[الصبر أساس في حسن أداء العبادات واتقانها] قال تعالى (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)) [سورة آل عمران ١٧] قال الشيخ محمد رشيد ﵀ ويعلم مما تقدم أن تقديم ذكر الصابرين على ما بعده لأنه كالشرط إذ لا يتم بدونه الصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار في الأسحار (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة الصبر أساس في حسن أداء العبادات واتقانها، من دلالة اللفظ. وجه الاستنباط كل عبادة مطلوبة من المؤمنين تعترضها شهوات النفس وامتثال أمر الخالق جل في علاه، ولما كان الصابر يحبس نفسه على ما يحب الله ويرضاه ويصبر على أداء جميع العبادات بصدق في الأقوال والأحوال فقد عدّ هذه الصفة شرطا في حسن أداء العبادة، وما بعدها داخل فيها دخولا ضمنياً. قال الرازي قوله الصابرين والصادقين أكمل من قوله الذين يصبرون ويصدقون، لأن قوله الصابرين يدل على أن هذا المعنى عادتهم وخلقهم، وأنهم لا ينفكون عنها. اعلم أن لله تعالى فرض على عباده أنواعا من التكليف، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعا أخر من الطاعات، وإما بسبب الشروع فيه، وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل البتة، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولا ثم قال الصادقين ثانيا (٢). وقال البيضاوي حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل وإما طلب، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما (٣). وعلل أبو حيان تقديم الصابرين على غيرهم بقوله لما ذكر الإيمان بالقول، أخبر بالوصف الدال على حبس النفس على ما هو شاق عليها من التكاليف، فصبروا على أداء الطاعة، وعن اجتناب المحارم، ثم بالوصف الدال على مطابقة الاعتقاد في القلب للفظ الناطق به اللسان، فهم صادقون فيما أخبروا به (٤). قال ابن عاشور وذكر هنا أصول فضائل صفات المتدينين وهي الصبر الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي (٥).
стр. 212
[العبرة في المدح والذم متوقفة على معرفة الحق وتقريره] قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [سورة آل عمران ٢١] قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ إن هذا القيد يقرر لنا أن العبرة في ذم الشيء ومدحه تدور مع الحق وجودا وعدما لا مع الأشخاص والأصناف، وقال والإقدام على قتل هؤلاء دليل على غمط العقل ومقت العدل، وأقبح بذلك جرما وكفى به إثما (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العلم، في مسألة العبرة في المدح والذم متوقفة على معرفة الحق وتقريره، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط قررت الآية أن قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير حق، وهذا تأكيد لمعنى قتل الأنبياء وأنه لا يكون بحق بحال، إذ لا مفهوم مراد من الآية، وأن قتلهم غاية الكفر والعناد، فالحق في طاعتهم والإيمان بهم وتوقيرهم وتعزيرهم، كما أمر الله جل وعلا في كتابه، وهذه إشارة عظيمة إلى دوران الشريعة مع العقل والعدل، فيجب أن يُفهم هذا. قال ابن جرير أنهم كانوا يقتلون رُسل الله الذين كانوا يُرسَلون إليهم بالنهي عما يأتون من معاصي الله، وركوب ما كانوا يركبونه من الأمور التي قد تقدم الله إليهم في كتبهم بالزجر عنها (٢). قال ابن عطية إن هذه الآية في اليهود والنصارى، وتعم كل من كان بهذه الحال، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله ﷺ بمساوئ أسلافهم وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوئ لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد ﵇ (٣). وقال أبو السعود هم أهلُ الكتاب قتل أوّلوهم الأنبياءَ ﵈ وقتلو أتباعَهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا قاتلهم الله تعالى حائمين حول قتلِ النبيِّ ﷺ لولا أن عصَم الله تعالى ساحتَه المنيعة وقد أُشير إليه بصيغة الاستقبال وقرئ بالتشديد للتكثير والتقييدُ بغير حق للإيذان بأنه كان عندهم أيضاً بغير حق (٤). قال ابن سعدي هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، أشد الناس جرما وأي جرم أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو في غاية الكفر والعناد ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح (٥). وقال ابن عاشور وقوله بغير (حق) ظرف مستقر في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة يقتلون النبيين إذ لا يكون قتل النبيين إلا بغير حق، وليس له مفهوم لظهور عدم إرادة التقييد والاحتراز فإنه لا يقتل نبي بحق (٦).
стр. 213
[مكانة الحكمة والعدل في رفعة الأمة] قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [سورة آل عمران ٢١] قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وأقول على ما تقدم من الاختيار إنه يشعر بشمول قوله الذين يأمرون بالقسط لمن بلغته دعوة نبي على وجهها فآمن به، ومن لم يكن كذلك، وإلا لقال والذين يأمرون بالقسط من المؤمنين، وفي هذا تعظيم شأن الحكمة والعدالة ما فيه من شرف الإسلام وإرشاد أهله إلى أن يكونوا من أهل هذه المرتبة التي تلي مرتبة النبوة (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة مكانة الحكمة والعدل في رفعة الأمة، بدلالة العموم. وجه الاستنباط امتدحت الآية الذين يأمرون بالقسط والعدل بين الناس، وأن ما يقومون به هو عين الحكمة والعدالة، لأن ما يقومون به هو تحقيق لمصالح وإحسان ونصح بما ينفع في الدنيا والآخرة، وإن قتل بني إسرائيل لهم نابع من فساد عقائدهم وفساد نياتهم، وخبث مقاصدهم وانتكاس فطرهم، فاستحقوا على ذلك أشد العقوبات، وهم بذلك أبعد الناس عن صفات وخصائص المؤمنين الآمرين بالقسط والعدل والحكمة. وفي هذا تربية للأمة أن تكون في رتبة بعد رتبة الأنبياء، بالقيام بما أمر الله من العدل والحكمة والقسط. ونقل الرازي قول الحسن هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العِظم منزلة الأنبياء (٢). قال القرطبي دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة (٣). قال أبو السعود (وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس) أي بالعدل ولعل تكريرَ الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافها في الوقت (٤). قال ابن سعدي ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات (٥).
стр. 214
[سنة الله في عاقبة المؤمنين وإهلاك الكافرين] قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة آل عمران ٢٦] قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وقد نظرنا فيما وقع للغابرين والحاضرين ومحصنا أسبابه فألفيناها ترجع إلى سنن مطردة، وبين بعض هذه السنن في نزع الملك ممن يشاء وإيتائه من يشاء، وبهذا يظهر وجه اتصال الآية بما قبلها وكونها بمثابة الدليل لقوله السابق (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) [سورة آل عمران ١٢] فهي تتضمن تأكيد الوعد بنصر النبي ﷺ وغلب أعدائه من أهل الكتاب والمشركين (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة سنة الله في عاقبة المؤمنين وإهلاك الكافرين، بدلالة الجمع بين الآيات. وجه الاستنباط دلت الآية على أن من سنن الله المطردة في إيتائه الملك لمن يشاء ونزعه عمن يشاء أنها تابعة لمشيئة الله، ولا تنافي بين ما يجري الله من الأسباب الكونية والدينية من بقاء الملك وسبب حصوله أو زواله، فكلها تابعة للقضاء والقدر، وفق شروط ذكرها الله وعلى رأسها العدل، الذي ينصر الله به الأمة الكافرة إذا قامت به، ويخذل الأمة المسلمة إذا تركته، واستدل الشيخ بعد هذا بتأكيد وعد الله، بزوال الكافرين ونصر المؤمنين المتقين، وذلك بنصر نبيه وغلبته على أعدائه بما ورد في الآية السابقة، (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)) [سورة آل عمران ١٢]، وفي هذا بشارة وتسلية وتحقيق لسنة الله في الملك والتمكين. وقد انفرد الشيخ بهذا الربط بين الآيات، وهذا ما يعرف في مسائل علوم القرآن بمسألة المناسبة بين الآيات بالاتصال. قال ابن جرير وتعز من تشاء، بإعطائه الملك والسلطان، وَبسط القدرة له وتذلّ من تشاء بسلبك ملكه، وتسليط عدوه عليه بيدك الخير، أي كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد، لأنك على كل شيء قديرٌ، دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأمِّيين من العرب إلهًا وربًّا يعبدونه من دونك (٢). قال البغوي وقوله تعالى وتعز من تشاء وتذل من تشاء، قال عطاء وتعز من تشاء المهاجرين والأنصار، وتذل من تشاء فارس والروم، وقيل تعز من تشاء محمدا ﷺ وأصحابه، حين دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها [قهرا على أهلها]، وتذل من تشاء أبا جهل وأصحابه، حتى جزت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل تعز من تشاء بالإيمان والهداية [ودخول الجنة] (٣). قال ابن سعدي في قوله (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف المذكور، وقال تعالى (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) الآية وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على الأعداء، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم (٤).
стр. 215
[النكاح سنة الله وفطرته في خلقه من الناس] قال تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)) [سورة آل عمران ٣٩] قال الشيخ محمد رشيد ﵀ قال الرازي احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل، ونقول إن الآية ليست نصا ولا ظاهرة في ذلك، وإذا سلمنا أنها تدل عليه فلا نسلم أنها تدل على أن ترك التزوج أفضل مطلقا، وليس يحيى بأفضل من أبيه ولا من إبراهيم الخليل ولا من محمد خاتم النبيين والمرسلين، وسنة النكاح أفضل سنن الفطرة لأنها قوام هذه الحياة الدنيا، وسبب بقاء الإنسان الذي كرمه الله وخلقه في أحسن تقويم وجعله خليفة في الأرض إلى الأجل المسمى في علم الله (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة النكاح سنة الله وفطرته في خلقه من الناس، بمفهوم المخالفة. وجه الاستنباط الآية لم تتطرق لحكم النكاح وليس فيها تصريح أو تنصيص على فعله أو المنع منه، وإنما هذه صفة اختص الله بها نبيه يحيي ﵇، عن باقي الأنبياء، وإنما هي كفاية من الله ليحيى، فامتناعه عن وطء النساء كان تبتلا لله وعفة وزهدا إذ ليس في قلبه شهوة لهن، وليس فيها انتقاص أو إلحاق أذى به ﵇، والنكاح سنة الله في خلقه، وفطرة فطر الناس عليها، وفعلها الأنبياء من قبله ومن بعده، وهو شريعة ثابتة، تدور أحكامه بين الوجوب والاستحباب. وقد أجمع المفسرون على أن المقصود من الحصر هنا ليس لعجز بل هو امتناع عن الشهوات والملهيات للعفة والزهد (٢). وتنوعت عباراتهم في بيان المعنى المراد فقال ابن كثير قيل ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله ، كيحيى ﵇، ثم هي حق من أقدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة علياء، وهي درجة نبينا محمد ﷺ (٣). وقال البغوي الحصور بمعنى المحصور، يعني الممنوع من النساء، قال سعيد بن المسيب كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره، وفيه قول آخر إن الحصور الممتنع من الوطء مع القدرة عليه، واختار قوم هذا القول لوجهين، أحدهما لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، والثاني أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء (٤)، ومثله القرطبي (٥). ومما تقدم لم نجد من أشار لاستنباط الشيخ محمد رشيد إلا عبارة أبي حيان حيث قال وقد استدل بقوله وحصورا من ذهب إلى أن التبتل لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح، وهو مذهب الجمهور خلافا لمذهب أبي حنيفة، فإنه بالعكس (٦). وقال ابن عاشور ذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إما أن يكون مدحا له، لما تستلزمه هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرمة، بأصل الخلقة، ولعل ذلك لمراعاة براءته مما يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم، وقد كان اليهود في عصره في أشد البهتان والاختلاق، وإما ألا يكون المقصود بذكر هذه الصفة مدحا له لأن من هو أفضل من يحيى من الأنبياء والرسل كانوا مستكملين المقدرة على قربان النساء فتعين أن يكون ذكر هذه الصفة ليحيى إعلاما لزكرياء بأن الله وهبه ولدا إجابة لدعوته (٧).
