قال ابن سعدي: "في هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص، ليست دليلا على صدق ولا كذب، ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس، بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وألا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم" (١).
[النصح والإرشاد لا ينافي العزة]
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٦]
٣٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وعبر عن الكبرياء والحمية بالعزة؛ للإشعار بوجه الشبهة للنفس الأمارة بالسوء وهو تخيلها النصح والإرشاد ذلة تنافي العزة المطلوبة" (٢).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب دلالات الألفاظ، في مسألة النصح والإرشاد لا ينافي العزة، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: لفظ العزة من الألفاظ المحمودة، التي إذا استخدمت في غير محلها، فإنها تطغي الإنسان وتثير فيه الحمية والعصبية، وتبعده عن قبول الحق مهما كان، فتتمثلها النفس الأمارة بالسوء فتزين لصاحبها وتغريه حتى ينساق لها ظنا منه أنه على حق، فجاء التحذير من هذه الخصال، وأن العزة لا تكون إلا لله ولرسوله، وفيما يرضيهما من إقامة شرع الله.
قال جمع من المفسرين: إن المراد بالعزة هي الأنفة والحمية على فعل الإثم وهو التكبر (٣).
قال القرطبي: "قال قتادة: المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية، والمعنى حملته العزة على الإثم، وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية، ونظيره: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [سورة ص: ٢]، وقيل: الباء في "بِالْإِثْمِ" بمعنى اللام، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق" (٤)، وكذا قال البغوي (٥).
قال الزمخشري: "أي حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وألا يخلى عنه ضرارا ولجاجا، أو على ردّ قول الواعظ" (٦).
стр. 177
[مدافعة أهل الحق للباطل والفساد رحمة من الله لهم وللعباد]
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧]
٣٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فالقرآن يصور المؤمنين عاملين بمقتضى الإيمان، ثم بين أنه ما شرع هذا إلا رأفة بعباده فقال: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)، إذ يرفع همم بعضهم ويعلي نفوسهم حتى يبذلوها في سبيله، لدفع الشر والفساد عن عباده وتقرير الحق والعدل والخير فيهم، ولولا ذلك لغلب شر أولئك المفسدين في الأرض حتى لا يبقى فيها صلاح (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [سورة البقرة: ٢٥١]، وإن هذا يؤيد ما قلناه في إزالة وهم من يتوهم أن بيع النفس يؤذن بترك الدنيا، وألا يمتع المؤمن نفسه بلذاتها، ولو كان كذلك -وهو من تكليف ما لا يطاق- لما قرنه الله تعالى باسمه الرءوف الدال على سعة رحمته بعباده، فيالله ما أعجب بلاغة كلام الله، وما أعظم خذلان المعرضين عن هداه، ومن الدقة الغريبة في هذا التعبير الموجز بيان حقيقة عظيمة وهي أن وجود هذه الأمة في الناس رحمة عامة للعباد لا خاصة بهم" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة مدافعة أهل الحق للباطل والفساد رحمة من الله لهم وللعباد، بدلالة الاقتران.
وجه الاستنباط: من باعوا أنفسهم لله، وكانت حياتهم موافقة لمقتضى الإيمان، فإن حياتهم في نفسها لذة، وإن كان في ظاهرها ألم ونصب، وخلافا للتوهّم بأن ذلك ترك لملذات الدنيا، وسعادة قلوبهم بالرضا والشعور برأفة الله بهم أعظم سعادة، بل إنه لم تقتصر رحمة الله عليهم فقط، فإنهم ممن ينتفع الناس بهم، ويكونون رحمة عامة للعباد، وبوجودهم يدفع الله الشر والفساد عن الخلق، ويقرر الحق والعدل والخير فيهم، مصداقا لقول الله : (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ).
قال ابن عاشور: "رؤوف بالعباد الصالحين الذين منهم من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، فالرأفة كناية عن لازمها وهو إيتاء الخيرات كالرحمة" (٢).
قال الشيخ ابن سعدي: "هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفيّ الرءوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى آخر الآية، وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسأل بعد هذا عن ما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم" (٣).
стр. 178
[معرفة الأحكام لا تتحقق إلا بجمع الأدلة ومناقشتها]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٨]
٣٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "هذه كلمة عظيمة، وقاعدة لو بنى جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر الخلاف في الأمة، ذلك أنها تفيد وجوب أخذ الإسلام بجملته، بأن ننظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة، ونفهم المراد من ذلك كله ونعمل به، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر، وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن، وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب فقه كليات الشريعة، في مسألة معرفة الأحكام لا تتحقق الا بجمع الأدلة في المسألة ومناقشتها، للوصول، بدلالة اللزوم.
وجه الاستنباط: العلماء هم ورثة الأنبياء، وهم الذين لهم الحق في معرفة أحكام الشريعة واستنباطها، وهذا يتم بالنظر في كليات الشريعة وأدلتها على حد سواء، وفهمها واستخراج الأحكام من خلالها، وإن سبب كثير من الاختلافات هو إهمال الكليات والأخذ بالأدلة التفصيلية في أحكام المسائل بما يوافق مذهبا معينا ثم الاحتجاج به على الآخرين، مما يترتب عليه توسع الخلاف، وإهمال كثير من الأدلة وردها بدعوى النسخ أو التأويل.
وهذا المعنى مما انفرد به الشيخ، وهو معنى بديع في تأصيله لم يتطرق إليه أهل التفسير الذين اقتصروا على المعنى العام لمعنى الدخول في السلم كافة.
قال ابن جرير: "إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في"الذين آمنوا" المصدِّقون بمحمد ﷺ ، وبما جاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم"الإيمان"، فلا وجه لخصوص بعض دون بعض" (٢). ومثله ابن كثير، والبغوي، والرازي، وأبو حيان وابن سعدي (٣).
стр. 179
وجاء في شرح العقيدة الطحاوية: "يجب الدخول فيه كافة، وألا يقول المسلم إذا أسلم أنا أدخل في بعض الإسلام ولا أدخل في بعض، أو ألتزم ببعض ولا ألتزم ببعض أو أقر ببعض ولا أقر ببعض" (١).
[العذر بالجهل، وأن عقوبة الله لا تنزل إلا بعد البيان]
قال تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٩]
٣٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والتقييد بمجيء البينات والآيات دليل على أن من لم تبلغه الدعوة الصحيحة بالبينة والدليل لا يخاطب بهذا الوعيد، فحسبه حرمانه من هداية الأنبياء ﵈، فكيف يطالب مع ذلك بما لا يعلم، ويجعل مع من عاند الحق من بعد ظهوره له في قرن" (٢).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب التوحيد، في مسألة العذر بالجهل، وأن عقوبة الله لا تنزل إلا بعد البيان، بدلالة مفهوم المخالفة.
وجه الاستنباط: دلت الآية على أن الحجة لا تقوم على الإنسان ولا يستحق عقوبة الله ما لم تبلغه الدعوة، ولا يعد كافراً بترك شيء من شعائر الدين، لأن الله رتب العقوبة على من علم علماً يقينياً ثم أعرض عناداً وكفرا، واستدل الشيخ بهذه الآية على مسألة العذر بالجهل، وهي مسألة عقدية للعلماء فيها أقوال وتفصيلات.
ومن أجمل تحريرات المسألة ماقال ابن عثيمين: "الجهل نوعان: جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئاً عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي، وما كان ناشئاً عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المقتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام فإنه يعذر فيه فإن كان منتسباً إلى الإسلام، لم يضره، وإن كان منتسباً إلى الكفر، فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، يمتحن، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار" (٣). وقال: " أنه لا تقوم الحجة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلا بعد قيام البينة" (٤).
ومما قاله أهل التفسير قول ابن جرير: "فإن أخطأتم الحق فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنو، فاعلموا أن الله ذو عزة، لا يمنعه من الانتقام منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكما أمره ومعصيتكم إياه دافع، حكيم فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه، بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره" (٥)، ومثله الزمخشري، وابن عطية (٦).
стр. 180
وقال الرازي: "دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد البيان وإزاحة العلة، فإذا علق الوعيد بشرط مجيء البينات وحصولها فبأن لا يجوز أن يحصل الوعيد لمن لا قدرة له على الفعل أصلا أولى، ولأن الدلالة لا ينتفع بها إلا أولوا القدرة، وقد ينتفع بالقدرة مع فقد الدلالة، وقال: دلت الآية على أن المعتبر حصول البينات لا حصول اليقين من المكلف فمن هذا الوجه دلت الآية على أن المتمكن من النظر والاستدلال يلحقه الوعيد كالعارف، فبطل قول من زعم أن لا حجة لله على من يعلم ويعرف" (١). ومثله ابن عاشور (٢).
قال القرطبي: "وفى الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع" (٣).
[قبول الحق والعمل به توفيق وهداية من الله]
قال تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٠٩]
٣٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي هذه من الهداية أيضا بيان أمر عظيم يغفل عنه العلماء والأذكياء، وهو أن الآيات والبينات إنما تفيد النفوس الخيرة المستعدة لقبول الحق المتوجهة إلى طلبه، وأما النفوس الخبيثة التي يفضحها الحق ويظهر باطلها الذي تحب ستره، والاسترسال فيما هي فيه من اللذة الحسية والجاه الباطل؛ فإن الآيات والبينات لا تزيدها إلا مماراة وجدلا في القول وجحودا وعنادا بالفعل. هذه سنة الله تعالى في البشر عامة، لا في بني إسرائيل خاصة" (٤).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب سنن الله الإلهية، في مسألة قبول الحق والعمل به توفيق وهداية من الله ، بدلالة التضمن.
وجه الاستنباط: بينت الآية الفرق بين نفوس أهل الحق وأهل الباطل في قبول الحق، فأهل الحق دائماً نفوسهم مقبلة على الحق ومتوجهة إليه، أما أهل الباطل يضمرون الخبث في نفوسهم ولا ينتفعون بالهدايات المرسلة، ولا تزيدهم إلا عناداً وكفراً.
وقد ورد في نصوص الشريعة ما يشهد لهذا الاستنباط من الشيخ أن النفوس الصادقة والباحثة عن الحق يوفقها الله للهداية، وأن النفوس المستكبرة والمعرضة تحرم من هذه الهداية، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٣].
стр. 181
وهذا الاستنباط مما تفرد به الشيخ، فلم أجد فيما وقفت عليه من كتب التفسير من تكلم عنه أو أشار إليه.
