← Тафсир

Тафсир · id 841

استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره

رقية بنت محمد بن سالم باقيس

Полный текст (435 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال أبو السعود: "وقوله تعالى ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾ اعتراض مقرر لما قبله من إتيان نصره إياهم والمراد بكلماته تعالى ما ينبئ عنه قوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وقوله تعالى كتب الله لاغلبن أنا ورسلى من المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام الدالة على نصرة رسول الله أيضا لا نفس الآيات المذكورة ونظائرها فإن الإخبار بعدم تبدلها إنما يفيد عدم تبدل المواعيد الواردة إلى رسول الله ﷺ خاصة المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام " (١). وقال أبو زهرة: "هذا تنبيه للنبي ﷺ وحث على الصبر، والانتظار لما وعد من النصر المؤزر، فالله يبين أنه ليس أول المكذبين، بل سبق إلى ذلك الرسل الصادقون الداعون، ولقد أكد الله الخبرب (اللام) وبـ (قد) لتأكيد التسلية، ولتأكيد طلب الصبر، وتأكيد الوعد بالنصر" (٢)، ومثله القاسمي (٣). [البأس والضر رحمة وصلاح للمؤمن وعذاب وفساد للكافر] قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [سورة الأنعام: ٤٣] ١١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والآية تفيد أن البأساء والضراء، وما يقابلهما من السراء والنعماء مما يتربى ويتهذب به الموفقون من الناس، وإلا كانت النعم أشد وبالا عليهم من النقم وهذا ثابت بالاختبار، فلا خلاف في أن الشدائد مصلحة للفساد، وأجدر الناس بالاستفادة من الحوادث المؤمن" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة البأس والضر رحمة وصلاح للمؤمن وعذاب وفساد للكافر، بدلالة مفهوم الآية. وجه الاستنباط: من أساليب التربية والتهذيب حمل المتربين على حسن التعامل مع ما يصيبهم من البأساء والنعماء، فكلها من عند الله، ولكل منها أسلوب يناسبها، فالبأس ينصرف بالاستكانه لأمر الله والتضرع له، والنعماء بشكر المنعم جل وعلا عليها، شريطة ألا تكون قلوبهم قد قست، واستولى عليها الشيطان، فإن الموفق من خرج من بلائه بصبر وشكر لله، بعكس من أفسدته النعم بالبطر والكفر بما أنعم الله عليه به، بعكس من أفسدته النعم بالبطر والكفر بما أنعم الله عليه به، وقد ثبت في السنة أن نبينا محمد ﷺ كان يخشى على أمته من الغنى والنعم أكثر مما يخشى عليها من الفقر والبلاء.

стр. 317

قال ابن جرير: "فتأويل الكلام إذًا: فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلَها، الذين لم يتضرعوا عند أخذِناهم بالبأساء والضراء "تضرعوا"، فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته، فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه (١). قال الزمخشري: "جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم فلما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء: أى تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الصحة والسعة وصنوف النعمة، ليزاوج عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، كما يفعل الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى، طلبا لصلاحه حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر، من غير انتداب لشكر ولا تصد لتوبة واعتذار أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون واجمون" (٢). قال الرازي: "والمعنى: إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا، ومعنى التضرع التخشع وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد، وأصله من الضراعة وهي الذلة، يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، والمقصود منه التسلية للنبي ﷺ " (٣). قال القرطبي: "وهذا عتاب على ترك الدعاء، وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب، ويجوز أن يكونوا تضرعوا تضرع من لم يخلص، أو تضرعوا حين لابسهم العذاب، والتضرع على هذه الوجوه غير نافع، والدعاء مأمور به حال الرخاء والشدة " (٤)، وبنحوه قال أبو حيان، وأبو السعود، والشوكاني (٥). [الظلم أعظم الذنوب وسبب إهلاك الظالمين] قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [سورة الأنعام: ٤٥]. ١٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ووضع المظهر الموصوف بالموصول موضع المضمر؛ للإشعار بعلة الإهلاك وسببه وهو الظلم، ولا بد من زهوق الباطل فظهور الحق" (٦).

стр. 318

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة الظلم أعظم الذنوب وسبب إهلاك الظالمين، بدلالة التلازم. وجه الاستنباط: لما كان الظلم هو أعظم الذنوب، وسبب للهلاك، وأن عذاب الاستئصال الذي حل بهؤلاء كان بسبب الظلم ناسب أن يبين هذا، فلذا وضع المظهر موضع المضمر، والظلم في الآية شامل للشرك أصلا ولغيره تبعا، ولشؤم الشرك وظلم النفس به وقع عليهم وعيد الله بإهلاكهم وقطع دابرهم، ولا عاقبة حسنة لهم إلا بالعدل وأوله التوحيد. قال أبو السعود: " ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾ أي آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد من دبره دبرا ودبورا أي تبعه ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم فإن هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر وإقامة المعاصي مقام الطاعات" (١). قال أبو حيان: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا عبارة عن استئصالهم بالهلاك والمعنى: فقطع دابرهم ونبه على سبب الاستئصال بذكر الوصف الذي هو الظلم، وهو هنا الكفر والدابر التابع للشيء من خلفه يقال: دبر الوالد الولد يدبره، وفلان دبر القوم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم" (٢). وقال القرطبي: "وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم، لما يعقب من قطع الدابر، إلى العذاب الدائم، مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد" (٣). قال الألوسي: "الدابر الأصل ومنه قطع الله دابره أي أصله وأيّا ما كان فالمراد أنهم استؤصلوا بالعذاب ولم يبق منهم أحد، ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم" (٤). قال أبو زهرة: " أي قطع الذين ظلموا عن آخرهم، وذلك بسبب ظلمهم، وظلمهم كان لأنهم أشركوا بالله تعالى: ( … إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومن كان يشرك برب العباد لابد أن يظلم العباد، فمن الذي يتقوه من بعده. وظلموا أنفسهم؛ لأنه سبقت العظات والمعاملات ولم يعتبروا فاستحقوا ما نزل بهم" (٥).

стр. 319

[العلماء ورثة الأنبياء مهمتهم هداية الناس لا استعبادهم] قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢] ١٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والآية تدل على نفي الرياسة الدينية المعهودة في الملل الأخرى، وهي سيطرة رؤساء الدين على أهل دينهم في عقائدهم وعباداتهم ومحاسبتهم عليها، وعقاب من يرون عقابه منهم حتى بالطرد من الدين والحرمان من حقوقه، ويجب في بعض تلك الملل أن يعترف كل مكلف من ذكر وأنثى للرئيس الديني بأعماله النفسية والبدنية، وللرئيس أن يغفر له ما يعترف به من المعاصي، ويعتقدون أن مغفرة الله تعالى تتبع مغفرته" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة العلماء ورثة الأنبياء مهمتهم هداية الناس لا استعبادهم، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: امتازت الشريعة الإسلامية بنفي العصمة عن العلماء من أهل الدين، وأن طاعتهم تكون في المعروف، وليس لهم الحق في معرفة ذنوب أحد من الناس، ولا يصرحون لأحد بالغفران، وكلهم خاضعون لله لا فرق بينهم وبين العامة، بخلاف الأمم السابقة فقد كان لأهل الدين عندهم منزلة خاصة، استغلها بعضهم في بث سلطته الدينية على أهل هذه الملة، وعلى شعوبهم، فلا يكون لهم تصرف إلا بعد الرجوع لهؤلاء الرؤساء والنظر فيما يحكمون له، وفي هذا من تحقيق التوحيد ما هو ظاهر، فتتعلق القلوب بالله ، وتخضع له وتباشره في حبها وخوفها ورجائها، ومن دون حاجة إلى واسطة أو شفيع. وقد انفرد الشيخ بهذا الاستنباط، فلم يذكره أحد من المفسرين فيما وقفت عليه، إلا عبارة للإمام الألوسي قال فيها: "وَلا تَطْرُدِ أي لأجل التربية والتهذيب والامتحان الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الذي أوصلهم حيث أوصلهم من معارج الكمال بِالْغَداةِ أي وقت تجلي الجمال وَالْعَشِيِّ أي وقت تجلي العظمة والجلال يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدونه سبحانه بذاته وصفاته ويطلبون تجليه لقلوبهم ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ أي حساب أعمالهم القلبية من شيء لأن الله تعالى قد تولى حفظ قلوبهم وأمطر عليها سحائب عنايته فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج" (٢).

стр. 320

[تأديب العالم للمتعلم لحبه لا لبغضه ولهدايته لا لإضلاله] قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢] ١٤. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويستنبط من الآية ألا يجوز لرؤساء المدارس الدينية ولا ينبغي لغيرهم عقاب أحد من طلاب العلم بالحرمان من بعض الدروس فضلا عن طرده من المدرسة، وحرمانه من تلقي الدين والعلم ألبته، ولكن قد يجوز ذلك بمقتضى نظام لا لأجل الانتقام، وقد كان من هدي الرسول ﷺ تأليف قلوب ضعفاء الإيمان حتى بعد قوة الإيمان واعزازه، بل كان يعامل المنافقين بما يقتضيه ظاهر إسلامهم، عملا بقاعدة بناء الأحكام على الظواهر، وأن الله هو الذي يتولى السرائر" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا سلوكيا، في باب التربية والتزكية، في مسألة تأديب العالم للمتعلم لحبه لا لبغضه ولهدايته لا لإضلاله، بدلالة لفظ الأمر في الآية. وجه الاستنباط: لا ينبغي لمعلم أو أي جهة علمية منع وطرد أي طالب للعلم، وهذا كان واضحا في عهد النبي ﷺ فلم يطرد المنافقين الذين آذوه في نفسه وفي زوجه، وينبغي أن يكون التأديب بوسيلة أخرى غير المنع والطرد، فإن في هذا فسادا وأثرا ضارا يربو على المصلحة المتوقعة من الطرد والإبعاد، ولا يكون الطرد والإبعاد إلا لمصلحة رجحت في حالٍ تيقنت، ومحكومة بأنظمة معينة إذا خولفت تم على إثرها العقاب المنصوص عليه. ولم أجد من المفسرين من ذكر هذا المعنى، فهذا استنباط مهم لكل من تبوّأ تعليم الناس أن يربي نفسه على البعد عن حظوظ النفس وعلى اتباع الأنظمة والتعاليم التي تترقى بالتعليم وأهله. [الاستشهاد بالآيات على النوازل] قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [سورة الأنعام: ٦٥] ١٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "ومثال ما عبر القرآن عنه مما يشمل ما لم يكن في زمن تنزيله ولا فيما قبله بحسب ما يعلم البشر هذه الآية التي ظهر تفسيرها في هذا الزمان بهذه الحرب الأوربية التي لم يسبق لها نظير؛ فقد أرسل الله على الأمم عذابا من فوقها بما تقذفه الطيارات والمناطيد من المقذوفات النارية والسموم البخارية والغازية التي لم تعرف قبل هذه الحرب فوق مقذوفات المدافع وغيرها مما كان معروفا قبلها، ولكن بعد تنزيل الآية، وعذابا من تحتها بما يتفجر من الألغام النارية، وبما ترسله المراكب الغواصة في البحر التي اخترعت في هذا العصر، ولبسها شيعا متعادية، وأذاق بعضها بأس بعض، فحل بها من التقتيل والتخريب ما لم يعهد له نظير في الأرض، ولا شك في أن دلالة الآية على هذه المخترعات مراد، لأن الله تعالى منزل القرآن هو علام الغيوب" (٢).

