← Каваид фикха

Каваид фикха · id 842

تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية

وليد السعيدان

Полный текст (282 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أقول: هذا السؤال مكون من شقين: فأما الأول: فاعلم أن من أكره على الكفر فإنه يباح له الكفر الظاهر لا الباطن، أي يجوز له موافقة المكرِه بقول الكفر أو فعله ظاهرًا لكن لا يجوز له ذلك في الباطن؛ لأنه لا استيلاء للمكرِه على الباطن ولا علم له به. ودليل ذلك الآية السابقة: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، وللحديث السابق ذكره: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) لكنه لو كفر في الباطن لخرج عن الإسلام؛ لأنه فعل ذلك باختياره؛ لأنهم لم يكرهوه على الكفر القلبي، وإنما أكرهوه على الكفر في الظاهر فقط، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ لكن عندنا حديث مشكل وهو حديث طارق بن شهاب ﵁ في: أن رجلاً دخل الجنة في ذباب ورجل دخل النار في ذباب، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: (مر رجلان على قومٍ لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب، فقال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا: قرب ولو ذبابًا فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار ... الحديث) (١) فهذا الرجل في ظاهر الحديث أنه لم يقرب ذبابًا إلا أنه يريد التخلص من القتل إذا لم يقرب، فهو إذًا مكره ومع ذلك عوقب على ذلك الفعل ودخل النار بسببه مع أنه كفر في الظاهر ولا ندري عن الباطن، وليس في الحديث ما يشير إلى أنه وافقهم في

стр. 107

الباطن. فكيف نقول: أن من أكره على الكفر يجوز له الكفر في الظاهر فقط وهذا الحديث يثبت عقوبة من كفر ظاهرًا وهو مكره؟ أقول: هذا سؤال وجيه جدًا، وقد حاول العلماء الإجابة عنه فذكروا أجوبة عديدة فقال بعضهم: إن الرجل الذي قرب ذبابًا وافقهم في الظاهر والباطن فاستحق دخول النار؛ لأنه وافقهم في الباطن. ويجاب عنه: بأن هذه دعوى وكل دعوى لا تقبل إلا بالدليل، فأين الدليل الدال على موافقته لهم في الباطن؟ بل ظاهر الأمر أنه لم يفعل ذلك إلا لخوفه أن يقتلوه فهو في الحقيقة مكره. وقال بعضهم: إنه استحق دخول النار؛ لأنه كان كافرًا بالأصل، فليس سببه التقريب لغير الله. ويجاب عنه: بأن الحديث سيق لبيان خطر الذبح لغير الله، ولو كان كافرًا لدخل النار بمجرد كفره، فلما قال: (فقرب ذبابًا فخلو سبيله فدخل النار) دل ذلك على أن سبب دخوله للنار هو هذا التقريب؛ ولأن قوله: (فدخل النار) حكم مقرون بالفاء بعد قوله: (فقرب ذبابًا) وهو وصف وعلة الحكم المقرون بالفاء بعد وصف هو عين ذلك الوصف. وقال بعضهم: بل دخل النار؛ لأنه لم يصل إلى حد الإكراه الملجئ الرافع للتكليف. ويجاب عنه: بأن هؤلاء القوم قد هددوهما بالقتل إن لم يقربا، بل إنهم قتلوا الآخر وهذا هو عين الإكراه الملجئ. وقد يقال: إن التكليف يزول بمسمى الإكراه ولا ينظر هل هو ملجئ أو غير ملجئ لعموم الأدلة، وتقدم ذلك. وقال بعضهم: إن الرخصة إنما هي في الكفر القولي أي باللسان فقط، أما الكفر العملي فإنه يقع حكمه على صاحبه وإن كان مكرهًا، وهذا الرجل كفر كفرًا عمليًا وهو الذبح لغير الله، ولا رخصة في ذلك. ويجاب: أن عموم الآية والحديث يدل على دخول الكفر العملي، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وذكروا غير ذلك. فإن قلت فما الجواب الصحيح؟

стр. 108

أقول: الجواب الصحيح هو أن هذه القصة كانت فيمن كان قبلنا، وهذا هو ظاهر الحديث، فهي من شرع من قبلنا، وشرع ما قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه في شرعنا، وكان من شرعهم عدم جواز النطق بكلمة الكفر أو فعله ولو مع الإكراه ونسخ ذلك في شريعتنا رحمة من الله تعالى وتيسيراً علينا. فإن قيل: ما دليلك على أنها كانت فيمن كان قبلنا؟ فأقول: هذا هو ظاهر الحديث، وإذا لم يظهر ذلك فنقول: حتى ولو كانت في هذه الأمة فهي أيضًا مما نسخ بالآيات والأحاديث التي تعفو عن فعل الكفر أو قوله بالإكراه والنسخ في شريعتنا جائز وواقع، هذا هو جواب الشق الأول.

стр. 109

أما جواب الشق الثاني: وهو هل الأفضل فعل الكفر المكره عليه أم الأفضل الصبر وإن أدى إلى القتل؟ أقول: هذا فيه خلاف طويل بين العلماء – رحمهم الله تعالى – وفصل القول فيه أنه تابع للمصلحة، فإن الشريعة لا تأمر إلا بما فيه مصلحة غالبة أو خالصة، ولا تنهى إلا عن ما فيه مفسدة خالصة أو غالبة، وليس في الشريعة ما تستوي فيه المصالح والمفاسد وإنما يفرض من باب التقسيم فقط وإلا فلا حقيقة له، فإذا أكره الإنسان على الكفر أو القتل فلينظر بعين الشرع، فإن كانت إجابته للمكره فيما أراد فيها مفسدة خالصة أو غالبة فنقول: عليه أن يصبر، وإن مات فهو شهيد، ومن ذلك صبر من صبر من الصحابة – رضوان الله عليهم – في أول الإسلام، وعليه قوله ﷺ لما قال له خباب بن الأرت: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟ فقال: (إنه كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض فيوضع المنشار على رأسه فيشق نصفين لا يرده ذلك عن دينه) . ومنه صبر الراهب وجليس الملك في حديث غلام الأخدود وهو عند مسلم من حديث صهيب بن سنان الرومي (١) . ومنه صبر الإمام أحمد على الفتنة وعذابها فإنه قد افتتن كثير من علماء عصره إلا هو – ﵁ وأرضاه – ومن شاء الله تعالى، فثبت على البلاء ووقف في وجه المأمون والمعتصم والواثق وقوف الرجال وكان يقال له: إن لك في ذلك فسحة من الله فإنك مكره، وكان يجيبهم بأن كلامه مسموع فلو قال ما أرادوه من القول بخلق القرآن لنقلها الناس عن إمام أهل السنة وافتتن بها خلق كثير، فلما غلبت المفسدة على المصلحة صبر وثبت وأصر على الحق ولم يجبهم إلى ما أرادوه (٢) ، والأمثلة كثيرة.

стр. 110

وأما إن كان في الإجابة مصلحة خالصة أو راجحة فالقول حينئذٍ أن الإجابة هي المشروعة كإجابة عمار ﵁ لكفار قريش في سب النبي ﷺ . وعلى العموم فإن إعطاء قانون مستقيم في الإجابة من عدمها ليس صحيحًا؛ لأن الأدلة وردت بهذا وبهذا ولكن القول بتنوع الأحوال هو الصحيح وهذا التنوع ليس تابعًا للخوف أو الهوى وإنما هو تابع للمصلحة فأي الطرفين اقترنت به المصلحة فهو الراجح فإن اقترنت بالإجابة فهي الراجحة وإن اقترنت بتركها فهي الراجحة وتنزل أدلة الطرفين على وجود المصلحة، وبهذا القول تتآلف الأدلة وتتفق، والله أعلم. المسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلف أو لا؟

стр. 111

فيه خلاف، فقيل بتكليفه وهو رواية عن أحمد – رحمه الله تعالى – ليست هي المشهورة واستدلوا بقوله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ واضربوهم عليها لعشر) والأمر للوجوب والعقاب لا يكون إلا على ترك واجب، فلو لم تكن واجبة لما استحقوا على تركها العقاب، واستدلوا أيضًا بوجوب الزكاة عليهما، والزكاة حكم تكليفي، وبأنهما لو أتلفا شيئًا وجب عليهما ضمانه، وبقوله ﷺ للحسن أو للحسين لما أراد أن يأخذ تمرة ساقطة: كخٍ كخٍ إني أخشى أن تكون من الصدقة، وبقوله ﷺ للذي طاشت يده في الطعام وهو صغير لم يحتلم لكنه مميز وهو عمر بن أبي سلمة قال له: (يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه، والتسمية على الطعام واجبة، والأكل باليمين كذلك وهما حكمان تكليفيان فدل ذلك على أن المميز مكلف. وقال جماهير العلماء بعدم تكليفه وهي رواية عن أحمد أيضًا ورجحها كثير من أصحابه لقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة، عن الصغير حتى يحتلم) وهو نص في المسألة؛ ولأن تعليق التكليف بأول جزءٍ من أجزاء التمييز تعليق لما لا دليل عليه (١) ، فإن التمييز كضوء النهار يبدأ أولاً لا يكاد يرى ثم ينتشر شيئًا فشيئًا، فعلامة ابتداء التمييز غير معلومة لنا؛ ولأنها متفاوتة أشد تفاوت بين جيل وآخر. وأما وجوب الضمان لما أتلفوه ووجوب الزكاة فليس هو من باب التكليف، وإنما هو من باب ربط الأحكام بأسبابها. فالضمان من الأحكام الوضعية لا التكليفية، وقلنا سابقًا أن الأحكام الوضعية لا يشترط فيها شروط التكليف.

