← Тафсир

Тафсир · id 841

استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره

رقية بنت محمد بن سالم باقيس

Полный текст (435 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن تسمية المهر هنا أجرا، أي ثوابا وجزاء لا ينافي ملاحظة ما في الزوجية من معنى سكون كل من الزوجين إلى الآخر وارتباطه معه برابطة المودة والرحمة، ولكنه لما جعل للرجل على المرأة مع هذه المساواة في الحقوق درجة هي درجة القيامة، ورياسة المنزل الذي يعمرانه، والعشيرة التي يكونانها بالاشتراك، وجعله بذلك هو فاعل الاستمتاع، أي الانتفاع، وهي القابلة له والمواتية فيه، فرض لها سبحانه في مقابلة هذا الامتياز الذي جعله للرجل جزاء وأجرا تطيب به نفسها، ويتم به العدل بينها وبين زوجها، فالمهر ليس ثمنا للبضع، ولا جزاء للزوجية نفسها، وإنما سره وحكمته ما ذكرناه، وهو واضح من معنى الآية مطابق للفظها جامع بينها وبين سائر الآيات، وقد فتح الله علي به الآن، ولم يكن خطر على بالي من قبل على وضوحه في نفسه" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب المقاصد، في مسألة المهر من قبيل العدل والمساواة بين الرجل والمرأة، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: بين الشيخ أن المهر ليس من باب العوض، ولا ثمنا للبضع، ولا جزاء للزوجية نفسها، وإنما هو من قبيل العدل والمساواة بين الرجل والمرأة، ولا ينافي معنى السكن والمودة والرحمة بين الزوجين، وإنما هو درجة مقابلة لدرجة القوامة والرياسة للرجل، فكان هذا تطييبا لنفس الزوجة وعدلا بينها وبين الرجل الذي هو فاعل الاستمتاع بالمرأة، وهذا المعنى مفهوم من معنى الآية وغيرها من الآيات في هذا. وهذا المعنى يعطي معنى رائعا للعلاقة الزوجية وأنها ليست قائمة على مجرد العوض، وإنما هي مرتبطة بحقوق متبادلة تعطي كلا من الرجل والمرأة مكانته عند الآخر، وهذا لا ينافي كون المهر عوض وثمن للبضع، فقد أكدت الشريعة هذا المعنى. وهذا المعنى لم يتطرق إليه المفسرون، ولم يسبق الشيخ رشيد إليه. قال ابن جرير: "اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾، فقال بعضهم: معناه: فما نكحتم منهن فجامعتموهن، يعني من النساء ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾ يعني: صدقاتهن فريضة معلومة، وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما تمتعتم به منهن بأجر تمتع اللذة، لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذي يكون بولي وشهود ومهر" (٢)، وكذا نقل ابن عطية اختلاف المفسرين (٣).

стр. 247

قال الزمخشري: " (فآتوهن) وأجورهن مهورهن لأن المهر ثواب على البضع فريضة حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد، أي فرض ذلك فريضة فيما تراضيتم به من بعد الفريضة فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره" (١). وقال الرازي: "والمعنى أن إيتاءهن أجورهن ومهورهن فريضة لازمة وواجبة" (٢). وخالف القرطبي فقال: "في قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة)، الاستمتاع التلذذ، والأجور المهور، وسمي المهر أجرا لأنه أجر الاستمتاع، وهذا نص على أن المهر يسمى أجرا، وذلك دليل على أنه في مقابلة البضع، لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا" (٣)، وكذا عند أبو حيان، والشوكاني، وابن سعدي (٤). قال ابن عاشور: "الآية على هذا قررت دفع المهور وجعلته شرعا، فصار المهر ركنا من أركان النكاح في الإسلام، وقد تقرر في عدة آيات كقوله: فآتوهن أجورهن فريضة وغير ذلك، والمهر علامة معروفة للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة، لكنهم في الجاهلية كان الزوج يعطي مالا لولي المرأة ويسمونه حلوانا -بضم الحاء- ولا تأخذ المرأة شيئا، فأبطل الله ذلك في الإسلام بأن جعل المال للمرأة بقوله: وآتوا النساء صدقاتهن" (٥). قال أبو زهرة: "أصل فرضية المهر بما يفيد أنه عطاء، فقد قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) والجواب عن ذلك أن الآيات التي بينت أصل الوجوب تبين القصد من الشرعية، وهو كونه هدية واجبة لبيان شرف العلاقة بين الرجل والمرأة، وللمعاني التي شرع من أجلها المهر" (٦). [الأمم المغلوبة أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة] قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [سورة النساء: ٥٢]

стр. 248

٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهذه الآية تدل على أن سبب لعن الله للأمم هو إيمانها بالخرافات والأباطيل والطغيان، وأنه تعالى إنما ينصر المؤمنين باجتنابهم ذلك، وتدل بطريق اللزوم على أن الأمم المغلوبة تكون أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة المنصورة، فليحاسب المسلمون أنفسهم بها وبما في معناها من الآيات" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة الأمم المغلوبة أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: إيمان الأمم بالخرافات والأباطيل والتصديق بالجبت والطاغوت، كان سبب سخط الله وغضبه واستحقاق اللعن الشديد والبعد عن رحمته، والأمم المغلوبة تكون أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة، والغلبة والنصر من الله جارٍ وفق سنن الله الكونية، ولا يكون إلا بتحقيق الإيمان بالله واجتناب كل صور الشرك من اتباع الطواغيت وغيرهم. قال أبو جعفر: "يعني جل ثناؤه بقوله: (أولئك)، هؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، هم (الذين لعنهم الله)، يقول: أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته، بإيمانهم بالجبت والطاغوت، وكفرهم بالله ورسوله عنادًا منهم لله ولرسوله، وبقولهم للذين كفروا: (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)، (ومن يلعن الله)، يقول: ومن يخزه الله فيبعده من رحمته (فلن تجد له نصيرًا)، يقول: فلن تجد له يا محمد، ناصراً ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحلّ به، فيدفع ذلك عنه" (٢). قال ابن كثير: "وهذا لعن لهم، وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم، وجاؤوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) " (٣). قال ابن عطية: " (ولَعَنَهُمُ) معناه: أبعدهم من خيره ومقتهم، ومن يفعل الله ذلك به ويخذله فلا ناصر له من المخلوقين، وإن نصرته طائفة، فنصرتها كلا نصرة، إذ لا تغني عنه شيئا" (٤).

стр. 249

قال الرازي: "واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد ﷺ يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله! ومن كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال والله، فبين أن اللعن من الله وهو الخذلان والإبعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى، وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) [الأحزاب: ٦١] فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول ﷺ بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد" (١). قال أبو حيان: "أولئك الذين لعنهم الله إشارة إلى من آمن بالجبت والطاغوت وقال تلك المقالة، أبعدهم الله تعالى ومقتهم" (٢). قال أبو السعود: " ﴿أولئك﴾ إشارة إلى القائلين وما فيه من معنى البعد مع قربهم في الذكر للإشعار ببُعد منزلِتهم في الضلال وهو مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالى: ﴿الذين لَعَنَهُمُ الله﴾ أيْ أبعدهم عن رحمته وطردهم والجملةُ مستأنفةٌ لبيان حالِهم وإظهارِ مصيرِهم ومآلِهم ﴿وَمَن يَلْعَنِ الله﴾ أي يُبعده عن رحمته ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ يدفع عنه العذابَ دنيويا كان أو أخرويا لابشفاعة ولا بغيرها وفيه تنصيصٌ على حِرمانهم مما طلبوا من قريش وفي كلمة لن وتوجيهِ الخطابِ إلى كل أحد ممن يتسنى له الخطاب وتوحيد النصر مُنكّراً والتعبيرِ عن عدمه بعدم الوجدان المنبئ عن سبق الطلبِ مُسنداً إلى المخاطبَ العامِّ من الدِلالة على حِرمانهم الأبديِّ بالكلية ما لا يخفى" (٣). ومثله قال ابن سعدي (٤). قال ابن عاشور: "وموقع اسم الإشارة هنا في نهاية الرشاقة، لأن من بلغ من وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد، فناسب بعد قوله ألم تر أن يشار إلى هذا الفريق المدعى أنه مرئي، فيقال: (أولئك)، وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما سيذكر من الحكم لأجل ما تقدم من أحوالهم" (٥).

стр. 250

قال أبو زهرة: " (وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) استدراك مما كان ينبغي لهم، أي أنهم لم يفعلوا ما ينبغي؛ لأن الله تعالى لعنهم بأن طردهم من رحمته، فبعدوا عن الهداية بسبب إصرارهم على الكفر" (١). [علم حفظ الصحة من أداء الأمانة] قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [سورة النساء: ٥٨] ٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ومن ذلك الذي أجمله توقي الإنسان لأسباب الأمراض والأوبئة بحسب معرفته، وما يستفيده من الأطباء، وذلك يدل على أن رعاية هذا النوع من الأمانة يتوقف على تعلم ما يحتاج إليه من علم حفظ الصحة ولا سيما في أيام الأمراض الوبائية المنتشرة" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا علميا، في باب العلم، في مسألة علم حفظ الصحة من أداء الأمانة، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: الإنسان بكل جوارحه أمانة، ومن ثم يجب عليه الحفاظ عليها برعايتها وتعليمها ما ينفعها وتحصينها من أمراض البدن أو أمراض الروح لأنها من جملة الأمانة المؤتمن عليها، والمسؤول عنها يوم القيامة. ولم يُسبق الشيخ إلى هذا المعنى، بل كانت عبارات المفسرين على عموم لفظ الأمانات، كما قال الرازي: "القسم الثالث: وهو أمانة الإنسان مع نفسه فهو ألا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا، وألا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة، ولهذا قال ﵊: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فقوله: يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها يدخل فيه الكل" (٣). قال النسفي: "وقيل قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى" (٤).

