← Тафсир

Тафсир · id 841

استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره

رقية بنت محمد بن سالم باقيس

Полный текст (435 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال أبو حيان: "وإنما قال هناك لا يشعرون وهنا لا يعلمون لأن المثبت لهم هناك هو الإفساد، وهو مما يدرك بأدنى تأمل، لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج إلى فكر كثير، فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر، وهي الحواس، مبالغة في تجهيلهم، وهو أن الشعور الذي قد يثبت للبهائم منفي عنهم، والمثبت هنا هو السفه، والمصدر به هو الأمر بالإيمان، وذلك مما يحتاج إلى إمعان فكر واستدلال ونظر تام يفضي إلى الإيمان والتصديق، ولم يقع منهم المأمور به فناسب ذلك نفي العلم عنهم، ولأن السفه هو خفة العقل والجهل بالمأمور، والعلم نقيض الجهل، فقابله بقوله: (لا يعلمون)، لأن عدم العلم بالشيء جهل به" (١). [علة ذهاب النور فتنتهم أنفسهم] قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ [سورة البقرة: ١٧] ٥. قال الشيخ محمد ﵀، بعد أن أورد قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [سورة الزمر: ٢٢] وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [سورة الحديد: ١٣ - ١٤] في تفسير (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، قال: "وفي هاتين الآيتين أصدق بيان للمراد من ذهاب الله بنورهم، وكونه ليس إجبارا لهم على الكفر، ولا عبارة عن سلبهم التمكن من الإيمان، وإنما هو تعبير عن سنة الله تعالى في عاقبة فتنتهم لأنفسهم" (٢).

стр. 142

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا في باب القدر، في مسألة الرد على الجبرية، من خلال دلالة التركيب بالجمع بين الآيات، في مسألة علة أن ذهاب النور فتنتهم أنفسهم. وجه الاستنباط: ذهاب الله بنوره ليس إجباراً منه لهم على الكفر، وإنما كان بسبب زيغهم وفتنتهم أنفسهم وظلمهم إياها بالكفر، وأن نفي الإيمان عنهم لم يكن إلا سير على سنة الله فيمن ظلم نفسه بالكفر والبعد عن الله، وقد وافق كثير من المفسرين في هذا. قال ابن القيم: "ولم يقل ذهب نورهم، وفيه سر بديع وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله تعالى، فإن الله تعالى مع المؤمنين، وإن الله مع الصابرين، وإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ فذهاب الله بذلك النور انقطاع لمعيته التي خص بها أولياءه، فقطعها بينه وبين المنافقين فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم" (١). وقال ابن كثير: "إن المعنى: أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت، سُلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله" (٢)، وكذا القرطبي والشوكاني وابن عاشور (٣). وقال ابن عثيمين: "إن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، كأنه أخذه قهراً، فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد بسببهم؛ وتذكَّر دائماً قول الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه" (٤)، وكذا قال الزمخشري والبيضاوي والنسفي والألوسي (٥). [الكفر بالله سبب إحاطة الكافرين بالعذاب] قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [سورة البقرة: ١٩]. ٦. قال الشيخ رشيد رضا ﵀: "أقول: فوضع الاسم المظهر موضع المضمر للإيذان بأنهم إنما كانوا كذلك بكفرهم وأن ذلك يرد في أمثالهم " (٦).

стр. 143

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا بلاغيا، في علم المعاني، في باب المسند والمسند إليه، في مسألة الخروج على مقتضى الظاهر، في أن الكفر بالله سبب إحاطة العذاب بالكافرين، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: لفظ (محيط بالكافرين) جاء مصرحاً به بدلا من الإشارة بضمير (بهم) المتفق مع مقتضى الظاهر، إشارة إلى أن ما حل بهم من إحاطة الله بهم كان بسبب كفرهم، والنكير عليهم، وأن في الإظهار زيادة تمكن دلالة الاسم الظاهر بدل المضمر، وتمكن المسند إليه وتقرره في نفس السامع. وهذا أسلوب من أساليب البلاغة القرآنية (١)، وتصريح الشيخ بهذه القاعدة، "فوضع الاسم المظهر موضع المضمر" دليل على بلاغته وعنايته بالبلاغة القرآنية. وممن أشار إلى هذه القاعدة عند تفسيره لهذه الآية أبو السعود حيث قال: "وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيّب، الإيذانُ بأن ما دَهَمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم" (٢)، ونقل ذلك القاسمي (٣) (٤). [الفسق سبب إضلال الله للكافرين] قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٦] ٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فعلم بهذا أن المراد بإسناد الإضلال إليه - تعالى - في الآية السابقة بيان سنته - تعالى - في أصحاب هذه الأعمال من الفساق، وهو أنهم يضلون حتى بما هو سبب من أشد أسباب الهداية تأثيرا، وهو المثل المذكور بسبب رسوخهم في الفسق ونقضهم للعهد … إلخ، وليس المعنى أنه - تعالى - خلق الضلال فيهم خلقا وأجبرهم عليه إجبارا" (٥).

стр. 144

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب المسند والمسند إليه، في مسألة إسناد الفعل للفاعل الحقيقي، في مسألة الفسق سبب إضلال الله للكافرين، بدلالة الأسلوب. وجه الاستنباط: إسناد الضلال إلى الله إسناد صحيح، لأن الله هو الفاعل الحقيقي له، وذلك أن الكفار لما أعرضوا عن الإيمان بالله تعالى وأغفلوا عقولهم عن النظر في الأمثال المضروبة في القرآن، صاروا في محنة وحيرة وضلال، ولا سبيل إلى الخروج من هذا التيه والضلال إلا بطاعة الله واتباع رسله، أما هؤلاء فقد خرجوا عن طاعة الله وعاندوا رسله فصار الفسق وصفا لهم، عندها اقتضت حكمة الله إضلالهم لعدم صلاحيتهم لهذا الهدى، وفي هذا تقرير لمنهج أهل السنة والجماعة في مسألة القدر، والرد على مخالفيهم، الذين يزعمون أن الله أضلهم عن الهدى. قال أبو الحسين العمراني (١): "وأنه لما حرم الكفار الاهتداء والعقل في الأمثال المضروبة، خلق فيهم ضده وسماه إضلالاً، ولا يجوز حمل الإضلال هاهنا على إبطاله لأعمالهم لأنه يحتاج إلى إضمار الأعمال، ولا يجوز صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل ولا ضرورة" (٢). قال ابن سعدي: "هذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [سورة التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال. ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى، فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾، أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله؛ الذين صار الفسق وصفهم؛ فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة" (٣).

стр. 145

وقال الشوكاني: "وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور هنا، وفي نسبته إلى الله سبحانه، وقد نقح البحث الرازيُّ في تفسيره مفاتيح الغيب في هذا الموضع تنقيحاً نفيساً، وجوّده وطوّله، وأوضح فروعه، وأصوله، فليرجع إليه فإنه مفيد جداً، وأما صاحب الكشاف، فقد اعتمد ها هنا على عصاه التي يتوكأ عليها في تفسيره، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه بكونه سبباً، فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي، وحكى القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله ﴿يُضِلَّ﴾ يخذل" (١)، نقل هذا عن الرازي، والزمخشري، وأبي حيان، والقرطبي، وأبي السعود، والألوسي (٢). [ارتباط العذاب بالفسق والخروج عن أمر الله] قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [سورة البقرة: ٥٩] ٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويدل على قوله - تعالى -: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) على أن هذا العصيان لم يكن من كل بني إسرائيل، وأن هذا الرجز كان خاصا بالظالمين منهم الذين فسقوا عن الأمر ولم يمتثلوه، وقد أكد هذا المعنى أشد التأكيد بوضع المظهر موضع المضمر، فقال: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، ولم يقل: فأنزلنا عليهم؛ ولعل وجه الحاجة إلى التأكيد الاحتراس من إبهام كون الرجز كان عاما، كما هو الغالب فيه، ثم أكده بتأكيد آخر، وهو قوله: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، وفي هذا الضرب من المقابلة من تعظيم شأن المحسنين ما فيه" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا بلاغيا، في مسألة خروج الكلام على مقتضى الظاهر، في مسألة ارتباط العذاب بالفسق والخروج عن أمر الله، بدلالة المطرد من أساليب القرآن. وجه الاستنباط: أن العصيان لم يكن من كل بني إسرائيل، وأن العذاب النازل خاص بالظالمين منهم خاصة، واستدل لهذا بقوله: "وقد أكد هذا المعنى أشد التأكيد بوضع المظهر موضع المضمر"، ثم بين سبب هذا التأكيد، وهو الاحتراس (٤) من أن يكون الرجز عاما لهم، فهو بهذا دفع الإيهام أن يكون العذاب نازلاً على بني إسرائيل كلهم، وإنما هو خاص بمن كانت هذه صفته.

