← Тафсир

Тафсир · id 841

استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره

رقية بنت محمد بن سالم باقيس

Полный текст (435 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ونكتة هذه الجملة [تُعَلِّمُونَهُنَّ] على القول بأنها حالية مراعاة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم؛ لأن إغفالها ينسيها ما تعلمت، فتصطاد لنفسها ولا تمسك على صاحبها، وإمساكها عليه شرط لحل صيدها، نص عليه في الجملة التي بعد هذه، وهذا التعليل الذي ألهمنيه الله -تعالى- أظهر مما قالوه من أنه المبالغة في اشتراط التعليم" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الصيد، في مسألة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم شرط لحل صيدها، بدلالة السياق. وجه الاستنباط: تعليم الجوارح الصيد منصوص عليه في الآية التي بعدها ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٤]، والمعنى الظاهر في الآية هو إفادة الجملة الحالية معنى وجوب استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم، وهو وجه من أوجه المبالغة في التعليم، لضمان بقاء قصد الصيد لصاحبها لا لنفسها، فإن هذا شرط في حل الصيد، وهذا أظهر من أن تكون الجملة للمبالغة في اشتراط التعلم. وهو مما انفرد به الشيخ حيث إن ما وقفت عليه من تفاسير المفسرين بين أن المعنى أن يتخذ معلما حاذقا، مبالغة في اشتراط التعليم ولم يذكر تعاهد التعلم خوفا من نسيانه. وأقرب من تكلم عن العناية بالتعليم الزمخشري من جانب اختيار المعلم الحاذق، فقال: "وانتصاب مكلبين على الحال من علمتم. فإن قلت ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه مدربا فيه، موصوفا بالتكليب، وتعلمونهن حال ثانية أو استئناف، وفيه فائدة جليلة، وهي أن على كل آخذ علما ألا يأخذه إلا من أقتل أهله علما وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ عن غيره متقن، قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله" (٢)، ونقل ذلك عنه الرازي (٣)، وزاد: "وتعلمونهن حال ثانية أو استئناف، والمقصود منه المبالغة في اشتراط التعليم". وقال البيضاوي: "وانتصابه على الحال من علمتم وفائدتها المبالغة في التعليم" (٤)، وكذا الألوسي (٥).

стр. 282

قال ابن عاشور: "ومكلبين حال من ضمير علمتم مبينة لنوع التعليم وهو تعليم المكلب، وصف مشتق من الاسم الجامد، ولذلك فوقوعه حالا من ضمير علمتم ليس مخصصا للعموم الذي أفاده قوله: وما علمتم فهذا العموم يشمل غير الكلاب، وقوله: تعلمونهن مما علمكم الله حال ثانية، قصد بها الامتنان والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان، إذ جعله معلما بالجبلة، والمواهب التي أودعها الله في بعض الحيوان، إذ جعله قابلا للتعلم، فباعتبار كون مفاد هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزل منزلة الحال المؤكدة، وباعتبار كونها تضمنت معنى الامتنان فهي مؤسسة" (١). [مؤاكلة أهل الكتاب ونكاح نسائهم حلال ابتداءً] قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٥] ٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والتعبير بقوله (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) إنشاء لحلها العام الدائم كما تقدم، ولكنه لم يقل مثل ذلك فيما بعده بل قال: (حِلٌّ لَكُمْ) وهو خبر مقرر للأصل في المسألتين: مسألة مؤاكلة أهل الكتاب، ومسألة نكاح نسائهم، فلم يكن شيء منهما محرما من قبل وأحل في ذلك اليوم، لا بتحريم من الله ولا بتحريم الناس على أنفسهم، كما حرموا بعض الطيبات، فهذا ما ظهر لنا من نكتة اختلاف التعبير، وسكت عنه الباحثون في نكت البلاغة الذين اطلعنا على كلامهم، وحكمة النص على هذا الحل قطع الطريق على الغلاة أن يحرموه باجتهادهم وأهوائهم" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب النكاح، في مسألة مؤاكلة أهل الكتاب ونكاح نسائهم حلال ابتداءً، بدلالة الألفاظ. وجه الاستنباط: لفظة أحل لكم على الأصل العام في إباحة الطيبات، أي على قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، وهو المعنى الذي قررته الآية، أما لفظة حل لكم، فهو خبر مقرر للأصل في مسألة مؤاكلة أهل الكتاب، وكذا مسألة نكاح نسائهم فحكمها الحل على الأصل قبل هذه الآية، فهاتان المسألتان لم تكونا محرمات من قبل، وعند علماء البلاغة يسمى هذا النوع: بالعكس المعنوي: (اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ) " أي: يَحلُّ لَكُمْ أنْ تُطْعِمُوهُمْ من طعامِكُمْ، إذْ ليس هذا الحكم مُوجّهاً لأهل الكتاب الذين لا يؤمنونَ بالقرآن ولا بالإِسلام، إنما هو موجّه للمؤمنين، ويسمى هذا النوع عند علماء البلاغة العكس المعنوي - التبديل-" (٣).

стр. 283

ولم أجد من أشار إلى هذا المعنى الفقهي البلاغي غير الشيخ. [سنة القرآن في النزاهة والكناية في الألفاظ] قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [سورة المائدة: ٦]. ٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "الغائط: المكان المنخفض من الأرض، وهو كناية عن قضاء الحاجة من بول وغائط، وصار حقيقة شرعية في هذا الحدث، وعرفية في الرجيع الذي يخرج من الدبر، وملامسة النساء: هي المباشرة المشتركة بين الرجال وبينهن، وكل من التعبيرين كناية على سنة القرآن في النزاهة" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا سلوكيا، في باب الآداب، في مسألة سنة القرآن في النزاهة والكناية في الألفاظ، بدلالة معاني الألفاظ. وجه الاستنباط: القرآن كتاب هداية ورإشاد وبيان للأحكام، ومن سنة الله في القرآن الكريم في بيان الأحكام أنه يكني عن الأمور الخاصة بالإنسان والتي يستحى من ذكرها، كمكان قضاء الحاجة، وعن حالات ملامسة النساء بالجماع وغيرها، فيكنى عنها بما يفيد من المعاني، وهذا أسلوب تأديب للإنسان في ألفاظه، وهو أسلوب من أساليب البلاغة العربية. وأشار إلى هذا المعنى كثير من المفسرين، كابن جرير فقال: " (الغائط): ما اتسع من الأودية وتصوَّب، وجعل كناية عن قضاء حاجة الإنسان، لأن العرب كانت تختار قضاءَ حاجتها في الغِيطان، فكثر ذلك منها حتى غلب عليهم ذلك، فقيل لكل من قضى حاجته التي كانت تقضي في الغِيطان، حيثُ قضاها من الأرض: مُتَغَوِّط وجاء فلان من الغائط، يعني به: قضى حاجته التي كانت تقضى في الغائط من الأرض (٢). ومثله البيضاوي، والنسفي، والقرطبي، وغيرهم (٣). وقال ابن كثير: "الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر" (٤).

стр. 284

وقال أبو السعود: "هو المكان الغائر المطمئن والمجئ منه كناية عن الحدث لأن المعتاد أن من يريده يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس وإسناد المجئ منه إلى واحد منهم من المخاطبين دونهم للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا منه أو يستهجن التصريح به وكذلك إيثار الكناية فيما عطف عليه من قوله : ﴿أو لامستم النساء﴾ على التصريح بالجماع" (١). قال ابن سعدي في بيان بعض أحكام هذه الآية: "استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به" (٢). وقال ابن عاشور: "من الغائط كناية عن قضاء الحاجة البشرية، شاع في كلامهم التكني بذلك لبشاعة الصريح" (٣). [تأكيد وتقرير وعد الله للمؤمنين وتشوّقهم له] قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ [سورة المائدة: ٩] ٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهذا التعبير أبلغ من تعلق الوعد بالموعود نفسه، كقوله تعالى في آخر سورة الفتح: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الفتح: ٢٩] لأن ما هنالك خبر واحد، لا تأكيد فيه، ولا زيادة عناية بتقريره، وما هنا خبر فيه زيادة تأكيد أو تقرير للوعد، فقد وعد وعدا مجملا من شأنه أن تتوجه النفس للسؤال عن بيانه، فهذا خبر مستقل" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة تأكيد وتقرير وعد الله للمؤمنين وتشوّقهم له، بدلالة المقارنة. وجه الاستنباط: استخدم الشيخ أسلوب المقارنة بين الآيتين، وبين أن في آية سورة المائدة إفادة تحقق الوعد وأكدته الجملة الخبرية، وهو أبلغ مما أفاده تحقيق الخبر بالموعود في سورة الفتح، وهذا يفيد عظم فضل الله، وأن جزاءه لعباده فضل زائد على أعمالهم، وليس جزاءً على أعمالهم فقط. وأشار بعض المفسرين إلى ذلك كابن جرير فقال: "فإن قال قائل: إن الله جل ثناؤه أخبر في هذه الآية أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولم يخبر بما وعدهم، فأين الخبر عن الموعود؟ قيل: بلى إنه قد أخبَر عن الموعود، والموعود هو قوله: "لهم مغفرة وأجر عظيم"، فإن قال: فإن قوله: "لهم مغفرة وأجر عظيم" خبرٌ مبتدأ، ولو كان هو الموعود لقيل: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرًا عظيمًا، ولم يدخل في ذلك "لهم"، وفي دخول ذلك فيه، دلالة على ابتداء الكلام، وانقضاء الخبر عن الوعد! قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرتَ، فإنه مما اكتُفي بدلالة ما ظهر من الكلام على ما بطن من معناه" (٥).

стр. 285

وقال الزمخشري: "لهم مغفرة وأجر عظيم بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال: قدم لهم وعدا فقيل: أى شيء وعده لهم؟ فقيل: لهم مغفرة وأجر عظيم، أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة، أو على إجراء وعد مجرى قال: لأنه ضرب من القول. أو يجعل وعد واقعا على الجملة التي هي لهم مغفرة" (١)، ونقل هذا أبو حيان (٢). وقال الرازي: "وقوله لهم مغفرة وأجر عظيم فيه وجوه: الأول: أنه قال أولا وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكأنه قيل: وأي شيء وعدهم؟ فقال لهم مغفرة وأجر عظيم الثاني: التقدير كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال لهم مغفرة وأجر عظيم، والثالث: أجرى قوله وعد مجرى قال، والتقدير: قال الله في الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم، والرابع: أن يكون وعد واقعا على جملة لهم مغفرة وأجر عظيم أي وعدهم بهذا المجموع" (٣). قال ابن عاشور: "وجملة لهم مغفرة مبينة لجملة وعد الله الذين آمنوا، فاستغني بالبيان عن المفعول، فصار التقدير: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما لهم، وإنما عدل عن هذا النظم لما في إثبات المغفرة لهم بطريق الجملة الاسمية من الدلالة على الثبات والتقرر" (٤). [تجديد الدين بإنشاء وتعاقب الأجيال في الأمم] قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦] ٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فهذا بيان حكمة عصيانهم لموسى بعد ما جاءهم بالبينات، وحكمة حرمان الله تعالى لذلك الجيل منهم من الأرض المقدسة، فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي بينها الله تعالى لنا، ونعلم أن إصلاح الأمم بعد فسادها بالظلم والاستبداد، إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها" (٥).

