبيه الخطاب= لحن الخطاب. الثاني: مفهوم المخالفة: وهو أن يكون حكم غير المذكور مخالفا لحكم المذكور نفيا وإثباتا، ويسمى دليل الخطاب. والذي يدخل في بحث الاستنباطات هو ما كان ضمن الدلالات الخفية، كما سبق في تعريف الاستنباط، من أنه استخراج المعاني والاحكام الخفية، فما كان من الدلالات موصلا إلى ذلك فهو من طرق الاستنباط (٢).

стр. 110

المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة) النص في اللغة: يدل على رفع وارتفاع وانتهاء في الشيء، منه قولهم: نصَّ الحديث إلى فلان أي: رفعه إليه (١). وأما دلالة النص في الاصطلاح فهي: (ما ثبت بمعنى النص لغةً لا اجتهاداً ولا استنباطاً) (٢). يقصد بهذه الدلالة: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق (٣). "وهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق به من جهة الأولى" (٤). فهو "ما ثبت بمعنى النظم لغة لا استنباطا بالرأي، لأن للنظم صورة معلومة ومعنى هو المقصود به، فالألفاظ مطلوبة للمعاني وثبوت الحكم بالمعنى المطلوب باللفظ بمنزلة الضرب له صورة معلومة ومعنى هو المطلوب به، وهو الإيلام ثم ثبوت الحكم بوجود الموجب له فكما أن في المسمى الخاص ثبوت الحكم باعتبار المعنى المعلوم بالنظم لغة فكذلك في المسمى الخاص الذي هو غير منصوص عليه يثبت الحكم بذلك المعنى، ويسمى ذلك دلالة النص فمن حيث إن الحكم غير ثابت فيه بتناول صورة النص إياه لم يكن ثابتا بعبارة النص ومن حيث إنه ثابت بالمعنى المعلوم بالنص لغة كان دلالة النص ولم يكن قياسا فالقياس معنى يستنبط بالرأي مما ظهر له أثر في الشرع ليتعدى به الحكم إلى ما لا نص فيه لا استنباط باعتبار معنى النظم لغة" (٥). وقد استخدم الشيخ محمد رشيد ﵀ هذه الدلالة في أكثر من موضع، وقد يصرح بهذه الدلالة ومن ذلك: ـ قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، قال: "إن هذه الجملة هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء إن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة" (٦). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٢]، "وقد بينت الآية صريحا أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم، وهذا نص فيما تقدم من معنى الدعاء وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب والسعي في الطرق التي مضت سنة الله تعالى" (٧).

стр. 111

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [سورة آل عمران: ٢٠]، "ومثل هذه الآية نص قاطع في حصر وظيفة الرسول بالبلاغ عن الله وأنه ليس مسيطرا على الناس ولا جبارا ولا مكرها لهم على الإسلام، وقد صرحت آيات أخرى بمفهوم الحصر في التبليغ يعرف مواقعها حفاظ القرآن والمكثرون من تلاوته" (١). • وأحيانا لا يصرح بهذه الدلالة: ـ قال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [سورة آل عمران: ١٧]، "ويعلم مما تقدم أن تقديم ذكر الصابرين على ما بعده لأنه كالشرط إذ لا يتم بدونه الصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار في الأسحار" (٢) (٣) (٤).

стр. 112

المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة) مفهوم المخالفة: "أن يكون المسكوت عنه مخالفاً لحكم المنطوق به، كقوله ﷺ : (في الغنم السائمة الزكاة)، فالمنطوق السائمة، والمسكوت عنه: المعلوفة، والتقييد بالسوم يفهم منه عدم الزكاة في المعلومة، ويسمى دليل الخطاب، وتنبيه الخطاب" (١). والمتأمل في استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ يجد أنه اعتمد على هاتين الدلالتين في استنباطاته. ومن أمثلة مفهوم الموافقة: ـ قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران: ٥٩]، "وخطر لي الآن أنه يجوز أن تكون كلمة التكوين مجموع كن فيكون، والمعنى: ثم قال له كلمة التكوين التي هي عبارة عن توجه الإرادة إلى الشيء ووجوده بها حالا، ويظهر هذا في مثل قوله - تعالى -: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق﴾ [٦: ٧٣]، ولو كان القول للتكليف لم يظهر هذا؛ لأن قول التكليف من صفة الكلام، وقول التكوين من صفة المشيئة، ولعل من تأمله حق التأمل لا يجد عنه منصرفا، والعطف بـ (ثم) لبيان التكوين الآخر يفيد تراخيه وتأخره عن الخلق الأول" (٢).

стр. 113

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٨]، "وإيضاح النكتة في جعل البيان للناس كافة، والهدى والموعظة للمتقين خاصة هو بيان أن الإرشاد عام، وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة فهو أنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقيقة، ويتعظون بما ينطبق عليهم من الوقائع فيستقيمون على الطريقة، هم الذين تكمل لهم الفائدة والموعظة لأنهم يتجنبون ويتقون نتائج الإهمال التي يظهر لهم أن عاقبتها ضارة، فليزن مسلمو هذا الزمان إيمانهم وإسلامهم بهذه الآيات" (١). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٥]، "وقد دلت الآية على ما جاء مصرحا به في سورة أخرى من استهزاء مشركي مكة والكلام فيهم بوعد الله ووعيده، وكذا بآياته ورسله، ولا حاجة إلى تقدير ذلك في الكلام، فهو وإن لم يقدر من بدائع إيجاز القرآن" (٢). ـ وكذا قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٣]، "وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل في عصرهم ودعاة الإصلاح من ورثتهم بعدهم إلا بأنفسهم وكذا سائر من يعادون الحق والعدل والصلاح لبقاء ما هم عليه من الفسق والفساد؛ لأن عاقبة هذا المكر السيئ تحيق بهم في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فالأمر ظاهر والنصوص واضحة، وأما في الدنيا فبما ثبت في الآيات من نصر المرسلين، وهلاك الكافرين المعاندين لهم، ومن علو الحق على الباطل ودمغه له، ومن هلاك القرى الظالمة المفسدة، وبما أيد ذلك من الاختبار، حتى صار من قواعد علم الاجتماع أن تنازع البقاء ينتهي ببقاء الأمثل والأصلح" (٣)، وزاد: "وهذا نص فيما انفردنا بفهمه من أن هذه الآيات بيان لسنن الله تعالى في الاجتماع البشري" (٤) ومن أمثلة استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا لمفهوم المخالفة:

стр. 114

ـ قوله ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الأنفال: ٦١]، وبعد أن ساق دعاء النبي ﷺ أنه قال: ((أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا)) (١)، قال: "وهذا يؤيد ما دلت عليه الآية من أن الحرب ليست محبوبة عند الله، ولا عند رسوله لذاتها، ولا لما فيها من مجد الدنيا، وإنما هي ضرورة اجتماعية يقصد بها منع البغي والعدوان، وإعلاء كلمة الحق والإيمان، ودحض الباطل، واكتفاء شر عمله، بناء على سنة: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الرعد: ١٧]، وتسمى في عرف عصرنا سنة الانتخاب الطبيعي" (٢). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة يونس: ١٩]، "والآية تتضمن الوعيد على اختلاف الناس المفضي إلى الشقاق والعدوان، ولا سيما الاختلاف في كتاب الله الذي أنزله لإزالة الشقاق بحكمه، وإدالة الوحدة والوفاق منه" (٣).