стр. 146

وممن اشار إلى هذا المعنى ابن عاشور حيث قال: "اعتنى فيهما بالإظهار في موضع الإضمار ليعلم أن الرجز خص الذين بدلوا القول وهم العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض لأنهم كانوا السبب في شقاء أمة كاملة" (١). وقال الألوسي: "وضع المظهر موضع الضمير مبالغة في تقبيح أمرهم" (٢)، وممن أشار إلى أنه إظهار في موضع الإضمار الزمخشري وابن عثيمين (٣). [العمل جزء من الإيمان ولا يتحقق الوعد إلا بهما] قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [سورة البقرة: ٨٢]. ٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفيه دليل على أن الوعد على الإيمان والعمل معا، إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر، إلا من آمن فمات ولم يتسع له الوقت للعمل، فهو من أهله بمقتضى إيمانه الصحيح، وما حال دونه من الآجال عذر؛ لأنه لا ذنب له فيه" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسأل العمل جزء من الإيمان ولا يتحقق الوعد بدخول الجنة إلا بهما، بدلالة الاقتران. وجه الاستنباط: دخول الجنة مترتب على الجمع بين الإيمان والعمل معا، وعليه عرف الشيخ محمد رشيد الإيمان: بأنه مجموع العلم والاعتقاد والعمل بموجبه (٥)، وعليه فإن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة، وكذا العمل وحده لا يكفي لدخول الحنة بل لابد من الجمع بينهما، وبهذا يرد على مرجئة الفقهاء الذين يقولون إن العمل لازم للإيمان وداخلٌ في تعريفه (٦)، وهو بهذا يوافق منهج أهل السنة والجماعة، ويرد به على المرجئة ومن شاكلهم. ومسألة دخول العمل في الإيمان ورد فيها خلاف عند بعض العلماء، والخلاصة فيها (٧): أن الإيمان تصديق بالقلب ونطق باللسان وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، هذا هو الحق الذي تدل عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والذي أجمع عليه الصحابة والتابعون والأئمة.

стр. 147

وخالف في هذا المرجئة (١)، حيث قالوا: إن الإيمان قول وتصديق فقط، بل يجعلون الأعمال إما من مقتضى التصديق أو من واجباته ومن لوازمه (٢). وعليه فإن أهل النجاة والفوز، هم أهل الإيمان والعمل الصالح الموافق للشريعة (٣). قال ابن عثيمين: "قوله تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات؛ والعمل يصدق على القول، والفعل؛ وليس العمل مقابل القول؛ بل الذي يقابل القول: الفعل؛ وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح"، ثم قال: "ومن فوائد الآية: أن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة؛ بل لا بد من عمل صالح، وأن العمل وحده لا يكفي حتى يكون صادراً عن إيمان؛ لقوله تعالى: ﴿آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ولذلك لم ينفع المنافقين عملهم؛ لفقد الإيمان في قلوبهم" (٤). [التوحيد يتحقق بإفراد الله بالعبادة والنهي عن الشرك] قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [سورة البقرة: ٨٣]. ١٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهذا النهي عن عبادة غير الله مستلزم للأمر بعبادته - تعالى - ولم يصرح به؛ ولأنهم كانوا يعبدون الله، وإنما يخشى عليهم الشرك به كما وقع منهم في بعض الأجيال ومن غيرهم من الشعوب، فالأصل الأول لدين الله على ألسنة جميع رسله هو أن يعبد الله وحده، ولا يشرك به عبادة أحد سواه من ملك ولا بشر ولا ما دونهما بدعاء ولا بغيره من أنواع العبادة، كما قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [سورة النساء: ٣٦]، فالتوحيد لا يحصل إلا بالجمع بين الأمرين" (٥).

стр. 148

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب الأمر، في مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده (١)، في مسألة تحقق التوحيد بأمرين: إفراد الله بالعبادة والنهي عن الشرك، بدلالة التلازم. وجه الاستنباط: الأمر هنا لازم للنهي عن الشرك، حيث أمر الله بعبادته ونهى عن الشرك به، وهذا يتضمن إثبات العبادة لله وحده، فمن لم يعبد الله فهو كافر مستكبر، ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو كافر مشرك، ومن عبد الله وحده فهو مسلم مخلص (٢). وعلل ﵀ سبب هذا بأنهم كانوا يعبدون الله، وإنما خشي عليهم الشرك به كما وقع منهم في بعض الأجيال، وبين أن الأصل الأول لدين الله على ألسنة جميع رسله هو أن يعبد وحده ولا يشرك به عبادة أحدٍ سواه من ملك ولا بشر، وبين أن التوحيد لا يحصل إلا بالجمع بين الأمرين- العبادة وعدم الإشراك-. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣) في كتاب التوحيد: "في قوله: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾، -واعبدوا- معلوم في أصول الفقه أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، وفي الآية هنا أمر بالعبادة له ونهى عن الشرك به من باب التأكيد" (٤). وقال الشيخ عبد الرحمن الدوسري (٥): "وهذا النهي عن عبادة غير الله مستلزم للأمر بعبادته، لأنها الأصل الأول لدين الله على ألسنة جميع الأنبياء والمرسلين أن تحصر جميع أنواع العبادة لله، ولا يشرك بها غيره مهما كان، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومن مهمات العبادة الوقوف عند حدود الله فيما أباحه أو حرمه أو أوجب الاحتكام إليه، فمن حرم شيئاً مما أباح الله أو أباح شيئاً مما حرم الله، أو حكم بغير ما أنزل الله، معتقداً أحقيته على حكم الله، فهو مشرك مهما عمل من الأعمال، فوصية الله الأولى في خلقه أجمعين، ألا يعبدوا إلا الله" (٦).

стр. 149

[مكانة العلم وآداب التعامل مع العالم] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [سورة البقرة: ١٠٤] ١١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "لا شك أن من يعامل أستاذه ومرشده معاملة المساواة في القول والعمل، يقل احترامه له وتزول هيبته من نفسه حتى تقل الاستفادة منه أو تعدم، وإذا لم تزل الاستفادة منه من حيث كونه معلما، فإنها تقل وتزول لا محالة من حيث كونه مربيا؛ لأن المدار في التربية على التأسي والقدوة … والعبرة بما في الواقع ونفس الأمر، وهو أن من اعتقد أن امرأ فوقه علما وكمالا، وأنه في حاجة للاستفادة من علمه وإرشاده ومن أخلاقه وآدابه، فإنه لا يستطيع أن يساوي نفسه به في المعاملة القولية ولا الفعلية، إلا ما يكون من فلتات اللسان ومن اللمم، وعن مثل هذا نهى الصحابة ﵃؛ لئلا يجرهم الأنس به ﷺ وكرم أخلاقه إلى تعدي حدود الأدب الواجب معه الذي لا تكمل التربية إلا بكماله، وهو - تعالى - يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: ٢١] " (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا سلوكيا تربويا، في باب الآداب، في مسألة مكانة العلم والأدب مع المعلم، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: النهي الموجه للمؤمنين فيه إشارة إلى أهمية العلم والعلماء، وبيان لكيفية التعامل مع العلماء وتوقيرهم وتعظيمهم، فهذا أدب من آداب الشريعة، وعليه فإنه يجب على الإنسان أن يكون بينه وبين من هو في حاجة إلى الاستفادة من علمه وإرشاده وخلقه وآدابه حدوداً في التعامل لا يتعداها، وعليه أن ينزله منزلة التوقير والاحترام، وقد ذكر بعض العلماء أن حقه آكد من حق الوالد، لأن هذا أدعى إلى قبول ما عنده من العلم والتأسي والاقتداء به. قال ابن العربي (٢) في أحكام القرآن: "هذا دليل على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعرض للتنقيص والغض" (٣).

стр. 150

وممن أشار إلى هذا المعنى ابن جرير ﵀ في تفسيره حيث بين أن النهي من الله للمؤمنين عن قول كلمة "راعنا" أنها كلمة كره الله أن تقال لنبيه ﷺ فأمرهم بقول كلمة فيها توقير وتعظيم (١). وقيل: كان هذا النهي نهي عن كل ما يكون فيه استواء مع النبي ﷺ ، فنهوا عن مخاطبته بما يوهم شيئاً من الغض مما يستحقه من التعظيم والتلطف في القول وأدبه، وابتعادا عن سوء الظن، كما قال ابن كثير، وأبو حيان، والقرطبي، والشوكاني، وابن عثيمين (٢). وقال ابن مفلح (٣): "قال ابن حزم قبل السبق والرمي في الإجماع: اتفقوا على إيجاب توقير أهل القرآن والإسلام والنبي ﷺ وكذلك الخليفة والفاضل والعالم" (٤). [خطر فتنة الشبهات على عقيدة المسلم] قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [سورة البقرة: ١٠٩] ١٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "هذه الآية وما بعدها إشارة إلى أن لذلك بعض الأثر في نفوس بعض المسلمين، وفائدة هذا التنبيه أو التنبيهات أن يعلم المسلمون أن ما يبدو من أهل الكتاب أحيانا من إلقاء الشبه على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه، إنما هو مكر السوء، يبعث عليه الحسد لا النصح الذي يبعث عليه الاعتقاد" (٥).

стр. 151

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الفتن، في مسألة فتنة الشبهات، وأثرها على عقيدة المسلم، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: الآية أشارت إلى أثر الشبه على عقيدة الإنسان، وكيف أن الشُبه في الدين توقع أثراً في النفوس، ولذا يستغلها الكفار وأهل الكتاب للتشكيك وزعزعة المسلمين، وأن الباعث لهذا الحسد والحقد لا النصح، وأن هذا السلوك واضح وظاهر في أهل الكتاب، وأنهم يبذلون جهدهم في رد المؤمنين وإدخال الشبه عليهم بكل طريق يقدرون عليه، وذلك أن المحق لا يبعد عن الحق إلا بشبهة. قال ابن القيم: "والفتنة نوعان: فتنة الشبهات وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة وقلة العلم" (١). قال الرازي: "قوله: من عند أنفسهم فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب «ود» على معنى أنهم أحبوا أن ترتدوا عن دينكم، وتمنيهم ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق فكيف يكون تمنيهم من قبل طلب الحق؟ الثاني: أنه متعلق ب (حسدا) أي حسدا عظيما منبعثا من عند أنفسهم" (٢)، ومثله البيضاوي، والشوكاني، وابن سعدي (٣). قال ابن عاشور: "مناسبة الآية لما قبله أن ما تقدم إخبار عن حسد أهل الكتاب وخاصة اليهود منهم، وآخرتها شبهة النسخ، فجيء في هذه الآية بتصريح بمفهوم قوله ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآية لأنهم إذا لم يودوا مجيء هذا الدين الذي اتبعه المسلمون فهم يودون بقاء من أسلم على كفره ويودون أن يرجع بعد إسلامه إلى الكفر" (٤)، ومثله السمعاني (٥). [تقرير قاعدة: إقامة الدليل على الدعوى] قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [سورة البقرة: ١١١]. ١٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "طالبهم - تعالى - بالبرهان على دعواهم، فقرر لنا قاعدة لا توجد في غير القرآن من الكتب السماوية، وهي أنه لا يقبل من أحد قولٌ لا دليل عليه، ولا يحكم لأحد بدعوى ينتحلها بغير برهان يؤيدها، ذلك أن الأمم التي خوطبت بالكتب السالفة لم تكن مستعدة لاستقلال الفكر ومعرفة الأمور بأدلتها وبراهينها؛ ولذلك اكتفى منهم بتقليد الأنبياء فيما يبلغونهم وإن لم يعرفوا برهانه، فهم مكلفون أن يفعلوا ما يؤمرون" (٦).