стр. 286

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن الإلهية، في مسألة تجديد الدين بإنشاء وتعاقب الأجيال في الأمم، بدلالة الإشارة. وجه الاستنباط: من عاش في مهد الاستبداد والظلم والاضطهاد تفسد أخلاقه وتصير كالموروثات المكتسبة والغرائز الفطرية وعليه يصعب انتزاعها، ولما علم الله من نفوس هؤلاء عدم طاعة أمر الله، وأن ما وعد الله لن يتحقق إلا بفناء هذا الجيل وإيجاد جيل جديد، وفق سنة الله في الاجتماع البشري، يعيد صلاح الأمة بحرية واستقلال وعزة قائمة على معرفة الشريعة والعمل بفضائلها، ولذا منع الله عليهم دخول هذه القرية، وجعلهم في تيه حتى ماتوا جميعا، أما أبناؤهم فهم الذين تسلموا الراية وقاتلوا كما أمر الله ودخلوا تلك القرية. وهو استنباط عميق بنى عليه علم الاجتماع قواعده وأسسه في دراسة المجتمعات وتغير الأجيال، فقد دلت لفظة (فإنها محرمة) على الحكمة من العذاب. وقد أشار بعض المفسرين إلى بيان معنى التحريم هل هو عام للجميع، أم أن أبناءهم مستثنون من هذا، ولم يوضحوا سبب هذا الفناء: أن التحريم ليس تعبديا وإنما هو تحريم منع، لهؤلاء الأباء، أما أبناؤهم الذين لم يعملوا الشر فسيدخلون تلك القرية (١) قال البغوي: "ومات في التيه كل من دخلها ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قالوا: إنا لن ندخلها أبدا فلما هلكوا وانقضت الأربعون سنة، ونشأت النواشئ من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين" (٢)، ومثله الزمخشري وابن عطية (٣). وأشار ابن سعدي للحكمة التي أوردها الشيخ محمد رشيد رضا، فقال: "ولعل الحكمة في هذه المدة أن يموت أكثر هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات، بل قد ألفت الاستعباد لعدوها، ولم تكن لها همم ترقيها إلى ما فيه ارتقاؤها وعلوها، ولتظهر ناشئة جديدة تتربى عقولهم على طلب قهر الأعداء، وعدم الاستعباد، والذل المانع من السعادة" (٤)، ومثله الدوسري والهرري (٥). وقد حمل كلام ابن خلدون تأصيلا واضحا لاستنباط الشيخ هنا، فقد قال: "ويظهر من مساق الآية ومفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة، وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا يسام بالمذلة، فنشأت لهم ذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب، ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر، سبحان الحكيم العليم" (٦).

стр. 287

[صراع النفس والاستجابة لدواعي المعصية أو دواعي الطاعة] قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [سورة المائدة: ٣٠] ٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن هذه الكلمة تدل على تدريج وتكرار في حمل الفطرة على طاعة الحسد الداعي إلى القتل، فولد آدم الذي زين له حسده لأخيه قتله، وهو بين إقدام وإحجام، يفكر في كل كلمة من كلمات أخيه الحكمية، فيجد في كل منها صارفا له عن الجريمة، يدعم ويؤيد ما في الفطرة من صوارف العقل والقرابة والهيبة، فكر الحسد من نفسه الأمارة على كل صارف في نفسه اللوامة، فلا يزالان يتنازعان ويتجاذبان حتى يغلب الحسد كلا منها ويجذبه إلى الطاعة، فإطاعة صوارف الفطرة وصوارف الموعظة لداعي الحسد هو التطوع الذي عناه الله تعالى" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السلوك، في مسألة صراع النفس والاستجابة لدواعي المعصية أو دواعي الطاعة، بدلالة الألفاظ. وجه الاستنباط: لفظة (طوعت) حملت معنى مغايرا ومتباينا عن معاني الكلمات المرادفة لها التي استرسل المفسرون في ذكرها مثل: (شجعت، ووسعت، وسهلت، وزينت، ونحوها من الألفاظ) (٢)، فلم يحدث ما ترتب على معنى هذه الكلمة إلا بعد مراحل من المنازعات النفسية، وبعد صراع كبير بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة، والذي انتهى بغلبة النفس الأمارة بالسوء، وهكذا في مواقف أخرى قد ينتهي الصراع بغلبة داعي الإيمان والخير والنفس اللوامة، فيسلم صاحبها من عواقب الأمور، وهذا كله يؤكد حقيقة الصراع بين دواعي المعصية والحسد، وبين دواعي الطاعة والفطرة. وكذا في لسان العرب (٣)، وإن كان كل منها يشير إلى حاصل المعنى في الجملة، والتي لا زالت كلمة طوعت تحمل معنى أعمق وأوسع منها، إذ كان من معناها التدرج والتكرار، وما لذلك من أثر نفسي في القاتل، وتصارع في نفسه بين أمر النفس اللوامة التي تأمره بالفطرة والعقل والقرابة، وبين أمر النفس الأمارة التي تصرفه عن الحق بداعي الحسد.

стр. 288

والرازي فقال: "وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم الكبائر، فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله، فيكون هذا الفعل كالشيء العاصي المتمرد عليه الذي لا يطيعه بوجه البتة، فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها صار هذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه" (١). وقال ابن حيان: "وطوعت: فعل من الطوع وهو الانقياد، كأن القتل كان ممتنعا عليه متعاصيا، وأصله: طاع له قتل أخيه أي انقاد له وسهل، ثم عدي بالتضعيف فصار الفاعل مفعولا والمعنى: أن القتل في نفسه مستصعب عظيم على النفوس، فردته هذه النفس اللحوح الأمارة بالسوء طائعا منقادا حتى أوقعه صاحب هذه النفس" (٢). وقال ابن عاشور: " (وطوع) معناه جعله طائعا، أي مكنه من المطوع، والطوع والطواعية: ضد الإكراه، والتطويع: محاولة الطوع، شبه قتل أخيه بشيء متعاص عن قابيل ولا يطيعه بسبب معارضة التعقل والخشية" (٣). [الحدود الشرعية سبيل لحفظ وحدة البشر] قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [سورة المائدة: ٣٢] ١٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فالآية تعلمنا ما يجب من وحدة البشر وحرص كل منهم على حياة الجميع، واتقائه ضرر كل فرد؛ لأن انتهاك حرمة الفرد انتهاك لحرمة الجميع، والقيام بحق الفرد من حيث إنه عضو من النوع، وما قرر له من حقوق المساواة في الشرع، قيام بحق الجميع. وقد غفل عن هذا المعنى العالي من جعل التشبيه في الآية مشكلا يحتاج إلى التخريج والتأويل" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب الكليات الخمس، في مسألة الحدود الشرعية سبيل لحفظ وحدة البشر، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: الآية ترشد إلى المحافظة على حياة الناس والسعي في مساعدتهم والحفاظ على حياتهم، والبعد عن كل ما من شأنه المساس بحياتهم، وقد ربط الشيخ ربطاً جميلا بين هذا المعنى في الآية وبين قواعد علم الاجتماع في أسس بناء المجتمع، والحرص على وحدة الأمة والحفاظ على حياة الناس، فإن ذلك من مقاصد الشريعة على مستوى أمة الدعوة.

стр. 289

وهذا المعنى لم يتطرق إليه أحد من المفسرين وإنما دار كلامهم حول القتل وأسبابه وحكم القصاص فيه. قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت: لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذا بين الواحد والجميع في ذلك. فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها، وعن مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم، وغضب الله، والعذاب العظيم، ولو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك" (١). وقال ابن عطية: "والذي أقول إن الشبه بين قاتل النفس وقاتل الكل لا يطرد من جميع الجهات، لكن الشبه قد تحصل من ثلاث جهات، إحداها القود فإنه واحد، والثانية الوعيد، فقد توعد الله قاتل النفس بالخلود في النار، وتلك غاية العذاب، فإن فرضناه يخرج من النار بعد بسبب التوحيد فكذلك قاتل الجميع ان لو اتفق ذلك، والثالثة انتهاك الحرمة، فإن نفسا واحدة، في ذلك وجميع الأنفس سواء، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع (٢). [إقامة العدل وتطبيق الحدود منوط بالدولة القوية المستقرة] قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣٣] ١١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "إن الآية تدل دلالة صريحة على أن هذا العقاب خاص بمن يفسدون في الأرض بالسلب والنهب، أو القتل، أو إهلاك الحرث والنسل، ومثل ذلك -أو منه- الاعتداء على الأعراض إذا كانوا محاربين لله ورسوله بقوة يمتنعون بها من الإذعان والخضوع لشرعه، ولا يتأتى ذلك إلا حيث يقام شرعه العادل من دار الإسلام" (٣).

стр. 290

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب السياسة الشرعية، في مسألة إقامة العدل وتطبيق الحدود منوط بالدولة القوية المستقرة، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: تنفيذ حدود الله وإقامة العدل لا يتم إلا في حال قوة الدين وقيام دولته وشرعه، وهذا حق في المسألة، ويدل عليه أن النبي ﷺ لم يقم هذه الحدود إلا بعد قيام دولة المدينة، فإن مقصد إقامة هذه الحدود لا يتحقق إلا بدولة ذات سلطان، يتحقق من خلالها مقاصد الشريعة في تلك الحدود. وهذا من الاستنباطات الرائعة للشيخ رشيد رضا التي انفرد بها عن المفسرين، وهي من المسائل التي اعتنت بها كتب ودراسات السياسة الشرعية. وهذا استنباط لم يسبق إليه الشيخ، فيما بحثته من كتب التفسير. [عداوة اليهود والنصارى للنبي ﷺ وللمؤمنين مبنية على الحمية للعرق لا الدين] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [سورة المائدة: ٥١] ١٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ونكتة التعبير عنهم باليهود والنصارى دون أهل الكتاب هي أن معاداتهم للنبي والمؤمنين إنما كانت بحسب جنسياتهم السياسية، لا من حيث أن كتابهم يأمرهم بذلك" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الولاء والبراء، في مسألة عداوة اليهود والنصارى للنبي ﷺ وللمؤمنين مبنية على الحمية للعرق لا الدين، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: استخدام لفظ أصل الانتماء العرقي بدلا من لفظ الانتماء الديني يدل على الحمية العرقية، وكيف أن سبب العداوة للنبي ﷺ وللمؤمنين مبنية على الحمية العرقية عند اليهود والنصارى، وأن كتبهم بريئة من هذه الحمية الجاهلية، وهذه المسألة قد بينت العقيدة الإسلامية، في أصل الولاء والبراء، أن الحمية الشرعية تكون في الدين وللمؤمنين حسب إيمانهم وديانتهم، ولا تكون هذه الحمية لعرق أو جنس أو وطن أو غير ذلك من أصول الجاهلية. وهذا استنباط جميل للشيخ لم أجد من المفسرين من تكلم عنه في ظل هذه الآية. وهذه مسألة قد تقررت في مصادر العقيدة الإسلامية، في أصل الولاء والبراء ومعناه.