стр. 321

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا علميا، في باب التفسير، مسألة الاستشهاد بالآيات على النوازل، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: أنواع الأسلحة المستخدمة في الحروب الآن من صواريخ وغواصات وغيرها هي المفهومة من هذه الآية، والآية دلت عليها، واستدل عليه بحديث للنبي ﷺ قال: ((في هذه الآية ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾، فقال النبي ﷺ أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها)) (١). وبعد استقراء أقوال المفسرين حول الآية وجدت ذكر هذا المعنى في أقوالهم كانت تدور حول أن الرجم والطوفان والصواعق والريح وما أشبهه هي من العذاب النازل من فوقهم، وأن الخسف والغرق والزلازل وما أشبهه من العذاب السفلي. وممن ذكر ذلك الإمام ابن جرير حيث قال: "وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: عنى بالعذاب من فوقهم، الرجمَ أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم، الخسفَ وما أشبهه، وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى"فوق" و"تحت" الأرجل، هو ذلك، دون غيره، وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تُنُوزع في تأويله، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره، ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها" (٢)، ومثله ابن عطية، والرازي، والنسفي والقرطبي، وأبو حيان وأبو السعود، والألوسي، وابن سعدي، وابن عاشور، وأبو زهرة (٣)، وغيرهم.

стр. 322

[عموم بعثة النبي ﷺ للعالمين] قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [سورة الأنعام: ٩٠] ١٦. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "الضمير راجع إلى القرآن كما رجعنا، أي ما هو إلا تذكير وموعظة لإرشاد العالمين كافة، لا لكم خاصة، وهو نص في عموم البعثة" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالرسل، في مسألة عموم بعثة النبي ﷺ للعالمين، بدلالة التنصيص من الآية. وجه الاستنباط: القرآن وما فيه من هدايات ودلالات، ومواعظ وإرشاد، رحمة للعالمين كافة من الله جل وعلا، وفيه كل ما يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، وليس خاص بالمؤمنين، وهذا دليل على عموم بعثة ﷺ للعالمين. قال الرازي: " (لا أسئلكم عليه أجرا) ولا أطلب منكم مالا ولا جعلا (إن هو) يعني القرآن (إلا ذكرى للعالمين) يريد كونه مشتملا على كل ما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم، وقوله: (إن هو إلا ذكرى للعالمين) يدل على أنه ﷺ مبعوث إلى كل أهل الدنيا لا إلى قوم دون قوم" (٢). وقال القرطبي: " (إن هو) أي القرآن (إلا ذكرى للعالمين) أي هو موعظة للخلق، وأضاف الهداية إليهم فقال: "فبهداهم اقتده" لوقوع الهداية بهم. وقال: "ذلك هدى الله" لأنه الخالق للهداية" (٣). قال الألوسي: " (إِنْ هُوَ أي القرآن إِلَّا ذِكْرى) أي تذكير فهو مصدر، وحمله على ضمير القرآن للمبالغة ولا حاجة لتأويله بمذكر لِلْعالَمِينَ كافة فلا يختص به قوم دون آخرين واستدل بالآية على عموم بعثته ﷺ " (٤). وبعض المفسرين قال بعموم التبليغ والقرآن كالبيضاوي فقال: "قل لا أسئلكم عليه أي على التبليغ أو القرآن أجرا جعل من جهتكم، كما لم يسأل من قبلي من النبيين، وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، إن هو أي التبليغ أو القرآن أو الغرض إلا ذكرى للعالمين إلا تذكيرا وموعظة لهم" (٥)، وكذا ابن عطية، والنسفي (٦).

стр. 323

وبعضهم قصره على القرآن ولم يذكر التنصيص على بعثة النبي ﷺ كأبي السعود فقال: " ﴿إن هو﴾ أي ما القرآن ﴿إلا ذكرى للعالمين﴾ أي عظة وتذكير لهم كافة من جهته سبحانه فلا يختص بقوم دون آخرين" (١). وكذا قال الشوكاني: "قوله: قل لا أسئلكم عليه أجرا أمره الله بأن يخبرهم بأنه لا يسألهم أجرا على القرآن، وأن يقول لهم: ما هو إلا ذكرى يعني القرآن للعالمين أي موعظة وتذكير للخلق كافة الموجودين عند نزوله ومن سيوجد من بعد" (٢)، وكذا ابن عاشور، وأبو زهرة (٣). [التفسير الموضوعي ينمّي ملكة التفسير والتأمل والتفكر في آيات الله] قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [سورة الأنعام: ٩٦] ١٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ويدل على ذلك ذكر الآية الثانية بفائدتها، وهي آية الليل يجعله الله سكنا، فهذا المذكور يدل على مقابلة المحذوف، وهو جعل النهار وقتا للحركة بالسعي للمعاش، والعمل الصالح للمعاد، وقد صرح بنوعي الفائدتين في آيات كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة القصص: ٧٣] فهذه الآية على إيجازها جامعة للفوائد الدنيوية والدينية، وفيها اللف والنشر، أي لتسكنوا في الليل وتطلبوا الرزق من فضل الله في النهار، وليعدكم لشكر نعمه عليكم بهما، وبمنافعكم في كل منهما، ومن الآيات المصرحة بذكرهما ما قرن بالتذكير بفائدتهما الدنيوية فقط كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [سورة النبأ: ١٠ - ١١]، ومنها ما قرن بالتذكير بفائدتهما الدينية فقط كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [سورة الفرقان: ٦٢]، فيا لله من إيجاز القرآن وبلاغته، في اختلاف عبارته! " (٤).

стр. 324

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا علميا، في باب التفسير، في مسألة التفسير الموضوعي ينمّي ملكة التفسير والتأمل والتفكر في آيات الله، بدلالة جمع الآيات. وجه الاستنباط: في ذكر آية الليل وفائدته، دليل على ما حذف من آية النهار وأنه وقت للحركة والسعي لكسب العيش، وبين أن هذا مفهوم من آيات أخر ذكرها، وكل آية لها تفسيرها الخاص بها، وهذا نوع من أنواع التفسير يعرف بالتفسير الموضوعي، وهو أحد أنواع أساليب التفسير (١)، الذي يعنى بتنمية ملكة التفسير والتأمل والتفكر في آيات الله، للخروج منها بفوائد دينية ودنيوية تقوم بها حياة المسلم. ولم أجد من المفسرين من تطرق لهذه المعاني وهذا الأسلوب عند تفسيره لهذه الآية، مما يبين عناية الشيخ بالتفسير وتطور أساليبه للاستفادة منه في استخراج العظات والعبر التي تفيد في الحياة. [الله لا شريك له من أحد من خلقه في شيء مما اختص به] قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٠] ١٨. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) أي وجعل هؤلاء المشركون لله سبحانه شركاء - وفسر هؤلاء الشركاء بالجن على طريق البدل النحوي - ولم يقل وجعلوا الجن شركاء لله، بل قدم وأخر في النظم لإفادة أن محل الغرابة والنكارة أن يكون لله شركاء لا مطلق وجود الشركاء، ثم كون الشركاء من الجن، فقدم الأهم فالمهم، ولو قال وجعلوا الجن شركاء لله لأفاد أن موضع الإنكار أن يكون الجن شركاء لله لكونهم جنا، وليس الأمر كذلك، بل المنكر أن يكون لله شريك من أي جنس كان" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة الله لا شريك له من أحد من خلقه في شيء مما اختص به، بدلالة الألفاظ. وجه الاستنباط: بين الشيخ أن أسلوب النظم في التقديم والتأخير جاء لاستنكار ما فعله هؤلاء المشركون من اتخاذهم أحد مخلوقات الله وهم الجن، وجعلهم عدولا لله الخالق لهم جميعاً، وبين أن اتخاذ الشركاء لله هو الذي يجب أن ينكر على من فعله، لا جنس الشركاء. وقد سار على هذا جمع من المفسرين؛ فقال ابن جرير: "فتأويل الكلام إذًا: وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير"وخرقوا له بنين وبنات"، يقول: وتخرَّصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبعي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك" (٣).

стр. 325

وقال الزمخشري: "فإن قلت: فما فائدة التقديم؟ قلت: فائدته استعظام أن يتخذ لله شريك من كان ملكا أو جنيا أو إنسيا أو غير ذلك. ولذلك قدم اسم الله على الشركاء" (١)، ومثله الرازي، والنسفي، وأبو حيان (٢). وقال ابن عطية: "وهذه الآية مشيرة إلى العادلين بالله والقائلين إن الجن تعلم الغيب العابدين للجن، وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجن الأودية في أسفارها ونحو هذا" (٣). قال ابن كثير: "هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا في عبادة الله أن عبدوا الجن، فجعلوهم شركاء الله في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم" (٤). قال ابن سعدي: "يخبر تعالى: أنه مع إحسانه لعباده وتعرفه إليهم، بآياته البينات، وحججه الواضحات -أن المشركين به، من قريش وغيرهم، جعلوا له شركاء، يدعونهم، ويعبدونهم، من الجن والملائكة، الذين هم خلق من خلق الله، ليس فيهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، فجعلوها شركاء لمن له الخلق والأمر، وهو المنعم بسائر أصناف النعم، الدافع لجميع النقم" (٥). [من عدل الله في عباده تزيين أفعالهم لهم التي استحسنوها وجرت عادتهم عليها] قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٨] ١٩. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "التزيين أثر لأعمال اختيارية لا جبر فيها ولا إكراه، وليس المراد به أن الله خلق في قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر والشر، وفي قلوب بعضها تزيينا للإيمان والخير خلقا ابتدائيا، من غير أن يكون لهم عمل اختياري نشأ عنه ذلك" (٦).

