← Тафсир

Тафсир · id 841

استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره

رقية بنت محمد بن سالم باقيس

Полный текст (435 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

[دلالة النقل والعقل على التحسين والتقبيح العقلي] قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سورة الأعراف: ٢٨] ٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "فهذا القول تكذيب لهم من طريقي العقل والنقل، أما الأول فتقريره أن هذا الفعل لا خلاف بينكم وبيننا في أنه من الفحشاء أي أقبح القبائح، والله تعالى منزه بكماله المطلق الذي لا شائبة للنقص فيه أن يأمر بالفحشاء، وإنما الذي يأمر بها هو الشيطان الذي هو مجمع النقائص كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [سورة البقرة: ٢٦٨] وهذا حجة على من ينكر الحسن والقبح العقلي في الأحكام الشرعية لأجل مخالفة من توسعوا في تحكيم العقل في ذلك، وأما طريق النقل فهو أن ما يسند إلى الله تعالى من أمر ونهي لا يثبت بمجرد الدعوى بل يجب أن يعلم بوحي منه تعالى إلى رسول من عنده ثبتت رسالته بتأييده تعالى له بالآيات البينات" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب طرق الاستدلال، في مسألة دلالة النقل والعقل على التحسين والتقبيح العقلي، بدلالة النص. وجه الاستنباط: دلت الآية على الطريقة الصحيحة لتفنيد كذب وافتراءات وأدلة أصحاب الفواحش وادعاءاتهم الباطلة، وذلك بطريقي دلالة العقل والنقل؛ فالعقل يستحيل عليه أن يستحسن أن الله يأمر بالفحشاء أو يقبل بها، لأن الله منزه بكماله المطلق ولا يمكن أن يأمر بهذا الأمر القبيح، وأيضا ليس لديهم دليل نقلي معتمد على الكتاب أو السنة يعتمدون عليه، وإنما هو مجرد تقليد لآبائهم في فعل هذه الفواحش، وفي هذا رد على من أنكر التحسين والتقبيح العقلي. وقد ذكر بعض المفسرين المعنى العام للآية، وأنهم لا دليل لهم، ولم يتطرقوا لدلالة العقل والنقل عليها، ومنم ابن جرير حيث قال: "يقول الله جل ذكره لنبيه ﷺ : (قل)، يا محمد، لهم: (إن الله لا يأمر بالفحشاء)، يقول: لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومساويها (أتقولون) أيها الناس، (على الله ما لا تعلمون)، يقول: أتروون على الله أنه أمركم بالتعرِّي والتجرد من الثياب واللباس للطواف، وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك" (٢).

стр. 352

قال البيضاوي: "وإذا فعلوا فاحشة فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف، قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها! اعتذروا واحتجوا بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله ، فأعرض عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: قل إن الله لا يأمر بالفحشاء لأن عادته جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، والحث على مكارم الخصال، ولا دلالة عليه على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلا عقلي، فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم، وقيل هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل ومن أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها، وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقا، أتقولون على الله ما لا تعلمون إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى" (١)، ومثله أبو السعود (٢). قال الزمخشري: "إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم وبأن الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها، وكلاهما باطل من العذر، لأن أحدهما تقليد والتقليد ليس بطريق العلم، والثاني افتراء على الله وإلحاد في صفاته، كانوا يقولون: لو كره الله منا ما نفعله لنقلنا عنه، وقيل: إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله، وتصديقه قول الله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء لأن فعل القبيح مستحيل عليه لعدم الداعي ووجود الصارف، فكيف يأمر بفعله أتقولون على الله ما لا تعلمون إنكار لإضافتهم القبيح إليه وشهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط" (٣)، ومثله الرازي (٤). قال القرطبي: " (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) بين أنهم متحكمون، ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا، وقد مضى ذم التقليد وذم كثير من جهالاتهم، وهذا منها" (٥)، ومثله النسفي وأبو حيان (٦).

стр. 353

[اللباس مقصد شرعي زينة وسترا في الصلاة وغيرها] قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [سورة الأعراف: ٣١] ٤. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "هذا الأمر بالزينة عند كل مسجد -لا المسجد الحرام وحده- أصل من أصول الإصلاح الدينية والمدنية يعرف بعض قيمته مما روي في سبب نزول هذه الآيات، وإنما يعرفها حق المعرفة من قرأ تواريخ الأمم والملل، وعلم أن أكثر المتوحشين الذين يعيشون في الحرجات والغابات أفرادا وجماعات يأوون إلى الكهوف والمغارات، والقبائل الكثيرة في بعض جزائر البحار وجبال إفريقية، كلهم يعيشون عراة الأجسام نساء ورجالا، وأن الإسلام ما وصل إلى قوم منهم إلا وعلمهم لبس الثياب بإيجابه للستر وللزينة إيجابا شرعيا" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب اللباس والزينة، في مسألة اللباس مقصد شرعي زينة وسترا في الصلاة وغيرها، بدلالة الإشارة. وجه الاستنباط: أخذ من الأمر بالزينة عند المساجد، الأمر بالزينة في كل نواحي الحياة، وأن هذا من باب الرقي والستر والزينة سواء كان في الصلاة أو في غيرها، وهذا أصل من أصول علم الاجتماع، ومن علامات الرقي، ومقصد أساسي للإصلاح الاجتماعي. وقد وافق ابن سعدي الشيخ رشيد في أن اللباس زينة للبدن حيث قال: " ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، أي: استروا عوراتكم عند الصلاة كلها، فرضها ونفلها، فإن سترها زينة للبدن، كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها" (٢). وقد أشار معظم المفسرين إلى حكم اللباس وخاصة عند الصلاة أو العبادات، ومن ذلك قول الإمام البغوي: "قال أهل التفسير: كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، يعني: الثياب، قال مجاهد: ما يواري عورتك ولو عباءة، قال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف وصلاة" (٣). وقال الرازي: "قوله: خذوا زينتكم عند كل مسجد يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعا فبقي الباقي داخلا تحت اللفظ وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة وجب أن تفسد الصلاة عند تركه لأن تركه يوجب ترك المأمور به وترك المأمور به معصية والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول" (٤)، ومثله أبو حيان (٥).

стр. 354

وقال أبو السعود: " ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم﴾ أي ثيابكم لمواراة عورتكم ﴿عند كل مسجد﴾ أي طواف أو صلاة ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة" (١)، وكذا الشوكاني (٢). [النهي عن الاسراف دعوة إلى الاعتدال في أمور الحياة] قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [سورة الأعراف: ٣١] ٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) وهذا الأمر المقيد بما عطف عليه من النهي إرشاد عال أيضا فيه صلاح للبشر في دينهم ومعاشهم ومعادهم، لا يستغنون عنه في وقت من الأوقات ولا عصر من الأعصار" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب القصد في الأمور، في مسألة النهي عن الاسراف دعوة إلى الاعتدال في أمور الحياة، بدلالة صريح الأمر والإباحة والتقييد والنهي. وجه الاستنباط: الأمر في الآية للإباحة، وعطف عليه النهي المقيد بعدم الإسراف، ليبين أن الاعتدال في المأكل والمشرب وعدم الإسراف فيهما، أنه من أسباب الصلاح والرقي الاجتماعي، وأن الاقتصاد والاعتدال في كل أمور الحياة دخل تحت هذه القاعدة المصلحة للبشرية في كل عصر. قال ابن عطية: "يريد في الحلال القصد، واللفظ يقتضي النهي عن السرف مطلقا فمن تلبس بفعل حرام فتأول تلبسه به حصل من المسرفين وتوجه النهي عليه، ومن تلبس بفعل مباح فإن مشى فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن، وإن أفرط حتى دخل الضرر حصل أيضا من المسرفين وتوجه النهي عليه" (٤)، ونقل ذلك أبو حيان (٥). وقال البيضاوي: "ولا تسرفوا بتحريم الحلال، أو بالتعدي إلى الحرام، أو بإفراط الطعام والشره عليه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، وقال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطب في نصف آية فقال: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) " (٦) ونقل عن البغوي مثله (٧)، وكذا الزمخشري، والنسفي، والقرطبي (٨)، وبنحوه عند ابن سعدي (٩) ..

стр. 355

وقال ابن عاشور: "وقد قيل إن هذه الآية جمعت أصول حفظ الصحة من جانب الغذاء، فالنهي عن السرف نهي إرشاد لا نهي تحريم بقرينة الإباحة اللاحقة في قوله: (قل من حرم زينة الله) إلى قوله (والطيبات من الرزق) [الأعراف: ٣٢]، ولأن مقدار الإسراف لا ينضبط فلا يتعلق به التكليف، ولكن يوكل إلى تدبير الناس مصالحهم، وهذا راجع إلى معنى القسط الواقع في قوله سابقا: (قل أمر ربي بالقسط) [الأعراف: ٢٩] فإن ترك السرف من معنى العدل" (١). [تحقق دخول الجنة بالتعبير بالماضي عن المستقبل لدلالة تحقق الوقوع] قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ [سورة الأعراف: ٤٤]. ٦. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "التعبير بالماضي عن المستقبل معهود في الأساليب العربية البليغة، وأشهر نكته جعل المستقبل في تحقق وقوعه كالذي وقع بالفعل" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان باليوم الآخر، في مسألة تحقق دخول الجنة بالتعبير بالماضي عن المستقبل لدلالة تحقق الوقوع، بدلالة السياق. وجه الاستنباط: دلت الآية على أمر غيبي مستقبل وهو دخول الجنة، والتعبير عنه بصيغة الماضي لبيان تحقق وقوع السعادة الكاملة لأهل الجنة، وإيقاع الحزن في قلوب أعدائهم، واجتماع أصحاب الجنة في الجنة وأصحاب النار في النار، وحدوث هذا الحوار بينهم، وهذا فيه ترغيب وترهيب. وممن أشار إلى هذا ابن عطية حيث قال: "هذا إخبار من الله عما يكون منهم، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما يحقق وقوعه" (٣)، وكذا أبو حيان (٤). وقال الرازي: "فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقا؟ والغرض من هذا السؤال إظهار أنه وصل إلى السعادات الكاملة وإيقاع الحزن في قلب العدو" (٥). وقال أبو السعود عند تفسير قوله تعالى: ﴿قالوا لا علم لنا﴾، قال: " ﴿قالوا﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل فماذا يقول الرسل ﵈ هنالك فقيل يقولون ﴿لا علم لنا﴾ وصيغة الماضي للدلالة على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة أصحاب الأعراف" (٦).