стр. 251

[مسألة الفرق بين النبي والرسول] قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [سورة النساء: ٦٤] ٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "قوله تعالى: (مِنْ رَسُولٍ) أبلغ في استغراق النفي من أن يقال: "وما أرسلنا رسولا"، فكل رسول تجب طاعته، وإيجاب طاعة الرسول تشعر بأن الرسول أخص من النبي؛ فالرسول لا بد أن يكون مقيما لشريعة" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالرسل، في مسألة الفرق بين النبي والرسول، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: الرسول لا بد أن يقيم شريعة جديدة، وذلك من الجار والمجرور الذي أفاد الاستغراق، وأنه أخص من النبي، وهذا مما ذكره العلماء عند تفريقهم بين النبي والرسول، والأمر ليس كذلك، فإن من أدق ما وجدت من كلام العلماء في التفريق بين النبي والرسول قول شيخ الإسلام ابن تيمية. قال محقق كتاب النبوات: " وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فروقاً كثيرة بين النبيّ والرسول، وهذه الفروق مبنيّة على الكتاب والسنة؛ فخرج تفريقه بين النبيّ والرسول من أرجح التفريقات، ومن أسلمها من الانتقادات. ويمكن تلخيص هذه الفروق فيما يلي: (١) النبيّ: هو من يُنبئ بما أنبأه الله به، ولا يُسمّى رسولاً عند الإطلاق؛ لأنه لم يُرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حقّ؛ كالعالم، ولهذا قال النبيّ ﷺ عن العلماء: "العلماء ورثة الأنبياء"؛ إذ النبيّ يعمل بشريعة من قبله. (٢) الرسول: هو من أنبأه الله وأرسله إلى من خالف أمره، ليبلغه رسالةً من الله إليه؛ فهو رسول، فالرسل: من أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، ولا بُدّ أن يُكذّب الرسلَ قومٌ؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ فإنّ الرسل ترسل إلى مخالفين، فيكذبهم بعضهم، والرسول يُسمّى رسولاً على الإطلاق؛ لأنّه يُرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنّ يوسف ﵇ كان رسولاً، وكان على ملة إبراهيم ﵇، وداود وسليمان ﵉ كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة" (٢). وقال الرازي: "الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها، إذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع" (٣)، ونقل ذلك أبو حيان (٤).

стр. 252

[حكم أقوال وأفعال الأنبياء في غير الدعوة والتشريع] قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [سورة النساء: ٦٤] ٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "الآية تدل على وجوب طاعتهم فيما يأمرون أو يحكمون به، فالممتنع أن يحكموا أو يأمروا بخلاف ما أنزله الله تعالى عليهم، وأما أفعالهم التي لم يأمروا بها ولم يحكموا بها فلا تدل الآية على وجوب اتباعهم فيها، وإن كانت من أكبر الطاعات في نفسها" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب النبوات، في مسألة حكم أقوال وأفعال الأنبياء في غير الدعوة والتشريع، بدلالة المخالفة. وجه الاستنباط: فرق الشيخ بين متى تجب طاعة الرسل ومتى لا تجب، فبين أن الآية توجب طاعتهم في الأوامر والنواهي وما يحكمون به، لأنه لا يتصور أنهم يحكمون بخلاف ما أمر الله، وبين أنه لا تجب طاعتهم في أفعالهم التي لم يأمروا بها. ويتبين ذلك من تقسيم العلماء لأفعال وأقوال الأنبياء إلى أقوال وأفعال تشريعية وجبلية وعادية، وماكانت من خصائصهم دون غيرهم. وقد وجه الباحث في استنباطات السعدي، كلام الشيخ رشيد، فقال: "وما ذهب إليه محمد رشيد هو الذي تدل عليه الآية، فإن الأمر بطاعتهم مطلقا لا يلزم منه عصمتهم في كل شيء، بل ربما يقع منهم ما هو خلاف ذلك ثم يأتي التنبيه عليه، بل ربما يقع العتاب عليهم من الله ، والله أعلم" (٢). وما ذكره المفسرون أن الآية أوجبت طاعتهم مطلقا، ومن ذلك ما قاله البغوي: " ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ أي: بأمر الله لأن طاعة الرسول وجبت بأمر الله، قال الزجاج: ليطاع بإذن الله لأن الله قد أذن فيه وأمر به، وقيل: إلا ليطاع كلام تام كاف، بإذن الله تعالى أي: بعلم الله وقضائه، أي: وقوع طاعته يكون بإذن الله" (٣). وقال الرازي: "الآية دالة على أن الأنبياء ﵈ معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا، فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء الواحد وأنه محال" (٤)، وكذا الهرري (٥).

стр. 253

وقال ابن سعدي: "وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقا" (١). [حقيقة الاستغفار ولوازمه] قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [سورة النساء: ٦٤] ١٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "يعني أن ما اعتاده الناس من تحريك اللسان بلفظ: "أستغفر الله" لا يعد طلبا للمغفرة؛ لأن الطلب الحقيقي ينشأ عن الشعور بالحاجة إلى المطلوب، فلا بد أن يشعر القلب أولا بألم المعصية وسوء مغبتها، وبالحاجة إلى التزكي من دنسها، ولا يكون هذا إلا بما ذكر الأستاذ من التوجه القلبي إلى الله بالصدق والإخلاص والعزم القوي على اجتناب سبب هذا الدنس، وهو المعصية" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السلوك، في مسألة حقيقة الاستغفار ولوازمه، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: أن طلب الاستغفار ليس قولاً باللسان فقط وإنما لا بد أن يستشعر القلب عظم الذنب والحاجة إلى عفو الله ومغفرته، وعليه فلا بد من تطابق الحال والمقال، وهذا إرشاد منه إلى الكيفية الصحيحة للاستغفار ليحقق ثمراته من رضا الله وتوفيقه. وقد أشار بعض المفسرين إلى المعنى العام للاستغفار، ولم يتطرقوا إلى ما أشار إليه الشيخ، فقال الزمخشري: "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت جاؤك تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا فاستغفروا الله من ذلك بالإخلاص، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك، حتى انتصبت شفيعا لهم إلى الله ومستغفرا لوجدوا الله توابا لعلموه توابا، أى لتاب عليهم" (٣)، ومثله قال البيضاوي، وأبو السعود (٤). قال ابن سعدي: "ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده، ودعوته لمن اقترفوا السيئات أن يعترفوا ويتوبوا ويستغفروا الله فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ أي: معترفين بذنوبهم باخعين بها. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي: لتاب عليهم بمغفرته ظلْمَهم، ورحمهم بقبول التوبة والتوفيق لها والثواب عليها" (٥).

стр. 254

[التقليد المحمود والتقليد المذموم] قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [سورة النساء: ٦٥] ١١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وتدل الآية بالأولى على بطلان التقليد، فمن ظهر له حكم الله أو حكم رسوله في شيء وتركه إلى قول الفقهاء الذين يتقلد مذهبهم كان غير مطيع لله ولرسوله كما أمر الله ، وإذا قلنا: إن للعامي أن يتبع العلماء فليس المعنى أن يتخذهم شارعين، ويقدم أقوالهم على أحكام الله ورسوله المنصوصة، وإنما يتبعهم بتلقي هذه النصوص عنهم والاستعانة بهم على فهمها لا في آرائهم وأقيستهم المعارضة للنص" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الاستدلال، في مسألة التقليد المحمود والتقليد المذموم، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: فرق الشيخ بين اتباع العلماء في الأحكام الشرعية، وبين التقليد بالتعصب للمذاهب، وأن تقديمها على حكم الله ورسوله هو سبب البعد عن طاعة الله وطاعة رسوله، لأن من مقتضى الإيمان التسليم لأمر الله وأمر رسوله، وعدم تقديم أي قول أو حكم على قولهما، سواء كان ذلك في العبادات أو في الأحكام، وأن التسليم لأمر الله ورسوله، بتلقي ذلك عن العلماء والاستعانة بهم في فهمها. وهذا استنباط جيد للشيخ لم أجده في كلام المفسرين، الذين تحدثوا عن ربط الإيمان بالتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وأهمية ذلك، دون العدول إلى كلام غيره أيا كان، وهذا يتضمن ذم التقليد. [فضل وشرف القتال في سبيل الله] قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [سورة النساء: ٧٦] ١٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي هذه الآية من العبرة أن القتال الديني أشرف من القتال المدني لأن القتال الديني في حكم الإسلام يقصد به الحق والعدل وحرية الدين، وهي المراد بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة البقرة: ١٩٣]، أي حتى لا يفتن أحد عن دينه ويكره على تركه، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٦]، وقال في وصف من أذن لهم بالقتال بعد ما بين إلجاء الضرورة إليه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة الحج: ٤١]، وتقدم شرح ذلك مرارا، وأما القتال المدني فإنما يقصد به الملك والعظمة، وتحكم الغالب القوي في المغلوب الضعيف، وإنما يذم أهل المدنية الحرب الدينية؛ لأنهم أولو قوة وأولو بأس شديد في الحروب المدنية، ولهم طمع في بلاد ليس لها مثل تلك القوة، وإنما لها بقية من قوة العقيدة، فهم يريدون القضاء على هذه البقية ويتهمونها باطلا بهذه التهمة" (٢).

стр. 255

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب السياسة الشرعية، في مسألة فضل وشرف القتال في سبيل الله، بدلالة التلازم. وجه الاستنباط: القتال الديني كما عبر الشيخ، دلت الآية على شرفه، لأنه قتال في سبيل الله، يهدف إلى إقامة التوحيد والحق والعدل، ولتحقيق الأمن الذي من خلاله تقام الشعائر والعبادات على الصورة التي يرتضيها الله، أما القتال المدني، كما ظهر في هذا العصر، فهو في سبيل الطاغوت وخاصة الطواغيت في هذا العصر، الذين يريدون فرض سيادتهم على الناس بالقهر والطغيان، ولا يهمهم إقامة شعائر الدين فهؤلاء لا يعد قتالهم في سبيل الله وإن كانوا مسلمين في ظاهرهم. قال أبو جعفر: "يعني تعالى ذكره: الذين صدقوا الله ورسوله، وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به (يقاتلون في سبيل الله)، يقول: في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده، (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت)، يقول: والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم (يقاتلون في سبيل الطاغوت)، يعني: في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله" (١). قال الرازي: "واعلم أنه تعالى لما بين وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد، بل العبرة بالقصد والداعي، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهذه الآية كالدلالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله، أو في سبيل الطاغوت، وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا، ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا، لأن الله ينصر أولياءه، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم" (٢). وقال أبو زهرة: "إذا كان الكافرون يقاتلون في سبيل الطغيان، والظلم والسيطرة والفتنة في الدين، وإكراه الناس، حتى لَا يستمروا على إيمانهم، فإن على المؤمنين أن يقاتلوهم؛ لأنهم نصراء الشيطان، أو الذين دخلوا في ولايته" (٣).