стр. 326

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة من عدل الله في عباده تزيين أفعالهم لهم التي استحسنوها وجرت عادتهم عليها، بدلالة معنى اللفظ. وجه الاستنباط: أن في لفظ التزيين تنبيه وأثر وبيان ونتيجة لما استحسنه هؤلاء، فكان نتيجة لأعمالهم الاختيارية، وليس فرضا ابتدائيا من الله على البشر، وقد مضت سنة الله في أخلاق البشر وشئونهم أن يستحسنوا ما يجرون عليه ويتعودونه مما كان عليه آباؤهم، أو مما استحدثوه بأنفسهم، إذا صار يسند وينسب إليهم، سواء كانوا على تقليد وجهل، أم على بينة وعلم، وفي هذا رد على الجبرية القائلين بأن الله خلق في قلوب هؤلاء الكفر ومنعهم من الإيمان. قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: كما زيّنا لهؤلاء العادلين بربهم الأوثَانَ والأصنام، عبادةَ الأوثان وطاعةَ الشيطان بخذلاننا إيّاهم عن طاعة الرحمن، كذلك زيَّنا لكل جماعةٍ اجتمعت على عملٍ من الأعمال من طاعة الله ومعصيته، عملَهم الذي هم عليه مجتمعون" (١). قال ابن عطية: "قوله تعالى: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ) إشارة إلى ما زين الله لهؤلاء عبدة الأصنام من التمسك بأصنامهم والذب عنها وتزيين الله عمل الأمم هو ما يخلقه ويخترعه في النفوس من المحبة للخير والشر والاتباع لطرقه، وتزيين الشيطان هو بما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء" (٢). قال الشوكاني: "كذلك زينا لكل أمة عملهم أي مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم من الخير والشر يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها، ولا قبلوا من المرسلين ما أرسلهم الله به إليهم، وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم" (٣). قال ابن عاشور: "وحقيقة تزيين الله لهم ذلك أنه خلقهم بعقول يحسن لديها مثل ذلك الفعل، على نحو ما تقدم في قوله تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا) [الأنعام: ١٠٨]، وذلك هو القانون في نظائره، والتزيين تفعيل من الزين، وهو الحسن أو من الزينة، وهي ما يتحسن به الشيء، فالتزيين جعل الشيء ذا زينة أو إظهاره زينا أو نسبته إلى الزين، وهو هنا بمعنى إظهاره في صورة الزين وإن لم يكن كذلك، فالتفعيل فيه للنسبة مثل التفسيق، وفي قوله: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) [الحجرات: ٧] بمعنى جعله زينا، فالتفعيل للجعل لأنه حسن في ذاته" (٤).

стр. 327

[العاقبة للتقوى سنة شرعية قام عليها علم الاجتماع] قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [سورة الأنعام: ١١٢] ٢٠. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وحكمة عداوة الأشرار للأخيار هي ما يعبر عنه في عرف علماء الاجتماع البشري بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تفضي بالجهاد والتمحيص إلى ما يسمونه (سنة الانتخاب الطبيعي) أي انتصار الحق وبقاء الأمثل" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة العاقبة للتقوى سنة شرعية قام عليها علم الاجتماع، بدلالة الإقتضاء. وجه الاستنباط: أن العداوة فيما بين البشر قائمة على تصارع بين كوامن الخير وكوامن الشر في النفوس، وهذا التصارع خير في مآله على الحق وأهله، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥١]، ودائما ما ينتصر الخير على الشر، وهذا ما يعبر عنه في علم الاجتماع، بالتنازع من أجل البقاء بين المتقابلات أو سنة الانتخاب الطبيعي. وهنا يثبت الشيخ أن القرآن مصدر للعلوم الإنسانية كعلم الاجتماع، وأن هذه العلوم لا تستغني عن العلوم الشرعية. وقد أشار جمع من المفسرين أن الآية تسلية للنبي ﷺ ، تبين له أن هذه سنة الله في الرسل من قبله، فقد كانت العداوة فيما بينهم واضحة، ولكنهم صبروا على قلتهم وعداوتهم فنصرهم الله بالحق الذي بين أيديهم. فقال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ، مسلِّيَه بذلك عما لقي من كفرة قومه في ذات الله، وحاثًّا له على الصبر على ما نال فيه: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا)، يقول: وكما ابتليناك، يا محمد، بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء شياطينَ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليصدُّوهم بمجادلتهم إياك بذلك عن اتباعك والإيمان بك وبما جئتهم به من عند ربّك، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسّل، بأن جعلنا لهم أعداءً من قومهم يؤذُونهم بالجدال والخصومات، يقول: فهذا الذي امتحنتك به، لم تخصص به من بينهم وحدك، بل قد عممتهم بذلك معك لأبتليهم وأختبرهم، مع قدرتي على منع من آذاهم من إيذائهم، فلم أفعل ذلك إلا لأعرف أولي العزم منهم من غيرهم" (٢).

стр. 328

وقال البغوي: " (كذلك جعلنا لكل نبي عدوا)، أي: أعداء، فيه تعزية النبي ﷺ ، يعني: كما ابتليناك بهؤلاء القوم، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء، ثم فسرهم فقال: شياطين الإنس والجن" (١). وكذلك قال ابن عطية، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، والقرطبي، وابن سعدي (٢). ولكن لم نجد من أشار إلى أن هذا المعنى المستنبط من أساسيات علم الاجتماع الحديث، مما يدل على عناية الشيخ بالعلوم الاجتماعية. [خطاب الله لنبيه بربوبيته لبيان رعايته له، وخطاب الله للمشركين بألوهيته لبيان حقه عليهم] قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٧] وقال ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [سورة الأنعام: ١١٢]. ٢١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "ومن مباحث البلاغة نكتة الفرق بين قوله تعالى في الآية (١١٢) من هذه الآيات: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ)، وقوله في الآية (١٠٧) من آيات قبلها في السورة: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)، وهي أن المشيئة أسندت إلى اسم الجلالة في مقام إظهار الحقائق في شئون المشركين وما يجب على الرسول وما ليس له، وأسندت إلى اسم الرب مضافا إلى الرسول في مقام تسليته وبيان سنته تعالى في أعداء الرسل قبله، فكأنه يقول: هذا ما اقتضته مشيئة ربك الكافل لك بحسن تربيته وعنايته نصرك على أعدائك، وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك من المؤمنين" (٣).

стр. 329

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الدعوة، في مسألة خطاب الله لنبيه بربوبيته لبيان رعايته له وخطاب الله للمشركين بألوهيته لبيان حقه عليهم، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: ذكر الفرق بين الاسناد في كلمة (ولو شاء الله، ولو شاء ربك) وأن كل منهما جاءت في مقامها المناسب، فالإسناد لاسم الجلالة في مقام إظهار الحقائق وما كان الواجب على المشركين تجاه هذه الحقائق، فناسب وصف الألوهية في خطابهم للقيام بحق الله عليهم، وجاء الاسناد الثاني في بيان أن هذا ما اقتضته مشيئة الله لك من حسن تربيتك والعناية بك ونصرك على أعدائك، فناسب وصف الربوبية في خطاب نبيه ورعاية الله له. وهذا المعنى الذي ذكره الشيخ، لم يتطرق إليه المفسرون فيما وقفت عليه. [تمام كلمة الله القدرية والشرعية من تمام فضله وعدله] قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [سورة الأنعام: ١١٥]. ٢٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "أما تمامها صدقا فهو وقوع مضمونها من حيث كونها خبرا، وأما تمامها عدلا فمن حيث كونها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون، وللمؤمنين المهتدين بما يستحقون، وإن كانوا بمقتضى الفضل يزادون، وإذا كانت هذه الآية نزلت بمكة قبل نصر الله تعالى نبيه على طغاة قومه في بدر وغيرها، فالفعل الماضي فيها "تمت" بمعنى المستقبل، فهو لتحقق وقوعه كأنه وقع، وهذا من ضروب المبالغة البليغة" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في توحيد الربوبية، في مسألة تمام كلمة الله القدرية والشرعية من تمام فضله وعدله، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: دلت الآية على وقوعها صدقا بأنها خبر، ووصف العدالة فيها أفاد أنها ما يجازى عليه المؤمنون والكافرون كل بعمله، فكأن هذه الآية بمعناها الماضي تدل على معنى مستقبل فيه البشرى بالنصر على الأعداء وتحقيق وعد الله كما في هذه الآية. وأن كلمة (تمت) في الآية بمعنى استمرت وصحت، لا بمعنى كملت بعد نقص، فإن هذا يستحيل على كلمة الله التي هي من صفاته ولها أكمل المعنى وأتمه وأحسنه. قال الزمخشري: "تَمَّتْ في هذا الموضع بمعنى استمرت وصحت في الأزل صدقا وعدلا، وليس بتمام من نقص" (٢). قال أبو حيان: "وقيل: فيما تضمن من خبر وحكم أو فيما كان وما يكون، أو فيما أمر وما نهى أو في الترغيب والترهيب أو فيما قال: هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار أو في الثواب والعقاب أو في نصرة أوليائه وخذلان أعدائه، أو في نصرة الرسول ببدر وإهلاك أعدائه أو في الإرشاد والإضلال أو في الغفران والتعذيب، أو في الفضل والمنع أو في توسيع الرزق وتقتيره أو في إعطائه وبلائه وهذه الأقوال أول القول فسر به الصدق والمعطوف فسر به العدل " (٣).

стр. 330

وقال ابن عاشور: "والمراد بالتمام معنى مجازي: إما بمعنى بلوغ الشيء إلى أحسن ما يبلغه مما يراد منه، فإن التمام حقيقته كون الشيء وافرا أجزاؤه، والنقصان كونه فاقدا بعض أجزائه، فيستعار لوفرة الصفات التي تراد من نوعه وإما بمعنى التحقق فقد يطلق التمام على حصول المنتظر وتحققه، يقال: تم ما أخبر به فلان، ويقال: أتم وعده، أي حققه" (١). [تغيّر أحكام العادات بتغيّر النيات] قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [سورة الأنعام: ١١٨] ٢٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وحكمة الاهتمام بهذه المسألة وقرنها بمسائل العقائد هو أن مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل جعلوا الذبائح من أمور العبادات، بل نظموها في سلك أصول الدين والاعتقادات، فصاروا يتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم ومن قدسوا من رجال الدين، ويهلون لهم بها عند ذبحها وهذا شرك بالله. ثم قال: وقد غفل عن هذا المعنى بعض كبار المفسرين" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب النية، في مسألة تغيّر أحكام العادات بتغيّر النيات، مفهوم المخالفة. وجه الاستنباط: دلت الآية على تحريم الأكل من الذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها، وقد نصت الآية التالية في هذه السورة على هذا الحكم، وخص الذبح بالتحريم عن باقي أصناف الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه، لأن المشركين وغيرهم جعلوا الذبح من أمور العبادات التي يتقرب بها إلى آلهتهم، لذا جاء الأمر بحل الأكل من ذبائح المؤمنين التي ذكر اسم الله عليها تقربا إلى الله على الوجه الذي شرعه كالأضحية والعقيقة وغيرها، ومما ذبحه أهل الكتاب، دون ما ذبحه المشركون من أهل الأوثان ومَنْ لا كتاب له كالمجوس. قال البغوي: "كلوا مما ذبح على اسم الله، إن كنتم بآياته مؤمنين، وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات، فقيل لهم: أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله" (٣). قال الزمخشري: "فكلوا مسبب عن إنكار اتباع المضلين، الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال. وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه خاصة دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم أو مات حتف أنفه" (٤).