стр. 216
[تعبير القرآن بلفظة (خلق) عيسى رد على النصارى] قال تعالى (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)) [سورة آل عمران ٤٧] قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وعبر هنا بالخلق وفي بشارة زكريا بيحيى بالفعل، وكل منهما خلق وفعل، لكن لفظ الفعل يستعمل كثيرا فيما يجري على قانون الأسباب المعروفة، ولفظ الخلق يستعمل في الإبداع والإيجاد ولو بغير ما يعرف من الأسباب (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب إعجاز القرآن، في مسألة تعبير القرآن بلفظة (خلق) عيسى رد على النصارى، بدلالة اختلاف اللفظ. وجه الاستنباط كل معنى أتى في الموضع المناسب له، فلفظ الخلق لعيسى لأن خلقته من غير أب تعد إيجاد ولا قانون لها فهو على غير المعهود في التوالد؛ لأنه من أم غير زوج في الظاهر، فكان بالأمور المبتدأة بمحض القدرة أشبه، والتعبير عنه بالخلق أليق، وفيه أيضا رد على شبهة النصارى بالتصريح بأنه مخلوق فيكون قطعا لهم. قال ابن كثير وصرح هاهنا بقوله (يخلق) ولم يقل يفعل كما في قصة زكريا، بل نص هاهنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى شبهة، وأكد ذلك بقوله (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) أي فلا يتأخر شيئا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة، كقوله تعالى (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) [القمر ٥٠] أي إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح بالبصر (٢). قال البيضاوي (قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ) القائل جبريل، أو الله تعالى وجبريل حكى لها قول الله تعالى، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، إشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجاً بأسباب ومواد يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك (٣). وقال أبو السعود (كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء) الكلامُ في إعرابه كما مرَّ في قصَّةِ زكريا بعينه خلا أن إيراد يخلق ههنا مكانَ يفعلُ هناك لما أن ولادةَ العذراءِ من غير أن يمسَّها بشرٌ أبدعُ وأغربُ من ولادة عجوزٍ عاقرٍ من شيخ فان فكان الخلق المنبئ عن الاختراع أنسبَ بهذا المقام من مطلق الفعل ولذلك عقّب ببيان كيفيته فقيل (إِذَا قَضَى أَمْرًا) من الأمور أي أراد شيئاً (٤). ومثله ابن عثيمين حيث قال عُبر في قصة مريم بالخلق وفي قصة زكريا بالفعل (يفعل)، فهل هناك نكتة أو أنه اختلاف تعبير؟ الجواب أن هناك نكتة، وهي من وجهين الوجه الأول مما قاله العلماء وهو صحيح أن عيسى ﵇ خلق من غير ما جرت العادة به، خلق على وجه لم تجر العادة بمثله إطلاقاً، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يقال خلق الله السماوات، ولا يقال فعل الله السماوات، مع أن الخلق فعله لكن الخلق فيه نوع من الإبداع ولذلك قال (خلق). الوجه الثاني الرد على شبهة النصارى الذين يقولون إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعاً لدابر قولهم فيه، إذن نكتة كونية ونكتة شرعية يعني حكمة كونية شرعية (٥).
стр. 217
[عظمة الخالق وقصر عقول الخلق، وأن أفعاله لا تقاس بأفعالهم] قال تعالى (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)) [سورة آل عمران ٤٧] قال الشيخ محمد رشيد ﵀ إعلم أن الكافرين بآيات الله ينكرون الحمل بعيسى من غير أب جمودا على العادات، وذهولا عن كيفية ابتداء خلق جميع المخلوقات، ولو كان لهم دليل عقلي على استحالة ذلك لكانوا معذورين، ولكن لا دليل لهم إلا أن هذا غير معتاد (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة عظمة الخالق وقصر عقول الخلق، وأن أفعاله لا تقاس بأفعالهم، من دلالة المفهوم. وجه الاستنباط أفعال الله جل وعلا تكون وفق إرادته ومشيئته، لا يسأل عما يفعل، ولا يمكن معرفة كيفيتها بالعقل البشري القاصر عن إدراكها، ولذلك فإنكار المنكرين خلق عيسى من غير أب، اعتماد على العادات والأشياء المتعارف عليها، وقصور عن إدراك ومعرفة ما يليق بالخالق سبحانه، وذهول عن كيفية بدء خلق المخلوقات، وأنه لا دليل عقلي يؤيد ما ذهبوا إليه من مخالفة المعتاد، وهذه مسألة متقررة عند أهل السنة والجماعة. قال ابن جرير وقوله (سُبْحَانَهُ) يقول تنزيهًا لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إليه الكافرون القائلون عيسى ابن الله، وقوله إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يقول جل ثناؤه إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداء، وأنشأه إنشاء من غير فحل افتحل أمه، ولكنه قال له (كُنْ فَيَكُونُ) لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها، إنما يقول، إذا قضى خلق شيء أو إنشاءه كن فيكون موجودا حادثا، لا يعظم عليه خلقه، لأنه لا يخلقه بمعاناة وكلفة، ولا ينشئه بمعالجة وشدّة (٢). قال ابن عطية جاءت العبارة في أمر زكريا يفعل وجاءت هنا، يَخْلُقُ من حيث أمر زكرياء داخل في الإمكان الذي يتعارف وإن قل وقصة مريم لا تتعارف البتة، فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع وأدل عليه (٣). قال ابن كثير في قوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله) في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب (كمثل آدم) فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم، بل (خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادا، ولكن الرب ، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم (ولنجعله آية للناس) [مريم ٢١] (٤). قال أبو السعود أن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ فان فكان الخلق المنبئ عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل ولذلك عقب ببيان كيفيته فقيل (إذا قضى أمرا) من الأمور أي أراد شيئا كما في قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا) وأصل القضاء الإحكام أطلق على الإرادة الإلهية القطعية المتعلقة بوجود الشئ لإيجابها إياه ألبتّه (٥). وبمثله قال الألوسي، وابن سعدي، وأبو زهرة (٦).
стр. 218
[الدين عند الله الإسلام وهو دين كل الرسل] قال تعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)) [سورة آل عمران ٥٢] قال الشيخ محمد رشيد ﵀ في هذا دليل على أن الإسلام دين الله على لسان كل نبي وإن اختلفوا في بعض صوره وأشكاله وأحكامه وأعماله (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة الدين عند الله الإسلام وهو دين كل الرسل، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط شهادة الحواريين لعيسى ﵇ وإقرارهم له بالانقياد لأوامر الله ونواهيه دليل على أن الإسلام الذي يرتضيه الله هو (الاستسلام لله) بالذل والخضوع لله تعالى، بإفراده بالربوبية، والخلق، والتدبير، وإفراده تعالى بالألوهية بجميع أنواع العبادة، فهو دين واحد من عهد آدم إلى قيام الساعة، وهو الذي خلق الخلق لأجله قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات ٥٦]، أما الشرائع فقد اختلفت بين الأمم ووفق ما يحقق مصالحهم الدينية والدنيوية. وعلى هذا سار المفسرون ومنهم ابن جرير فقال هذا خبر من الله أن الإسلام دينه الذي بعث به عيسى والأنبياء من قبله لا النصرانية ولا اليهودية، وتبرئةٌ من الله لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برّأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام (٢). وقال الرازي فيه قولان الأول المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك، والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه الثاني أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم (٣). وقال ابو حيان ودلّ ذلك على أن عيسى ﵇ كان على دين الإسلام، برأه اللّه من سائر الأديان كما برأ إبراهيم بقوله (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [سورة آل عمران ٦٧] (٤). وقال ابن سعدي وهذا من منة الله عليهم، وعلى عيسى، حيث ألهم هؤلاء الحواريين، الإيمان به، والانقياد لطاعته، والنصر لرسوله (٥).
стр. 219
[رفع الله عيسى إلى السماء حيّا، رفعة لمكانته] قال تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)) [سورة آل عمران ٥٥] قال الشيخ محمد رشيد ﵀ وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبا، أقول وفاتهم أن مخالفة الترتيب في الذكر للترتيب في الوجود لا يأتي في الكلام البليغ إلا لنكتة، ولا نكتة هنا لتقديم التوفي على الرفع؛ إذ الرفع هو الأهم لما فيه من البشارة بالنجاة ورفعة المكانة (١). الدراسة استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالرسل، في مسألة رفع الله عيسى إلى السماء حيّا، رفعة لمكانته، بدلالة المنطوق. وجه الاستنباط في قصة عيسى ﵇، الرفع قبل الإماتة على ما تقرر عند المفسرين، وتقديم التوفي على الرفع في الآية، وعطفه بالواو لا تفيد ترتيبا، ورفعه ﵇ هو الأهم، وهذا بشارة بنجاته من القتل والتمثيل به، ورفعة لمكانته. قال ابن جرير وقال آخرون معنى ذلك إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إليّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا، وقال هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم (٢). قال ابن كثير اختلف المفسرون في قوله (إني متوفيك ورافعك إلي) فقال قتادة وغيره هذا من المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إلى ومتوفيك (٣)، وكذا قال البغوي، والقرطبي (٤). قال الرازي واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين أحدهما إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم، ولا تأخير فيها، والثاني فرض التقديم والتأخير فيها، والطريق الثاني وهو قول من قال لا بد في الآية من تقديم وتأخير من غير أن يحتاج فيها إلى تقديم أو تأخير، قالوا إن قوله ورافعك إلي يقتضي أنه رفعه حيا، والواو لا تقتضي الترتيب، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم وتأخير، والمعنى أني رافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك في الدنيا، ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن. واعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر والله أعلم (٥). وقال ابن عاشور وقد قيل في تأويله إن عطف ورافعك إلي على التقديم والتأخير إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي إني رافعك إلي ثم متوفيك بعد ذلك، وليس في الكلام دلالة على أنه يموت في آخر الدهر سوى أن في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال (فيمكث (أي عيسى) في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون)) (٦)، والوجه أن يحمل قوله تعالى: ﴿إني متوفيك﴾ على حقيقته، وهو الظاهر، وأن تؤول الأخبار التي يفيد ظاهرها أنه حي على معنى حياة كرامة عند الله، كحياة الشهداء وأقوى، وأنه إذا حمل نزوله على ظاهره دون تأويل، أن ذلك يقوم مقام البعض، وأن قوله- في حديث أبي هريرة- ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون مدرج من أبي هريرة لأنه لم يروه غيره ممن رووا حديث نزول عيسى، وهم جمع من الصحابة، والروايات مختلفة وغير صريحة. ولم يتعرض القرآن في عد مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان" (٧).