стр. 256

[العلم لا يتحقق إلا بالفقة في الأقوال دون الاغترار بالظواهر] قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [سورة النساء: ٧٨] ١٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفيه أنه يجب على العاقل الرشيد أن يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية، فمن اعتاد الأخذ بما يطفو من الظواهر دون ما رسب في أعماق الكلام وما تغلغل في أنحائه وأحنائه يبقى جاهلا غبيا طول عمره" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب مقاصد الشريعة، في مسألة العلم لا يتحقق إلا بالفقة في الأقوال دون الاغترار بالظواهر، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: فضيلة العلم مرتبطة بتحقق مقصد هذا العلم، ولا يتأتى هذا إلا بمعرفة مقصد النص أو الدليل، دون الاغترار بظواهر المعلومات، وأن يؤخذ هذا العلم من أصوله المعتبرة، وفق قواعده المعتبرة كذلك، وهذا هو معنى الفقه في الدين مما يعمق العقيدة الصحيحة، ويرفع الجهل، ويبقي الإنسان عالما لا جاهلا، أما من قنع بالظواهر بقي في عِماية وظل طول دهره غرا جاهلا بما يحيط به من نظم هذا العالم فهو الجاهل الحقيقي. قال ابن كثير: "قال تعالى منكرا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾ " (٢). قال ابن عطية: "وبخهم بالاستفهام عن علة جهلهم، وقلة فهمهم وتحصيلهم لما يخبرون به من الحقائق" (٣). وقال البيضاوي: "فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يوعظون به، وهو القرآن فإنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله ، أو حديثا ما كبهائم لا أفهام لها أو حادثا من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعلمون أن القابض والباسط هو الله " (٤).

стр. 257

وقال أبو حيان: "هذا استفهام معناه التعجب من هذه المقالة، وكيف ينسب ما هو من عند الله لغير الله؟ أي أن هؤلاء كانوا ينبغي لهم أن يكونوا ممن يتفهم الأشياء، ويتوقفون عما يريدون أن يقولوا حتى يعرضوه على عقولهم، وبالغ تعالى في قلة فهمهم وتعقلهم، حتى نفى مقاربة الفقه، ونفي المقاربة أبلغ من نفي الفعل، وهذا النوع من الاستفهام يتضمن إنكار ما استفهم عن علته، وأنه ينبغي أن يوجد مقابله" (١). قال ابن سعدي: "وعلى كل فهو ذم لهم وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن الله وعن رسوله، وذلك بسبب كفرهم وإعراضهم. وفي ضمن ذلك مدْح من يفهم عن الله وعن رسوله، والحث على ذلك، وعلى الأسباب المعينة على ذلك، من الإقبال على كلامهما وتدبره، وسلوك الطرق الموصلة إليه، فلو فقهوا عن الله لعلموا أن الخير والشر والحسنات والسيئات كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك" (٢). [الشريعة أصل العلوم وأساسها] قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [سورة النساء: ٧٩] ١٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فهذه الآية أصل من أصول علم الاجتماع وعلم النفس فيها شفاء للناس من أوهام الوثنية، وتثبيت في مقام الإنسانية" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب كمال الشريعة، في مسألة الشريعة أصل العلوم وأساسها، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: الآية أصل من الأصول التي قام عليها علم الاجتماع وعلم النفس، وهي تربي الإنسان على معرفة نعم الله عليه، وأن كل ما يصيبه من الحسنات هي فضل ونعمة من الله فيشكرها، وأن ما أصابه من المصائب فيعود إلى أسباب نفسية أو اجتماعية أو سلوكية، تحتاج إلى معالجة بالرجوع إلى الله ومعالجة هذه الأسباب وإيجاد حلوله لها، وأخذ علماء الاجتماع من هذا قاعدة محاسبة النفس عند أي مصيبة تصيب الإنسان، وفي هذا حفظ للإنسان من الانحراف إلى أوهام الوثنية والإلحاد. وهذا مما تفرد به الشيخ ولم يسبق إليه كون هذه العلوم من العلوم التي نشأت واستقلت مؤخرا، وهذا يدل على مدى عناية الشيخ بهذه العلوم وأثرها على النفس والمجتمع.

стр. 258

قال أبو جعفر: "يعني جل ثناؤه بقوله: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، ما يصيبك، يا محمد، من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك، يتفضل به عليك إحسانًا منه إليك، وأما قوله: "وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، يعني: وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه "فمن نفسك"، يعني: بذنب استوجبتها به، اكتسبته نفسك" (١). قال ابن عطية: "والآية مضمنة الإخبار أن الحسنة من الله وبفضله، وتقدير ما بعده وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، على جهة الإنكار والتقرير" (٢). قال البيضاوي: "ما أصابك يا إنسان من حسنة من نعمة فمن الله أي تفضلا منه، فإن كل ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئ نعمة الوجود، فكيف يقتضي غيره، ولذلك قال ﵊: ((ما من أحد يدخله عمله الجنة فقيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني ربي برحمة)) (٣) وما أصابك من سيئة من بلية فمن نفسك لأنها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي، وهو لا ينافي قوله : قل كل من عند الله فإن الكل منه إيجادا وإيصالا غير أن الحسنة إحسان وامتنان والسيئة مجازاة وانتقام" (٤)، وبنحوه قال النسفي، والقاسمي (٥). [طاعة الله غاية طاعة الرسل] قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [سورة النساء: ٨٠] ١٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "الآية تدل على أن الله - تعالى - هو الذي يطاع لذاته؛ لأنه رب الناس وإلههم وملكهم، وهم عبيده المغمورون بنعمه، وأن رسله إنما تجب طاعتهم فيما يبلغونه عنه من حيث إنهم رسله لا لذاتهم، ومثال ذلك الحاكم تجب طاعته في تنفيذ شريعة المملكة وقوانينها، وهو ما يعبرون عنه بالأوامر الرسمية، ولا تجب فيما عدا ذلك" (٦).

стр. 259

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب المقاصد، مسألة طاعة الله غاية طاعة الرسل، بدلالة التلازم. وجه الاستنباط: من أطاع الرسول فهو مطيع لله ، فإن الغاية من طاعة الرسل المبلغين لدين الله هي طاعة الله، وإن طاعتهم لكونهم رسل لا لذاتهم، وهذا تأكيد لعدم الغلو في رسل الله وإنزالهم منزلتهم، وأما الحاكم الذي يحكم بما أنزل الله فتجب طاعته، لأن طاعته من طاعة الله، والحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله لا تجب طاعته، لأنها منافية لطاعة الله . وقد تكلم المفسرون في أصل المسألة، أن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، وأنهم لا يأمرون إلا بأمر الله، ولم أجد من تطرق إلى ما أكده الشيخ في مسألة دلالة الآية على عدم الغلو في الأنبياء والرسل. ولأبي السعود كلام مقارب لكلام الشيخ رشيد، حيث قال: " ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ بيانٌ لأحكام رسالته ﷺ إثرَ بيانِ تحقّقِها وثبوتِها وإنما كان كذلك لأن الآمرَ والناهيَ في الحقيقةِ هُو الله تعالى وإنما هو ﷺ مبلِّغٌ لأمره ونهيِه فمرجِعُ الطاعة وعدمها هو الله سبحانه، والتعبير عنه ﷺ بالرسول دون الخطابِ للإيذان بأن مناطَ كونِ طاعتِه ﷺ طاعةً له تعالى ليس خصوصية ذاته ﷺ بل من حيثية رسالتِه وإظهار الجلالة لتربية المهابة وتأكيد وجوب الطاعةِ بذكر عنوانِ الألوهيةِ وحملُ الرسولِ على الجنس المنتظم له ﷺ انتظاماً أولياً يأباه تخصيصُ الخطاب" (١). وقد جاء في شرح العقيدة الطحاوية: "دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، مالم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، كيف قال: وأطيعوا الرسول، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله" (٢). قال صاحب كتاب محبة الرسول بين الاتباع والابتداع: "أمرنا الله بأن نتبع رسوله ﷺ ونمتثل أمره ونهيه في كل ما جاءنا به، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ونقل قول ابن كثير: أي: (مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهي عن شر) (٣)، وهذا الأمر من الله عام شامل لكل ما جاءنا به الرسول ﷺ سواء أكان منصوصا بعينه في القرآن أو لا؟ ذلك لأن النصوص الواردة في هذا الشأن كلها توجب اتباع الرسول ﷺ وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في القرآن، ولأن الله لم يفرق بين طاعته سبحانه وبين طاعة نبيه ﷺ ، بل جعل طاعة نبيه طاعة له سبحانه فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وغالب الآيات قرنت بين طاعته سبحانه وطاعة نبيه، ولأن ما سنه الرسول ﷺ مما ليس فيه نص كتاب فإنما سنه بأمر الله ووحيه" (٤).