стр. 112

وأما الزكاة ففيها تعلق بالذمة وبالمال لكن تعلقها بالمال أقوى ففي كل مال زكوي بلغ نصابًا الزكاة بغض النظر عن مالكه أعني إن كان له مالك معين حتى لا تجب الزكاة في الأموال العامة التي يشترك المسلمون في ملكيتها، والله أعلم. وأما حديث: (مروهم) فليس هو أمر للصغار، وإنما هو أمر للأولياء والأمر بالأمر ليس أمرًا به على الراجح من قول الأصوليين، وإنما هو أمر للأولياء لأمر صبيانهم بالصلاة ليعتادوها لا لأنها واجبة. وأما حديث الحسن فهو من الخصوصيات بآل هاشم؛ لأنه لا تحل لهم الصدقة فلا يستدل به على ما نحن بصدده (١) . وأما حديث عمر بن سلمة فلاشك أنه للوجوب العام على الصغير والكبير والذكر والأنثى؛ لأن القاعدة الأصولية: (أن أمر النبي ﷺ لواحدٍ من الأمة أمر للأمة ما لم يدل دليل على التخصيص بالمأمور) لكن خرج من هذا الوجوب الصغير (٢) الذي لم يحتلم فليس فيه الأمر للوجوب وذلك لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصغير حتى يحتلم ...) فالأول عام والثاني خاص والخاص يقضي على ما يقابله من العام، والجمع بين الأدلة واجب فيكون الأمر للإرشاد والتأديب لمن لم يبلغ وللوجوب لمن كلف. وأما ضربهم على ترك الصلاة إذا بلغوا عشر سنين فهو من باب التعزير لا الحد، والتعزير ليس من شروطه التكليف وإنما التكليف من شروط إقامة الحدود فقط، وبهذا يتبين أن القول الصحيح - إن شاء الله تعالى - هو القول بأن الصبي المميز ليس بمكلف وذلك لعدم بلوغه، والله أعلم. ولا نريد الإطالة فيكفي ما ذكرناه دليلاً على غيره، والله وأعلم. القاعدة التاسعة والعشرون ٢٩ - كل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسر

стр. 113

اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن الأصل هو أن الشريعة الإسلامية يسيرة سهلة، فهي أخف الشرائع السماوية على الإطلاق، وهي الحنيفية السمحة. قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ وليس في الشريعة حكم يخرج عن حدود الطاقة البشرية، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ . وأجمع العلماء أن الله تعالى لم يكلفنا بما لا نطيق، وهذا من فضله ورحمته جل وعلا فهذا هو الأصل العام في جميع الأحكام أصولاً وفروعًا، لكن قد يعرض أحيانًا للمكلف ما يكون تطبيق الحكم معه فيه حرج ومشقة، فإذا كان ذلك كذلك فإن الشريعة تخفف هذا الحكم إما بإسقاطه كله، أو بإسقاط بعضه، أو بالتخيير بين فعله وتركه، أو بإبداله بشيء أخف منه ونحو ذلك من أنواع التخفيف وذلك حتى تنتفي هذه المشقة ويرتفع ذلك الحرج. وهذه القاعدة هي ما يعبر عنها بعض الفقهاء بـ (المشقة تجلب التيسير) وقد دلت عليها أدلة كثيرة عامة وخاصة. فأما العامة فهي كل دليل من القرآن أو السنة فيه نفي الحرج ورفعه وأن الله لا يكلفنا ما لا نطيق، ولا يحملنا ما لا طاقة لنا به، وأنه يريد اليسر لا العسر، وأنه وضع عنا الآصار والأغلال، وأنه خفف عنا ما كان على من قبلنا فكل ذلك دليل على هذه القاعدة. وأما الأدلة الخاصة فسنذكر طرفًا منها في الفروع -إن شاء الله تعالى-. وهذه القاعدة من أعظم ميزات هذه الشريعة السمحة عن سائر الشرائع، فالحمد لله تعالى أن جعلنا من أهلها، وممن يدين بها فإنه من فضل الله ورحمته التي أمرنا أن نفرح بها قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ . وحتى تتضح معالم هذه القاعدة اذكر لك طرفًا من فروعها فأقول:

стр. 114

منها: قصر الصلاة في السفر فإن الأدلة دلت على تأكيد سنية قصر الصلاة في السفر حتى قيل بوجوبه وتحريم الإتمام، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذلك لأن حالة السفر حالة تخالف حالة الإقامة، فالمسافر يجد من الحرج والمشقة في تطبيق بعض الأحكام ما لا يجده المقيم فروعيت حالة السفر وشرع فيه من التخفيف والتيسير ما لم يشرع للمقيم. من ذلك قصر الرباعية، وجواز الجمع، وجواز المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، وإسقاط الجمعة عنه، وجواز الفطر في رمضان، بل استحبابه على قولٍ في المذهب كل ذلك مراعاة لحالة المسافر حتى لا يكون عليه حرج ولا عسر ولا مشقة. وهذه الأحكام السابقة متعلقة بما يسمى سفرًا عرفًا وإن لم يكن مصحوبًا بالمشقة في آحاده، أي بالنسبة لبعض الناس، فالعبرة بالغالب الشائع لا القليل النادر، وقد قال ﷺ : (السفر قطعة من العذاب) ، والله أعلم. ومنها: جواز الانتقال من الطهارة المائية إلى الترابية إذا كان في استعمال الأولى حرج ومشقة كخوف من زيادة مرض، أو تأخر برء، أو شدة بردٍ، أو وجد الماء يباع بثمن زائد على ثمن المثل كثيرًا ونحوه، فإنه يجوز له حينئذٍ الانتقال وذلك مراعاة لحاله ورفعاً للحرج والعسر عنه بهذا التيسير، وعليه حديث عمرو بن العاص لما صلى بأصحابه وقد أجنب ثم تيمم خوفًا من الهلاك؛ لأنه كان في ليلة باردة (١) . ومنها: جواز الفطر في رمضان لمريضٍ يلحقه بترك الفطر مشقة من زيادة مرضٍ أو تأخر برء ونحوه، فلما حصل العسر حل اليسر. ومنها: جواز الصلاة قاعدًا في فرض للمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه، أو لمداواةٍ لقول طبيب مسلم. ومنها: جواز صلاة القصاب في ثيابه وربما أصابها شيء من الدم لوجود العسر عليه بكثرة إبدالها فارتفع العسر وحل اليسر إذا لم يتيقن نجاستها.

стр. 115

ومنها: جواز صلاة المرضع في ثيابها مع عدم خلوها غالبًا من نجاسة من بولٍ أو غائط بسبب كثرة حمل الطفل وإرضاعه، فترتفع حكم هذه النجاسة لوجود العسر عليها بكثرة إبدالها، والله أعلم. ومنها: أنه يجوز للضعفة من الناس الدفع من مزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة بعد غياب القمر تخفيفًا عليهم، وذلك لأنه يعسر عليهم الدفع مع الناس لوجود الزحام الشديد، فلما تحقق العسر عليهم بدفعهم مع الناس حل اليسر لهم بجواز الدفع في الليل. ومنها: جواز المسح على الخفين، بل سنيته إن كانت الرجل في الخف، فلما كان خلع الخف دائمًا عند كل وضوءٍ فيه مشقة وحرج خففت الشريعة هذا وأجازت المسح على الخفين رفعًا للمشقة والحرج وإحلالاً لليسر مكان العسر. ومنها: قول الأصحاب في باب المياه: إنه إذا تغير الماء بطاهر مما يشق صون الماء عنه من نابتٍ فيه، وورق شجر فإنه لا يؤثر في الماء أبدًا وعللوا ذلك بعسر التحرز منه إذ لا يمكن حماية الماء منه غالبًا فراعوا ذلك فلم يجعلوه مؤثرًا في الماء بخلاف ما لا يشق صون الماء عنه فإنه يؤثر في الماء، هذا على المذهب وليس على الراجح، وإنما المقصود مجرد التفريع فقط، والله أعلم. ومنها: أن العلماء – رحمهم الله تعالى – أجازوا الجمع للمريض الذي يلحقه بترك الجمع مشقة كالمستحاضة لحديث حمنة بنت جحش، وذلك لأن ترك الجمع في هذه الحالة فيه عسر فارتفع العسر بجواز الجمع؛ لأن مع العسر يسرًا، والله أعلم. ومنها: الأعذار التي يجوز معها ترك الجمعة والجماعة، كالمريض، والخائف بشرطهما المذكور في كتب الفقه فإن مطالبتهم بالحضور للجمعة والجماعة في هذه الحالة فيه عسر ومشقة وحرج فخفف الحكم في حقهم وارتفعت المشقة وزال الحرج بإسقاط الجمعة والجماعة عنهم فتحقق لهم اليسر بفضل الله ورحمته.

стр. 116

ومنها: جواز المسح على العمامة والجبيرة، فقد دلت الأدلة على جواز المسح عليهما، ولا يكلف لابسهما بخلعهما والإتيان بالفرض، بل اجتزأت الشريعة بالمسح عليهما وذلك لما في خلعهما من العسر والحرج. ومنها: جواز جمع الاثنين والثلاثة من الأموات في قبرٍ واحدٍ للضرورة، وذلك لكثرة الموتى وقلة من يدفن وخيف الفساد عليهم، كما فعل النبي ﷺ بشهداء أحد فقد كان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد ويقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن فيقدمه في اللحد، فلما وجد العسر في تخصيص كل واحد منهم بقبر ارتفع باليسر وهو جواز الجمع بينهم في القبر الواحد. ومنها: إسقاط المؤاخذة عن من فعل محظورًا من المحظورات، كمحظورات الإحرام والمفطرات للصائم إذا كان ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا وذلك؛ لأن الامتثال في هذه الأحوال فيه عسر ومشقة فزال العسر وارتفعت المشقة بإسقاط الإثم والمؤاخذة وهذا هو الراجح الموافق للأدلة الشرعية. وتقدم طرف منه في القاعدة السادسة عشرة، والله أعلم. وتتبع هذا الباب يطول فعلى المفتي أن يجعل ذلك الأصل بين عينيه عند الإفتاء فيما يتعلق به، فلا يغلظ على الناس فيما لم يرد فيه دليل صريح، فإنه ﷺ لم يخير بن أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، والله أعلم.