стр. 356

[الكفر باليوم الآخر أصل كفرهم وعتوهم وصدهم عن سبيل الله] قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾ [سورة الأعراف: ٤٥] ٧. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وتقديم الجار والمجرور (بالآخرة) على متعلقه للاهتمام به فإن أصل كفرهم قد علم مما قبله وهذا النوع منه له تأثير خاص في إصرارهم على ما أسند إليهم، وقد غفل عن هذا من قال إن التقديم لأجل رعاية الفاصلة" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة الكفر باليوم الآخر أصل كفرهم وعتوهم وصدهم عن سبيل الله، بدلالة التقديم. وجه الاستنباط: تقديم (بالآخرة) دليل على إصرارهم على ما هم عليه من الكفر وخاصة الكفر باليوم الآخر وما فيه من البعث والجزاء والحساب، وأصل كفرهم قد علم ولكن الصد عنه له تأثير خاص في إصرارهم على الكفر، وفيه إشارة على عتوهم وقوة صدهم عن سبيل الله، وأنه لن تنفع معهم موعظة غالبا. قال ابن عاشور: "وورد وصفهم بالكفر بطريق الجملة الاسمية في قوله: وهم بالآخرة كافرون للدلالة على ثبات الكفر فيهم وتمكنه منهم، لأن الكفر من الاعتقادات العقلية التي لا يناسبها التكرر، فلذلك خولف بينه وبين وصفهم بالصد عن سبيل الله وبغي إظهار العوج فيها، لأن ذينك من الأفعال القابلة للتكرير، بخلاف الكفر فإنه ليس من الأفعال، ولكنه من الانفعالات" (٢). ووافقه في ذلك أبو زهرة فقال: "وقد أكد كفرهم باليوم الآخر، وهو يبتدئ من البعث إلى أن توفى كل نفس ما كسبت بأن تنال جزاءها من النعيم أو الجحيم، أكد كفرهم بعدة مؤكدات أولها: ذكر ضمير الفصل "هم"، فذلك يؤكد الحكم، وثانيها: تقديم الجار والمجرور، وهو قوله تعالى: (بِالآخِرَةِ) على (كافِرُونَ) ففي ذلك تأكيد لكفرهم به، وثالثها: التعبير بالجملة الاسمية، فإنها تدل على استمرارهم على هذا الكفر، وأنهم جاحدون جحدا (لا مثنوية فيه) " (٣). وأشار الألوسي إلى أن التقديم لمراعاة الفواصل فقال: " (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) أي غير معترفين بالقيامة وما فيها، والجار متعلق بما بعده، والتقديم لرعاية الفواصل، والعدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية للدلالة على الدوام والثبات إشارة إلى رسوخ الكفر فيهم" (٤).

стр. 357

[من لم يتخلق بالخوف والرجاء تحققت فيه مقومات الإفساد والمفسدين] قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [سورة الأعراف: ٥٦] ٨. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) أعاد الأمر بالدعاء بقيد آخر بعد أن وسط بينهما النهي عن الإفساد، للإيذان بأن من لا يعرف نفسه بالحاجة والافتقار إلى رحمة ربه الغني القدير وفضله وإحسانه، ولا يدعوه تضرعا وخفية ولا خوفا من عقابه وطمعا في غفرانه، فإنه يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح، إلا أن يعجز" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة من لم يتخلق بالخوف والرجاء تحققت فيه مقومات الإفساد والمفسدين، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: الإنسان مهما بلغ من قوة ونفوذ لا بد أن يجمع بين جانبي الرجاء والخوف من الله ، وألا يغلب جانبا على آخر، فإن تغليب أحدهما يكون سببا للانسياق في الفساد وأبعد عن طريق الصلاح، ولذا عليه أن يظهر فقره وحاجته لله في كل وقت وعلى أية حالة، والدعاء والتضرع إلى الله مما يظهر فقر الإنسان وحاجته، ولذا أعاد الله الأمر به في هذه الآية، فإن من لا يدعو الله تضرعا وخفية ولا خوفا من عقابه ولا طمعا في غفرانه، فإنه تتحقق فيه مقومات الإفساد والمفسدين. قال ابن عطية: "أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتحزن وتأميل لله حتى يكون الرجاء والخوف كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامة وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، وقد قال كثير من العلماء ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء، وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخوف أغلب على المرء بكثير، وهذا كله احتياط" (٢). قال الرازي: "أن الداعي لا يكون داعيا إلا إذا كان كذلك فقوله: خوفا وطمعا أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم، ويتأكد هذا بقوله: يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة [المؤمنون: ٦٠] " (٣). قال أبو حيان: "لما كان الدعاء من الله بمكان كرره فقال أولا ادعوا ربكم تضرعا وخفية وهاتان الحالتان من الأوصاف الظاهرة لأن الخشوع والاستكانة وإخفاء الصوت ليست من الأفعال القلبية أي وجلين مشفقين وراجين مؤملين فبدأ أولا بأفعال الجوارح ثم ثانيا بأفعال القلوب وانتصب خوفا وطمعا على أنهما مصدران في موضع الحال أو انتصاب المفعول له وعطف أحدهما على الآخر يقتضي أن يكون الخوف والرجاء متساويين ليكونا للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامة فإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، وقد قال كثير من العلماء: ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة فإذا جاء الموت غلب الرجاء ورأى كثير من العلماء أن يكون الخوف أغلب" (٤).

стр. 358

قال القاسمي: "قال في (اللباب): إن قلت: قال في أول الآية ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقال هنا وادعوه، وهذا هو عطف الشيء على نفسه، فما فائدة ذلك؟ قلت: الفائدة فيه أن المراد بقوله تعالى: ادعوا ربكم أي: ليكن الدعاء مقرونا بالتضرع والإخبات، وقوله وادعوه خوفا وطمعا أن فائدة الدعاء أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء، وقيل: معناه كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف والرجاء في أعمالكم كلها، ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء، وإن اجتهدتم فيهما" (١). وقال ابن سعدي: " ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾ أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاه" (٢). [القصد من النصيحة صلاح المنصوح له لا الناصح] قال تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ [سورة الأعراف: ٦٢] ٩. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "فعلم منه أن الأصل في النصيحة أن يقصد بها صلاح المنصوح له لا الناصح، فإن كان له فائدة منها وجاءت تبعا فلا بأس، وإلا لم تكن النصيحة خالصة" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب الأمور بمقاصدها، في مسألة القصد من النصيحة صلاح المنصوح له لا الناصح، بدلالة النص. وجه الاستنباط: الناصح إذا قصد بنصيحته إصلاح من حوله تحقق له ما أراد، وهذا مطلب اجتماعي تربوي، في باب النصيحة، وفي هذا تربية للدعاة والمربين أن يقصدوا بنصحهم صلاح من حولهم ولا ينتظروا أن يعود عليهم ذلك النصح بنفع دنيوي أو معنوي. وقد عرفت النصيحة بأنها: "كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا" (٤). وأشار الإمام البغوي، إلى هذا فقال: "وأنصح لكم، يقال: نصحته ونصحت له، والنصح أن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه" (٥). وكذا الزمخشري، قال: "وأنصح لكم يقال نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصودا بها جانبه لا غير، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعا ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله ﵈" (٦)، ومثله الرازي، والنسفي، وأبو السعود (٧).

стр. 359

وقال الألوسي: " (وَأَنْصَحُ لَكُمْ) أي أتحرى ما فيه صلاحكم بناء على أن النصح تحري ذلك قولا أو فعلا" (١). [إذا كان الداعي من قومه كان ألين جانبا وكان أدعى لقبولهم دعوته] قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [سورة الأعراف: ٦٥] ١٠. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "والآية دليل على جواز تسمية القريب أو الوطني الكافر أخا وحكمته كون رسول القوم منهم، أن يفهمهم ويفهم منهم" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالرسل، في مسألة إذا كان الداعي من قومه كان ألين جانبا وكان أدعى لقبولهم دعوته، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: الأخوة المقصودة هنا هي أخوة النسب، وذلك أن هودا ﵇ كان أخا لهم وقريبا لهم في النسب، وقد انتشر في القرآن استعمال ألفاظ التقريب مثل "أخ" "يا قوم" "يا أبت" وغيرها من ألفاظ، وهدف القرآن منها تقريب الداعي من المدعو وتحسين الألفاظ له، وفيه نصيحة للداعي ألا يكون جلفا غليظ القلب حتى لا ينفضّ الناس من حوله، وذكر الشيخ محمد رشيد رضا أن الأخوة في هذه الآيات أخوة النسب ثم قال: "كما يقال في أخوة الجنس كله"، وقال: "وللدين أخوة روحية كأخوة الجنس القومية والوطنية" (٣) ويفهم من كلام الشيخ محمد رشيد أن كون الرسول من نفس القوم أدعى إلى قبول دعوته وأنجح وأفضل لأنه يفهمهم ويفهمون منه فيسهل عليه دعوتهم. وأشار البغوي إلى أن الأخوة في النسب لا في الدين فقال: "قوله تعالى: ﴿وإلى عاد﴾، أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، في النسب لا في الدين" (٤)، ومثله الشوكاني، وابن سعدي (٥). وقال الزمخشري: " أخاهم واحدا منهم من قولك: يا أخا العرب، للواحد منهم. وإنما جعل واحدا منهم، لأنهم أفهم عن رجل منهم وأعرف بحاله في صدقه وأمانته" (٦)، ومثله البيضاوي (٧). وزاد القرطبي: "كان من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا" (٨).