стр. 220
[تذكير الله للناس جميعا أن المرجع إليه وهو الحكم فيما اختلفوا فيه]
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [سورة آل عمران: ٥٥]
٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، وبذلك يشمل المسيح والمختلفين معه ويشتمل الاختلاف بين أتباعه والكافرين به، والله هو الذي يبين لهم جميعا يوم الحساب الحق في كل ما اختلفوا فيه بما يزيل شبه المشتبهين ورياء الجاحدين" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة تذكير الله للناس جميعا أن المرجع إليه وهو الحكم فيما اختلفوا فيه، بدلالة الألفاظ.
وجه الاستنباط: بعد أن فرق الله بين أتباع عيسى وبين مخالفيه بالكفر والعناد، انتقل بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى مخاطبة جميع المكلفين من عهد عيسى ﵇ إلى عهد نبينا محمد ﷺ ، ليبين لهم أن مآلكم جميعا أيها المختلفون في عيسى، أو من اختلفت مشاربهم في الكفر على مر الزمان، أن الله جامعكم ومحيط بكم في يوم المحاسبة والمجازاة على الأعمال، الحسنة بالإحسان والسيئة بالعذاب الأليم، فلا ينفع رياء ولا جحود في ذلك اليوم، وفي هذا رد كما أشار الشيخ على من له شبهة في هذا، كالدهريين من كفار مكة.
وممن قال بهذا ابن جرير: "وهذا من الكلام الذي صُرف من الخبر عن الغائب إلى المخاطبة، وذلك أن قوله: ﴿ثم إليَّ مرجعكم﴾، إنما قُصد به الخبرُ عن متَّبعي عيسى والكافرين به" (٢).
قال البيضاوي: " ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ الضمير لعيسى ﵊ ومن تبعه ومن كفر به، وغلب المخاطبين على الغائبين" (٣).
وقال أبو حيان: " ﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾ الكاف: ضمير عيسى كالكاف السابقة، وقيل: هو خطاب للنبي ﷺ ، وهو من تلوين الخطاب، انتهى هذا القول، ولا يظهر، ومعنى اتبعوك: أي في الدين والشريعة، وهم المسلمون، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، وقال الجمهور: بعموم المتبعين، فتدخل في ذلك أمة محمد ﷺ ، نص عليه قتادة، وبعموم الكافرين" (٤).
стр. 221
قال أبو السعود: " ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي رجوعكم بالبعث وثم للتراخي وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ للقصرِ المفيدِ لتأكيد الوعدِ والوعيد والضمير لعيسى ﵊ وغيرِه من المتبعين له والكافرين به على تغليبُ المخاطَب على الغائبِ في ضمن الالتفاتِ فإنه أبلغُ في التبشير والإنذار" (١).
وقال ابن عاشور: "والظاهر أن هذه الجملة مما خاطب الله به عيسى، وأن ضمير مرجعكم، وما معه من ضمائر المخاطبين، عائد إلى عيسى والذين اتبعوه والذين كفروا به، ويجوز أن يكون خطابا للنبي ﷺ والمسلمين، فتكون ثم للانتقال من غرض إلى غرض، زيادة على التراخي الرتبي والتراخي الزمني" (٢).
[الفرق بين الإرادة والتكليف]
قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [سورة آل عمران: ٥٩]
٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وخطر لي الآن أنه يجوز أن تكون كلمة التكوين مجموع كن فيكون، والمعنى: ثم قال له كلمة التكوين التي هي عبارة عن توجه الإرادة إلى الشيء ووجوده بها حالا، ويظهر هذا في مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [سورة الأنعام: ٧٣] ولو كان القول للتكليف لم يظهر هذا؛ لأن قول التكليف من صفة الكلام، وقول التكوين من صفة المشيئة، ولعل من تأمله حق التأمل لا يجد عنه منصرفا، والعطف بـ (ثم) لبيان التكوين الآخر يفيد تراخيه وتأخره عن الخلق الأول" (٣).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة الفرق بين الإرادة والتكليف، بدلالة المفهوم والعطف.
وجه الاستنباط: دلت الآية على أن كلمة التكوين مجموع (كن فيكون)، وهي إرادة الله الكونية إلى الشيء ووجوده بها حالا، وليس للتكليف، ودلل على أن هذا القول ظاهر في قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق﴾.
قال ابن جرير: "هو عام في كل ما قضاه الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائزة إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا: "كتاب البيان عن أصول الأحكام". وإذ كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله: (كن) في حال إرادته إياه مكوَّنا، لا يتقدم وجود الذي أراد إيجاده وتكوينه، إرادته إياه، ولا أمره بالكون والوجود، ولا يتأخر عنه، فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود مرادا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك" (٤).
стр. 222
قال الشيخ حافظ حكمي (١): "قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٣] فأخبر تعالى أن الخلق غير الأمر وأن القرآن من أمره لا من خلقه وقال: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠] فكن من كلامه الذي هو صفته ليس بمخلوق، والشيء المراد المقول له "كن" مخلوق، وقال تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٩] فعيسى وآدم مخلوقان بكن و"كن" قول الله صفة من صفاته، وليس الشيء المخلوق هو كن، ولكنه كان بقول الله له كن" (٢).
قال ابن عاشور: "وقول كن تعبير عن تعلق القدرة بتكوينه حيا ذا روح ليعلم السامعون أن التكوين ليس بصنع يد، ولا نحت بآلة، ولكنه بإرادة وتعلق قدرة وتسخير الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد، حتى تلتئم وتندفع إلى إظهار المكون وكل ذلك عن توجه الإرادة بالتنجيز، فبتلك الكلمة كان آدم أيضا كلمة من الله ولكنه لم يوصف بذلك لأنه لم يقع احتياج إلى ذلك لفوات زمانه، وإنما قال: فيكون ولم يقل فكان لاستحضار صورة تكونه" (٣).
قال أبو زهرة: "قال في شأن خلق عيسى من غير أب: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، وبهذا يتبين أن الله خلقه بكلمة منه، وهو "كن"، كما خلق آدم، وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها، فقد خلق من غير بذر يبذر في رحم أمه، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد، وللأسباب التي تجري بين الناس، بل كان السبب هو إرادة الله وحده، وكلمته "كن" وبذلك سُمِّيَ كلمة الله، وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته، وما كانت الكلمة من الله إلهًا يعبد، فضلا عن أنه سمي بذلك؛ لأنه فعلا نشأ بكلمة، لَا بمنيِّ من الرجل يمنى، بل كلمته التكوين ألقاها (أي أوصلها) إلى مريم فكان التكوين لعيسى" (٤).
стр. 223
[من العدل مساواة النساء بالرجال في بعض الأمور العامة]
قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [سورة آل عمران: ٦١]
٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي الآية ما ترى من الحكم بمشاركة النساء للرجال في الاجتماع للمباراة القومية والمناضلة الدينية، وهو مبني على اعتبار المرأة كالرجل حتى في الأمور العامة إلا ما استثني منها، ككونها لا تباشر الحرب بنفسها بل يكون حظها من الجهاد خدمة المحاربين كمداواة الجرحى، وقد علمنا مما تقدم أن الحكمة في الدعوة إلى المباهلة هي إظهار الثقة بالاعتقاد واليقين فيه، فلو لم يعلم الله أن المؤمنات على يقين في اعتقادهن كالمؤمنين لما أشركهن معهم في هذا الحكم، فأين هذا من حال نسائنا اليوم ومن اعتقاد جمهورنا فيما ينبغي أن يكن عليه؟ لا علم لهن بحقائق الدين ولا بما بيننا وبين غيرنا من الخلاف والوفاق، ولا مشاركة للرجال في عمل من الأعمال الدينية ولا الاجتماعية" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب العدل، في مسألة من العدل المساواة بين الرجال والنساء في بعض الأمور العامة، واستنباطا اجتماعيا، في مسألة وجوب تعليم النساء ما يحتاج له المجتمع من العلم، بدلالة اللزوم.
وجه الاستنباط: دلت الآية مشاركة النساء للرجال في بعض الأمور العامة وحضور المناظرات الدينية، وفيه دليل على مساواتهن بالرجال في أحكام شرعية، لا تتعارض مع أحكام شرعية أخرى، ومن هذا أخذ على الأمة واجب تعليمهن، وإفساح المجال لهن للإدلاء بآرائهن فيما يحيط بهن وبمجتمعاتهن من الأمور العامة، لتشارك فيها إما برأي أو بمساندة، وهذا حال النساء في عهد النبي ﷺ .
وهذا مما انفرد به الشيخ ﵀ ولم أجد من أشار إلى هذا المعنى، إلا قول الزمخشري: "فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة، وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها" (٢).
стр. 224
[مقصد الشريعة من حكم قتل المرتد]
قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ [سورة آل عمران: ٧٢]
٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويظهر لي أن النبي ﷺ ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه؛ لأن مثل هذه المكايد إذا لم يكن لها أثر في نفوس الأقوياء من الصحابة الذين عرفوا الحق ووصلوا فيه إلى عين اليقين، فإنها قد تخدع الضعفاء الذين يدخلون في الإسلام لتفضيله على الوثنية في الجملة قبل أن تطمئن قلوبهم بالإيمان، كالذين كانوا يعرفون بالمؤلفة قلوبهم؛ وبهذا يتفق الحديث الآمر بذلك مع الآيات النافية للإكراه في الدين والمنكرة له - فيما أرى - وقد أفتيت بذلك كما يظهر لي والله أعلم" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الحدود، في مسألة مقصد الشريعة من حكم قتل المرتد، وذلك بدلالة الجمع بين مفهوم الآية وفعل النبي ﷺ .