стр. 117

القاعدة الثلاثون ٣٠ - الأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليل قد تقدم لنا أن الأصل في العبادات الحظر والمنع، وهذا عام في أصل العبادة وشرطها وصفتها، فلا يجوز اختراع عبادةٍ لا أصل لها، ولا اختراع صفةٍ لها، ولا اشتراط شرط فيها إلا بدليل صحيح صريح. وتقدم أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، وهذا عام في أصلها أو صفتها أو الشروط فيها، وهذا القاعدة التي نحن بصدد شرحها فرع من هاتين القاعدتين. وبيانها أن يقال: إن الله تعالى قد تعبدنا بالفرائض والواجبات والسنن وأرسل لنا الرسل وأنزل لنا الكتب لتدلنا على هذه العبادات ولم يترك الله تعالى لعقولنا مدخلاً في باب العبادات؛ لأن العقل لا يستقل بإدراك ما يجوز التعبد به مما لا يجوز، فإذا علم هذا فاعلم أن الذي فرض علينا الفرائض والواجبات وسن السنن جعل لها شروطًا لا تصح إلا بها؛ لأنه يعلم أنها لا تكون عبادة إلا بهذه الشروط، فمن هذه الشروط قائم على اشتراطه هو جل وعلا في القرآن أو على لسان رسوله ﷺ ، فلابد من الجمع بين العبادة وشروطها التي دلت عليها الأدلة الصحيحة كالصلاة وشروطها والزكاة وشروطها والحج وشروطه والصوم وشروطه وهكذا، فلا يجوز لأحدٍ من الناس أن يربط صحة هذه العبادة بشرطٍ ما إلا إذا دل الدليل على اشتراطه؛ لأن الشرط في العبادات لا يكون إلا من الشارع فقط؛ لأن مبناه على الغيب والتوقيف، فمن فتح لعقله باب الاشتراط في العبادة فقد جعل نفسه مشرعًا مع الله تعالى، وكذلك لا يجوز ربط العبادة بشرط لم يدل عليه إلا دليل ضعيف فالأدلة الضعيفة لا يحتج بها في باب الأحكام، فمن عرف ذلك انكشف له زيف كثير من الشروط التي يمليها الفقهاء في بعض العبادات مما لا دليل عليه أصلاً أو عليه دليل ضعيف. ولوضوح ذلك أضرب بعض الأمثلة على هذا الشطر من القاعدة فأقول:

стр. 118

منها: اشتراط الأربعين لصحة الجمعة، فإن المشهور من مذهب الأصحاب اشتراط ذلك، ولكن إذا نظرنا إلى هذا الشرط وجدناه لا دليل عليه إلا دليلاً ضعيفًا وهو قول جابر: (مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدًا جمعة) ولكن هذا الحديث ضعيف جدًا، وكذلك من اشترط دون ذلك كاشتراط اثني عشر رجلاً كمذهب مالك فإنه وإن كان دليله صحيحًا لكن ليس بصريح في المراد، ولذلك أي لعدم الدليل على العدد لصحة الجمعة اختار جمع من العلماء صحة الجمعة باثنين؛ لأنهما جماعة، وبعضهم اختار صحتها بثلاثة اثنان يستمعان وواحد يخطب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح؛ لأن أقل الجمع ثلاثة على القول الصحيح عند الأصوليين، والله أعلم. ومنها: اشتراط سبع غسلات في غسل النجاسة وهو رواية عن أحمد فقد اشترط الأصحاب لتطهير النجاسات سبع غسلات ويستدلون بحديث ابن عمر: (اغسلوا الأنجاس سبعًا) ولكن هذا الكلام ليس له سند يصح وإنما هو مذكور في كتب الفقهاء بلا إسناد، بل ليس في حد إزالة النجاسة شيء يصح إلا في نجاسة الكلب فسبع إحداها بتراب، وفي الاستجمار من الخارج من السبيلين ثلاث مسحات، أما ما عداهما فلا يصح فيه شيء البتة والأصل في الشروط الشرعية التوقيف على الدليل وإذا لم يثبت بذلك دليل فالأصل أن النجاسة تكاثر بالماء حتى تزول عينها، فاشتراط الأصحاب سبع غسلات أو ثلاث غسلات اشتراط في عبادةٍ لا دليل عليه، والله أعلم. ومنها: اشتراط الأصحاب وغيرهم لصحة خطبة الجمعة الحمد والوصية بتقوى الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ وقراءة آية، وهذا اشتراط في عبادة والأصل فيه التوقيف فرجعنا إلى أدلة اشتراط ذلك فوجدناها لا تصلح إلا للاستحباب فقط أما أن تصل إلى أن تكون شروط صحة فلا.

стр. 119

ومنها: اشتراط بعض الفقهاء الماء لإزالة النجاسة فقالوا: ولا تزال النجاسة بغير الماء وهذا اشتراط في عبادة والأصل فيه التوقيف فرجعنا إلى دليل هذا الشرط فوجدناه لا يصلح لذلك وذلك لأن الشارع أمر بإزالة بعض النجاسات بغير الماء، بل بالحجر كما في الاستجمار، وبمرور الشيء المتنجس على شيء طاهر كما في ذيل المرأة، وبالشمس كما في حديث مرور الكلاب وبولها في المسجد وبالاستحالة، فعرفنا بذلك أن مقصود الشارع من الأمر بالماء في بعض الأحاديث إنما هو لأنه أفضل ما تزال به العين النجسة لا لأنه شرط، ونحن نقول بذلك، وذلك لأن الماء فيه خاصية لإزالة عين النجاسة أفضل من غيره من المزيلات، وإلا فالمقصود هو إزالة العين النجسة فبأي مزيل طاهر زالت عاد حكم المحل كما كان، بل ونصوا على أن النجاسة لو زالت بنفسها زال حكمها فتبين بذلك أن هذا الشرط لا دليل عليه فالأصل عدمه، والله أعلم. ومنها: اشتراط الأصحاب وبعض الفقهاء لسجود التلاوة والشكر ما يشترط للصلاة؛ لأنها صلاة عندهم، وهذا اشتراط في عبادة والأصل فيها التوقيف فرجعنا للأدلة فوجدناها لا تدل على ذلك وذلك لحديث ابن عمر قال: (أن النبي ﷺ كان يقرأ علينا القرآن فإذا مَرَّ بالسجدة كبر وسجد وسجدنا خلفه حتى لا يجد أحدنا موضعًا) ولم يكن يأمرهم بالوضوء له وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وكذلك سجود الشكر فليس في دليلٍ واحدٍ من أدلة مشروعيتهما ما يوجب الوضوء لها أو ستر العورة أو استقبال القبلة فاشتراط ذلك اشتراط لا دليل عليه والأصل عدمه، ولذلك اختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يشترط لصحتهما ما يشترط للصلاة؛ لأنهما ليسا بصلاة ولكن لاشك أن الساجد لهما بشروط الصلاة أكمل وأفضل لأمرين: للخروج من خلاف العلماء؛ ولأنه أكمل في التعبد، والله أعلم.

стр. 120

ومنها: اشتراط الطهارة للطواف وفيها خلاف فقيل يجب وهو المعتمد في المذهب لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) متفق عليه، وعنها: (أن النبي ﷺ توضأ ثم طاف) . وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح الكلام فيه) . وقيل: لا يجب لعدم الدليل الصريح على ذلك. فأما حديث عائشة الأول: فإنما منعها من الطواف؛ لأنه يلزم منه دخول المسجد، والحائض لا يجوز لها دخول المسجد وهذا احتمال مقبول والدليل إذا تطرق له الاحتمال سقط به الاستدلال. وأما حديثها الثاني: فهو حكاية فعل فلا ترتقي إلى الوجوب.

стр. 121

وأما الثالث: فلا يصح مرفوعًا؛ لأنه متناقض وذلك لأنه حكم على الطواف أن له حكم الصلاة واستثنى من ذلك شيئًا واحدًا وهو الكلام فيفهم منه أن الأحكام الباقية ثابتة للطواف وهذا لم يقل به أحد، فالضحك يجوز في الطواف ولا يجوز في الصلاة، والأكل والشرب والالتفات يجوز في الطواف ولا يجوز في الصلاة، وكلام المصطفى ﷺ لا يمكن أن يتناقض أبدًا،وزيادةً على ذلك فهذا الحديث في سنده مقال عريض، ويقال في حديث: (أحابستنا هي) ما قيل في حديث عائشة: (افعلي ما يفعل الحاج) ؛ ولأن الشروط في العبادة مبناها على التوقف إلا بدليل، والطهارة للطواف إنما دل الدليل على استحبابها دون اشتراطها فالأصل عدم الاشتراط واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول قوي لاسيما وأنه قد اعتمر مع النبي ﷺ وحج معه جم غفير وجمع كبير طافوا معه وسعوا وأخذوا عنه مناسكهم ولم ينقل لنا أحد منهم أنه أمر بالوضوء للطواف فلو كان ذلك شرطاً لأمر به، ولو أمر به لتوفرت الهمم على نقله كما نقل غيره، لكن لما لم يثبت شيء من ذلك دل على أن الطهارة لا تشترط وإنما هي من باب الاستحباب، والله أعلم. وخلاصة الكلام أن يقال: إن الأصل في العبادة هو الإطلاق عن جميع الشروط إلا بدليل فمن ربط صحة عبادة – أي عبادة - بشرطٍ – أي شرط – فقد خالف الأصل فيطالب بالدليل المصحح لذلك فإن جاء به فعلى العين والرأس، وإن لم يكن ثمة دليل فلا ولا كرامة فهذا هو الكلام عن الشق الأول من القاعدة.