стр. 291

وقد اعتنت كتب العقيدة بهذه المسألة عناية تامة وأصلتها بالنصوص وأقوال العلماء، وقد لخص الإمام ابن تيمية مذهب أهل السنة والجماعة في هذا فقال: "الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿٥٥﴾ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فإن حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٥ - ٥٦]، وقال: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [سورة المائدة: ٥١]، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [سورة التوبة: ٧١]، ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج والمعتزلة" (١) (٢). [معصية العالم أعظم جرما من معصية الجاهل وأشد فتكا بالمجتمع] قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [سورة المائدة: ٦٢ - ٦٣] ١٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والذي أفهمه أن معاصي العوام من قبيل ما يحصل بالطبع، لأنه اندفاع مع الشهوة بلا بصيرة، ومعصية العلماء بترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف من قبيل الصناعة المتكلفة، لفائدة للصانع فيها يلتمسها ممن يصنع له، وما ترك العلماء النهي عن المنكر، وهم يعلمون ما أخذ الله عليهم من الميثاق، إلا تكلفا لإرضاء الناس، وتحاميا لتنفيرهم منهم، فهو إيثار لرضاهم على رضوان الله وثوابه، والأقرب أن يكون من الصنع، لا من الصناعة، وهو العمل الذي يقدمه المرء لغيره يرضيه به" (٣).

стр. 292

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مسألة معصية العالم أعظم جرما من معصية الجاهل وأشد فتكا بالمجتمع، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: العوام يكون سبب معاصيهم الاندفاع وراء الشهوات بلا علم بأحكامها، وأما العلماء فإن معاصيهم بسبب تركهم للعمل بما أمر الله، وما أمرهم به من النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وفي هذا بيان لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه سبب البركة في كل شيء، وفيه بيان خطر معصية العلماء، فإنه يتبعها تسهيل للمعصية، وإقرار للعاصي بالسكوت عنه. قال الرازي: "والمعنى أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي، وذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه، لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد، بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى لأنه تعالى قال في المقدمين (على الإثم والعدوان وأكل السحت لبئس ما كانوا يعملون) [المائدة: ٦٢]، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر لبئس ما كانوا يصنعون والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا" (١)، وبنحوه عند الزمخشري (٢). وقال القرطبي: "ثم وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال: (لبئس ما كانوا يصنعون) كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله: "لبئس ما كانوا يعملون"، ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٣). وقال البيضاوي: "لبئس ما كانوا يصنعون أبلغ من قوله لبئس ما كانوا يعملون من حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وترو وتحري إجادة، ولذلك ذم به خواصهم ولأن ترك الحسبة أقبح من مواقعه المعصية، لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ولا كذلك ترك الإنكار عليها فكان جديرا بأبلغ الذم" (٤)، وبنحوه قال النسفي، وأبو حيان، وأبو السعود (٥).

стр. 293

[توسيع الله وتقتيره على عباده في الرزق وفق ما يصلحهم] قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [سورة المائدة: ٦٤] ١٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والنكتة في قوله: (كَيْفَ يَشَاءُ) بيان أن تقتير الرزاق على بعض العباد، الجاري على وفق الحكمة وسنن الله تعالى في الاجتماع لا ينافي سعة الجود وسريانه في كل الوجود، فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق، بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة توسيع الله وتقتيره على عباده في الرزق وفق ما يصلحهم، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: دلت الآية على إثبات المشيئة لله وأن تقتيره على بعض الناس وإغداقه على بعضهم، إنما هو جار على سنن الله الكونية، وليس تفضيلا لأحد على أحد، بل وفق حكمته وفضله وعدله، وبذلك استقامت السماوات والأرض، وفي هذا رد على المعتزلة ومن شاكلهم، ممن خلطوا بين المشيئة والإرادة وبين الحكمة والعدل، ولم يهتدوا إلى ما فيها من معان تليق بالله . قال الرازي: "واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة، وذلك لأنهم قالوا: يجب على الله تعالى إعطاء الثواب للمطيع، ويجب عليه أن لا يعاقبه، ويجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه، وليس لأحد عليه استحقاق، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا [المائدة: ١٧]، فقوله سبحانه: بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم" (٢). قال أبو السعود: " ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود وإليه أشير بتثنية اليد فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم وقيل التثنية للتنبيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة وقيل على إعطائه إكراما وعلى إعطائه استدراجا ﴿ينفق كيف يشاء﴾ جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده وللتنبيه على سر ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة إلى الاجتراء على تلك الكفرة العظيمة والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم التي عليها يدور أمر المعاش والمعاد وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن يضيق عليهم (٣).

стр. 294

[سبب عداوة أهل الكتاب لمحمد ﷺ أنه من غير جنسهم] قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [سورة المائدة: ٦٨] ١٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وأما إسناد إنزاله إلى الرسول ﷺ فليس لإفادة أنه أوحي إليه فقط، بل يشعر مع ذلك بأن إنزاله إليه سبب لطغيانهم وكفرهم، وأنهم لم يكفروا به لأجل إنكارهم لعقائده وآدابه وشرائعه أو استقباحهم، بل لعداوة الرسول الذي أنزل إليه وعداوة قومه العرب" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالرسل، في مسألة سبب عداوة أهل الكتاب لمحمد ﷺ أنه من غير جنسهم، بدلالة اللغة من إسناد الإنزال للرسول ﷺ . وجه الاستنباط: عداوة أهل الكتاب للنبي ﷺ ليس لأنه جاء بوحي جديد وإنما كان بسبب خروجه من جنس غير جنسهم، مع أن كتبهم أشارت إليه وإلى صفاته ﷺ وأمره لهم باتباعه، ولكن عداوتهم له وللعرب طغت على ما أمروا به فحلت عليهم لعنة الله وغضبه. قال ابن عطية: "أخبر تعالى نبيه أنه سيطغى كثير منهم بسبب نبوة محمد ﷺ ويزيده نزول القرآن والشرع كفرا وحسدا، ثم سلاه عنهم وحقرهم بقوله ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي لا تحزن إذ لم يؤمنوا ولا تبال عنهم" (٢). قال البيضاوي: " (حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) ومن إقامتها الإيمان بمحمد ﷺ والإذعان لحكمه، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقه والمعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له، والمراد إقامة أصولها وما لم ينسخ من فروعها" (٣). وقال أبو السعود: "وقوله تعالى ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾ جملة مستأنفة مبينة لشدة شكيمتهم وغلوهم في المكابرة والعناد وعدم إفادة التبليغ نفعا وتصديرها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولها والمراد بالكثير المذكور علماؤهم ورؤساؤهم ونسبة الإنزال إلى رسول الله ﷺ مع نسبته فيما مر إليهم للإنباء عن انسلاخهم عن تلك النسبة" (٤).

стр. 295

قال أبو زهرة: "قد تكلمنا في معنى هذا النص الكريم، وما فيه من توكيد، وذكرنا أن القرآن المنصف لَا يحكم على الجميع بالشر، وفيهم أخيار، ولذلك كان حكمه على الكثرة لَا على القلة، وإن طغيانهم هو ظلمهم للحقائق، وإفراطهم فيما يطغون به على أهل الإيمان، وأشرنا إلى علة ذلك وهي حقدهم، وحسدهم، وأن النعمة تجيء إلى المحسود، فتزيد الحاسد حقدا وضغنا" (١). [شناعة وقبح جريمة القتل وأن قتل الأنبياء أشد شناعة وقبحا] قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [سورة المائدة: ٧٠] ١٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والتعبير عن القتل بالمضارع مع كونه كالتكذيب وقع في الماضي نكتته تصوير جرم القتل الشنيع واستحضار هيئته المنكرة كأنه واقع في الحال للمبالغة في النعي عليهم والتوبيخ لهم. فقد أفادت الآية أنهم بلغوا من الفساد واتباع أهوائهم أخشن مركب وأشده تقحما بهم في الضلال حتى لم يعد يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل وهديهم، بل صار يغريهم بزيادة الكفر والتكذيب وقتل أولئك الهداة الأخيار (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الكفر، في مسألة شناعة وقبح جريمة القتل، وأن قتل الأنبياء أشد شناعة وقبحا، بدلالة الفعل المضارع. وجه الاستنباط: تصوير القتل بالفعل المضارع مع وقوعه في الماضي أوقع في النعي عليهم والتوبيخ لهم والتشنيع بجريمة القتل التي شنع عليهم في حق غير الأنبياء فكيف بحالها مع الأنبياء، وبيان ما بلغوا فيه من الفساد واتباع الهوى، وفي هذا تحذير بليغ من معصية القتل وأثرها البالغ في الإفساد. قال الزمخشري: "جيء يقتلون على حكاية لحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها" (٣). وكذا عند البيضاوي (٤). وقال أبو حيان: "وأتى بفعل القتل مضارعا، إما لكونه حكيت أنه الحال الماضية، إن كانت أريدت فاستحضرت في النفوس، وصور حتى كأنه ملتبس به مشروع فيه، ولما فيه من مناسبة رؤوس الآي التي هي فواصل، وإما لكونه مستقبلا، لأنهم يرومون قتل رسول الله ﷺ ، ولذلك سحروه وسموه" (٥).

стр. 296

قال ابن عاشور: "وجاء في تقتلون بالمضارع عوضا عن الماضي لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم مع ما في صيغة تقتلون من مراعاة الفواصل فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم" (١). قال الألوسي: "وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضارا لصورتها لفظاعتها واستعظامها، أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل، أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض" (٢). [تحريم الطيبات تدينا خروج عن الفطرة والشريعة] قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٨٨] ١٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "الأمر ههنا للوجوب لا للإباحة، فهو ليس من الأمر بالشيء بعد النهي عنه المفيد للإباحة فقط، كقوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [سورة المائدة: ٢] وإنما هو تصريح بأن امتثال النهي عن تحريم الطيبات لا يتحقق إلا بالانتفاع بها فعلا، إذ ليس المراد بتحريمها المنهي عنه تحريمها بمجرد القول أو بالاعتقاد، بل المراد به أولا وبالذات الامتناع منها عمدا تقربا إلى الله تعالى بتعذيب النفس وحرمانها، أو إضعافها للجسد توهما أن إضعافه يقوي الروح، أو لغير ذلك من الأسباب والعلل، وحكمة النهي عن ذلك أن الله تعالى يحب من عباده أن يقبلوا نعمه ويستعملوها فيما أنعم بها لأجله ويشكروا له ذلك، ويكره لهم أن يجنوا على الفطرة التي فطرهم عليها، فيمنعوها حقوقها" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الفطرة، في مسألة تحريم الطيبات تدينا خروج عن الفطرة والشريعة، بدلالة التضمن. وجه الاستباط: أمر الله بالأكل من الطبيبات تأكيدا على النهي عن تحريم هذه الطيبات وأن تحريمها لا يكون ديانة، وأن ذلك من الخطأ البين، وهذا خروج من وصف الأمة بأنها أمة وسط وعدل، فإن مقتضى ذلك الدوران مع الشريعة حيث أمرت وأحلت، وحيث نهت وحرمت، ففي ذلك كل الخير، ولا يمكن أن يكون الخير في تحريم ما أحلته وأباحته على النفس.