وجه الاستنباط: بين الشيخ أن فعل اليهود ودخولهم في الإسلام وجه النهار والكفر آخره له مقصد خبيث وغاية خطيرة وهي صرف ضعفاء الناس عن الإسلام وردتهم عنه، ثم حصر الشيخ محمد رشيد حكم قتل المرتدين في تلك الفترة لصد هذه الغاية الخبيثة، ولحماية هذا الدين وحفظه، وحماية للمجتع، لأن التهاون في إقامة هذه الأحكام تعرض الجميع للخطر، وذلك أن المرتد لا يلبث أن يغرر بغيره ويزين لهم الكفر، وخاصة الضعفاء والبسطاء من الناس، مما يشكل خطرا على الأمة بأسرها، فتتحول فيما بعد إلى حروب تأكل الأخضر واليابس.
وهذا المعنى لم يشر إليه أحد من المفسرين، إلا أن ما ذهب إليه الشيخ محمد رشيد في حصر مقصد قتل المرتد في هذه الحكمة وإن كانت مقصدا شرعيا معتبرا، إلا أنه خالف النصوص الشرعية في حكم قتل المرتد والمقاصد المعتبرة في تلك النصوص في كلام العلماء.
فقَتلُ المُرْتَدِّ عن دِينه، المُفارِقِ لجماعة المسلمين هو حُكْمُ الله ورسوله، لحديث النبي ﷺ : ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ))؛ وقوله ﷺ : ((لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ … )) وذكر منها: ((التَّارِكُ لدِينه، المُفارِقُ للجماعة)).
стр. 225
وقد اتَّفَقَ الفُقَهاءُ على: أنَّ مَنِ ارتَدَّ من المسلمين أُهدِرَ دَمُه، جاء في المغني: "وأجمع أهل العلم على وُجوبِ قَتْلِ المُرْتَدِّ، ورُوِيَ ذلك عن أبي بكر وعُمَرَ، وَعُثْمانَ وعلي، ومعاذٍ وأبي موسى، وابن عباس وخالد، وغيرهم، ولم يُنْكَر ذلك؛ فكان إجماعًا".
فالمرتد لا يقرُّ بعهد أو جِزْيَةٍ، وإنما يجبُ قَتْلُهُ؛ لأنَّه عَرَفَ فأَنْكَرَ، وأُبْصِرَ فعَمِيَ، وسواءٌ دخل الإسلامَ بالِغًا مُدْرِكًا، أم نَشَأَ فيه صغيرًا.
وإقامة الحَد على المُرتَد ليس لإكراهه على الدُّخول في الدِّين، وإنَّما عقوبة له على كفره برَبِّ العالمين، بعد أن اتَّضَحَت له سبيلُ الهُدى، واستَظلّ بظلِّ الإسلام، وأيقن سَماحَتِه وشموله وصلاحِيَتِه لكلِّ النَّاس، وعَلم أنَّه الدِّينُ الحقُّ المُنَزَّلُ من عند الله، والمنزه عن التحريف والتبديل.
والمرتد معلِنٌ حربًا على الله والإسلام، ورافَعٌ راية الضَّلال، ويدعو إليها المُنفَلتين من الشرائع؛ وهو بهذا مُحارِبٌ للمسلمينَ، يُؤْخَذُ بما يؤخذ به المُحارِبونَ لدِينِ الله
[الحسد والكراهية سبب لعدم الإيمان والكيد للمؤمنين]
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [سورة آل عمران: ٧٣]
٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وعندي أن في الكلام لفا ونشرا مرتبا وهو أن كراهتهم أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا هو سبب كيدهم للمؤمنين ليرجعوا وكراهتهم أن يحاجهم بعض المؤمنين عند ربهم هو سبب كتمانهم ذلك عمن لم يتبع دينهم أو عدم الإيمان لهم إذا هم ادعوه، ويشهد لهذا الأخير قوله -تعالى -حكاية عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٧٦] هذا ما فتح الله علي به وله الحمد" (١).
стр. 226
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في بتب أعمال القلوب، في مسألة الحسد والكراهية سبب لعدم الإيمان والكيد للمؤمنين، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: دلت الآية على أن سبب عدم إيمان أهل الكتاب، وكتمانهم للحق الذي في كتبهم، وكيدهم للمؤمنين لصدهم عن سلوك الصراط المستقيم كان بسبب الحقد والكراهية في أن الله لم يخترهم لحمل هذا الدين القويم، وإلى هذا المعنى شواهد من القرآن الكريم، كما بينها الشيخ ﵀.
وما أشار إليه الشيخ من اللف والنشر، وذكر المتعدّدات مع ذكر ما يتعلّق بكلّ واحد منها (١) لم أجد من أشار إليه، وإنما كانت عباراتهم في بيان حال أهل الكتاب، ومن ذلك ما قاله ابن عطية: "والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني: أحدها: ولا تصدقوا تصديقا صحيحا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم كراهة أو مخافة أو حذرا أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم، وحذرا أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر، مع المعرفة بصحة نبوة محمد ﷺ " (٢).
وقال البيضاوي: "ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تقروا عن تصديق قلب إلا لأهل دينكم، أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار لمن كان على دينكم فإن رجوعهم أرجي وأهم. قل إن الهدى هدى الله هو يهدي من يشاء إلى الإيمان ويثبته عليه. أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم متعلق بمحذوف أي دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد، والمعنى أن الحسد حملكم على ذلك أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأشياعكم، ولا تفشوه إلى المسلمين لئلا يزيد ثباتهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام" (٣) ومثله النسفي، وأبو السعود (٤).
стр. 227
[العبودية العامة والعبودية الخاصة وما يتعلق بهما]
قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [سورة آل عمران: ٨٣]
٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "الظاهر أن ما يكون منهم من الانقياد لله - تعالى - بمقتضى الفطرة من قسم إسلام الطوع، وأما ما يقع منهم من التكليف بالاختيار فمنه ما يفعل طوعا وما يفعل كرها، وكذا ما يقع بهم منه ما يكونون كارهين له، ومنه ما يكونون راضين به، فإذا كان مرادا في الآية فالطوع فيه بمعنى الرضا" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة العبودية العامة والعبودية الخاصة وما يتعلق بهما، بدلالة المفهوم من الآية.
وجه الاستنباط: أن العبودية العامة القهرية لكل المخلوقات، والعبودية الخاصة الاختيارية فهي دين الإسلام، المبني على التكليف ثم التشريف لبني آدم، فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرها، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان.
قال ابن جرير: "وتأويل الكلام: يا معشرَ أهل الكتاب (أفغيرَ دين الله تبغون)، يقول: أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون، (وله أسلم من في السماوات والأرض)، يقول: وله خَشع من في السماوات والأرض، فخضع له بالعبودة، وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية (طوْعًا وكرهًا)، يقول أسلم لله طائعًا من كان إسلامه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين، فإنهم أسلموا لله طائعين (وكرهًا)، من كان منهم كارهًا" (٢).
وقال ابن كثير: " فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرها، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم" (٣).
وقال البغوي: "وله أسلم: خضع وانقاد، من في السماوات والأرض طوعا وكرها، فالطوع: الانقياد والاتباع بسهولة، والكره: ما كان بمشقة وإباء من النفس" (٤)، ومثله البيضاوي، ابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي (٥).
стр. 228
وقال الرازي: "وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الإسلام، هو الاستسلام والانقياد والخضوع، إذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السموات والأرض لله وجوه، الأول: وهو الأصح عندي أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه، وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع.
المسألة الثانية: قال الواحدي ﵀: الطوع الانقياد، يقال: طاعه يطوعه طوعا إذا انقاد له وخضع، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاوعه" (١).
[الحل والحرمة في المطعومات خاضع لحكم الله وليس للعادات]
قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [سورة آل عمران: ٩٣]
٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والمتبادر عندي: أن المراد بما حرمه إسرائيل على نفسه ما امتنعوا عن أكله وحرموه على أنفسهم بحكم العادة والتقليد لا بحكم من الله، كما يعهد مثل ذلك في جميع الأمم، ومنه تحريم العرب للبحائر والسوائب وغير ذلك مما حكاه القرآن عنهم في سورتي المائدة والأنعام، وقيل: إن شبهتهم التي دفعتها الآية هي إنكار النسخ، فألزمهم بأن التوراة نفسها نسخت بعض ما كان عليه إبراهيم وإسرائيل، وهو إلزام لا يمكنهم التفصي منه؛ لأنه ثابت عندهم في التوراة وهو يدل على نبوة النبي على كل حال" (٢).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب التشريع، في مسألة الحل والحرمة في المطعومات خاضع لحكم الله وليس للعادات، بدلالة النص من الآية.
وجه الاستنباط: في الآية دلالة على أن التحريم الواقع من بني إسرائيل لأنواع من الطيبات لم يكن مستندا لدليل شرعي، وإنما كان منشأه العادات المنتشرة في ذلك الزمان، وبين أن هذا في كل الأمم، ويختلف من أمة إلى أمة في سبب هذا التحريم، فقد يكون في أمة بسبب العادات، وفي أمة بسبب إنكار النسخ (٣)، لكن المنهج السليم هو عرض هذه الأحكام على الكتب المنزلة لمعرفة الحلال والحرام منها.
стр. 229
قال جمع من المفسرين: الآية محمولة على معنيين: الأول: أن المراد بالتحريم المنع، أي أنه منع على نفسه نوعا من الطعام دون اعتقاد تحريمه، فمجرد الامتناع يسمى تحريماً، وهو إنما فعله إما وفاء بالنذر وإما تداوياً، الثاني: أنه اجتهاد منه أقرّه الله عليه (١).
قال ابن جرير: "أولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من غير تحريم الله ذلك عليه، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم، من غير أن يحرمه الله عليهم في تنزيل ولا وحي قبل التوراة، حتى نزلت التوراةُ، فحرّم الله عليهم فيها ما شاءَ، وأحلّ لهم فيها ما أحبّ. وهذا قول قالته جماعة من أهل التأويل" (٢).
قال ابن عطية: " وذهب كثير من المفسرين إلى أن معنى الآية: الرد على اليهود في قولهم في كل ما حرموه على أنفسهم من الأشياء: إنها محرمة عليهم بأمر الله في التوراة، فأكذبهم الله بهذه الآية، وأخبر أن جميع الطعام كان حلا لهم، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، ولم يرد به ولده، فلما استنوا هم به جاءت التوراة بتحريم ذلك عليهم، وليس من التوراة شيء من الزوائد التي يدعون أن الله حرمها"، وزاد: "وانتزع من هذه الآية أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النظر لمصلحة أو قربة أو زهد" (٣).