стр. 360

وقال الرازي: "اتفقوا على أن هودا ما كان أخا لهم في الدين، واختلفوا في أنه هل كان أخا قرابة قريبة أم لا؟ قال الكلبي: إنه كان واحدا من تلك القبيلة، وقال آخرون: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة فكفى هذا القدر في تسمية هذه الأخوة والمعنى أنا بعثنا إلى عاد واحدا من جنسهم وهو البشر ليكون ألفهم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل وما بعثنا إليهم شخصا من غير جنسهم مثل ملك أو جني (١). وزاد النسفي: " ﴿أخاهم﴾ واحدا ممنهم من قولكم يا أخا العرب للواحد منهم وإنما تجعل واحداً منهم لأنهم عن رجل منهم أفهم فكانت الججة عليهم الزم" (٢). وكذا القاسمي: "وإنما أرسل منهم، لأنهم أفهم لقوله من قول غيره، وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله، وأرغب في اقتفائه" (٣). وقال ابن عاشور: "والأخ هنا مستعمل في مطلق القريب، على وجه المجاز المرسل ومنه قولهم يا أخا العرب، وقد كان هود من بني عاد، وقيل: كان ابن عم إرم، ويطلق الأخ مجازا أيضا على المصاحب الملازم، كقولهم: هو أخو الحرب، ومنه (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) [الإسراء: ٢٧]- وقوله- (وإخوانهم يمدونهم في الغي) [الأعراف: ٢٠٢]. فالمراد أن هودا كان من ذوي نسب قومه عاد" (٤). [الموقن بالله لا يحل له أن يعود في ملة الكافرين وهذا أمر بيد الله وحده] قال تعالى: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [سورة الأعراف: ٨٩] ١١. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "والتعبير يدل على نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الفعل؛ لأنه نفي له بالدليل، وهو كونه غير مستطاع ولا جار على سنن الله في الاجتماع، والمعنى: ليس من شأننا أن نعود فيها في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله ربنا المتصرف في جميع شئوننا، فهو وحده القادر على ذلك لا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا نحن أيضا؛ لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة ضارة مفسدة، وملتنا هي الحق التي بها صلاح الناس وعمران الأرض، والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره" (٥).

стр. 361

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة الموقن بالله لا يحل له أن يعود في ملة الكافرين، وهذا أمر بيد الله وحده، بدلالة الاقتضاء. وجه الاستنباط: الموقن بالله حق اليقين الذي عرف الله وعرف شرعه كما يجب، يعلم يقينا أنه لا يحل له أن يترك ملته وشريعته الحق التي وفقه الله إليها، ثم يعود في ملة الكافرين الضالين، وأن هذا أمر بيد الله وحده، فهو الأعلم بحال عباده، وهو من يقلب القلوب، فيثبت من يشاء على الحق بفضله، ويصرف من يشاء إلى الباطل بعدله وعلمه، ولا شك أن هذا كله بيد الله ، ومما يوجب تعلق القلوب بالله وحده دون سواه. وإلى هذا أشار ابن جرير، فقال: "وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها، ونترك الحق الذي نحن عليه (إلا أن يشاء الله ربنا) إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا (وسع ربنا كل شيء علما)، يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن، فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملتكم، ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملّتكم" (١). وكذا قال البغوي: "وما يكون لنا أن نعود فيها، بعد إذ أنقذنا الله منها، إلا أن يشاء الله ربنا، يقول إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها، فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا" (٢). قال أبو السعود: " ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أي إلا حال مشيئة الله تعالى أو وقت مشيئته تعالى لعودنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿ربنا﴾ فإن التعرض لعنوان لاربوبيته تعالى لهم مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا وكذا قوله تعالى بعد إذ نجانا الله منها فإن تنجيته تعالى لهم منها من دلائل عدم مشيئته لعودهم فيها وقيل معناه إلا أن يشاء الله خذلاننا وقيل فيه دليل على أن الكفر بمشيئته تعالى وأيا ما كان فليس المراد بذلك بيان أن العود فيها في حيز الإمكان وخطر الوقوع بناء على كون مشيئته تعالى كذلك بل بيان استحالة وقوعها كأنه قيل وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وهيهات ذلك بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له" (٣).

стр. 362

وقال ابن سعدي: "وأما من حيث النظر إلى مشيئة الله وإرادته النافذة في خلقه، التي لا خروج لأحد عنها، ولو تواترت الأسباب وتوافقت القوى، فإنهم لا يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئا أو يتركونه، ولهذا استثنى ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ أي: فلا يمكننا ولا غيرنا، الخروج عن مشيئته التابعة لعلمه وحكمته" (١). [التسلية بأن العاقبة للتقوى والبشارة بزوال الظالمين] قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [سورة الأعراف: ١٣٩] ١٢. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وهذا يتضمن البشارة منه ﵇ بزوال الوثنية من تلك الأرض، وكذلك كان" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة التسلية بأن العاقبة للتقوى والبشارة بزوال الظالمين، بدلالة مفهوم التضمن. وجه الاستنباط: الحكم على عمل هؤلاء بالبتر والقطع، دليل على زوالهم وزوال ظلمهم وعليه ستصبح الغلبة والنصر والعاقبة لمن اتقى الله، وفي هذا بشارة وتسلية لنبي الله موسى ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. ولم يشر أحد من المفسرين، فيما اطلعت عليه، إلى معنى البشارة في هذه الآية. بل جاءت عباراتهم في بيان معنى أن الله مهلك وقاطع خبر هؤلاء الظالمين، ومن ذلك ما قاله ابن جرير: "وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل موسى لقومه من بني إسرائيل، يقول تعالى ذكره: قال لهم موسى: إن هؤلاء العُكوف على هذه الأصنام، الله مُهْلِكٌ ما هم فيه من العمل ومفسده، ومخسرهم فيه، بإثابته إياهم عليه العذاب المهين، "وباطل ما كانوا يعملون"، من عبادتهم إياها، فمضمحلّ، لأنه غير نافعهم عند مجيء أمر الله وحلوله بساحتهم، ولا مدافع عنهم بأسَ الله إذا نزل بهم، ولا منقذهم من عذابه إذا عذبهم في القيامة، فهو في معنى ما لم يكن" (٣). وقال البغوي: "إن هؤلاء متبر، مهلك، ما هم فيه، والتتبير الإهلاك، وباطل مضمحل وزائل، ما كانوا يعملون" (٤)، وبنحوه قال ابن عطية (٥).

стр. 363

وقال البيضاوي: "وتقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبرا لأن للتنبيه على أن الدمار لاحق لما هم فيه لا محالة، وأن الإحباط الكلي لازم لما مضى عنهم تنفيرا وتحذيرا عما طلبوا" (١)، وكذا النسفي، وأبو حيان (٢). قال ابن عاشور: "وجملة إن هؤلاء متبر ما هم فيه بمعنى التعليل لمضمون جملة إنكم قوم تجهلون فلذلك فصلت عنها وقد أكدت وجعلت إسمية لمثل الأغراض التي ذكرت في أختها، وقد عرف المسند إليه بالإشارة لتمييزهم بتلك الحالة التي هم متلبسون بها أكمل تمييز، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد بعد اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم متبرا أمرهم وباطلا عملهم، وقدم المسند وهو متبر على المسند إليه وهو ما هم فيه ليفيد تخصيصه بالمسند إليه أي: هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب، ولا يصح أن يجعل متبر مسندا إليه لأن المقصود بالإخبار هو ما هم فيه" (٣). [لا يكون الإله الحق إلا متكلما هاديا عباده سبيل الرشاد] قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ [سورة الأعراف: ١٤٨] ١٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "فعلم بهذا أن من شأن الرب الإله الحق أن يكون متكلما، وأن يكلم عباده، ويهديهم سبيل الرشاد باختصاصه من شاء منهم وإعداده لسماع كلامه، وتلقي وحيه، وتبليغ أحكامه " (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة لا يكون الإله الحق إلا متكلما هاديا عباده سبيل الرشاد، بدلالة التلازم. وجه الاستنباط: أنكر الله على قوم موسى اتخاذهم العجل، وبين لهم الأمور التي لا يستحق العجل الألوهية بسببها، وأنه لا يكون الإله الحق إلا متكلما هاديا عباده سبيل الرشاد، فدل على أن صفة الكلام من خصائص الألوهية لزوما، والله كلم موسى، وهذا ما أجمع عليه جمهور المفسرين، والقرآن يخاطب العقول، وفي هذه المسالة رد على منكري صفة الكلام لله (٥).

стр. 364

قال ابن جرير: "وذلك أن الرب ﷻ الذي له ملك السموات والأرض، ومدبر ذلك، لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار، لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير" (١). وقال ابن عطية: "بين الله تعالى سوء فطرهم وقرر فساد اعتقادهم بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ الآية، وذلك أن الصامت الجماد لا يتصف بالإلهية والذي لا يرشد إلى خير ولا يكشف غما كذلك" (٢). وقال الرازي أيضا: "واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك العجل إلها بقوله: ﴿ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾، وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه أن يكلمهم ولا يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد، وكل من كان كذلك كان إما جمادا وإما حيوانا عاجزا وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للإلهية، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن من لا يكون متكلما ولا هاديا الى السبيل لم يكن إلها لأن الإله هو الذي له الأمر والنهي، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلما، فمن لا يكون تكلما لم يصح منه الأمر والنهي، والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلها" (٣)، ووفقهم أيضا القرطبي، وأبو السعود، وابن عاشور، وابن سعدي (٤). [لشدة فتنة المال ومشقة بذله جعل الله الزكاة سببا عظيما لتحصيل رحمته] قال تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦] ١٤. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وخص الزكاة بالذكر دون الصلاة، وما دونها من الطاعات؛ لأن فتنة حب المال تقتضي بنظر العقل والاختبار بالفعل أن يكون المانعون للزكاة أكثر من التاركين لغيرها من الفرائض، وفيه إشارة إلى شدة حب اليهود للدنيا وافتتانهم بجمع المال ومنع بذله في سبيل الله" (٥).

стр. 365

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الفتن، في مسألة لشدة فتنة المال ومشقة بذله جعل الله الزكاة سببا عظيما لتحصيل رحمته، بدلالة التخصيص. وجه الاستنباط: أهم أسباب تحصيل رحمة الله هو بذل المال، خاصة في فريضة الزكاة، ولما كان افتتان بني إسرائيل في المال وأنه يشق عليهم بذله، بين لهم أن هذه الفريضة هي الطريقة التي تعكس مفهوم الرحمة بكل معانيها، وتشمل كل أنواع السلوك الفاضل في التعامل مع البشر ومع سائر الكائنات، فلذا جاء التخصيص بها لتحصيل رحمة الله . قال ابن عطية: "قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ الظاهر من قوله يُؤْتُونَ أنها الزكاة المختصة بالمال وخصها هنا بالذكر تشريفا لها وجعلها مثالا لجميع الطاعات، وقال ابن عباس فيما روي عنه: ويؤتون الأعمال التي يزكون بها أنفسهم" (١). قال البيضاوي: "ويؤتون الزكاة خصها بالذكر لإنافتها ولأنها كانت أشق عليهم، والذين هم بآياتنا يؤمنون فلا يكفرون بشيء منها" (٢). وقال أبو حيان: "ويؤتون الزكاة، الظاهر أنها زكاة المال، وبه قال ابن عباس وروي عنه: ويؤتون الأعمال التي يزكون بها أنفسهم، وقال الحسن: تزكية الأعمال بالإخلاص انتهى، ولما كانت التكاليف ترجع إلى قسمين تروك وأفعال والأفعال قسمان راجعة إلى المال وراجعة إلى نفس الإنسان وهذان قسمان علم وعمل فالعلم المعرفة والعمل إقرار باللسان، وعمل بالأركان فأشار بالاتقاء إلى التروك وبالفعل الراجح إلى المال بالزكاة وأشار إلى ما بقي بقوله: ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ وهذه شبيهة بقوله ﴿هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾ " (٣). [ضرب الأمثال يثمر التفكر مبدأ العلم وطريق الحق وهو أقوى من الدلائل والحجج] قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [سورة الأعراف: ١٧٦] ١٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "والآية تدل على تعظيم شأن ضرب الأمثال في تأثير الكلام، وكونه أقوى من سوق الدلائل والحجج المجردة، ويدل على تعظيم شأن التفكر، وكونه مبدأ العلم وطريق الحق" (٤).