стр. 122

وأما الشق الثاني: فهو في المعاملات وهي عكس العبادة، وذلك لأن شرط كل شيء تابع لأصله، فما كان الأصل فيه المنع فالأصل في شرطه المنع، وما كان الأصل فيه الحل فالأصل في شرطه الحل، والفقهاء قرروا – رحمهم الله تعالى – قرروا أن الأصل في المعاملات بيوعًا أو غيرها الحل والإباحة إلا بدليل، فإذا علم أصلها علم حكم شروطها، فالأصل أيضًا في الشروط في المعاملات الحل والإباحة. وقبل التفصيل في ذكر الأدلة على ذلك أنبهك على أمرٍ مهم وهو الفرق بين شروط صحة البيع والشروط في البيع فإذا قال الفقهاء شروط صحة البيع فيعنون بها الشروط السبعة المعروفة وهي الرضا وأن يكون العاقد جائز التصرف ... إلخ. وأما الشروط في البيع فهي التي ينص على اشتراطها أحد المتعاقدين أو كلاهما ولا تعلق لها بصحة البيع، كاشتراط حمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب ونحوه وبالجملة. فالفرق بينهما من وجوه: الأول: أن شروط صحة البيع تشترط في كل بيع على أي صفةٍ كان وأما الشروط في البيع فلا لأنها تكون في بيعٍ دون بيع. الثاني: أن شروط صحة البيع لا يصح البيع إلا بها، وأما الشروط في البيع فيصح بدونها. ثالثًا: أن شروط صحة البيع محصورة لا تتغير ولا تتبدل بين بيعٍ وبيع، بل هي واحدة في كل البيوع، وأما الشروط في البيع فليست بمحصورة ولا ثابتة، بل تتغير من بيعٍ إلى بيع. رابعًا: أن شروط صحة البيع يلزم توفرها ولو لم ينص عليها العاقدان وأما الشروط في البيع فلا تثبت إلا إذا تكلم بها من يريدها وقبلها الآخر. خامسًا: أن الأصل في شروط صحة البيع التوقيف بحيث أنه لا يجوز للإنسان أن يربط صحة البيع بشرط إلا وعليه دليل صحيح، وما لا دليل عليه فلا عبرة به.

стр. 123

وأما الشروط في البيع فالأصل فيها الحل والإباحة بحيث أنه لا يجوز أن يمنع الإنسان شرطاً إلا بدليل يدل على المنع منه. فإذا علمت هذا فاعلم أننا نريد بقولنا: (الأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة) أننا نريد الشروط في المعاملة لا شرط صحة المعاملة فتنبه لهذا فإذا تقرر لك هذا فقد دل على هذا الأصل عدة أدلة: منها: قوله ﷺ : (المؤمنون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا) وهذا نص في المسألة. ومنها: قوله ﷺ في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) وهذا نص أيضًا. ومنها: قوله ﷺ في حديث بريرة: (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) متفق عليه، فهو لم ينكر عليهم اشتراطهم، وإنما أنكر عليهم مخالفة الشرط لكتاب الله، مما يدل على أن الأصل جواز الاشتراط إلا إذا خالف الشرط كتاب الله، والمراد بكتاب الله أي حكم الله، ذلك لأن شرع الله الذي حكم به هو أن الولاء لمن أعتق، فاشتراط مواليها أن الولاء لهم مخالف لحكم الله تعالى، فالنبي ﷺ أنكر عليهم مخالفتهم لكتاب الله لا أنه أنكر الاشتراط مطلقًا. ومنها: أن جابرًا اشترط على النبي ﷺ لما باعه الجمل، اشترط حملانه إلى أهله فأقره النبي ﷺ ولم ينكر عليه ذلك. ومنها: أنه لا يزال المسلمون يتبايعون ويشترطون بلا نكير فهو كالإجماع منهم على أن الأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة. ثم اعلم أن مذهب الأصحاب في هذه الشروط أنهم يقسمونها إلى قسمين: شروط صحيحة، وشروط فاسدة.

стр. 124

والشروط الصحيحة عندنا ثلاثة أنواع: شرط من مقتضى العقد أي يلزم بمجرد العقد كاشتراط تسليم السلعة أو دفع الثمن، فهذا غالب الأصحاب لا يذكره لوضوحه، ولأنه يثبت ولو لم ينص عليه فيكون اشتراطه من باب التأكيد فقط. والنوع الثاني: شرط من مصلحة العقد كاشتراط الرهن أو الضامن أو تأجيل الثمن أو اشتراط كون العبد كاتبًا أو خصيًا أو مسلمًا، أو الأمة بكرًا ونحوه فكل هذه الشروط شروط صحيحة لازمة لمن اشترطها، فإن وفَّى المشروط عليه بالشروط وإلا فلصاحبه الفسخ أو أرش فقد الصفة المشروطة.

стр. 125

والثالث: شرط العاقد نفعًا مباحًا معلومًا في المبيع كاشتراط البائع سكنى الدار مدة معلومة، وكاشتراط المشتري على البائع حمل الحطب إلى موضعٍ معين أو تكسيره أو خياطة الثوب ونحو ذلك. وعندنا في المذهب أنه لا يجوز للعاقد أن يشترط أكثر من شرط واحد من النوع الثالث فقط دون الأول والثاني، ويستدلون على ذلك بقوله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما ليس عندك) رواه الترمذي وقال حسن صحيح فقد نهى عن الجمع بين شرطين في البيع، لكن الصواب هو الجواز فيجوز للعاقد أن يشترط في العقد ما شاء من أي أنواع الشروط المتقدمة بشرط أن لا يخالف الشريعة؛ لأن الأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليل، واختار هذا القول شيخ الإسلام تقي الدين وتلميذه ابن القيم. وأما قوله ﷺ في الحديث: (ولا شرطان في بيع) فقد بينه المحققون من العلماء بأنه كل شرطين أدى اجتماعهما إلى مفسدة، ذلك لأن الشريعة لا تنهى إلا عن الشيء الذي فيه مفسدة، رباً كان أو غرراً أو ظلماً، وهذه الشروط أعني النوع الثالث من أنواع الشروط الصحيحة ليس فيها محذور بوجهٍ من الوجوه، فكيف نهى عنها الشارع وهي لا مفسدة فيها بنفسها، ولا يتذرع بها إلى مفسدة، فإذا قال المشتري للبائع مثلاً: اشتريت منك هذا الحطب بشرط حمله وتكسيره، فهذان شرطان في البيع فما وجه المفسدة في الجمع بينهما؟! ليس هناك أي مفسدة، فدل ذلك أن الشرطين المنهي عنهما إنما هما الشرطان اللذان يؤدي اجتماعهما إلى مفسدة شرعية وذلك كمسألة العينة كأن يبيعه سلعة بمائة مؤجلة ثم يشتريها في الحال بثمانين حالة، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا، واختار هذا القول ابن القيم والشيخ ابن سعدي.

стр. 126

فالقول الصحيح الموافق للأدلة هو القول بصحة الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، وسواءٌ اشترط على البائع فعلاً أم تركًا، ومن حرم شيئًا من هذه الشروط فعليه الدليل؛ لأنه ناقل عن الأصل. وأصول الإمام أحمد وأكثر نصوصه إنما تدل لهذا القول والإمام مالك قريب منه، لكن الإمام أحمد أكثر تصحيحًا للشروط، فإنه ليس في الأئمة الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه. وأما الشروط الفاسدة فهي كل شرط خالف مقصود الشارع كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -، وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة، فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله، ولا يحرم ما أحل الله، فإن شرطه حينئذٍ يكون مبطلاً لحكم الله، وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما ليس واجبًا بأصل الشرع، ذلك لأن مقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبًا، والتزام ما لم يكن لازمًا، فأما ما كان واجبًا بأصل الشرع فلا داعي لاشتراطه وما كان حرامًا فإنه لا يكون حلالاً بمجرد الاشتراط، فإذا فهمت هذا الأصل فإنه سوف يتبين لك إخلال كثير من الفقهاء به، وأن بعضهم يحرم من الشروط ما لا دليل له على تحريمه. ونضرب بعض الفروع لهذا الأصل حتى يتضح: منها: قال الأصحاب: ولا يصح كل بيع علق على شرط مستقبل غير قوله - إن شاء الله -، أو بيع العربون، أما غيرهما فلا يصح ولذلك اشترطوا لصحة البيع أن يقع منجزًا لا معلقًا. ولا دليل لهم على هذا، بل ليس في الأدلة الشرعية ولا القواعد الفقهية ما يمنع تعليق البيع بالشرط، والحق جوازه، لأن الأصل في هذه الشروط هو الحل والإباحة إلا بدليل، فأين الدليل الذي يمنع من تعليق صحة البيع على شرطٍ مستقبل؟! فإذا لم يكن ثمة دليل يمنع فالقول بجوازه هو المتعين؛ لأنه مما أحل الله تعالى ولا يجوز تحريم ما أحل الله، واختار هذا القول شيخ الإسلام تقي الدين وابن القيم.