стр. 260

وقال أبو جعفر: "وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد ﷺ ، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي" (١). وقال البغوي: "وذلك أن النبي ﷺ كان يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله» فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا، فأنزل الله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله" (٢). وقال ابن عطية: "والمعنى أن الرسول إنما يأمر وينهى بيانا من الله وتبليغا، فإنما هي أوامر الله ونواهيه، وقالت فرقة: سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبني فقد أحب الله»، فاعترضت اليهود عليه في هذه المقالة، وقالوا: هذا محمد يأمر بعبادة الله وحده، وهو في هذا القول مدّع للربوبية، فنزلت هذه الآية تصديقا للرسول ﵇، وتبيينا لصورة التعلق بينه وبين فضل الله تعالى" (٣)، وبمثله قال البيضاوي (٤). [التوحيد كرامة المؤمن وبه ارتقاؤه وكماله] قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [سورة النساء: ٨٠] ١٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويؤخذ من هذا أن المؤمن الموحد يكون أعز الناس نفسا، وأعظمهم كرامة، وأنه لا يقبل أن يستبد فيه حاكم، ولا أن يستعبده سلطان ظالم، وما قوي الاستبداد في المسلمين إلا بضعف التوحيد فيهم، فالتوحيد هو منتهى ما تصل إليه النفوس البشرية من الارتقاء والكمال" (٥). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب التوحيد، في مسألة التوحيد كرامة المؤمن وبه ارتقاؤه وكماله، بدلالة مفهوم المخالفة. وجه الاستنباط: أهمية التوحيد في كرامة المؤمن وتقوية شخصيته، فإنه لا يقبل بالظلم ولا بالإهانة، حيث إن التوحيد هو تحرير للإنسان من كل عبودية إلا لله ، وتحرير لعقله من الخرافات والأوهام، وتحرير لحياته من تسلط الأرباب والمتألهين، فوجد به من يوجه حياته وغاياته، ويرسم له طريقا يتجه فيه في خلواته وجلواته وهو طريق الله ﷻ ، فبالتوحيد تمتلئ النفس أمناً وطمأنينة، فلا يجد خوفا على رزق أو أجل، فيعيش مطمئناً لأنه وجد في التوحيد مصدرا لقوة نفسه فامتلأت نفسه رجاء بالله وثقة به وتوكلا عليه ورضا بقضائه وصبرا على بلائه، فمن أطاع الله وأطاع رسوله فقد حقق التوحيد وحق على الله أن يكرمه على هذا.

стр. 261

قال ابن كثير: "وقوله: ﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾، أي: لا عليك منه، إن عليك إلا البلاغ فمن تبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه" (١). وقال ابن عاشور: "ومن تولى أو أعرض واستمر على المكابرة فما أرسلناك عليهم حفيظا، أي حارسا لهم ومسؤولا عن إعراضهم، وهذا تعريض بهم وتهديد لهم بأن صرفه عن الاشتغال بهم، فيعلم أن الله سيتولى عقابهم" (٢). [تدبر القرآن فرض على كل مكلف] قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: ٨٢] ١٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفيه أن تدبر القرآن فرض على كل مكلف لا خاص بنفر يسمون المجتهدون يشترط فيهم شروط ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما الشرط الذي لا بد منه ولا غنى عنه، هو معرفة لغة القرآن مفرداتها وأساليبها" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العلم، في مسألة تدبر القرآن فرض على كل مكلف، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: الأمر بالتدبر أمر عام لكل مسلم لكي يهتدي لما أمر الله به في كتابه، وجعل الشيخ له شرطا واحدا هو معرفة لغة القرآن ومفرداتها وأساليبها، كل بحسب قدرته. والشيخ هنا يقصد التدبر بالمعنى العام، أما التدبر بمعنى معرفة هدايات ومقاصد الآيات، فلا بد عند النظر في الآيات والاستدلال بها أن يكون عن علم وبصيرة ومعرفة بمعاني الآيات، ولذا قلل الشيخ هنا من شأن شروط المجتهد، التي ذكرها وحررها العلماء. قال ابن كثير: "قال تعالى آمرا عباده بتدبر القرآن، وناهيا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تضاد ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق" (٤). قال البغوي: "قوله تعالى: أفلا يتدبرون القرآن، يعني: أفلا يتفكرون في القرآن، والتدبر هو النظر في آخر الأمر، ودبر كل شيء آخره، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، أي تفاوتا وتناقضا كثيرا، قاله ابن عباس" (٥)، ومثله البيضاوي والنسفي وأبو السعود (٦).

стр. 262

قال ابن عطية: "هذا أمر بالنظر والاستدلال، ثم عرف تعالى بمواقع الحجة، أي لو كان من كلام البشر لدخله ما في كلام البشر من القصور، وظهر فيه التناقض والتنافي الذي لا يمكن جمعه، إذ ذلك موجود في كلام البشر، والقرآن منزه عنه، إذ هو كلام المحيط بكل شيء علما" (١). قال القرطبي: "دلت هذه الآية وقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه، فكان في هذا رد على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي ﷺ ، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب" (٢)، ومثله الشوكاني (٣). [عظم مهمة الرسل وتأييد الله لهم بأسباب النصر] قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [سورة النساء: ٨٤] ١٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويؤخذ من الآية أن الله - تعالى - كلف نبيه ﷺ أن يقاتل الكافرين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وبأسهم وإن كان وحده، وهي تدل على أنه أعطاه من الشجاعة ما لم يعط أحدا من العالمين، وسيرته ﷺ تدل على ذلك" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالرسل، في مسألة عظم مهمة الرسل وتأييد الله لهم بأسباب النصر، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: الأمر في الآية يدل على وجوب قتال من يقاوم دعوة الحق، لأن الله أيّد رسله بكل وسائل النصر، وأن هذا الأمر متضمن لوسائل القوة والشجاعة التي أيد الله بها رسوله ﷺ وسيرته في معاركه شاهدة على ذلك، ومن ذلك تحريض المؤمنين ودعوتهم لقتال أهل الباطل والضلال. قال أبو جعفر: "يعني بقوله جل ثناؤه: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك)، فجاهد يا محمد، أعداء الله من أهل الشرك به (في سبيل الله)، يعني: في دينه الذي شرعه لك، وهو الإسلام، وقاتلهم فيه بنفسك، فأما قوله: (لا تكلف إلا نفسك) فإنه يعني: لا يكلفك الله فيما فرض عليك من جهاد عدوه وعدوك، إلا ما حمَّلك من ذلك دون ما حمَّل غيرك منه، أي: أنك إنما تُتَّبع بما اكتسبته دون ما اكتسبه غيرك، وإنما عليك ما كُلِّفته دون ما كُلِّفه غيرك" (٥).

стр. 263

وقال ابن عطية: "هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي ﵇ وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي ﷺ دون الأمة مدة ما، المعنى- والله أعلم- أنه خطاب للنبي ﵇ في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي ﵇ «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي» وقول أبي بكر وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي»، وخلط قوم في تعلق الفاء من قوله فَقاتِلْ بما فيه بعد، والوجه أنها عاطفة جملة كلام على جملة، وهي دالة على اطراح غير ما أمر به، ثم خص النبي ﵇ بالأمر بالتحريض، أي الحث على المؤمنين في القيام بالفرض الواجب عليهم" (١)، والقرطبي نقل ذلك عنه والشوكاني وأبو زهرة (٢). وقال الرازي في مسائل الآية: "المسألة الثانية: دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد الرسول ﷺ اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا، فنزلت هذه الآية، فخرج وما معه إلا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد، ولو لم يتبعوه لخرج وحده. المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه ﷺ كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو ﷺ موصوف بهذه الصفات، ولقد اقتدى به أبو بكر ﵁ حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه" (٣). [موازنة الشريعة بين حق الله وكرامة المؤمن ورعاية حق المعاهد] قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: ٩٢]

стр. 264

١٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وقد قدم هنا ذكر الدية، وأخر ذكر الكفارة، وعكس في قتل المؤمن، ولعل النكتة في ذلك الإشعار بأن حق الله - تعالى - في معاملة المؤمنين مقدم على حقوق الناس، ولذلك استثنى هنالك في أمر الدية فقال: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) لأن من شأن المؤمن العفو والسماح، والله يرغبهم فيما يليق بكرامتهم ومكارم أخلاقهم، ولم يستثن هنا؛ لأن من شأن المعاهدين المشاحة والتشديد في حقوقهم، وليسوا مذعنين لهداية الإسلام فيرغبهم كتابه في الفضائل والمكارم وثم نكتة أخرى وهو أن في سماح المعاهد للمؤمن بالدية منة عليه، والكتاب العزيز الذي وصف المؤمنين بالعزة لا يفتح لهم باب هذه المنة" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب المقاصد، في مسألة موازنة الشريعة بين حق الله وكرامة المؤمن ورعاية حق المعاهد، بدلالات المطابقة والتضمن واللزوم. وجه الاستنباط: بالنظر إلى النظم البديع وترتيبه لحقوق الله وحقوق المسلم وواجباته، وحقوق المعاهدين وواجباتهم، فإن ذكر حق الله تعالى في المعاملة مع المؤمنين مقدم على حقوق الناس، لأن الحقوق بين الناس قائمة على التسامح والعفو فلذا يقدم حق الله، أما في ذكر حقوق المعاهدين فتقدم الديات أولا على حق الله، ترغيبا لهم، وحفاظا على مكانة المسلمين حتى لا يكون للمعاهدين عليهم منة وفضل، لأنه لا مكان لطلب العفو منهم لما في ذلك من مس لعزة وكرامة المؤمنين. وانفرد الشيخ بهذا الاستنباط البديع، فلم أجد من المفسرين من ذكر ذلك. قال القرطبي: " (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) هذا في الذمي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة، قاله ابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي. واختاره الطبري قال: إلا أن الله أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب، وإطلاقه ما قيد قبل يدل على أنه خلافه" (٢). ومثله النسفي (٣). وقال أبو حيان: "وقيد في الجملة الثانية بكونه من قوم معاهدين، والمعنى في النسب لا في الدين، لأنه مؤمن وهم كفار. فإذا تقيدت هاتان الجملتان دل ذلك على تقييد الأولى بأن يكون من المؤمنين في النسب، وهي من قتل مؤمنا خطأ كأنه قال: وأهله مؤمنون لا حربيون ولا معاهدون. ولا يمكن حمله على الإطلاق للتعارض والتعاند الذي بينه وبين الآيتين بعد" (٤).