стр. 366

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الدعوة، في مسألة ضرب الأمثال يثمر التفكر مبدأ العلم وطريق الحق وهو أقوى من الدلائل والحجج، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: ضرب الأمثال وتقريب المعاني في صور محسوسة أقرب إلى الفهم، وأقوى في التأثير من سوق الدلائل والحجج المجردة، وثمرته التفكرالذي هو مبدأ العلم وطريق الحق، وقد نوّع الله في أساليب ضرب المثال في القرآن بثلاثة أنواع من الأمثال، الصريحة والمرسلة والكامنة (١)، كما امتلأت السنة المطهرة بضرب الأمثلة والتربية بها. وأشار إلى ذلك جمع من المفسرين كالزمخشري، والنسفي وابن عطية والقرطبي، والشوكاني (٢)، فقالوا: إن في ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني. وقال الرازي: "أن المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل وذلك في نهاية الإيضاح" (٣)، وذكر في موضع آخر: "إعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول". وقال أبو السعود: "دعاهم إلى الحق بفنون الدعوة التي من جملتها ضرب الأمثال فإنه ألطف ذريعة إلى تفهيم القلوب الغبية وأقوى وسيلة إلى تسخير النفوس الأبية كيف لا وهو تصوير للمعقول بصورة المحسوس وإبراز لأوابد المعاني في هيئة المأنوس فأي دعوة أولى منه بالاستجابة والقبول" (٤). وجمع ابن سعدي فوائد ضرب الأمثال في القرآن، فقال يستفاد منه أمور: "التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس، بحيث يكون نسبته للعقل، كنسبة المحسوس إلى الحس، وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر، وإبطال أمر" (٥).

стр. 367

وكذا ابن عثيمين، قال: "من فوائد الآية: ضرب الأمثال؛ وهو تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم" (١). [العرف وأهميته وحجيته في الأحكام الشرعية] قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [سورة الأعراف: ١٩٩] ١٦. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "والقول الجامع: أن العرب تطلق المعروف على ضد المنكر وعلى ضد المجهول، والمنكر هو المستقبح عند الناس الذي ينفرون منه لقبحه أو ضرره، ويذمونه ويذمون أهله، والأمر به في هذه السورة المكية التي نزلت في أصول الدين وكليات التشريع، يثبت لنا أن العرف أو المعروف أحد هذه الأركان للآداب الدينية والتشريع الإسلامي، وهو مبني على اعتبار عادات الأمة الحسنة، وما تتواطأ عليه من الأمور النافعة في مصالحها" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب أصول الاستدلال، في مسألة العرف (٣) وأهميته وحجيته في الأحكام الشرعية، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: العرف أحد الأدلة الشرعية المعتبرة في الأحكام، ودلل الشيخ على مشروعيته، فقال: "إن كتاب الله قد قيد طاعة رسوله ﷺ بالمعروف في عقد مبايعته ﷺ للنساء قال في سورة الممتحنة: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ (٦٠: ١٢) ومن المعلوم أن عقد المبايعة أعظم العقود في الأمم والدول، فتقييد طاعة الرسول ﷺ فيه بالمعروف دليل على أن التزام المعروف من أعظم أركان هذا الدين وشرعه، ومن المعلوم في السنة أن مبايعته ﷺ للرجال كانت مبنية على أصل مبايعته للنساء المنصوص في هذه الآية، وقال ﷺ : إنما الطاعة في المعروف وهو في مواضع من الصحيح" (٤). قال أبو جعفر: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر نبيه ﷺ أن يأمر الناس بالعرف وهو المعروف في كلام العرب، مصدر في معنى: "المعروف"، وكل ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه، فهو من العرف، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فالحق فيه أن يقال: قد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف كله، لا ببعض معانيه دون بعض" (٥).

стр. 368

وقال ابن عطية: "وقوله وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ معناه بكل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة، ويروى أن النبي ﷺ قال لجبريل: ما هذا العرف الذي أمرت به، قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فرجع إلى ربه فسأله ثم جاءه فقال له: يا محمد هو أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك. قال القاضي أبو محمد: فهذا نصب غايات والمراد فما دون هذا من فعل الخير" (١). قال البيضاوي: "وأمر بالعرف المعروف المستحسن من الأفعال" (٢)، وكذا قال أبو السعود (٣)، وزاد النسفي: "هو كل خصلة يرتضيها العقل ويقبلها الشرع" (٤). قال ابن سعدي: " ﴿وأمر بالعرف﴾ أي: بكل قول حسن وفعل جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك، إما تعليم علم، أو حث على خير، من صلة رحم، أو بر والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية" (٥). وقال أبو زهرة: " (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)، هذا النص الكريم يدل قطعا على أن كل ما أمر به النبي ﷺ وجاء به القرآن أمر متفق مع ما تأتي به العقول، وما أمر به هو حسن في ذاته، وما نهى عنه قبيح في ذاته، وقال بعض العلماء: إن ما كان حسنا في ذاته فهو من أمر الله، وما كان قبيحا في العقل فقد نهى الله عنه" (٦). وقال السيوطي: " قال ابن الفرس: المعنى اقض بكل ما عرفته النفوس مما لا يرده الشرع، وهذا أصل للقاعدة الفقهية في اعتبار العرف، وعلق الباحث: ورد الباحث هذا الاستنباط من وجهين: الأول أن العرف هنا ليس معناه ما تعارف عليه الناس من العادات، والثاني: العرف بمعنى العوائد والتقاليد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون مصدرا تشريعيا" (٧). استنباطات سورة الأنفال

стр. 369

[تقوية قلوب المؤمنين وطمأنينتها مقصد من مقاصد الدعاء] قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [سورة الأنفال: ٩] ١. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "يصح أن يكون من مقاصده ﷺ من الدعاء يومئذ تقوية قلوب أصحابه، وهو ما يعبر عنه في عرف هذا العصر بالقوة المعنوية، ولا خلاف بين العقلاء حتى اليوم في أنها أحد أسباب النصر والظفر، ولكن لا يصح أن يكون علم باستجابة الله له لما وجد أبو بكر في نفسه القوة والطمأنينة، فعلمه ﷺ بربه وبوقت استجابته له أقوى وأعلى من أن يستنبطه استنباطا من حال أبي بكر ﵁" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب أعمال القلوب، في مسألة تقوية قلوب المؤمنين وطمأنينتها مقصد من مقاصد الدعاء، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: حال النبي ﷺ وما يتصف به من الإيمان بالله والتوكل عليه والثقة بنصره، بحيث إن علمه بربه وبوقت استجابته له وطمأنينة قلبه به، لا تخفى عليه حتى يدركها من موقف أبي بكر وثقته بربه وطمأنينته به، وبهذا يتحقق ما يعرف بالمعنى العصري المتداول (بالقوة المعنوية)، وهذا ربط قيم وسليم ولا خلاف أنه أحد أسباب الظفر والنصر، وهذا معنى دقيق لم يتطرق إليه المفسرون، بل اقتصرت عباراتهم على بيان معنى الاستغاثة. والاستغاثة: طلب الغوث، وهو الإعانة على رفع الشدة والمشقة ولما كانوا يومئذ في شدة ودعوا بطلب النصر على العدو القوي كان دعاؤهم استغاثة، فاستجاب لكم أي وعدكم بالإغاثة" (٢). قال الرازي: "في قوله: إذ تستغيثون قولان: القول الأول: أن هذه الاستغاثة كانت من الرسول ﵇. قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، استقبل القبلة ومد يده وهو يقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ورده أبو بكر ثم التزمه ثم قال: كفاك يا نبي الله مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فنزلت هذه الآية ولما اصطفت القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور. القول الثاني: أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين لأن الوجه الذي لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلا فيهم، بل خوفهم كان أشد من خوف الرسول، فالأقرب أنه دعا ﵇ وتضرع على ما روي، والقوم كانوا يؤمنون على دعائه تابعين له في الدعاء في أنفسهم فنقل دعاء رسول الله لأنه رفع بذلك الدعاء صوته، ولم ينقل دعاء القوم، فهذا هو طريق الجمع بين الروايات المختلفة في هذا الباب. " (٣).

стр. 370

وقال أبو حيان: "استغاث طلب الغوث لما علموا أنه لا بد من القتال شرعوا في طلب الغوث من الله تعالى والدعاء بالنصرة والظاهر أنه خطاب لمن خوطب بقوله وإذ يعدكم وتودون " (١). قال ابن عاشور بعد أن قال أن هذه الآية إشارة إلى دعاء النبي ﷺ وإيراده حديث عمر بن الخطاب: "وعلى هذه الرواية يكون ضمير تستغيثون مرادا به النبي ﷺ وعبر عنه بضمير الجماعة لأن كان يدعو لأجلهم، ولأنه كان معلنا بدعائه وهم يسمعونه، فهم بحال من يدعون. [التولي من الزحف كبيرة إلا لغاية ومقصد شرعي] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [سورة الأنفال: ١٥ - ١٦] ٢. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " والآية تدل على أن الفرار من الزحف من كبائر المعاصي"، ثم قال: "وهذا لا ينافي كون التولي حراما ومن الكبائر، ولا يقتضي أن يكون كل تول لغير السببين المستثنيين في آية الأنفال يبوء صاحبه بغضب عظيم من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، بل قد يكون دون ذلك، ويتقيد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة، وبالنهي عن إلقاء النفس في التهلكة من حيث عمومها كما تقدم في سورة البقرة وسيأتي تفصيله قريبا" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب الجهاد، في مسألة التولي من الزحف كبيرة إلا لغاية ومقصد شرعي، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: حرر الشيخ مسألة التولي من الزحف وجمع الأدلة، وخرج منها أن هناك أسبابا لا تعد من التولي من الزحف ولا تعد من الكبائر، منها ما ذكر في الآية، وهذه الطريقة من أساسيات العلم التي يجب أن يسير عليها طلاب العلم في تأصيلهم. وذهب الشيخ إلى أن التولي من الزحف من غير سبب كبيرة تستوجب غضب الله جل وعلا، مثله مثل جمع من المفسرين، كابن كثير حيث قال: "فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب، فإنه حرام وكبيرة من الكبائر" (٣)، وابن العربي (٤).