[التدرج منهج الأنبياء في الدعوة إلى الحق]
قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [سورة البقرة: ٢١٣]
٤٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "قال تعالى: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)، الإتيان بهذه القضية بعد وصف الأنبياء بالمبشرين المنذرين يدل على أن التبشير والإنذار عمل يسبق إنزال الكتب وهو حق؛ لأن الأنبياء أول ما يبعثون ينبهون قومهم إلى ما غفلوا عنه، ويحذرونهم عاقبة ما يكونون فيه من عادة سيئة أو خلق قبيح أو عمل غير صالح، فإذا تهيأت الأذهان لقبول ما بعد ذلك من تشريع الأحكام وتحديد الحدود، أنزل الله الكتب لبيان ما يريد حمل الناس عليه مما هو صالح لهم على حسب استعدادهم" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الحكمة في دعوة الأنبياء لأقوامهم، في مسألة التدرج هو منهج الأنيباء في الدعوة إلى الحق، بدلالة العطف والتقديم في الذكر.
وجه الاستنباط: وظيفة الأنبياء هي البشارة والنذارة لأمر عظيم قامت عليه الحكمة من خلق الله لهم، واحتاج هذا إلى تهيئة عقولهم وأنفسهم لقبول هذا الأمر، وبالتالي قبول الشرائع المنزلة في الكتب على الأنبياء بعد ذلك، وما فيها من بيان للعقائد الصحيحة وتحليل الحلال وتحريم الحرام، والعمل بها لتحقيق غاية العبودية لله.
وهذا المعنى أشار إليه أبو حيان حيث قال: "وقدم البشارة لأنها أبهج للنفس، وأقبل لما يلقي النبي، وفيها اطمئنان المكلف، والوعد بثواب ما يفعله من الطاعة، ومنه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [سورة مريم: ٩٧]، وانتصاب: مبشرين ومنذرين، على الحال المقارنة، وأنزل معهم الكتاب بالحق: معهم حال من الكتاب، وليس تعمل فيه أنزل، إذ كان يلزم مشاركتهم له في الإنزال، وليسوا متصفين، وهي حال مقدرة أي: وأنزل الكتاب مصاحبا لهم وقت الإنزال لم يكن مصاحبا لهم، لكنه انتهى إليهم، والكتاب: إما أن تكون أل فيه للجنس، وإما أن تكون للعهد على تأويل: معهم، بمعنى مع كل واحد منهم، أو على تأويل أن يراد به واحد معين من الكتب، وهو التوراة" (٢)، ومثله قال أبو السعود (٣).
стр. 182
[دلالة الآية على تحريم الخمر والميسر ظنية]
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [سورة البقرة: ٢١٩]
٤١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ثم فطنت بعد ذلك إلى قاعدة عظيمة من قواعد التشريع الإسلامي بينتها في المنار وفي التفسير واستدللت عليها بهذه الآية، وهي أن ما كانت دلالته على التحريم من النصوص ظنية غير قطعية لا يجعل تشريعا عاما تطالب به كل الأمة، وإنما يعمل فيه كل واحد باجتهاده، فمن فهم منه الدلالة على تحريم شيء امتنع منه، ومن لم يفهم منه ذلك جرى فيه على أصل الإباحة، ودلالة هذه الآية على تحريم الخمر والميسر ظنية، ولذلك عمل فيها الصحابة باجتهادهم - على اختلافهم فيه - وأقرهم النبي ﷺ على ذلك، وبقي عمر بن الخطاب يدعو الله أن يبين للأمة في الخمر بيانا شافيا حتى نزلت آية سورة المائدة كما تقدم آنفا، فترك جميع الصحابة الخمر والميسر؛ لأن دلالتها قطعية لا مراء فيها" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب دلالة النصوص على الأحكام، في مسألة دلالة الآية على تحريم الخمر والميسر ظنية، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: دلالة النصوص على الأحكام، إما أن تكون قطعية وإما أن تكون ظنية، كما هو مقرر في علم أصول الفقة، ودلالة التحريم في هذه الآية ظنية غير قطعية، وقد عمل فيه كل صحابي باجتهاده، فمن فهم الدلالة على التحريم امتنع، ومن لم يفم منه ذلك جرى فيه على قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، ولذا لم تجعل تشريعا عاما، ولم تطالب به كل الأمة.
وهذا الاستنباط من مسائل علم أصول الفقه (٢)، ولم يشر إليه أحد من المفسرين، بينما أشار بعضهم إلى: هل الآية تدل على التحريم أوعدمه؟، كما قال أبو حيان: "واختلف المفسرون: هل تدل هذه الآية على تحريم الخمر والميسر أم لا تدل؟ والظاهر أنها تدل على ذلك، والمعنى: قل في تعاطيهما إثم كبير، أي: حصول إثم كبير، فقد صار تعاطيهما من الكبائر، ومن قال: لا تدل على التحريم، استدل بقوله: ومنافع للناس، والمحرم لا يكون فيه منفعة، ولأنها لو دلت على التحريم لقنع الصحابة بها، وهم لم يقنعوا حتى نزلت آية المائدة، وآية التحريم في الصلاة، وأجيب بأن المحرم قد يكون فيه منفعة عاجلة في الدنيا، وبأن بعض الصحابة سأل أن ينزل التحريم بالأمر الواضح الذي لا يلتبس على أحد، فيكون آكد في التحريم" (٣). ونقل ذلك أيضا ابن عاشور (٤).
стр. 183
[تقديم العلة على الحكم وترتيبه عليها]
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [سورة البقرة: ٢٢٢]
٤٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "قدم العلة على الحكم ورتبه عليها ليؤخذ بالقبول من المتساهلين الذين يرون الحجر عليهم تحكما، ويعلم أنه حكم للمصلحة لا للتعبد كما عليه اليهود، والمراد من النهي عن القرب النهي عن لازمه الذي يقصد منه وهو الوقاع " (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب طرق الاستدلال، في مسألة تقديم العلة على الحكم وترتيبه عليها، من تقديم علة الحيض على حكمه، من دلالة اللزوم.
وجه الاستنباط: الأمر باعتزال النساء، لا يعني عدم مخالطتهن، وإنما النهي عن قربهن أي مواقعتهن، لما في المواقعة من الأذى والضرر عليهما جميعا، فإن سلم منه الرجل فلا تكاد تسلم منه المرأة، لأن الغشيان يزعج أعضاء النسل فيها إلى ما ليست مستعدة له ولا قادرة عليه، لاشتغالها بوظيفة طبيعية أخرى وهي إفراز الدم المعروف بالحيض، وليعلم أن الأخذ بهذا ليس تحكما، وإنما هو للمصلحة العامة لكليهما، وفي هذا إيقاع للحكم وقد تهيأت النفوس للاستعداد له، وقبوله، وفيه أن الحكم مصلحُ أكثر من أنه تعبدي.
قال الزمخشري: "فاجتنبوا مجامعتهم لقوله ﵊ إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم وهو الاقتصاد بين إفراط اليهود وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض وإنما وصفه بأنه أذى ورتب الحكم عليه بالفاء إشعارا بأنه العلة)، (ولا تقربوهن حتى يطهرن) تأكيد للحكم وبيان لغايته" (٢).
قال ابن عاشور: "تفريع الحكم على العلة، والاعتزال التباعد بمعزل وهو هنا كناية عن ترك مجامعتهن" (٣).
وقال ابن عثيمين: "قدم العلة على الحكم لتنفر النفوس من الفعل قبل الحكم به؛ فيقع الحكم وقد تهيأت النفوس للاستعداد له، وقبوله" (٤).
стр. 184
[النهي عن إتيان النساء في غير المأتى]
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [سورة البقرة: ٢٢٢]
٤٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهذا التعبير على لطفه ونزاهته وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من قوله : (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) أو بيان له، فهو يقول: إنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر وأسباب المثوبة والقربة إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد، كما يحفظ النبات بالحرث والزرع، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودا لذاته فتأتوا النساء في المحيض حيث لا استعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى، وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب مقاصد الشريعة، في مسألة النهي عن إتيان النساء في غير المأتى (وهو الدبر)، بدلالة التضمن.
وجه الاستنباط: الأمر بإتيان النساء حيث أمر الله، شرعا وقدرا، يتضمن معنى وحكما يحقق مقصد الشريعة في حفظ النسل، وفي هذا الأمر نهي ضمني عن إتيانهن في غير الموضع المهيأ لهذه المهمة، لأن فيه تعطيلاً للحكمة من الوطء وهي تحقق الولد، وحفظ النسل، وهذا مقصد شرعي يستحق الإشارة إليه والعناية به.
قال ابن عباس (٢): "وطؤوهن في الفرج ولا تعدوه إلى غيره" (٣).
قال ابن جرير: "فأتوا نساءكم إذا تطهرن من الوجه الذي نهيتكم عن إتيانهن منه في
حال حيضهن، وذلك الفرج الذي أمر الله بترك جماعهن فيه في حال الحيض" (٤).
стр. 185
وقال الكيا (١): … "يدل على أن في المأتي اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد" (٢)، ومثله القرطبي (٣).
[الموازنة بين أدب المطلقة وحفظ حقها]
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨]
٤٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي التعبير بقوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) من الإبداع في الإشارة، والنزاهة في العبارة، ما عهد في كل القرآن، ولم يبلغ مراعاة مثله إنسان، فالكلام في المطلقات وهن معرضات للزواج، وخلو من الأزواج، والأنسب فيه ترك التصريح بما يتشوقن إليه، والاكتفاء بالكناية عما يرغبن فيه، على إقرارهن عليه وعدم إيئاسهن منه، مع اجتناب إخجالهن، وتوقي تنفيرهن أو التنفير منهن، وقد جمع هذه المعاني قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) على ما فيه من الإيجاز، الذي هو من مواقع الإعجاز، فأفاد أنه يجب عليهن أن يملكن رغبتهن، ويكففن جماح أنفسهن، إلى تمام المدة الممدودة، والعدة المعدودة، ولكن بطريق الرمز والتلويح لا بطريق الإبانة والتصريح " (٤).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب دلالات الألفاظ، في مسألة الموازنة بين أدب المطلقة وحفظ حقها، بدلالة اللفظ.
وجه الاستنباط: الأمر بالتربص وتقييده بلفظ أنفسهن خاصة كان جامعا لمعان ثلاثة؛ تشوق المرأة للرجل، وأن هذا حق لها، وأن حياءهن يمنعهن من التصريح، وكذا التوجيه لمن حولهن فلا ينفر منهن ولا ينفرهن، كل هذه المعاني جمعها هذا التعبير، فكأنه أشار بطريق غير مباشر أن يكبحن شهواتهن إلى انتهاء العدة المشروعة ولا يتسرعن في انقضائها لتلبية رغباتهن.
стр. 186
قال الزمخشري: "في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص" (١)، ومثله البيضاوي، والنسفي، وابن عاشور، وابن عثيمين (٢).