стр. 331

قال ابن عطية: "القصد بهذه الآية النهي عما ذبح للنصب وغيرها وعن الميتة وأنواعها، فجاءت العبارة أمرا بما يضاد ما قصد النهي عنه، ولا قصد في الآية إلى ما نسي فيه المؤمن التسمية أو تعمدها بالترك، وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر اسم الله على الشراب والطعام والذبح وكل مطعوم، وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ) أي إن كنتم بأحكامه وأوامره آخذين، فإن الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها " (١). قال الرازي: " (الفاء) في قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) يقتضي تعلقا بما تقدم فما ذلك الشيء؟ والجواب قوله فكلوا مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحللون الحرام ويحرمون الحلال وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم فقال الله للمسلمين إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله" (٢)، ومثله قال البيضاوي والنسفي (٣). قال ابن عاشور: "وعلم من ذلك أيضا النهي عن أكل الميتة ونحوها، مما لم تقصد ذكاته، لأن ذكر اسم الله أو اسم غيره إنما يكون عند إرادة ذبح الحيوان، كما هو معروف لديهم، فدلت هذه الجملة على تعيين أكل ما ذكي دون الميتة، بناء على عرف المسلمين لأن النهي موجه إليهم، وقوله: إن كنتم بآياته مؤمنين تقييد للاقتصار المفهوم: من فعل الإباحة، وتعليق المجرور به، وهو تحريض على التزام ذلك، وعدم التساهل فيه، حتى جعل من علامات كون فاعله مؤمنا، وذلك حيث كان شعار أهل الشرك ذكر اسم غير الله على معظم الذبائح" (٤). قال الألوسي: "والمعنى على ما ذهب إليه غير واحد كلوا مما ذكر اسم الله تعالى على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره خاصة أو مع اسمه عز اسمه أو مات حتف أنفه، والحصر -كما قيل- مستفاد من عدم اتباع المضلين ومن الشرط، ولولا ذلك لكان هذا الكلام متعرضا لما لا يحتاج إليه ساكتا عما يحتاج إليه، وادعى بعضهم أن لا حصر واستفادة عدم حل ما مات حتف أنفه من صريح النظم" (٥).

стр. 332

[أهل الأهواء يَضلون في أنفسهم ويُضلون غيرهم لزاما] قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [سورة الأنعام: ١١٩] ٢٤. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) قرأ الجمهور يضلون (بضم الياء) وقرأ ابن كثير (١) وأبو عمرو (٢) ويعقوب (٣) بفتح الياء والأولى أبلغ، وفائدة القراءتين بيان وقوع الأمرين بالإيجاز العجيب، والمعنى أن من الثابت القطعي أن كثيرا من الناس يضلون غيرهم كما ضلوا في مثل أكل ما أهل به لغير الله بذكر اسم ذلك الغير من نبي أو صالح أو وثن وضع لتعظيمه والتذكير به، كما أن كثيرا منهم يضل في ذلك من تلقاء نفسه أو بإضلال غيره ولا يتصدى لإضلال أحد فيه للعجز عن الإضلال أو لفقد الداعية، وكل من ذلك الضلال والإضلال واقع بأهواء أهله لا بعلم مقتبس من الوحي، ولا مستنبط بحجج العقل (٤).

стр. 333

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة أهل الأهواء يَضلون في أنفسهم ويُضلون غيرهم لزاما، بدلالة الجمع. وجه الاستنباط: بيّن من خلال الجمع بين القراءات أن أمر الاضلال متحقق بالقراءتين الفتح والضم، وهذا من إيجاز القرآن العجيب، فالضلال في أنفسهم والإضلال لغيرهم واقع بهؤلاء لا محالة، وهو من أنفسهم وليس من وحي مقتبس، ولا حجة مستنبطة. وقد ذكر فائدة القراءتين ابن عاشور فقال: "وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب: ليضلون - بفتح الياء- على أنهم ضالون في أنفسهم، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف - بضم الياء- على معنى أنهم يضللون الناس، والمعنى واحد، لأن الضال من شأنه أن يضل غيره، ولأن المضل لا يكون في الغالب إلا ضالا، إلا إذا قصد التغرير بغيره، والمقصود التحذير منهم وذلك حاصل على القراءتين" (١) (٢). قال أبو جعفر: "وأَولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ)، بمعنى: أنهم يضلون غيرهم، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبرَ نبيه ﷺ عن إضلالهم من تبعهم، ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه، فقال: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم، ونهاهم من قبول قولهم عن مثل الذي نهاه عنه، فقال لهم: وإن كثيرًا منهم ليضلونكم بأهوائهم بغير علم، نظيرَ الذي قال لنبيه ﷺ : (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) " (٣). وقال ابن عطية: "وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «ليضلون» بفتح الياء على معنى إسناد الضلال إليهم في هذه السورة وفي يونس رَبَّنا لِيُضِلُّوا [الآية: ٨٨] وفي سورة إبراهيم أَنْداداً لِيُضِلُّوا [الآية: ٣٠] وفي الحج ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ [الآية: ٩]، وفي لقمان لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية: ٦] وفي الزمر أَنْداداً لِيُضِلَّ [الزمر: ٨]، وقرأ نافع وابن عامر كذلك في هذه وفي يونس وفي الأربعة التي بعد هذه يضمان الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، وهذه أبلغ في ذمهم لأن كل مضل ضال وليس كل ضال مضلا، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي في المواضع الستة «ليضلون» بضم الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم" (٤)، ومثله الرازي وأبو حيان (٥).

стр. 334

وهناك من المفسرين من ذكر القراءتين ولم يرجح او يبيّن فائدة هذه القراءات. ومنهم البغوي حيث قال: "وإن كثيرا ليضلون، قرأ أهل الكوفة بضم الياء وكذلك قوله: ليضلوا [يونس: ٨٨] في سورة يونس لقوله تعالى: يضلوك عن سبيل الله، وقيل: أراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله: من يضل (١)، والبيضاوي (٢). [جعل الله أكابر القرى محاربين للرسل تذكيرا للمؤمنين وتحذيرا للمشركين] قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ [سورة الأنعام: ١٢٣] ٢٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "ونقول في العبرة بالآية بما يناسب حال هذا العصر: إن سنة الله تعالى في الاجتماع البشري قد مضت بأن يكون في كل عاصمة لشعب أو أمة أو كل قرية وبلدة بعث فيها رسول أو مطلقا رؤساء وزعماء مجرمون يمكرون فيها بالرسل، أو بأن يكون أكابرها المجرمون ماكرين فيها بالرسل في عهدهم، وبسائر المصلحين من بعدهم"، وقال: "وهذا العموم في الآية صحيح واقع يعرفه أهل البصيرة والعلم بشئون الاجتماع والعمران، ولا تظهر صحة العموم في القرى والأكابر جميعا بجعل جميع الأكابر المجرمين ماكرين في جميع القرى، أو بجعل جميع المجرمين فيها أكابر أهلها، بحيث يكون الإجرام هو سبب كونهم أكابرها، بل قد يتحقق بكون أكثر الأكابر الزعماء مجرمين ماكرين ولا سيما في القرى التي استحقت الهلاك بحسب سنة الاجتماع المبينة في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ١٦] " (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة جعل الله أكابر القرى محاربين للرسل تذكيرا للمؤمنين وتحذيرا للمشركين، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: سنة الله في الاجتماع البشري ماضية في أن كل شعب أو قوم في بلد ما لا تخلو من مفسدين يفسدون فيها بشتى الصور، ويمكرون بمن يريد الإصلاح سواء كانوا رسل أو دعاة إصلاح، فجعل الله أكابر القرى محاربين للرسل تذكيرا للمؤمنين وتحذيرا للمشركين، وذلك تأكيد لمكر الأكابر بالأنبياء والمصلحين، وربط ذلك بعلم الاجتماع، وأن المجتمعات لا تخلو من مصحلين ومفسدين.

стр. 335

وقد أشار جمع من المفسرين إلى معنى العموم ولم يتطرق أحد منهم أنها قضية اجتماعية كما أشار إليها الشيخ محمد رشيد، فقال ابن جرير: "وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون، كذلك جعلنا بكل قرية عظماءَها مجرميها، يعني أهل الشرك بالله والمعصية له (ليمكروا فيها)، بغرور من القول أو بباطل من الفعل، بدين الله وأنبيائه (وما يمكرون): أي ما يحيق مكرهم ذلك، إلا بأنفسهم، لأن الله تعالى ذكره من وراء عقوبتهم على صدّهم عن سبيله" (١). وقال البغوي: "وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، أي: كما أن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها، أي: عظماءها، جمع أكبر، مثل أفضل وأفاضل، وأسود وأساود، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال في قصة نوح ﵇: (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) [الشعراء: ١١١]، وجعل فساقهم أكابرهم، ليمكروا فيها، وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ ، يقولون لكل من يقدم: إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب. وما يمكرون إلا بأنفسهم، لأن وبال مكرهم يعود عليه. وما يشعرون، أنه كذلك" (٢). وقال القرطبي: "وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد. والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة، أصله الفتل، فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها. قال مجاهد: كانوا يجلسون على كل عقبة أربعة ينفرون الناس عن اتباع النبي ﷺ ، كما فعل من قبلهم من الأمم السالفة بأنبيائهم. (وما يمكرون إلا بأنفسهم) أي وبال مكرهم راجع إليهم. وهو من الله الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم. (وما يشعرون) في الحال، لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم" (٣). ومثله البيضاوي، والنسفي، وأبو حيان (٤). وقال ابن سعدي: " وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم، يناضلون هؤلاء المجرمين، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك، ويعينهم الله ويسدد رأيهم، ويثبت أقدامهم، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم، حتى يدول الأمر في عاقبته بنصرهم وظهورهم، والعاقبة للمتقين" (٥).