[التحذير من مخالفة أمر الله والحث على الثبات على شرعه]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢]
١٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهذا النهي مبني على قاعدة أن المرء يموت غالبا على ما عاش عليه، فإذا عاش على اليقين حق التقوى والاحتراس مما ينافي الإسلام مات على ذلك بفضل الله الذي كانت تلك القاعدة من سننه في خلقه" (٤).
стр. 230
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة التحذير من مخالفة أمر الله والحث على الثبات على شرعه، بدلالة التضمن.
وجه الاستنباط: في الآية تحذير من مخالفة أمر الله، والموت على ما لا يرضاه، وترغيب في المحافظة على أوامر الله بإقامة شرعه والثبات عليها في حال الصحة والسقم، فلا يرتضي عنه بديلا، لأن المرء يموت على ما عاش عليه، وهذا أسلوب تربوي ينبغي أن يربى عليه أبناء المسلمين، فيحافظون على الدين والأخلاق الفاضلة ويموتون عليها، وأن يحذروا من البدع والخرافات والأهواء فإنهم إن عاشوا عليها ماتوا عليها.
قال ابن كثير: "قوله: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذا بالله من خلاف ذلك" (١).
قال ابن عطية: "دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه، هكذا هو وجه الأمر في المعنى، وجاءت العبارة على هذا النظم الرائق الوجيز، ونظيره ما حكى سيبويه من قولهم: لا أرينك هاهنا، وإنما المراد: لا تكن هاهنا فتكون رؤيتي لك، ومُسْلِمُونَ في هذه الآية، هو المعنى الجامع التصديق والأعمال، وهو الدين عند الله وهو الذي بني على خمس" (٢).
قال الزمخشري: "ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت" (٣)، ومثله البيضاوي، وأبو حيان (٤)
قال الرازي: "ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون فلفظ النهي واقع على الموت، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام، وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم" (٥).
قال ابن عاشور: "فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة، ولو كان المراد به معناه الأصلي" (٦).
стр. 231
[رحمة الله تسبق غضبه]
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٦]
١١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ومن مباحث اللفظ والنظم في الآيات أنه جعل النشر في آية يوم تبيض وجوه إلخ، على غير ترتيب اللف إذ ذكر في اللف الابيضاض قبل الاسوداد، وذكر في النشر حكم من اسودت وجوههم قبل حكم من ابيضت وجوههم، وليس اللف والنشر يسمونه المرتب أبلغ مما يسمونه المشوش" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الأسماء والصفات، في مسألة رحمة الله سبقت غضبه، بدلالة التقديم والتأخير.
وجه الاستنباط: ابتدأت الآية بلفظ البياض، وختمت بوصف لأهل هذا البياض تشريفا وإتماما للنعمة لأهل الإيمان، وهذا الأسلوب من أساليب البلاغة الفصيحة، ذلك أن الكلام الفصيح ينبغي أن يتفق مطلعه مع خاتمته بما يكون فيه سرور وانشراح، وفي هذه الآية وضحت البلاغة في أعلى مراتبها، فكان هذا الأسلوب بيان لرحمة الله التي سبقت غضبه، وبينت المكانة العظيمة لأهل الإيمان بالله وكتبه.
وقد أشار بعض أهل التفسير إلى هذا، ومنهم الرازي، حيث قال: "وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى ذكر القسمين أولا فقال: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فقدم البياض على السواد في اللفظ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض. والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب.
وثانيها: أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب، قال ﵊ حاكيا عن رب العزة سبحانه: «خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم»، وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن، ثم ختم بذكرهم أيضا تنبيها على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: «سبقت رحمتي غضبي»
وثالثها: أن الفصحاء والشعراء قالوا: يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئا يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم" (٢).
وقال أبو حيان: " وبدأ بالبياض لشرفه، وأنه الحالة المثلى. وأسند الابيضاض والاسوداد إلى الوجوه وإن كان جميع الجسد أبيض أو أسود، لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه، وهو أشرف أعضائه" (٣).
وقال ابن عاشور: " وقوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم تفصيل للإجمال السابق، سلك فيه طريق النشر المعكوس، وفيه إيجاز لأن أصل الكلام، فأما الذين اسودت وجوههم فهم الكافرون يقال لهم أكفرتم إلى آخر: وأما الذين ابيضت وجوههم فهم المؤمنون وفي رحمة الله هم فيها خالدون، قدم عند وصف اليوم ذكر البياض، الذي هو شعار أهل النعيم، تشريفا لذلك اليوم بأنه يوم ظهور رحمة الله ونعمته، ولأن رحمة الله سبقت غضبه، ولأن في ذكر سمة أهل النعيم، عقب وعيد بالعذاب، حسرة عليهم، إذ يعلم السامع أن لهم عذابا عظيما في يوم فيه نعيم عظيم، ثم قدم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلا بمساءتهم" (٤).
стр. 232
[الفرق بين الهداية العامة والخاصة]
قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [سورة آل عمران: ١٣٨]
١٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وإيضاح النكتة في جعل البيان للناس كافة، والهدى والموعظة للمتقين خاصة هو بيان أن الإرشاد عام، وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة فهو أنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقيقة، ويتعظون بما ينطبق عليهم من الوقائع فيستقيمون على الطريقة، هم الذين تكمل لهم الفائدة والموعظة لأنهم يتجنبون ويتقون نتائج الإهمال التي يظهر لهم أن عاقبتها ضارة، فليزن مسلمو هذا الزمان إيمانهم وإسلامهم بهذه الآيات" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة الفرق بين الهداية العامة والخاصة (هداية الإرشاد وهداية التوفيق)، بدلالة الألفاظ.
وجه الاستنباط: دلت الآية على الفرق بين الهداية العامة وهي هداية الإرشاد والهداية الخاصة وهي هداية التوفيق، فكل بيان عام في الكتب السابقة وقع على سنة الله المطردة في إقامة الحجة على جميع الناس المؤمنين والكافرين، وأما الهداية الخاصة فإنها لا تتحقق إلا لمن سلك طريق المهتدين وانتفع بما حصل للمكذبين، وسار على نهج المتقين فاهتدى بهديهم إلى الطريق الصحيح.
وقد أشار إلى هذا بعض المفسرين منهم ابن عطية فقال: "وقال قتادة في تفسير الآية: هو هذا القرآن جعله الله بيانا للناس عامة وهدى وموعظة للمتقين خاصة، قال القاضي: كونه بيانا للناس ظاهر، وهو في ذاته أيضا هدى منصوب وموعظة، لكن من عمي بالكفر وضل وقسا قلبه لا يحسن أن يضاف إليه القرآن، وتحسن إضافته إلى (المتقين) الذين فيهم نفع وإياهم هدى" (٢).
قال الرازي: "ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى وبين الموعظة، لأن العطف يقتضي المغايرة فنقول فيه وجهان:
الوجه الأول: أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان، وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي، وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، الثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة.
стр. 233
الوجه الثاني: أن البيان هو الدلالة، وأما الهدى فهو الدلالة بشرط كونها مفضية إلى الاهتداء، وقد تقدم هذا البحث في تفسير قوله: هدى للمتقين [البقرة: ٢] في سورة البقرة.
المسألة الرابعة: في تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين وجهان: أحدهما: أنهم هم المنتفعون به، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة" (١).
قال أبو زهرة: "هذا بيان للناس أجمعين، يدركه كل من له بصر يبصر به، وفهم يفهم به، وتحقق البيان لَا يقتضي تحقق أثره وهو المعرفة التي تهدي إلى الإيمان وتوجب الاتعاظ، إنما تكون الهداية من البيان والاتعاظ به للمتقين دون غيرهم، ولذلك جعل سبحانه البيان للناس جميعا، والهداية والموعظة للمتقين منهم فقط؛ إذ إن الهداية بالبيان تقتضي إشراقا روحيا، واستعدادا قلبيا، وإخلاصا في طلب الحقيقة، والموعظة وهي الاستفادة من العبر، تقتضي قلبا متفتحا لإدراك الحقائق والاتجاه إليها بقصد سليم، وذلك كله لَا يتوافر إلا للمتقين الذين أخلصوا أنفسهم لله، وطلبوا الحق، وسلكوا سبيله لَا يبغونه عوجا" (٢).
[الدعوة إلى بناء الكوادر الفعالة في شتى المجالات وعدم الاعتماد على الأفراد]
قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [سورة آل عمران: ١٤٤]
١٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي هذه الآية من الهداية والإرشاد أيضا أنه لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب وعدمه متعلقا بوجود القائد بحيث إذا قتل ينهزم الجيش أو يستسلم للأعداء، وإن الأمة التي تقدر هذه الهداية حق قدرها تعد لكل علم تحتاج إليه ولكل عمل تقوم مصالحها به رجالا كثيرين، فلا تفقد معلما ولا مرشدا ولا حاكما ولا قائدا ولا رئيسا ولا زعيما إلا ويوجد فيها من يقوم مقامه ويؤدي لها من الخدمة ما كان يؤديه، فهي لا تحصر الاستعداد لشيء من الأشياء في فرد من الأفراد، ولا تقصر القيام بأمر من الأمور على نابغ واحد من النابغين" (٣).
стр. 234
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب السياسة الشرعية، في مسألة الدعوة إلى بناء الكوادر الفعالة في شتى المجالات وعدم الاعتماد على الأفراد، بدلالة التضمن.
وجه الاستنباط: أن هذه الآية بينت قاعدة مهمة للأمة وضرورة وأهمية بناء الكوادر الفعالة بالتعليم والتدريب في كل مجال، ولا تحصر القيادات في شخصيات معينة فإذا انهزمت في معركة أو ماتت تموت من بعدها الأمة، بل يكون هناك من يقوم بإكمال المعركة وإكمال المسير وإكمال النهضة.
قال أبوحيان: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل هذا استمرار في عتبهم آخر أن محمدا رسول كمن مضى من الرسل، بلغ عن الله كما بلغوا. وليس بقاء الرسل شرطا في بقاء شرائعهم، بل هم يموتون وتبقى شرائعهم يلتزمها أتباعهم. فكما مضت الرسل وانقضوا، فكذلك حكمهم هو في ذلك واحد" (١).
قال الهرري: "في هذه الآية هداية وإرشاد إلى أنه لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب، أو عدم استمرارها، ذا صلة بوجود القائد إذا قتل أو أنهزم الجيش أو استسلم القائد، بل يجب أن تكون المصالح العامة جارية على نظام ثابت لا يزلزله فقد الرؤساء، ومن توابع هذا النظام أن تعد الأمة لكل أمر عدته، فتوجد لكل عمل رجالاً كثيرين حتى إذا فقد معلما أو مرشداً أو قائداً أو حكيماً أو رئيساً وجدت الكثير ممن يقوم مقامه ويؤدي لها من الخدمة ما كان يؤديه" (٢)، ومثله الشيخ الدوسري (٣).