[اعتبار العرف فيما لم يثبت تحديده من الحقوق الزوجية بالكتاب والسنة]
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨]
٤٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والآية تدل على اعتبار العرف في حقوق كل من الزوجين على الآخر ما لم يحل العرف حراما أو يحرم حلالا مما عرف بالنص، والعرف يختلف باختلاف الناس والأزمنة"، (وبعد أن أورد بعض أقوال الفقهاء) قال: "إن هذه مبالغة في إعفائهن من التكاليف الواجبة عليهن في حكم الشرع والعرف، يقابلها المبالغة في وضع التكاليف عليهن بالفعل، ولكن الجاهلين بالمذاهب الفقهية يتهمون رجالها بهضم حقوق النساء، وما هو إلا غلبة التقاليد والعادات مع عموم الجهل" (٣).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب طرق الاستدلال، في مسألة حجية العرف (٤) والاعتبار به فيما لم يثبت تحديده بالكتاب والسنة، بدلالة منطوق الآية.
стр. 187
وجه الاستنباط: دلت الآية على أن الحقوق بين الزوجين ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، وما عداها فإنه يؤخذ مما تعارف عليه الناس في كل زمان، لتتحقق لهم السعادة، وهذا ما يعبر عنه عند العلماء بحجية العرف في الأحكام وأنه أصل من أصول الأحكام في الإسلام، لأن هناك من الأمور المتعارف عليها ما تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وعليها تبنى الأحكام الخاصة بها، والحقوق الزوجية مما يختلف فيها فيرجع إلى العرف.
فالعرف معمول به في الشريعة إذا لم يرد في الشرع تحديد لحكم ما، أو تفسير لحكم ما، بكلام الله تعالى ورسوله، فما جرى به العرف وعمل به الناس ما لم يخالف الشرع فهو محكّمٌ وهذا معنى قول الفقهاء العادة محكمة يعني معمول بها، فإذا نص الشارع على حكم وعلق به شيئاً فإن نص على حده وتفسيره رجعنا إليه، فهناك أمور محدودة كالزكاة مثلاً وأنصبتها هذا كله محدود في الشرع، وأما الذي لم يحد في النص، فإنه يرجع فيه إلى العرف الجاري (١).
قال الشيخ ابن عثيمين: "ومن فوائد الآية: اعتبار العرف بين الناس؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ وهذا ما لم يخالف الشرع؛ فإن خالفه رد إلى الشرع" (٢).
وهذا مما تفرد به الشيخ، حيث لم أجد أحداً أشار إليه فيما اطلعت عليه.
[اعتبار العلة في بيان حق المطلقة في إرضاع ولدها]
قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]
٤٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهنا وجه (رابع) لترجيح هذا القول ظهر لي الآن؛ وهو تعليل الحكم بالنهي عن المضارة بالولد، وإنما تضار بذلك المطلقة دون التي في العصمة، فبين أن للمطلقة الحق في إرضاع ولدها كسائر الوالدات، وأنه ليس للمطلق منعها منه وهو عرضة لهذا المنع" (٣).
стр. 188
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب المقاصد، في مسألة اعتبار العلة في بيان حق المطلقة في إرضاع ولدها، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: النهي في الآية عام بسبب الولد، لا يقيد ولا يخصص بوقت دون وقت أو حال دون حال أو شخص دون شخص، وأن للمطلقة الحق في إرضاع ولدها، وليس للمطلق منعها من هذا وهو قادر على هذا المنع، لأن كلمة (تضار) تحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول وهي للمشاركة، وإنما أسندت إلى كل واحد من الوالدين للإيذان بأن إضراره بالآخر بسبب الولد إضرار بنفسه، ومنه أنه يتضمن ضر الولد أو يستلزمه، وكيف تحسن تربية ولد بين أبوين همّ كل واحد منهما إيذاء الآخر وضرره به.
وهذا الاستنباط وبيان الطريقة التي استخدمها الشيخ لم يشر إليها أحد من المفسرين، وإنما أشاروا إلى الأقوال في المسألة وأدلتهم، ومن ذلك قول ابن عاشور حيث قال: "ومن العلماء من تأول الوالدات على العموم، سواء كن في العصمة أو بعد الطلاق كما في القرطبي والبيضاوي، ويظهر من كلام ابن الفرس في «أحكام القرآن» أنّ هذا قول مالك، وقال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: إن قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ محمول على عمومه في ذات الزوج وفي المطلقة مع عسر الأب، ولم ينسبه إلى مالك، ولذلك قال ابن عطية: قوله: ﴿يرضعن﴾ خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على الندب والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه، والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها في العصمة يستدل له بغير هذه الآية، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات اللائي في العصمة قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ الآية، فإن اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة" (١).
[الأولاد ينسبون إلى آبائهم بدلالة لفظ (الأب)]
قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣].
стр. 189
٤٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "المولود له هو الأب، ووجه اختيار هذا التعبير على لفظ الوالد والأب هو الإشعار بأن الأولاد لآبائهم، لهم يدعون وإليهم ينسبون، فالتعبير بالمولود له مقابل التعبير بالوالدات، واختير للتنبيه على علة وجوب النفقة كأنه يقول: إن هؤلاء الوالدات قد حملن وولدن لك أيها الرجل، وهذا الولد الذي يرضعنه ينسب إليك، ويحفظ سلسلة نسبك من دونهن، فعليك أن تنفق عليهن ما يكفيهن حاجات المعاش من الطعام واللباس ليقمن بذلك حق القيام، فاختيار لفظ (الْمَوْلُودِ لَهُ) هنا على لفظ الأب والوالد هو الذي تقضي به البلاغة قضاء مبرما، وبه يستفاد ما لا يستفاد بهما، وأين نجد هذه الدقة في غير القرآن العزيز" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا لغويا، في باب دلالات الألفاظ، في مسألة الأولاد ينسبون إلى آبائهم بدلالة لفظ (الأب) بدلالة المقابلة.
وجه الاستنباط: بلاغة القرآن في التعبير بأساليب متنوعة تضفي على المفردات معاني عظيمة وأحكاما جليلة، وهنا جاء بألفاظ متقابلة لكن لكل منها أحكاما خاصة، فالوالدات هن من حملن وولدن، وجاء في مقابلتهن المولود وهو الأب الذي ينتسب إليه الأولاد وتجب عليه نفقتهم.
قال الزمخشري: "وعلى المولود له أي الوالد فإن الولد يولد له وينسب اليه وتغيير العبارة للإشارة الى المعنى المقتضى لوجوب الإرضاع ومؤنة المرضعة عليه" (٢).
وقال الرازي: " (الْمَوْلُودِ لَهُ) هو الوالد وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه وذكر منها:
أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه على ما قال ﷺ (الولد للفراش)، فكأنه قال إذا ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه وجب عليه رعاية مصالحه فهذا تنبيه على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر.
وأيضا: أنه قيل في تفسير قوله: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٠] أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد فكان الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة فكذا ههنا ذكر الوالد بلفظ المولود له تنبيهاً على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب فكان نقصه عائداً إليه ورعاية مصالحه لازمة له كما قيل كلمة لك وكلمة عليك" (٣).
стр. 190
وقال أبو حيان: "جاء بلفظ: المولود له، لما في ذلك من إعلام الأب ما منح الله له وأعطاه، إذ اللام في: له، معناها شبه التمليك كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ وهو أحد المعاني التي ذكرناها في اللام في أول الفاتحة، ولذلك يتصرف الوالد في ولده بما يختار، وتجد الولد في الغالب مطيعاً لأبيه، ممتثلاً ما أمر به، منفذاً ما أوصى به، فالأولاد في الحقيقة هم للآباء، وينتسبون إليهم لا إلى أمهاتهم" (١).
قال ابن عاشور: "وعبر عن الوالد بالمولود له، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم؛ لأن منافع الولد منجرة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها" (٢).
[تجديد نشاط وفهم القارئ والسامع للقرآن في الصلاة وغيرها]
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٨]
٤٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وقد خطر لي وجه آخر هو الذي يطرد في أسلوب القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض، من عقائد، وحكم، ومواعظ، وأحكام تعبدية، ومدنية، وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارئ، والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما، واعتبارهما في الصلاة وغيرها" (٣).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا في أصوليا، في باب مقاصد القرآن والمزج بينها، في مسألة تجديد نشاط وفهم القارئ والسامع للقرآن في الصلاة وغيرها، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: الفصل بهذه الآية التي تأمر بالمحافظة على الصلاة وكذا صلاة الخوف، وبين آيات الطلاق، أنها جاءت على أسلوب القرآن الكريم المطرد، في الفصل بين الموضوعات، لتجديد النشاط والانتباه للأحكام، فالقرآن كتاب موعظة وتذكرة، وليس كتاب تدريس.
قال ابن عاشور: "الانتقال من غرض إلى غرض، في آي القرآن، لا تلزم له قوة ارتباط، لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب وتفريع المسائل بعضها على بعض ولكنه كتاب تذكير، وموعظة فهو مجموع ما نزل من الوحي في هدي الأمة، وتشريعها وموعظتها، وتعليمها، فقد يجمع فيه الشيء للشيء، من غير لزوم ارتباط، وتفرع مناسبة، وربما كفى في ذلك نزول الغرض الثاني، عقب الغرض الأول، أو تكون الآية مأمورا بإلحاقها بموضع معين" (٤).
стр. 191
فإن قال قائل: ما وجه ارتباط هاتين الآيتين بما يتعلق بشأن العدة للنساء؟ فالجواب: أن ترتيب الآيات توقيفي ليس للعقل فيه مجال؛ والله أعلم بما أراد؛ وقد التمس بعض المفسرين حكمة لهذا؛ ولكن لما لم يتعين ما ذكره أحجمنا عن ذكرها؛ ونَكِلُ العلم إلى منزل هذا لكتاب العظيم، ونعلم أنه لابد أن يكون هناك حكمة، أو حِكَم؛ لأن الله حكيم عليم (١).
[صفات الملك الذاتية المؤهلة للملك]
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ [سورة البقرة: ٢٤٧]
٤٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والمتبادر عندي أن معناه فضّله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك، ولا ينافي هذا كون اختياره كان بوحي من الله، وتوفيق الله تعالى الأسباب له، وهو ما يعبر عنه بقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) "، "وقد قدم الأركان الثلاثة على الرابع؛ لأنها تتعلق بمواهب الرجل الذي اختير ملكا فأنكر القوم اختياره فهي المقصودة بالجواب، وأما توفيق الله تعالى بتسخير الأسباب التي لا عمل له فيها لسعيه فليس من مواهبه ومزاياه فتقدم في أسباب اختياره، وإنما تذكر تتمة للفائدة وبيانا للحقيقة؛ ولذلك ذكرت قاعدة عامة لا وصفا له" (٢).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب السياسة الشرعية، في مسألة صفات الملك الذاتية المؤهلة للملك، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: أن الله بين أسباب اختيار الله للملك، وهي أربعة: (١) الاستعداد الفطري (٢) السعة في العلم الذي يكون به التدبير (٣) بسطة الجسم المعبر بها عن صحته وكمال قواه المستلزم ذلك لصحة الفكر، وللشجاعة والقدرة على المدافعة وللهيبة والوقار (٤) اختيار الله له، وتوفيقه لذلك، ليبين أنها هي الأساس فيمن يتولى الملك.