стр. 115

المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة التضمن المقصود بدلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزء ما وضع له (١). وقد استخدم الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ هذه الدلالة في استنباطه للأحكام ومن ذلك: ـ قول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٢]، "وهذا التعبير على لطفه ونزاهته وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من قوله : (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) أو بيان له، فهو يقول: إنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر وأسباب المثوبة والقربة إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد، كما يحفظ النبات بالحرث والزرع، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودا لذاته فتأتوا النساء في المحيض حيث لا استعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى، وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث" (٢).

стр. 116

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٤]، "وفي هذه الآية من الهداية والإرشاد أيضا أنه لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب وعدمه متعلقا بوجود القائد بحيث إذا قتل ينهزم الجيش أو يستسلم للأعداء، وإن الأمة التي تقدر هذه الهداية حق قدرها تعد لكل علم تحتاج إليه ولكل عمل تقوم مصالحها به رجالا كثيرين، فلا تفقد معلما ولا مرشدا ولا حاكما ولا قائدا ولا رئيسا ولا زعيما إلا ويوجد فيها من يقوم مقامه ويؤدي لها من الخدمة ما كان يؤديه، فهي لا تحصر الاستعداد لشيء من الأشياء في فرد من الأفراد، ولا تقصر القيام بأمر من الأمور على نابغ واحد من النابغين، قاعدة الاعتماد على التحقق بالعلوم والنهوض بالأعمال دون الاتكال على أفراد الرجال (١). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٨٨]، "والأمر بالتقوى في هذا المقام أوسع معنى وأعم فائدة من النهي عن الإسراف في آية الأعراف التي أوردناها آنفا، فهو من باب الجمع بين حقوق الروح وحقوق الجسد، وبه يدفع إشكال من عساه يقول: إن الدين شُرع لتزكية النفس، والتمتع بالشهوات واللذات ينافي التزكية وإن اقتصر فيه على المباحات" (٢). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [سورة المائدة: ١٠١]، "وهذه الآية تدل على عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة أو على أنه لا يقع، وقد غفل جمهور الأصوليين عن الاستدلال بها، وبيان ذلك أن ما يسأل عنه إما أن يكون مما يطلب العلم به كالعقائد والأخبار، وإما أن يكون مما يطلب العمل به وهو الأحكام، وتأخير البيان - دع تركه وعدمه - يقتضي الإقرار على الاعتقاد الباطل، أو العمل بغير الوجه المراد للشارع، إلا أن يكون من شرعه تركه الاجتهاد للناس توسعة عليهم، ولا يدخل في هذا ولا ذاك السؤال عن الأمور الشخصية كسؤال من سأل عن ناقته، ولذلك جعلنا هذا النوع من السؤال غاية في خفاء دخوله في عموم: (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم) فإن كان داخلا فيه فحكمته والله أعلم أن عدم إبداء الجواب للسائل المؤمن ربما كان مشككا له في رسالة الرسول ﷺ " (٣).

стр. 117

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الأنعام: ١١٥]، "أما تمامها صدقا فهو وقوع مضمونها من حيث كونها خبرا، وأما تمامها عدلا فمن حيث كونها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون، وللمؤمنين المهتدين بما يستحقون، وإن كانوا بمقتضى الفضل يزادون، وإذا كانت هذه الآية نزلت بمكة قبل نصر الله تعالى نبيه على طغاة قومه في بدر وغيرها، فالفعل الماضي فيها " تمت " بمعنى المستقبل، فهو لتحقق وقوعه كأنه وقع، وهذا من ضروب المبالغة البليغة" (١).

стр. 118

المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة الالتزام المقصود بدلالة الالتزام: دلالة اللفظ على كل ما يفهم منه غير المسمى سواء كان داخلا فيه أو خارجا (١). وقد اعتنى الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ باستخدام هذه الدلالة في استنباطاته، ومن ذلك: ـ قول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [سورة النساء: ٨٠]، "الآية تدل على أن الله - تعالى - هو الذي يطاع لذاته؛ لأنه رب الناس وإلههم وملكهم، وهم عبيده المغمورون بنعمه، وأن رسله إنما تجب طاعتهم فيما يبلغونه عنه من حيث إنهم رسله لا لذاتهم، ومثال ذلك الحاكم تجب طاعته في تنفيذ شريعة المملكة وقوانينها، وهو ما يعبرون عنه بالأوامر الرسمية، ولا تجب فيما عدا ذلك" (٢). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٥]، "ووضع المظهر الموصوف بالموصول موضع المضمر؛ للإشعار بعلة الإهلاك وسببه وهو الظلم، ولا بد من زهوق الباطل فظهور الحق" (٣). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٨]، "فعلم بهذا أن من شأن الرب الإله الحق أن يكون متكلما، وأن يكلم عباده، ويهديهم سبيل الرشاد باختصاصه من شاء منهم وإعداده لسماع كلامه، وتلقي وحيه، وتبليغ أحكامه" (٤).

стр. 119

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [سورة يونس: ٥٩]، قال: "هاتان الآيتان في إقامة الحجة على منكري الوحي من المشركين بفعل من أفعالهم لا ينكرونه ولا يجادلون فيه، تعزيزا لما تقدم من أنواع الحجج العقلية على إثباته، ودفع شبهاتهم عليه وهذه الحجة مبنية على قاعدة كون التشريع العملي في التحريم والتحليل هو حق الله تعالى وحده، وقاعدة كون الأصل في الأرزاق وسائر الأشياء التي ينتفع بها الخلق الإباحة، وقاعدة كون انتحال العبيد حق التشريع الخاص بربهم افتراء عليه وكفرا به، يستحق فاعلوه أشد عقابه، وهو يتضمن الشهادة على صدق رسول الله ﷺ في كونه مبلغا لهذا القرآن عنه تعالى" (١).