стр. 152

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقيها، في كتاب القضاء، في مسألة إقامة الدليل على الدعوى، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: طلب الله من اليهود والنصارى برهانا على كلامهم، وما احتجوا به، فأرشد لعدم قبول الأقوال إلا بعد إيراد الأدلة وإعمال النظر فيها وتوجيهها، والبرهان أو الدليل إما أن يكون نقليا أو عقليا، فأبطل بهذا التقليد وما ينشأ عنه من الجهل والتبعية. ثم قرر أن قاعدة "لا دعوى بلا دليل" لا توجد في غير القرآن، وهذه مزية للقرآن على غيره من الكتب السالفة والأمم السابقة حيث لم يطالبوا في تلك المرحلة السابقة لنزول القرآن إلا بتقليد أنبيائهم وفعل ما يؤمرون. قال القرطبي: "طلب الدليل هنا يقضي إثبات النظر ويرد على من ينفيه" (١). وقال الزمخشري: "وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وأنّ كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت" (٢). وقال الرازي: "دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا، أو إثباتا، فلا بد له من الدليل والبرهان، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد" (٣). وممن قال بهذا أيضا البيضاوي، وأبو حيان، والألوسي، وابن سعدي (٤). قال ابن عاشور: "وأتى بإن المفيدة للشك في صدقهم مع القطع بعدم الصدق لاستدراجهم، حتى يعلموا أنهم غير صادقين حين يعجزون عن البرهان، لأن كل اعتقاد لا يقيم معتقده دليل اعتقاده فهو اعتقاد كاذب، لأنه لو كان له دليل لاستطاع التعبير عنه ومن باب أولى لا يكون صادقا عند من يريد أن يروج عليه اعتقاده" (٥). [إثبات صفة العلو لله ﷻ ، وأنه لا تحدّه جهة ولا يحصره مكان] قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١١٥]. ١٤. قال الشيخ ﵀: "وأقول: بل هو فوق كل شيء بائناً منه" ثم قال: "فهذه الآية تثبت لنا قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد، وهي أن الله - تعالى - لا تحدّه الجهات، ولا تحصره الأمكنة" (٦).

стр. 153

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الأسماء والصفات، في مسألة إثبات صفة علو الله ﷻ ، وأنه لا تحدّه جهة ولا يحصره مكان، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: ألفاظ (التحيز والجهة) من المسائل المشتهرة عند أهل الكلام ومنتشرة في كتبهم، وهي من الألفاظ المجملة التي ليس لها أصل في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً، وهذا القول نصره شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وهذا ما قرره الشيخ في استنباطه بناء على قاعدة أهل السنة في التفصيل في مسألة الألفاظ المجملة. والقاعدة عند أهل السنة في الألفاظ المجملة هي التفصيل، فإن قصد بها مطلق الفوقية دون حد فنسبتها لله صحيحة، وإن قصد بها الحيز واحتواء مكان فهي ممنوعة مستحيلة، ولا ينبغي العدول إلى هذه الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها. وجاء في شرح الطحاوية: "كل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل، وأما لفظ الجهة، فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقا، والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات، تعالى الله عن ذلك، وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار، فهو صحيح، ومعناه: أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع، عال عليه" (٢). قال ابن سعدي: " ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ خصهما بالذكر، لأنهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها، كان مالكا لكل الجهات، ﴿فأينما تولوا﴾ وجوهكم من الجهات، إذا كان توليكم إياها بأمره، إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها، فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة، فيتحرى الصلاة إليها، ثم يتبين له الخطأ، أو يكون معذورا بصلب أو مرض ونحو ذلك، فهذه الأمور، إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا، وبكل حال، فما استقبل جهة من الجهات، خارجة عن ملك ربه" (٣).

стр. 154

قال ابن عثيمين: " (الواسع) يعني واسع الإحاطة، وواسع الصفات؛ فهو واسع في علمه، وفي قدرته، وسمعه، وبصره، وغير ذلك من صفاته؛ و (عليم) أي ذو علم؛ وعلمه محيط بكل شيء" (١). [العلم الصحيح واتباع الهدى سبب ولاية الله وتأييده للمؤمنين] قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [سورة البقرة: ١٢٠]. ١٥. قال الشيخ ﵀: "ومفهوم هذا المصرح به في آيات أخرى، أن ثباته على هدى الله المؤيد بالعلم هو الذي يكون سببا لتوليه - تعالى - له ونصره إياه عليهم، وفيه أن من سنن الله تأييد متبعي الهدى على علم صحيح وأنهم هم الغالبون المنصورون، وهو ما يعبر عنه علماء الاجتماع ببقاء الأمثل في كل تنازع بينه وبين ما دونه" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة العلم الصحيح واتباع الهدى سبب ولاية الله وتأييده للمؤمنين، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: أن الله أنعم على عباده بالتأييد والموالاة، بسبب ثباتهم على هدى الله المؤيد بالعلم الصحيح، وأن هذا من سنن الله في تأييده لمتبعي الهدى على علم صحيح، وهو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل، قال رسول الله ﷺ : ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)) (٣)، وفي رواية قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم)) (٤). وهذا التأييد من الله ﷻ لمتبعي الهدى دليل على بقاء الأمثل والأفضل، وهذا مما عني به علماء الاجتماع حيث جعلوه قاعدة من قواعد علمهم، في مسألة بقاء الأمثل في كل تنازع، وبهذا يتبين أن القرآن الكريم هو أساس كل العلوم الإنسانية والعلمية.

стр. 155

وهذا الاستبناط مما تفرد به الشيخ فلم أجد من ذكر هذه المعنى فيما اطلعت عليه. [خطورة الانحراف عن شرائع الإسلام وسوء عاقبته] قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [سورة البقرة: ١٣٢]. ١٦. قال الشيخ ﵀: "ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفا عن الإسلام إلى عدم اليأس وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غيره" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الاعتصام والالتزام بدين الله ، في مسألة خطورة الانحراف عن شرائع الإسلام وسوء عاقبته، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: الآية أوجبت الأمر بالثبات على الإسلام، وعدم مفارقته، وأرشدت إلى عدم اليأس من رحمة الله، والتعلق بحبل الله العظيم، في جميع الأوقات، ذلك أن الإنسان لا يعلم متى يأتيه الموت، كما جاء في الحديث القدسي: قال الله ((يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)) (٢). قال جمع من المفسرين (٣): أتى بلفظ موجز يقتضي المقصود ويتضمن وعظاً وتذكيراً بالموت، وظاهرُه النهيُ عن الموت على خلاف حال الإسلام، والمقصودُ الأمرُ بالثبات على الإسلام إلى حين الموتِ، أي فاثبُتوا عليه ولا تفارقوه أبداً، كقولك: لا تصلِّ إلا وأنت خاشِعٌ، وتغييرُ العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موتٌ لا خيرَ فيه وأن حقه ألا يِحلَّ بهم وأنه يجب أن يحذَروه غايةَ الحذَر. وقال البيضاوي (٤): "ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام، والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا، والأمر بالثبات على الإسلام" (٥)، ومثله الألوسي (٦).

стр. 156

قال ابن عاشور: "ومعنى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ النهي عن مفارقة الإسلام، أعنى ملة إبراهيم في جميع أوقات حياتهم، وذلك كناية عن ملازمته مدة الحياة لأن الحي لا يدري متى يأتيه الموت، فنهي أحد عن أن يموت غير مسلم أمر بالاتصاف بالإسلام في جميع أوقات الحياة، فالمراد من مثل هذا النهي شدة الحرص على ترك المنهي" (١). [تنوّع الوحي المنزّل على أنبياء الله ] قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [سورة البقرة: ١٣٦] ١٧. قال الشيخ رشيد رضا ﵀: "ولعل نكتة اختلاف التعبير أن يشمل ما أوتي موسى وعيسى تلك الآيات التي أيدهما بها كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [سورة الإسراء: ١٠١] وقال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [سورة البقرة: ٨٧] ثم قال: (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) ليدل على أن ذلك لم يكن خاصا بموسى وعيسى والله أعلم " (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في مسألة دلالة اختلاف التعبير، في مسألة تنوّع الوحي المنزّل على أنبياء الله ، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: أن التعبير بـ (أنزل) ذكر خاص في جانب الأنبياء الذين ليس لهم كتب تؤثر ولا صحف تنقل، وأن الإشارة بـ (أوتي) جاءت للتعبير عن الوحي للأنبياء الذين كان لهم كتب تؤثر في أقوامهم ويمكن الرجوع إليها والنظر فيها، وهذا من باب تنوع الكلام وتصرفاته، وهذا خاص بتلك الآيات التي أيد الله بها هذين النبيين، وفيه ثناء على أمة محمد أنها تؤمن بما أنزل على هذين النبيين اللذين بقي ديناهما حتى مبعث محمد ﷺ . وقد أشار بعض المفسرين إلى النكتة في اختلاف التعبير في هذه الآية، فقال بعضهم: إن هذا من باب التنويع في الكلام وتصرفاته في ألفاظه وإن كان المعنى واحدا (٣).