قال ابن كثير: "ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه" (٣).
стр. 192
وقال الألوسي: "لا تستبعدوا تملكه عليكم لفقره، أما أولا فلأن ملاك الأمر هو اصطفاء اللّه تعالى وقد اصطفاه واختاره وهو سبحانه أعلم بالمصالح لكم، وأما ثانيا فلأن العمدة وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية، وجسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب وأقوى على كفاح الأعداء ومكابدة الحروب لا ما ذكرتم وقد خصه اللّه تعالى بحظ وافر منهم، وأما ثالثا فلأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق وللمالك أن يمكن من شاء من التصرف في ملكه بإذنه، وأما رابعا فلأنه سبحانه واسع الفضل يوسع على الفقير فيغنيه عَلِيمٌ بما يليق بالملك من النسيب وغيره، وفي تقديم البسطة في العلم على البسطة في الجسم إيماء إلى أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف من الفضائل الجسمانية" (١).
قال ابن عاشور: "أعلمهم نبيهم أن الصفات المحتاج إليها في سياسة أمر الأمة ترجع إلى أصالة الرأي، وقوة البدن، وقدم النبي في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم، ولم يجيبهم نبيهم عن قوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ اكتفاء بدلالة اقتصاره على قوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾؛ فإنه يبسطه العلم وبالنصر يتوافر له المال، ولأن الملك ولو كان ذا ثروة، فثروته لا تكفي لإقامة أمور المملكة ولهذا لم يكن من شرط ولاة الأمور من الخليفة فما دونه أن يكون ذا سعة" (٢).
قال ابن عثيمين: "إن الملك تتوطد أركانه إذا كان للإنسان مزية في حسبه، أو نسبه، أو علمه" (٣).
[أسباب تحصيل السعادة والحياة الطيبة ذاتية داخلية]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤]
٥٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن السعادة الدنيوية الحقيقية التي يعرفها الشرع ويؤيده الاختبار والعقل، هي في الأنفس لا في الآفاق؛ أعني أنها لا تنال بإسعاد الأخلاء، ولا بشفاعة الشفعاء، إنما العمدة فيها على اعتدال النفس في أخلاقها وأعمالها، وصحة عقائدها ومعارفها، ويتبع هذا في الغالب صحة الجسم، وسهولة طرق الرزق، والسلامة من الخرافات والأوهام التي تفتك بالعقول والأجسام" (٤).
стр. 193
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة أسباب تحصيل السعادة والحياة الطيبة ذاتية داخلية، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: أن الإيمان بالله والإنفاق في سبيله مما رزق طاعة وقربة له، وبها تتحقق الحياة الطيبة والسعادة في الدنيا، والأجر العظيم في الآخرة، وذلك أنها جمعت حسن العبادة وسلامة المعتقد وصلاح النفس وطيب الأخلاق، وأما كنز المال والإكثار من الأصحاب والأخلاء، فإنها وإن نفعت في الدنيا أحيانا، فإنها مما لا ينفع لا في الدنيا ولا يوم القيامة حقيقة، بل يكونا وبالا على من حرص على جمعهما.
وهذا الاستنباط مما انفرد به الشيخ ولم أجد أحداً من المفسرين ذكره أو أشار إليه، والذي يظهر لي أن الشيخ بنى استنباطه هذا على تقدير أن الإيمان بالله والإنفاق من رزق الله يحقق الحياة الطيبة، وأن تحقيقها لا يتم بالمال ولا بالصحبة ولا بالشفعاء في الدنيا بله الآخرة.
قال ابن جرير: "أعلمهم تعالى ذكره أن ذلك اليوم مع ارتفاع العمل الذي ينال به رضى الله أو الوصول إلى كرامته بالنفقة من الأموال، إذ كان لا مال هنالك يمكن إدراك ذلك به يوم لا مخالة فيه نافعة كما كانت في الدنيا، فإن خليل الرجل في الدنيا قد كان ينفعه فيها بالنصرة له على من حاوله بمكروه وأراده بسوء، والمظاهرة له على ذلك، فآيسهم تعالى ذكره أيضا من ذلك" (١).
[لفظة الكفر والظلم في القرآن تشمل الأكبر والأصغر منهما]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤]
٥١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "أن هذا الكفر والظلم مما يتهاون فيه المسلمون في هذه الأزمنة وفي أزمنة قبلها؛ لظنهم أن جميع ما في القرآن من وعيد الكافرين يراد به الكافرون بالمعنى الخاص في اصطلاح المتكلمين والفقهاء وهم الجاحدون للألوهية أو للنبوة أو لشيء مما جاء به النبي ﷺ وعلم من الدين بالضرورة إجماعا، وهذه الآية نفسها تبطل ظنهم وفي معناها آيات كثيرة" (٢).
стр. 194
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الكفر، في مسألة لفظة الكفر والظلم في القرآن تشمل الأكبر والأصغر منهما، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: ما يقوم به الناس اليوم من ظلم وجور فيما بينهم إنما هو مبني على ظن منهم واعتقاد عام عندهم أن الكفر والظلم يقصد بهما الأكبر منهما، من جحود ألوهية الله أو نبوة أحد من رسله، ونسوا أنواع الكفر والظلم الأخرى، بناءً على تخصيصهم لهذا المعنى وعدم العلم بالمعاني العامة له، وهذا له أثر كبير في التساهل في الوقوع في المعصية في أعمال هي ظلم وكفر.
قال الزمخشري: "والكافرون هم الظالمون أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال (والكافرون) للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج (من كفر) مكان: ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [سورة فصلت: ٦ - ٧] " (١)، ومثله البيضاوي (٢).
وقال أبو حيان: "والكافرون هم الظالمون يعني الجائرين الحد، قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: والكافرون، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، ولو نزل هكذا لكان قد حكم على كل ظالم، وهو من يضع الشيء في غير موضعه، بالكفر، فلم يكن ليخلص من الكفر كل عاص إلا من عصمه الله من العصيان" (٣).
وقال الشوكاني: "والكافرون هم الظالمون فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه، ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة منعا يوجب كفره، لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق" (٤).
قال ابن عاشور: "والمراد بالكافرين ظاهرا المشركون، وهذا من بدائع بلاغة القرآن، فإن هذه الجملة صالحة أيضا لتذييل الأمر بالإنفاق في سبيل الله، لأن ذلك الإنفاق لقتال المشركين الذين بدأوا الدين بالمناوأة، فهم الظالمون لا المؤمنون الذين يقاتلونهم لحماية الدين والذب عن حوزته، وذكر الكافرين في مقام التسجيل فيه تنزيه للمؤمنين عن أن يتركوا الإنفاق إذ لا يظن بهم ذلك، فتركه والكفر متلازمان، فالكافرون يظلمون أنفسهم، والمؤمنون لا يظلمونها" (٥).
стр. 195
[اشتراط الكفر بالطاغوت في تحقق الإيمان]
قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٥٦]
٥٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "التعبير بالاستمساك يدل على أن من لم يكفر بجميع مناشئ الطغيان، ويعتصم بالحق اليقين من أصول الإيمان، فهو لا يعد مستمسكا بالعروة الوثقى وإن انتمى في الظاهر إلى أهلها، أو إلى ما بها إلمام الممسك بها، فالعبرة بالاعتصام والاستمساك" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة اشتراط الكفر بالطاغوت في تحقق الإيمان، من دلالة لفظ الاستمساك.
وجه الاستنباط: عد الشيخ ﵀ الكفر بمناشئ الطغيان شرطاً ثامنا من شروط لا إله إلا الله، وهو: الكفر بما يعبد من دون الله، وهو أن يعتقد بطلان عبادة من سوى الله ، وأن كل المعبودات سوى الله باطلة، وجدت نتيجة جهل المشركين وضلالهم؛ فمن أقرهم على شركهم، أو شك في بطلان ما هم عليه؛ فليس بموحد، ولو قال لا إله إلا الله، ولو لم يعبد غير الله.
ثم إن لفظة الاستمساك فيها إشارة إلى قوة الاستمساك بها، فقد عبر بالكلمة بأطول مبنى لغوي، ومن المعروف أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى. وإن نصوص الشرعية خاطبت من حقق الاستمساك الواجب وليس أصل الاستمساك أو مجرده، لأن هذا يعد ضعف في الدين، ولذا جاء التأكيد بأقوى ما يمكن، فبالغ في التمسك بها كأنه وهو ملتبس به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه (٢).
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن الكفر بما يعبد من دون الله: "وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله؛ فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال؛ بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يرحم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ولا دمه" (٣)، وأن من الأدلة على هذا الشرط: قول الله : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦) (٤)، وعليه فإن كلمة التوحيد لا تتحقق إلا به، وأن من أقر على الشرك أو شك فيه فليس بموحد (٥).
стр. 196
قال ابن جرير: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها (١).
وقال الفخر الرازي: "وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى" (٢).
قال ابن سعدي: "فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي: بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي ﴿لا انفصام لها﴾ وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم ﴿والله سميع عليم﴾ فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها" (٣).
[الفرق بين ولاية الله للمؤمنين، وولايتهم لله، وولايتهم فيما بينهم]
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [سورة البقرة: ٢٥٧]
٥٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ومما يجب بيانه في تفسير هذه الآية أيضا الفرق بين ولاية الله للمؤمنين وولايتهم له وولاية بعضهم لبعض، فإن الجاهلين لا يميزون بين الولايتين، فيجعلون لبعض المؤمنين من الولاية ما هو لله - تعالى - وحده، وذلك شرك في التوحيد خفي عند الجاهل، جلي عند العارف ولا بد من تفصيل فيه" (٤).
стр. 197
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الولاية، في مسألة الفرق بين ولاية الله للمؤمنين، وولايتهم لله، وولايتهم فيما بينهم، بدلالة التضمن.
وجه الاستنباط: العلم بأنواع الولاية والتفريق بينها من العلم الذي يدفع به الجهل في هذا، فهناك ولاية الله للمؤمنين وولاية المؤمنين لله والولاية فيما بينهم، وعليه فلا بد من معرفة كل نوع من هذه الأنواع وما يلزم له وعدم الخلط بينها لأنه يعد من الجهل، فإن ولاية الله للمؤمنين هي حفظه ورعايته لهم، وولاية المؤمنين لله هي إعطاؤه ما اختص به، وولاية المؤمنين بعضهم لبعض هي حبهم ومناصرتهم، وفي هذا رد على من يتوسل بالقبور ويدعو الصالحين من دون الله فيشرك بالله في باب الولاية.