стр. 120

المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران المقصود بها: الاستدلال بالجمع بين شيئين أو أكثر في سياق واحد على اتحاد في حكمهما (١). واختلف العلماء في حجية (٢) هذه الدلالة من حيث القوة والضعف، ولذا لم نجد الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ يكثر منها ومن ذلك: ـ ما قاله ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٤٣]، "أي وما كان من شأن الله في حكمته ورحمته أن يضيع إيمانكم الباعث لكم على اتباع الرسول في الصلاة والقبلة، فلو كان نسخ القبلة مما يضيع الإيمان بنقضه أو نقصه أو فوت ثواب ما كان قبله لما نسخها"، ثم قال: "فأراد الله أن يبين لهم أنه يتقبل من الصلاة ما كان أثر الإيمان الخالص؛ أي: متى كنتم تصلون إيمانا واحتسابا لا رياء ولا سمعة، فصلاتكم مقبولة؛ لأنها أثر الإيمان الراسخ في القلب المصلح للنفس، فتسمية الصلاة على هذا إيمانا ليس لأنها أعظم أركان الدين، بل للإشارة إلى أن مزيتها في منشئها الباعث عليها من الإيمان والإخلاص، ولذلك يقرن الإيمان دائما بذكر الصلاة والزكاة، فالصلاة آية الإيمان القلبية الخفية؛ لأنها لا تكون آية إلا بإخلاص القلب، والزكاة هي الدليل الحسي الظاهر عليه " (٣).

стр. 121

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة: ٢٦٩]، "ثم أقول إيضاحا للمقام: إن الله جعل الخير الكثير مع الحكمة في قرن، فهما لا يفترقان كما لا يفترق المعلول عن علته التامة، فالحكمة: هي العلم الصحيح المحرك للإرادة إلى العمل النافع الذي هو الخير، وآلة الحكمة هي العقل السليم المستقل بالحكم في مسائل العلم، فهو لا يحكم إلا بالدليل، فمتى حكم جزم فأمضى وأبرم، فكل حكيم عليم عامل مصدر للخير الكثير؛ ولذلك قال تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، أي وقد جرت سنته - تعالى - بأنه لا يتعظ بالعلم ويتأثر به تأثرا يبعث على العمل إلا أصحاب العقول الخالصة من الشوائب، والقلوب السليمة من المعايب، وهو تذييل يؤيد ما تقدم في تفسير الحكمة، فنسأله -تعالى- أن يجعلنا من أولي الألباب المؤيدين بالحكمة وفصل الخطاب" (١). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩]، قال: "وقرنتم بالإيمان تقوى الله - تعالى - بترك المنهيات، وفعل المأمورات بقدر الاستطاعة، فلكم أجر عظيم لا يقدر قدره لا يعرف كنهه. لز التقوى هاهنا مع الإيمان في قرن، وترتيب الأجر عليهما معا هو الموافق للآي الكثيرة في الذكر الحكيم، وهي أظهر، وأشهر، وأكثر من أن ينبه عليها بالشواهد كلما ذكر شيء منها" (٢). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨]، قال: "ويستنبط من الآية أن الطريقة المثلى لإقامة الناس على صراط الحق والفضيلة إنما هي حملهم على ذلك بالعمل والتعويد، مع التعليم وحسن التلقين، كما يربى الأطفال في الصغر، وكما يمرن الرجال على أعمال العسكر، وأن من أكبر الخطأ أن يسمح للأحداث بطاعة شهواتهم، واتباع أهوائهم، بشبهة تربيتهم على الحرية والاستقلال، الذي يهديهم إلى الحق والفضيلة بما يفيدهم العلم في سن الرشد من الاقتناع بطرق الاستدلال" (٣).

стр. 122

المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن المراد بأسلوب القرآن: طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه (١)، والاطراد مأخوذ من اطّرد الشيء: إذا تبع بعضها بعضا، واطرد الكلام: إذا تتابع، ويقال: واطرد الأمر: استقام (٢). والمراد بالمطّرد من أسلوب القرآن: تتابع الأفعال، واختيار الألفاظ تجاه أمر ما في القرآن الكريم (٣). وعليه فالقول الذي يوافق استعمال القرآن سواء كان استعمالا أغلبياً: بأن كان لموضع النزاع نظائر وقع فيها النزاع، ولكن الكثرة الكاثرة من الاستعمال هي مما اتفق على معناه، أو مطردا: بأن يكون استعمالها في جميع مواردها في القرآن متفقاً عليه، غير موضع الخلاف بأن يقول مفسر قولاً في آية جميع نظائرها في القرآن على خلاف هذا القول أو عادة في أسلوب القرآن (٤). ـ قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [سورة البقرة: ٤٣]، "فأتني أن أذكر ما أفهمه أنا في هذا الأمر بعد الأمرين، وهو أنه أمر بصلاة الجماعة أي: صلوا مع المصلين لا فرادى، ومثله في أمر مريم ﵍، فقال لها (مع الراكعين) دون الراكعات لأن تغليب الذكور في صلاة الجماعة أظهر من تغليبهم في الصلاة مطلقاً" (٥).

стр. 123

الفصل الرابع: القيمة العلمية لاستنباطات الشيخ محمد رشيد رضا . وفيه مبحثان: المبحث الأول: تأثر الشيخ محمد رشيد رضا باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها. المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا وأثرها فيمن بعده.

стр. 124

المبحث الأول تأثر الشيخ محمد رشيد رضا باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها هذا المبحث متعلق بمبحث منهج الشيخ محمد رشيد ﵀ في تفسيره، وقد مر بنا أن هذا التفسير مر بمرحلتين، مرحلة التلقي والتحرير من قبل الشيخ ﵀، والموافقة على ما كتب من قبل الشيخ محمد عبده ﵀، وما تميزت به هذه المرحلة من بعض التعليقات الخاصة بالشيخ محمد رشيد ﵀، وأنه كان يسبقها بعبارات لتمييزها عن عبارات الشيخ محمد عبده ﵀.