стр. 157

قال الألوسي: " ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى﴾ أي التوراة والإنجيل، ولكون أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرفوا فيهما وادعوا أنهما أنزلا كذلك، والمؤمنون ينكرونه اهتم بشأنهما فأفردهما بالذكر وبين طريق الإيمان بهما ولم يدرجهما في الموصول السابق، ولأن أمرهما أيضا بالنسبة إلى مُوسى وَعِيسى أنهما منزلان عليهما حقيقة، لا باعتبار التعبد فقط كما في المنزل على إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ولم يعد الموصول لذلك في عِيسى لعدم مخالفة شريعته لشريعة مُوسى إلا في النزر، ولذلك الاهتمام عبر- بالإيتاء- دون- الإنزال- لأنه أبلغ لكونه المقصود منه، ولما فيه من الدلالة على الإعطاء الذي فيه شبه التمليك والتفويض" (١). وقال ابن عثيمين: "الحكمة في اختلاف التعبير، أن نقول بحسب ما يظهر لنا ـ والعلم عند الله ـ: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية. الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد؛ لو قال: «ما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وما أنزل إلى موسى … وما أنزل إلى النبيين» تكررت أربع مرات؛ ومعلوم أن من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر الإمكان. أما الحكمة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باقٍ إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات؛ فالنصارى يقولون: عيسى بن مريم يُحيي الموتى، ويفعل كذا، ويفعل كذا؛ وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه، وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك؛ فبين الله في هذا أن هذه الأمة تؤمن بما أوتوا من وحي وآيات" (٢). [السعادة مبنية على حسن العمل، لا على الانتساب للآباء من الأنبياء والمرسلين] قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [سورة البقرة: ١٣٤]. ١٨. قال الشيخ ﵀: "أعاد هذه الآية بنصها في مقام محاجة أهل الكتاب المفتخرين بسلفهم من الأنبياء العظام، المعتمدين على شفاعتهم وجاههم وإن قصروا عن غيرهم في الأعمال، وفائدة الإعادة تأكيد تقرير قاعدة بناء السعادة على العمل دون الآباء والشفعاء، بحيث لا يطمع في تأويل القول طامع" (٣).

стр. 158

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الشفاعة، في مسألة أن السعادة الأخروية مبنية على حسن العمل، لا على الانتساب للآباء من الأنبياء والمرسلين، بدلالة التكرار. وجه الاستنباط: تحقيق السعادة مرتبط بعمل الإنسان وكسبه ومتابعته لهدي الرسل والانبياء، وعليه يكون جزاؤه في الآخرة، وهذا ما أفادته إعادة الآية بنصها، وانتفاء الانتفاع بالأنبياء والصالحين، أو بتقليد الآباء والأجداد على ما هم عليه من عقائد وعبادات فاسدة، وهذه قاعدة شرعية متواترة في نصوص الشريعة، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [سورة الإسراء: ١٣]، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر: ٣٨]. قال بعض المفسرين: وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله، الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين (١). وقد وافق الشيخ في حكمة تكرار الآية ابن سعدي حيث قال: "كررها، لقطع التعلق بالمخلوقين، وأن المعول عليه ما اتصف به الإنسان، لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال، لا بالانتساب المجرد للرجال" (٢)، ومثلهم الزمخشري، والبيضاوي، والألوسي، وأبو السعود (٣). [مدح الفقه وإعمال العقل، وذم التقليد وأنه الداء المورث للجهل والفساد] قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [سورة البقرة: ١٤٢] ١٩. قال الشيخ ﵀: "ابتدأ الكلام في هذه المسألة ببيان ما يقع من اعتراض اليهود وغيرهم على التحويل وإخبار الله نبيه والمؤمنين به قبل وقوعه، وتلقينهم الحجة البالغة عليه والحكمة السديدة فيه، ويتضمن هذا بيان سر من أسرار الدين وقاعدة عظيمة من قواعد الإيمان، كان أهل الكتاب في غفلة عنها وجهل بها، فهذه الآيات متصلة بما قبلها في كونها محاجة لأهل الكتاب في أمر الدين؛ لإمالتهم عن التقليد الأعمى فيه، والجمود على ظواهره من غير تفقه فيه ولا نفوذ إلى أسراره وحكمه التي لم تشرع الأحكام إلا لأجلها" (٤).

стр. 159

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العلم، في مسألة مدح الفقه وإعمال العقل، وذم التقليد وأنه الداء المورث للجهل والفساد، بدلالة تضمن. وجه الاستنباط: بينت الآية حال من عطل عقله وأعرض عن النظر في الأدلة والبراهين، واتخذ من تقليد الآباء منهجا له، فحكم الله عليه بالسفه، الذي من نتائجه الحتمية التقليد المورث للجهل والفساد، وعدم اتباع الرسل والبعد عن عن الطريق الصحيح، وهذا كان حال أهل الكتاب، أما أهل الإيمان فقد أعملوا العقل، فعزهم الله وهداهم إلى الصراط المستقيم. وقد أشار جمع من المفسرين إلى قضية التقليد الأعمى وأنه سبب للجهل والفساد، منهم الإمام ابن جرير فقال: "يعني بقوله جل ثناؤه: "سيقول السفهاء"، سيقول الجهال "منَ الناس"، وهم اليهود وأهل النفاق. وإنما سماهم الله "سُفهاء"، لأنهم سَفِهوا الحق، فتجاهلت أحبارُ اليهود، وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم، عن اتِّباع محمد ﷺ ، إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، وتحيّر المنافقون فتبلَّدوا" (١). وقال بعض المفسيرين: إن القادحين في تحويل القبلة هم ممن استمهنوا التقليد الأعمى والإعراض عن التدبر والنظر من أشقياء المعتادين للخوض في فنون الفساد من الطوائف الثلاث (٢). [اشتراط الصبر لتحقق معية الله الخاصة] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [سورة البقرة: ١٥٣] ٢٠. قال الشيخ ﵀: " قال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ولم يقل معكم، ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم، وقالوا: إن المعية هنا معية المعونة، فالصابرون موعودون من الله تعالى بالمعونة والظفر، ومن كان الله معينه وناصره فلا يغلبه شيء" (٣).

стр. 160

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في مسألة اشتراط الصبر لتحقق معية الله الخاصة لعباده المؤمنين، بدلالة النص. وجه الاستنباط: أن معية الله الخاصة، ومعونته وتوفيقه، لا تتحقق إلا لمن كان الصبر وصفا ملازماً له، خاصة في العبادات الشاقة كالجهاد وغيره، التي تستلزم صبرا ومصابرة حتى يتحقق الوعد المترتب على هذه العبادة، وبنى هذا على الإظهار في الآية الذي حل محل الإضمار، المعبر عنه بالمعية. قال الرازي: "فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقا وتسديدا وألطافا" (١). وقد وُفق ابن سعدي في تصويره لمعنى الصبر في الآية واشتراطه في تحقق معية الله الخاصة، فقال: "فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر، فلا سبيل لغير الصابر أن يدرك مطلوبه، خصوصا الطاعات الشاقة المستمرة، فإنها مفتقرة أشد الافتقار إلى تحمل الصبر، وتجرع المرارة الشاقة، فإذا لازم صاحبها الصبر فاز بالنجاح، وإن رده المكروه والمشقة عن الصبر والملازمة عليها لم يدرك شيئا، وحصل على الحرمان، وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد، فهذه لا يمكن تركها إلا بصبر عظيم، وكف لدواعي قلبه ونوازعها لله تعالى، واستعانة بالله على العصمة منها، فإنها من الفتن الكبار" (٢)، وبمثله قال البيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود وابن عاشور، والشوكاني، وأبو زهرة (٣) (٤). وقال ابن عثيمين: "أن في الصبر تنشيطاً على الأعمال، والثبات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾؛ فإذا آمن الإنسان بأن الله معه ازداد نشاطاً، وثباتاً؛ وكون الله مع الإنسان مسدداً له، ومؤيداً له، ومصبِّراً له، لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها" (٥).

стр. 161

[البشارة بفتح مكة] قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [سورة البقرة: ١٥٨] ٢١. قال الشيخ ﵀: "تقدم أن من لوازم حكم تحويل القبلة إلى البيت الحرام توجيه قلوب المؤمنين إلى الاستيلاء عليه - كما يوجهون إليه وجوههم - لأجل تطهيره من الشرك والآثام، كما عهد الله إلى أبويهم إبراهيم وإسماعيل ﵉، وإلا كانوا راضين باستقبال الأصنام، وإن في طي ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٥٠] بشارة بهذا الاستيلاء، مفيدة للأمل والرجاء"، ثم قال: "فذكر شعيرة من شعائر الحج هي السعي بين الصفا والمروة فكان ذكرها تصريحا ضمنيا بأن سيأخذون مكة ويقيمون مناسك إبراهيم فيها، وتتم بذلك لهم النعمة والهداية" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب تحقيق العبودية، في مسألة بشارة المؤمنين بفتح مكة، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: هذه الآية مرتبطة بما قبلها، بل هي البشارة بتمام النعمة التي وعد الله بها، من النصر والتمكين بأداء هذه الفريضة، بعدما أرشدهم إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، فغرس في نفوسهم الرضا والتوكل عليه، فجاءهم النصر وتمكنوا من إقامة هذه الشعائر في أمن وأمان منه سبحانه، من خلال التصريح بهذين الركنين. ولم أجد أحدا قال بهذا الاستنباط أو أشار إليه، إلا عبارة لبعض المفسرين: أنها معالم جعلت محلا للعبادة، وأن كفار مكة جعلوا عليها صنمين، وتحرج المسلمون من السعي بينهما (٢). وقال الألوسي: "أنه ما أشار سبحانه فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان معالم الحج فكأنه جمع بين الحج والغزو، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال، وقيل: لما ذكر الصبر عقبه ببحث الحج لما فيه من الأمور المحتاجة إليه" (٣).