قال ابن سعدي: "ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك فقال: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ وهذا يشمل ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلا ولا يشركون به أحدا، قد اتخذوه حبيبا ووليا، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه، فتولاهم بلطفه ومن عليهم بإحسانه، فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ فتولوا الشيطان وحزبه، واتخذوه من دون الله وليا ووالوه وتركوا ولاية ربهم وسيدهم، فسلطهم عليهم عقوبة لهم فكانوا يؤزونهم إلى المعاصي أزا، ويزعجونهم إلى الشر إزعاجا، فيخرجونهم من نور الإيمان والعلم والطاعة إلى ظلمة الكفر والجهل والمعاصي، فكان جزاؤهم على ذلك أن حرموا الخيرات، وفاتهم النعيم والبهجة والمسرات، وكانوا من حزب الشيطان وأولياءه في دار الحسرة" (١).
قال ابن عثيمين: "من فوائد هذه الآية: إثبات الولاية لله ؛ أي أنه يتولى عباده؛ وولايته نوعان؛ النوع الأول: الولاية العامة؛ بمعنى أن يتولى شؤون عباده؛ وهذه لا تختص بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة يونس: ٣٠] يعني الكافرين، والنوع الثاني: ولاية خاصة بالمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد: ١١]، وكما في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾؛ ومقتضى النوع الأول أن لله تعالى كمال السلطان، والتدبير في جميع خلقه؛ ومقتضى النوع الثاني الرأفة، والرحمة، والتوفيق" (٢).
стр. 198
وقال أيضا: "ومنها: أن المؤمن لا وليّ له إلا ربه؛ لقوله تعالى: ﴿أنت مولانا﴾؛ وولاية الله نوعان: خاصة، وعامة؛ فالولاية الخاصة ولاية الله للمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله تعالى: ﴿والله ولي المؤمنين﴾، وقوله تعالى: ﴿إن وليّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦]؛ والعامة: ولايته لكل أحد؛ فالله ولي لكل أحد بمعنى أنه يتولى جميع أمور الخلق؛ مثاله قوله تعالى: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [يونس: ٣٠] " (١).
[إدخال السرور على المسلم مقدم على التفضل عليه بالمال]
قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [سورة البقرة: ٢٦٣]
٥٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن هذه الآية مقررة لقاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، التي هي من أعظم قواعد الشريعة، ومبينة أن الخير لا يكون طريقا ووسيلة إلى الشر، ومرشدة إلى وجوب العناية بجعل العمل الصالح خاليا من الشوائب التي تفسده وتذهب بفائدته كلها أو بعضها، وإلى أنه ينبغي لمن عجز عن إحسان عمل من أعمال البر وجعله خالصا نقيا أن يجتهد في إحسان عمل آخر يؤدي إلى غايته حتى لا يحرم من فائدته بالمرة" (٢).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب حقوق المسلمين، في مسألة إدخال السرور على المسلم مقدم على التفضل عليه بالمال، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: فهم الآية أن تقديم القول والخلق الحسن في المعاملة، مقدم وأفضل من التفضل ببذل المال الذي يتبعه الأذى على المنفق عليه، لأن القول الحسن يتضمن إدخال السرور على قلب المسلم، لذا فهو أفضل من التفضل بالمال الذي يؤدي إلى إلحاق الأذى الحسي والمعنوي، ودرء هذا الأذى مقدم على المنفعة المتحصلة بهذه الصدقة.
وقد أشار جمع من المفسرين إلى هذا المعنى ولكن لم يذكروا قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ومنهم ابن جرير فقال: "المعطيَ ماله المجاهدين في سبيل الله معونةً لهم على جهاد أعداء الله. يقول تعالى ذكره: الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم وفي حَمُولاتهم، وغير ذلك من مؤنهم، ثم لم يتْبع نفقته التي أنفقها عليهم منًّا عليهم بإنفاق ذلك عليهم، ولا أذى لهم. فامتنانه به عليهم، بأن يظهر لهم أنه قد اصطنع إليهم -بفعله وعطائه الذي أعطاهموه تقوية لهم على جهاد عدوهم- معروفا، ويبدي ذلك إما بلسان أو فعل. وأما"الأذى" فهو شكايته إياهم بسبب ما أعطاهم وقوّاهم من النفقة في سبيل الله، أنهم لم يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذي به من أنفَق عليه، وإنما شَرَط ذلك في المنفق في سبيل الله، وأوجبَ الأجر لمن كان غير مانٍّ ولا مؤذٍ مَن أنفق عليه في سبيل الله، لأن النفقة التي هي في سبيل الله: ما ابتغي به وجه الله وطلب به ما عنده، فإذا كان معنى النفقة في سبيل الله هو ما وصفنا، فلا وجه لمنّ المنفق على من أنفق عليه، لأنه لا يدَ له قِبَله ولا صَنيعة يستحق بها عليه -إن لم يكافئه- عليها المنَّ والأذى، إذ كانت نفقته ما أنفق عليه احتسابًا وابتغاءَ ثواب الله وطلبَ مرضاته، وعلى الله مثوبته، دون من أنفق ذلك عليه" (٣).
стр. 199
وزاد ابن عطية: "لأن ما نتلقى نحن عن المعقول من بني آدم فهو أن المن المؤذي ينص على نفسه أن نيته لم تكن لله على ما ذكرناه قبل، فلم تترتب له صدقة، فهذا هو بطلان الصدقة بالمنّ والأذى، والمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها، إذ لم يكشف ذلك على النية في السليمة ولا قدم فيها، ثم مثل الله هذا الذي يمن ويؤذي بحسب مقدمة نيته بالذي يُنْفِقُ رِئاءَ لا لوجه الله" (١).
وقال الرازي: "بين تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء، فهناك جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب الإنفاع بعقاب الإضرار، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار، فكان هذا خيرا من الأول" (٢). ومثله القرطبي (٣).
وقال ابن سعدي: "القول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذى، لأن القول المعروف إحسان قولي، والمغفرة إحسان أيضا بترك المؤاخذة، وكلاهما إحسان ما فيه مفسد، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمن أو غيره، ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة، وإنما كان المن بالصدقة مفسدا لها محرما، لأن المنة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد لا يمن بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه، وأيضا فإن المان مستعبد لمن يمن عليه، والذل والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وكلها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم" (٤). وبمثله قال ابن عاشور (٥).
[الخير الكثير في اقتران العقل بالعلم]
قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٦٩]
٥٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن الله جعل الخير الكثير مع الحكمة في قرن، فهما لا يفترقان كما لا يفترق المعلول عن علته التامة، فالحكمة: هي العلم الصحيح المحرك للإرادة إلى العمل النافع الذي هو الخير، وآلة الحكمة هي العقل السليم المستقل بالحكم في مسائل العلم، فهو لا يحكم إلا بالدليل، فمتى حكم جزم فأمضى وأبرم، فكل حكيم عليم عامل مصدر للخير الكثير" (٦).
стр. 200
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة الخير الكثير في اقتران العقل بالعلم، بدلالة الاقتران.
وجه الاستنباط: الحكمة إذا قرنت بالعلم الصحيح أثمرت الخير والإصابة في الأقوال والأعمال وإنزال الأمور منازلها التي تستحقها، وفي هذا ترغيب إلى إعمال العقول واستخدامها فيما ينفع، ولا يكون ذلك إلا عن فهم وعلم ومعرفة، وهذا جارٍ على سنة الله في خلقه، فإنه لا يتعظ بالعلم ويتأثر به ويكوّن سلوكه في كل حالاته، إلا من كان عقله خالصا من الشوائب، وقلبه سليما من المعايب.
قال ابن جرير: "إن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة، وإذا كان ذلك كذلك كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره فهما خاشيا لله فقيها عالما، وكانت النبوة من أقسامه؛ لأن الأنبياء مسددون مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في بعض الأمور، والنبوة بعض معاني الحكمة" (١).
قال القرطبي: "الحكمة مصدر من الأحكام وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة، لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم، وفى البخاري: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، وقال هنا: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ " (٢).
قال ابن سعدي: "فكمال العبد متوقف على الحكمة، إذ كماله بتكميل قوتيه العلمية والعملية فتكميل قوته العلمية بمعرفة الحق ومعرفة المقصود به، وتكميل قوته العملية بالعمل بالخير وترك الشر، وبذلك يتمكن من الإصابة بالقول والعمل وتنزيل الأمور منازلها في نفسه وفي غيره، وبدون ذلك لا يمكنه ذلك" (٣).
وقال ابن عاشور: "ومن يشاء الله تعالى إيتاءه الحكمة هو الذي يخلقه مستعدا إلى ذلك، من سلامة عقله واعتدال قواه، حتى يكون قابلا لفهم الحقائق منقادا إلى الحق إذا لاح له، لا يصده عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة، ثم ييسر له ذلك من حضور الدعاة وسلامة البقعة من العتاة فإذا انضم إلى ذلك توجهه إلى الله بأن يزيد أسبابه تيسيرا ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له التيسير، وفسرت الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بما تبلغه الطاقة، أي بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض ولا يغلط في العلل والأسباب" (٤).
стр. 201
[وجوب إجابة الدعوة في مصلحة الناس لمن قدر عليها]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢].
٥٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "في قوله: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ) إلخ دليل على أن العالم بما فيه مصلحة الناس يجب عليه إذا دعي إلى القيام بها أن يجيب الدعوة؛ ولذلك لم يكتف بالنهي عن الإباء عن الكتابة، بل أمر بها أمرا صريحا فقال: (فَلْيَكْتُبْ) وهذا ظاهر لا سيما على قول من قال من أهل الأصول: إن النهي عن الشيء ليس أمرا بضده" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب حفظ الحقوق، في مسألة وجوب إجابة الدعوة في مصلحة الناس لمن قدر عليها، بدلالة اللفظ.
وجه الاستنباط: وجوب كتابة الديون، والإرشاد إلى صفات الكاتب، وأنه لا يجوز له الامتناع عن الكتابة، التي فيها توثيق وحفظ للحقوق، وهذا ما أفاده الأمر الصريح بعدها، فإن في ذلك مصلحة عظيمة في حفظ الأموال، وإن شعر البعض بعدم الحاجة إلى ذلك ابتداءً.
قال ابن جرير: "وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بينهم بالعدل، وأمر الله فرض لازم، إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب، ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك، وأن تقدمه إلى الكاتب ألا يأبى كتابة ذلك، ندب وإرشاد، فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه، ومن ضيعه منهم كان حرجا بتضييعه" (٢). ومثله عند القرطبي (٣).
وقال الزمخشري: "وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلا فقيها دينا ولا يأب كاتب ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى تنكير كاتب أن يكتب كما علمه الله مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير. وقيل هو قوله تعالى (وأحسن كما أحسن الله إليك) أى ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها" (٤).
قال الزازي: "ظاهر هذا الكلام نهي لكل من كان كاتبا عن الامتناع عن الكتبة، وإيجاب الكتبة على كل من كان كاتبا، وفيه وجوه الأول: أن هذا على سبيل الإرشاد إلى الأولى لا على سبيل الإيجاب، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة، وشرفه بمعرفة الأحكام الشرعية، فالأولى أن يكتب تحصيلا لمهم أخيه المسلم شكرا لتلك النعمة، وهو كقوله تعالى: وأحسن كما أحسن الله إليك [القصص: ٧٧] فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها" (٥).