стр. 125

وهذه المرحلة لم يتطرق فيها إلى إثبات ما تم الاستفادة منه من كتب التفسير، إلا أن أغلبها موافقة لما في تفسير البيضاوي، والجلالين. أما المرحلة الثانية، وهي التي استقل فيها الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ بكتابة التفسير بعد وفاة الشيخ محمد عبده ﵀ فإنها كذلك مرت بمرحلتين: الأولى: مرحلة السير على خطى شيخه، وقد كانت له طريقة في النقل عن شيخه محمد عبده فكان يضع نقوله بين علامتي تنصيص " "، كما قال: (وقد بين الأستاذ الإمام النوع الأول في رسالة التوحيد أكمل بيان، بأوضح برهان، واختصر في بيان النوع الثاني، فقال: " أما أرباب النفوس والعقول السامية من العرفاء، ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء، ولكنهم رضوا أن يكونوا لهم أولياء، وعلى شرعهم ودعوته أمناء: فكثير منهم نال حظه من الأنس، بما يقارب تلك الحال في النوع أو الجنس، لهم مشارفة في بعض أحوالهم على شيء من عالم الغيب، ولهم مشاهد صحيحة في عالم المثال لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع، فهم لذلك لا يستبعدون شيئا مما يحدث به من الأنبياء صلوات الله عليهم، فلم يبق بين المنكرين لأحوال الأنبياء ومشاهدهم وبين الإقرار بإمكان ما أنبئوا به بل بوقوعه إلا حجاب من العادة، وكثيرا ما حجب العقول حتى عن إدراك أمور معتادة") (١). المرحلة الثانية: مرحلة العودة إلى منهج السلف في التفسير بالمأثور، وهنا يظهر مدى عناية الشيخ محمد رشيد بكتب السلف والإفادة من استنباطاتهم، وقد تميزت هذه المرحلة بالتالي: ـ التصريح بمصطلح التفسير بالمأثور من بداية الجزء السابع فقال: "وروى أهل التفسير المأثور قولا بأن المراد بالقسيسين والرهبان من آمن بعيسى في عهده كالحواريين، وقولا آخر: المراد بهم جماعة النجاشي، وسيأتي بعض ما ورد في ذلك ومن الناس من يجعل هذه الآية آخر الجزء السادس، لأن التجزئة لا تراعى فيها المعاني" (٢). ـ اعتماده على تفاسير كثير من الصحابة واستنباطاتهم، ومن ذلك قوله: "من استنباط أم المؤمنين خديجة في حديث أم المؤمنين عائشة في بدء الوحي فإنه ﷺ لما قال لخديجة رضوان الله عليها: " لقد خشيت على نفسي، قالت له: كلا، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق "، هذا لفظ مسلم" (٣).

стр. 126

ـ أكثر الشيخ من النقل عن كثير من المفسرين، ومن ذلك كثرة نقوله عن الرازي، قوله: "قال الإمام الرازي: وبيان التفاوت من وجوه: أحدها أن قوله: (ولكم في القصاص حياة) أخصر من الكل; لأن قوله: (ولكم) لا يدخل في هذا الباب إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، وإذا تأملت علمت أن قوله: (في القصاص حياة) أشد اختصارا من قولهم: القتل أنفى للقتل؛ أي لأن حروفه أقل" (١). ورده عليه فقال عند قوله: " (وهو قائم يصلي في المحراب) فالظاهر من معناه المتبادر عندي أنه نودي وهو قائم يدعو بذلك الدعاء الذي ذكر هنا مختصرا، وذكر في سورة مريم بأطول مما هنا، فالصلاة دعاء والدعاء صلاة، وقد عطف فنادته الملائكة على ما قبله بالفاء وحكاية ما قبله صريحة في كون الدعاء وقع في المحراب الذي كانت مريم فيه، فقول الرازي: إن الآية تدل على أن الصلاة مشروعة عندهم غريب جدا، وأي دين لا صلاة فيه ولا دعاء؟ " (٢). ونقل عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ال الشيخ (٣)، فقال: "قال الشيخ الفاضل مفتي الديار النجدية عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ابن سليمان بن علي في كتابه "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" في باب ما جاء في الذبح لغير الله قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀ في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) في الكلام على قوله تعالى: (وما أهل به لغير الله) الظاهر أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى" (٤).

стр. 127

والمتأمل في تفسير الشيخ، يجد أن الشيخ كان يتمتع بفهم ونقد ومراجعة لمن ينقدهم ومن ذلك مثلا انتقاده للإمام الألوسي في مسألة إيمان والد إبراهيم ﵇ فقال بعد أن حرر القول في هذه المسألة: "هذا وإنني بعد كتابة ما تقدم وجمعه للطبع عثرت بالمصادفة على ما كتبه الألوسي في مسألة استغفار إبراهيم لأبيه من تفسير سورة الممتحنة، فإذا هو مبني على رجوعه عن هفوته التي نقلناها عنه وانتقدناها عليه، وحملنا ذلك على مراجعة ما كتبه في المسألة من تفسير سورة التوبة" (١). ـ ذكره لاستنباطات بعض الفقهاء ولم يحدد من هم، ومن ذلك قوله: "استنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد، وهي: هل العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب كالتوراة والإنجيل كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم، أم العبرة باتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل، وبأهله الأصليين; كالإسرائيليين من اليهود؟ " (٢). وقوله: "وقد استنبط بعضهم من الآية تحريم القول في الدين بمجرد التقليد وعصبية المذاهب، لأن ذلك من اتباع الأهواء بغير علم، إذ المقلد غير عالم بما قلد فيه وذلك بديهي في العقل، ومتفق عليه في النقل، قال الرازي: دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد قول بمحض الهوى والشهوة والآية دلت على أن ذلك حرام" (٣). وقد يذكر استنباطا ولا يذكر من قال به: "وقد استنبط من الآية أنه لا ينبغي الاستئذان في أداء شيء من الواجبات، ولا في الفضائل والفواضل من العادات، كقرى الضيوف، وإغاثة الملهوف، وسائر عمل المعروف، ويعجبني قول بعض العلماء ما معناه: من قال لك: أتأكل؟ هل آتيك بكذا من الفاكهة أو الحلوى مثلا؟ فقل له: لا، فإنه لو أراد أن يكرمك لما استأذنك" (٤). تأثيره فيمن بعده: كان ممن عاصر الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ عدد من أهل العلم منهم الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (٥) ﵀، وكان بينهما مكاتبات ومتابعات فمن المكاتبات بينهما ما جاء في مجلة المنار بعنوان"من عنيزة إلى قاهرة مصر، في رجب سنة ١٣٤٦ هـ