стр. 336

وقال ابن عاشور: "وكذلك جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها كما جعلنا في كل قرية مثلهم، وإنما عمم الخبر لقصد تذكير المشركين في مكة بما حل بالقرى من قبلها، مثل قرية: الحجر، وسبأ، والرس، كقوله: تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا [الأعراف: ١٠١]، ولقصد تسلية الرسول ﷺ بأنه ليس ببدع من الرسل في تكذيب قومه إياه ومكرهم به ووعده بالنصر" (١). [القرآن الكريم منبع قواعد وأصول علم الاجتماع] قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ [سورة الأنعام: ١٣١]. ٢٦. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " إن هذه الآية وما في معناها من الآيات - كآية هود - من قواعد علم الاجتماع البشري الذي لا يزال في طور الوضع والتدوين، وهو العلم بسنن الله تعالى في قوة الأمم والشعوب وضعفها وعزها وذلها وغناها وفقرها وبداوتها وحضارتها وأعمالها ونحو ذلك، وفائدة هذا العلم في الأمم كفائدة علم النحو والبيان في حفظ اللغة، وفي القرآن الحكيم أهم قواعده وأصوله" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا علميا، في باب تضمن الشريعة لأمور الدين والدنيا، في مسألة القرآن الكريم منبع قواعد وأصول علم الاجتماع، بدلالة المفهوم والتضمن. وجه الاستنباط: من سنن الله ، ألا يهلك قوما وهم غافلون، حتى تبلغهم البينة وتقوم عليهم الحجة، وهذا من حفظ الله للأمم والمجتمعات، وفي هذا تأصيل وبناء لعلم الاجتماع، وهذا تأصيل من الشيخ ﵀ لهذا العلم وبيان لأهميته، وأن فائدته في الأمم كفائدة علم النحو والبيان في حفظ اللغة، وأن أسسه وقواعده وأصوله منبثقة من القرآن الحكيم. وهذا مما انفرد به الشيخ ﵀، فلم يذكره أحد من المفسرين فيما اطلعت عليه، خاصة أنه في تأصيل علم مستقل حادث. [الكفر مكانات متفاوتة لتعدد الباطل والحق صورة واحدة لوحدة الحق] قال تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾ [سورة الأنعام: ١٣٥] ٢٧. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "قرأ أبو بكر (٣) عن عاصم (٤) (مكاناتكم) بالجمع في كل القرآن والباقون بالإفراد، والأصل في المكانة ألا تجمع لأنها مصدر، ونكتة جمعها في هذه القراءة إفادة أن للكفار مكانات متفاوتة، لتعدد الباطل ووحدة الحق" (٥).

стр. 337

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الدعوة، في مسألة الكفر مكانات متفاوتة لتعدد الباطل، والحق صورة واحدة، لوحدة الحق، بدلالة اللغة. وجه الاستنباط: من خلال قراءة كلمة (مكاناتكم) في علم القراءات، وأصل هذه الكلمة لا يجمع، لكن لنكتة جمعت، وهي أن الكفر مكانات متفاوتة لتعدد الباطل، والحق صورة واحدة، لوحدة الحق، وفي الحديث ((خط لنا رسول الله ﷺ خطا مربعا ثم خط وسطه خطا ثم خط حوله خطوطا وخط خطا خارجا من الخط فقال هذا الإنسان للخط الأوسط وهذا الأجل محيط به وهذه الأعراض للخطوط فإذا أخطأه واحد نهشه الآخر وهذا الأمل للخط الخارج)) (١). قال صاحب حجة القراءة: "قرأ أبو بكر (اعملوا على مكاناتكم) على الجمع في كل القرآن، وقرأ الباقون ﴿على مكانتكم﴾ أي على تمكنكم وأمركم وحالكم والتوحيد هو الاختيار لأن الواحد ينوب عن الجمع ولا ينوب الجمع عن الواحد قوله ﴿مكانتكم﴾ وزنه مفعلة من الكون والميم زائدة والألف منقلبة عن الواو من كان يكون مفعلة وقال قوم وزنه فعال مثل ذهاب والألف زائدة والميم أصلية والدليل على ذلك أن فعالا تجمعه على أفعلة تقول أمكنة ولو كان مفعلا لم يجمع على أفعلة" (٢). وقال ابن جرير: "وقرأ ذلك بعض الكوفيين: "عَلَى مَكَانَاتِكُمْ"، على جمع"المكانة"، قال أبو جعفر: والذي عليه قراء الأمصار: (عَلَى مَكَانَتِكُمْ)، على التوحيد" (٣). وقال ابن عطية: "وعَلى مَكانَتِكُمْ معناه على حالكم وطريقتكم، وقرأ أبو بكر عن عاصم «على مكاناتكم» بجمع المكانة في كل القرآن، وقرأ الجميع بالإفراد في كل القرآن" (٤). وقال الرازي: "قرأ أبو بكر عن عاصم: مكاناتكم بالألف على الجمع في كل القرآن والباقون مكانتكم قال الواحدي: والوجه الإفراد لأنه مصدر والمصادر في أكثر الأمر مفردة وقد تجمع أيضا في بعض الأحوال إلا أن الغالب هو الأول" (٥). وقال القرطبي: "وقرأ أبو بكر بالجمع "مكاناتكم"، والمكانة الطريقة، والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه فأنا أثبت على ما أنا عليه" (٦)، ومثله البيضاوي (٧).

стр. 338

وقال أبو حيان: "قرأ أبو بكر على مكاناتكم على الجمع حيث وقع فمن جمع قابل جمع المخاطبين بالجمع ومن أفرد فعلى الجنس والمكانة، مصدر مكن فالميم أصلية وبمعنى المكان، ويقال: المكان والمكانة مفعل ومفعلة من الكون فالميم زائدة فيحتمل أن يكون المعنى على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، قال معناه الزجاج، ويحتمل أن يكون المعنى على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، يقال: على مكانتك يا فلان إذا أمرته أن يثبت على حاله أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه" (١). [الجزاء عين العمل نكاية بهم وأن هلاكهم في قولهم وفعلهم] قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾ [سورة الأنعام: ١٣٩]. ٢٨. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وجعل الجزاء عين العمل قد تكرر في سورة أخرى وقدروا له كلمة جزاء أو ثواب وعقاب بناء على أن العمل هو ما يجازى عليه لا ما يجازى به، ولكن تعبير الكتاب لا يكون إلا لنكتة عالية في البلاغة، وهي عندنا الإيذان بأن الجزاء لما كان أثرا لما يحدثه العمل في النفس من تزكية أو تدسية كان كأنه عين العمل، فإن النفس تنعم أو تعذب بالصفة التي تطبعها فيها الأعمال" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان باليوم الآخر، في مسألة الجزاء عين العمل نكاية بهم، وأن هلاكهم في قولهم وفعلهم، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: اقتضاء الجزاء قائم على العمل، ومن جعل الجزاء عين العمل بناء على أن العمل هو ما يجازى عليه لا ما يجازى به، وذلك لما كان للجزاء أثر في النفس لتتزكى به، ومن هنا كان الجزاء عين العمل والنفس تنعم وتتطبع فيها الأعمال. وهذا معنى أضافه الشيخ، فإن الجزاء يكون من جنس العمل أي مثله في الوصف مع ما فيه من عقوبة، وأما الجزاء بنفس العمل فهو أن العمل الذي اختاروه وقرروه هو العقوبة التي وقعت عليهم، وهذا نكاية بهم، وبيان أنهم ضالون غارقون، لا يعلمون أن هلاكهم في قولهم وفعلهم. قال البيضاوي: "سيجزيهم وصفهم أي جزاء وصفهم الكذب على الله في التحريم والتحليل من قوله: وتصف ألسنتهم الكذب إنه حكيم عليم" (٣)، ومثله النسفي وأبو السعود والشوكاني (٤).

стр. 339

قال ابن سعدي: " ﴿سيجزيهم﴾ الله ﴿وصفهم﴾ حين وصفوا ما أحله الله بأنه حرام، ووصفوا الحرام بالحلال، فناقضوا شرع الله وخالفوه، ونسبوا ذلك إلى الله، ﴿إنه حكيم﴾ حيث أمهل لهم، ومكنهم مما هم فيه من الضلال" (١). قال ابن عاشور: "وجزاؤهم عنه هو جزاء سوء بقرينة المقام، لأنه سمى مزاعمهم السابقة افتراء على الله، وجعل الجزاء متعديا للوصف بنفسه على تقدير مضاف، أي: سيجزيهم جزاء وصفهم، ضمن سيجزيهم معنى يعطيهم، أي جزاء وفاقا له" (٢). [الأصل في المطعومات الحل إلا ما نص الدليل على تحريمه] قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥] ٢٩. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "الآية وردت بصيغة الحصر القطعي، فهي نص قطعي في حل ما عدا الأنواع الأربعة التي حصر التحريم بها فيها" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الأطعمة، في مسألة الأصل في المطعومات الحل إلا ما نص الدليل على تحريمه، بدلالة مفهوم المخالفة. وجه الاستنباط: دلت الآية على حصر المحرمات في هذه الأنواع الأربع، وعليه إباحة ما عداها من الأنواع، وهذا الأسلوب يتناسب مع وقت نزول القرآن، حيث إن هذه الآية نزلت بمكة في وقت يحتاج فيه لبيان الحلال والحرام فقط، ثم شرع في آية المائدة المدنية إلى مزيد من التفصيل في الأطعمة من حيث الحل والحرمة. وجاء في شرح الآية للشيخ مقارنتها بآية سورة النحل التي سردت فيها النعم ثم ما أنزل الله في سورة البقرة المؤكد لما في سورة النحل، حيث عبر في كل منهما عن الحصر (بإنما) على القاعدة لأن هذا الحصر كان معروفا ومقررا بآية الأنعام، وأنها هي أصل الشريعة المحكم فيما يحل ويحرم من الطعام، وهذا المعنى الذي قال به ابن عباس وغيره (٤). وأشار الإمام ابن جرير والبيضاوي، والنسفي والقرطبي، وابن سعدي إلى أن هذه الآية إعلام من الله للمشركين الذين جادلوا في تحريم الميتة وغيرها أن هذا بيد الله وهو وحده الذي يحلل ويحرم وليس بمجرد الهوى (٥).

стр. 340

قال الرازي: "إعلم أن هذه السورة مكية فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم) [النحل: ١١٥] وكلمة (إنما) تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضا أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله) [البقرة: ١٧٣] وكلمة (إنما) تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة: (إنما) تفيد الحصر فكلمة إنما في الآية المدنية مطابقة لقوله: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما إلا كذا وكذا في الآية المكية ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) [المائدة: ١] وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله: إلا ما يتلى عليكم هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل وهو قوله: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) [المائدة: ٣] وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر" (١). وقال السيوطي: "احتج به كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكور" (٢). قال الشوكاني: "أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحي إليه محرما غير هذه المذكورات، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها لولا أنها مكية" (٣). قال ابن عاشور: "والحصر المستفاد من النفي والاستثناء حقيقي بحسب وقت نزول هذه الآية. فلم يكن يومئذ من محرمات الأكل غير هذه المذكورات لأن الآية مكية ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة فزيد في المحرمات" (٤). [الفقر الواقع والفقر المتوقع علة للنهي ولتقديم ضمان الكاسب] قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ [سورة الأنعام: ١٥١]