стр. 202
وقال البيضاوي: "ولا يمتنع أحد من الكتاب. أن يكتب كما علمه الله مثل ما علمه الله من كتبة الوثائق، أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله: وأحسن كما أحسن الله إليك. فليكتب تلك الكتابة المعلمة. أمر بها بعد النهي عن الإباء عنها تأكيدا، ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر فيكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها مقيدة" (١).
قال ابن عاشور: " ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ نهي لمن تطلب منه الكتابة بين المتداينين عن الامتناع منها إذا دعي إليها، فهذا حكم آخر وليس تأكيداً لقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، لما علمت آنفاً من كون ذلك حكماً موجهاً للمتداينين، وهذا النهي قد اختلف في مقتضاه فقيل نهي تحريم، فالذي يدعى لأن يكتب بين المتداينين يحرم عليه الامتناع، وعليه فالإجابة للكتابة فرض عين، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه" (٢).
قال الطوفي (٣): "أما النهي عن الشيء؛ فإنما يستلزم الأمر بضد واحد من أضداده، إذا كان له أضداد، لاستحالة ترك المنهي عنه، بدون التلبس بما ينافيه، ليشتغل به عن فعل المنهي عنه، وذلك التلبس ضروري، يندفع بفعل ضد واحد، وليس المقصود إيجاد بقية الأضداد، كما في الأمر؛ فحصل من هذا أن المأمور به، إن كان له ضد أو أضداد، تعين النهي عن الجميع، والمنهي عنه إن كان له ضد واحد، تعين الأمر به، وإن كان له أضداد؛ فالمأمور به منها واحد لا بعينه، ضرورة توقف ترك المنهي على فعل الضد، المعين أو المبهم" (٤).
وقال الشيخ ابن عثيمين في تفسيره: "أنها من التوكيد لأن النهي عن إباء الكتابة يستلزم الأمر بالكتابة فهي توكيد معنوي؛ وقيل: بل هي تأسيس تفيد الأمر بالمبادرة إلى الكتابة، أو هي تأسيس توطئة لما بعدها؛ والقاعدة: أنه إذا احتمل أن يكون الكلام توكيداً، أو تأسيساً، حمل على التأسيس؛ لأنه فيه زيادة معنى؛ وبناءً على هذه القاعدة يكون القول بأنها تأسيس أرجح". وقال إن من فوائد الآية: " تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى ﴿فليكتب﴾ -هذا ظاهر الآية-، ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها" (٥).
стр. 203
[توثيق الحقوق وضبط الأموال بالكتابة]
قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢].
٥٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهو دليل أيضا على أن الكتابة واجبة في القليل والكثير، ولذلك قدم ذكر الصغير الذي يتهاون فيه الناس لعدم مبالاتهم بضياعه، ومن لا يحرص على الصغير والقليل أن يضيع فقلما يتقن حفظ الكبير والكثير، ففي الآية إرشاد إلى عدم التهاون بشيء من الحقوق أن يذهب سدى، وهي قاعدة عظيمة من قواعد الاقتصاد، والعمل بها آية الكياسة والعقل، وكم من حريص على الدرهم والدانق يجود بالدنانير والبدر" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الحقوق، في مسألة توثيق الحقوق وضبط الأموال بالكتابة، بدلالة التقديم والتأخير.
وجه الاستنباط: ارشدت الآية إلى حفظ الحقوق وإثبات صغيرها وكبيرها، لأن فيها ضبط للأموال وحفظ لها ومنع للتنازع عليها فيما بعد، والإسلام حريص على ائتلاف المسلمين وجمع كلمتهم، وإبعاد أي أمر يؤدي إلى تفرقهم وتنازعهم، وهذه قاعدة اقتصادية مهمة في علم الاقتصاد.
قال ابن كثير: "هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرا كان أو كبيرا" (٢).
قال أبو حيان: "لما نهى عن امتناع الشهود إذا ما دعوا للشهادة، نهى أيضا عن السآمة في كتابة الدين، كل ذلك ضبط لأموال الناس، وتحريض على ألا يقع النزاع، لأنه متى ضبط بالكتابة والشهادة قل أن يحصل وهم فيه أو إنكار، أو منازعة في مقدار أو أجل أو وصف، وقدم الصغير اهتماما به، وانتقالا من الأدنى إلى الأعلى، ونص على الأجل للدلالة على وجوب ذكره، فكتب كما يكتب أصل الدين ومحله إن كان مما يحتاج فيه إلى ذكر المحل، ونبه بذكر الأجل على صفة الدين ومقداره، لأن الأجل بعض أوصافه، والأجل هنا هو الوقت الذي اتفق المتداينان على تسميته" (٣).
قال ابن عاشور: "تعميم في أكوان أو أحوال الديون المأمور بكتابتها، فالصغير والكبير هنا مجازان في الحقير والجليل، والمعاملات الصغيرة أكثر من الكبيرة، فلذلك نهوا عن السآمة هنا" (٤).
قال أبو زهرة: "ولَا تملوا من كتاب الدين إلى أجله بأن تحدُّوه وتبينوا أجله، سواء أكان الدين كبيرًا أم كان الدين صغيرًا، فلا يذهب بكم احتقار الصغر إلى إهماله وعدم كتابته؛ لأن الصغر والكبر لَا حدود لهما، فقد يكون صغيرًا في نظر غني مليء، ويكون كبيرا خطيرا عند غيره؛ ولأن إهمال الصغير يؤدي إلى جحوده، وعندئذ تذهب الثقة، وإذا ذهبت ساد التناحر والتنازع؛ ولأن التهاون في الصغير قد يؤدي إلى التهاون في الكبير؛ وإن التشديد في كتابة الصغير والكبير يدل على أن الأمر بالكتابة للوجوب كما بينا" (٥).
стр. 204
[التجارة قائمة على توثيق الحقوق بالكتابة]
قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢].
٥٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "نفي الجناح إشارة إلى أن كتابة ذلك أولى، وهو إرشاد إلى استحباب ضبط الإنسان لماله وإحصائه لما يرد عليه وما يصدر عنه، وذلك من الكمال المدني ومن أسباب ارتقاء أمور الكسب ولم يجعل هذا حتما؛ لأنه مما يشق على غير المرتقين في المدنية، والترخيص فيه دليل على وجوب كتابة الديون المؤجلة كما هو ظاهر مما تقدم" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الحقوق وإثباتها، في مسألة التجارة قائمة على توثيق الحقوق بالكتابة، بدلالة الأسلوب.
وجه الاستنباط: الكتابة هي الأصل في التجارة حفظا للأموال وضبطا لها، وهذا مما يعرف في علم المحاسبة بقيد المال الصادر والوارد في جميع المعاملات المالية، وهو من أساسيات الارتقاء والتحضر والجودة إذ لا بد من وجود وثائق لكل شيء.
قال الكيا هراسي: "قوله تعالى في التجارة: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها) وفرقة بينها وبين المؤجل يوهم بظاهره، أن عليهم كتب الدين المؤجل والإشهاد فيه وأن الجناح يلحقهم إذا لم يكتبوها، ويبعد أن يقال في ترك المندوب إن عليه جناحا، ففي التجارة الحاضرة إن كان ترك الشهادة دليلا على كون الشهادة مندوبا إليها، فتارك المندوب لا جناح عليه" (٢).
قال ابن عاشور: "وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ تصريح بمفهوم الاستثناء، مع ما في زيادة قوله: ﴿جُنَاحٌ﴾ من الإشارة إلى أن هذا الحكم رخصة، لأن رفع الجناح مؤذن بأن الكتابة أولى وأحسن" (٣).
قال ابن عثيمين: "ومن فوائد الآية: أنه لا يجب كتابة التجارة الحاضرة المدارة - ولو كان ثمنها غير منقود؛ بخلاف ما إذا تداين بدين إلى أجل مسمى؛ فإنه تجب كتابة الدَّين على ما سبق من الخلاف في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾ " (٤).
[العذر في وجوب كتابة الدين في السفر وبديله]
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [سورة البقرة: ٢٨٣]
стр. 205
٥٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن في جعل عدم وجدان الكاتب مقيدا بحال السفر إشارة إلى أنه ليس من شأن مواطن الإقامة أن تكون خلوا من الكتاب، والكتابة مفروضة على المؤمنين، والإيمان لا يتحقق إلا بالإذعان والعمل، وناهيك بالفريضة إذا أكدت كالكتابة حينئذ يقطع بأن المؤمنين لا بد أن يأتوها، بل لا يفرض أن يخالفوها وألا يوجد الكتاب عندهم إلا حيث يمكن أن يكونوا معذورين كما يكون في السفر، وهذا مفهوم من العبارة بالإشارة وهو من أدق أساليب البلاغة" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب حفظ الحقوق والأموال، في مسألة العذر في وجوب كتابة الدين في السفر وبديله، بدلالة الإشارة.
وجه الاستنباط: في الآية إشارة إلى احتمال عدم وجود كاتب، والتقييد بحال السفر يفهم منه وجوب الكتابة في حال الإقامة وأنها مفروضة على المؤمنين، ومن هنا فإن من لم يلتزم بها في حال الإقامة ولم يذعن إلى أمر الله فقد استحق الإثم، ثم أعقب ذلك بذكر السفر، وأنه أقوى الأعذار المانعة من الكتابة، وجعل الرهن بدلا عنها.
قال القرطبي: "لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن، وقد رهن النبي ﷺ درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبي ﷺ : (كذب، إني لأمين في الأرض أمين في السماء ولو ائتمنني لأديت، اذهبوا إليه بدرعي) فمات ودرعه مرهونة ﷺ " (٢).
قال أبو السعود: "وليس هذا التعليقُ لاشتراط السفر في شرعية الارتهان كما حسِبه مجاهدٌ والضحاكُ، لأنه ﷺ ، رهَن دِرْعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله، بل لإقامة التوثقِ بالارتهان مُقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مِظنةُ إعوازِها وإنما لم يتعرّض لحال الشاهد لما أنه في حكم الكاتب توثقاً وإعوازاً" (٣).
стр. 206
قال ابن عثيمين: "جواز الرهن؛ لقوله تعالى: ﴿فرهان﴾؛ ولكن ذلك مشروط - حسبما في الآية - بالسفر سواء كان قصيراً، أو طويلًا؛ وبألا نجد كاتباً؛ فهل هذا الشرط معتبر؟ الجواب: دلت السنة على عدم اعتباره: فقد اشترى النبي ﷺ ثلاثين صاعاً من الشعير لأهله، ورهن درعه عند يهودي حتى مات؛ وهذا يدل على جواز الرهن في الحضر حتى مع وجود الكاتب" (١).