стр. 265

قال ابن سعدي: " ﴿وإن كان﴾ المقتول ﴿من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق" (١). [تأثير تعريف الإجماع على الاستدلالات فيه] قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [سورة النساء: ١١٥] ٢٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ومن مباحث الأصول في هذه الآية استدلال بعضهم بها على حجية الإجماع؛ لأن مخالفه متبع غير سبيل المؤمنين، وعبر بعضهم في بيان حجيته بأنه هو سبيل المؤمنين وقد علمت أن الإجماع الذي يعنونه هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها في أي عصر على أي أمر، والآية إنما نزلت في سبيل المؤمنين في عصره لا بعد عصره، وأتذكر أنني بينت عدم اتجاه الاستدلال بالآية على حجية الإجماع في المنار، وكذلك رده الأستاذ الإمام والإمام الشوكاني في إرشاد الفحول، والآية التي تدل على الإجماع الصحيح هي قوله - تعالى - في هذه السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩] " (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب الإجماع، في مسألة تأثير تعريف الإجماع على الاستدلالات فيه، بدلالة منطوق الآية. وجه الاستنباط: بين الشيخ عدم حجية هذه الآية على الإجماع، وأن الآية إنما نزلت في سبيل المؤمنين في عصر النبي ﷺ لا بعد عصره. ورأي الشيخ في الإجماع أنه: "إجماع أولي الأمر، وهم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجارة والصناعة والزراعة، وكذا رؤساء العمال والأحزاب، ومديرو الجرائد المحترمة، ورؤساء تحريرها، وطاعتهم حينئذ هي طاعة أولي الأمر" (٣). بينما الإجماع الذي ذكره جمهور الأصوليين هو: "اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ بعد وفاته، في عصر من العصور على أمر من الأمور" (٤).

стр. 266

وبذلك يتبين أن الشيخ رشيد خالف في تعريف الإجماع وأهله، فخلط الإجماع بالمصالح المرسلة، وخلط أهل الإجماع بأهل الحل والعقد، فأخرج منه أهله، وأدخل فيه من ليس منهم. أما مسألة دلالة الآية على الإجماع من عدمه، فهي من مسائل الخلاف بين علماء الأصول، فمنهم من يرى دلالة الآية على الإجماع، ومنهم من لا يرى ذلك. وممن قال بعدم دلالة الآية على الإجماع، الإمام الشوكاني فقال: "وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله: ويتبع غير سبيل المؤمنين ولا حجة في ذلك عندي، لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا: هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره، كما يفيده اللفظ، ويشهد به السبب، فلا تصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين، وهو الدين القويم والملة الحنيفية ولم يتبع غير سبيلهم" (١). وقال ابن عاشور بعد أن أورد قول الإمام الشافعي في الاستدلال بهذه الآية على حجية الاجماع: "وقد قرر غيره الاستدلال بالآية على حجية الإجماع بطرق أخرى، وكلها على ما فيها من ضعف في التقريب، وهو استلزام الدليل للمدعي، قد أوردت عليها نقوض أشار إليها ابن الحاجب في «المختصر»، واتفقت كلمة المحققين: الغزالي، والإمام في «المعالم»، وابن الحاجب، على توهين الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع" (٢)، وكذا قال أبوحيان، والألوسي (٣). وقال جمع من المفسرين بحجية الإجماع من هذه الآية ومنهم: الرازي، قال في مسائل الآية: "المسألة الأولى: روي أن الشافعي ﵁ سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له لكان ذلك ضما لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد وأنه غير جائز، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجبا، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراما، وإذا كان عدم اتباعهم حراما كان اتباعهم واجبا، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض" (٤).

стр. 267

وكذا قال الزمخشري، والبيضاوي، وابن كثير، والنسفي، وأبو السعود، وابن سعدي (١). [بناء الأفعال على اليقين لا على الظنون] قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [سورة النساء: ١٢٨] ٢١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا وترفعا عليها، أو إعراضا عنها، بأن ثبت لها ذلك، وتحقق ولم يكن وهما مجردا، أو وسواسا عارضا، يدل على ذلك جعل فعل الخوف المذكور، مفسرا لفعل محذوف، للاحتراس من بناء الحكم على أساس الوسوسة التي تكثر عند النساء، وهو من إيجاز القرآن البديع" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب البينة، في مسألة بناء الأفعال على اليقين لا على الظنون، بدلالة الإشارة. وجه الاستنباط: من باب التثبت في الأمور والبعد عن الوساوس والظنون، وصيانة الحياة الزوجية، جعل خوف المرأة من نشوز زوجها مبنيا على علم وحقيقة، من خلال مسألة الإيجاز في الآية، بدلالة حذف الفعل للاحتراس، وهنا يتحقق الإصلاح المنشود، بعكس لو كان هذا الخوف مبنيا على وساوس وظنون، فإنه يؤدي إلى انهيار تلك العلاقة. وقد انفرد الشيخ بذكر هذا فلم يشر أحد من المفسرين إلى معنى الاحتراس في الآية وما أفاده من معنى. قال أبو جعفر: "يعني بذلك جل ثناؤه: وإن خافت امرأة من بعلها، يقول: علمت من زوجها نشوزًا، يعني: استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها" (٣). قال الزمخشري: "خافت من بعلها توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأماراته" (٤). وقال الرازي: "المسألة الثانية: قال بعضهم: خافت أي علمت، وقال آخرون: ظنت، وكل ذلك ترك للظاهر من غير حاجة، بل المراد نفس الخوف إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف" (٥).

стр. 268

وقال القرطبي: "و (خافت) بمعنى توقعت، وقول من قال: خافت تيقنت خطأ، قال الزجاج: المعنى وإن امرأة خافت من بعلها دوام النشوز" (١). وقال البيضاوي، والنسفي: "وإن امرأة خافت من بعلها توقعت منه لما ظهر لها من المخايل، وامرأة فاعل فعل يفسره الظاهر" (٢). وقال أبو حيان: "والخوف هنا على بابه، لكنه لا يحصل إلا بظهور أمارات ما تدل على وقوع الخوف، وقيل: معنى خافت علمت، وقيل: ظنت، ولا ينبغي أن يخرج عن الظاهر، إذ المعنى معه يصح" (٣). [ثواب وسعادة الدارين مرهون بفضل الله ورحمته] قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [سورة النساء: ١٣٤] ٢٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "الآية تدل على أن الإسلام يهدي أهله إلى سعادة الدارين، وأن يتذكروا أن كلا من ثواب الدنيا وثواب الآخرة من فضل الله ورحمته" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة ثواب وسعادة الدارين مرهون بفضل الله ورحمته، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: دلت الآية على أن الإنسان المسلم لا يقصد من أي عمل يعمله إلا الأجر من الله، فإذا عمل عملا تحققت له السعادة في الدنيا، ونال عليه الأجر العظيم في الآخرة، ومن قصد بعمله وإيمانه الجزاء في الدنيا فسينال ما أراد، ويشهد لهذا قول النبي ﷺ في الحديث: ((من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة)) (٥)، فهذه الآية حض على أن يسمو الإنسان و يقصد بعمله ما عند الله من الأجر والثواب، وأن لا يقتصر على الثواب الدنيوي الزائل، مع أنه سيتحقق له كلا الثوابين، إذا أراد الله والدار الآخرة.

стр. 269

قال البيضاوي: "من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يجاهد للغنيمة. فعند الله ثواب الدنيا والآخرة فما له يطلب أخسهما فليطلبهما كمن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أو ليطلب الأشرف منهما، فإن من جاهد خالصا لله لم تخطئه الغنيمة وله في الآخرة، ما هي في جنبه كلا شيء، أو فعند الله ثواب الدارين فيعطي كلا ما يريده كقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه الآية وكان الله سميعا بصيرا عالما بالأغراض فيجازي كلا بحسب قصده" (١). ومثله أبو السعود (٢). وقال أبو حيان: "والذي يظهر أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه، وليطلب الثوابين، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة. وقال الراغب: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسئول مالكا للثوابين، وحث على أن يطلب منه تعالى ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه، فمن طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنيء الهمة، قيل: والآية وعيد للمنافقين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة. وقيل: هي حض على الجهاد" (٣). وقد أشار المفسرون إلى أن الآية في المنافقين والكفار، ومن ذلك ما قاله ابن جرير الطبري: "ممن أظهر الإيمان لمحمد ﷺ من أهل النفاق، الذين يستبطنون الكفر وهم مع ذلك يظهرون الإيمان ﴿ثواب الدنيا﴾ يعني: عرض الدنيا، بإظهار ما أظهر من الإيمان بلسانه، جزاؤه في الدنيا منها وثوابه فيها، هو ما يصيب من المغنم إذا شهد مع النبي مشهدا، وأمنه على نفسه وذريته وماله، وما أشبه ذلك، وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم" (٤). وقال ابن عطية: "أي: من كان لا مراد له إلا في ثواب الدنيا ولا يعتقد أن ثم سواه، فليس هو كما ظن، بل عند الله تعالى ثواب الدارين، فمن قصد الآخرة أعطاه الله من ثواب الدنيا وأعطاه قصده، ومن قصد الدنيا فقط أعطاه من الدنيا ما قدر له وكان له في الآخرة العذاب" (٥). وقال القرطبي: "أي من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة آتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلبا للدنيا آتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب، لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى: (وما له في الآخرة من نصيب). وقال تعالى: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار). وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري. وروي أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما يتقربون إلى الله تعالى ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها، فأنزل الله (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا) أي يسمع ما يقولونه ويبصر ما يسرونه" (٦).