قال ابن سعدي: "وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فقدُ رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم" (٤).
[معنى زيادة الإيمان]
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]
١٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وكان من قوة إيمانهم وزيادته أن أقدموا - وهم عدد قليل قد أثخنوا بالجراح - على محاربة الجيش الكبير، فالزيادة كانت في الإذعان النفسي، والشعور القلبي، وتبعها الزيادة في العمل، بعد ذلك القول الدال على ما انطوت عليه النفس من اليقين بوعد الله ووعيده، والشعور بعزته وسلطانه، ولولا ذلك لم يكن لهم حول ولا قوة على تلك الاستجابة والإقدام على ما كاد يكون وراء حدود الإمكان، فمن يقول إن الإيمان النفسي لا يزيد ولا ينقص فقد نظر إلى الاصطلاحات اللفظية لا إلى نفسه في إدراكها وشعورها وقوتها في الإذعان وضعفها" (٥).
стр. 235
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة معنى زيادة الإيمان، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: دلت الآية على أن الزيادة في الإيمان لم تقتصر على الثبات في أرض المعركة بل كانت في صورة الإذعان النفسي والشعور القلبي بنصر الله، وتبعها الزيادة في العمل مهما حاول الأعداء صدهم عن ذلك، فالإيمان قول وعمل، وزيادته كذلك في القول والعمل، وهذا التفصيل لمعنى زيادة الإيمان وأنه لا يختص بالأعمال فقط بل يشمل أعمال القلوب، فيه رد على من يقول: إن الإيمان تصديق بالقلب فقط، ورد كذلك على من يقول إن الناس في التصديق سواء، وإعمالاً لقاعدة: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال ابن جرير: "يقول: فزادهم ذلك من تخويف من خوَّفهم أمرَ أبي سفيان وأصحابه من المشركين، يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه" (١).
قال الرازي: "المراد بالزيادة في الإيمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا إليه، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار، وعلى طاعة الرسول ﷺ في كل ما يأمر به وينهى عنه ثقل ذلك أو خف، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة، وكانوا محتاجين إلى المداواة، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة" (٢).
قال البيضاوي: "وهو دليل على أن الإيمان يزيد وينقص" (٣)، ومثله السيوطي في الإكليل (٤).
[الإيمان بالرسل متضمن للإيمان بالغيب]
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩]
١٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وعلى هذا يكون قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) متضمنا للإيمان بما أخبر به رسله من خبر الغيب وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم أي إن أنتم آمنتم بما جاءوا به من خبر الغيب " (٥).
стр. 236
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة الإيمان بالرسل متضمن للإيمان بالغيب، بدلالة التضمن.
وجه الاستنباط: أن أمر الغيب لا يعلم به أحدٌ من البشر إلا من شاء الله اطلاعه عليه، ونحن مأمورون بالإيمان بهذا الغيب جملة وتفصيلا، ورسل الله هم السبيل لعلمنا عن الغيب، فهو من الدلائل على صدق نبوتهم، فلذا كان الإيمان بهم متضمنا للإيمان بالغيب.
قال الرازي: "فآمنوا بالله ورسله يعني لما دلت الدلائل على نبوته وهذه الشبهة التي ذكرتموها في الطعن في نبوته فقد أجبنا عنها، فلم يبق إلا أن تؤمنوا بالله ورسله، وإنما قال: ورسله ولم يقل: ورسوله لدقيقة، وهي أن الطريق الذي به يتوصل إلى الإقرار بنبوة أحد من الأنبياء ﵈ ليس إلا المعجز وهو حاصل في حق محمد ﷺ ، فوجب الإقرار بنبوة كل واحد من الأنبياء" (١).
قال القرطبي: "قوله: ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾ أي على من يستحق النبوة، حتى يكون الوحي باختياركم، (ولكن الله يجتبي) أي يختار (من رسله) لإطلاع غيبه (من يشاء) يقال: طلعت على كذا واطلعت [عليه]، وأطلعت عليه غيري، فهو لازم ومتعد" (٢).
قال البيضاوي: "وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء وما كان الله ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب من كفر وإيمان، ولكن الله يجتبي لرسالته من يشاء فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدل عليها" (٣).
قال أبو السعود: " ﴿فَآمِنُوا بالله ورسله﴾ مع أن سوق النظم الكريم للإيمان بالنبى ﷺ لإيجاب الإيمان به بالطريق البرهاني والإشعارِ بأن ذلك مستلزِمٌ للإيمان بالكل لأنه مصدِّقٌ لما بين يديهِ من الرسل وهم شهداء بصحة نبوتِه ﵊ والمأمورُ به الإيمانُ بكل ما جاءَ به ﵊ فيدخُل فيه تصديقُه ﵇ فيما أخبَر به من أحوال المنافقين دخولاً أولياً هذا هو الذي يقتضيهِ جزالةُ النظمِ الكريمِ" (٤).
قال الشوكاني: "قوله: فآمنوا بالله ورسله أي: افعلوا الإيمان المطلوب منكم، ودعوا الاشتغال بما ليس من شأنكم من التطلع لعلم الله سبحانه، وإن تؤمنوا بما ذكر وتتقوا فلكم عوضا عن ذلك أجر عظيم لا يعرف قدره، ولا يبلغ كنهه" (٥).
стр. 237
[علاقة الإيمان بالتقوى وأنها أثر له]
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩]
١٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وقرنتم بالإيمان تقوى الله - تعالى - بترك المنهيات، وفعل المأمورات بقدر الاستطاعة، فلكم أجر عظيم لا يقدر قدره لا يعرف كنهه، لز التقوى هاهنا مع الإيمان في قرن، وترتيب الأجر عليهما معا هو الموافق للآي الكثيرة في الذكر الحكيم، وهي أظهر، وأشهر، وأكثر من أن ينبه عليها بالشواهد كلما ذكر شيء منها" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة علاقة الإيمان بالتقوى وأنها أثر له، بدلالة الاقتران.
وجه الاستنباط: عطف التقوى على الإيمان بيان أنها أثر له، وأن هذا الأثر هو المطلوب لتحقق الأجر من الله، لأن الله رتب على اقترانهما الأجر والثواب العظيم، وبين الشيخ أن هذا الاقتران له شواهد كثيرة تدل على أهميته.
وقد تطرق بعض المفسرين إلى تفسير التقوى هاهنا وأغفلها آخرون، فممن ذكرها هنا الرازي فقال: "فمن أقر بنبوة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوة الكل، ولما أمرهم بذلك قرن به الوعد بالثواب فقال: وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم وهو ظاهر" (٢).
قال البيضاوي: "وإن تؤمنوا حق الإيمان، وتتقوا النفاق، فلكم أجر عظيم لا يقادر قدره" (٣). ومثله النسفي، وأبو السعود (٤).
قال أبو حيان: " رتب حصول الأجر العظيم على الإيمان، والمعنى: الإيمان السابق، وهو الإيمان بالله ورسله، وعلى التقوى وهي زائدة على الإيمان، وكأنها مرادة في الجملة السابقة فكأنه قيل: فآمنوا بالله ورسله واتقوا الله" (٥).
قال ابن سعدي: "فاقتضت حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب، من أنواع الابتلاء والامتحان، فأرسل [الله] رسله، وأمر بطاعتهم، والانقياد لهم، والإيمان بهم، ووعدهم على الإيمان والتقوى الأجر العظيم" (٦).
стр. 238
[تعظيم القول على الله بغير علم]
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩]
١٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وقد ذهب وهم بعض الناس إلى أن الآية تدل على أن من اجتباهم الله من رسله يعلمون الغيب كله، واستثنى بعضهم علم الساعة لكثرة ما ورد من الآيات التي تنفي علمها عن نبينا ﷺ ، وزعم بعضهم أن الله - تعالى - أطلعه على علم الساعة قبل وفاته، وكل ذلك من الجرأة على الله - تعالى - والقول عليه بغير علم " (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العلم، في مسألة تعظيم القول على الله بغير علم، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: أن الشيخ عد قول من زعم أن الله يخبر بخبر الساعة والغيب كله للرسل ولمن شاء، من الجرأة على الله والقول بغير علم، وأن في هذا خطر عظيم على الأمة وعلى القائل به، إذ إن القول على الله بغير علم ظلم وافتراء على الله، ولا يلجأ إليه إلا أصحاب الأهواء، فلذا يجب الحذر من خطورته.
ولم أجد من المفسرين من تطرق لهذا عند تفسير هذه الآية.
قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري: "القول على الله بغير علم هو عديل للشرك، لأنه افتراء على الله، ولا أحد أظلم ممن أفترى على الله" (٢).
جاء في شرح العقيدة الطحاوية: "حرمة القول على الله بلا علم؛ سبق أن ذكرنا مسألة المحرمات، وقلنا: إنها رتبت على أربع مراتب، بدأ الله بأسهلها، ثم ثنى بما هو أعظم، ثم ثلث بما هو أعظم، ثم ربع بما هو أعظم، والثالث: هو الشرك، والرابع: هو القول على الله بلا علم، فيكون القول على الله بلا علم أعظم من الشرك، فما هو السبب في هذا؟
الجواب: أن القول على الله بغير علم يتضمن الشرك وزيادة، وقلنا: إن المؤلف أراد بهذا أن القول على الله في صفاته وفي أفعاله في خلقه وفي شرعه يتضمن الشرك وزيادة، فهو أعظم من الشرك، أما كونه يتضمن الشرك فلأن الذي يقول على الله بخلاف صفاته يكون معطلاً ما وصف به نفسه، ومن عطله فقد ألحقه بالناقصات، فيكون ممثلاً له من هذه الناحية، وهذا شرك لكونه شبه الله جل وعلا بالمخلوقات" (٣).
стр. 239
بل جاء هذا ذم لبعض الفرق: "ولقد جرأ أصحاب هذه الطريقة الصوفية على القول على الله بغير علم كما كذبوا وأكثروا على رسوله ﷺ لتقوية مبادئهم الكثيرة وتأييدها وبالغوا في الكذب وزخرف القول" (١).
[استيفاء شروط الجهاد]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [سورة آل عمران: ٢٠٠]
١٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "المصابرة، والمرابطة، وهي الرباط بمعنى مباراة الأعداء، ومغالبتهم في الصبر، وفي ربط الخيل كما قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [سورة الأنفال: ٦٠] على الأصل الذي قرره الإسلام من مقاتلتهم بمثل ما يقاتلوننا به، فيدخل في ذلك مباراتهم في هذا العصر بعمل البنادق، والمدافع، والسفن البحرية والبرية والهوائية، وغير ذلك من الفنون، والعدد العسكرية، ويتوقف ذلك كله على البراعة في العلوم الرياضية، والطبيعية، فهي واجبة على المسلمين في هذا العصر؛ لأن الواجب من الاستعداد العسكري لا يتم إلا بها" (٢).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الجهاد، في مسألة استيفاء شروط الجهاد، من دلالة الأمر.