[الإيمان بجميع الرسل من خصائص الأمة المحمدية]
قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥]
٦٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي هذا مزية للمؤمنين من هذه الأمة على غيرهم من أهل الكتاب الذين يفرقون بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كأنهم لم يعقلوا معنى الرسالة في نفسها إذ لو عقلوها لما فرقوا بين من أوتوها" (٢).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالرسل، في مسألة الإيمان بجميع الرسل من خصائص الأمة المحمدية، بدلالة النص.
وجه الاستنباط: الإيمان بجميع الرسل وعدم التفريق بينهم، من خصائص الأمة المحمدية الذي تميزت به عن بقية الأمم، وهو يعيب على الرهبان والأحبار إهمالهم لإعمال العقل في أن مصدر الأنبياء والرسل واحد، وذلك من خلال النظر في تشريعاتهم فكلها تشريعات ترتفع بالناس من الاستعباد للعباد إلى عبادة رب الأرباب.
قال القرطبي: "نؤمن بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منه ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود والنصارى" (٣).
وقال أهل التفسير: إن هذه الآية جمعت أصول الإيمان التي أمر الله بها هذه الأمة، وقد اتفقت عليها الكتب والرسل (٤).
стр. 207
الاستنباطات في سورة آل عمران
[اتفاق الكتب السماوية في دعوتها إلى التوحيد دليل على وحدانية الله]
قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [سورة آل عمران: ٣ - ٤]
стр. 208
١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي هذا وما قبله شيء آخر، وهو الإشعار بأن ما أنزله الله -تعالى - من الكتب والفرقان يدل على إثبات الوحدانية لله تعالى" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة اتفاق الكتب السماوية في دعوتها إلى التوحيد دليل على وحدانية الله، بدلالة الإشارة.
وجه الاستنباط: إثبات الوحدانية لله وتنزيهه وألوهيته من خلال ما أنزله على نبيه من الكتاب مصدقا لما سبقه من الكتب والشرائع حيث إنها واحدة في لبها ومعناها وأصولها، وكانت متفقة في الدعوة إلى توحيد الله ووحدانيته، متناسقة في شرائعها، محققة لمصالح العباد في الدنيا والآخرة، لا اختلاف فيما بينها، فكانت فارقة بين الحق والباطل، فدل كل هذا على وحدتها وأنها كلها من عند الله دالة على وحدانيته.
قال ابن جرير: "عني بذلك القرآن أنه مصدق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رسل الله من عنده؛ لأن منزل جميع ذلك واحد، فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير" (٢).
قال البيضاوي: "قوله: (وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) يريد به جنس الكتب الإِلهية، فإنّها فارقة بين الحق والباطل، ذكر ذلك بعد ذكر الكتب الثلاثة ليعم ما عداها، كأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل، أو الزبور أو القرآن، وكرر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيماً، وإظهاراً لفضله من حيث إنه يشاركهما في كونه وحياً منزلاً ويتميز بأنه معجز يفرق بين المحق والمبطل، أو المعجزات (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ) من كتبه المنزلة وغيرها، (لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) بسبب كفرهم، (وَاللَّهُ عَزِيزٌ) غالب لا يمنع من التعذيب، (ذُو انْتِقامٍ) لا يقدر على مثله منتقم، والنقمة عقوبة المجرم والفعل منه نقم بالفتح والكسر، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيماً للأمر، وزجراً عن الإعراض عنه" (٣).
قال القاسمي: " (من قبل) متعلق ب (أنزل)، أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب، والتصريح به مع ظهور الأمر، للمبالغة في البيان هدى للناس أي لقوم موسى وعيسى، أو ما هو أعم، لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع وأنزل الفرقان وهو الكتب السماوية التي ذكرها، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل (٤).
стр. 209
قال ابن عاشور: "قوله: (نزل عليك الكتاب) خبر عن اسم الجلالة، والخبر هنا مستعمل في الامتنان، أو هو تعريض ونكاية بأهل الكتاب: الذين أنكروا ذلك، وجيء بالمسند فعلا لإفادة تقوية الخبر، أو للدلالة -مع ذلك- على الاختصاص: أي الله لا غيره نزل عليك الكتاب إبطالا لقول المشركين: إن القرآن من كلام الشيطان، أو من طرائق الكهانة، أو يعلمه بشر" (١).
قال أبو زهرة: "في قوله (مصدقا) أي: أنه مصدق لما بين يديه؛ أي الشرائع الإلهية التي سبقته؛ ولذا قال سبحانه: (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) فهو في لبه ومعناه مبين لكل الشرائع مصدق لصدقها؛ وهذا يدل على أن الشرائع الإلهية واحدة في لبها ومعناها وأصولها؛ ولذا قال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، فالإسلام هو لب الأديان وغايتها" (٢).
[الموازنة بين رغبات النفس وتسخيرها لتحقيق الغاية من الخلق]
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [سورة آل عمران: ١٤]
٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "يعني أنه ليس المراد ذمها والتنفير عنها، وإنما المراد التحذير من أن تجعل هي غاية الحياة"، وقال: "وغفل الجميع عن كون الكلام في طبيعة البشر وبيان حقيقة الأمر في نفسه لا في جزئياته وأفراد وقائعه، فالمراد أن الله - تعالى - أنشأ الناس على هذا وفطرهم عليه" (٣).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في مسألة الفطرة، في مسألة الموازنة بين رغبات النفس وتسخيرها لتحقيق الغاية من الخلق، بدلالة التضمن.
وجه الاستنباط: هذه الأمور الواردة في الآية من الشهوات وأنها غريزة طبيعية في النفس البشرية، ولكن المهم ألا تجعل غاية للحياة وإنما هي وسيلة للتمتع بما أنعم الله به على الإنسان، يأخذ منها قدر المستطاع، فتكون وسيلة واستجابة لداعي الفطرة، وفق محددات الشريعة لهذه الشهوات، واستدرك على بعض المفسرين أنهم غفلوا عن كون الكلام في طبيعة البشر وفطرهم، ولهذا شواهد في السنة النبوية، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ : ((حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة)) (٤). قال ابن جرير وإنما أراد بذلك توبيخ اليهود الذين آثرُوا الدنيا وحبَّ الرياسة فيها، على اتباع محمد ﷺ بعد علمهم بصدقه (٥). قال الزمخشري والله زينها لهم، لأنا لا نعلم أحدا أذم لها من خالقها حب الشهوات جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصا على الاستمتاع بها، والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالهيمية، وقال (زين للناس حب الشهوات) ثم جاء بالتفسير، ليقرر أولا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدل على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله (٦). وزاد أبوحيان خلقها وإنشاء الجبلة على الميل إليه (٧). وقال ابن عطية إذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها، والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر، وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضيح لمعاصري محمد ﵇ من اليهود وغيرهم (٨)، وذكر ذلك القرطبي (٩)، وزاد البيضاوي المزين هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه ابتلاء، أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله تعالى، أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع (١٠). قال ابن سعدي فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين، قسم جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب، والقسم الثاني عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها (ذلك متاع الحياة الدنيا) فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم، وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها (١١).
стр. 210
[ذكر حب النساء وإغفال الرجال، بيان لأكثر ما تتحقق به اللذة، وتقع به الفتنة] قال تعالى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)) [سورة آل عمران ١٤] قال الشيخ محمد رشيد ﵀ فمن تأمل هذه المعاني والفروق في حب كل من الزوجين للآخر يسهل عليه أن يقول إن المراد بحب النساء حب الزوجية الذي يكون بين المرأة والرجل فذكر أقوى طرفيه لأن قصد التمتع فيها أظهر، وأثره في الصرف عن الحق أو الاشتغال عن الآخرة أقوى، وطوى الطرف الثاني، وفعل مثل ذلك في النوع الثاني من الحب المزين للناس وهو حب الولد (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الفتن، في مسألة ذكر حب النساء وإغفال الرجال، بيان لأكثر ما تتحقق به اللذة، وتقع به الفتنة، بدلالة الإشارة. وجه الاستنباط العلاقة الزوجية تتكون من علاقة رجل بامرأة، ومن ثم ينتج عنها الولد، وفي ذكر النساء والولد وإغفال الرجال بيان لأكثر شيء تتحقق فيه اللذة والاستئناس، وتقع به الفتنة، وهذه أبلغ إشارة في شرعية الاستمتاع، مع الحذر التام من الانصراف عن غايات أخرى عظيمة، وقد بنى الشيخ استنباطه على مسألة الاحتباك (٢) البلاغية. وقد سار على هذا جمع من المفسرين منهم، الرازي حيث قال إعلم أنه تعالى عدد هاهنا من المشتهيات أمورا سبعة أولها النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [سورة الروم ٢١] ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة (٣). وقال أبو حيان بدأ بالنساء لأنهن حبائل الشيطان وأقرب وأكثر امتزاجا قال ﷺ (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) (٤) وقال: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) (٥)، ويقال فيهن فتنتان قطع الرحم وجمع المال من الحلال والحرام، وفي البنين فتنة واحدة وهي جمع المال، وثنى بالبنين لأنهم من ثمرات النساء، وفروع عنهن، وشقائق النساء في الفتن (٦). قال ابن عاشور فالميل إلى النساء مركوز في الطبع، وضعه الله تعالى لحكمة بقاء النوع بداعي طلب التناسل إذ المرأة هي موضع التناسل، فجعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلف ربما تعقبه سآمة، وفي الحديث «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، ولم يذكر الرجال لأن ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع، وإنما تحصل المحبة منهن للرجال بالإلف والإحسان (٧). وقيل سبب تقديم النساء لكثرة تشوق النفوس إليهن لأنهن حبائل الشيطان، وخص البنين دون البنات لعدم الاطراد في محبتهن (٨).
стр. 211
[الصبر أساس في حسن أداء العبادات واتقانها] قال تعالى (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)) [سورة آل عمران ١٧] قال الشيخ محمد رشيد ﵀ ويعلم مما تقدم أن تقديم ذكر الصابرين على ما بعده لأنه كالشرط إذ لا يتم بدونه الصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار في الأسحار (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة الصبر أساس في حسن أداء العبادات واتقانها، من دلالة اللفظ. وجه الاستنباط كل عبادة مطلوبة من المؤمنين تعترضها شهوات النفس وامتثال أمر الخالق جل في علاه، ولما كان الصابر يحبس نفسه على ما يحب الله ويرضاه ويصبر على أداء جميع العبادات بصدق في الأقوال والأحوال فقد عدّ هذه الصفة شرطا في حسن أداء العبادة، وما بعدها داخل فيها دخولا ضمنياً. قال الرازي قوله الصابرين والصادقين أكمل من قوله الذين يصبرون ويصدقون، لأن قوله الصابرين يدل على أن هذا المعنى عادتهم وخلقهم، وأنهم لا ينفكون عنها. اعلم أن لله تعالى فرض على عباده أنواعا من التكليف، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعا أخر من الطاعات، وإما بسبب الشروع فيه، وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل البتة، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولا ثم قال الصادقين ثانيا (٢). وقال البيضاوي حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل وإما طلب، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما (٣). وعلل أبو حيان تقديم الصابرين على غيرهم بقوله لما ذكر الإيمان بالقول، أخبر بالوصف الدال على حبس النفس على ما هو شاق عليها من التكاليف، فصبروا على أداء الطاعة، وعن اجتناب المحارم، ثم بالوصف الدال على مطابقة الاعتقاد في القلب للفظ الناطق به اللسان، فهم صادقون فيما أخبروا به (٤). قال ابن عاشور وذكر هنا أصول فضائل صفات المتدينين وهي الصبر الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي (٥).