стр. 371

وقال الشهاب الخفاجي (١): "والفرار عن الزحف بغير نية الكر، والإنحياز إلى فئة المسلمين كبيرة ما لم يكن الجيش قليلاً لا يقدر على المقاومة" (٢)، ومثله الألوسي (٣). قال ابن عطية: "وأمر الله في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنة من المشركين فالفرض أن لا يفروا أمامهم، فالفرار هناك كبيرة موبقة بظاهر القرآن والحديث وإجماع الأكثر من الأمة، والذي يراعى العدد حسب ما في كتاب الله : وهذا قول جمهور الأمة، وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة: يراعى أيضا الضعف والقوة والعدة فيجوز على قولهم أن تفر مائة فارس إذا علموا أن عند المشركين من العدة والنجدة والبسالة ضعف ما عندهم، وأمام أقل أو أكثر بحسب ذلك وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا أمام ما زاد على مائتين والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على الفار ذامة له" (٤) ومثله القرطبي (٥). وقال الرازي: " ثم إنه تعالى لما نهى عن هذا الانهزام بين أن هذا الانهزام محرم إلا في حالتين: إحداهما: أن يكون متحرفا للقتال، والمراد منه أن يخيل إلى عدوه أنه منهزم. ثم ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها، يقال: تحرف وانحرف إذا زال عن جهة الاستواء. والثانية: قوله: أو متحيزا إلى فئة قال أبو عبيدة: التحيز التنحي وفيه لغتان: التحيز والتحوز. قال الواحدي: وأصل هذا الحوز، وهو الجمع. يقال: حزته فانحاز وتحوز وتحيز إذا انضم واجتمع، ثم سمي التنحي تحيزا، لأن المتنحي عن جانب ينفصل عنه ويميل إلى غيره. إذا عرفت هذا فنقول: الفئة الجماعة، فإذا كان هذا المتحيز كالمنفرد، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظن ذلك المنفرد أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، وإن تحيز إلى جمع كان راجيا للخلاص، وطامعا في العدو بالكثرة، فربما وجب عليه التحيز إلى هذه الفئة فضلا عن أن يكون ذلك جائزا والحاصل أن الانهزام من العدو حرام إلا في هاتين الحالتين" (٦).

стр. 372

وهناك من خصص هذه الآية وجعلها خاصة بيوم بدر وعليه فإن التولي من الزحف بعدها لا يدخل في هذا الحكم ومنهم ابن الفرس (١) في أحكام القرآن (٢). [مجرى الأقوال والأفعال والأقدار في الكون وفق علم الله وعدله وفضله] قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٣] ٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "والآية نص في أنه تعالى لم يسمعهم، أي لم يوفقهم للسماع النافع، لأن الباعث عليه هو ما في الفطرة من نور الحق المحبب للنفس في الخير، وقد فقدوا ذلك بإفسادهم لفطرتهم، وإطفائهم لنور الاستعداد للحق والخير الذي يذكيه سماع الحكمة والموعظة الحسنة"، وقال: "أمثال هذه الآيات تحثو التراب في من يزعم أن الآية تدل على الجبر وعدم اختيار العبد في كفره وإيمانه، كما أنها تسجل الجهل باللغة على من يزعم أن فيها إشكالا في النظم بجواز تقدير: ولو أسمعهم لعلمه بأن فيهم خيرا لتولوا وهم معرضون عن الإيمان والهدى، ونقول: إن تقديره هذا هو الباطل؛ لأنه نقيض ما أفادته (لو) " (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان بالقدر، في مسألة مجرى الأقوال والأفعال والأقدار في الكون وفق علم الله وعدله وفضله، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: الله لم يوفق الكافرين لسماع النافع وذلك لوجود أسباب في أنفسهم منعتهم، وأن جبلتهم لا تقبل دعوة الخير والهداية والكمال (٤)، فلذلك انتفى عنهم الانتفاع بما يسمعون من الحكمة والموعظة والإرشاد، لأنه "لا فهم ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهما، لأفهمهم، ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه لو أفهمهم لتولوا عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك" (٥). قال ابن جرير: "تأويل الآية: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون، ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله وعبره وحججه، معاندون للحق بعد العلم به" (٦)، وبنحوه قال الألوسي، وأبو السعود، وابن سعدي (٧).

стр. 373

ونقل أبو حيان أقوال بعض المفسرين فقال: "ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون قال ابن عطية: أخبر تعالى بأن عدم سماعهم وهداهم إنما هو بما علمه الله منهم وسبق من قضائه عليهم فخرج ذلك في عبارة بليغة في ذمهم ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم والمراد لأسمعهم إسماع تفهم وهدى ثم ابتدأ الخبر عنهم بما هو عليه من ختمه عليهم بالكفر، فقال: ولو أسمعهم أي ولو فهمهم لتولوا وهم معرضون بالقضاء السابق فيهم ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى، وقال الزمخشري: ولو علم الله في هؤلاء الصم البكم خيرا أي انتفاعا باللطف لأسمعهم اللطف بهم حتى سمعوا سماع المصدقين ثم قال ولو أسمعهم لتولوا يعني ولو لطف بهم لما نفعهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه أي ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا، وقال الزجاج: لأسمعهم جواب كلما سألوا، وحكى ابن الجوزي: لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد ﷺ . [السعادة في الإسلام والعاقبة للمتقين سنة كونية وأساس لعلوم الإنسانية] قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [سورة الأنفال: ٢٦] ٤. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "ومن العبرة في الآيات أنها حجج تاريخية اجتماعية على كون الإسلام إصلاحا أورث ويورث من اهتدى به سعادة الدنيا والسيادة والسلطان فيها قبل الآخرة، ولكن أعداءه - الجاحدين لهذا على علم - قد شوهوا تاريخه، وصدوا الناس عنه بالباطل" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب سنن الله الكونية، في مسألة السعادة في الإسلام والعاقبة للمتقين سنة كونية وأساس لعلوم الإنسانية، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: يتضح هنا كيف وظف الشيخ محمد رشيد هذا الاستنباط في الاستدلال بالسنن في وضع أسس علم التاريخ، وأنه مرآة الأمم ويجسد ماضيها ويعكس شخصيات شعوبها من حيث العقيدة والثقافة والحركة الاقتصادية والاجتماعية، وتستلهم منه الدروس لمستقبلها، فإن من يطلع على تاريخ من سبقه يأخذ منهم العظة والعبرة ويجد الطريق الصحيح للنهوض بالأمة من خلال تصحيح أخطاء من سبق.

стр. 374

وقد انفرد الشيخ بهذا الاستنباط، فلم يذكره غيره من المفسرين فيما اطلعت عليه. [الخيانة خلق ينافي الإيمان وهو أشد خطر على وحدة الأمة وتكاتفها] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [سورة الأنفال: ٢٧] ٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "والمراد أن فيها تعريضا بفعلة المنافق الذي يدعي الإيمان بأن عمله خيانة تنافيه"، ثم ذكر حديث النبي ﷺ لزوجة أبي لبابة (١)، قال: قال رسول الله ﷺ لامرأة أبي لبابة: ((أيصوم ويصلي ويغتسل من الجنابة؟ فقالت: إنه ليصوم ويصلي ويغتسل من الجنابة ويحب الله ورسوله))، والمراد: أن النبي ﷺ شك في إيمانه حتى إنه سأل امرأته: هل يقوم في بيته بواجبات الإسلام؟ فأجابته بصيغة التأكيد التي يجاب بها من أظهر شكه، وفيه عبرة لمنافقي هذا الزمان الذين يخلصون الخدمة، ويسدون النصيحة إلى أعداء ملتهم وأوطانهم فيما يمكن لهم السلطان في بلادهم، والسيادة على أمتهم"، وقال: "ومهما يكن سبب النزول فالآية عامة تشتمل كل خيانة" (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا فقهيا، في باب السياسة الشرعية، في مسألة الخيانة خلق ينافي الإيمان وهو أشد خطر على وحدة الأمة وتكاتفها، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: أكدت الآية نهي وزجر المؤمنين عن خيانة الله ورسوله، وهذا المعنى تأكيد على وحدة اللحمة الداخلية للمجتمع المسلم، وإن تلك الخيانة لا تكون إلا من النفاق والمنافقين، وهم أشد خطرا على الأمة، ولذا جاء التحذير الشديد منهم لأنهم يدعون الإيمان والإخلاص لدينهم وأنهم يدافعون عن حقوق هذه الأمة المسلوبة، وخاصة في هذا الزمان الذي اغتر فيه المنافقون بما عند الأعداء من أدوات يظنون أنهم إذا قدموا لهم الخدمة بخيانة الدين والأمة أنهم سينالون بها السيادة والسلطان على أمتهم، "وقد أسقطت الخيانة دولة كانت أعظم دول الأرض قوة وبأسا بارتكاب رجالها الرشوة من أهلها، ومن الأجانب حتى مسخت فصارت دويلة صغيرة فقيرة، ولكن الخلف المغرور لذلك السلف المخرب يدعون أنها إنما أسقطها تعاليم الإسلام القويمة، لأنها صارت قديمة، ولو أنهم أقاموا واجبا واحدا أو أدبا واحدا من آداب القرآن، لكان كافيا لوقايتها من الزوال" (٣).