стр. 297

وأقرب من وافقه ابن عاشور حيث قال: "وقوله: (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) تأكيد للنهي عن تحريم الطيبات وهو معطوف على قوله: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم أي أن الله وسع عليكم بالحلال فلا تعتدوه إلى الحرام فتكفروا النعمة ولا تتركوه بالتحريم فتعرضوا عن النعمة" (١). قال الرازي: "المسألة الثانية: قوله حلالا طيبا يحتمل أن يكون متعلقا بالأكل، وأن يكون متعلقا بالمأكول، فعلى الأول يكون التقدير: كلوا حلالا طيبا مما رزقكم الله، وعلى التقدير الثاني: كلوا من الرزق الذي يكون حلالا طيبا، أما على التقدير الأول فإنه حجة المعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالا، وذلك لأن الآية على هذا التقدير دالة على الإذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن الله تعالى في أكل الحلال، فيلزم أن يكون كل ما كان رزقا كان حلالا، وأما على التقدير الثاني فإنه حجة لأصحابنا على أن الرزق قد يكون حراما لأنه تعالى خصص إذن الأكل بالرزق الذي يكون حلالا طيبا ولولا أن الرزق قد لا يكون حلالا وإلا لم يكن لهذا التخصيص والتقييد فائدة" (٢). وقال ابن سعدي: "الله قد نهى عن الاعتداء فقال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم على ذلك، ثم أمر بضد ما عليه المشركون، الذين يحرمون ما أحل الله فقال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أي: كلوا من رزقه الذي ساقه إليكم، بما يسره من الأسباب" (٣). [حقيقة التقوى بحفظ حقوق الجسد والروح معا] قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٨٨] ١٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والأمر بالتقوى في هذا المقام أوسع معنى وأعم فائدة من النهي عن الإسراف في آية الأعراف التي أوردناها آنفا، فهو من باب الجمع بين حقوق الروح وحقوق الجسد، وبه يدفع إشكال من عساه يقول: إن الدين شرع لتزكية النفس، والتمتع بالشهوات واللذات ينافي التزكية وإن اقتصر فيه على المباحات" (٤).

стр. 298

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة حقيقة التقوى بحفظ حقوق الجسد والروح معا، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: الأمر بالتقوى أعم دلالة من النهي عن الإسراف، فالتقوى مطلب ومقصد شرعي من أجله خلق الله الخلق، ومنه النهي عن الإسراف تحقيقا للتقوى، وبذلك يتحقق الجمع بين حقوق الروح وحقوق الجسد، فلا يعتقد معتقد أن التقوى تكون في تضييع حقوق الجسد، أو المبالغة في حقوق الروح بما لم يشرعه الله. ومن خلال استعراض أقوال المفسرين، لم أجد من ذكر المعنى الذي أشار إليه الشيخ ﵀. قال الرازي: "أما قوله واتقوا الله فهو تأكيد للتوصية بما أمر به، زاده توكيدا بقوله تعالى: أنتم به مؤمنون لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه" (١)، وكذا قال النسفي، وأبو حيان، وأبو السعود (٢). وقال ابن عاشور: "وقوله واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون جاء بالموصول للإيماء إلى علة الأمر بالتقوى، أي لأن شأن الإيمان أن يقتضي التقوى، فلما آمنتم بالله واهتديتم إلى الإيمان فكملوه بالتقوى" (٣). [التمييز بين الخبيث والطيب قاعدة قامت عليها قضايا شرعية كلية] قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [سورة المائدة: ١٠٠] ١٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "فهذه الآية قاعدة في التشريع وبرهان للقياس الصحيح وأصل للأدب والتهذيب" (٤) (٥). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب القواعد الفقهية، في مسألة التمييز بين الخبيث والطيب قاعدة قامت عليها قضايا شرعية كلية، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: دلت الآية على قاعدة تشريعية، وهي التفاوت بين الخبيث والطيب وكونهما لا يستويان في الحكم كما أنهما لا يستويان في أنفسهما وفيما يترتب عليهما، فهي أصل من أصول التحليل والتحريم في الطعام وغيره (٦)، كما دلت على إثبات القياس، ودلت كذلك على أصول أدب وتهذيب النفوس، فكانت الآية مقياسا ومعيارا شرعيا على أمور وقضايا كلية في الشريعة.

стр. 299

قال البيضاوي: "قل لا يستوي الخبيث والطيب حكم عام في نفي المساواة عند الله بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها، رغب به في مصالح العمل وحلال المال، ولو أعجبك كثرة الخبيث فإن العبرة بالجودة والرداءة دون القلة والكثرة، فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير" (١). وقال أبو حيان: "والظاهر أن الخبيث والطيب عامان فيندرج تحتهما حلال المال وحرامه وصالح العمل وفاسده وجيد الناس ورديئهم وصحيح العقائد وفاسدها والخبيث من هذا كله لا يصلح ولا يحب ولا يحسن له عاقبة والطيب ولو قل نافع جيد العاقب" (٢). وقال أبو السعود: "عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وبين جيدها قصد به الترغيب في جيد كل منها والتحذير عن رديئها" (٣). وقال الشوكاني: "قيل: المراد بالخبيث والطيب: الحرام والحلال، وقيل: المؤمن والكافر، وقيل: العاصي والمطيع، وقيل: الرديء والجيد، والأولى أن الاعتبار بعموم اللفظ فيشمل هذه المذكورات وغيرها مما يتصف بوصف الخبث والطيب من الأشخاص والأعمال والأقوال، فالخبيث لا يساوي الطيب بحال من الأحوال" (٤). قال ابن عاشور موضح لهذه القاعدة دون الإشارة إليها: "ومعنى لا يستوي نفي المساواة، وهي المماثلة والمقاربة والمشابهة، والمقصود منه إثبات المفاضلة بينهما بطريق الكناية، والمقام هو الذي يعين الفاضل من المفضول، فإن جعل أحدهما خبيثا والآخر طيبا يعين أن المراد تفضيل الطيب. ولما كان من المعلوم أن الخبيث لا يساوي الطيب وأن البون بينهما بعيد، علم السامع من هذا أن المقصود استنزال فهمه إلى تمييز الخبيث من الطيب في كل ما يلتبس فيه أحدهما بالآخر، وهذا فتح لبصائر الغافلين كيلا يقعوا في مهواة الالتباس ليعلموا أن ثمة خبيثا قد التف في لباس الحسن فتموه على الناظرين، ولذلك قال ولو أعجبك كثرة الخبيث، فكان الخبيث المقصود في الآية شيئا تلبس بالكثرة فراق في أعين الناظرين لكثرته، ففتح أعينهم للتأمل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته" (٥)، وأيضا أشار إلى هذه القاعدة أبو زهرة (٦).

стр. 300

[النبي ﷺ لم يؤخر بيان شيء عن وقت الحاجة] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [سورة المائدة: ١٠١] ٢٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهذه الآية تدل على عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة أو على أنه لا يقع، وقد غفل جمهور الأصوليين عن الاستدلال بها، وبيان ذلك أن ما يسأل عنه إما أن يكون مما يطلب العلم به كالعقائد والأخبار، وإما أن يكون مما يطلب العمل به وهو الأحكام، وتأخير البيان - دع تركه وعدمه - يقتضي الإقرار على الاعتقاد الباطل، أو العمل بغير الوجه المراد للشارع، إلا أن يكون من شرعه تركه الاجتهاد للناس توسعة عليهم، ولا يدخل في هذا ولا ذاك السؤال عن الأمور الشخصية كسؤال من سأل عن ناقته، ولذلك جعلنا هذا النوع من السؤال غاية في خفاء دخوله في عموم: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا) فإن كان داخلا فيه فحكمته والله أعلم أن عدم إبداء الجواب للسائل المؤمن ربما كان مشككا له في رسالة الرسول ﷺ " (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب التشريع، في مسألة النبي ﷺ لم يؤخر بيان شيء عن وقت الحاجة، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: دلت الآية على أن الرسول ﷺ لم يؤخر بيان أي شيء عن وقت الحاجة إلى بيانه، واعتبر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فدلت الآية على هذا المعنى بمفهومها، ومن خلال النهي عن السؤال عما لا يعني، وما يترتب على ذلك من حصول السوء والألم، وإن رسول الله لن يؤخر عنكم بيانا عن وقت حاجته. ولم أجد أحدا من المفسرين تطرق لهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فهو مما تفرد به الشيخ، إلا عبارة للإمام ابن جرير ﵀ حيث قال: "وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسولَ الله ﷺ المسائلَ، كمسألة ابن حذافة إياه مَن أبوه، ومسألة سائله إذ قال: "الله فرض عليكم الحج"، أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل" (٢).

стр. 301

[نعيم المؤمنين في الجنة حسي ومعنوي] قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [سورة المائدة: ١١٩] ٢١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والإشارة في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إلى كل من النعيمين الجثماني والروحاني اللذين يحصلان بعد النجاة من أهوال يوم القيامة، وقيل: إنه للثاني فقط، والأول أصح لأنه الأكمل ولأن مثل هذا الإطلاق ورد في إثر إطلاق الجزاء وفي إثر إطلاق الجزاء بالجنة مع النجاة من عذاب النار كما تراه في آخر سورة الدخان، وفي معناه ما في سورة المؤمن والحديد والصف والتغابن، فإن ذكر المغفرة فيها يتضمن معنى النجاة من عذاب النار بالجنة وحدها في آيتين من سورة التوبة غير الآية التي أوردناها آنفا" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الأيمان باليوم الآخر، في مسألة نعيم المؤمنين في الجنة حسي ومعنوي، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: من خلال استقراء النصوص ودلالاتها، قرر الشيخ أن النعيم المتحقق للمؤمنين يشمل نوعي النعيم الجسماني الجثماني والروحاني، اللذان يحصلان بعد النجاة من أهوال يوم القيامة، وأن دلالة اللفظ على كل معناه، ما لم ينحصر هذا المعنى بقرينة دلت على ذلك، وهذا يعطي النصوص كامل معناها وما يترتب عليها من عقائد وأحكام. وذكر بعض المفسرين المعنى العام للفوز العظيم، ومنهم ابن جرير ﵀ فقال: "ذلك الفوز العظيم" يقول: هذا الذي أعطاهم الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، مرضيًّا عنهم وراضين عن ربهم، هو الظفر العظيم بالطَّلِبة، وإدراك الحاجة التي كانوا يطلبونها في الدنيا، ولها كانوا يعملون فيها، فنالوا ما طلبوا، وأدركوا ما أمَّلوا" (٢). قال الشوكاني: "والإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه من دخول الجنة والخلود فيها أبدا، ورضوان الله عنهم، والفوز: الظفر بالمطلوب على أتم الأحوال" (٣). قال أبو حيان: "ذلك الفوز العظيم ذلك إشارة إلى ما تقدم من كينونة الجنة لهم على التأييد وإلى رضوان الله عنهم، لأن الجنة بما فيها كالعدم بالنسبة إلى رضوان الله" (٤).