стр. 127

ومنها: لو قال البائع: بعتك إن جئتني بكذا أو إن رضي زيد، فهذا عند الأصحاب لا يصح لعدم نقل الملك؛ ولأنه عقد غير مجزوم به بل معلق على شرط؛ ولأنه قد يجيء أو لا يجيء، وقد يرضى أو لا يرضى، والأصل في البيع هو انتقال السلعة إلى المشتري والمال إلى البائع بعد العقد، فهذا الشرط لا ينعقد معه البيع. قلت: بل هو صحيح لا غبار عليه، فالعقد والشرط كلاهما صحيح؛ لأن الأصل في الشروط في البيع الحل والإباحة إلا بدليل، ولا دليل يدل على تحريم هذا الشرط، فإن رضي به المشتري لزمه وإلا فلا يلزمه الدخول فيه وقبوله أصلاً؛ ولأن المسلمين على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، وهذا الشرط ليس فيه ما يحل الحرام أو يحرم الحلال. وأما قولهم: أنه يبقى العقد معلقًا والملك لم ينتقل، قلنا: نعم وهذا هو مقصود هذا الشرط، فالبائع لا يريد انتقال المبيع إلا إذا جاء زيد أو رضي بهذا البيع، واختار هذا القول شيخ الإسلام تقي الدين وتلميذه ابن القيم، والله أعلم. ومنها: باعه جارية واشترط عليه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، فاختار بعض العلماء بطلان الشرط لانتقال الملك من يده؛ ولأن صاحب السلعة لا يجبر أن يبيعها لواحدٍ بعينه. لكن الراجح هو صحة هذا البيع وهذا الشرط؛ لأن الأصل صحة هذه الشروط إلا بدليل يبطلها، ولا دليل على إبطال هذا الشرط، فإن رضي به المشتري وإلا فلا يلزمه الدخول في العقد، ولعموم حديث: (المسلمون على شروطهم) فإذا جاء المشتري يبيع هذه الجارية أو هذه الدار ونحوها فإن بائعها الأول أحق بها بالثمن، وإن أبى المشتري أن يبيعها عليه أجبره الحاكم؛ لأنه التزم ذلك الشرط، واختاره شيخ الإسلام تقي الدين ﵀. ومنها: اشترى منه حطبًا واشترط عليه حمله وتكسيره ورصه في مكان معين صح البيع والشرط؛ لأن الأصل فيها الحل والإباحة.

стр. 128

ومنها: باعه عبدًا واشترط عليه العتق صح البيع ولزم الشرط وهو المشهور من المذهب؛ لأن الأصل فيها الحل والإباحة، ويجبر المشتري على العتق إن أباه، ويكون الولاء للمشتري لا البائع الأول؛ لأن الولاء لمن أعتق. ومنها: باعه دارًا واشترط سكناها مدة معلومة، أو دابة واشترط نفعها مدة معلومة صح البيع والشرط لحديث جابر عند الشيخين وتقدم. ومنها: ما يسمى بالشرط الجزائي، وهو من مصلحة العقد، فبعض العلماء حرمه لكن الراجح جوازه لعموم الأدلة الماضية؛ ولأنه حافز لإكمال العقد في وقته المحدد له، ويدل عليه بالخصوص ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلاً قال لمكريه أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه (١) ، والله أعلم. هذه بعض الأمثلة التي تدلك على ما وراءها من أن كل شرط يشترطه العاقدان فالأصل فيه الحل والإباحة إلا الشرط الذي يخالف دليلاً صحيحًا فهو حينئذٍ باطل. ومن ذلك – أي من الشروط الفاسدة – اشتراط الولاء كأن يبيعه عبدًا أو جارية ويشترط أن الولاء له فهذا الشرط باطل لكن البيع صحيح؛ لأن اشتراط الولاء مخالف للشريعة لقوله ﷺ في حديث بريرة: (وإنما الولاء لمن أعتق) وقال فيه: (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) .

стр. 129

ومنها: اشتراط البراءة من كل عيب كأن يقول: بعتك هذه السلعة بشرط أني بريء من كل عيب فيها، فهذا شرط باطل؛ لأنه غرر وغش إن كان يعلمه، وللمشتري الرد بالعيب أو أرشه إن وجده، وعلله بعض الأصحاب بأن خيار العيب لا يثبت إلا بعد البيع فلا يسقط بإسقاطه قبله، وليس هذا بسليم؛ لأن مقتضاه صحة البراءة من العيوب بعد العقد ولا يقولون هم بذلك، فالتعليل الصحيح لبطلان هذا الشرط هو أن فيه غرراً وغشاً وتعمية وتدليساً. أما إذا سمى البائع العيب ووضع يده عليه وبينه بيانًا واضحًا حتى عرفه المشتري بعينه وقال: بعتك بالبراءة من هذا العيب، فإنه يبرأ حينئذٍ لدخول المشتري في العقد على بصيرة تامة بهذا العيب ولا رد له لرضاه به، لكن الصحيح عند شيخ الإسلام الذي دل عليه قضاء الصحابة هو أن البائع إذا لم يكن علم بذلك العيب فلا رد للمشتري، لكن إذا ادعى أن البائع علم بذلك فأنكر البائع حلف أنه لم يعلمه فإن نكل قضي عليه، لقصة عبد الله بن عمر في عبدٍ باعه على زيد بشرط البراءة، فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم تعلم هذا العيب. قال: لا، فرده عليه، والله أعلم. ومنها: اشتراط عقدٍ في عقد كاشتراط سلفٍ في بيع كأن يقول: بعتك هذه السلعة بشرط أن تقرضني قرضًا فهذا لا يجوز لقوله: (لا يحل سلف وبيع) وقال الوزير: اتفقوا على أنه لا يجوز بيع وسلف، وهو أن يبيع الرجل السلعة على أن يسلفه سلفًا أو يقرضه قرضًا. ا. هـ ومنها: اشتراط اشتراء السلعة المباعة بأجل بثمن حالٍ أقل وهو مسألة العينة، فإذا قال لك: بعتك هذه السلعة بألف مؤجلة بشرط أن اشتريها منك بثمانمائة حالة فهذا الشرط لا يجوز؛ لأنه بيع العينة وقد دل الدليل على تحريمها فهذا بعض الكلام على هذه القاعدة العظيمة، ولكثرة المخالفين فيها أطلت الكلام في توضيحها، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد. القاعدة الحادية والثلاثون

стр. 130

٣١ - لا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذار وهذه القاعدة تمثل أصلاً كليًا عند شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليه -، بل هي من أكبر القواعد الكلية عنده، لتعلقها بالتكليف، ومعناها أن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليدل الناس عليه ويعرفهم به، وليبين لهم ما يجوز التعبد به له مما لا يجوز وذلك لا يمكن أبدًا على وجه التفصيل إلا بمعرفة ما جاءت به الرسل، وإلا فالإنسان بلا رسالة في ضلال مبين وفي ظلمة حالكة لا يبصر فيها طريقه، لكن من رحمة الله تعالى بنا أن أبان لنا الحجة وأوضح لنا المحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ومن رحمته أيضًا ومن مقتضى عدله أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية ببلوغها إليه وفهمه لها، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي وأنذر من بلغه وأما من لم يبلغه هذا القرآن فإن النذارة لم تقم عليه، ولذلك اشترط الأصوليون العلم بالمكلف به لقيام التكليف على الشخص، فمن لم يعلم ما كلف به فهو غير مكلف به، إن كان جهله به من الجهل الذي يعذر به صاحبه، وبالتالي فلا يعاقب على تركه إن كان مأمورًا بفعله ولا بفعله إن كان مأمورًا بتركه، ذلك أن العقوبة لا تكون إلا بعد قيام الحجة بالإنذار فالتكليف مشروط بالقدرة على العلم والعقوبة مشروطة بقيام الحجة وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة جدًا قد ذكرنا طرفًا منها في كتابنا (المباحث الجلية في رد المسائل الخلافية إلى الكتاب والسنة) ونذكر هنا طرفًا منها: فمن ذلك: الآيتان السابقتان.

стр. 131

ومنها: كل آية تدل على أن الشريعة لا تكلف نفسًا إلا وسعها ولا تحمل أحدًا ما لا طاقة له به، وأنها تريد اليسر لا العسر وأن الله قد وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا، كل ذلك يدل على هذه القاعدة إجمالاً. ومنها: حديث عدي بن حاتم لما أكل في رمضان وقد طلعت الصبح متأولاً قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: (إن وسادك لعريض إنما هو نور الفجر وظلمة الليل) ولم يأمره بقضاء لأنه لم تقم عليه الحجة الرسالية لعدم فهمه للآية وعدم الفهم الصحيح لمراد المتكلم نوع من أنواع الجهل كما قرر ذلك أهل اللغة فعذر؛ لأنه لم يعلم المراد ولم يعاقب؛ لأنه لم تقم عليه الحجة، ولم يؤمر بالقضاء؛ لأنه لم يكلف بما في الآية لعدم فهمه لها، فصدق قولنا أنه لا تكليف إلا بعلم ولا عقوبة إلا بإنذار. ومنها: الرجل الذي جاء براوية خمرٍ للنبي ﷺ بعد أن حرمت فأهداها له فقال: (ما هذا ألم تعلم أنها حرمت) ففتح الأعرابي الزق فأراقه بين يديه والحديث عند مسلم، فهذا الأعرابي لم يكلف بامتثال ما جاء في تحريم الخمر؛ لأنه لا يعلم بها، فلا تكليف إلا بعلم، وبالتالي لم يعاقب على عمله ذلك؛ لأنه لم ينذر، ولا عقوبة إلا بعد إنذار. ومنها: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك ... إلخ) الحديث، وهو من حديث أنس في الصحيحين، وهو مشهور ووجه الاستشهاد منه أن هذا الأعرابي لم يكلف بالأدلة الدالة على تحريم ذلك الفعل؛ لأنه لا يعلمها، ولا تكليف إلا بعلم ولم يعاقب على فعله ذلك لأنه لا عقوبة إلا بإنذار وهو لم تقم عليه الحجة.