стр. 341

٣٠. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "سيأتي في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [سورة الإسراء: ٣١] فقدم رزق الأولاد هنالك على رزق الوالدين - عكس ما هنا - لأنه متعلق بالفقر المتوقع في المستقبل الذي يكون الأولاد فيه كبارا كاسبين، وقد يصير الوالدون في حاجة إليهم لعجزهم عن الكسب بالكبر، ففرق في تعليل النهي في الآيتين بين الفقر الواقع والفقر المتوقع، فقدم في كل منهما ضمان الكاسب للإشارة إلى أنه تعالى جعل كسب العباد سببا للرزق خلافا لمن يزهدونهم في العمل بشبه كفالته تعالى لرزقهم" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة الفقر الواقع والفقر المتوقع علة للنهي ولتقديم ضمان الكاسب، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: بعد أن أمر الله ببر الوالدين والإحسان إليهما، عطف عليه النهي عن قتل الولد خشية الفقر الواقع من جهة الوالدين، وأنه لايسوغ لهما قتل ولدهما لأن الله هو الرزاق لكم ولهم، وأن النهي في سورة الإسراء متعلق بالفقر المتوقع في المستقبل، وأنه لا مبرر له لأن هؤلاء الأبناء يكونون في المستقبل أهلا للعمل والتكسب، فالقتل لهذه العلة منتفٍ، وفي كلا الأمرين إقرار بإفراد الله بالرزق والمجازاة عليه. وهذا المعنى لم يشر إليه أحد، بل كانت عباراتهم في بيان النهي عن القتل، وسببه وأن رزق العباد على مولاهم وخالقهم. ومن ذلك ما قاله ابن جرير: "يعني تعالى ذكره بقوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، ولا تئدوا أولادكم فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم، فإن الله هو رازقكم وإياهم، ليس عليكم رزقهم، فتخافوا بحياتهم على أنفسكم العجزَ عن أرزاقهم وأقواتهم" (٢)، ومثله البغوي، والقرطبي (٣). وقال الرازي: "قوله: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق أي من خوف الفقر وقد صرح بذكر الخوف في قوله: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [الإسراء: ٣١]، والمراد منه النهي عن الواد إذا كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم خوف الفقر وهو السبب الغالب فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله: نحن نرزقكم وإياهم لأنه تعالى إذا كان متكفلا برزق الوالد والولد فكما وجب على الوالدين تبقية النفس والاتكال في رزقها على الله فكذلك القول في حال الولد" (٤).

стр. 342

قال البيضاوي: " (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) من أجل فقر ومن خشيته، كقوله: خشية إملاق نحن نرزقكم وإياهم منع لموجبية ما كانوا يفعلون لأجله واحتجاج عليه" (١). قال أبو حيان: "ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم من هنا سببية أي من فقر لقوله خشية إملاق، وقتل الولد حرام إلا بحقه وإنما ذكر هذا السبب لأنه كان العلة في قتل الولد عندهم، وبين تعالى أنه هو الرازق لهم ولأولادهم وإذا كان هو الرازق فكما لا تقتل نفسك كذلك لا تقتل ولدك. ولما أمر تعالى بالإحسان إلى الوالدين نهى عن الإساءة إلى الأولاد ونبه على أعظم الإساءة للأولاد هو إعدام حياتهم بالقتل خوف الفقر، وجاء التركيب هنا نحن نرزقكم وإياهم، وفي الإسراء نحن نرزقهم وإياكم، فيمكن أن يكون ذلك من التفنن في الكلام ويمكن أن يقال في هذه الآية جاء من إملاق فظاهره حصول الإملاق للوالد لا توقعه، وخشيته وإن كان واجدا للمال فبدأ أولا بقوله: نحن نرزقكم خطابا للآباء وتبشيرا لهم بزوال الإملاق وإحالة الرزق على الخلاق الرزاق، ثم عطف عليهم الأولاد. وأما في الإسراء فظاهر التركيب أنهم موسرون وأن قتلهم إياهم إنما هو لتوقع حصول الإملاق والخشية منه فبدئ فيه بقوله: نحن نرزقهم إخبارا بتكفله تعالى برزقهم فلستم أنتم رازقيهم وعطف عليهم الآباء وصارت الآيتان مفيدتان معنيين. أحدهما: أن الآباء نهوا عن قتل الأولاد مع وجود إملاقهم. والآخر: أنهم نهوا عن قتلهم وإن كانوا موسرين لتوقع الإملاق وخشيته وحمل الآيتين على ما يفيد معنيين أولى من التأكيد" (٢). ومثله عند ابن كثير وزاد عليه: "بدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم، فرزقهم على الله. وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلا قال: ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾؛ لأنه الأهم هاهنا" (٣). وقال ابن سعدي: " ﴿ولا تقتلوا أولادكم﴾ من ذكور وإناث ﴿من إملاق﴾ أي: بسبب الفقر وضيقكم من رزقهم، كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية الظالمة، وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال، وهم أولادهم، فنهيهم عن قتلهم لغير موجب، أو قتل أولاد غيرهم، من باب أولى وأحرى، ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾ أي: قد تكفلنا برزق الجميع، فلستم الذين ترزقون أولادكم، بل ولا أنفسكم، فليس عليكم منهم ضيق" (٤).

стр. 343

[الوصايا الخمس مصالح مؤكدة بالنظر العقلي] قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ [سورة الأنعام: ١٥١] ٣١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: " (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) الإشارة إلى الوصايا الخمس التي تليت في هذه الآية، واللام فيها للدلالة على بعد مدى ما تدل عليه الوصايا المشار إليها من الحكم والأحكام والمصالح الدنيوية والأخروية أو بعدها عن متناول أوضاع الجهل والجاهلية ولا سيما مع الأمية، أي وصاكم الله بذلك لما فيه من إعدادكم وباعث الرجاء في أنفسكم لأن تعقلوا ما فيه الخير والمنفعة في ترك ما نهى عنه وفعل ما أمر به؛ فإن ذلك مما تدركه العقول الصحيحة بأدنى تأمل، وفيه دليل على الحسن الذاتي وإدراك العقول له بنظرها، وإذا هي عقلت ذلك كان عاقلا لها ومانعا من المخالفة، وفيه تعريض بأن ما هم عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها، مما لا تعقل له فائدة، ولا تظهر للأنظار الصحيحة فيه مصلحة" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب الاستدلال، في مسألة إعمال العقل، والنظر في هذه الوصايا الخمس وما تفضي إليه من المصالح الدينية والدنيوية، بدلالة الإشارة. وجه الاستنباط: الناظر لهذه الوصايا الخمس في الآية بنظر العقل المجرد الصحيح، لتفهم وعقل الغايات والمصالح الدنيوية والدينية منها، وأكد ذلك المعنى بالتعريض بالمشركين الذين حرموا على أنفسهم ما أحل الله اتباعا لشياطينهم، وإغفالهم لعقولهم، فهم بهذا فقدوا عقولهم في هذه الأعمال فحرموا ما أحل الله لهم بأمر من الشياطين. قال الرازي: "فقال: ذلكم وصاكم به لما في هذه اللفظة من اللطف والرأفة وكل ذلك ليكون المكلف أقرب إلى القبول ثم أتبعه بقوله: لعلكم تعقلون أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا" (٢).

стр. 344

قال البيضاوي: "وصاكم به بحفظه، لعلكم تعقلون ترشدون فإن كمال العقل هو الرشد" (١). قال أبو حيان: "ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون أشار إلى جميع ما تقدم وفي لفظ وصاكم من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من الإحسان، ولما كان العقل مناط التكليف قال تعالى: لعلكم تعقلون أي فوائد هذا التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا والوصاة الأمر المؤكد المقرر" (٢). قال أبو السعود: " ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى ما ذكر من التكاليف الخمسة وما في ذلك من معنى البعد للإيذان بعلو طبقاتها من بين التكاليف الشرعية وهو مبتدأ وقوله تعالى ﴿وصاكم به﴾ أي أمركم به ربكم أمرا مؤكدا خبره والجملة استئناف جيء به تجديدا للعهد وتأكيدا لإيجا بالمحافزظة على ما كلفوه ولما كانت الأمور المنهي عنها مما تقضي بديهة العقول بقبيحها فصلت الآية الكريمة بقوله تعالى ﴿لعلكم تعقلون﴾ أي تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة" (٣)، ومثله ابن عاشور (٤) وزاد: "وقوله: لعلكم تعقلون رجاء أن يعقلوا، أي يصيروا ذوي عقول لأن ملابسة بعض هذه المحرمات ينبئ عن خساسة عقل، بحيث ينزل ملابسوها منزلة من لا يعقل، فلذلك رجي أن يعقلوا". قال السعدي: " ﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عن الله وصيته، ثم تحفظونها، ثم تراعونها وتقومون بها. ودلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به" (٥). وجاء في بحث استنباطات السعدي: "أن الله بعد أن بين هذه المحرمات بين أن العقل يدل على النفور منها وأن في استخدام العقل كفاية في بيان حرمتها وعدم الوقوع فيها لتمييز العقل بين الضار والنافع، فأخذ من عموم المعنى ان المتمثل لأمر الله صاحب عقل وعلى قدر امتثاله يكون عقله" (٦). [النهي عن قرب مال اليتيم قطعٌ لشبهات المتأولين والطامعين فيه] قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ١٥٢]

стр. 345

٣٢. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والنهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه، لأنه يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل التي تؤدي إليه وتوقع فيه، وعن الشبهات التي تحتمل التأويل فيه، فيحذرها التقي إذ يعدها هضما لحق اليتيم، ويقتحمها الطامع إذ يراها بالتأويل مما يحل له لعدم ضررها باليتيم، أو لرجحان نفعها له على ضررها، كأن يأكل من ماله شيئا بوسيلة له فيه ربح من جهة أخرى في عمل لولاه لم يربح ولم يخسر" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب حفظ المال، في مسألة النهي عن قرب مال اليتيم قطعٌ لشبهات المتأولين والطامعين فيه، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: دلالة لفظ النهي عن الاقتراب من مال اليتيم أولى من النهي عن أكله، إلا ما فيه تثميره وصلاحه، فهي دافعه لشبهات المتأولين أو الطامعين فيه. وأشار بعض المفسرين إلى هذا فقال ابن عطية: "هذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى ما يحسن وهو التثمير والسعي في نمائه، قال مجاهد: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ التجارة فيه ممن كان من الناظرين له مال يعيش به، فالأحسن إذا ثمر مال يتيم ألا يأخذ منه نفقة ولا أجرة ولا غيرها من كان من الناظرين لا مال له ولا يتفق له" (٢)، ومثله أبو حيان (٣). قال أبو السعود: " ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ توجيه النهي إلى قربانه لما مر من المبالغة في النهي عن أكله ولإخراج القربان النافع عن حكم النهي بطريق الاستثناء أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه" (٤). [التوحيد والعدل قاعدةٌ أساس في الإصلاح البشري وفي هدم الوثنية] قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [سورة الأنعام: ١٦٤] ٣٣. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "وهي قاعدة من أصول دين الله تعالى الذي بعث به جميع رسله كما قال في سورة النجم: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [سورة النجم: ٣٦ - ٣٩]، وهي من أعظم أركان الإصلاح للبشر في أفرادهم وجماعاتهم، لأنها هادمة لأساس الوثنية، وهادية للبشر إلى ما تتوقف عليه سعادتهم الدنيوية والأخروية" (٥).