стр. 128

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أبعث جزيل التحيات، ووافر السلام والتشكرات، لحضرة الشيخ الفاضل السيد محمد رشيد رضا المحترم حرسه الله تعالى من جميع الشرور، ووفقه وسدده في كل أحواله آمين، أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فالداعي لذلك ما اقتضاه الحب ودفعه الود المبني على ما لكم من المآثر الطيبة التي تستحقون بها الشكر من جميع المسلمين التي من أعظمها تصديكم في مناركم الأغر لنصر الإسلام والمسلمين، ودفع باطل الجاهلين والمعاندين، رفع الله قدركم وأعلى مقامكم، وزادكم من العلم والإيمان ما تستوجبون خير الدنيا والآخرة، وأنعم عليكم بنعمه الظاهرة والباطنية، ثم إننا نقترح على جنابكم أن تجعلوا في مناركم المنير بحثًا واسعًا لأمر نراه أهم البحوث التي عليها تعولون وأنفعها لشدة الحاجة" (١). وكان الرد من الشيخ محمد رشيد: " إننا لا نألو جهدًا في الرد على كل ما نطلع عليه من البدع المخالفة لكتاب الله والصحيح من سنة رسوله ﷺ ، وفي الدعوة إليهما على الوجه الذي كان عليه جمهور السلف الصالح، وفي الرد على خصومهما كما يرى في مقالة أعداء الإسلام من هذا الجزء، والذي نعلمه أن بدعة وحدة الوجود وفلسفة اليونان في الإلهيات والرسالة التي فتن الناس بها الباطنية وغيرهم في عصرهم قد نسخت وزالت في هذا العصر فلم يبق لهم دعاة، وإن كان لها اتباع قليلون" إلى أن قال: "ونرجو أن يقرأ أخونا صاحب هذه الرسالة الجزء الأول من تفسير المنار المشتمل على هذا البحث ويكتب إلينا بما يراه فيه، فإنني كنت منذ سنين كثيرة أتمنى لو يطلع بعض علماء نجد على المنار ويفتح بيني وبينهم البحث والمناظرة العلمية الدينية فيما يرونه منتقدًا لينجلي وجه الصواب فيها" (٢). وممن صرح بتأثره بالشيخ محمد رشيد رضا، الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ حيث قال: "تأثرت بمنهاجِ الشيخِ محمد رشيد رضا لأنهُ جيدٌ في عقدِ المسائل، وفي إتحافِهِ الفكريِ، وإن كان عليه بعض ما أخطأ ولا أحد يسلَمُ إلا المعصومُ" (٣). ونقل عنه من كتاب (الوحي المحمدي) (٤)، وكذا ينقل اختياراته في بعض المسائل التي فاقت العشرين مسألة فكان يقول: "واختار هذا القول أيضا من المتأخرين الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، وشيخنا عبد الرحمن السعدي" (٥).

стр. 129

غير أني لم ألحظ ذلك التأثير الواضح فيمن استفاد من استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا، ولعل ذلك يرجع إلى أسباب، من أهمها: - تأخر وفاة الشيخ محمد رشيد رضا ﵀، فتفسيره يعد من التفاسير المتأخرة، وأكثر طلبة العلم يرجع إلى المتقدم في هذا المجال. - طلاب الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ لم يعتنوا بتفسيره أو مؤلفاته، تلك العناية التي لاقاها غيره من المفسرين كعناية القنوجي بكتب الشيخ الشوكاني وتفسيره، فما عرف من طلابه إلا علامة الشام محمد بهجت البيطار، الذي أكمل تفسير سورة يوسف فقط. - انتهاج الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ منهج المدرسة العقلية، الذي جعل كثيرا من طلاب العلم يحجم عن قراءة تفسيره والاستفادة منه.

стр. 130

المبحث الثاني مميزات استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀، وأثرها فيمن بعده تميزت استنباطات الشيح محمد رشيد رضا بمميزات منها: ١. انفرد الشيخ محمد رشيد باستنباطات لم أقف عليها عند أحد ممن سبقه فيما اطلعت عليه، وهي: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ أهمية علم التاريخ، من قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة: ٧]، "ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات" (١). ب - استنبط حق المطلقة من قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، "أن للمطلقة الحق في إرضاع ولدها كسائر الوالدات، وأنه ليس للمطلق منعها منه وهو عرضة لهذا المنع" (٢). ت - استنبط معنى السعادة الحقة من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤]، "أن السعادة الدنيوية الحقيقية التي يعرفها الشرع ويؤيده الاختبار والعقل، هي في الأنفس لا في الآفاق؛ أعني أنها لا تنال بإسعاد الأخلاء، ولا بشفاعة الشفعاء، إنما العمدة فيها على اعتدال النفس في أخلاقها وأعمالها، وصحة عقائدها ومعارفها، ويتبع هذا في الغالب صحة الجسم، وسهولة طرق الرزق، والسلامة من الخرافات والأوهام التي تفتك بالعقول والأجسام" (٣).

стр. 131

ث - استنبط علة الحكم من قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٧٢]، "يظهر لي أن النبي ﷺ ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه؛ لأن مثل هذه المكايد إذا لم يكن لها أثر في نفوس الأقوياء من الصحابة الذين عرفوا الحق ووصلوا فيه إلى عين اليقين" (١). ج - استنبط سبب الكيد للمؤمنين، من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ٧٣]، قال: "سبب كيدهم للمؤمنين ليرجعوا وكراهتهم أن يحاجهم بعض المؤمنين عند ربهم هو سبب كتمانهم ذلك عمن لم يتبع دينهم أو عدم الإيمان لهم إذا هم ادعوه" (٢). ح - استنبط استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم، من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٤]، قال: "مراعاة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم؛ لأن إغفالها ينسيها ما تعلمت" (٣). خ - استنبط أهمية علم الاجتماع من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣١]، قال: "إن هذه الآية وما في معناها من الآيات - كآية هود - من قواعد علم الاجتماع البشري الذي لا يزال في طور الوضع والتدوين" (٤). د - استنبط دلالة اختلاف العطف في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [سورة هود: ٩٤]، قال: "ومن دقيق نكت البلاغة في الآيات قوله -تعالى -في إهلاك مدين هنا: -ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا -إلخ، فعطف " لما " على ما قبلها بالواو، ومثله في قوم هود، ولكنه عطفها بالفاء في قصة ثمود وقصة قوم لوط، ووجه هذا الأخير أن الآيتين جاءتا عقب الإنذار بالعذاب واستحقاقه وحلول موعده فعطفتا بالفاء الدالة على التعقيب، وأما عطف مثلهما في قوم هود وقوم شعيب فليس كذلك" (٥).

стр. 132

٢. تميزت استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ بتأصيل لبعض العلوم كعلم التاريخ وعلم الاجتماع. ٣. غلب على بعض استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ أنه من آية واحدة كما سبق بيانه في مبحث الاستنباط باعتبار الإفراد. ٤. تميز الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ بالاستنباط من ضم نص إلى نص وهو ما عبر عنه بالاستنباط بدلالة التركيب كما سبق بيانه. ٥. دلت أغلب استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ العقدية على سلامة منهجه وأنه سلفي المنهج. ٦. تميزت استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ بشمولها لجميع أنواع العلوم، واستخدم فيها جل الدلالات التي تصل به إلى المعنى المنشود. ٧. لم تسلم استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ من الخطأ في دلالتها على المعنى، فعند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [سورة النساء: ١]، قال: "إذا كان جماهير المفسرين فسروا النفس الواحدة هنا بآدم فهم لم يأخذوا ذلك من نص الآية ولا من ظاهرها بل من المسألة المسلمة عندهم، وهي أن آدم أبو البشر" (١).

стр. 133

القسم الثاني جمع استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا في التفسير ودراستها حسب ترتيب سور المصحف وآياته.