стр. 270

وقال ابن سعدي: " أخبر أن من كانت همته وإرادته دنية غير متجاوزة ثواب الدنيا، وليس له إرادة في الآخرة فإنه قد قصر سعيه ونظره، ومع ذلك فلا يحصل له من ثواب الدنيا سوى ما كتب الله له منها، فإنه تعالى هو المالك لكل شيء الذي عنده ثواب الدنيا والآخرة، فليطلبا منه ويستعان به عليهما، فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تدرك الأمور الدينية والدنيوية إلا بالاستعانة به، والافتقار إليه على الدوام، وله الحكمة تعالى في توفيق من يوفقه، وخذلان من يخذله وفي عطائه ومنعه" (١). [فقه إنكار المنكر] قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠] ٢٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "هذا تعليل للنهي، ولا يجتمع الإيمان بالشيء وإقرار الكفر والاستهزاء به، ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر، ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر، وهذا منصوص عليه أيضا، وأن إنكار الشيء يمنع فشوه بين من ينكرونه حتما، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان " (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مسألة فقه إنكار المنكر، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: إقرار الكفر والاستهزاء بأي أمر من أمور الدين يستلزم عدم الإيمان، وعليه يجب مفارقة أماكن إقرار الكفر والاستهزاء بالدين، لأن من ثمرة ذلك تحقق الإيمان في القلب، كما أنه من المنكر إقرار المنكر والسكوت عليه، فأوجب الشرع إنكاره، لأن في القيام بهذه الشعيرة حداً من انتشار هذا المنكرات وفشوها، وهذه قاعدة شرعية نافعة للناس في كل زمان ومكان. قال الطبري: "فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلُهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله. فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذًا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه" (٣).

стр. 271

وقال البغوي: "إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزئون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة، وقال الحسن: لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره" (١). قال الرازي: "قال أهل العلم: هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان في الإثم بمنزلة المباشر بدليل أنه تعالى ذكر لفظ المثل هاهنا، هذا إذا كان الجالس راضيا بذلك الجلوس، فأما إذا كان ساخطا لقولهم وإنما جلس على سبيل التقية والخوف فالأمر ليس كذلك، ولهذه الدقيقة قلنا بأن المنافقين الذين كانوا يجالسون اليهود، وكانوا يطعنون في القرآن والرسول كانوا كافرين مثل أولئك اليهود، والمسلمون الذين كانوا بالمدينة كانوا بمكة يجالسون الكفار الذين كانوا يطعنون في القرآن فإنهم كانوا باقين على الإيمان، والفرق أن المنافقين كانوا يجالسون اليهود مع الاختيار، والمسلمين كانوا يجالسون الكفار عند الضرورة" (٢)، ومثله الزمخشري والنسفي (٣) قال القرطبي: "فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله : (إنكم إذا مثلهم). فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" (٤)، وكذا البيضاوي، وابن كثير، وابن سعدي وأبو زهرة (٥). [وصف النار للتحذير من الأسباب المؤدية إليها] قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [سورة النساء: ١٤٥] ٢٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "دل هذا على أن دار العذاب في الآخرة ذات دركات بعضها أسفل بعض، كما أن دار النعيم درجات بعضها أعلى من بعض، نسأل الله أن يجعلنا مع المقربين من أهلها فأولئك لهم الدرجات العلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى" (٦).

стр. 272

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الأيمان باليوم الآخر، في مسألة وصف النار للتحذير من الأسباب المؤدية إليها، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: لما تقرر وصف النفاق وأهله والتحذير منه، بالغ في وصف عذاب أهله وأنهم وإن اجتمعوا مع الكفار وغيرهم ممن حق عليهم العذاب إلا أن هؤلاء بإبطانهم الكفر وإظهارهم الإيمان أشد منهم، ولذا كان عذابهم أشد، فهم في أسفل دركات النار، كما أن درجات المؤمنين في الجنة تختلف كل بحسب عمله، فهذا من فضل الله، وذاك من عدله. قال ابن عطية: "أخبر تعالى عن المنافقين أنهم فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ من نار جهنم، وهي أدراك بعضها فوق بعض طبقة على طبقة، أعلاها هي جهنم وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا، فالمنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر هم في أسفل طبقة من النار، لأنهم أسوأ غوائل من الكفار وأشد تمكنا من أذى المسلمين" (١). قال الرازي: "وظاهره أن جهنم طبقات، والظاهر أن أشدها أسفلها، قال الضحاك: الدرج إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض" (٢). وقال القرطبي: "والنار دركات سبعة، أي طبقات ومنازل، إلا أن استعمال العرب لكل ما تسافل أدراك، يقال: للبئر أدراك، ولما تعالى درج، فللجنة درج، وللنار أدراك، وقد تقدم هذا، فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية، لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكنه من أذى المؤمنين، وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، وقد يسمى جميعها باسم الطبقة الأولى، أعاذنا الله من عذابها بمنه وكرمه" (٣). وقال البيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، وأبو السعود (٤): أنها دركات متتابعة بعضها تحت بعض. [تعظيم شأن المؤمنين وأن العاقبة لهم وتخسيس حظ الكافرين] قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [سورة النساء: ١٤١]

стр. 273

٢٥. قال الشيخ محمد ﵀: "والنكتة في التعبير عن ظفر المؤمنين بالفتح وأنه من الله، وعن ظفر الكافرين بالنصيب هي إفادة أن العاقبة في القتال للمؤمنين، فهم الذين يكون لهم الفتح والاستيلاء على الأمم الكافرة، ولكن الحرب سجال قد يقع في أثنائها نصيب من الظفر للكافرين لا ينتهي إلى أن يكون فتحا يستولون به على المؤمنين، وذلك أن الله تعالى وعد المؤمنين بالنصر في مثل قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم: ٤٧] " (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب ولاية الله للمؤمنين، في مسألة تعظيم شأن المؤمنين وأن العاقبة لهم وتخسيس حظ الكافرين، بدلالة لفظ الآية. وجه الاستنباط: التعبير بالفتح في جانب المؤمنين أضاف معنى أن العاقبة والغلبة والنصر والغنيمة والفصل في القتال يكون للمؤمنين وهذا وعد من الله لا بد أن يتحقق، وهذا من عظيم ما منّ الله به عليهم، وقد يحدث ظفر للكافرين على المؤمنين، فيكون لهم دولة وظهور لكن لا يعد فتحا ولا نصرا، وإنما هذا من سنن الحروب، وهذا تقليل لما ظفروا به وتحقير لشأنهم. قال الزمخشري: "فإن قلت: لم سمى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا؟، قلت: تعظيما لشأن المسلمين وتخسيسا لحظ الكافرين لأن ظفر المسلمين أمر عظيم (٢)، تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء، ولمظة من الدنيا يصيبونها" (٣)، ونقل ذلك الرازي ومثله عند أبو حيان (٤). وقال ابن كثير: " ﴿فإن كان لكم فتح من الله﴾ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة ﴿قالوا ألم نكن معكم﴾ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة ﴿وإن كان للكافرين نصيب﴾ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة" (٥).

стр. 274

قال ابن عاشور: "وجعل ما يحصل للمسلمين فتحا لأنه انتصار دائم، ونسب إلى الله لأنه مقدره ومريده بأسباب خفية ومعجزات بينة. والمراد بالكافرين هم المشركون من أهل مكة وغيرهم لا محالة، إذ لا حظ لليهود في الحرب، وجعل ما يحصل لهم من النصر نصيبا تحقيرا له، والمراد نصيب من الفوز في القتال" (١). قال أبو زهرة: "عبر عن النصر في جانب المؤمنين بأنه فتح؛ لأن الفتح فصل بين الحق والباطل، ولأنه من وراء نصر المؤمنين فتح الطريق لكي يدرك الناس الإسلام، ويدخل فيه من أراد، ولأن النصر للمؤمنين دائم، وقد عبر سبحانه عن الفتح أنه يجيء من الله وفي ذلك معنى الدوام؛ لأن الذي يجيء به هو الله القائم على كل شيء فهو باق ما بقيت الأسباب التي تتخذ للنصر" (٢). [الوعد بالجزاء في كل آية على جميع ما ذكر فيها من أعمال] قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [سورة النساء: ١٤٩] ٢٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وإنما ذهبنا إلى أن كلمة (قَدِيرًا) قد أفادت بوضعها هنا الدلالة على عظم الجزاء على العمل الذي رغبت فيه الآية، وعلى استحباب العفو مع القدرة، ولم نقصرها على الأمر الثاني وحده كما فعل بعضهم، لأن الأصل في الوعد بالجزاء أن يكون في كل آية أو سياق على جميع ما ذكر فيها من الأعمال، وفي هذه الآية ذكر إبداء الخير وإخفائه والعفو عن المسيء فلا يصح أن يكون الوعد خاصا بالأخير منها" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا في علوم القرآن، في باب علوم الآية، في مسألة الوعد بالجزاء في كل آية على جميع ما ذكر فيها من أعمال، بدلالة السياق. وجه الاستنباط: في لفظ (قديرا) دلالة على عظم الجزاء على هذه الأعمال التي رغبت الآية فيها من إبداء الخير أو إخفائه والعفو عن المسيء، وذلك اعتمادا على الأصل في الوعد بالجزاء على جميع الأعمال، فلا يصح قصر معنى خاتمتها في الآية على بعض الأعمال الواردة في الآية. وقد أشار جمع من المفسرين إلى معنى القصر للفظ قدير، ولم يتعرضوا للمعنى العام كما عبر عنه الشيخ ومن ذلك ما قال ابن جرير: " (قديرًا)، يقول: ذا قدرة على الانتقام منهم، وإنما يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفو عن عباده، مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إيّاه، يقول: فاعفوا، أنتم أيضًا، أيها الناس، عمن أتى إليكم ظلمًا، ولا تجهروا له بالسوء من القول، وإن قدرتم على الإساءة إليه، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره" (٤)، ونحوه عند ابن كثير (٥).