стр. 302

قال أبو زهرة: "من كانت هذه حاله ينفعه صدقه؛ لأنه صدق القول والنفس والعمل، له جزاؤه في الجنة جنات تجري من تحتها الأنهار، وفي ذلك النعيم خالد خلودا أبديا لا نهاية له، وفوق هذا الجزاء المادي الحسي، هناك جزاء معنوي وهو رضوان من الله، وهو أكبر من كل جزاء، ولذلك رضي الله عن الصادقين فهم مقربون إليه زلفى، وهم لَا يرضون بربهم بديلا ولا شريكا في عبادة أو قربى، أو استعانة أو استجابة، فالله ملء قلوبهم يعبدونه كأنهم يرونه، وإن ذلك هو الفوز العظيم الذي لَا فوز يماثله أو يقاربه" (١).

стр. 303

استنباطات سورة الأنعام [الشرك بالله أمر تنكره الفطرة والعقل] قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [سورة الأنعام: ١] ١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وقد عطفت بثم الدالة على بعد ما بين مدلولي المعطوف والمعطوف عليه، لإفادة استبعاد ما فعله الكافرون وكونه ضد ما كان يجب عليهم للإله الحقيق بجميع المحامد، لكونه هو الخالق لجميع الكون العلوي والسفلي وما فيه من الظلمات الحسية والمعنوية، والهادي لما فيه من النور الذي يهتدي به الموفقون في كل ظلمة منها، كأنه قال: وهم مع ذلك يعدلون به غيره أي يجعلونه عدلا له، أي عديلا مساويا له في كونه يعبد ويدعى لكشف الضر وجلب النفع، فهو بمعنى يشركون به، ويتخذون له أندادا" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة الشرك بالله أمر تنكره الفطرة والعقل، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: ابتدأ الله السورة بالحمد والثناء على نفسه، وأنه الخالق المدبر لكل شيء، وأن ذلك لحكمة وغاية تتحقق بتوحيد الخلق له ، ثم كيف أن الكافرين بربهم أشركوا وعدلوا به غيره، وفي هذا تقبيح لما فعله هؤلاء المشركين، الذين جعلوا لله أندادا، يدعونهم من دون الله الخالق لجميع الكون العلوي والسفلي، فناسب أن يعطف بثم لاستلزامه معنى التوبيخ والتقريع عليهم، وإنكار أمر دلت عليه الفطرة قبل كل شيء. وقد ذكر هذا المعنى جمع من المفسرين منهم ابن عطية فقال: "وقوله تعالى: ثُمَّ دالة على قبح فعل الَّذِينَ كَفَرُوا لأن المعنى أن خلقه (السموات والأرض) وغيرهما قد تقرر، وآياته قد سطعت، وأنعامه بذلك قد تبين ثم بعد هذا كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني، أي بعد مهلة من وقوع هذا كله، ولو وقع العطف في هذا ونحوه بالواو لم يلزم التوبيخ كلزومه" (٢).

стр. 304

وقال الزمخشري: "فإن قلت: فما معنى ثم؟ قلت: استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، وكذلك ثم أنتم تمترون استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم" (١)، ومثله الرازي والبيضاوي والنسفي (٢). وقال أبو السعود: "وكلمة ثم لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية القاضية ببطلانه لا بعد بيانه بالآيات التنويلية والموصول عبارة عن طائفة الكفار جار مجرى الاسم لهام من غير أن يجعل كفرهم بما يجب أن يؤمن به كلا أو بعضا عنوانا للموضوع فإن ذلك مخل باستبعاد ما أسند إليهم من الإشراك" (٣)، ومثله الشوكاني (٤)، وممن قال بالاستبعاد، القاسمي وابن عاشور وأبو زهرة (٥). وخالف في هذا ابن حيان فقال: "وهذا الاستبعاد لا يستفاد من العطف بثم، وإنما يستفاد من مجيء هذه الجمل ووقوعها بعد ما تقدم مما لا يقتضي وقوعها، ولأن صدور هذا الخارق العظيم الخارج عن مقدار البشر، فيه من الاعتبار والعظات ما يقتضي لين القلوب والإنابة إلى الله" (٦). [الدعوة إلى إعمال العقل في إثبات التوحيد] قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [سورة الأنعام: ٢] ٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "هذا كلام مستأنف جاء على الالتفات عن وصف الخالق تعالى بما دل على حمده وتوحيده إلى خطاب المشركين الذين عدلوا به غيره في العبادة، يذكرهم به بما هو ألصق بهم من دلائل التوحيد والبعث، وهو خلقهم من الطين" (٧). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة الدعوة إلى إعمال العقل في إثبات التوحيد، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: استمر الخطاب العقلي للمشركين، وتوجيه الخطاب إليهم، استنكارا واستغرابا لما فعلوه من الشرك والعدل بالله، فإن العقل لا يدل ولا يشير إلى شركهم من قريب أو بعيد، وهذا أقوى تأثيرا، وتوبيخا، وتشنيعا لهم، وادعى للنظر في دلائل التوحيد والبعث.

стр. 305

وقد وافق الشيخَ في ذلك أبو السعود حيث قال: "استئناف مسوق لبيان بطلان كفرهم بالبعث مع مشاهدتهم لما يوجب الإيمان به إثر بيان بطلان إشراكهم به تعالى مع معاينتهم لموجبات توحيده وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث مع أن ما ذكر من خلق السموات والأرض من أوضحها وأظهرها" (١)، ونقل ذلك الألوسي (٢). [إنزال الوحي وبعث الرسل وهداية الخلق من مقتضى توحيد الربوبية] قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ [سورة الأنعام: ٤] ٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وإضافة الآيات إلى الرب تفيد أن إنزاله الوحي، وبعثه للرسل وتأييدهم، وهدايته للخلق بهم، كله من مقتضى ربوبيته، أي مقتضى كونه هو السيد المالك المربي لخلقه المدبر لأمورهم على الوجه الموافق للحكمة" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة إنزال الوحي وبعث الرسل وهداية الخلق من مقتضى توحيد الربوبية، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: من مقتضيات توحيد الربوبية، خلق الخلق، وهدايتهم لما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، بإنزال الوحي، وبعث الرسل، وفي أسلوب الإضافة هنا تفخيم وتشنيع وتسجيل العقوق على هؤلاء الذين كفروا بهذه الآيات المنزلة من عند الله وبما جاء به الرسل وما أيدوا به من معجزات الدلالة على أنه المبعود المستحق للعبادة وحده. قال أبو السعود: "وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المتتبع لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها والمراد بها إما الآيات التنزيلية فإتيانها نزولا والمعنى ما ينزل إليهم آية من الآيات القرآنية التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله المنبئة عن جريان أحكام ألوهيته تعالى على كافة الكائنات وإحاطة علمه بجميع أحوال الخلق وأعمالهم الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها" (٤). وقال ابن عاشور: "وإضافة الرب إلى ضمير هم لقصد التسجيل عليهم بالعقوق لحق العبودية، لأن من حق العبد أن يقبل على ما يأتيه من ربه وعلى من يأتيه يقول له: إني مرسل إليك من ربك، ثم يتأمل وينظر، وليس من حقه أن يعرض عن ذلك إذ لعله يعرض عما إن تأمله علم أنه من عند ربه" (٥).

стр. 306

قال الزمخشري: "من آيات ربهم للتبعيض، يعنى: وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاستدلال والاعتبار، إلا كانوا عنه معرضين: تاركين للنظر لا يلتفتون إليه ولا يرفعون به رأسا، لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب فقد كذبوا مردود على كلام محذوف، كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات، فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها" (١)، وذكر ذلك الرازي والبيضاوي والنسفي وأبو حيان (٢). [الاستهزاء سبب التكذيب بالحق وهو سبيل غير المؤمنين] قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾ [سورة الأنعام: ٥] ٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وقد دلت الآية على ما جاء مصرحا به في سورة أخرى من استهزاء مشركي مكة والكلام فيهم بوعد الله ووعيده، وكذا بآياته ورسله، ولا حاجة إلى تقدير ذلك في الكلام، فهو وإن لم يقدر من بدائع إيجاز القرآن" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة الاستهزاء سبب التكذيب بالحق وهو سبيل غير المؤمنين، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: الاستهزاء سبب التكذيب بالحق وهو سبيل غير المؤمنين، كما دل على ذلك آيات عدة في القرآن، وعدم ذكر ما استهزأ به المشركون سواء وعد الله أو وعيده أو آياته ورسله، هو من باب الإيجاز وهذا من بلاغة القرآن، وهذا تفسير للقرآن بالقرآن، ويدل على صحة المقصود هنا صفة (بالحق)، وهو صيغة عموم وهذه قرينة على صحة ذلك التفسير، وهو ظاهر في الاستنباط هنا. وقد ذكر بعض المفسرين بيان ما استهزئ به ولم يتعرضوا لمسألة الايجاز التي أشار إليها الشيخ، وهذا دليل عنايته بالبلاغة وفنونها، فهو مما تفرد به. ومن هؤلاء المفسرين الذين تعرضوا لمعنى الاستهزاء، ابن جرير فقال: "يقول: سوف يأتيهم أخبارُ استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من آياتي وأدلَّتي التي آتيتهم. ثم وفى لهم بوعيده لمّا تمادَوا في غيِّهم، وعَتْوا على ربهم، فقتلتهم يوم بدرٍ بالسَّيف" (٤)، والبغوي (٥).