стр. 134

الاستنباطات في سورة الفاتحة [اتساع اسم (الله) الأعظم لمعاني الأسماء ولوازمها] قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة: ١] ١. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "من عرف الأسماء الحسنى، والصفات العليا، عرف أن اسم الجلالة الأعظم (الله) يدل عليها كلها وعلى لوازمها الكمالية وعلى تنزهه عن أضدادها السلبية، فدل هذا الاسم الأعلى على اتصاف مسماه بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع النقائص" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الأسماء والصفات، في مسألة اتساع اسم (الله) الأعظم لمعاني الأسماء ولوازمها، وتنزهة عن أضدادها، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: بين الشيخ أن اسم الله الأعظم يتسع لأسماء الله، الذي هو اسم علم على الله ، وإليه ترجع جميع الأسماء والصفات والمعاني، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [سورة الحشر: ٢٢ - ٢٣]

стр. 135

وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير (١) وزاد: "فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، كما قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠] " (٢)، ومثله ابن جرير، والرازي، والقرطبي (٣)، والسيوطي (٤) (٥) قال ابن القيم: "اسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا بالدلالات الثلاث، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له مع نفي أضدادها عنه، وصفات الإلهية: هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فعلم أن اسمه الله مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله، واسم الله دال على كونه مألوها معبودا، تؤلهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا، وفزعا إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمنين لكمال الملك والحمد، وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله" (٦).

стр. 136

[التاريخ سجل الأمم وبه تعرف أسباب السعادة والشقاوة] قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [سورة الفاتحة: ٧] ٢. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "إذا امتثلنا الأمر والإرشاد، ونظرنا في أحوال الأمم السالفة، وأسباب علمهم وجهلهم، وقوتهم وضعفهم، وعزهم وذلهم، وغير ذلك مما يعرض للأمم كان لهذا النظر أثر في نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن في الأرض، واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار، ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا علميا، في باب علم التاريخ، في مسألة التاريخ سجل الأمم وبه تعرف أسباب السعادة والشقاء، بدلالة الإشارة. وجه الاستنباط: هذه الآية نبهت إلى أهمية علم التاريخ ومكانته، لأنه سجل معرفة أحوال المغضوب عليهم والضالين، ومعرفة أسباب السعادة والشقاوة، واستبانة سبيل الصالحين وسبيل الغاوين، وهذا استنباط دقيق حول مكانة وأهمية علم التاريخ والسير. وهذا المعنى لم يشر إليه أحد من المفسرين، فيما اطلعت عليه عند تفسير هذه الآية، إلا أن هناك من وافق الشيخ في عنايته واهتمامه بعلم التاريخ من بعض المفسرين. منهم الشيخ ابن سعدي ﵀ حيث قال: "أنه طريق لرد كثير من الأقوال الباطلة والدعاوى التي تخالف ما علم من التاريخ" (٢). وابن عاشور (٣) ﵀ حيث قال: "أهمية علم التاريخ لأن فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل، وأسباب صلاح الأمم وفسادها" (٤).

стр. 137

الاستنباطات في سورة البقرة [النفقة المشروعة تكون في بعض المال لا كله] قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [سورة البقرة: ٣] ١. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "يدل على أن النفقة المشروعة تكون بعض ما يملك الإنسان لا كل ما يملك، فهو ركن من أركان الاقتصاد، والإنفاق في سبيل الله أظهر آيات الإيمان الصحيح" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب النفقة، في مسألة الدعوة إلى الاعتدال والترشيد في النفقة، وبيان أن النفقة المشروعة تكون في بعض المال لا كله، حتى في الإنفاق في سبيل الله تعالى، بدلالة مفهوم الآية. وجه الاستنباط: المراد من النفقة المشروعة، سواء كانت النفقة واجبة كالزكاة أو صدقة تطوع، أن تكون في بعض ما يملكه الإنسان لا كل ما يملكه، كما أشار إلى معنى آخر دقيق حيث ربط بين مسألة الدعوة إلى الاعتدال والترشيد في النفقة، وبين ما يعبر عنه اليوم في علم الاقتصاد بالتكافل الاجتماعي، وهو ما أشار إليه بقوله: "وهو ركن من أركان الاقتصاد"، وهو ما عبر عنه علماء الاقتصاد، أنه الركن الثالث من أركان الاقتصاد (٢). وقد بين كثير من المفسرين أن معنى "من" هنا للتبعيض، أي بعض ما يملك الإنسان لا كله لما في ذلك من الاعتدال وعدم الإسراف، منهم الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي (٣)، وأبو السعود (٤)، وابن عاشور، والسعدي، والشوكاني (٥) (٦).

стр. 138

وأشار ابن جرير إلى معنى آخر، فقال: "اختلف المفسرون في تأويلها؛ فقال بعضهم: زكاة أموالهم، وقال آخرون: هي نفقة الرجل على أهله وهذا قبل أن تنزل الزكاة، ثم قال: وأولى التأويلات بالآية وأحقها بصفة القوم: أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدّين، زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته من أهل وعيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك" (١)، وممن قال بذلك البغوي (٢)، وابن كثير، والقرطبي (٣) وغيرهم. [عدم انتفاع الكافرين بهداية القرآن] قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [سورة البقرة: ٦] ٢. قال الشيخ محمد ﵀: "هذا بيان لحال القسم الثاني من أقسام الناس تجاه هداية القرآن، وقد قطعه وفصله مما قبله، فلم يعطفه عليه للإشارة إلى ما بينهما من طول شقة الانفصال وعدم المشاركة في شيء ما، بخلاف القسم الثالث الآتي، فإن لهم حظا منه في الدنيا ولمن يتوب منهم حظ في الآخرة أيضا" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا بلاغيا، في مسألة قطع الكلام، من تركيب لفظ الآية، بدلالة ترك العطف بسبب التباين، في مسألة عدم انتفاع الكافرين بهداية القرآن. وجه الاستنباط: سبب عدم عطف هذه الآية على ما قبلها هو التباين وعدم وجود قواسم مشتركة بين صفات هؤلاء المشركين وبين المؤمنين، وذلك أن الكفر رسخَ في قلوبهم ولم يكن للإيمان إليها سبيلا، وأما من بعدهم فهم المنافقون، وهم قسم آخر غير الصنفين المذكورين في أول السورة، وقد أشار إلى ذلك الشيخ محمد عبده فقال: "هاتان الآيتان بيّنتا حال طائفة ثانية من الناس، وهم الكافرون" (٥)، فهذا التقسيم يدل على الفصل ويوجبه لكمال الانقطاع، فإن "الكلام قطع عما قبله، لأنه كلام في شأن الذين كفروا، وما قبله كلام في شأن القرآن" (٦)، وهذا المعنى هو ما عبر عنه عدد من المفسرين بالتضاد وأن سببه كمال الانقطاع الموجب عدم العطف بين الجمل (٧).