стр. 275

قال الزمخشري: "حث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوبا، حثا على الأحب إليه والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تشبيبا - تشبيها- للعفو، ثم عطفه عليهما اعتدادا به وتنبيها على منزلته، وأن له مكانا في باب الخير وسيطا، والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله فإن الله كان عفوا قديرا أى يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله" (١)، ومثله البيضاوي، والنسفي، وأبو حيان (٢). قال ابن عطية: "لما ذكر تعالى عذر المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه، والعفو عن السوء، ثم وعد عليه بقوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً وعدا خفيا تقتضيه البلاغة ورغب في العفو إذ ذكر أنها صفته مع القدرة على الانتقام" (٣) ومثله القرطبي (٤). وأوضح الرازي الوجوه في قوله (فإن الله كان عفوا قديرا) فقال: (الأول: أنه تعالى يعفو عن الجانبين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى. الثاني: إن الله كان عفوا لمن عفا، قديرا على إيصال الثواب إليه. الثالث: إن الله تعالى أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك) (٥)، ومثله أبو السعود (٦). [الكفر ملة واحدة فاستحقوا جزاءً واحدا] قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [سورة النساء: ١٥١] ٢٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وأعتدنا للكافرين، منهم ومن غيرهم، وهذه هي نكتة وضع المظهر موضع الضمير؛ إذ قال: للكافرين ولم يقل "لهم" عذابا مهينا أي ذا إهانة تشملهم فيه المذلة والضعة" (٧).

стр. 276

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الجزاء، في مسألة الكفر ملة واحدة فاستحقوا جزاءً واحدا، بدلالة العموم. وجه الاستنباط: ذكر الشيخ أنه من خلال علم المعاني في مسألة الخروج على مقتضى الظاهر، جاء النص (وأعتدنا للكافرين) أي: جميع الكافرين منهم ومن غيرهم، مع أن مقتضى الظاهر أن يقال (لهم)، وفي هذا إشارة إلى شدة عذابهم المشتمل على الذلة والضعف، والعموم لكل من حاد عن الطريق المستقيم، وأن في إظهار المستحق للعذاب زيادة تمكن ما استخدم في الدلالة عليه الاسم الظاهر بدل المضمر، وتمكن المسند إليه وتقريره في نفس السامع (١). ولم أجد من أشار إلى هذه القاعدة من المفسرين إلا أبي السعود حيث قال: "وُضع الظاهرُ موضعَ المُضمرِ إشعاراً بأن مَنْ هذا شأنُه فهو كافرٌ بنعمة الله تعالى ومن كان كافراً بنعمة الله تعالى فله عذابٌ يُهينُه كما أهان النعمةَ بالبخل والإخفاءِ" (٢).

стр. 277

استنباطات سورة المائدة [المؤمن يفي بكل العقود التي ارتبط بها] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [سورة المائدة: ١] ١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وأساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة أوفوا بالعقود وهي تفيد أنه يجب على كل مؤمن أن يفي بما عقده وارتبط به، وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الشارع إلا ببينة منه" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب العقود، في مسألة المؤمن يفي بكل العقود التي ارتبط بها، بدلالة العموم. وجه الاستنباط: دل الأمر في الآية على وجوب الوفاء بكل عقد التزم به المؤمن من العقود الخاصة بينه وبين خالقه من تحليل الحلال وتحريم الحرام، وبكل ما التزم به في معاملاته العامة بكل من ارتبط بهم، في كل حالات اليسر والعسر، لأن هذا من مقتضيات الإيمان الكامل، وهذا المعنى يحقق مقصدا شرعيا كليا، في كل جوانب الحياة، بين العبد وربه، ونفسه، ومن حوله. ومن المفسرين من جعل الأمر عاما شاملا لكل عقد، ومنهم الزمخشري فقال: "وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف، وقيل: هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتماسحون من المبايعات ونحوها، وأنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل وهو قوله أحلت لكم وما بعده" (٢)، ومثله الرازي، والنسفي، وابن كثير، وكذا أبو السعود (٣).

стр. 278

وقال القرطبي: "قيل: هي عامة وهو الصحيح، فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب، لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد ﷺ ، فإنهم مأمورون بذلك في قوله: " أوفوا بالعقود" وغير موضع. قال ابن عباس: " أوفوا بالعقود" معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء" (١)، وممن قال بالعموم أيضا البيضاوي (٢). قال ابن سعدي: "هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها، وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم، والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع، فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها" (٣). وقد قصر بعض المفسرين معنى الوفاء بالعقود على تكاليف الشرع وحدوده، ومنهم ابن جرير فقال: "وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما قاله ابن عباس، وأن معناه: أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم، وألزمكم فرضه، وبيَّن لكم حدوده. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه. فكان معلومًا بذلك أن قوله: "أوفوا بالعقود"، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه" (٤). [المؤمن ينتصر للحق بالحق ولا ينتصر لنفسه من ظالمه بغير حق] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [سورة المائدة: ٢]

стр. 279

٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وأما الاعتداء على من تبغضونهم فلا يباح لكم وأنتم حل، كما أنه لا يباح لكم وأنتم حرم، وإن كانوا صدوكم عن المسجد الحرام من قبل، وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل، لأنه نهي عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام، فإن من يحمله البغض والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق، وحينئذ لا يراعي المماثلة ولا يقف عند حدود العدل، ولم أر من نبه على هذا ولا من حرر هذا المبحث" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب العدل، في مسألة المؤمن ينتصر للحق بالحق ولا ينتصر لنفسه من ظالمه بغير حق، بدلالة مفهوم المخالفة. وجه الاستنباط: الآية تأمر بإقامة العدل في المعاملة، حتى وإن كان هو المجني عليه، وأن يخلص نفسه مما قد يعلق فيها من البغض والحقد فتكون حاملة له على الاعتداء على الآخرين بما تثيره هذه المؤثرات في نفسه، بل يجعل الحق واتباع الدليل هو الحكم في معاملاته كلها. قال الرازي: "قال القفال ﵀: هذا معطوف على قوله لا تحلوا شعائر الله إلى قوله ولا آمين البيت الحرام يعني ولا تحملنكم عداوتكم لقوم من أجل أنهم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا فتمنعوهم عن المسجد الحرام، فإن الباطل لا يجوز أن يعتدى به، وليس للناس أن يعين بعضهم بعضا على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه، لكن الجواب أن يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى، فهذا هو المقصود من الآية" (٢). وقال الزمخشري: "ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام: منع أهل مكة رسول الله ﷺ والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم وتعاونوا على البر والتقوى على العفو والإغضاء ولا تعاونوا على الإثم والعدوان على الانتقام والتشفي، ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى وكل إثم وعدوان، فيتناول بعمومه العفو والانتصار" (٣). وقال ابن عطية: ": فأما من قرأ «شنآن» بفتح النون فالأظهر فيه أنه مصدر كأنه قال لا يكسبنكم بغض قوم من أجل أن صدوكم عدوانا عليهم وظلما لهم، ويحتمل «الشنان» بفتح النون أن يكون وصفا فيجيء المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم أو بغضاء قوم عدوانا" (٤)، وكذا البيضاوي، والنسفي، والقرطبي، وابن عاشور (٥).

стр. 280

وقال ابن سعدي: "لا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم واعتداؤهم عليكم، حيث صدوكم عن المسجد، على الاعتداء عليهم، طلبا للاشتفاء منهم، فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله، ويسلك طريق العدل، ولو جُنِي عليه أو ظلم واعتدي عليه، فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه، أو يخون من خانه" (١). [أهمية التعاون على البر والتقوى بتقديم التحلية على التخلية] قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [سورة المائدة: ٢] ٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "أما الأمر بالتعاون على البر والتقوى فهو من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن؛ لأنه يوجب على الناس إيجابا دينيا أن يعين بعضهم بعضا على كل عمل من أعمال البر التي تنفع الناس أفرادا وأقواما في دينهم ودنياهم، وكل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم، فجمع بذلك بين التحلية والتخلية، ولكنه قدم التحلية بالبر، وأكد هذا الأمر بالنهي عن ضده؛ وهو التعاون على الإثم بالمعاصي وكل ما يعوق عن البر والخير" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب أعمال القلوب، في مسألة أهمية التعاون على البر والتقوى بتقديم التحلية على التخلية، بدلالة الاقتران. وجه الاستنباط: الأمر في الآية بالتعاون في أمور البر والتقوى، وتأكد هذا الأمر بالنهي عن ضده، والقاعدة التربوية السلوكية المهمة أكدت على أهمية تخلية النفس من مفاسد الأقوال والأعمال ابتداءً، وفي الآية هنا تقديم للتحلية على التخلية، وهذا تأكيد على قيمة وأهمية التعاون على البر والتقوى، من خلال تقديمه على النهي عن التعاون على الإثم والعدوان. وهذا مما انفرد الشيخ بذكره والتنويه إليه، فيما اطلعت عليه من كلام المفسرين. [استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم شرط لحل صيدها] قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [سورة المائدة: ٤]

стр. 281

٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ونكتة هذه الجملة [تُعَلِّمُونَهُنَّ] على القول بأنها حالية مراعاة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم؛ لأن إغفالها ينسيها ما تعلمت، فتصطاد لنفسها ولا تمسك على صاحبها، وإمساكها عليه شرط لحل صيدها، نص عليه في الجملة التي بعد هذه، وهذا التعليل الذي ألهمنيه الله -تعالى- أظهر مما قالوه من أنه المبالغة في اشتراط التعليم" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الصيد، في مسألة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم شرط لحل صيدها، بدلالة السياق. وجه الاستنباط: تعليم الجوارح الصيد منصوص عليه في الآية التي بعدها ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٤]، والمعنى الظاهر في الآية هو إفادة الجملة الحالية معنى وجوب استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم، وهو وجه من أوجه المبالغة في التعليم، لضمان بقاء قصد الصيد لصاحبها لا لنفسها، فإن هذا شرط في حل الصيد، وهذا أظهر من أن تكون الجملة للمبالغة في اشتراط التعلم. وهو مما انفرد به الشيخ حيث إن ما وقفت عليه من تفاسير المفسرين بين أن المعنى أن يتخذ معلما حاذقا، مبالغة في اشتراط التعليم ولم يذكر تعاهد التعلم خوفا من نسيانه. وأقرب من تكلم عن العناية بالتعليم الزمخشري من جانب اختيار المعلم الحاذق، فقال: "وانتصاب مكلبين على الحال من علمتم. فإن قلت ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه مدربا فيه، موصوفا بالتكليب، وتعلمونهن حال ثانية أو استئناف، وفيه فائدة جليلة، وهي أن على كل آخذ علما ألا يأخذه إلا من أقتل أهله علما وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ عن غيره متقن، قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله" (٢)، ونقل ذلك عنه الرازي (٣)، وزاد: "وتعلمونهن حال ثانية أو استئناف، والمقصود منه المبالغة في اشتراط التعليم". وقال البيضاوي: "وانتصابه على الحال من علمتم وفائدتها المبالغة في التعليم" (٤)، وكذا الألوسي (٥).