стр. 132

ومنها: حديث الذي قال لأبنائه: إن مت فأحرقوني وهو معروف، وحديث المستحاضة، وحديث عمار في تيممه، وحديث أهل قباء في استدارتهم إلى القبلة، وحديث أصحاب الفترة وسيأتي - إن شاء الله تعالى -، كلها دليل على ذلك الأصل العظيم، فالإنسان لا يكلف إلا بالشيء الذي قامت عليه فيه الحجة فقط، أما ما لم تقم عليه الحجة فيه فلا تكليف عليه فيه، وغير المكلف لا يعاقب على ما لم يكلف به فإن العقوبة مرتبطة بالتكليف والتكليف لا يكون إلا بعلم، فمن لا يعلم بالشيء فإنه لا يعاقب عليه إن فعله وحقه الترك، أو تركه وحقه الفعل، وهذا من سعة رحمة الله تعالى وكمال فضله وعدله، وقولنا: (لا تكليف إلا بعلم) المراد بالعلم هنا هو ما تقوم به الحجة، والحجة لا تقوم إلا بالبلوغ والفهم أما الأول فبالإتفاق، وأما الثاني ففيه خلاف ويظهر أنه لفظي؛ لأن الجميع يشترط مطلق الفهم ولا يشترط الفهم المطلق كما هو محقق في كتابنا (المباحث الجلية) في المسألة الأولى وأيضًا قولنا: (ولا عقوبة إلا بعد إنذار) نريد بها ما يفيده قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ فهذا البيان هو ما نعنيه بالإنذار.

стр. 133

ويدخل تحت هذه القاعدة قاعدة مهمة وهي قولهم: (لا تكليف بالخطاب الناسخ إلا بعد العلم به) أي إذا شرع الله شيئًا ثم نسخه بشيء فإن هذا الخطاب الآخر لا يطالب بامتثاله إلا من بلغه، وهذا هو القول الصحيح، وعلى ذلك حديث ابن عمر في نسخ القبلة وأن أهل قباء صلوا العصر إلى القبلة المنسوخة بعد نزول الناسخ وهو الأمر بالتوجه إلى الكعبة فجاءهم رجل فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل الليلة عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فاستداروا نحوها وبنوا على صلاتهم، ولم ينقل أن النبي ﷺ قد أمرهم بإعادة هذه الصلاة التي افتتحوها إلى القبلة المنسوخة، مما يدل على أنهم إنما طولبوا بامتثال الدليل الناسخ عند بلوغه إليهم، وهذا في أهل قباء مع قربها من المدينة، فكيف بالمسلمين الأعراب ومن هاجر إلى الحبشة واليمن، ومن في أقطار الأرض من المسلمين، فبالتأكيد أن الخطاب الناسخ لم يبلغهم إلا بعد مدة، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمر أحدًا بالإعادة، فلا تكليف إلا بعلم مطلقًا سواءً بالتشريع ابتداءً أو بالتشريع الناسخ، وهذا هو اختيار أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية، وبه تعلم أن الجهل عذر من الأعذار التي يعذر بها المكلف في ترك المأمور أو فعل المحظور جهلاً. وإنما الخلاف في نوع الجهل الذي يعذر به المكلف، والأقرب عندي هو أن الجهل عذر إذا لم يقدر المكلف على دفعه وكان مما يشق التحرز منه، وقد حققنا المسألة في كتابنا المذكور بأوسع من ذلك وذكرنا فيه من الفروع ما يشفي ويكفي، فليراجعه من شاء وإنما المقصود هنا هو الإشارة إلى أهمية هذه القاعدة، والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 134

القاعدة الثانية والثلاثون ٣٢ - التابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليل أي لا يفرد بحكم عن متبوعه، بل حكمه هو حكم متبوعه إلا بدليل، فالأشياء التي استقرت العادة العرفية المطردة أنها تكون تابعة لأشياء فإنها تدخل معها في بيعها وشرائها ولا تفرد عنها بحكم، بل لا ينظر إلى التابع بعين الإنفراد أبدًا، وإنما ينظر إليه تبعًا لمتبوعه، فالذي يتبع غيره في وجوده فإنه يتبعه في حكمه، سواءً كانت هذه المتابعة بأصل الخلقة أو بالاستقرار العرفي، ويعبر عنها بعض الفقهاء بقوله: التابع تابع، والمذكور في الأعلى إنما هو شرح لها وتوضيح لمعناها. وقولنا: (التابع في الوجود) هذه المتابعة نوعان: إما بأصل الخلقة أي أن الله تعالى خلق هذا الشيء تابعًا لهذا الشيء، فلا يوجد إلا بوجوده، وإما أن تكون عرفية عرفًا مطردًا أي أن العرف يقرر متابعة هذا الشيء لهذا الشيء، وفي كلتا الحالتين يكون التابع في الوجود تابعًا في الحكم إلا أن يدل الدليل الشرعي أو العرفي بفصل بعضها عن بعض، ولكي تتضح هذه القاعدة أضرب بعض الفروع عليها، وإن رأيت في بعضها نقاشًا فإنما المقصود مطلق التفريع ليتدرب الطالب على تخريج الفروع على الأصول: فأقول: منها: أطفال المؤمنين، أجمع العلماء إلا من شذ أنهم مع آبائهم في الجنة لقوله ﷺ لما سئل عنهم قال: (في الجنة مع آبائهم) ، ذلك لأنهم تبع لآبائهم في الوجود فيتبعونهم في الحكم لأن التابع في الوجود تابع في الحكم، ولعل قائل أن يقول: ذلك يقتضي أن أطفال المشركين مع آبائهم في النار؟ قلنا: نعم، قاعدتنا تقتضي ذلك، وقال به بعض أهل العلم، لكن هذا لا يلزمنا؛ لأننا قلنا في نص القاعدة (إلا بدليل) فإذا وجد عندنا دليل يفك هذا التلازم فإننا نعمل به، وقد وجد عندنا دليل يفك هذا التلازم، وهو قوله ﷺ لما سئل عنهم: (الله أعلم بما كانوا عاملين) وفي الحديث الآخر الصحيح (١)

стр. 135

أثبت أنهم: (يمتحنون في عرصات يوم القيامة) ، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم يمتحنون في الآخرة والله أعلم بما كانوا عاملين، وهو القول الذي توجهه الأدلة وتدل عليه وبالتالي فلا تجري عليه قاعدتنا لوجود الدليل الذي يفصل بين أولاد المشركين وآبائهم أي قد وجد الدليل الفاصل بين التابع ومتبوعه. ومنها: أن الولد ذكرًا كان أو أنثى يتبع في الرق والحرية والإسلام والكفر والنسب أبويه، فيتبع في الرق أمه، ويتبع في النسب أباه، ويتبع في الإسلام من أسلم من أبويه؛ لأنه تابع لهما، والتابع في الوجود تابع في الحكم. ومنها: اللقيط: إذا وجد في بلادٍ إسلامية، أو يغلب فيها المسلمون فإنه يحكم بإسلامه؛ لأنه تابع لأهلها في الوجود إذ هو موجود بينهم فيكون تابعًا لهم في الحكم وهو الإسلام، وكذلك إذا وجد في ديار كفارٍ ليس فيها مسلم فإنه يحكم بكفره؛ لأنه تابع لهم في الوجود، والتابع في الوجود تابع في الحكم. ومنها: الحمل في البطن: إن بيعت أمه دخل معها في البيع تبعًا مع وجود الجهالة لكنه لا يفرد بثمن خاص، ذلك لأنه مجهول والمجهول لا يصح بيعه؛ لأنه من الغرر وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، لكن لما بيعت أمه فإنه يدخل معها تبعًا مع أنه لو أفرد بالبيع لم يصح لأنه تابع لها في الوجود فيكون تابعًا لها في الحكم. ومنها: إذا بيع القفل فإنه يدخل معه مفتاحه في البيع تبعًا له؛ لأن المفتاح تابع للقفل في الوجود، والتابع في الوجود تابع في الحكم. ومنها: إذا بيعت الدار فإنه يدخل في بيعها ما كان من ضروراتها كالجدران والسقف والأرض وما كان متصلاً بها لمصلحتها كالأبواب والنوافذ والسلم والخابية المدفونة؛ لأن هذه الأشياء تتبع الدار في الوجود، والتابع في الوجود تابع في الحكم، وتغتفر الجهالة في أساساتها وحيطانها؛ لأنها تابعة للدار في الوجود فتتبعها في الحكم.