стр. 375

وهذا المعنى لم يتعرض له المفسرون، وإنما أشار بعضهم إلى المعنى العام لخيانة المنافقين. ومنهم: الزمخشري فقال: "لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا تستنوا به، وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله، وقيل وأنتم تعلمون أنكم تخونون، يعنى أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو" (١). وزاد عليه أبو السعود: "لا تخونوهما بتعطيل الفرائض والسنن أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون أو في الغلول في الغنائم" (٢). [تمييز الخبيث من الطيب سنة ربانية وأساس لعلوم الاجتماع] قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ [سورة الأنفال: ٣٧] ٦. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وهذا التمييز الإلهي بين الأمرين في الاجتماع البشري يوافق ما يسمى في عرف هذا العصر بسنة الانتخاب الطبيعي، وبقاء أمثل الأمرين المتقابلين وأصلحهما" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة تمييز الخبيث من الطيب سنة ربانية وأساس لعلوم الاجتماع، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: بين الشيخ أن التمايز بالفصل بين المجتمعين الخبيث والطيب، وجعل كل فريق مع ما يخصه سواء كان في الأعمال أو الأموال أو الأشخاص، أن هذا من سنن الله ، وهو قائم على سنة ثابته وهي بقاء الأمثل والأصلح، وأن هذه قاعدة من قواعد علم الاجتماع، تعرف بسنة الانتخاب الطبيعي. وقد أشار جمع من المفسرين إلى المعنى العام لهذا التمايز وحكمته، ولكن لم يشيروا إلى أنه سنة اجتماعية، ومن ذلك ما قاله ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: يحشر الله هؤلاء الذين كفروا بربهم، وينفقون أموالهم للصدّ عن سبيل الله، إلى جهنم، ليفرق بينهم، وهم أهل الخبث، كما قال وسماهم "الخبيث"وبين المؤمنين بالله وبرسوله، وهم "الطيبون"، كما سماهم جل ثناؤه. فميَّز جل ثناؤه بينهم بأن أسكن أهل الإيمان به وبرسوله جناته، وأنزل أهل الكفر نارَه" (٤).

стр. 376

قال ابن عطية: "الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب" (١)، وكذا قال البيضاوي، وأبو السعود والقاسمي (٢). وقال القرطبي: " (ليميز الله الخبيث من الطيب) أي المؤمن من الكافر، وقيل: هو عام في كل شيء، من الأعمال والنفقات وغير ذلك" (٣). قال ابن سعدي: "والله تعالى يريد أن يميز الخبيث من الطيب، ويجعل كل واحدة على حدة، وفي دار تخصه، فيجعل الخبيث بعضه على بعض، من الأعمال والأموال والأشخاص" (٤). وقال ابن عاشور: "ليميز متعلق ب يحشرون لبيان أن من حكمة حشرهم إلى جهنم أن يتميز الفريق الخبيث من الناس من الفريق الطيب في يوم الحشر، لأن العلة غير المؤثرة تكون متعددة، فتمييز الخبيث من الطيب من جملة الحكم لحشر الكافرين إلى جهنم" (٥). [(الله يحول بين العبد وقلبه) أمر حوى من المعاني والحقائق ما لا يمكن حصره وإدراك آثاره] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [سورة الأنفال: ٢٤] ٧. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "من سنة الله في البشر الحيلولة بين المرء وبين قلبه، فهذه الجملة أعجب جمل القرآن، ولعلها أبلغها في التعبير، وأجمعها لحقائق علم النفس البشرية، وعلم الصفات الربانية، وعلم التربية الدينية، التي تعرف دقائقها بما تثمره من الخوف والرجاء"، ثم قال: "فتذكير الله تعالى إيانا بهذا الشأن من شئون الإنسان، وهذه السنة القلبية من سنن الله تعالى في الإرادات والأعمال، وأمره إيانا بأن نعلمها علم إيقان وإذعان، يفيدنا فائدتين لا يكمل بدونهما الإيمان، وهما ألا يأمن الطائع المشمر من مكر الله فيغتر بطاعته ويعجب بنفسه، وألا ييأس العاصي والمقصر في الطاعة من روح الله، فيسترسل في اتباع هواه، حتى تحيط به خطاياه" (٦).

стр. 377

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الربوبية، في مسألة (الله يحول بين العبد وقلبه) أمر حوى من المعاني والحقائق ما لا يمكن حصره وإدراك آثاره، وفيه رد على الجبرية، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: لفظة (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) جمعت مكنونات النفس البشرية، وقدراتها ورغباتها وعجزها عن تلبيتها رغباتها، لأنها تحت قدرة الله ، وهي بين فضل الله وعدله، ولم يجبرهم على الضلال من دون سبب منهم، بل إن اتباعهم لأهوائهم هو سبب ضلالهم، وهذا المعنى فيه بناء للمعتقد الصحيح في اختيار العبد لسبيله في الحياة، وفيه تعلق لقلب العبد بربه وإحسانه الظن به، وعدم الأمن منمكر الله، وعدماليأس من رحمته، وفيه رد على الجبرية في دعاويهم الباطلة في هذا الباب. قال ابن جرير: "أن ذلك خبرٌ من الله أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يَعِي به شيئًا، أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته، وذلك أن "الحول بين الشيء والشيء"، إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبَه إدراكَه سبيلٌ" (١). قال الزمخشري: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه يعنى أنه يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليما كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله" (٢)، وذكر هذا القرطبي (٣). وقال ابن عطية: "فهذه صلة حياة الدنيا بحياة الآخرة، وقوله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يحتمل وجوها، ومنها أنه لما أمرهم بالاستجابة في الطاعة حضهم على المبادرة والاستعجال، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ بالموت والقبض أي فبادروا بالطاعات، ويلتئم مع هذا التأويل قوله: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي فبادروا الطاعات وتزودوها ليوم الحشر، ومنها أن يقصد بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ إعلامهم أن قدرة الله وإحاطته وعلمه والجة بين المرء وقلبه حاصلة هناك حائلة بينه وبين قلبه، قال القاضي أبو محمد: فكأن هذا المعنى يحض على المراقبة والخوف لله المطلع على الضمائر" (٤).

стр. 378

قال البيضاوي: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب مما عسى يغفل عنه صاحبها، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره" (١)، وبنحوه قال أبو حيان، وأبو السعود (٢). قال ابن سعدي: "حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء. فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك" (٣). [أعطى الله على بذل الأسباب أضعافها وحرم على منعها كذلك] قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ [سورة الأنفال: ٦٠] ٨. وقال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وهذا التقييد لإعداد المستطاع من القوة ومن رباط الخيل بقصد إرهاب الأعداء المجاهرين والأعداء المستخفين وغير المعروفين، دليل على تفضيل جعله سببا لمنع الحرب على جعله سببا لإيقاذ نارها، فهو يقول: استعدوا لها ليرهبكم الأعداء عسى أن يمتنعوا عن الإقدام على قتالكم، وهذا عين ما يسمى في عرف دول هذه الأيام بالسلام المسلح، بناء على أن الضعف يغري الأقوياء بالتعدي على الضعفاء، ولكن الدول الاستعمارية تدعي هذا بألسنتها وهي كاذبة في دعواها أنها تقصد بالاستعداد للحرب حفظ السلم العام" (٤).

стр. 379

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة أعطى الله على بذل الأسباب أضعافها وحرم على منعها كذلك، بدلالة التقييد. وجه الاستنباط: الهدف من الاستعداد للحرب بالعدة والعتاد، ليس لأجل الحروب وإيقادها، وإنما هو من باب أخذ الحيطة والحذر وذلك أن الأمم إذا أحست أن من هو دونها في قوة وعزة كفت عن التعدي على حقوقه، واستشهد بواقع الدول التي خضعت للاستعمار وقد أورد مصطلحا من مصطلحات الحرب في هذا العصر، وهو ما يعرف بالسلام المسلح. ولم يتعرض المفسرون لهذا المعنى، بل اقتصرت عباراتهم على لفظ العموم من الآية. ومن ذلك ما قاله القرطبي: "قوله تعالى: "وأعدوا لهم" أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى، فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله ﷺ ، ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ، وكلما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك، قال ابن عباس: القوة هاهنا السلاح والقسي" (١). وقال أبو حيان: "لما اتفق في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا تكميل آلة ولا عدة وأمره تعالى بالتشريد وبنبذ العهد للناقضين كان ذلك سبيلا للأخذ في قتاله والتمالؤ عليه فأمره تعالى للمؤمنين بإعداد ما قدروا عليه من القوة للجهاد والإعداد الإرصاد وعلق ذلك بالاستطاعة لطفا منه تعالى والمخاطبون هم المؤمنون والضمير في لهم عائد على الكفار المتقدمي الذكر وهم المأمور بحربهم في ذلك الوقت ويعم من بعده" (٢)، وكذا القاسمي (٣). وقال ابن سعدي: " ﴿ما استطعتم من قوة﴾ أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة، ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي: والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير. ولهذا قال النبي ﷺ ((ألا إن القوة الرمي)) (٤) ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته" (٥).

стр. 380

قال أبو زهرة: " (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قوَّة وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) هذا أمر تكليفي وهو فرض كفاية على الأمة الإسلامية يجب على الأمة كلها أن تتعاون في إعداد هذه القوة، بالدربة، والتعليم والرمي، وكل ما يربي الجند القوي، فلا بد من التربية على الجندية، وإعداد عدة القتال، وذلك بالمستطاع بل بأقصى ما يستطاع، ومن هنا بيانية في قوله (مِّن قُوَّةٍ) وهي تدل على عموم القوى، فأعدوا كل ما يمكن أن يكون قوة في الحرب من دربة على الرمي بالسهام، فكل قوة مستطاعة يجب على الأمة أن تتضافر على إيجادها، وإلا أثمت كلها، ولم ينج من الإثم فقيرها وغنيها ولا قويها أو ضعيفها، فالقادر بقدرته، والضعيف بلسانه" (١). [الحرب والجهاد مقصود لإعلاء كلمة الحق ودحض الباطل لا لذاته] قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [سورة الأنفال: ٦١] ٩. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: بعد أن ساق دعاء النبي ﷺ : ((أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية)) (٢)، قال: "وهذا يؤيد ما دلت عليه الآية من أن الحرب ليست محبوبة عند الله، ولا عند رسوله لذاتها، ولا لما فيها من مجد الدنيا، وإنما هي ضرورة اجتماعية يقصد بها منع البغي والعدوان، وإعلاء كلمة الحق والإيمان، ودحض الباطل، واكتفاء شر عمله، بناء على سنة: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الرعد: ١٧]، وتسمى في عرف عصرنا سنة الانتخاب الطبيعي" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا أصوليا، في باب الأمور بمقاصدها، في مسألة الحرب والجهاد مقصود لإعلاء كلمة الحق ودحض الباطل لا لذاته، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: الحرب وما تخلفه ليست محبوبة لذاتها عند الله وعند رسوله ﷺ ، ولكنها ضرورة اجتماعية إذا قصد منها منع البغي والعدوان وكان الهدف إعلاء كلمة الحق والإيمان، ودحض الباطل فلما يُطلب السلم فالمسلم الحق يجنح لهذا السلم، لأنه الأفضل لمن معه ولمن حوله، وفي هذا رسم للخطوط العريضة للجهاد وغاياته.