стр. 307

وقال الزمخشري: "وهو الحق لما جاءهم يعني القرآن الذي تحدوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه فسوف يأتيهم أنباء الشيء الذي كانوا به يستهزؤن وهو القرآن، أي: أخباره وأحواله، بمعنى: سيعلمون بأي شيء استهزءوا، وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام وعلو كلمته" (١)، ومثله البيضاوي، والنسفي، وأبو حيان (٢). [الإسلام مبني على الدلائل والآيات المنافية للتقليد] قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾ [سورة الأنعام: ٤ - ٥] ٥. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وفي هذه الآيات عبرة لنا في حال الذين أضاعوا الدين، من أهل التقليد الجامدين، وأهل التفرنج الملحدين، فهي تنادي بقبح التقليد وتصرح بوجوب النظر في الآيات والاستدلال بها، وبأن التكذيب بالحق والحرمان منه معلول للإعراض عنها، وتثبت أن الإسلام دين مبني على أساس الدليل والبرهان، لا كالأديان المبنية على وعث التقليد للأحبار والرهبان" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة الإسلام مبني على الدلائل والآيات المنافية للتقليد، بدلالة مفهوم الآية. وجه الاستنباط: العبرة والعظة من الدلائل العقلية العظيمة من الأدلة الشرعية التي يتميز بها الحق عن الباطل، وقد دعت الشريعة إلى النظر والاعتبار كثيرا، فكانت هذه الآية خاصية للشريعة الإسلامية لم تتحقق في غيرها، وما يحصل من الإعراض عن الحق يكون لسببين؛ الأول: عدم النظر في الآيات والأدلة والبراهين، والثاني: تقليد الأحبار والرهبان، والآية تبين أساس الدين الإسلامي الداعي إلى طلب الدليل، وذم التقليد وأهله، وبهذا يكون الإسلام دينا وشريعة يصلح وتصلح لكل عصر وجيل. قال الرازي: "اعلم أنه تعالى لما تكلم، أولا: في التوحيد، وثانيا: في المعاد، وثالثا: فيما يقرر هذين المطلوبين ذكر بعده ما يتعلق بتقرير النبوة وبدأ فيه بأن بين كون هؤلاء الكفار معرضين عن تأمل الدلائل، غير ملتفتين إليها وهذه الآية تدل على أن التقليد باطل. والتأمل في الدلائل واجب، ولولا ذلك لما ذم الله المعرضين عن الدلائل" (٤).

стр. 308

قال الزمخشري: "وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاستدلال والاعتبار، إلا كانوا عنه معرضين: تاركين للنظر لا يلتفتون إليه ولا يرفعون به رأسا، لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب" (١)، ومثله النسفي، والشوكاني (٢). قال ابن عطية: "وتضمنت هذه الآية مذمة هؤلاء الذين يعدلون بالله سواه بأنهم يعرضون عن كل آية ترد عليهم" (٣). قال أبو زهرة: "أن قوله تعالى: (إِلَّا كانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ) فيه إثبات أن الإعراض عن الحق دأبهم وصفة ثابتة فيهم لَا يتخلون عنها، ودل على ذلك النفي والإثبات، ثم التعبير بـ " كانوا " الدالة على الدوام والاستمرار، ثم التعبير بالوصف والمعنى الجملي: لَا تأتيهم معجزة قاطعة في الإثبات من عند خالقهم إلا تلقوها معرضين عن مغزاها، تاركين مؤداها" (٤). [تحذير الله للمشركين من عظم كفرهم مع ضعف تمكينهم ونقص حالهم] قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ [سورة الأنعام: ٦] ٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وكان الظاهر أن يقال: (مكناهم في الأرض) أي القرون (ما لم نمكنهم) أي الكفار المحكي عنهم المستفهم عن حالهم، فعدل عن ذلك بالالتفات عن الغيبة إلى الخطاب لما في إيراد الفعلين بضميري الغيبة من إيهام اتحاد مرجعهما وكون المثبت عين المنفي، فقيل: (مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ)، وإنما لم يقل: (ما لم نمكنكم) أو: (ومكنا لهم ما لم نمكن لكم) وهو مقتضى المطابقة لنكتة دقيقة لا يدركها إلا من فقه الفرق بين مكنه ومكن له، وقد غفل عنه جماهير أهل اللغة والتفسير والتحقيق أن معنى مكنه في الأرض أو في الشيء: جعله متمكنا من التصرف تام الاستقلال فيه" (٥).

стр. 309

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الدعوة، في مسألة تحذير الله للمشركين من عظم كفرهم مع ضعف تمكينهم ونقص حالهم، بدلالة الاقتضاء ودلالة الألفاظ أيضا. وجه الاستنباط: إيراد الفعلين بضمير الغيبة يوهم اتحاد مرجعمها، وكون المثبت عين المنفي، لكن الفرق يتضح في المعنى بين (مكنه، ومكن له)، فإن المعنى التام للتمكين يظهر في (مكن له)، وهذا إشارة لهؤلاء للعبرة بمن سبق، وكيف أن الله مكن لهم غاية التمكين، ومع ذلك لم ينفعهم هذا التمكين التام لما كذبوا رسله، فيصدقوا رسول الله محمدا وما جاء به، وأن هذا من باب تحذير الله للمشركين من عظم كفرهم وضعف تمكنهم وتمكينهم ونقص حالهم، وقد ذكر الشيخ أن هذا المعنى مما غفل عنه أهل التفسير. وبعد استقراء كتب التفسير تبيّن عدم صحة اتهام الشيخ للمفسرين وأهل اللغة، حيث إن المفسرين ذكروا أن أسلوب الآية اختلف من الغيبة إلى الخطاب. ومن ذلك، ما جاء في تفسير ابن جرير: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ : ألم يرَ هؤلاء المكذبون بآياتي، الجاحدون نبوّتك، كثرةَ من أهلكت من قبلهم من القُرون، وهم الأمم، الذين وطَّأت لهم البلادَ والأرض توطئة لم أوطِّئها لهم، وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم، فإن قال قائل: فما وجهُ قوله: "مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم"، ومن المخاطب بذلك؟ فقد ابتدأ الخبر في أول الآية عن قوم غيب بقوله: "ألم يروا كم أهلكنا من قَبَلهم من قرن"؟ قيل: إن المخاطب بقوله: "ما لم نمكن لكم"، هو المخبر عنهم بقوله: "ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن"، ولكن في الخبر معنى القول ومعناه: قُلْ، يا محمد، لهؤلاء القوم الذين كذبوا بالحقِّ لما جاءهم: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قَرْن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، والعرب إذا أخبرت خبرًا عن غائبٍ، وأدخلت فيه "قولا"، فعلت ذلك، فوجهت الخبرَ أحيانًا إلى الخبر عن الغائب، وأحيانًا إلى الخطاب، فتقول: "قلت لعبد الله: ما أكرمه"، و"قلت لعبد الله: ما أكرمك"، وتخبر عنه أحيانًا على وجه الخبر عن الغائب، ثم تعود إلى الخطاب، وتخبر على وجه الخطاب له، ثم تعود إلى الخبر عن الغائب، وذلك في كلامها وأشعارها كثيرٌ فاشٍ" (١). ومثله البغوي، وابن عطية (٢). قال الزمخشري: "مكن له في الأرض: جعل له مكانا فيها. ونحوه: أرض له. ومنه قوله إنا مكنا له في الأرض أولم نمكن لهم وأما مكنته في الأرض فأثبته فيها. ومنه قوله ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ولتقارب المعنيين جمع بينهما في قوله مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم، من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا" (٣).

стр. 310

وقال النسفي: " ﴿فِي الأرض ما لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ التمكين في البلاد إعطاء المكنة والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم من البسطة" (١). ومثله البيضاوي (٢). وقال القرطبي: " (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) خروج من الغيبة إلى الخطاب، عكسه وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله "ألم يروا"، وفيهم محمد ﵇ وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه: وقلت لعبد الله ما أكرمك، ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال: ما لم نمكن لهم" (٣). وقال أبو حيان: "وفي هذا الالتفات تعريض بقلة تمكين هؤلاء ونقصهم عن أحوال من سبق، ومع تمكين أولئك في الأرض فقد حل بهم الهلاك، فكيف لا يحل بكم على قلتكم وضيق خطتكم؟ فالهلاك إليكم أسرع من الهلاك إليهم" (٤). وقال ابن عاشور: "والخطاب في قوله: لكم التفات موجه إلى الذين كفروا لأنهم الممكنون في الأرض وقت نزول الآية، وليس للمسلمين يومئذ تمكين" (٥)، ومثله الألوسي (٦). [استخدام أسلوب السؤال والجواب للدعوة وتقرير الحجة] قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [سورة الأنعام: ١٢] ٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ثم قفى سبحانه على ذلك بتلقينه في هذه الآيات أسلوبا آخر من إقامة الحجج على قومه، وهو أسلوب السؤال والجواب، في موضع فصل الخطاب وإن كان تكرارا لمعنى سبق أو اشتمل على التكرار، وحكمة ذلك أن التنويع في الاحتجاج والتفنن في أساليبه من ضروريات الدعوة إلى الدين وإلى غير الدين من المقاصد البشرية أيضا لأن التزام دليل واحد على المطلوب الذي لا بد من تكرار ذكره، أو إيراد عدة أدلة بأسلوب واحد قد يفضي إلى سآمة الداعي من التكرار على رغبته في الدعوة وتفانيه في نشرها وإثباتها، فكيف يكون تأثيره في المدعوين الكارهين له ولها، إذا لم يعقلوا الدليل الأول أو لم تتوجه قلوبهم إلى تدبر الأسلوب الواحد المشتمل على عدة أدلة" (٧).

стр. 311

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الدعوة، في مسألة استخدام أسلوب السؤال والجواب في الدعوة لتقرير الحجة، بدلالة السياق. وجه الاستنباط: هذه الآية في معرض محاجة المشركين، وإبطال معتقداتهم، وإلجائهم إلى الإقرار بتوحيد الله جل وعلا، وهو أسلوب امتلأت به سورة الأنعام في تقرير التوحيد بالأدلة العقلية، فجاءت بأنواع من الأدلة العقلية على تقرير التوحيد، ثم جاءت بالتبكيت لهم عند إعراضهم، وجاءت بالقطع والبرهان الدامغ الذي قطع عليهم الطريق وبينه بأفضل بيان، بهذا الأسلوب من باب التنوع في أساليب الاحتجاج. قال ابن عاشور فقال: "والاستفهام مستعمل مجازا في التقرير، والتقرير هنا مراد به لازم معناه، وهو تبكيت المشركين وإلجاؤهم إلى الإقرار بما يفضي إلى إبطال معتقدهم الشرك، فهو مستعمل في معناه الكنائي مع معناه الصريح، والمقصود هو المعنى الكنائي. ولكونه مرادا به الإلجاء إلى الإقرار كان الجواب عنه بما يريده السائل من إقرار المسئول محققا لا محيص عنه، إذ لا سبيل إلى الجحد فيه أو المغالطة، فلذلك لم ينتظر السائل جوابهم وبادرهم الجواب عنه بنفسه بقوله: لله تبكيتا لهم، لأن الكلام مسوق مساق إبلاغ الحجة مقدرة فيه محاورة وليس هو محاورة حقيقية، وهذا من أسلوب الكلام الصادر من متكلم واحد، فهؤلاء القوم المقدر إلجاؤهم إلى الجواب سواء أنصفوا فأقروا حقية الجواب أم أنكروا وكابروا فقد حصل المقصود من دمغهم بالحجة، وهذا أسلوب متبع في القرآن، فتارة لا يذكر جواب منهم كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦]، وتارة يذكر ما سيجيبون به بعد ذكر السؤال منسوبا إليهم أنهم يجيبون به ثم ينتقل إلى ما يترتب عليه من توبيخ ونحوه" (١). وقال ابن عطية: "أمر الله محمدا ﵇ بقطعهم بهذه الحجة الساطعة والبرهان القطعي الذي لا مدافعة فيه عندهم ولا عند أحد، ليعتقد هذا المعتقد الذي بينه وبينهم ثم يتركب احتجاجه عليه، وجاء ذلك بلفظ استفهام وتقرير في قوله: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والوجه في المحاجّة إذا سأل الإنسان خصمه، بأمر لا يدافعه الخصم فيه، أن يسبقه بعد التقرير إليه مبادرة إلى الحجة، كما تقول لمن تريد غلبته بآية تحتج بها عليه، كيف قال الله في كذا؟ ثم تسبقه أنت إلى الآية فتنصها عليه" (٢)، وبنحوه قال الرزاي، والبيضاوي، وأبو حيان، والشوكاني (٣).