стр. 136

ومنها: جلد الحيوان يتبع حكم الحيوان نفسه، فإن كان الحيوان طاهرًا فإن الجلد طاهر، وإن كان نجسًا فهو نجس؛ لأنه تابع، بل هو تابع للحيوان في الحكم حيًا أو ميتًا، فبهيمة الأنعام طاهرة في الحياة ويحلها الذكاة فجلدها طاهر، والحمار الأهلي نجس فكذلك جلده نجس وإذا ماتت بهيمة الأنعام حتف أنفها أي بلا ذكاة شرعية فإنها تكون نجسة وجلدها كذلك ينجس تبعًا لها، ذلك لأن الجلد تابع للحيوان في الوجود فيكون تابعًا له في الحكم، ولا يشكل على ذلك طهارة الجلد بالدبغ من الحيوان الطاهر في الحياة (١) ؛ لأن طهارته دل عليها الدليل، وكذلك الآدمي طاهر في الحياة فجلده كذلك طاهر، وطاهر بعد الموت على القول الصحيح، فكذلك جلده طاهر تبعًا له، لأن التابع في الوجود تابع في الحكم. ومنها: إذا ضحى الإنسان عنه وعن أهل بيته أجزأ عن الجميع على القول الصحيح، أما هو فلأنه الأصل، وأما هم فلأنهم تبع له في الوجود فيتبعونه في الإجزاء (٢) . ومنها: قال الفقهاء: (إذا برئ الأصيل برئ الضامن) والمراد بالأصيل صاحب الدين، والضامن من ضمن الدين الذي في ذمته، فإذا سدد الأصيل وبرئت ذمته فإنه تبعًا تبرأ ذمة الضامن؛ لأن الضامن تابع للأصيل في التحمل، فإذا برئت ذمة الأصل برئت ذمة الفرع، ويدخل هذا الفرع تحت قاعدة أخرى وهي قولهم: (إذا سقط الأصل سقط الفرع إلا بدليل) .

стр. 137

ومنها: إن حق النفقة الزوجية والسكنى والمعاشرة الحسنة وحق المبيت والطاعة، كل هذه تتبع عقد الزواج في الوجود، فإذا وجد وجدت، ولا يحتاج إلى النص عليها إلا إذا كان في شيءٍ زائدٍ على العرف فلا يلزم المرأة أن تشترط النفقة ولا السكنى ولا المعاشرة الحسنة، ولا يلزم الزوج أن يطأها ولا أن تطيعه إلا فيما كان عرفا (١) ؛ لأن ذلك كله يثبت بمجرد العقد، ويحدده العرف فإذا وجد العقد وجدت هذه الأشياء، وإذا انفسخ بخلعٍ أو طلاق سقطت هذه الأشياء فلا يحتاج إلى التنصيص عليها في العقد، والله أعلم ومنها: من اشترى أرضًا دخل في الشراء غراسها وبناؤها وحشيشها وما فيها من الآبار؛ لأنها تابعة للأرض في الوجود، والتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليل. ومنها: الحائض والنفساء لا تصلي بالدليل الصحيح والإجماع، فالصلاة المفروضة قد سقطت عن الحائض والنفساء، فتسقط نوافلها تبعًا لسقوطها؛ لأن النافلة شرعت لإتمام نقص الفرائض، فإذا سقطت الفرائض أصلاً فتسقط النوافل تبعًا؛ لأن النافلة تتبع الفريضة في الوجود فتتبعها في الحكم، وقد حكمنا على الفرائض بالسقوط فكذلك نعدي الحكم على نوافلها وهذا واضح جلي. ومنها: إذا توضأ الإنسان عن حدثٍ أصغر فإنه يرتفع الحدث عن هذه الأعضاء الأربعة؛ لأنها مغسولة، ويرتفع الحدث عن بقية البدن تبعًا لارتفاع الحدث عن هذه الأعضاء الأربعة، وهذا من باب التفريع فقط، وإلا ففيه نقاش عريض.

стр. 138

ومنها: المأموم تابع لإمامه في الصلاة فإذا سها الإمام فعليه وعلى من خلفه لكن لو سها المأموم فإنه لا يفرد بحكم بل يتحمله الإمام، وكذلك لا يجوز للمأموم أن يسابق الإمام أو يوافقه في أفعال الصلاة وإنما الواجب المتابعة؛ لأنه تابع له، ولو مَرَّت امرأة أو كلب أسود أو حمار بين يدي الإمام بطلت صلاته وصلاة من خلفه وإن مرت بين يدي المأمومين لم تبطل صلاتهم؛ لأنهم تبع للإمام، ولذلك قضت السنة أن سترة الإمام سترة لمن خلفه وأن الإمام جُنَّة للمأمومين وكل ذلك مفرع على قاعدة التابع في الوجود تابع في الحكم فإن قلت: فما الحكم لو صلى الإمام محدثًا ولا يعلم به المأموم فهل تبطل صلاتهم أعني صلاة المأمومين؛ لأنهم تبع له أم لا؟ وإذا كان الجواب لا؟ فما الذي فصل التابع عن متبوعه في هذه الحالة؟ فالجواب: فيه خلاف بين العلماء، والمذهب أن من صلى محدثًا فإن صلاته تبطل وكذلك صلاة من خلفه تبطل؛ لأنهم تبع له ولأن كل من لم تصح صلاته في نفسه لم تصح بغيره، والمحدث لا تصح صلاته لنفسه فلم تصح بغيره، وهذه هي الرواية المشهورة. والرواية الثانية: أن صلاة المأموم تصح إن لم يعلم بحدث إمامه وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الله تعالى لم يكلف المأموم أن يتأكد من طهارة إمامه؛ ولأن عمر ﵁ صلى بأصحابه الفجر ثم رأى أثر جنابة فأعاد هو ولم يأمر أحدًا بالإعادة، وكذلك يروى هذا عن عليٍ ﵁؛ ولأن النبي ﷺ قال في الأئمة: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) وهذا القول هو الذي لا يسع الناس العمل بغيره، وأما وجه الفصل بين التابع ومتبوعه على هذا القول فهو ما مرَّ من الأدلة، والله أعلم.

стр. 139

ومنها: البيعة لولي الأمر تتم بأمور كثيرة، منها أن يبايعه الناس ويكفي مبايعة أهل الحل والعقد له، ذلك لأن هؤلاء هم الأصل والبقية تبع لهم، ولا يلزم كل واحدٍ منا مبايعة ولي الأمر حتى تكون في عنقه بيعه، بل البيعة تثبت في عنق كل واحدٍ من الناس بمجرد مبايعة أهل الحل والعقد، فالناس تبع لأهل الحل والعقد في الدرجة فيكونون تابعين لهم في الحكم، فمن بايعه أهل الحل والعقد فكأننا بايعناه نحن، ومن فسخوا بيعته فقد فسخناها نحن، فإن بعض الجهال قد يقول: إنه ليس لولي الأمر في عنقي بيعة فإني لم أضع يدي في يده وأبايعه. فنقول: لا بل في عنقك بيعة؛ لأن أهل الحل والعقد في بلادك بايعوه وأنت تبع لهم في الدرجة فتتبعهم في الحكم، والله أعلم. ومنها: قوله ﷺ : (ذكاة الجنين ذكاة أمه) وهو عند الترمذي والدارقطني وابن حبان فإذا ذكيت أمه ذكاة شرعية وخرج ميتًا فهو حلال؛ لأن ذكاتها قامت مقام ذكاته؛ لأنه يتبعها في الوجود فيكون تابعًا لها في الحكم، والله أعلم. ومنها: نماء العين المرهونة، فإنه يكون رهنًا تبعًا للعين؛ لأنه تابع لها في الوجود فيتبعها في الحكم. ومنها: السجود على الأعضاء السبعة إنما هو تبع للسجود على الوجه، فالوجه هو أس الأعضاء ورأسها فإذا لم يستطع الإنسان السجود عليه لعذرٍ ما سقطت المطالبة بالسجود على بقية الأعضاء؛ لأنها تتبعه في السجود فتتبعه في الحكم (١) ، والله أعلم. ولعل هذه الفروع فيها كفاية وغنية عن ذكر باقيها، وأحسب أن القاعدة بذلك قد اتضحت وضوحًا لا التباس فيه، وعلى ذلك فقس.

стр. 140

القاعدة الثالثة والثلاثون ٣٣ - الحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون وقولنا: (الحادث) أي الواقع حديثًا، وقولنا: (يضاف) أي يلحق وينسب (إلى السبب المعلوم) أي المتيقن أو الظاهر، وقولنا: (المقدر المظنون) أي الأمر المشكوك في سببيته. ومعناها: أنه إذا وقع تنازع في سبب حكم ما من الأحكام أيًّا كان وأمكن إضافته إلى سببين أحدهما: معلوم ظاهر، والآخر مظنون مقدر أي مفترض ومحتمل، فإننا نضيف هذا الحكم إلى السبب الذي تيقنا وعلمنا سببيته، لا إلى ما لم نتيقن ثبوته وسببيته، ذلك لأن هذا السبب المعلوم متيقن الثبوت، والسبب المقدر المظنون مشكوك في ثبوته، واليقين لا يزول بالشك كما تقدم، والأدلة على هذه القاعدة المهمة هي جميع الأدلة الدالة على أن اليقين لا يزول بالشك، ومما يستدل به عليها نصًا هو حديث عدي بن حاتم في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فأمسك وقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك لنفسه، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يومٍ أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل) والحديث مختصر، ووجه الاستشهاد منه هو أن الصيد الذي رماه بسهمٍ فذهب ثم وجده ميتًا وليس به إلا أثر سهمه فإن موته يحتمل أمرين: إما أن يكون بسبب رمية السهم وهي السبب المبيح، وإما أن يكون بسقوطه مثلاً أو بظمئه أو جوعه وهو السبب المحرم، فهنا سببان سبب معلوم ظاهر لنا وهو رمية السهم، وسبب مقدر مظنون وهو أن يكون مات بجوعٍ أو عطش وقد أجاز النبي ﷺ أكل مثل هذا الصيد، مما يدل على أنه أضاف موته للسبب المعلوم المتيقن ثبوته، وأبطل جميع الأسباب المحتملة.