стр. 381

وقد أشار بعض المفسرين إلى مفهوم هذا المعنى كما قال ابن جرير: " (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ، إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح (فاجنح لها)، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه" (١)، ومثله البغوي (٢). وقال الرازي: "واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار، بين بعده أنهم عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح، فالحكم قبول الصلح، قال النضر: جنح الرجل إلى فلان، وأجنح له إذا تابعه وخضع له، والمعنى: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه" (٣)، وكذا قال البيضاوي، والنسفي، والقرطبي (٤)، وابن سعدي، وابن عاشور (٥). [بشارة المؤمنين بنصر الله لإيمانهم وصبرهم وفقههم فضلا منه لا ثمنا لجهادهم] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [سورة الأنفال: ٦٥] ١٠. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "ونكتة إيراد هذا الحكم بلفظ الخبر، الإشارة إلى جعله بشارة بأن المؤمنين الصابرين الفقهاء يكونون كذلك فعلا، وكذلك كانوا، كما ترى بيانه في تفسير الآية التالية" (٦). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباط عقديا، في باب السنن، في مسألة بشارة المؤمنين بنصر الله لإيمانهم وصبرهم وفقههم فضلا منه لا ثمنا لجهادهم، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: إيراد الحكم بلفظ الخبر، يزيده يقينا وتحقيقا، فكان في الحكم بشارة للمؤمنين الذين صدقوا وصبروا ووفقوا، وهذا وعد وبشارة كذلك للمجاهدين في عصور هذه الأمة المتتابعة، فإن النصر من عند الله كما وعد، بعد تحقق شروطه الواجب استيفاؤها على المجاهدين، وقد تقرر أن نصر الله فضل منه على عباده المجاهدين، وأن تحقيقهم لأسبابه سبب لتحققه وليس ثمنا لجهدهم في تحقيق أسبابه.

стр. 382

ووافق الشيخ رشيد على استنباطه ابن سعدي حيث قال: "إن في إتيانه بلفظ الخبر، نكتة بديعة لا توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر، وهي تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة بأنهم سيغلبون الكافرين" (١). وإلى ذلك أيضا أشار الزمخشري فقال: "وهذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده، ثم قال بأنهم قوم لا يفقهون أى بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ويستحقون خذلانه، خلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله تعالى" (٢). قال أبو بكر الجصاص: "أن قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ وإن كان لفظه لفظ الخبر فمعناه الأمر كقوله تعالى ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وليس هو إخبارا بوقوع ذلك وإنما هو أمر بأن لا يفر الواحد من العشرة ولو كان هذا خبرا لما كان لقوله ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ معنى لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به لا في المخبر عنه ومعلوم أيضا أن القوم الذين كانوا مأمورين بأن يقاوم الواحد منهم العشرة من المشركين داخلون في قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ فلا محالة قد وقع النسخ عنهم فيما كانوا تعبدوا به من ذلك ولم يكن أولئك القوم قد نقصت بصائرهم ولا قل صبرهم وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم" (٣)، وكذا أشار شهاب الدين الخفاجي في حاشيته على البيضاوي (٤). [وجوب العلم وعلو شأن أهله في كل الميادين] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [سورة الأنفال: ٦٥] ١١. قال الشيخ ﵀: "والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين، وأفقه بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وارتقاء الأمم، وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السبب في كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين" (٥).

стр. 383

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب العلم، في مسألة وجوب العلم وعلو شأن أهله في كل الميادين، بدلالة المفهوم. وجه الاستنباط: اصطفاء الله للمؤمنين وجعلهم أفقه في كل فن ومجال يتعلق بحياتهم، وحرمان الكفار من هذا العلم هو السبب في كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين، ولذا كان ما وصل إليه حال المؤمنين في القرون الأولى إنما كان بسبب هداية دينهم، وأنهم عندما فسدوا وتركوا الهداية زال عنهم ذلك المجد والسؤدد. وذكر ابن جرير معنى عام للتفقه فقال: (بأنهم قوم لا يفقهون)، يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر ولا احتساب، لأنهم لم يفقهوا أن الله مُوجبٌ لمن قاتل احتسابًا، وطلب موعود الله في الميعاد، ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء، خشية أن يُقتلوا فتذهب دنياهم (١)، ومثله البغوي (٢). وقال الزمخشري: "ثم قال بأنهم قوم لا يفقهون أى بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ويستحقون خذلانه، خلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله تعالى" (٣)، وبنحوه قال البيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، والألوسي، وأبو السعود، وابن سعدي (٤). وقال ابن عطية: "قوله لا يَفْقَهُونَ معناه لا يفهمون مراشدهم ولا مقصد قتالهم لا يريدون به إلا الغلبة الدنياوية، فهم يخافون إذا صبر لهم، ومن يقاتل ليغلب أو يستشهد فيصير إلى الجنة أثبت قدما لا محالة" (٥). وقال الرازي: "وهناك وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات، وهو أن كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيبا عند الخلق، ولذلك إذا حضر الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء، فإن أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه، بل نقول: إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيبا، وأيضا الرجل الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى، فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه، وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت، إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان الله" (٦).

стр. 384

استنباطات سورة التوبة [أصل الدين مبني على علم يقيني لا على ظن أو تقليد] قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [سورة التوبة: ٦] ١. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وتدل الآية على أن الاعتقاد بأصل الدين يجب أن يكون علما يقينيا لا شك فيه ولا احتمال، وإن لم يكن منطقيا، ولا يكتفى فيه بالظن الراجح كالفروع العلمية، ولا بالتقليد؛ لأنه ليس بعلم" (١). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة شروط لا إله إلا الله، في مسألة شرط العلم واليقين، وأنهما أساس الدين وعمادة، بدلالة اللفظ. وجه الاستنباط: المقصود من إجارة المشرك هو تحقيق العلم عنده بالدين وأصله، فإن ذلك هو أساس هذا الدين المبني على العلم اليقيني وليس العلم الظني، وقد أكد هذا المعنى خاتمة الآية (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ)، وهذا فرق بين الأمور الاعتقادية والأمور الفرعية العلمية، وهذا الاستنباط وإن كان واضح الدلالة النصية إلا أنه جميل في بعده ومعناه. وقد أجمع المفسرون على أن المراد بالإجارة هي إعطاؤه الأمان حتى يتسنى له سماع القرآن وما فيه من الحجج والبراهين، فإنهم لم يكونوا يعلمون ما فيه، لذا أمر بالإجارة ومن ثم إقامة الحجة عليه وبعدها ينظر في حاله إن آمن فخير وإن لم يؤمن فأبلغه مأمنه. ومن ذلك ما قاله ابن جرير: "تفعل ذلك بهم، من إعطائك إياهم الأمان ليسمعوا القرآن، وردِّك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم، من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوِزْر والإثم بتركهم الإيمان بالله" (٢)، ومثله البغوي (٣). قال ابن عطية: "وقوله سبحانه: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ يعني القرآن، والمعنى ويفهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فذكر السماع بالأذان إذ هو الطريق إلى الفهم وقد يجيء السماع في كلام العرب مستعملا بمعنى الفهم كما تقول لمن خاطبته فلم يقبل منك أنت لم تسمع قولي تريد لم تفهمه" (٤)، ومثله ابن كثير (٥).

стр. 385

وقال البيضاوي: "حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر، ثم أبلغه مأمنه موضع أمنه إن لم يسلم، بأنهم قوم لا يعلمون ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه فلا بد من أمانهم ريثما يسمعون ويتدبرون" (١)، ومثله النسفي وأبو حيان والقرطبي، وأبو السعود (٢). [أخوة الدين أصل عظيم يقوم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة] قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ [سورة التوبة: ١١] ٢. قال الشيخ ﵀: "وهو نص في أن أخوة الدين تثبت بهذين الركنين، ولا تثبت بغيرهما من دونهما، والثاني مقيد بشرطه وهو ملك النصاب مدة الحول، والكلام في جملة المشركين، وفيهم الغني والفقير، وهل يتعارف الإخوان في الدين إلا بإقامة الصلوات في المساجد وسائر المعاهد، وبأداء الصدقات للمواساة بينهم" (٣). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الولاء والبراء، في مسألة أخوة الدين أصل عظيم يقوم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بدلالة النص. وجه الاستنباط: أخوة الدين لا تقوم إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهي بهذا حققت أصل وأساس الأخوة في الدين، ولو جمعت غيرهما بدونهما لم تتحقق أخوة الدين، فالصلاة تجمع الإخوان وتربطهم بحق الله عليهم، والزكاة تربط المؤمنين بحق إخوانهم الفقراء، فإذا اجتمعا تحققت الأخوة في الدين. وأشار إلى هذا المعنى ابن عطية فقال: "قرن تعالى بإيمانهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة، وقال ابن زيد: قرن الله الصلاة بالزكاة ولم يرض بإحداهما دون الأخرى. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا مر أبو بكر ﵁ وقت الردة، و «الأخوة في الدين» هي أخوة الإسلام" (٤). وقال الرازي: "المواخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعا، فإن الله تعالى شرطها في إثبات المواخاة، ومن لم يكن أهلا لوجوب الزكاة عليه، وجب عليه أن يقر بحكمها، فإذا أقر بهذا الحكم دخل في الشرط الذي به تجب الأخوة، وكان ابن مسعود يقول رحم الله أبا بكر ما أفقهه في الدين، أراد به ما ذكره أبو بكر في حق مانعي الزكاة" (٥).