وجه الاستنباط: الأمر بالمصابرة والمرابطة والاستعداد للقاء العدو واجب شرعي، ولكل عصر أدواته الخاصة به، فمثلا في العصر الحاضر تنوعت أسلحتهم بين البنادق والمدافع والصواريخ وغيرها من فنون العدد العسكرية، وتعلم هذه الأمور من واجبات الدين، بناء على القاعدة الأصولية: مالا يتم الواجب به فهو واجب.
وهذا مما تفرد به ﵀ ولم أجد أحدا أشار إلى هذا المعنى، بل جل المفسرين كانت أقوالهم في بيان المعنى العام للمرابطة ولم يتطرقوا إلى أساليب القتال وأدواته، ومن ذلك ما قاله ابن جرير: "وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوكم ورابطوهم" (٣).
وقال ابن كثير: "وقيل: المراد بالمرابطة هاهنا مرابطة الغزو في نحور العدو، وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذكر كثرة الثواب فيه، فروى أن رسول الله ﷺ قال: ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها)) " (٤)(٥)، ومثله أبو حيان، والشوكاني (٦).
стр. 240
وقال الزمخشري: "صبروا على الدين وتكاليفه وصابروا أعداء الله في الجهاد، أى غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا، والمصابرة: باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه، تخصيصا لشدته وصعوبته ورابطوا وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، مترصدين مستعدين للغزو" (١).
وقال ابن عطية: "والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا، واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي ﷺ : فذلك الرباط إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية، والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله: ليس الشديد بالصرعة، كقوله: ليس المسكين بهذا الطواف إلى غير ذلك من الأمثلة، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء: هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما" (٢) ومثله القرطبي (٣).
стр. 241
استنباطات سورة النساء
[حكم تعدد الزوجات]
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [سورة النساء: ٣]
١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن الإفضاء بذلك إلى أكل أموال اليتامى قد جعل حجة على تقليل التزوج لظهور قبحه، وفي ذلك التعدد من المضرات الآن ما لم يكن مثله في عهد التنزيل" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب النكاح، في مسألة حكم التعدد، بدلالة الاقتضاء.
وجه الاستنباط: استدل على منع التعدد إلا للضرورة التي تحدد بشروط، من الحكمة من ترك التزوج باليتيمات لكونه مظنة الظلم وأكل حقوقهن بالباطل.
وللشيخ رأي في مسألة التعدد حيث قال: "التعدد خلاف الأصل وخلاف الكمال وينافي سكون النفس والمودة والرحمة التي هي أكان الحياة الزوجية، فلا ينبغي للمسلم أن يقدم على ذلك إلا للضرورة مع الثقة فيما اشترط الله فيه من العدل، ومرتبة العدل دون مرتبة سكون النفس والمودة والرحمة، وليس وراءه إلا ظلم المرء لنفسه وامرأته وولده وأمته، والله لا يحب الظالمين" (٢).
стр. 242
والشيخ محمد رشيد رضا في هذه المسألة أخذ برأي شيخه، كما استدل بصعوبة الأمر في الواقع المصري الذي غلب عليه التغريب، وكان المفترض أن يكون هذا استثناء خاضع لضوابط الفتوى وحاجة العصر والمصر.
والحق في المسألة أن الأصل في الزواج هو التعدد، لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [سورة النساء: ٣].
قال الشيخ ابن عثيمين: "أما من حيث تعدد الزوجات، فهل الأفضل التعدد، أو الأفضل الإفراد؟ في هذا للعلماء قولان مشهوران: القول الأول: أن الأفضل أن يقتصر على واحدة، وهذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ﵀ عند أصحابه المتأخرين، قالوا: يسن أن يتزوج نكاح واحدة، وعللوا ذلك: بأنه أبعد عن الجور، وأجمع للقلب، وأبعد عن التشويش، وقال آخرون: بل الأفضل أن يعدد؛ لأنه أكثر في تحصيل مصالح النكاح، والقول بالتعدد أقرب إلى الصواب من القول بالإفراد" (١).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير: "ويبقى أن الحكم العام مشروعية التعدد وهو الأصل؛ لأن الله قدمه على الواحدة، وهو استجابة لنبيه ﷺ في كثرة النساء وكثرة الأولاد هذا مطلب شرعي" (٢).
[مدار الطاعة على البقاء في دائرة حدود الله]
قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [سورة النساء: ١٣ - ١٤]
٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: " فمدار الطاعة على البقاء في دائرة هذه الحدود وهي الشريعة، ومدار العصيان على اعتدائها؛ ولذلك وصل هذه الجملة المبينة كون تلك الأحكام حدودا بذكر الجزاء على الطاعة والعصيان مطلقا" (٣).
стр. 243
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة مدار الطاعة على البقاء في دائرة حدود الله، بدلالة الإشارة.
وجه الاستنباط: الله رغب في إقامة شرعه بتطبيق أحكام شرعه في المواريث عامة وفي معاملة النساء خاصة، فتلك إشارة إلى ما سبق من أحكام في أحوال اليتامى والزوجات والوصايا والمواريث، وجعل الله هذه الشرائع حدودا، لأنها مؤقتة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتعدوها إلى غيرها، لأنها مظنة الظلم وعدم العدل ورتب عليها الثواب، فمن عمل بها فقد دخل في طاعة الله وبقي في دائرة حدود الله وإقامتها، ومن لم يطبقها فقد خرج من حدود ربه، وحق عليه وصف العصيان المطلق.
قال ابن عطية: "وهذه آيتا وعد ووعيد، وتقدم الإيجاز في ذلك، ورجّى الله تعالى على التزام هذه الحدود في قسمة الميراث، وتوعد على العصيان فيها بحسب إنكار العرب لهذه القسمة" (١)، ومثل ذلك قال الرازي، والبيضاوي (٢).
قال أبو حيان: "تلك حدود الله قيل: الإشارة بتلك إلى القسمة المتقدمة في المواريث، والأولى أن تكون إشارة إلى الأحكام السابقة في أحوال اليتامى والزوجات والوصايا والمواريث، وجعل هذه الشرائع حدودا، لأنها مؤقتة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتعدوها إلى غيرها، ولما أشار تعالى إلى حدوده التي حدها قسم الناس إلى عامل بها مطيع، وإلى غير عامل بها عاص. وبدأ بالمطيع لأن الغالب على من كان مؤمنا بالله تعالى الطاعة، إذ السورة مفتتحة بخطاب الناس عامة، ثم أردف بخطاب من يتصف بالإيمان إلى آخر المواريث، ولأن قسم الخير ينبغي أن يبتدأ به وأن يعتنى بتقديمه" (٣).
وقال ابن سعدي: "تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها وعدم مجاوزتها، ولا القصور عنها " (٤).
[الإصرار على صغار المعاصي يفضي إلى الكبائر]
قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [سورة النساء: ١٨]
٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن الإصرار على بعض أفراد الذنوب يغري صاحبه بأفراد أخرى من نوعها، أو جنسها، والشر داعية الشر، كما أن الخير داعية الخير" (٥).
стр. 244
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الكبائر، في مسألة الإصرار على صغائر الذنوب يفضي إلى الكبائر، بدلالة اللزوم.
وجه الاستنباط: الإصرار على الذنوب يجر إلى ذنوب أخرى، وفي الآية تحذير من الاستمرار على صغائر الذنوب، وهي تتداعى فتقول السيئة أختي أختي، كما تقول الحسنة أختي أختي (١)، وفي هذا دعوة وحث على التوبة في وقتها، وتنبيه على التوبة التي لا تصح عند إقبال الموت.
قال أبو جعفر: "يعني بذلك جل ثناؤه: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصي الله" (٢).
قال البيضاوي: "إنما التوبة على الله أي إن قبول التوبة كالمحتوم على الله بمقتضى وعده من تاب عليه إذا قبل توبته، للذين يعملون السوء بجهالة متلبسين بها سفها فإن ارتكاب الذنب سفه وتجاهل، ولذلك قيل من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته. ثم يتوبون من قريب من زمان قريب، أي قبل حضور الموت لقوله تعالى: حتى إذا حضر أحدهم الموت" (٣).
وقال أبو حيان: "وقيل: إنما التوبة على الله في الصغائر، وليست التوبة للذين يعملون السيئات في الكبائر، ولا الذين يموتون وهم كفار في الكفر" (٤).
قال القرطبي: "واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين، لقوله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون)، وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه -خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائبا من أقام على ذنب، ولا فرق بين معصية ومعصية- هذا مذهب أهل السنة" (٥).
قال السيوطي: "واستدل بعموم الآية على صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، وبعد نقضها، وعلى صحة توبة المرتد" (٦).
قال ابن سعدي: "وأما بعد حضور الموت فلا يقبل من العاصين توبة ولا من الكفار رجوع، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ الآية.
فيكون المعنى: أن من بادر إلى الإقلاع من حين صدور الذنب وأناب إلى الله وندم عليه فإن الله يتوب عليه، بخلاف من استمر على ذنوبه وأصر على عيوبه، حتى صارت فيه صفات راسخة فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة، والغالب أنه لا يوفق للتوبة ولا ييسر لأسبابها، كالذي يعمل السوء على علم تام ويقين وتهاون بنظر الله إليه، فإنه سد على نفسه باب الرحمة" (٧).
стр. 245
[فساد القلوب واستمراء النفوس للمنكر المتفشي مع شناعته]
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [سورة النساء: ٢٢]
٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "قدم هذا النكاح على غيره، وجعله في آية خاصة، ولم يسرده مع سائر المحرمات في الآية الأخرى؛ لأنه على قبحه كان فاشيا في الجاهلية، ولذاك ذمه بمثل ما ذم به الزنا" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في كتاب النكاح، في مسألة فساد القلوب واستمراء النفوس للمنكر المتفشي مع شناعته، بدلالة التقديم.
وجه الاستنباط: لما كان هذا النوع من النكاح على قبحه وإنكار الفطر له، إلا أنه كان متفشيا في الجاهلية، فلذا قدم على سائر النساء المحرم نكاحهن، وجاء ذمه ووصفه بهذه الأوصاف للتنفير منه، فإن النفوس قد تألف معصية شديدة الحرمة، ثم تتمسك بها، ويغيب عنها قبحها.
قال أبو السعود: "شروعٌ في بيان من يحْرُم نكاحُها من النساء ومَنْ لا يحرُم وإنما خُصَّ هذا النكاحُ بالنهي ولم يُنْظَمْ في سلك نكاحِ المحرِّماتِ الآتيةِ مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرِّين على تعاطيه" (٢).