стр. 139

[الختم على القلوب سنة الله فيمن فقد دواعي النظر والفكر في أدلة الإيمان] قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [سورة البقرة: ٧] ٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "أسند الختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلى الله تعالى؛ لأنه بيان لسنته تعالى في أمثالهم، وعبر عنه بالماضي للدلالة على أنه أمر قد فرغ منه، وهو لا يدل على أنهم مجبورون على الكفر، ولا على منع الله تعالى إياهم منه بالقهر، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرنهم على الكفر وإعماله في قلوبهم بأنه استحوذ عليها" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب المسند والمسند إليه، في مسألة خروج الكلام على مقتضى الظاهر، بدلالة الأسلوب، من إسناد الفعل للفاعل الحقيقي، في مسألة أن الختم على القلوب سنة الله فيمن فقد دواعي النظر والفكر في أدلة الإيمان. وجه الاستنباط: إسناد الختم على القلوب والأسماع يكون إلى الله، وتلك سنة الله في مثلهم ممن عطل فكره ونظره عن الإيمان بالله تعالى، فهم ممنوعون من وصول الحق إلى قلوبهم فلا ينفذ إليها الحق ولا يخرج منها الباطل، وهذا بسبب مكابرتهم وإعراضهم، فإنهم عندما أعرضوا عن الحق عاقبهم الله بالختم لفقدهم الدواعي والأسباب التي تعطفهم إلى النظر والفكر في أدلة الإيمان ومحاسنه، وإسناد الختم إلى الله إسناد صحيح إذ هو إسناد للفاعل الحقيقي لأن الله هو خالق كل شيء، وفي هذا تقرير لمنهج أهل السنة والجماعة في مسألة القدر، والرد على مخالفيهم، الذين يزعمون أن الله أكرههم على الكفر وقهرهم عليه. وإلى هذا أشار بعض المفسرين، ومنهم: ابن جرير فقال: "أخبر ﷺ أن الذنوب، إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله ﵎" (٢). وكذا السمعاني (٣)، وابن كثير، وأبو حيان، والقرطبي، وابن عاشور (٤).

стр. 140

وقال ابن القيم: "وقالت طائفة منهم: الكافر هو الذي طبع على قلب نفسه في الحقيقة وختم على قلبه والشيطان أيضا فعل ذلك ولكن لما كان الله سبحانه هو الذي أقدر العبد والشيطان على ذلك نسب الفعل إليه لإقراره للفاعل على ذلك لأنه هو الذي فعله، وأما ما في هذا الكلام من الحق فهو أن الله سبحانه أقدر العبد على الفعل الذي أوجب الطبع والختم على قلبه، فلولا إقدار الله له على ذلك لم يفعله وهذا حق، لكن القدرية لم توف هذا الموضع حقه وقالت أقدره قدرة تصلح للضدين فكان فعل أحدهما باختياره ومشيئته التي لا تدخل تحت مقدور الرب وإن دخلت قدرته الصالحة لهما تحت مقدروه سبحانه فمشيئته واختياره وفعله غير واقع تحت مقدور الرب وهذا من أبطل الباطل" (١). [تحقق الإيمان بالعلم] قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [سورة البقرة: ١٣]. ٤. قال الشيح محمد رشيد ﵀: "وأزيد عليه في نكتة نفي العلم الآن ما ينبه الأذهان إلى دقة التعبير في القرآن، وهو أن أمر الإيمان لا يتحقق إلا بالعلم اليقيني، فموضوعه علمي، ثم إن ثمرته السعادة في الدنيا والآخرة، ولا يدرك ذلك إلا من علم حقيقته" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد ﵀ استنباطا في علوم القرآن، في مسألة الإعجاز البياني في القرآن الكريم ودقة تعبيره، في مسألة تحقق الإيمان بالعلم، وأن ثمرته السعادة في الدارين، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: الآية دلت على نفي العلم عن هؤلاء، وجاء نفي العلم بلفظ يناسب لفظ السفه وهو الجهل في أمر الإيمان الذي أمروا به في أول الآية، وأن العلم الحقيقي هو ما يفضي إلى الإيمان لأنه من لوازمه، ومن جهل الملزوم كان بلوازمه أجهل، وأن العلم الحقيقي هو الذي يزيل الشبه ويذهب العلل ويبعث على الاقتداء بالعمل، وهؤلاء لم يصلوا إلى حد هذا العلم، ولن يتحقق هذا العلم إلا بالتفكر والتأمل وهذا منفي عنهم. قال الزمخشري: "السفه سخافة العقل وخفة الحلم، فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية ب: (لا يعلمون)، والتي قبلها ب: (لا يشعرون)؟ قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة" (٣)، ومثله ابن عاشور (٤).

стр. 141

وقال أبو حيان: "وإنما قال هناك لا يشعرون وهنا لا يعلمون لأن المثبت لهم هناك هو الإفساد، وهو مما يدرك بأدنى تأمل، لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج إلى فكر كثير، فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر، وهي الحواس، مبالغة في تجهيلهم، وهو أن الشعور الذي قد يثبت للبهائم منفي عنهم، والمثبت هنا هو السفه، والمصدر به هو الأمر بالإيمان، وذلك مما يحتاج إلى إمعان فكر واستدلال ونظر تام يفضي إلى الإيمان والتصديق، ولم يقع منهم المأمور به فناسب ذلك نفي العلم عنهم، ولأن السفه هو خفة العقل والجهل بالمأمور، والعلم نقيض الجهل، فقابله بقوله: (لا يعلمون)، لأن عدم العلم بالشيء جهل به" (١). [علة ذهاب النور فتنتهم أنفسهم] قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ [سورة البقرة: ١٧] ٥. قال الشيخ محمد ﵀، بعد أن أورد قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [سورة الزمر: ٢٢] وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [سورة الحديد: ١٣ - ١٤] في تفسير (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، قال: "وفي هاتين الآيتين أصدق بيان للمراد من ذهاب الله بنورهم، وكونه ليس إجبارا لهم على الكفر، ولا عبارة عن سلبهم التمكن من الإيمان، وإنما هو تعبير عن سنة الله تعالى في عاقبة فتنتهم لأنفسهم" (٢).