стр. 386

وقال أبو زهرة: "وقد قرن إقامة الصلاة وأداء الزكاة؛ لأنها أمارات الإيمان العملية، ولكي يخرج الكافر مما كان عليه لَا بد من مظهر عملي دال على الخروج مما كان عليه، فكانت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة دليلا على انخلاعه من دينه القديم، وأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تثبت الإيمان، وبيان الإذعان الكامل لما أمر الله تعالى به، ونهى عنه. وجواب الشرط (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) هو قوله تعالى: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) أي فقد دخلوا في الإسلام، وصاروا إخوانكم، وعبَر بقوله تعالى: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) للإشارة إلى أنهم دخلوا في الأخوة الإسلامية، وهي عهد الله الجامع الذي لَا تفرق فيه، ولا تتجافى القلوب بل تتواد وتتراحم بعرى الإيمان الوثيقة" (١). [الإيمان الصحيح يحقق خشية الله في قلب المؤمن وقوته وشجاعته] قال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [سورة التوبة: ١٣] ٣. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "وفيه دليل على أن المؤمن حق الإيمان يكون أشجع الناس وأعلاهم همة؛ لأنه لا يخشى إلا الله " (٢). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب الإيمان، في مسألة الإيمان الصحيح يحقق خشية الله في قلب المؤمن وقوته وشجاعته، بدلالة لفظة الخشية. وجه الاستنباط: المؤمن إذا حقق الإيمان الصحيح كانت نتيجته قيام خشية الله في قلبه، فيستقر في قلبه عدم الخوف إلا من الله وعلى هذا يكون أقوى وأشجع، لأنه يعلم أن الله أقوى من كل شيء، وأن هؤلاء لن يضروه شيئا. قال ابن جرير: "يقول: أتخافونهم على أنفسكم فتتركوا قتالهم خوفًا على أنفسكم منهم (فالله أحق أن تخشوه)، يقول: فالله أولى بكم أن تخافوا عقوبته بترككم جهادهم، وتحذروا سخطه عليكم، من هؤلاء المشركين الذين لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا إلا بإذن الله، (إن كنتم مؤمنين)، يقول: إن كنتم مقرِّين أن خشية الله لكم أولى من خشية هؤلاء المشركين على أنفسكم" (٣). قال الزمخشري: "أتخشونهم تقرير بالخشية منهم وتوبيخ عليها فالله أحق أن تخشوه فتقاتلوا أعداءه إن كنتم مؤمنين يعنى أن قضية الإيمان الصحيح ألا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا يبالي بمن سواه، كقوله تعالى ولا يخشون أحدا إلا الله" (٤)، ونقل ذلك أبو حيان (٥).

стр. 387

قال البيضاوي: " فاخشوه أي إن قضية الإيمان الكامل ألا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه" (١)، ومثله النسفي، وأبو السعود (٢). وقال ابن عاشور: "فالله الذي أمركم بقتالهم أحق أن تخشوه إذا خطر في نفوسكم خاطر عدم الامتثال لأمره، إن كنتم مؤمنين، لأن الإيمان يقتضي الخشية من الله وعدم التردد في نجاح الامتثال له" (٣). [إعلام المؤمنين بأن الأيام دول مع الكفار وبشارتهم أن العاقبة لهم] قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ٢٧] ٤. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "ونكتة التعبير عن هذه التوبة، وما يتلوها من المغفرة والرحمة، بصيغة الفعل المستقبل "يتوب" إعلام المؤمنين بأن ما وقع في حنين من إيمان أكثر من بقي من الذين غلبوا وعذبوا بنصر المؤمنين عليهم، سيقع مثله لكل الذين يقدمون على قتال المؤمنين بعد عودة حال الحرب بينهم، فإن من سنة الله في الاجتماع البشري أن يميز الخبيث من الطيب بمثل ذلك، وما من حرب من حروب المسلمين الدينية الصحيحة إلا وكان عاقبتها كذلك، ولما صار الإسلام جنسية، وحروب أهله أهواء دنيوية فقدوا ذلك" (٤). الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب السنن، في مسألة إعلام المؤمنين بأن الأيام دول مع الكفار وبشارتهم أن العاقبة لهم، بدلالة التضمن. وجه الاستنباط: ما وقع للمسلمين يوم حنين، سيقع مثله فيما يستقبل من الزمن، وما من حرب من حروب المسلمين الدينية الصحيحة إلا وكان عاقبتها للمؤمنين، فعند قتال الكافرين للمؤمنين بعد عودة الحرب بينهم، ستكون العاقبة للمتقين، ثم الله غفور لعباده الذين عادوا الله في الاجتماع البشري، وإن الله بتلك السنة يميز الخبيث من الطيب، وإن حروب أهل الإسلام نصرة للدين ووفق سنة الله، وحروب غيرهم حروب أهواء دنيوية. قال أبو جعفر: "يقول تعالى ذكره: ثم يتفضل الله بتوفيقه للتوبة والإنابة إليه، من بعد عذابه الذي به عذَّب من هلك منهم قتلا بالسيف (على من يشاء)، أي يتوب الله على من يشاء من الأحياء، يُقْبِل به إلى طاعته" (٥).

стр. 388

وقال أبو حيان: "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم إخبار بأن الله يتوب على من يشاء فيهدي من يشاء ممن بقي من الكفار للإسلام، ووعد بالمغفرة والرحمة كمالك بن عوف النضري رئيس هوازن ومن أسلم معه من قومه" (١). وقال الشوكاني: "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء أي: من بعد هذا التعذيب على من يشاء ممن هداه منهم إلى الإسلام والله غفور يغفر لمن أذنب فتاب رحيم بعباده يتفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه" (٢). وقال ابن سعدي: " ﴿ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء﴾ فتاب الله على كثير ممن كانت الوقعة عليهم، وأتوا إلى النبي ﷺ مسلمين تائبين، فرد عليهم نساءهم، وأولادهم ﴿والله غفور رحيم﴾، أي: ذو مغفرة واسعة، ورحمة عامة، يعفو عن الذنوب العظيمة للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة والطاعة، والصفح عن جرائمهم، وقبول توباتهم، فلا ييأسن أحد من مغفرته ورحمته، ولو فعل من الذنوب والإجرام ما فعل" (٣). وقال ابن عاشور: "والمعنى: ثم تاب الله عليهم، أي على الذين أسلموا منهم فقوله: يتوب الله من بعد ذلك دليل المعطوف بثم ولذلك أتي بالمضارع في قوله: يتوب الله دون الفعل الماضي: لأن المقصود ما يشمل توبة هوازن وتوبة غيرهم، للإشارة إلى إفادة تجدد التوبة على كل من تاب إلى الله لا يختص بها هوازن فتوبته على هوازن قد عرفها المسلمون، فأعلموا بأن الله يعامل بمثل ذلك كل من ندم وتاب، فالمعنى: ثم تاب الله عليهم ويتوب الله على من يشاء" (٤). [الخزن والخوف منهي عنهما ومنافيان لمراد الله من المؤمن] قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [سورة التوبة: ٤٠] ٥. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "الحزن انفعال نفسي اضطراري يراد بالنهي عنه مجاهدته، وعدم توطين النفس عليه، والنهي عن الحزن وهو تألم النفس مما وقع، يستلزم النهي عن الخوف مما يتوقع"، "وأما الخوف فهو انفعال النفس من أمر متوقع، وقد نهى الله رسوليه - موسى وهارون- عنه قبل وقوع سببه وهو لقاء فرعون ودعوته إلى ما أمرهما به، والنهي عن الحزن يستلزم النهي عن الخوف، كما تقدم، وقد كان الصديق خائفا وحزنا كما تدل عليه الروايات، وهو مقتضى طبع الإنسان" (٥).

стр. 389

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب أعمال القلوب، في مسألة الخزن والخوف منهي عنهما ومنافيان لمراد الله من المؤمن، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: دل لفظ الحزن على طبيعة البشر التي لا تخلو منها حياتهم، وما يتضمنه من آثار ومفاسد تستحق التنبيه عليها والتحذير منها، ثم فرق بين الحزن والخوف، في صفتهما وآثارهما، مع اتفاقهما في ضررهما ومفاسدهما على أعمال القلوب، وفضيلة السلامة منهما وإمكانية ذلك، وأنهما طبيعة بشرية، والحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، والأولى بالعبد إذا نزل به أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة، وهذا منفي في حق أبي بكر. وممن أشار إلى هذا البغوي، فقال: "وقوله : لا تحزن إن الله معنا، لم يكن حزن أبي بكر جبنا منه، وإنما كان إشفاقا على رسول الله ﷺ " (١). وكذا الرازي فقال: "أن قوله: لا تحزن نهي عن الحزن مطلقا، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي ألا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت" (٢). وقال الألوسي: "وألا تَحْزَنْ، ليس المقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فإنه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بل المقصود منه التسلية للصديق رضي الله تعالى عنه أو نحوها" (٣). وزاد ابن سعدي: "أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، مع أن الأولى -إذا نزل بالعبد- أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة" (٤)، وهذا منفي في حق أبي بكر. [الفرق بين الطعن في أمور الرسالة والطعن في أمور العادات في حق النبي ﷺ -] قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ [سورة التوبة: ٦١] ٦. قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "الآية وما في معناها دليل على أن إيذاء الرسول ﷺ كفر، إذا كان فيما يتعلق بصفة الرسالة؛ فإن إيذاءه في رسالته، ينافي صدق الإيمان بطبيعته، وأما الإيذاء الخفيف فيما يتعلق بالعادات والشئون البشرية فهو حرام، لا كفر" (٥).

стр. 390

الدراسة: استنبط الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ استنباطا عقديا، في باب النفاق، في مسألة الفرق بين الطعن في أمور الرسالة والطعن في أمور العادات في حق النبي ﷺ ، بدلالة اللزوم. وجه الاستنباط: اللمز والهمز على النبي ﷺ يستلزم الطعن في نبوته، وفرق بين إيذائه فيما يتعلق بصفة الرسالة، وما يتعلق بالعادات والشئون البشرية، فالأول كفر، لأنه طعن في أصل الدين، وهو ما عناه المنافقون في طعنهم في هذه الآية، والثاني حرام لا كفر، فقد يقع من غير طعن في الدين، كما حدث ممن طعن في النبي ﷺ أنه لم يعدل. قال أبو جعفر: "يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين جماعة يؤذون رسول الله ﷺ ويعيبونه (ويقولون هو أذن) سامعةٌ، يسمع من كل أحدٍ ما يقول فيقبله ويصدِّقه" (١)، ومثله البغوي، وابن كثير، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والقرطبي (٢)، وغيرهم، فقد ذكروا تفسير هذه اللفظة، ولم يتطرقوا إلى معنى الكفر في إيذائه ﷺ وأن هذا النوع كفر برسالته ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لقد أكثر الله في سورة براءة من صفات المنافقين، ولهذا سميت هذه السورة: الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، وتسمى المبعثرة؛ لأنها بعثرتهم، فلم تزل تذكر: ومنهم ومنهم ومنهم ومنهم حتى خاف المنافقون أن يسموا بأعيانهم، وذكر منها هذه الآية" (٣)، ثم قال: "فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة، فيجب أن يكون داخلاً فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفاً، ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالداً فيها" (٤).
следующие страницы →