стр. 162

[تأديب المحسن للعامل بشكره وإحسانه وإنعامه عليه] قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [سورة البقرة: ١٥٨] ٢٢. قال الشيخ ﵀: "والنكتة في اختيار هذا التعبير تعليمنا الأدب، فقد علمنا بهذا أدبا من أكمل الآداب، بما سمى إحسانه وإنعامه على العاملين شكرا لهم مع أن عملهم لا ينفعه ولا يدفع عنه ضراً" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الأسماء والصفات، في مسألة تأديب المحسن للعامل بشكره وإحسانه وإنعامه عليه، بدلالة اللغة. وجه الاستنباط: في هذا أدب من أكمل الآداب، حيث سمى الله إحسانه وإنعامه على العاملين شكرا لهم، فإنه يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر، وإذا قام العبد بأوامره، وامتثل طاعته، أعانه على ذلك، وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورا وإيمانا وسعة، وفي بدنه قوة ونشاطا، وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق، ثم بعد ذلك يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملا موفرا، لم تنقصه هذه الأمور، وهذا من واسع رحمة الله ورأفته بعباده وترغيبهم في الاستزادة من الإيمان والطاعات. وإن من شُكر الله التخلق والتأسي به في أسمائه الحسنى كما تقرر ذلك عند أهل السنة في باب الأسماء والصفات. قال ابن القيم: " وهذا شأن أسمائه الحسنى، فإن أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها" (٢). [معرفة الحق مبنية على إعمال العقل واتباع النقل] قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [سورة البقرة: ١٧٠] ٢٣. قال الشيخ ﵀: "الهمزة للإنكار والتعجب، وهي داخلة على فعل حذف للعلم به من القرينة، "ولو" للغاية لا تحتاج إلى جواب وجزاء، والتقدير أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في كل حال وفي كل شيء، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من عقائد الدين، إذ لا يسلكون طريق العقل بالاستدلال على أن ما هم عليه من العقائد والعبادات حق، ولا يهتدون في أحكامه وأعماله بوحي من الله جاءهم به رسول من عند الله، أي حتى في تجردهم من دليلي العقل والنقل، هذا ما أفهمه" (٣).

стр. 163

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب التوحيد، في مسألة معرفة الحق مبنية على إعمال العقل واتباع النقل، بدلالة الإشارة. وجه الاستنباط: في الآية إشارة إلى أهمية إعمال العقل واتباع النقل في معرفة الحق، فإن هؤلاء المتبعين لآبائهم وما هم عليه من عقائد فاسدة، ليس لديهم دليل يؤيد ما هم عليه، فهم قصروا عقولهم عن النظر في الأدلة العقلية التي تهدي إلى عبادة الله وحده فضلوا، وأعرضوا عن الاهتداء بما جاء به النبي ﷺ من الوحي، واتخذوا التقليد منهجا لهم فصدهم عن اتباع الحق، وفرق بين التقليد إن كان في حق فهو أصل من أصول الدين، وأما إن كان في باطل فهو من اتباع الهوى. وقد ذكر الشيخ في قواعد سورة البقرة: " (القاعدة الثالثة عشرة): بطلان التقليد للآباء والأجداد والمشايخ والمعلمين والرؤساء؛ لأنه جهل وعصبية جاهلية، وإن في هذه الآية تحريم التقليد وتصريح الكتاب العزيز بأن الله تعالى لا يقبله ولا يعذر صاحبه في الآخرة لتأكيدا شديدا لإيجاب العلم الاستقلالي الاستدلالي في الدين، وهو لا يقتضي الاجتهاد المطلق في جميع مسائل التشريع" (١). قال الرازي: " وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل" (٢). وقال ابن سعدي: "اكتفوا بتقليد الآباء، وزهدوا في الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل الناس، وأشدهم ضلالا وهذه شبهة لرد الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن الحق، ورغبتهم عنه، وعدم إنصافهم، فلو هدوا لرشدهم، وحسن قصدهم، لكان الحق هو القصد، ومن جعل الحق قصده، ووازن بينه وبين غيره، تبين له الحق قطعا، واتبعه إن كان منصفا" (٣). وأشار بعض المفسرين إلى بيان منع التقليد والتحذير منه، منهم: البيضاوي فقال: "وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام فهو في الحقيقة ليس بتقليد بل اتباع لما أنزل الله (٤). وقال أبو حيان: "في هذا دلالة على ذم التقليد، وهو قبول الشيء بلا دليل ولا حجة، وحكى ابن عطية أن الإجماع منعقد على إبطاله في العقائد، وفي الآية دليل على أن ما كان عليه آباؤهم هو مخالف لما أنزل اللّه، فاتباع أبنائهم لآبائهم تقليد في ضلال، وفي هذا دليل على أن دين اللّه هو اتباع ما أنزل اللّه، لأنهم لم يؤمروا إلا به" (٥) ومثله القرطبي (٦).

стр. 164

[تحقق الإيمان بالفقة والنظر في الأدلة والبراهين] قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [سورة البقرة: ١٧١] ٢٤. قال الشيخ محمد ﵀: "والآية صريحة في أن التقليد بغير عقل ولا هداية هو شأن الكافرين، وأن المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن ربي على التسليم بغير عقل، والعمل ولو صالحا بغير فقه فهو غير مؤمن" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة تحقق الإيمان بالفقه والنظر في الأدلة والبراهين، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: من نعم الله على المؤمنين أن فتح لهم أبواب العلم وبين لهم طرق الفهم الصحيح بالنظر في الأدلة والتأمل فيها باستماع آيات الله ومشاهدة حججه الواضحة، ومتابعة رسله والإنقياد إليهم، فهؤلاء هم أصحاب العقول السليمة الذين فضلوا على البهائم بنعمة العقل، أما من عطل عقله واكتفى بالجمود على ما ألفه من قبل آبائه فإنه يصدق عليه هذا المثل، فلا فرق بينه وبينها إلا أنه معذب لعدم استجابته لما أمر الله به، ولا شك أن من دعي إلى الرشاد، ونهي عن اقتحام العذاب، وأمر بما فيه صلاحه وفلاحه، فعصى الناصح، وتولى عن أمر ربه، واقتحم النار على بصيرة، واتبع الباطل، أنه ليس من أهل الإيمان. قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمركم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئا ولا هم مصيبون حقا ولا مدركون رشدا؟ وإنما يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء المستعمل له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه فيما هو به جاهل إلا من لا عقل له ولا تمييز" (٢)، وكذا قال أبو السعود (٣). وقال ابن سعدي: "لما بين تعالى عدم انقيادهم لما جاءت به الرسل، وردهم لذلك بالتقليد، علم من ذلك أنهم غير قابلين للحق، ولا مستجيبين له، بل كان معلوما لكل أحد أنهم لن يزولوا عن عنادهم، فأخبر تعالى، أن مثلهم عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها، وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرد الصوت، الذي تقوم به عليهم الحجة، ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم، فلهذا كانوا صما لا يسمعون الحق سماع فهم وقبول، عميا لا ينظرون نظر اعتبار، بكما فلا ينطقون بما فيه خير لهم، والسبب الموجب لذلك كله، أنه ليس لهم عقل صحيح، بل هم أسفه السفهاء، وأجهل الجهلاء، فهل يستريب العاقل، أن من دعي إلى الرشاد، وذيد عن الفساد، ونهي عن اقتحام العذاب، وأمر بما فيه صلاحه وفلاحه وفوزه ونعيمه، فعصى الناصح، وتولى عن أمر ربه، واقتحم النار على بصيرة، واتبع الباطل، ونبذ الحق، أن هذا ليس له مسكة من عقل، وأنه لو اتصف بالمكر والخديعة والدهاء، فإنه من أسفه السفهاء" (٤).

стр. 165

[رحمة الله بالناس ببيانه ما حل لهم وما حرم عليهم] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [سورة البقرة: ١٧٢] ٢٥. قال الشيخ ﵀: "الأمر هنا للوجوب لا للإباحة، والطيبات ما طاب كسبه من الحلال، ويستلزم عدم تحريم شيء منها والامتناع عنها تدينا لتعذيب النفس، وهذا تنبيه بعد ما تقدم إلى عدم الالتفات إلى أولئك الحمقى الذين أبيحت لهم خيرات الأرض فطفقوا يحلون بعضها ويحرمون بعضا بوساوس شياطينهم وتقليد رؤسائهم" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب المباحات، في مسألة رحمة الله بالناس ببيانه لما حل لهم وما حرم عليهم، من خلال دلالة وجوب الأمر في الآية. وجه الاستنباط: الآية بينت رحمة الله بالناس بأن أحل لهم وفصل ما ينتفعون به، فلا ينبغي لأحد مهما علت منزلته أن يأتي بحكم يخالف فيه حكم الله في تحريم شيء أو تحليل شيء لا تدينا ولا اجتهادا إلا بعد أمر الله، وهذا ما عاب عليه الشيخ الرهبان وأهل العقائد الفاسدة ممن ينتمي للإسلام، الذين حرموا على أنفسهم الطيبات التي أحل الله لهم تقربا إلى الله بذلك الفعل، وأن الله لم يطلب منهم تحريم شيء منها، ولكن عقائدهم المنحرفة واتباعهم لأهوائهم هو سبب تحريمهم لها. قال بعض المفسرين: الآية هنا أفادت الإباحة على الإطلاق (٢)، وقيل: فيه دليل على أن العبد لا يمكنه أن يحرم على نفسه ما أحله اللّه تعالى له بعقده وقصده" (٣). وقال الجصاص (٤): "وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهدا، لأن اللّه تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً﴾، ويدل على أنه لا فضيلة في الامتناع من أكلها" (٥)، ووافقهم جمع من المفسرين (٦).