стр. 212
[العبرة في المدح والذم متوقفة على معرفة الحق وتقريره] قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [سورة آل عمران ٢١] قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ إن هذا القيد يقرر لنا أن العبرة في ذم الشيء ومدحه تدور مع الحق وجودا وعدما لا مع الأشخاص والأصناف، وقال والإقدام على قتل هؤلاء دليل على غمط العقل ومقت العدل، وأقبح بذلك جرما وكفى به إثما (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العلم، في مسألة العبرة في المدح والذم متوقفة على معرفة الحق وتقريره، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط قررت الآية أن قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير حق، وهذا تأكيد لمعنى قتل الأنبياء وأنه لا يكون بحق بحال، إذ لا مفهوم مراد من الآية، وأن قتلهم غاية الكفر والعناد، فالحق في طاعتهم والإيمان بهم وتوقيرهم وتعزيرهم، كما أمر الله جل وعلا في كتابه، وهذه إشارة عظيمة إلى دوران الشريعة مع العقل والعدل، فيجب أن يُفهم هذا. قال ابن جرير أنهم كانوا يقتلون رُسل الله الذين كانوا يُرسَلون إليهم بالنهي عما يأتون من معاصي الله، وركوب ما كانوا يركبونه من الأمور التي قد تقدم الله إليهم في كتبهم بالزجر عنها (٢). قال ابن عطية إن هذه الآية في اليهود والنصارى، وتعم كل من كان بهذه الحال، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله ﷺ بمساوئ أسلافهم وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوئ لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد ﵇ (٣). وقال أبو السعود هم أهلُ الكتاب قتل أوّلوهم الأنبياءَ ﵈ وقتلو أتباعَهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا قاتلهم الله تعالى حائمين حول قتلِ النبيِّ ﷺ لولا أن عصَم الله تعالى ساحتَه المنيعة وقد أُشير إليه بصيغة الاستقبال وقرئ بالتشديد للتكثير والتقييدُ بغير حق للإيذان بأنه كان عندهم أيضاً بغير حق (٤). قال ابن سعدي هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، أشد الناس جرما وأي جرم أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو في غاية الكفر والعناد ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح (٥). وقال ابن عاشور وقوله بغير (حق) ظرف مستقر في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة يقتلون النبيين إذ لا يكون قتل النبيين إلا بغير حق، وليس له مفهوم لظهور عدم إرادة التقييد والاحتراز فإنه لا يقتل نبي بحق (٦).
стр. 213
[مكانة الحكمة والعدل في رفعة الأمة] قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [سورة آل عمران ٢١] قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وأقول على ما تقدم من الاختيار إنه يشعر بشمول قوله الذين يأمرون بالقسط لمن بلغته دعوة نبي على وجهها فآمن به، ومن لم يكن كذلك، وإلا لقال والذين يأمرون بالقسط من المؤمنين، وفي هذا تعظيم شأن الحكمة والعدالة ما فيه من شرف الإسلام وإرشاد أهله إلى أن يكونوا من أهل هذه المرتبة التي تلي مرتبة النبوة (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة مكانة الحكمة والعدل في رفعة الأمة، بدلالة العموم. وجه الاستنباط امتدحت الآية الذين يأمرون بالقسط والعدل بين الناس، وأن ما يقومون به هو عين الحكمة والعدالة، لأن ما يقومون به هو تحقيق لمصالح وإحسان ونصح بما ينفع في الدنيا والآخرة، وإن قتل بني إسرائيل لهم نابع من فساد عقائدهم وفساد نياتهم، وخبث مقاصدهم وانتكاس فطرهم، فاستحقوا على ذلك أشد العقوبات، وهم بذلك أبعد الناس عن صفات وخصائص المؤمنين الآمرين بالقسط والعدل والحكمة. وفي هذا تربية للأمة أن تكون في رتبة بعد رتبة الأنبياء، بالقيام بما أمر الله من العدل والحكمة والقسط. ونقل الرازي قول الحسن هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العِظم منزلة الأنبياء (٢). قال القرطبي دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة (٣). قال أبو السعود (وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس) أي بالعدل ولعل تكريرَ الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافها في الوقت (٤). قال ابن سعدي ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات (٥).
стр. 214
[سنة الله في عاقبة المؤمنين وإهلاك الكافرين] قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة آل عمران ٢٦] قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وقد نظرنا فيما وقع للغابرين والحاضرين ومحصنا أسبابه فألفيناها ترجع إلى سنن مطردة، وبين بعض هذه السنن في نزع الملك ممن يشاء وإيتائه من يشاء، وبهذا يظهر وجه اتصال الآية بما قبلها وكونها بمثابة الدليل لقوله السابق (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) [سورة آل عمران ١٢] فهي تتضمن تأكيد الوعد بنصر النبي ﷺ وغلب أعدائه من أهل الكتاب والمشركين (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة سنة الله في عاقبة المؤمنين وإهلاك الكافرين، بدلالة الجمع بين الآيات. وجه الاستنباط دلت الآية على أن من سنن الله المطردة في إيتائه الملك لمن يشاء ونزعه عمن يشاء أنها تابعة لمشيئة الله، ولا تنافي بين ما يجري الله من الأسباب الكونية والدينية من بقاء الملك وسبب حصوله أو زواله، فكلها تابعة للقضاء والقدر، وفق شروط ذكرها الله وعلى رأسها العدل، الذي ينصر الله به الأمة الكافرة إذا قامت به، ويخذل الأمة المسلمة إذا تركته، واستدل الشيخ بعد هذا بتأكيد وعد الله، بزوال الكافرين ونصر المؤمنين المتقين، وذلك بنصر نبيه وغلبته على أعدائه بما ورد في الآية السابقة، (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)) [سورة آل عمران ١٢]، وفي هذا بشارة وتسلية وتحقيق لسنة الله في الملك والتمكين. وقد انفرد الشيخ بهذا الربط بين الآيات، وهذا ما يعرف في مسائل علوم القرآن بمسألة المناسبة بين الآيات بالاتصال. قال ابن جرير وتعز من تشاء، بإعطائه الملك والسلطان، وَبسط القدرة له وتذلّ من تشاء بسلبك ملكه، وتسليط عدوه عليه بيدك الخير، أي كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد، لأنك على كل شيء قديرٌ، دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأمِّيين من العرب إلهًا وربًّا يعبدونه من دونك (٢). قال البغوي وقوله تعالى وتعز من تشاء وتذل من تشاء، قال عطاء وتعز من تشاء المهاجرين والأنصار، وتذل من تشاء فارس والروم، وقيل تعز من تشاء محمدا ﷺ وأصحابه، حين دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها [قهرا على أهلها]، وتذل من تشاء أبا جهل وأصحابه، حتى جزت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل تعز من تشاء بالإيمان والهداية [ودخول الجنة] (٣). قال ابن سعدي في قوله (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف المذكور، وقال تعالى (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) الآية وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على الأعداء، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم (٤).
стр. 215
[النكاح سنة الله وفطرته في خلقه من الناس] قال تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)) [سورة آل عمران ٣٩] قال الشيخ محمد رشيد ﵀ قال الرازي احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل، ونقول إن الآية ليست نصا ولا ظاهرة في ذلك، وإذا سلمنا أنها تدل عليه فلا نسلم أنها تدل على أن ترك التزوج أفضل مطلقا، وليس يحيى بأفضل من أبيه ولا من إبراهيم الخليل ولا من محمد خاتم النبيين والمرسلين، وسنة النكاح أفضل سنن الفطرة لأنها قوام هذه الحياة الدنيا، وسبب بقاء الإنسان الذي كرمه الله وخلقه في أحسن تقويم وجعله خليفة في الأرض إلى الأجل المسمى في علم الله (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة النكاح سنة الله وفطرته في خلقه من الناس، بمفهوم المخالفة. وجه الاستنباط الآية لم تتطرق لحكم النكاح وليس فيها تصريح أو تنصيص على فعله أو المنع منه، وإنما هذه صفة اختص الله بها نبيه يحيي ﵇، عن باقي الأنبياء، وإنما هي كفاية من الله ليحيى، فامتناعه عن وطء النساء كان تبتلا لله وعفة وزهدا إذ ليس في قلبه شهوة لهن، وليس فيها انتقاص أو إلحاق أذى به ﵇، والنكاح سنة الله في خلقه، وفطرة فطر الناس عليها، وفعلها الأنبياء من قبله ومن بعده، وهو شريعة ثابتة، تدور أحكامه بين الوجوب والاستحباب. وقد أجمع المفسرون على أن المقصود من الحصر هنا ليس لعجز بل هو امتناع عن الشهوات والملهيات للعفة والزهد (٢). وتنوعت عباراتهم في بيان المعنى المراد فقال ابن كثير قيل ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله ، كيحيى ﵇، ثم هي حق من أقدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة علياء، وهي درجة نبينا محمد ﷺ (٣). وقال البغوي الحصور بمعنى المحصور، يعني الممنوع من النساء، قال سعيد بن المسيب كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره، وفيه قول آخر إن الحصور الممتنع من الوطء مع القدرة عليه، واختار قوم هذا القول لوجهين، أحدهما لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، والثاني أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء (٤)، ومثله القرطبي (٥). ومما تقدم لم نجد من أشار لاستنباط الشيخ محمد رشيد إلا عبارة أبي حيان حيث قال وقد استدل بقوله وحصورا من ذهب إلى أن التبتل لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح، وهو مذهب الجمهور خلافا لمذهب أبي حنيفة، فإنه بالعكس (٦). وقال ابن عاشور ذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إما أن يكون مدحا له، لما تستلزمه هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرمة، بأصل الخلقة، ولعل ذلك لمراعاة براءته مما يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم، وقد كان اليهود في عصره في أشد البهتان والاختلاق، وإما ألا يكون المقصود بذكر هذه الصفة مدحا له لأن من هو أفضل من يحيى من الأنبياء والرسل كانوا مستكملين المقدرة على قربان النساء فتعين أن يكون ذكر هذه الصفة ليحيى إعلاما لزكرياء بأن الله وهبه ولدا إجابة لدعوته (٧).