قال ابن عطية: "هذه الآية مخاطبة للمؤمنين من العرب في مدة نزول الآية، ومعنى الآية والتحريم الذي بعدها مستقر على المؤمنين أجمع، وقال ابن عباس ﵄ في تأويل هذه الآية: كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام، (وكانَ) في هذه الآية تقتضي الماضي والمستقبل" (٣)، ومثله قال أبو حيان، والقرطبي، والشوكاني (٤).
قال الشوكاني: "ثم بين سبحانه وجه النهي عنه فقال: إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا هذه الصفات الثلاث تدل: على أنه من أشد المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه نكاح المقت" (٥).
[المهر من قبيل العدل والمساواة بين الرجل والمرأة]
قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [سورة النساء: ٢٤]
стр. 246
٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن تسمية المهر هنا أجرا، أي ثوابا وجزاء لا ينافي ملاحظة ما في الزوجية من معنى سكون كل من الزوجين إلى الآخر وارتباطه معه برابطة المودة والرحمة، ولكنه لما جعل للرجل على المرأة مع هذه المساواة في الحقوق درجة هي درجة القيامة، ورياسة المنزل الذي يعمرانه، والعشيرة التي يكونانها بالاشتراك، وجعله بذلك هو فاعل الاستمتاع، أي الانتفاع، وهي القابلة له والمواتية فيه، فرض لها سبحانه في مقابلة هذا الامتياز الذي جعله للرجل جزاء وأجرا تطيب به نفسها، ويتم به العدل بينها وبين زوجها، فالمهر ليس ثمنا للبضع، ولا جزاء للزوجية نفسها، وإنما سره وحكمته ما ذكرناه، وهو واضح من معنى الآية مطابق للفظها جامع بينها وبين سائر الآيات، وقد فتح الله علي به الآن، ولم يكن خطر على بالي من قبل على وضوحه في نفسه" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب المقاصد، في مسألة المهر من قبيل العدل والمساواة بين الرجل والمرأة، بدلالة المفهوم.
وجه الاستنباط: بين الشيخ أن المهر ليس من باب العوض، ولا ثمنا للبضع، ولا جزاء للزوجية نفسها، وإنما هو من قبيل العدل والمساواة بين الرجل والمرأة، ولا ينافي معنى السكن والمودة والرحمة بين الزوجين، وإنما هو درجة مقابلة لدرجة القوامة والرياسة للرجل، فكان هذا تطييبا لنفس الزوجة وعدلا بينها وبين الرجل الذي هو فاعل الاستمتاع بالمرأة، وهذا المعنى مفهوم من معنى الآية وغيرها من الآيات في هذا.
وهذا المعنى يعطي معنى رائعا للعلاقة الزوجية وأنها ليست قائمة على مجرد العوض، وإنما هي مرتبطة بحقوق متبادلة تعطي كلا من الرجل والمرأة مكانته عند الآخر، وهذا لا ينافي كون المهر عوض وثمن للبضع، فقد أكدت الشريعة هذا المعنى.
وهذا المعنى لم يتطرق إليه المفسرون، ولم يسبق الشيخ رشيد إليه.
قال ابن جرير: "اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾، فقال بعضهم: معناه: فما نكحتم منهن فجامعتموهن، يعني من النساء ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾ يعني: صدقاتهن فريضة معلومة، وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما تمتعتم به منهن بأجر تمتع اللذة، لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذي يكون بولي وشهود ومهر" (٢)، وكذا نقل ابن عطية اختلاف المفسرين (٣).
стр. 247
قال الزمخشري: " (فآتوهن) وأجورهن مهورهن لأن المهر ثواب على البضع فريضة حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد، أي فرض ذلك فريضة فيما تراضيتم به من بعد الفريضة فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره" (١).
وقال الرازي: "والمعنى أن إيتاءهن أجورهن ومهورهن فريضة لازمة وواجبة" (٢).
وخالف القرطبي فقال: "في قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة)، الاستمتاع التلذذ، والأجور المهور، وسمي المهر أجرا لأنه أجر الاستمتاع، وهذا نص على أن المهر يسمى أجرا، وذلك دليل على أنه في مقابلة البضع، لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا" (٣)، وكذا عند أبو حيان، والشوكاني، وابن سعدي (٤).
قال ابن عاشور: "الآية على هذا قررت دفع المهور وجعلته شرعا، فصار المهر ركنا من أركان النكاح في الإسلام، وقد تقرر في عدة آيات كقوله: فآتوهن أجورهن فريضة وغير ذلك، والمهر علامة معروفة للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة، لكنهم في الجاهلية كان الزوج يعطي مالا لولي المرأة ويسمونه حلوانا -بضم الحاء- ولا تأخذ المرأة شيئا، فأبطل الله ذلك في الإسلام بأن جعل المال للمرأة بقوله: وآتوا النساء صدقاتهن" (٥).
قال أبو زهرة: "أصل فرضية المهر بما يفيد أنه عطاء، فقد قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) والجواب عن ذلك أن الآيات التي بينت أصل الوجوب تبين القصد من الشرعية، وهو كونه هدية واجبة لبيان شرف العلاقة بين الرجل والمرأة، وللمعاني التي شرع من أجلها المهر" (٦).
[الأمم المغلوبة أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة]
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [سورة النساء: ٥٢]
стр. 248
٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهذه الآية تدل على أن سبب لعن الله للأمم هو إيمانها بالخرافات والأباطيل والطغيان، وأنه تعالى إنما ينصر المؤمنين باجتنابهم ذلك، وتدل بطريق اللزوم على أن الأمم المغلوبة تكون أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة المنصورة، فليحاسب المسلمون أنفسهم بها وبما في معناها من الآيات" (١).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة الأمم المغلوبة أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة، بدلالة اللزوم.
وجه الاستنباط: إيمان الأمم بالخرافات والأباطيل والتصديق بالجبت والطاغوت، كان سبب سخط الله وغضبه واستحقاق اللعن الشديد والبعد عن رحمته، والأمم المغلوبة تكون أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة، والغلبة والنصر من الله جارٍ وفق سنن الله الكونية، ولا يكون إلا بتحقيق الإيمان بالله واجتناب كل صور الشرك من اتباع الطواغيت وغيرهم.
قال أبو جعفر: "يعني جل ثناؤه بقوله: (أولئك)، هؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، هم (الذين لعنهم الله)، يقول: أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته، بإيمانهم بالجبت والطاغوت، وكفرهم بالله ورسوله عنادًا منهم لله ولرسوله، وبقولهم للذين كفروا: (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)، (ومن يلعن الله)، يقول: ومن يخزه الله فيبعده من رحمته (فلن تجد له نصيرًا)، يقول: فلن تجد له يا محمد، ناصراً ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحلّ به، فيدفع ذلك عنه" (٢).
قال ابن كثير: "وهذا لعن لهم، وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم، وجاؤوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) " (٣).
قال ابن عطية: " (ولَعَنَهُمُ) معناه: أبعدهم من خيره ومقتهم، ومن يفعل الله ذلك به ويخذله فلا ناصر له من المخلوقين، وإن نصرته طائفة، فنصرتها كلا نصرة، إذ لا تغني عنه شيئا" (٤).
стр. 249
قال الرازي: "واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد ﷺ يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله! ومن كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال والله، فبين أن اللعن من الله وهو الخذلان والإبعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى، وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) [الأحزاب: ٦١] فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول ﷺ بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد" (١).
قال أبو حيان: "أولئك الذين لعنهم الله إشارة إلى من آمن بالجبت والطاغوت وقال تلك المقالة، أبعدهم الله تعالى ومقتهم" (٢).
قال أبو السعود: " ﴿أولئك﴾ إشارة إلى القائلين وما فيه من معنى البعد مع قربهم في الذكر للإشعار ببُعد منزلِتهم في الضلال وهو مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالى: ﴿الذين لَعَنَهُمُ الله﴾ أيْ أبعدهم عن رحمته وطردهم والجملةُ مستأنفةٌ لبيان حالِهم وإظهارِ مصيرِهم ومآلِهم ﴿وَمَن يَلْعَنِ الله﴾ أي يُبعده عن رحمته ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ يدفع عنه العذابَ دنيويا كان أو أخرويا لابشفاعة ولا بغيرها وفيه تنصيصٌ على حِرمانهم مما طلبوا من قريش وفي كلمة لن وتوجيهِ الخطابِ إلى كل أحد ممن يتسنى له الخطاب وتوحيد النصر مُنكّراً والتعبيرِ عن عدمه بعدم الوجدان المنبئ عن سبق الطلبِ مُسنداً إلى المخاطبَ العامِّ من الدِلالة على حِرمانهم الأبديِّ بالكلية ما لا يخفى" (٣). ومثله قال ابن سعدي (٤).
قال ابن عاشور: "وموقع اسم الإشارة هنا في نهاية الرشاقة، لأن من بلغ من وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد، فناسب بعد قوله ألم تر أن يشار إلى هذا الفريق المدعى أنه مرئي، فيقال: (أولئك)، وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما سيذكر من الحكم لأجل ما تقدم من أحوالهم" (٥).
стр. 250
قال أبو زهرة: " (وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) استدراك مما كان ينبغي لهم، أي أنهم لم يفعلوا ما ينبغي؛ لأن الله تعالى لعنهم بأن طردهم من رحمته، فبعدوا عن الهداية بسبب إصرارهم على الكفر" (١).
[علم حفظ الصحة من أداء الأمانة]
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [سورة النساء: ٥٨]
٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ومن ذلك الذي أجمله توقي الإنسان لأسباب الأمراض والأوبئة بحسب معرفته، وما يستفيده من الأطباء، وذلك يدل على أن رعاية هذا النوع من الأمانة يتوقف على تعلم ما يحتاج إليه من علم حفظ الصحة ولا سيما في أيام الأمراض الوبائية المنتشرة" (٢).
الدراسة:
استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا علميا، في باب العلم، في مسألة علم حفظ الصحة من أداء الأمانة، بدلالة التضمن.
وجه الاستنباط: الإنسان بكل جوارحه أمانة، ومن ثم يجب عليه الحفاظ عليها برعايتها وتعليمها ما ينفعها وتحصينها من أمراض البدن أو أمراض الروح لأنها من جملة الأمانة المؤتمن عليها، والمسؤول عنها يوم القيامة.
ولم يُسبق الشيخ إلى هذا المعنى، بل كانت عبارات المفسرين على عموم لفظ الأمانات، كما قال الرازي: "القسم الثالث: وهو أمانة الإنسان مع نفسه فهو ألا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا، وألا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة، ولهذا قال ﵊: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فقوله: يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها يدخل فيه الكل" (٣).
قال النسفي: "وقيل قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى" (٤).