стр. 312

[نفي الشر المحض عن الله] قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [سورة الأنعام: ١٧] ٨. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ومن دقائق بلاغة القرآن المعجزة تحري الحقائق بأوجز العبارات وأجمعها لمحاسن الكلام مع مخالفة بعضها في بادي الرأي لما هو الأصل في التعبير كالمقابلة هنا بين الضر والخير، وإنما مقابل الضر النفع، ومقابل الخير الشر، فنكتة المقابلة أن الضر من الله تعالى ليس شرا في الحقيقة، بل هو تربية واختبار للعبد يستفيد به من هو أهل للاستفادة أخلاقا وآدابا وعلما وخبرة، وقد بدأ بذكر الضر لأن كشفه مقدم على نيل مقابله، كما أن صرف العذاب في الآخرة مقدم على النعيم فيها" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب القدر، في مسالة نفي الشر المحض عن الله، بدلالة أسلوب المقابلة (٢). وجه الاستنباط: لما كان الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، ولا راد لهم إلا ما كتب الله، جاء هنا بألفاظ تبين رحمة الله، فقابل بين الخير والضر، مع أن الخير مقابل الشر لكن عدل عنه وجاء بلفظ أخص وهو الضر مقابل لفظ عام وهو الخير، تغليبا لجهة رحمة الله، وأن فيه تربية واختبارا للإنسان، وفيه نفي الشر المحض عن الله ، وهذه المسألة؛ نفي الشر المحض عن الله ، مسألة تقررت عند أهل السنة والجماعة في كتب العقائد. وقد انفرد الشيخ بهذا الاستنباط، فلم يذكره أحد من المفسرين. جاء في اعتقاد أئمة السلف: "قالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء خالق الشر أو يا مقدر الشر وإن كان هو الخالق والمقدر لهم جميعاً، والخير والشر كلاهما مخلوقان مقدران لله تعالى، لا يكون شيء منهما إلا بإذنه، فهو خالقهما جميعاً، وهذا قول أهل السنة، غير أن الشر لا يضاف إليه على انفراد لما فيه من توهم النقص والعيب" (٣)، وزاد بتفصيل هذه المسألة فقال: "ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر والحلو والمر بقضاء الله تعالى وقدره لا مرد لهما ولا محيص ولا محيد عنهما ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يصدوه بما لم يقض الله عليه لم يقدروا، قال الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس ١٠٧] " (٤) (٥).

стр. 313

أما المقابلة فقد قال بها جمع من المفسرين منهم ابن عطية فقال: " «الضّر» بضم الضاد سوء الحال في الجسم وغيره، «والضّر» بفتح الضاد ضد النفع، وناب الضر في هذه الآية مناب الشر وإن كان الشر أعم منه فقابل الخير، وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكلف والصنعة فإن باب التكلف وترصيع الكلام أن يكون الشيء مقترنا بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مضادة" (١). وقال أبو حيان: "والذي يقابل الخير هو الشر وناب عنه هنا الضر وعدل عن الشر، لأن الشر أعم من الضر فأتي بلفظ الضر الذي هو أخص وبلفظ الخير الذي هو عام مقابل لعام تغليبا لجهة الرحمة" (٢). وقال ابن عاشور: "قابل قوله: وإن يمسسك الله بضر بقوله: وإن يمسسك بخير مقابلة بالأعم، لأن الخير يشمل النفع وهو الملائم ويشمل السلامة من المنافر، للإشارة إلى أن المراد من الضر ما هو أعم، فكأنه قيل: إن يمسسك بضر وشر وإن يمسسك بنفع وخير، ففي الآية احتباك" (٣). [العمل بالعلم هي الطريقة المثلى لإقامة الناس على الحق والفضيلة] قال تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨] ٩. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويستنبط من الآية أن الطريقة المثلى لإقامة الناس على صراط الحق والفضيلة إنما هي حملهم على ذلك بالعمل والتعويد، مع التعليم وحسن التلقين، كما يربى الأطفال في الصغر، وكما يمرن الرجال على أعمال العسكر، وأن من أكبر الخطأ أن يسمح للأحداث بطاعة شهواتهم، واتباع أهوائهم، بشبهة تربيتهم على الحرية والاستقلال، الذي يهديهم إلى الحق والفضيلة بما يفيدهم العلم في سن الرشد من الاقتناع بطرق الاستدلال" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب التوحيد، في مسألة العمل بالعلم هي الطريقة المثلى لإقامة الناس على الحق والفضيلة، بدلالة اقتران العمل بالعلم. وجه الاستنباط: أن العمل والتعويد والعلم والتلقين، من أنجع الطرق لحمل الناس على العقيدة الصحيحة فإنه لا يوجد من الناس من يتبع هواه وشهوته في الصغر ثم يرجع عنها في الكبر إلا القليل النادر، إذا تبين له بالدليل والعمل أنها مخالفة للفطرة ولما أمر الله، وهذا واضح في سيرة النبي ﷺ من أول دعوته، فقد روي عن عائشة (٥) ﵂ أنها قالت: ((إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا)) (٦).

стр. 314

ثم قرن الشيخ ذلك الأسلوب الرباني في التربية بأساليب العصر القائمة على الباطل والضلال، كدعوى تربية المتجتمعات على الحرية والاستقلال بلا خطام ولا زمام، وخطورة ذلك ونتيجته على عقائد المجتمعات وتوحيدها لربها، فإذا كان ذلك الحال في أول الدعوة فمن باب أولى اتخاذ هذه الطريقة في عصرنا، فإن أثر العادة على المرء قوي، فينبغي تربية الصغار وتعويدهم على فضائل الاخلاق شيئا فشيئا، وهذا حام لهم من الفتن المحيطة بهم. ووافقه على هذا المعنى ابن عاشور فقال: "قوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ارتقاء في إبطال قولهم حتى يكون بمنزلة التسليم الجدلي في المناظرة، أي لو أجيبت أمنيتهم وردوا إلى الدنيا لعادوا للأمر الذي كان النبيء ينهاهم عنه، وهو التكذيب وإنكار البعث، وذلك لأن نفوسهم التي كذبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البينات، هي النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث فالعقل العقل والتفكير التفكير، وإنما تمنوا ما تمنوا من شدة الهول فتوهموا التخلص منه بهذا التمني فلو تحقق تمنيهم وردوا واستراحوا من ذلك الهول لغلبت أهواؤهم رشدهم فنسوا ما حل بهم ورجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب والمكابرة. وفي هذا دليل على أن الخواطر الناشئة عن عوامل الحس دون النظر والدليل لا قرار لها في النفس ولا تسير على مقتضاها إلا ريثما يدوم ذلك الإحساس فإذا زال زال أثره، فالانفعال به يشبه انفعال العجماوات من الزجر والسوط ونحوهما، ويزول بزواله حتى يعاوده مثله" (١). وقد اقتصر جل المفسرين على بيان أن هؤلاء الكفار لو عادوا مرة أخرى إلى الدنيا فإنهم لن ينتفعوا من النظر في الأدلة والبراهين بل يعودوا لما كان متأصل فيهم من عادة الكفر والبعد عن الله. ومن هؤلاء، ابن جرير فقال: "يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم "إنهم لكاذبون"، في قيلهم: "لو رددنا لم نكذب بآيات ربّنا وكنا من المؤمنين"، لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله" (٢). وقال الرازي: "قال تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه والمعنى أنه تعالى لو ردهم لم يحصل منهم ترك التكذيب وفعل الإيمان، بل كانوا يستمرون على طريقتهم الأولى في الكفر والتكذيب" (٣)، ومثله البيضاوي، القرطبي (٤).

стр. 315

[نصر الله للمؤمنين سنة لا تتخلف عمن حقق أسبابها منهم] قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [سورة الأنعام: ٣٤] ١٠. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ومن العبرة في الآية أن الله تعالى وعد المؤمنين ما وعد المرسلين من النصر، فقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [سورة غافر: ٥١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [سورة الروم: ٤٧]، وهي نص في تعليل النصر بالإيمان، ولكننا نرى كثيرا من الذين يدعون الإيمان في هذه القرون الأخيرة غير منصورين، فلا بد أن يكونوا في دعوى الإيمان غير صادقين، أو يكونوا ظالمين غير مظلومين، ولأهوائهم لا لله ناصرين، ولسننه في أسباب النصر غير متبعين، وإن الله لا يخلف وعده ولا يبطل سننه، وإنما ينصر المؤمن الصادق وهو من يقصد نصر الله وإعلاء كلمته، ويتحرى الحق والعدل في حربه لا الظالم الباغي على ذي الحق والعدل من خلقه" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة نصر الله للمؤمنين سنة لا تتخلف عمن حقق أسبابها منهم، بدلالة جمع الآيات. وجه الاستنباط: من سنن الله لأهل الإيمان الصحيح أن عاقبة صبرهم على التكذيب وأصناف الأذى أن يتحقق لهم نصر الله، وأن هذا وعد لا بد أن يتحقق، وبين أن سبب عدم نصر الذين يدعون الإيمان في عصرنا الحاضر هو أنهم غير صادقين في إيمانهم، وأن نصر الله حق لمن قصد نصر الله وإعلاء كلمته وتحرى العدل والصدق والحق في كل أفعاله، فيدعوهم إلى مراجعة إيمانهم وتقويته. قال البيضاوي: "حتى أتاهم نصرنا فيه إيماء بوعد النصر للصابرين، ولا مبدل لكلمات الله لمواعيده من قوله: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين الآيات" (٢)، ومثله النسفي (٣).