стр. 166

[مغفرة الله وعفوه عن الخطأ في الاجتهاد] قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [سورة البقرة: ١٧٣] ٢٦. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر (غَفُورٌ) له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال: إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية، وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات، والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدا، ومرجعه إلى اجتهاد المضطر، ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود، والله أعلم" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا بلاغيا، في مسألة الفاصلة القرآنية وعلاقتها بالآية، في مسألة مغفرة الله وعفوه عن الخطأ في الاجتهاد، بدلالة الاقتران. وجه الاستنباط: هنا نكتة بلاغية في ختم الآية بوصف الغفور في مقام لا يستوجب الإنابة والتوبة من الزلل، وإنما هو في العفو عن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في تحديد حالة الاضطرار، وإن من رحمة الله أن فرق بين الخطأ الناتج عن اجتهاد واضطرار، والخطأ المتعمد لتجاوز ما أذن الله به، وهذا ما يتناسب مع لفظة الغفور في هذا المقام، فإن هذا الخطأ مغفور بقدر هذه الحالة. قال ابن عاشور: "إن هذا التذييل قصد به الامتنان، أي إن الله موصوف بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة لأنه رحيم بالناس، فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب، ونحوه قوله ﷺ في رؤيا القليب: "وفي نزعه ضعف والله يغفر له"، ومعنى الآية: أن رفع الإثم عن المضطر حكم يناسب من اتصف بالمغفرة والرحمة" (٢)، وممن قال بهذا البغوي، والشوكاني (٣).

стр. 167

[المساواة في القصاص سبيل للحياة] قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [سورة البقرة: ١٧٩] ٢٧. وقال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "إن الآية على كونها أبلغ، وكلمتها أوجز، قد أفادت حكما لم تكن عليه العرب قبلها، ولم يطلبه أحد من عقلائهم وبلغائهم، وهو المساواة في العقوبة وبيان أن فيه الحياة الطيبة، وصيانة الناس من اعتداء بعضهم على بعض" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الحدود، في مسألة المساواة في القصاص سبيل للحياة، من دلالة مفهوم الآية. وجه الاستنباط: جاءت الآية بحكم المساواة في العقوبة، وأنه السبيل للحياة الطيبة، وفيه صيانة للناس من اعتداء بعضهم على بعض، وأن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ازدجر من يريد قتل آخر، مخافة أن يقتص منه فيحييا بذلك معا، وهذا حكم لم تعرفه العرب قبل ذلك، وهو على خلاف ما كانت عليه، إذ كانوا إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا، وكان ذلك داعيا إلى قتل العدد الكثير، فلما شرع الله القصاص قنع الكل به وتركوا الاقتتال، فكان لهم في ذلك حياة، وفيه أيضا إشارة إلى إعمال العقل، والبعد عن الحميات والعصبيات القبلية التي كانت مسيطرة في ذلك الوقت وإلى يومنا هذا، ولا يفهم هذه الحكمة إلى أصحاب العقول السليمة. قال ابن كثير: "وفي شرع القصاص لكم - وهو قتل القاتل - حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز" (٢)، وممن قال بهذا أبو حيان، والقرطبي، وابن سعدي، والشوكاني (٣). قال ابن سعدي: "وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون" (٤). قال الشيخ سليمان الخراشي: "وإن من أبعاد تلك المنزلة التي جعلها الإسلام للعقل: تعظيم الإسلام لعمل العقل في سبيل الوصول إلى الحقائق بطرق شتى منها؛ الثناء على أصحاب العقل الذين يستعملونه في الحكم على الأشياء والتعامل معها، فالله سبحانه يخاطب أصحاب العقول حينما يذكر أحكامه لأنهم هم الذين يفهمون أنها أحكام عدل وحق" (٥).

стр. 168

[لا يجيب الدعاء إلا الله] قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [سورة البقرة: ١٨٦] ٢٨. وقال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " ولا دليل في الآية على أن كل دعاء يجاب، بل هي نفسها دليل على أنه لا يجيب الدعاء إلا الله" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في توحيد الألوهية، في مسألة لا يجيب الدعاء إلا الله، بدلالة المفهوم من الآية. وجه الاستنباط: أن الدعاء من أعظم مقامات العبودية لله، لأنه إظهار افتقار العبد لخالقه، فلا يصرف الا لله وحده، ولا يتحقق إلا بشروط، فإذا جاءت الإجابة كانت تفضلا ومنّةً من الله وليس إلزاماً يقتضي إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، وعليه فلا يجوز صرفه إلا لله ، وهو بهذا يرد على عباد القبور ومن يطلب منها الرزق والشفاء. ووافق بهذا جمع من المفسرين منهم ابن عطية (٢) حيث قال: "قوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: المعنى فليطلبوا أن أجيبهم" (٣)، ونقل ذلك عنه القرطبي (٤). وقال أبو حيان: "قيل: والدعاء أعظم مقامات العبودية لأنه إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والشرع قد جاء بالأمر به، وقد دعت الأنبياء والرسل، ونزلت بالأمر به الكتب الإلهية، وفي هذا رد على من زعم من الجهال أن الدعاء لا فائدة فيه، وليؤمنوا بي معطوف على: فليستجيبوا لي، ومعناه الأمر بالإيمان بالله، وحمله على الأمر بإنشاء الإيمان فيه بعد، لأن صدر الآية يقتضي أنهم مؤمنون، فلذلك يؤول على الديمومة، أو على إخلاص الدين، والدعوة، والعمل، أو في الثواب على الاستجابة لي بالطاعة أو بالإيمان وتوابعه، أو بالإيمان في: أني أجيب دعاءهم" (٥).

стр. 169

قال ابن عاشور: "والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عباده غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربط للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم، وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ تفريع على ﴿أُجِيبُ﴾ أي إذا كنت أجيب دعوة الداعي فليجيبوا أوامري، واستجاب وأجاب بمعنى واحد" (١). قال ابن سعدي: "الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق، فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة، فلهذا قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة، ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ " (٢)، ومثله الشوكاني (٣). [حفظ مال الغير سبيل لتحقيق وحدة الأمة وتكافلها] قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [سورة البقرة: ١٨٨] ٢٩. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "واختار لفظ (أَمْوَالَكُمْ) وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك؛ لأن استحلال التعدي وأخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب، ففي هذه الإضافة البليغة تعليل للنهي، وبيان لحكمة الحكم" (٤).

стр. 170

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب دلالات الألفاظ وعلاقتها بالمعنى، في مسألة حفظ مال الغير سبيل لتحقيق وحدة الأمة وتكافلها، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: اختيار لفظ (أَمْوَالَكُمْ) يفضي إلى وجوب حفظ مال الغير وأنه من الكليات الخمس التي جاء الإسلام بالحفاظ عليها، فجاء بهذا التعبير الدقيق ليشعر بوحدة الأمة وتكافلها، وأن في أكل مال الغير بالباطل ليس فقط جناية على الآكل بل هو جناية على الأمة بأكملها، لأن هذا الفعل يجر إلى استحلال أشياء أخرى. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات: ١٠]، وقال رسول الله ﷺ : ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)) (١). وهذا مما انفرد به الشيخ، فلم أجد فيما اطلعت عليه من كلام المفسرين إشارة إلى هذا المعنى، وهذا من المسائل التي اعتنى بها علم مقاصد الشريعة في كتب أصول الفقه (٢)، التي قررت أن عصمة مال الغير كعصمة مال النفس، فهو يتضمن أن آكل مال غيره كآكل مال نفسه بالباطل، وعبر عن الإتلاف بالأكل، لأنه أهم الحوائج، ولأن به يحصل إتلاف المال غالباً. قال ابن عاشور: "معظم قواعد التشريع المالي المتعلقة بحفظ أموال الأفراد، وآيله إلى حفظ مال الأمة، لأن منفعة المال الخاص عائدة إلى المنفعة العامة لثروة الأمة، فالأموال المتدوالة بأيدي الأفراد تعود منفعتها على أصحابها، وعلى الأمة كلها، لعدم انحصار الفوائد المنجزة إلى المنتفعين بتداولها" (٣). [من صور التحايل على شرع الله، الإدلاء للحكام] قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [سورة البقرة: ١٨٨] ٣٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ذكر الأكل مجملا عاما، ثم بين نوعا منه خصه بالنهي عنه مع دخوله في العام لما يقع من الشبهة فيه لبعض الناس؛ إذ يعتقد بعضهم أن الحاكم الذي هو نائب الشارع في بيان الحق ومنفذ الشرع إذا حكم لإنسان بشيء ولو بغير حق فإنه يحل له ولا يكون من الباطل فقال تعالى: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)، أي: ولا تلقوا بها إلى الحكام رشوة لهم (لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إبطالا لهذا الاعتقاد؛ ليعلم أن الحق لا يتغير بحكم الحاكم، بل هو ثابت في نفسه، وليس على الحاكم إلا بيانه وإيصاله إلى مستحقه بالعدل؛ بل قال الأستاذ الإمام: إن الحاكم عبارة عن شخص العدل الناطق بما لكل أحد منه" (٤).