стр. 141

وكذلك الصيد الذي وقع في الماء بعد صيده فإنه يحتمل أمرين، إما أن يكون مات بسبب رمية السهم، أو يكون مات بسبب سقوطه في الماء وهو سبب يقتل غالبًا أعني الغرق بالماء، فهنا سببان وكلاهما معلوم ظاهر، لكن كونه مات بسبب ارتطامه بالماء وغرقه فيه أظهر وأثبت؛ لأنه لم يجرحه السهم جرحًا موحياً: أي قاتلاً، ولذلك قال النبي ﷺ : (فلا تأكل) تغليبًا للسبب المحرم؛ لأنه أثبت، وقد يكون هذا الفرع يدخل تحت قاعدة اجتماع السبب المبيح والحاظر، فيغلب جانب الحاظر. إذا عرفت هذا فإليك الفروع وهي كثيرة جدًا لكن نقتصر على بعضها طلبًا للاختصار: فمنها: إذا وقعت في الماء نجاسة فتغيرت أحد أوصافه ثم غبنا عنه غيبة يزول فيها وصف النجاسة غالبًا ثم وجدناه بعدها لا يزال متغيرًا وتغيره هذا يحتمل أنه من النجاسة التي علمنا وقوعها فيه أولاً، ويحتمل أنه من سببٍ آخر، فعندنا إذًا سببان: أحدهما: معلوم متيقن وهو أن يكون تغيره بوقوع النجاسة فيه. والثاني: مقدر مظنون وهي احتمالية سبب آخر، وعلى القاعدة نضيف هذا التغير إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون، فنقول: إن هذا الماء نجس بسبب تغيره بالنجاسة التي وقعت فيه، وقد أجمع العلماء أن الماء سواءً كان كثيرًا أو قليلاً إذا وقعت فيه نجاسة وتغيرت أحد أوصافه إما لونه أو طعمه أو ريحه أنه نجس، والله أعلم.

стр. 142

ومنها: إذا وجد الإنسان في ثوبه بللاً بعد نومةٍ، ولم يتحققه منيًا، وقد تقدم نومه مداعبة من قبلةٍ وضمٍ ونحوه، فإن هذه أسباب للمذي، فهذه البلة عندنا لها سببان: إما أن تضاف إلى هذه الأسباب المعلومة، وإما أن تضاف إلى أسباب أخرى مظنونة، وعلى نص القاعدة فإنها تضاف إلى السبب المعلوم، فنقول: إن هذه البلة مذي تأخذ حكمه من وجوب غسل جميع الذكر مع الأنثيين وغسل ما أصابه من الثوب والبدن إضافة لهذه البلة للسبب المعلوم التي هي أسباب للمذي (١) ، والله أعلم. ومنها: من جرح الصيد جرحًا غير قاتل ثم وجده ميتًا وليس به إلا أثر سهمه فيحل الصيد إحالة للموت على السبب المعلوم، وهو هذا الجرح، وتقدمت قبل قليل. ومنها: من جرح غيره جرحًا غير قاتل ولم يمت به، ثم مات بعد فترة فلموته سببان إما أن يكون بسبب سراية الجرح المعلوم وإما أن يكون بسببٍ محتملٍ مقدرٍ غيره، وعلى مقتضى هذه القاعدة يحال موته على السبب المعلوم وهو هذا الجرح فيوجب القصاص إن كان عمدًا عدوانًا أو الدية إن كان خطأً، أو شبه عمد، لكن ينبغي أن يقرر ذلك طبيب عالم مسلم أن الموت حصل بسبب سراية الجرح، والله أعلم. ومنها: لو جرح المحرم الصيد جرحًا غير قاتل ثم بعد مدةٍ وجد الصيد ميتًا وليس به أثر جرحٍ آخر، فعندنا لموته سببان: أحدهما: معلوم وهو الجرح الأول. والآخر: مظنون مقدر وهو أن يكون مات بسببٍ آخر، والقاعدة تقضي إضافة الحكم إلى سببه المعلوم، فنقول: إن الظاهر أن الصيد لم يمت إلا بسبب جرح المحرم له فعلى المحرم جزاؤه وهو المثل وهذا هو الصحيح من المذهب.

стр. 143

ومنها: قاعدة: من وجب عليه حق لغيره وامتنع من أدائه جاز لصاحب الحق الأخذ منه إن كان سبب الحق ظاهرًا، كالضيف إذا امتنع أهل البلد من ضيافته فإنه يجوز له الأخذ منهم بقدر ضيافته يومًا وليلة ولو بلا إذنهم ويحال هذا الأخذ إلى السبب الظاهر وهو الضيافة فإنه في أخذه لا ينسب إلى خيانة، وكذلك المرأة يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف إذا امتنع من نفقتها أو لم يعطها ما يكفيها ويحال هذا الأخذ إلى الزوجية بينهما وهو سبب ظاهر يعرفه الناس ففي هاتين الصورتين حصل فيه أخذ الحق من صاحبه وهذا الأخذ له سببان: أحدهما: معلوم ظاهر وهو الضيافة في الأولى والزوجية في الصورة الثانية. والثاني: أسباب أخرى كالسرقة والخيانة ونحوها وهي أسباب مظنونة، والقاعدة تقضي إحالة الحكم إلى سببه المعلوم، فنقول: إن الأخذ في الأولى سببه الضيافة والثانية الزوجية وعلى هذا فقس.

стр. 144

ومنها: مسائل القسامة: وهي أيمان مغلظة في دعوى قتل معصوم ودليلها قصة عبد الله بن سهل أنه خرج وهو وعبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة إلى خيبر فوجد عبد الله بن سهل مقتولاً بين النخيل فاتُهمَ اليهود بقتله، فقال النبي ﷺ : (لأولياء المقتول تحلفوا خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم) . قالوا: كيف نحلف ونحن لم نر ولم نسمع. قال: (تبرئكم يهود بخمسين يمينًا) . قالوا: وكيف نقبل أيمان قومٍ كفار، فوداه النبي ﷺ ، فإذا وجد قتيل بين قومٍ ومنهم من هو عدوًّ له وهذه العداوة ظاهرة معلومة فإننا نحيل هذا القتل إلى هذا السبب والقرينة القوية، بتأييد خمسين يمينًا من أولياء المقتول وهي موافقة لأصول الشريعة كما ذكره ابن القيم في الإعلام. هذا وقد يكون هذا المقتول قد مات بسببٍ آخر لكنها أسباب مظنونة مقدرة والسبب القوي هو هذه العداوة بينه وبين أفراد هذه القبيلة التي وجد مقتولاً بينهم فأحيل الحكم عليه ومنها: إذا قال السيد إن مت في مرضي هذا فسالم حر وإن لم أمت فيه فغانم حر ثم مات السيد ولا نعلم هل مات بسبب هذا المرض أو بسببٍ آخر، فالقاعدة تقضي أن يحال هذا الموت على السبب المعلوم وهو المرض مع أنه يحتمل أنه مات بغيره لكنها احتمالات مظنونة مقدرة فلا نشتغل بها، بل نقول: إن سالمًا حر إحالة للموت على سببه المعلوم وهو المرض. ومنها: قوله ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فإن الزوجية سبب معلوم ظاهر بين الزوجين، فالأولاد بين الزوجين ينسبون للزوج إحالة لهم على السبب المعلوم الظاهر.

стр. 145

ومنها: إذا ادعت المرأة أن زوجها لا ينفق عليها وقد مكثت عنده عدة سنوات، فإنه من الأكيد أنها في هذه الفترة لابد أن تأكل وتشرب وتكتسي فلا يخلو هذا إما أن يكون من الزوج وإما من غيره لكن السبب المعلوم عندنا هو أن يكون طعامها وشرابها وكسوتها في هذه الفترة من زوجها؛ ولأن الأصل عدم نفقة غيره عليها فأحلنا هذا لحكم لسببه الظاهر وأسقطنا دعواها (١) ؛ لأن القاعدة تقضي بإحالة الحكم على سببه الظاهر. ومنها: لو أصدق رجل امرأة تعليم سورة البقرة ثم ادعت عليه أنه لم يقم بذلك ووجدناها بعد الدعوى تحفظها، فإن هذا الحفظ يحتمل أن يكون من سببين إما أن يكون بتعليمه وتحفيظه لها سورة البقرة وهذا هو السبب المعلوم، وإما أن يكون هي حفظتها من نفسها أو بسببٍ آخر، والقاعدة تقضي أن يكون هو الذي علمها وأن دعواها ساقطة وأن ذمته بريئة وذلك إحالة للحكم على السبب المعلوم (٢) ، والله أعلم. ومنها: لو تزوج الإنسان بكرًا ثم بعد مدةٍ ادعت أنه عنين وكذبها في دعواها، وكشفت القابلة عليها فوجدتها ثيبًا وادعت أن ثيوبتها من سببٍ آخر كسقوطٍ أو إدخال إصبع ونحوه فإن عندنا لثبوتها سببين: أحدهما معلوم وهو أن يكون زوجها هو الذي فضها ويحتمل أن تكون بسببٍ آخر، لكن القاعدة تقضي إحالة هذه الثيوبة إلى الزوج؛ لأنه السبب المعلوم، وما سواه من الأسباب فمقدر مظنون فلا عبرة به، وبالتالي فدعواها باطلة لوجود ما يناقضها. وبهذا ينتهي الكلام على هذه القاعدة المفيدة جدًا لطالب العلم، ولعل فيما ذكر من الفروع والتخريج كفاية - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلى وأعلم.
следующие страницы →