стр. 346

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب مقاصد الشريعة، في مسألة التوحيد والعدل قاعدةٌ أساس في الإصلاح البشري وفي هدم الوثنية، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: هذه الآية قاعدة من أصول الدين، ومن أعظم أركان الإصلاح للبشر، لأنها قائمة على العدل وليس فيها ظلم وجور، وهو بهذا يوظف القواعد الشرعية توظيفا اجتماعيا، وهذا مطالب به حتى يصلح حال المجتمع. قال ابن جرير: " (ولا تكسب كل نفس إلا عليها)، يقول: ولا تجترح نفس إثمًا إلا عليها، أي: لا يؤخذ بما أتت من معصية الله ﵎، وركبت من الخطيئة، سواها، بل كل ذي إثم فهو المعاقب بإثمه والمأخوذ بذنبه (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، يقول: ولا تأثم نفس آثمة بإثم نفس أخرى غيرها، ولكنها تأثم بإثمها، وعليه تعاقب، دون إثم أخرى غيرها. وإنما يعني بذلك المشركين الذين أمرَ الله نبيه ﷺ أن يقول هذا القول لهم. يقول: قل لهم: إنا لسنا مأخوذين بآثامكم، وعليكم عقوبة إجرامكم، ولنا جزاء أعمالنا" (١). قال القرطبي: "قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها" (٢)، ومثله أبو حيان (٣). وقال أبو السعود: "كانوا يقولون للمسلمين اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم، إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم، وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا، فهذا رد له بالمعنى الأول أي لا تكون جناية نفس من النفوس إلا عليها ومحال أن يكون صدورها عن شخص وقرارها على شخص آخر حتى يتأتى ما ذكرتم وقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ رد له بالمعنى الثاني أي لا تحمل يومئذ نفس حاملة حمل نفس أخرى حتى يصح قولكم" (٤)، وذكر ذلك القاسمي (٥)، ثم أضاف تنبيها، فقال: "تنبيه: قال السيوطي في (الإكليل): هذه الآية أصل في أنه لا يؤاخذ أحد بفعل أحد". قال الشوكاني: "قوله: ولا تكسب كل نفس إلا عليها أي لا يؤاخذ مما أتت من الذنب وارتكبت من المعصية سواها، فكل كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها (٦)، وبنحوه قال ابن سعدي (٧).

стр. 347

[هلاك الأمم وخلافتهم لبعض وتمييز الله لهم بالنعم سنن مقررة للتوحيد وهادمة لقواعد الشرك] قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [سورة الأنعام: ١٦٥] ٣٤. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "هذه الآية مبينة لبعض أحوال البشر التي نعبر عنها في عرف هذا العصر بالسنن الاجتماعية"، وزاد: "فهذه الهداية الاجتماعية مقررة لعقيدة التوحيد وهادمة لقواعد الشرك التي اعتادها الناس" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة سنن الله الكونية، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: من دلائل قدرة الله الكونية وسننه، إهلاكه للأمم السابقة وإحلاله فئات من الناس خلفا وخلقا جديدا، وتمييزهم بالنعم للابتلاء والتمحيص. وأشار ﵀ إلى دلالة التوحيد على قواعد علم الاجتماع، وأن هذا مبني على قاعدة توحيد الله وهادم للشرك بكل صوره، فهذه الهداية الاجتماعية مقررة لعقيدة التوحيد وهادمة لقواعد الشرك، التي هي عبارة عن اتكال الناس واعتمادهم على ما اتخذوا بينهم وبين ربهم من الوسطاء ليقربوهم إليه ويشفعوا لهم عنده فيما يطلبون من نفع ودفع ضر كما تقدم شرحه; ولهذا ترى هؤلاء المشركين من حيث يشعرون أو لا يشعرون أشقى الناس وأبعدهم عن نيل مآربهم، وترى خصومهم دائما ظافرين بهم" (٢). وهذا مما تفرد به ﵀ فيما وقفت عليه، حيث أن جل المفسرين بينوا المعنى العام لمعنى الاستخلاف، كما قال ابن جرير: "قال تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وأمته: والله الذي جعلكم، أيها الناس، (خلائفَ الأرض)، بأن أهلك مَنْ كان قبلكم من القرون والأمم الخالية، واستخلفكم، فجعلكم خلائف منهم في الأرض، تخلفونهم فيها، وتعمرُونها بعدَهم" (٣)، ومثله البغوي (٤). وقال الزمخشري: "جعلكم خلائف الأرض لأن محمدا ﷺ خاتم النبيين فحلفت أمته سائر الأمم. أو جعلهم يخلف بعضهم بعضا. أو هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها ورفع بعضكم فوق بعض درجات في الشرف والرزق ليبلوكم في ما آتاكم من نعمة المال والجاه، كيف تشكرون تلك النعمة، وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والحر بالعبد، والغنى بالفقير إن ربك سريع العقاب لمن كفر نعمته وإنه لغفور رحيم لمن قام يشكرها" (٥)، ومثله الرازي، والبيضاوي، والنسفي، والقرطبي (٦) وغيرهم.

стр. 348

استنباطات سورة الأعراف [السكن حق على الرجل والمرأة تابعة له فيه وبهذا تحقق القوامة] قال تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [سورة الأعراف: ١٩] ١. قال الشيخ محمد رشيد ﵀: "والآية ترشد إلى أن المرأة تابعة للرجل في السكنى والمعيشة باقتضاء الفطرة، وهو الحق الواقع الذي يعد ما خالفه شذوذا" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب النكاح، في مسألة السكن حق على الرجل والمرأة تابعة له فيه وبهذا تحقق القوامة، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: أرشدت الآية إلى أن المرأة تابعة لزوجها في مكان إقامته، ومن خلاله يتمكن من أداء واجبه في القوامة عليها، وهذا حق كفلته الشريعة الإسلامية للمرأة المسلمة، وهو من مقتضيات الفطر السليمة، ولا ينادي بخلافه إلا منتكس الفطرة، صاحب الهوى والشذوذ. وقد أشار بعض المفسرين إلى معنى السكن ولم يتطرقوا إلى أنه حق على الرجل وأن المرأة تابعة له فيه، وممن قال بذلك البيضاوي حيث قال: " (قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) السكنى من السكون لأنها استقرار ولبث، وأنت تأكيد أكد به المستكن ليصح العطف عليه، وإنما لم يخاطبهما أولا تنبيها على أنه المقصود بالحكم والمعطوف عليه تبع له" (٢). وقال أبو السعود: " ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ هو من السكن الذي هو عبارة عن اللبث والاستقرار والإقامة لا من السكون الذي هو ضد الحركة وأنت ضمير أكد به المستكن ليصح العطف عليه والفاء في قوله تعالى ﴿فكلا من حيث شئتما﴾ لبيان المراد مما في سورة البقرة من قوله تعالى وكلا منها رغدا حيث شئتما من أن ذلك كان جمعا مع الترتيب وقوله تعالى من حيث شئتما في معنى منها حيث شئتما ولم يذكر ههنا رغدا ثقة بما ذكر هناك وتوجيه الخطاب إليهما لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به فإن حواء أسوة له ﵇ في حق الأكل بخلاف السكن فإنها تابعة له فيه ولتعليق النهي بها صريحا في قوله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ " (٣). بينما قال ابن عطية: "اسْكُنْ معناه لازم الإقامة، ولفظه لفظ الأمر ومعناه الإذن، وأَنْتَ تأكيد للضمير الذي في اسْكُنْ، وَزَوْجُكَ عطف عليه والزوج امرأة الرجل وهذا أشهر من زوجة" (٤)، ومثله القرطبي (٥).

стр. 349

وزاد الألوسي: "والأمر يحتمل أن يكون للإباحة (كاصطادوا) وأن يكون للوجوب كما أن النهي فيما بعد للتحريم وإيثاره على (اسكنا) للتنبيه على أنه ﵇ المقصد بالحكم في جميع الأوامر وهي تبع له كما أنها في الخلقة كذلك" (١). [عدم اجتناب ما نهى الله عنه يورث إلفه وحبه والتعلق به] قال تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [سورة الأعراف: ١٩] ٢. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "عند قوله: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، النهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه كما بيناه في تفسير: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) [سورة البقرة: ١٨٧]، فهو يقتضي البعد عن موارد الشبهات التي تغري به وتفضي إليه ورعا واحتياطا" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب صيغ النهي، في مسألة عدم اجتناب ما نهى الله عنه يورث إلفه وحبه والتعلق به، بدلالة صيغة المبالغة. وجه الاستنباط: دل النهي عن الاقتراب من المنهي عنه على المبالغة في تحريم الأكل، ووجوب اجتناب ما نهى الله عنه، وأن هذا القرب قد يفضي إلى الألفة والمحبة والإعتياد، فيجر إلى الانسياق في الشبهات، فمن باب سد الذرائع نهى عن مجرد الاقتراب فما بالك بالوقوع في الأمر المنهي عنه. قال ابن عطية: "قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ معناه لا تقرباها بأكل، لأن الإباحة فيه وقعت. قال بعض الحذاق: «إن الله لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظة تقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب»، قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: وهذا مثال بين في سد الذرائع" (٣)، ومثله ابن عاشور (٤)، ونقل قول ابن عطية القرطبي (٥)، وزاد البيضاوي فقال: "فينبغي أن لا يحوما حول ما حرم الله عليهما مخافة أن يقعا فيه، وجعله سببا لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخل بالكرامة والنعيم" (٦).

стр. 350

قال الرازي: "قوله: (ولا تقربا هذه الشجرة) يفيد بفحواه النهي عن الأكل، وهذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب، وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى، وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع: (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما) [الأعراف: ٢٢] ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال: (وكلا منها رغدا حيث شئتما) فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة" (١). قال الألوسي: " (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) ظاهر هذا النهي التحريم، والمنهي عنه الأكل من الشجرة، إلا أنه سبحانه نهى عن قربانها مبالغة، ولهذا جعل جل شأنه العصيان المرتب على الأكل مرتبا عليه، وعدل عن فتأثما إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على الكبائر، ولم يكتف بأن يقول: ظالمين، بل قال: مِنَ الظَّالِمِينَ بناء على ما ذكروا أن قولك: زيد من العالمين، أبلغ من زيد عالم لجعله غريقا في العلم أبا عن جد، وإن قلنا بأن فَتَكُونا دالة على الدوام ازدادت المبالغة، ومن الناس من قال: لا تقرب -بفتح الراء- نهي عن التلبس بالشيء -وبضمها- بمعنى لا تدن منه" (٢). قال القاسمي: "وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب عنه، لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء تعمي وتصم، فلا يرى قبيحا، ولا يسمع نهيا، فيقع، والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به، وعلى ذلك قوله ﷺ : «العينان تزنيان» لما كان النظر داعيا إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك مفض لارتكابه، فصار النظر مبدأ الزنا، وعلى هذا قوله تعالى: (ولا تقربوا الزنى) [الإسراء: ٣٢]، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" (٣). قال ابن عثيمين: "إن الله تعالى قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾؛ ووجه ذلك أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها، أنه قد يُنهى عن قربان الشيء والمراد النهي عن فعله؛ للمبالغة في التحذير منه؛ فإن قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾، المراد: لا تأكلا منها، لكن لما كان القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نُهي عن قربها" (٤).