стр. 171

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب التخصيص والحكمة منه، في مسألة من صور التحايل على شرع الله، الإدلاء للحكام، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: التحايل على شرع الله بأخذ أموال الغير بالأحكام التي ترفع للقضاء مما يقع من الشبهة فيه عند بعض الناس، إذ يعتقدون أن ما يأخذونها بحكم الشرع المتمثل في هذه الأحكام حلال عليهم وهم يعلمون أن ما حصلوا عليه ليس لهم، فكان هذا البيان إبطالا لهذا الاعتقاد. قال قتادة (١): "لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراما" (٢). قال ابن عاشور: "وخص هذه الصورة بالنهي بعد ذكر ما يشملها وهو أكل الأموال بالباطل؛ لأن هذه شديدة الشناعة جامعة لمحرمات كثيرة" (٣). [في أي سنة فرض الحج] قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] ٣١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن الحج مما أقره الإسلام من ملة إبراهيم ﵇ كما تقدم آنفا، وآية آل عمران في التصريح بفرضيته نزلت قبل هذه الآيات فيما يظهر؛ لأن سورة آل عمران نزلت عقب غزوة أحد سنة أربع، ولكن المسلمين لم يكن يمكنهم الحج قبل فتح مكة، فالطائف وكان فتحها في سنة ثمان، وفي سنة تسع خرجوا للحج أول مرة بإمارة أبي بكر ﵁ وكانت تمهيدا لحجة النبي ﷺ سنة عشر إذ أذّن أبو بكر بالمشركين الذين حجوا فيها بألا يطوف بالبيت بعد هذا العام مشرك، ونزلت آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [سورة التوبة: ٢٨] ولهذا قال الجمهور: إن الحج فرض سنة تسع، والصواب أنه فرض قبلها ونفذ فيها" (٤).

стр. 172

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب طرق الاستدلال والترجيح، في مسألة في أي سنة فرض الحج، بدلالة تاريخ نزول الآيات. وجه الاستنباط: الحج فرض بعد نزول آية آل عمران، بعد غزوة أحد، وأداؤه كان سنة تسع من الهجرة، بعد القدرة عليه بعد فتح مكة، وقد ذكر الشيخ بعد ترجيحه واختياره، قول جمهور العلماء أن الحج فرض سنة تسع من الهجرة. وقد أجاب ابن القيم على استنباط الشيخ واختياره، فقال: "لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر، وأما قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فريضة الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء، فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ ، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم لما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج وأردفه بعلي ﵁، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم" (١). ووافقه ابن عاشور حيث قال: "وهذا يقتضي أن أصحاب هذا التفسير يرون الآية قد نزلت بعد فرض الحج في الإسلام وقبل أن يمنع المشركون منه، أي نزلت في سنة تسع، والأظهر خلافه كما تقدم في أول السورة، وفرع على هذا الاستدلال أنهم لم تبق لهم حجة ينازعون بها النبي ﷺ في شأن التوحيد بعد شهادة الملل السابقة كلها، فالنهي ظاهره موجه إلى النبي ﷺ لأن ما أعطيه من الحجج كاف في قطع منازعة معارضيه" (٢).

стр. 173

[أهمية التقوى وعلاقتها بصلاح القلوب] قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٣] ٣٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "أمر بالتقوى بعد الإعلام بمكانتها فقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) "، ثم قال: "ومن فوائد هذا الأسلوب أن تكرار الأمر بالذكر وبيان مكانة التقوى، ثم الأمر بها تصريحا في هذه الآيات التي فيها من الإيجاز ما هو في أعلى درجات الإعجاز، حتى سكت عن بعض المناسك الواجبة للعلم بها" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة أهمية التقوى وعلاقتها بصلاح القلوب، بدلالة التكرار. وجه الاستنباط: تقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهية هي المطلب في أي عبادة لله عزوجل، ولا سبيل لتحقيق هذا إلا بذكر الله في السر والعلن، وبهذا يتحقق معنى التقوى، ولذا كان في تكرار لفظة التقوى بعد الإعلام بمكانتها إشارة وتأكيداً لأهميتها. قال الرازي: "قوله (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فهو أمر في المستقبل، وهو مخالف لقوله: (لِمَنِ اتَّقى) الذي أريد به الماضي فليس ذلك بتكرار، وقد علمت أن التقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك المحرمات، فأما قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فهو تأكيد للأمر بالتقوى، وبعث على التشديد فيه، لأن من تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار، صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى (٢). وزاد الألوسي: "وهو تأكيد للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به، فإن من علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي له إلى ملازمة التقوى " (٣). وقال ابن سعدي: "فمن اتقى الله في كل شيء، حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء، كان الجزاء من جنس العمل، (وَاتَّقُوا اللَّهَ) بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه، وجد جزاء التقوى عنده، ومن لم يتقه، عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله، فلهذا حث تعالى على العلم بذلك" (٤).

стр. 174

[علاقة الأعمال والأحوال بمكنونات القلوب] قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٤] ٣٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ولما كان محل التقوى ومنزلها القلوب دون الألسنة، وكان الشاهد والدليل على ما في القلوب الأعمال دون مجرد الأقوال، ذكر في هذه الآيات أن الناس في دلالة أعمالهم على حقائق أحوالهم ومكنونات قلوبهم قسمان، فكانت هذه متصلة بتلك في بيان مقصد القرآن العزيز وهو إصلاح القلوب، واختلاف أحوال الناس فيها، وما ينبغي أن يعلموه منها، ولذلك عطفها عليها" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب العطف، في مسألة علاقة الأعمال والأحوال بمكنونات القلوب، بدلالة السياق. وجه الاستنباط: أن العطف أفاد التناسب بين هذه الآية وما قبلها من آيات الحج، حيث كانت خاتمتها حاثة على التقوى، فجاءت هذه الآية بالدليل والشاهد على ما في القلوب من التقوى، وفضح من كانت أقوالهم تخالف ما في قلوبهم، وأفعال العباد هي ترجمان لما في قلوبهم، فكانت فاضحة للمنافقين ومبينة لصدق الصادقين. قال الرازي: "اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان: كافر وهو الذي يقول: (ربنا آتنا في الدنيا) ومسلم وهو الذي يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) بقي المنافق، فذكره في هذه الآية، وشرح صفاته وأفعاله" (٢) ومثله أبو حيان، وابن كثير، والقرطبي، وابن سعدي (٣) وغيرهم. وقال أبو السعود: "تجريد للخطاب وتوجيه له إليه ﵊ وهو كلام مبتدأ سيق لبيان تحزب الناس في شأن التقوى إلى حزبين وتعيين مآل كل منهما ومن موصولة أو موصوفة وإعرابه كما بين في قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الاخر أي ومنهم من يروقك كلامه ويعظم موقعه في نفسك لما تشاهد فيه من ملاءمة الفحوى ولطف الأداء والتعجب حيرة تعرض للإنسان بسبب عدم الشعور بسبب ما يتعجب منه" (٤). وقال ابن عاشور: "عطف على جملة ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٠] الخ، لأنه ذكر هنالك حال المشركين الصرحاء الذين لا حظ لهم في الآخرة، وقابل ذكرهم بذكر المؤمنين الذين لهم رغبة في الحسنة في الدنيا الآخرة، فانتقل هنا إلى حال فريق آخرين ممن لا حظ لهم في الآخرة وهم متظاهرون بأنهم راغبون فيها، مع مقابلة حالهم بحال المؤمنين الخالصين الذين يؤثرون الآخرة والحياة الأبدية على الحياة الدنيا" (٥).

стр. 175

[الأعمال الظاهرة دليل على ما في القلب من صلاح أو فساد] قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٤] ٣٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "في الآية دليل على أن تلك الصفات الظاهرة المحمودة، لا تكون محمودة مرضية عند الله تعالى إلا إذا أصلح صاحبها عمله فإن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، وهي ترشدنا إلى التمييز بين الناس بأعمالهم وسيرتهم وعدم الاغترار بزخرف القول" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب أعمال القلوب، في مسألة الأعمال الظاهرة دليل على ما في القلب من صلاح أوفساد، بدلالة المخالفة. وجه الاستنباط: أعمال القلوب تظهر على الجوارح، وليست الجوارح بمعزل عما في قلوب أصحابها، فالإنسان مهما حاول إظهار محاسن الأخلاق التي لم يصدق فيها مع الله، فإن الله يظهر حقيقته مهما حاول إخفاءها، لأن الله لا ينظر إلى الصور والأشكال ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، وكما قيل: كل إناء بما فيه ينضح. قال الجصاص: "فيه تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه من حلاوة المنطق والاجتهاد في تأكيد ما يظهره، فأخبر اللّه تعالى أن من الناس من يظهر بلسانه ما يعجبك ظاهره: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٤]، وهذه صفة المنافقين مثل قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة المنافقون: ١]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [سورة المنافقون: ٤]، فأعلم اللّه تعالى نبيه ضمائرهم لئلا يغتر بظاهر أقوالهم وجعله عبرة لنا في أمثالهم لئلا نتكل على ظاهر أمور الناس وما يبدونه من أنفسهم" (٢)، ووافقهم أبو حيان والقرطبي وابن عاشور وابن عثيمين (٣).