стр. 316

قال أبو السعود: "وقوله تعالى ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾ اعتراض مقرر لما قبله من إتيان نصره إياهم والمراد بكلماته تعالى ما ينبئ عنه قوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وقوله تعالى كتب الله لاغلبن أنا ورسلى من المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام الدالة على نصرة رسول الله أيضا لا نفس الآيات المذكورة ونظائرها فإن الإخبار بعدم تبدلها إنما يفيد عدم تبدل المواعيد الواردة إلى رسول الله ﷺ خاصة المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام " (١). وقال أبو زهرة: "هذا تنبيه للنبي ﷺ وحث على الصبر، والانتظار لما وعد من النصر المؤزر، فالله يبين أنه ليس أول المكذبين، بل سبق إلى ذلك الرسل الصادقون الداعون، ولقد أكد الله الخبرب (اللام) وبـ (قد) لتأكيد التسلية، ولتأكيد طلب الصبر، وتأكيد الوعد بالنصر" (٢)، ومثله القاسمي (٣). [البأس والضر رحمة وصلاح للمؤمن وعذاب وفساد للكافر] قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [سورة الأنعام: ٤٣] ١١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والآية تفيد أن البأساء والضراء، وما يقابلهما من السراء والنعماء مما يتربى ويتهذب به الموفقون من الناس، وإلا كانت النعم أشد وبالا عليهم من النقم وهذا ثابت بالاختبار، فلا خلاف في أن الشدائد مصلحة للفساد، وأجدر الناس بالاستفادة من الحوادث المؤمن" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة البأس والضر رحمة وصلاح للمؤمن وعذاب وفساد للكافر، بدلالة مفهوم الآية. وجه الاستنباط: من أساليب التربية والتهذيب حمل المتربين على حسن التعامل مع ما يصيبهم من البأساء والنعماء، فكلها من عند الله، ولكل منها أسلوب يناسبها، فالبأس ينصرف بالاستكانه لأمر الله والتضرع له، والنعماء بشكر المنعم جل وعلا عليها، شريطة ألا تكون قلوبهم قد قست، واستولى عليها الشيطان، فإن الموفق من خرج من بلائه بصبر وشكر لله، بعكس من أفسدته النعم بالبطر والكفر بما أنعم الله عليه به، بعكس من أفسدته النعم بالبطر والكفر بما أنعم الله عليه به، وقد ثبت في السنة أن نبينا محمد ﷺ كان يخشى على أمته من الغنى والنعم أكثر مما يخشى عليها من الفقر والبلاء.

стр. 317

قال ابن جرير: "فتأويل الكلام إذًا: فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلَها، الذين لم يتضرعوا عند أخذِناهم بالبأساء والضراء "تضرعوا"، فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته، فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه (١). قال الزمخشري: "جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم فلما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء: أى تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الصحة والسعة وصنوف النعمة، ليزاوج عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، كما يفعل الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى، طلبا لصلاحه حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر، من غير انتداب لشكر ولا تصد لتوبة واعتذار أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون واجمون" (٢). قال الرازي: "والمعنى: إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا، ومعنى التضرع التخشع وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد، وأصله من الضراعة وهي الذلة، يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، والمقصود منه التسلية للنبي ﷺ " (٣). قال القرطبي: "وهذا عتاب على ترك الدعاء، وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب، ويجوز أن يكونوا تضرعوا تضرع من لم يخلص، أو تضرعوا حين لابسهم العذاب، والتضرع على هذه الوجوه غير نافع، والدعاء مأمور به حال الرخاء والشدة " (٤)، وبنحوه قال أبو حيان، وأبو السعود، والشوكاني (٥). [الظلم أعظم الذنوب وسبب إهلاك الظالمين] قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [سورة الأنعام: ٤٥]. ١٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ووضع المظهر الموصوف بالموصول موضع المضمر؛ للإشعار بعلة الإهلاك وسببه وهو الظلم، ولا بد من زهوق الباطل فظهور الحق" (٦).

стр. 318

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة الظلم أعظم الذنوب وسبب إهلاك الظالمين، بدلالة التلازم. وجه الاستنباط: لما كان الظلم هو أعظم الذنوب، وسبب للهلاك، وأن عذاب الاستئصال الذي حل بهؤلاء كان بسبب الظلم ناسب أن يبين هذا، فلذا وضع المظهر موضع المضمر، والظلم في الآية شامل للشرك أصلا ولغيره تبعا، ولشؤم الشرك وظلم النفس به وقع عليهم وعيد الله بإهلاكهم وقطع دابرهم، ولا عاقبة حسنة لهم إلا بالعدل وأوله التوحيد. قال أبو السعود: " ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾ أي آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد من دبره دبرا ودبورا أي تبعه ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم فإن هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر وإقامة المعاصي مقام الطاعات" (١). قال أبو حيان: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا عبارة عن استئصالهم بالهلاك والمعنى: فقطع دابرهم ونبه على سبب الاستئصال بذكر الوصف الذي هو الظلم، وهو هنا الكفر والدابر التابع للشيء من خلفه يقال: دبر الوالد الولد يدبره، وفلان دبر القوم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم" (٢). وقال القرطبي: "وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم، لما يعقب من قطع الدابر، إلى العذاب الدائم، مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد" (٣). قال الألوسي: "الدابر الأصل ومنه قطع الله دابره أي أصله وأيّا ما كان فالمراد أنهم استؤصلوا بالعذاب ولم يبق منهم أحد، ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم" (٤). قال أبو زهرة: " أي قطع الذين ظلموا عن آخرهم، وذلك بسبب ظلمهم، وظلمهم كان لأنهم أشركوا بالله تعالى: ( … إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومن كان يشرك برب العباد لابد أن يظلم العباد، فمن الذي يتقوه من بعده. وظلموا أنفسهم؛ لأنه سبقت العظات والمعاملات ولم يعتبروا فاستحقوا ما نزل بهم" (٥).

стр. 319

[العلماء ورثة الأنبياء مهمتهم هداية الناس لا استعبادهم] قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢] ١٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والآية تدل على نفي الرياسة الدينية المعهودة في الملل الأخرى، وهي سيطرة رؤساء الدين على أهل دينهم في عقائدهم وعباداتهم ومحاسبتهم عليها، وعقاب من يرون عقابه منهم حتى بالطرد من الدين والحرمان من حقوقه، ويجب في بعض تلك الملل أن يعترف كل مكلف من ذكر وأنثى للرئيس الديني بأعماله النفسية والبدنية، وللرئيس أن يغفر له ما يعترف به من المعاصي، ويعتقدون أن مغفرة الله تعالى تتبع مغفرته" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة العلماء ورثة الأنبياء مهمتهم هداية الناس لا استعبادهم، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: امتازت الشريعة الإسلامية بنفي العصمة عن العلماء من أهل الدين، وأن طاعتهم تكون في المعروف، وليس لهم الحق في معرفة ذنوب أحد من الناس، ولا يصرحون لأحد بالغفران، وكلهم خاضعون لله لا فرق بينهم وبين العامة، بخلاف الأمم السابقة فقد كان لأهل الدين عندهم منزلة خاصة، استغلها بعضهم في بث سلطته الدينية على أهل هذه الملة، وعلى شعوبهم، فلا يكون لهم تصرف إلا بعد الرجوع لهؤلاء الرؤساء والنظر فيما يحكمون له، وفي هذا من تحقيق التوحيد ما هو ظاهر، فتتعلق القلوب بالله ، وتخضع له وتباشره في حبها وخوفها ورجائها، ومن دون حاجة إلى واسطة أو شفيع. وقد انفرد الشيخ بهذا الاستنباط، فلم يذكره أحد من المفسرين فيما وقفت عليه، إلا عبارة للإمام الألوسي قال فيها: "وَلا تَطْرُدِ أي لأجل التربية والتهذيب والامتحان الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الذي أوصلهم حيث أوصلهم من معارج الكمال بِالْغَداةِ أي وقت تجلي الجمال وَالْعَشِيِّ أي وقت تجلي العظمة والجلال يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدونه سبحانه بذاته وصفاته ويطلبون تجليه لقلوبهم ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ أي حساب أعمالهم القلبية من شيء لأن الله تعالى قد تولى حفظ قلوبهم وأمطر عليها سحائب عنايته فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج" (٢).

стр. 320

[تأديب العالم للمتعلم لحبه لا لبغضه ولهدايته لا لإضلاله] قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢] ١٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويستنبط من الآية ألا يجوز لرؤساء المدارس الدينية ولا ينبغي لغيرهم عقاب أحد من طلاب العلم بالحرمان من بعض الدروس فضلا عن طرده من المدرسة، وحرمانه من تلقي الدين والعلم ألبته، ولكن قد يجوز ذلك بمقتضى نظام لا لأجل الانتقام، وقد كان من هدي الرسول ﷺ تأليف قلوب ضعفاء الإيمان حتى بعد قوة الإيمان واعزازه، بل كان يعامل المنافقين بما يقتضيه ظاهر إسلامهم، عملا بقاعدة بناء الأحكام على الظواهر، وأن الله هو الذي يتولى السرائر" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا سلوكيا، في باب التربية والتزكية، في مسألة تأديب العالم للمتعلم لحبه لا لبغضه ولهدايته لا لإضلاله، بدلالة لفظ الأمر في الآية. وجه الاستنباط: لا ينبغي لمعلم أو أي جهة علمية منع وطرد أي طالب للعلم، وهذا كان واضحا في عهد النبي ﷺ فلم يطرد المنافقين الذين آذوه في نفسه وفي زوجه، وينبغي أن يكون التأديب بوسيلة أخرى غير المنع والطرد، فإن في هذا فسادا وأثرا ضارا يربو على المصلحة المتوقعة من الطرد والإبعاد، ولا يكون الطرد والإبعاد إلا لمصلحة رجحت في حالٍ تيقنت، ومحكومة بأنظمة معينة إذا خولفت تم على إثرها العقاب المنصوص عليه. ولم أجد من المفسرين من ذكر هذا المعنى، فهذا استنباط مهم لكل من تبوّأ تعليم الناس أن يربي نفسه على البعد عن حظوظ النفس وعلى اتباع الأنظمة والتعاليم التي تترقى بالتعليم وأهله. [الاستشهاد بالآيات على النوازل] قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [سورة الأنعام: ٦٥] ١٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "ومثال ما عبر القرآن عنه مما يشمل ما لم يكن في زمن تنزيله ولا فيما قبله بحسب ما يعلم البشر هذه الآية التي ظهر تفسيرها في هذا الزمان بهذه الحرب الأوربية التي لم يسبق لها نظير؛ فقد أرسل الله على الأمم عذابا من فوقها بما تقذفه الطيارات والمناطيد من المقذوفات النارية والسموم البخارية والغازية التي لم تعرف قبل هذه الحرب فوق مقذوفات المدافع وغيرها مما كان معروفا قبلها، ولكن بعد تنزيل الآية، وعذابا من تحتها بما يتفجر من الألغام النارية، وبما ترسله المراكب الغواصة في البحر التي اخترعت في هذا العصر، ولبسها شيعا متعادية، وأذاق بعضها بأس بعض، فحل بها من التقتيل والتخريب ما لم يعهد له نظير في الأرض، ولا شك في أن دلالة الآية على هذه المخترعات مراد، لأن الله تعالى منزل القرآن هو علام الغيوب" (٢).
следующие страницы →