стр. 142

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا في باب القدر، في مسألة الرد على الجبرية، من خلال دلالة التركيب بالجمع بين الآيات، في مسألة علة أن ذهاب النور فتنتهم أنفسهم. وجه الاستنباط: ذهاب الله بنوره ليس إجباراً منه لهم على الكفر، وإنما كان بسبب زيغهم وفتنتهم أنفسهم وظلمهم إياها بالكفر، وأن نفي الإيمان عنهم لم يكن إلا سير على سنة الله فيمن ظلم نفسه بالكفر والبعد عن الله، وقد وافق كثير من المفسرين في هذا. قال ابن القيم: "ولم يقل ذهب نورهم، وفيه سر بديع وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله تعالى، فإن الله تعالى مع المؤمنين، وإن الله مع الصابرين، وإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ فذهاب الله بذلك النور انقطاع لمعيته التي خص بها أولياءه، فقطعها بينه وبين المنافقين فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم" (١). وقال ابن كثير: "إن المعنى: أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت، سُلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله" (٢)، وكذا القرطبي والشوكاني وابن عاشور (٣). وقال ابن عثيمين: "إن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، كأنه أخذه قهراً، فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد بسببهم؛ وتذكَّر دائماً قول الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه" (٤)، وكذا قال الزمخشري والبيضاوي والنسفي والألوسي (٥). [الكفر بالله سبب إحاطة الكافرين بالعذاب] قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [سورة البقرة: ١٩]. ٦. قال الشيخ رشيد رضا ﵀: "أقول: فوضع الاسم المظهر موضع المضمر للإيذان بأنهم إنما كانوا كذلك بكفرهم وأن ذلك يرد في أمثالهم " (٦).

стр. 143

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا بلاغيا، في علم المعاني، في باب المسند والمسند إليه، في مسألة الخروج على مقتضى الظاهر، في أن الكفر بالله سبب إحاطة العذاب بالكافرين، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: لفظ (محيط بالكافرين) جاء مصرحاً به بدلا من الإشارة بضمير (بهم) المتفق مع مقتضى الظاهر، إشارة إلى أن ما حل بهم من إحاطة الله بهم كان بسبب كفرهم، والنكير عليهم، وأن في الإظهار زيادة تمكن دلالة الاسم الظاهر بدل المضمر، وتمكن المسند إليه وتقرره في نفس السامع. وهذا أسلوب من أساليب البلاغة القرآنية (١)، وتصريح الشيخ بهذه القاعدة، "فوضع الاسم المظهر موضع المضمر" دليل على بلاغته وعنايته بالبلاغة القرآنية. وممن أشار إلى هذه القاعدة عند تفسيره لهذه الآية أبو السعود حيث قال: "وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيّب، الإيذانُ بأن ما دَهَمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم" (٢)، ونقل ذلك القاسمي (٣) (٤). [الفسق سبب إضلال الله للكافرين] قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٦] ٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فعلم بهذا أن المراد بإسناد الإضلال إليه - تعالى - في الآية السابقة بيان سنته - تعالى - في أصحاب هذه الأعمال من الفساق، وهو أنهم يضلون حتى بما هو سبب من أشد أسباب الهداية تأثيرا، وهو المثل المذكور بسبب رسوخهم في الفسق ونقضهم للعهد … إلخ، وليس المعنى أنه - تعالى - خلق الضلال فيهم خلقا وأجبرهم عليه إجبارا" (٥).

стр. 144

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب المسند والمسند إليه، في مسألة إسناد الفعل للفاعل الحقيقي، في مسألة الفسق سبب إضلال الله للكافرين، بدلالة الأسلوب. وجه الاستنباط: إسناد الضلال إلى الله إسناد صحيح، لأن الله هو الفاعل الحقيقي له، وذلك أن الكفار لما أعرضوا عن الإيمان بالله تعالى وأغفلوا عقولهم عن النظر في الأمثال المضروبة في القرآن، صاروا في محنة وحيرة وضلال، ولا سبيل إلى الخروج من هذا التيه والضلال إلا بطاعة الله واتباع رسله، أما هؤلاء فقد خرجوا عن طاعة الله وعاندوا رسله فصار الفسق وصفا لهم، عندها اقتضت حكمة الله إضلالهم لعدم صلاحيتهم لهذا الهدى، وفي هذا تقرير لمنهج أهل السنة والجماعة في مسألة القدر، والرد على مخالفيهم، الذين يزعمون أن الله أضلهم عن الهدى. قال أبو الحسين العمراني (١): "وأنه لما حرم الكفار الاهتداء والعقل في الأمثال المضروبة، خلق فيهم ضده وسماه إضلالاً، ولا يجوز حمل الإضلال هاهنا على إبطاله لأعمالهم لأنه يحتاج إلى إضمار الأعمال، ولا يجوز صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل ولا ضرورة" (٢). قال ابن سعدي: "هذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [سورة التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال. ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى، فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾، أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله؛ الذين صار الفسق وصفهم؛ فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة" (٣).

стр. 145

وقال الشوكاني: "وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور هنا، وفي نسبته إلى الله سبحانه، وقد نقح البحث الرازيُّ في تفسيره مفاتيح الغيب في هذا الموضع تنقيحاً نفيساً، وجوّده وطوّله، وأوضح فروعه، وأصوله، فليرجع إليه فإنه مفيد جداً، وأما صاحب الكشاف، فقد اعتمد ها هنا على عصاه التي يتوكأ عليها في تفسيره، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه بكونه سبباً، فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي، وحكى القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله ﴿يُضِلَّ﴾ يخذل" (١)، نقل هذا عن الرازي، والزمخشري، وأبي حيان، والقرطبي، وأبي السعود، والألوسي (٢). [ارتباط العذاب بالفسق والخروج عن أمر الله] قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [سورة البقرة: ٥٩] ٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويدل على قوله - تعالى -: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) على أن هذا العصيان لم يكن من كل بني إسرائيل، وأن هذا الرجز كان خاصا بالظالمين منهم الذين فسقوا عن الأمر ولم يمتثلوه، وقد أكد هذا المعنى أشد التأكيد بوضع المظهر موضع المضمر، فقال: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، ولم يقل: فأنزلنا عليهم؛ ولعل وجه الحاجة إلى التأكيد الاحتراس من إبهام كون الرجز كان عاما، كما هو الغالب فيه، ثم أكده بتأكيد آخر، وهو قوله: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، وفي هذا الضرب من المقابلة من تعظيم شأن المحسنين ما فيه" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا بلاغيا، في مسألة خروج الكلام على مقتضى الظاهر، في مسألة ارتباط العذاب بالفسق والخروج عن أمر الله، بدلالة المطرد من أساليب القرآن. وجه الاستنباط: أن العصيان لم يكن من كل بني إسرائيل، وأن العذاب النازل خاص بالظالمين منهم خاصة، واستدل لهذا بقوله: "وقد أكد هذا المعنى أشد التأكيد بوضع المظهر موضع المضمر"، ثم بين سبب هذا التأكيد، وهو الاحتراس (٤) من أن يكون الرجز عاما لهم، فهو بهذا دفع الإيهام أن يكون العذاب نازلاً على بني إسرائيل كلهم، وإنما هو خاص بمن كانت هذه صفته.
следующие страницы →