стр. 176

قال ابن سعدي: "في هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص، ليست دليلا على صدق ولا كذب، ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس، بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وألا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم" (١). [النصح والإرشاد لا ينافي العزة] قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٦] ٣٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وعبر عن الكبرياء والحمية بالعزة؛ للإشعار بوجه الشبهة للنفس الأمارة بالسوء وهو تخيلها النصح والإرشاد ذلة تنافي العزة المطلوبة" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب دلالات الألفاظ، في مسألة النصح والإرشاد لا ينافي العزة، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: لفظ العزة من الألفاظ المحمودة، التي إذا استخدمت في غير محلها، فإنها تطغي الإنسان وتثير فيه الحمية والعصبية، وتبعده عن قبول الحق مهما كان، فتتمثلها النفس الأمارة بالسوء فتزين لصاحبها وتغريه حتى ينساق لها ظنا منه أنه على حق، فجاء التحذير من هذه الخصال، وأن العزة لا تكون إلا لله ولرسوله، وفيما يرضيهما من إقامة شرع الله. قال جمع من المفسرين: إن المراد بالعزة هي الأنفة والحمية على فعل الإثم وهو التكبر (٣). قال القرطبي: "قال قتادة: المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية، والمعنى حملته العزة على الإثم، وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية، ونظيره: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [سورة ص: ٢]، وقيل: الباء في "بِالْإِثْمِ" بمعنى اللام، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق" (٤)، وكذا قال البغوي (٥). قال الزمخشري: "أي حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وألا يخلى عنه ضرارا ولجاجا، أو على ردّ قول الواعظ" (٦).

стр. 177

[مدافعة أهل الحق للباطل والفساد رحمة من الله لهم وللعباد] قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧] ٣٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فالقرآن يصور المؤمنين عاملين بمقتضى الإيمان، ثم بين أنه ما شرع هذا إلا رأفة بعباده فقال: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)، إذ يرفع همم بعضهم ويعلي نفوسهم حتى يبذلوها في سبيله، لدفع الشر والفساد عن عباده وتقرير الحق والعدل والخير فيهم، ولولا ذلك لغلب شر أولئك المفسدين في الأرض حتى لا يبقى فيها صلاح (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [سورة البقرة: ٢٥١]، وإن هذا يؤيد ما قلناه في إزالة وهم من يتوهم أن بيع النفس يؤذن بترك الدنيا، وألا يمتع المؤمن نفسه بلذاتها، ولو كان كذلك -وهو من تكليف ما لا يطاق- لما قرنه الله تعالى باسمه الرءوف الدال على سعة رحمته بعباده، فيالله ما أعجب بلاغة كلام الله، وما أعظم خذلان المعرضين عن هداه، ومن الدقة الغريبة في هذا التعبير الموجز بيان حقيقة عظيمة وهي أن وجود هذه الأمة في الناس رحمة عامة للعباد لا خاصة بهم" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة مدافعة أهل الحق للباطل والفساد رحمة من الله لهم وللعباد، بدلالة الاقتران. وجه الاستنباط: من باعوا أنفسهم لله، وكانت حياتهم موافقة لمقتضى الإيمان، فإن حياتهم في نفسها لذة، وإن كان في ظاهرها ألم ونصب، وخلافا للتوهّم بأن ذلك ترك لملذات الدنيا، وسعادة قلوبهم بالرضا والشعور برأفة الله بهم أعظم سعادة، بل إنه لم تقتصر رحمة الله عليهم فقط، فإنهم ممن ينتفع الناس بهم، ويكونون رحمة عامة للعباد، وبوجودهم يدفع الله الشر والفساد عن الخلق، ويقرر الحق والعدل والخير فيهم، مصداقا لقول الله : (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ). قال ابن عاشور: "رؤوف بالعباد الصالحين الذين منهم من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، فالرأفة كناية عن لازمها وهو إيتاء الخيرات كالرحمة" (٢). قال الشيخ ابن سعدي: "هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفيّ الرءوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى آخر الآية، وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسأل بعد هذا عن ما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم" (٣).

стр. 178

[معرفة الأحكام لا تتحقق إلا بجمع الأدلة ومناقشتها] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٨] ٣٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "هذه كلمة عظيمة، وقاعدة لو بنى جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر الخلاف في الأمة، ذلك أنها تفيد وجوب أخذ الإسلام بجملته، بأن ننظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة، ونفهم المراد من ذلك كله ونعمل به، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر، وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن، وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب فقه كليات الشريعة، في مسألة معرفة الأحكام لا تتحقق الا بجمع الأدلة في المسألة ومناقشتها، للوصول، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: العلماء هم ورثة الأنبياء، وهم الذين لهم الحق في معرفة أحكام الشريعة واستنباطها، وهذا يتم بالنظر في كليات الشريعة وأدلتها على حد سواء، وفهمها واستخراج الأحكام من خلالها، وإن سبب كثير من الاختلافات هو إهمال الكليات والأخذ بالأدلة التفصيلية في أحكام المسائل بما يوافق مذهبا معينا ثم الاحتجاج به على الآخرين، مما يترتب عليه توسع الخلاف، وإهمال كثير من الأدلة وردها بدعوى النسخ أو التأويل. وهذا المعنى مما انفرد به الشيخ، وهو معنى بديع في تأصيله لم يتطرق إليه أهل التفسير الذين اقتصروا على المعنى العام لمعنى الدخول في السلم كافة. قال ابن جرير: "إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في"الذين آمنوا" المصدِّقون بمحمد ﷺ ، وبما جاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم"الإيمان"، فلا وجه لخصوص بعض دون بعض" (٢). ومثله ابن كثير، والبغوي، والرازي، وأبو حيان وابن سعدي (٣).

стр. 179

وجاء في شرح العقيدة الطحاوية: "يجب الدخول فيه كافة، وألا يقول المسلم إذا أسلم أنا أدخل في بعض الإسلام ولا أدخل في بعض، أو ألتزم ببعض ولا ألتزم ببعض أو أقر ببعض ولا أقر ببعض" (١). [العذر بالجهل، وأن عقوبة الله لا تنزل إلا بعد البيان] قال تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٩] ٣٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والتقييد بمجيء البينات والآيات دليل على أن من لم تبلغه الدعوة الصحيحة بالبينة والدليل لا يخاطب بهذا الوعيد، فحسبه حرمانه من هداية الأنبياء ﵈، فكيف يطالب مع ذلك بما لا يعلم، ويجعل مع من عاند الحق من بعد ظهوره له في قرن" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب التوحيد، في مسألة العذر بالجهل، وأن عقوبة الله لا تنزل إلا بعد البيان، بدلالة مفهوم المخالفة. وجه الاستنباط: دلت الآية على أن الحجة لا تقوم على الإنسان ولا يستحق عقوبة الله ما لم تبلغه الدعوة، ولا يعد كافراً بترك شيء من شعائر الدين، لأن الله رتب العقوبة على من علم علماً يقينياً ثم أعرض عناداً وكفرا، واستدل الشيخ بهذه الآية على مسألة العذر بالجهل، وهي مسألة عقدية للعلماء فيها أقوال وتفصيلات. ومن أجمل تحريرات المسألة ماقال ابن عثيمين: "الجهل نوعان: جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئاً عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي، وما كان ناشئاً عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المقتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام فإنه يعذر فيه فإن كان منتسباً إلى الإسلام، لم يضره، وإن كان منتسباً إلى الكفر، فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، يمتحن، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار" (٣). وقال: " أنه لا تقوم الحجة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلا بعد قيام البينة" (٤). ومما قاله أهل التفسير قول ابن جرير: "فإن أخطأتم الحق فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنو، فاعلموا أن الله ذو عزة، لا يمنعه من الانتقام منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكما أمره ومعصيتكم إياه دافع، حكيم فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه، بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره" (٥)، ومثله الزمخشري، وابن عطية (٦).

стр. 180

وقال الرازي: "دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد البيان وإزاحة العلة، فإذا علق الوعيد بشرط مجيء البينات وحصولها فبأن لا يجوز أن يحصل الوعيد لمن لا قدرة له على الفعل أصلا أولى، ولأن الدلالة لا ينتفع بها إلا أولوا القدرة، وقد ينتفع بالقدرة مع فقد الدلالة، وقال: دلت الآية على أن المعتبر حصول البينات لا حصول اليقين من المكلف فمن هذا الوجه دلت الآية على أن المتمكن من النظر والاستدلال يلحقه الوعيد كالعارف، فبطل قول من زعم أن لا حجة لله على من يعلم ويعرف" (١). ومثله ابن عاشور (٢). قال القرطبي: "وفى الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع" (٣). [قبول الحق والعمل به توفيق وهداية من الله] قال تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٩] ٣٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي هذه من الهداية أيضا بيان أمر عظيم يغفل عنه العلماء والأذكياء، وهو أن الآيات والبينات إنما تفيد النفوس الخيرة المستعدة لقبول الحق المتوجهة إلى طلبه، وأما النفوس الخبيثة التي يفضحها الحق ويظهر باطلها الذي تحب ستره، والاسترسال فيما هي فيه من اللذة الحسية والجاه الباطل؛ فإن الآيات والبينات لا تزيدها إلا مماراة وجدلا في القول وجحودا وعنادا بالفعل. هذه سنة الله تعالى في البشر عامة، لا في بني إسرائيل خاصة" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب سنن الله الإلهية، في مسألة قبول الحق والعمل به توفيق وهداية من الله ، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: بينت الآية الفرق بين نفوس أهل الحق وأهل الباطل في قبول الحق، فأهل الحق دائماً نفوسهم مقبلة على الحق ومتوجهة إليه، أما أهل الباطل يضمرون الخبث في نفوسهم ولا ينتفعون بالهدايات المرسلة، ولا تزيدهم إلا عناداً وكفراً. وقد ورد في نصوص الشريعة ما يشهد لهذا الاستنباط من الشيخ أن النفوس الصادقة والباحثة عن الحق يوفقها الله للهداية، وأن النفوس المستكبرة والمعرضة تحرم من هذه الهداية، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٣].
следующие страницы →