стр. 282

قال ابن عاشور: "ومكلبين حال من ضمير علمتم مبينة لنوع التعليم وهو تعليم المكلب، وصف مشتق من الاسم الجامد، ولذلك فوقوعه حالا من ضمير علمتم ليس مخصصا للعموم الذي أفاده قوله: وما علمتم فهذا العموم يشمل غير الكلاب، وقوله: تعلمونهن مما علمكم الله حال ثانية، قصد بها الامتنان والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان، إذ جعله معلما بالجبلة، والمواهب التي أودعها الله في بعض الحيوان، إذ جعله قابلا للتعلم، فباعتبار كون مفاد هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزل منزلة الحال المؤكدة، وباعتبار كونها تضمنت معنى الامتنان فهي مؤسسة" (١). [مؤاكلة أهل الكتاب ونكاح نسائهم حلال ابتداءً] قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٥] ٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والتعبير بقوله (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) إنشاء لحلها العام الدائم كما تقدم، ولكنه لم يقل مثل ذلك فيما بعده بل قال: (حِلٌّ لَكُمْ) وهو خبر مقرر للأصل في المسألتين: مسألة مؤاكلة أهل الكتاب، ومسألة نكاح نسائهم، فلم يكن شيء منهما محرما من قبل وأحل في ذلك اليوم، لا بتحريم من الله ولا بتحريم الناس على أنفسهم، كما حرموا بعض الطيبات، فهذا ما ظهر لنا من نكتة اختلاف التعبير، وسكت عنه الباحثون في نكت البلاغة الذين اطلعنا على كلامهم، وحكمة النص على هذا الحل قطع الطريق على الغلاة أن يحرموه باجتهادهم وأهوائهم" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب النكاح، في مسألة مؤاكلة أهل الكتاب ونكاح نسائهم حلال ابتداءً، بدلالة الألفاظ. وجه الاستنباط: لفظة أحل لكم على الأصل العام في إباحة الطيبات، أي على قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، وهو المعنى الذي قررته الآية، أما لفظة حل لكم، فهو خبر مقرر للأصل في مسألة مؤاكلة أهل الكتاب، وكذا مسألة نكاح نسائهم فحكمها الحل على الأصل قبل هذه الآية، فهاتان المسألتان لم تكونا محرمات من قبل، وعند علماء البلاغة يسمى هذا النوع: بالعكس المعنوي: (اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ) " أي: يَحلُّ لَكُمْ أنْ تُطْعِمُوهُمْ من طعامِكُمْ، إذْ ليس هذا الحكم مُوجّهاً لأهل الكتاب الذين لا يؤمنونَ بالقرآن ولا بالإِسلام، إنما هو موجّه للمؤمنين، ويسمى هذا النوع عند علماء البلاغة العكس المعنوي - التبديل-" (٣).

стр. 283

ولم أجد من أشار إلى هذا المعنى الفقهي البلاغي غير الشيخ. [سنة القرآن في النزاهة والكناية في الألفاظ] قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [سورة المائدة: ٦]. ٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "الغائط: المكان المنخفض من الأرض، وهو كناية عن قضاء الحاجة من بول وغائط، وصار حقيقة شرعية في هذا الحدث، وعرفية في الرجيع الذي يخرج من الدبر، وملامسة النساء: هي المباشرة المشتركة بين الرجال وبينهن، وكل من التعبيرين كناية على سنة القرآن في النزاهة" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا سلوكيا، في باب الآداب، في مسألة سنة القرآن في النزاهة والكناية في الألفاظ، بدلالة معاني الألفاظ. وجه الاستنباط: القرآن كتاب هداية ورإشاد وبيان للأحكام، ومن سنة الله في القرآن الكريم في بيان الأحكام أنه يكني عن الأمور الخاصة بالإنسان والتي يستحى من ذكرها، كمكان قضاء الحاجة، وعن حالات ملامسة النساء بالجماع وغيرها، فيكنى عنها بما يفيد من المعاني، وهذا أسلوب تأديب للإنسان في ألفاظه، وهو أسلوب من أساليب البلاغة العربية. وأشار إلى هذا المعنى كثير من المفسرين، كابن جرير فقال: " (الغائط): ما اتسع من الأودية وتصوَّب، وجعل كناية عن قضاء حاجة الإنسان، لأن العرب كانت تختار قضاءَ حاجتها في الغِيطان، فكثر ذلك منها حتى غلب عليهم ذلك، فقيل لكل من قضى حاجته التي كانت تقضي في الغِيطان، حيثُ قضاها من الأرض: مُتَغَوِّط وجاء فلان من الغائط، يعني به: قضى حاجته التي كانت تقضى في الغائط من الأرض (٢). ومثله البيضاوي، والنسفي، والقرطبي، وغيرهم (٣). وقال ابن كثير: "الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر" (٤).

стр. 284

وقال أبو السعود: "هو المكان الغائر المطمئن والمجئ منه كناية عن الحدث لأن المعتاد أن من يريده يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس وإسناد المجئ منه إلى واحد منهم من المخاطبين دونهم للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا منه أو يستهجن التصريح به وكذلك إيثار الكناية فيما عطف عليه من قوله : ﴿أو لامستم النساء﴾ على التصريح بالجماع" (١). قال ابن سعدي في بيان بعض أحكام هذه الآية: "استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به" (٢). وقال ابن عاشور: "من الغائط كناية عن قضاء الحاجة البشرية، شاع في كلامهم التكني بذلك لبشاعة الصريح" (٣). [تأكيد وتقرير وعد الله للمؤمنين وتشوّقهم له] قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ [سورة المائدة: ٩] ٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهذا التعبير أبلغ من تعلق الوعد بالموعود نفسه، كقوله تعالى في آخر سورة الفتح: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الفتح: ٢٩] لأن ما هنالك خبر واحد، لا تأكيد فيه، ولا زيادة عناية بتقريره، وما هنا خبر فيه زيادة تأكيد أو تقرير للوعد، فقد وعد وعدا مجملا من شأنه أن تتوجه النفس للسؤال عن بيانه، فهذا خبر مستقل" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة تأكيد وتقرير وعد الله للمؤمنين وتشوّقهم له، بدلالة المقارنة. وجه الاستنباط: استخدم الشيخ أسلوب المقارنة بين الآيتين، وبين أن في آية سورة المائدة إفادة تحقق الوعد وأكدته الجملة الخبرية، وهو أبلغ مما أفاده تحقيق الخبر بالموعود في سورة الفتح، وهذا يفيد عظم فضل الله، وأن جزاءه لعباده فضل زائد على أعمالهم، وليس جزاءً على أعمالهم فقط. وأشار بعض المفسرين إلى ذلك كابن جرير فقال: "فإن قال قائل: إن الله جل ثناؤه أخبر في هذه الآية أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولم يخبر بما وعدهم، فأين الخبر عن الموعود؟ قيل: بلى إنه قد أخبَر عن الموعود، والموعود هو قوله: "لهم مغفرة وأجر عظيم"، فإن قال: فإن قوله: "لهم مغفرة وأجر عظيم" خبرٌ مبتدأ، ولو كان هو الموعود لقيل: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرًا عظيمًا، ولم يدخل في ذلك "لهم"، وفي دخول ذلك فيه، دلالة على ابتداء الكلام، وانقضاء الخبر عن الوعد! قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرتَ، فإنه مما اكتُفي بدلالة ما ظهر من الكلام على ما بطن من معناه" (٥).

стр. 285

وقال الزمخشري: "لهم مغفرة وأجر عظيم بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال: قدم لهم وعدا فقيل: أى شيء وعده لهم؟ فقيل: لهم مغفرة وأجر عظيم، أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة، أو على إجراء وعد مجرى قال: لأنه ضرب من القول. أو يجعل وعد واقعا على الجملة التي هي لهم مغفرة" (١)، ونقل هذا أبو حيان (٢). وقال الرازي: "وقوله لهم مغفرة وأجر عظيم فيه وجوه: الأول: أنه قال أولا وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكأنه قيل: وأي شيء وعدهم؟ فقال لهم مغفرة وأجر عظيم الثاني: التقدير كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال لهم مغفرة وأجر عظيم، والثالث: أجرى قوله وعد مجرى قال، والتقدير: قال الله في الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم، والرابع: أن يكون وعد واقعا على جملة لهم مغفرة وأجر عظيم أي وعدهم بهذا المجموع" (٣). قال ابن عاشور: "وجملة لهم مغفرة مبينة لجملة وعد الله الذين آمنوا، فاستغني بالبيان عن المفعول، فصار التقدير: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما لهم، وإنما عدل عن هذا النظم لما في إثبات المغفرة لهم بطريق الجملة الاسمية من الدلالة على الثبات والتقرر" (٤). [تجديد الدين بإنشاء وتعاقب الأجيال في الأمم] قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦] ٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فهذا بيان حكمة عصيانهم لموسى بعد ما جاءهم بالبينات، وحكمة حرمان الله تعالى لذلك الجيل منهم من الأرض المقدسة، فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي بينها الله تعالى لنا، ونعلم أن إصلاح الأمم بعد فسادها بالظلم والاستبداد، إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها" (٥).
следующие страницы →