стр. 351

[دلالة النقل والعقل على التحسين والتقبيح العقلي] قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سورة الأعراف: ٢٨] ٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "فهذا القول تكذيب لهم من طريقي العقل والنقل، أما الأول فتقريره أن هذا الفعل لا خلاف بينكم وبيننا في أنه من الفحشاء أي أقبح القبائح، والله تعالى منزه بكماله المطلق الذي لا شائبة للنقص فيه أن يأمر بالفحشاء، وإنما الذي يأمر بها هو الشيطان الذي هو مجمع النقائص كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [سورة البقرة: ٢٦٨] وهذا حجة على من ينكر الحسن والقبح العقلي في الأحكام الشرعية لأجل مخالفة من توسعوا في تحكيم العقل في ذلك، وأما طريق النقل فهو أن ما يسند إلى الله تعالى من أمر ونهي لا يثبت بمجرد الدعوى بل يجب أن يعلم بوحي منه تعالى إلى رسول من عنده ثبتت رسالته بتأييده تعالى له بالآيات البينات" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب طرق الاستدلال، في مسألة دلالة النقل والعقل على التحسين والتقبيح العقلي، بدلالة النص. وجه الاستنباط: دلت الآية على الطريقة الصحيحة لتفنيد كذب وافتراءات وأدلة أصحاب الفواحش وادعاءاتهم الباطلة، وذلك بطريقي دلالة العقل والنقل؛ فالعقل يستحيل عليه أن يستحسن أن الله يأمر بالفحشاء أو يقبل بها، لأن الله منزه بكماله المطلق ولا يمكن أن يأمر بهذا الأمر القبيح، وأيضا ليس لديهم دليل نقلي معتمد على الكتاب أو السنة يعتمدون عليه، وإنما هو مجرد تقليد لآبائهم في فعل هذه الفواحش، وفي هذا رد على من أنكر التحسين والتقبيح العقلي. وقد ذكر بعض المفسرين المعنى العام للآية، وأنهم لا دليل لهم، ولم يتطرقوا لدلالة العقل والنقل عليها، ومنم ابن جرير حيث قال: "يقول الله جل ذكره لنبيه ﷺ : (قل)، يا محمد، لهم: (إن الله لا يأمر بالفحشاء)، يقول: لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومساويها (أتقولون) أيها الناس، (على الله ما لا تعلمون)، يقول: أتروون على الله أنه أمركم بالتعرِّي والتجرد من الثياب واللباس للطواف، وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك" (٢).

стр. 352

قال البيضاوي: "وإذا فعلوا فاحشة فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف، قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها! اعتذروا واحتجوا بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله ، فأعرض عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: قل إن الله لا يأمر بالفحشاء لأن عادته جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، والحث على مكارم الخصال، ولا دلالة عليه على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلا عقلي، فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم، وقيل هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل ومن أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها، وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقا، أتقولون على الله ما لا تعلمون إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى" (١)، ومثله أبو السعود (٢). قال الزمخشري: "إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم وبأن الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها، وكلاهما باطل من العذر، لأن أحدهما تقليد والتقليد ليس بطريق العلم، والثاني افتراء على الله وإلحاد في صفاته، كانوا يقولون: لو كره الله منا ما نفعله لنقلنا عنه، وقيل: إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله، وتصديقه قول الله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء لأن فعل القبيح مستحيل عليه لعدم الداعي ووجود الصارف، فكيف يأمر بفعله أتقولون على الله ما لا تعلمون إنكار لإضافتهم القبيح إليه وشهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط" (٣)، ومثله الرازي (٤). قال القرطبي: " (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) بين أنهم متحكمون، ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا، وقد مضى ذم التقليد وذم كثير من جهالاتهم، وهذا منها" (٥)، ومثله النسفي وأبو حيان (٦).

стр. 353

[اللباس مقصد شرعي زينة وسترا في الصلاة وغيرها] قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [سورة الأعراف: ٣١] ٤. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "هذا الأمر بالزينة عند كل مسجد -لا المسجد الحرام وحده- أصل من أصول الإصلاح الدينية والمدنية يعرف بعض قيمته مما روي في سبب نزول هذه الآيات، وإنما يعرفها حق المعرفة من قرأ تواريخ الأمم والملل، وعلم أن أكثر المتوحشين الذين يعيشون في الحرجات والغابات أفرادا وجماعات يأوون إلى الكهوف والمغارات، والقبائل الكثيرة في بعض جزائر البحار وجبال إفريقية، كلهم يعيشون عراة الأجسام نساء ورجالا، وأن الإسلام ما وصل إلى قوم منهم إلا وعلمهم لبس الثياب بإيجابه للستر وللزينة إيجابا شرعيا" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب اللباس والزينة، في مسألة اللباس مقصد شرعي زينة وسترا في الصلاة وغيرها، بدلالة الإشارة. وجه الاستنباط: أخذ من الأمر بالزينة عند المساجد، الأمر بالزينة في كل نواحي الحياة، وأن هذا من باب الرقي والستر والزينة سواء كان في الصلاة أو في غيرها، وهذا أصل من أصول علم الاجتماع، ومن علامات الرقي، ومقصد أساسي للإصلاح الاجتماعي. وقد وافق ابن سعدي الشيخ رشيد في أن اللباس زينة للبدن حيث قال: " ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، أي: استروا عوراتكم عند الصلاة كلها، فرضها ونفلها، فإن سترها زينة للبدن، كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها" (٢). وقد أشار معظم المفسرين إلى حكم اللباس وخاصة عند الصلاة أو العبادات، ومن ذلك قول الإمام البغوي: "قال أهل التفسير: كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، يعني: الثياب، قال مجاهد: ما يواري عورتك ولو عباءة، قال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف وصلاة" (٣). وقال الرازي: "قوله: خذوا زينتكم عند كل مسجد يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعا فبقي الباقي داخلا تحت اللفظ وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة وجب أن تفسد الصلاة عند تركه لأن تركه يوجب ترك المأمور به وترك المأمور به معصية والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول" (٤)، ومثله أبو حيان (٥).

стр. 354

وقال أبو السعود: " ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم﴾ أي ثيابكم لمواراة عورتكم ﴿عند كل مسجد﴾ أي طواف أو صلاة ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة" (١)، وكذا الشوكاني (٢). [النهي عن الاسراف دعوة إلى الاعتدال في أمور الحياة] قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [سورة الأعراف: ٣١] ٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) وهذا الأمر المقيد بما عطف عليه من النهي إرشاد عال أيضا فيه صلاح للبشر في دينهم ومعاشهم ومعادهم، لا يستغنون عنه في وقت من الأوقات ولا عصر من الأعصار" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب القصد في الأمور، في مسألة النهي عن الاسراف دعوة إلى الاعتدال في أمور الحياة، بدلالة صريح الأمر والإباحة والتقييد والنهي. وجه الاستنباط: الأمر في الآية للإباحة، وعطف عليه النهي المقيد بعدم الإسراف، ليبين أن الاعتدال في المأكل والمشرب وعدم الإسراف فيهما، أنه من أسباب الصلاح والرقي الاجتماعي، وأن الاقتصاد والاعتدال في كل أمور الحياة دخل تحت هذه القاعدة المصلحة للبشرية في كل عصر. قال ابن عطية: "يريد في الحلال القصد، واللفظ يقتضي النهي عن السرف مطلقا فمن تلبس بفعل حرام فتأول تلبسه به حصل من المسرفين وتوجه النهي عليه، ومن تلبس بفعل مباح فإن مشى فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن، وإن أفرط حتى دخل الضرر حصل أيضا من المسرفين وتوجه النهي عليه" (٤)، ونقل ذلك أبو حيان (٥). وقال البيضاوي: "ولا تسرفوا بتحريم الحلال، أو بالتعدي إلى الحرام، أو بإفراط الطعام والشره عليه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، وقال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطب في نصف آية فقال: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) " (٦) ونقل عن البغوي مثله (٧)، وكذا الزمخشري، والنسفي، والقرطبي (٨)، وبنحوه عند ابن سعدي (٩) ..

стр. 355

وقال ابن عاشور: "وقد قيل إن هذه الآية جمعت أصول حفظ الصحة من جانب الغذاء، فالنهي عن السرف نهي إرشاد لا نهي تحريم بقرينة الإباحة اللاحقة في قوله: (قل من حرم زينة الله) إلى قوله (والطيبات من الرزق) [الأعراف: ٣٢]، ولأن مقدار الإسراف لا ينضبط فلا يتعلق به التكليف، ولكن يوكل إلى تدبير الناس مصالحهم، وهذا راجع إلى معنى القسط الواقع في قوله سابقا: (قل أمر ربي بالقسط) [الأعراف: ٢٩] فإن ترك السرف من معنى العدل" (١). [تحقق دخول الجنة بالتعبير بالماضي عن المستقبل لدلالة تحقق الوقوع] قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ [سورة الأعراف: ٤٤]. ٦. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "التعبير بالماضي عن المستقبل معهود في الأساليب العربية البليغة، وأشهر نكته جعل المستقبل في تحقق وقوعه كالذي وقع بالفعل" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان باليوم الآخر، في مسألة تحقق دخول الجنة بالتعبير بالماضي عن المستقبل لدلالة تحقق الوقوع، بدلالة السياق. وجه الاستنباط: دلت الآية على أمر غيبي مستقبل وهو دخول الجنة، والتعبير عنه بصيغة الماضي لبيان تحقق وقوع السعادة الكاملة لأهل الجنة، وإيقاع الحزن في قلوب أعدائهم، واجتماع أصحاب الجنة في الجنة وأصحاب النار في النار، وحدوث هذا الحوار بينهم، وهذا فيه ترغيب وترهيب. وممن أشار إلى هذا ابن عطية حيث قال: "هذا إخبار من الله عما يكون منهم، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما يحقق وقوعه" (٣)، وكذا أبو حيان (٤). وقال الرازي: "فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقا؟ والغرض من هذا السؤال إظهار أنه وصل إلى السعادات الكاملة وإيقاع الحزن في قلب العدو" (٥). وقال أبو السعود عند تفسير قوله تعالى: ﴿قالوا لا علم لنا﴾، قال: " ﴿قالوا﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل فماذا يقول الرسل ﵈ هنالك فقيل يقولون ﴿لا علم لنا﴾ وصيغة الماضي للدلالة على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة أصحاب الأعراف" (٦).
следующие страницы →