← Каваид фикха

Каваид фикха · id 842

تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية

وليد السعيدان

Полный текст (282 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وكذلك الصيد الذي وقع في الماء بعد صيده فإنه يحتمل أمرين، إما أن يكون مات بسبب رمية السهم، أو يكون مات بسبب سقوطه في الماء وهو سبب يقتل غالبًا أعني الغرق بالماء، فهنا سببان وكلاهما معلوم ظاهر، لكن كونه مات بسبب ارتطامه بالماء وغرقه فيه أظهر وأثبت؛ لأنه لم يجرحه السهم جرحًا موحياً: أي قاتلاً، ولذلك قال النبي ﷺ : (فلا تأكل) تغليبًا للسبب المحرم؛ لأنه أثبت، وقد يكون هذا الفرع يدخل تحت قاعدة اجتماع السبب المبيح والحاظر، فيغلب جانب الحاظر. إذا عرفت هذا فإليك الفروع وهي كثيرة جدًا لكن نقتصر على بعضها طلبًا للاختصار: فمنها: إذا وقعت في الماء نجاسة فتغيرت أحد أوصافه ثم غبنا عنه غيبة يزول فيها وصف النجاسة غالبًا ثم وجدناه بعدها لا يزال متغيرًا وتغيره هذا يحتمل أنه من النجاسة التي علمنا وقوعها فيه أولاً، ويحتمل أنه من سببٍ آخر، فعندنا إذًا سببان: أحدهما: معلوم متيقن وهو أن يكون تغيره بوقوع النجاسة فيه. والثاني: مقدر مظنون وهي احتمالية سبب آخر، وعلى القاعدة نضيف هذا التغير إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون، فنقول: إن هذا الماء نجس بسبب تغيره بالنجاسة التي وقعت فيه، وقد أجمع العلماء أن الماء سواءً كان كثيرًا أو قليلاً إذا وقعت فيه نجاسة وتغيرت أحد أوصافه إما لونه أو طعمه أو ريحه أنه نجس، والله أعلم.

стр. 142

ومنها: إذا وجد الإنسان في ثوبه بللاً بعد نومةٍ، ولم يتحققه منيًا، وقد تقدم نومه مداعبة من قبلةٍ وضمٍ ونحوه، فإن هذه أسباب للمذي، فهذه البلة عندنا لها سببان: إما أن تضاف إلى هذه الأسباب المعلومة، وإما أن تضاف إلى أسباب أخرى مظنونة، وعلى نص القاعدة فإنها تضاف إلى السبب المعلوم، فنقول: إن هذه البلة مذي تأخذ حكمه من وجوب غسل جميع الذكر مع الأنثيين وغسل ما أصابه من الثوب والبدن إضافة لهذه البلة للسبب المعلوم التي هي أسباب للمذي (١) ، والله أعلم. ومنها: من جرح الصيد جرحًا غير قاتل ثم وجده ميتًا وليس به إلا أثر سهمه فيحل الصيد إحالة للموت على السبب المعلوم، وهو هذا الجرح، وتقدمت قبل قليل. ومنها: من جرح غيره جرحًا غير قاتل ولم يمت به، ثم مات بعد فترة فلموته سببان إما أن يكون بسبب سراية الجرح المعلوم وإما أن يكون بسببٍ محتملٍ مقدرٍ غيره، وعلى مقتضى هذه القاعدة يحال موته على السبب المعلوم وهو هذا الجرح فيوجب القصاص إن كان عمدًا عدوانًا أو الدية إن كان خطأً، أو شبه عمد، لكن ينبغي أن يقرر ذلك طبيب عالم مسلم أن الموت حصل بسبب سراية الجرح، والله أعلم. ومنها: لو جرح المحرم الصيد جرحًا غير قاتل ثم بعد مدةٍ وجد الصيد ميتًا وليس به أثر جرحٍ آخر، فعندنا لموته سببان: أحدهما: معلوم وهو الجرح الأول. والآخر: مظنون مقدر وهو أن يكون مات بسببٍ آخر، والقاعدة تقضي إضافة الحكم إلى سببه المعلوم، فنقول: إن الظاهر أن الصيد لم يمت إلا بسبب جرح المحرم له فعلى المحرم جزاؤه وهو المثل وهذا هو الصحيح من المذهب.

стр. 143

ومنها: قاعدة: من وجب عليه حق لغيره وامتنع من أدائه جاز لصاحب الحق الأخذ منه إن كان سبب الحق ظاهرًا، كالضيف إذا امتنع أهل البلد من ضيافته فإنه يجوز له الأخذ منهم بقدر ضيافته يومًا وليلة ولو بلا إذنهم ويحال هذا الأخذ إلى السبب الظاهر وهو الضيافة فإنه في أخذه لا ينسب إلى خيانة، وكذلك المرأة يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف إذا امتنع من نفقتها أو لم يعطها ما يكفيها ويحال هذا الأخذ إلى الزوجية بينهما وهو سبب ظاهر يعرفه الناس ففي هاتين الصورتين حصل فيه أخذ الحق من صاحبه وهذا الأخذ له سببان: أحدهما: معلوم ظاهر وهو الضيافة في الأولى والزوجية في الصورة الثانية. والثاني: أسباب أخرى كالسرقة والخيانة ونحوها وهي أسباب مظنونة، والقاعدة تقضي إحالة الحكم إلى سببه المعلوم، فنقول: إن الأخذ في الأولى سببه الضيافة والثانية الزوجية وعلى هذا فقس.

стр. 144

ومنها: مسائل القسامة: وهي أيمان مغلظة في دعوى قتل معصوم ودليلها قصة عبد الله بن سهل أنه خرج وهو وعبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة إلى خيبر فوجد عبد الله بن سهل مقتولاً بين النخيل فاتُهمَ اليهود بقتله، فقال النبي ﷺ : (لأولياء المقتول تحلفوا خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم) . قالوا: كيف نحلف ونحن لم نر ولم نسمع. قال: (تبرئكم يهود بخمسين يمينًا) . قالوا: وكيف نقبل أيمان قومٍ كفار، فوداه النبي ﷺ ، فإذا وجد قتيل بين قومٍ ومنهم من هو عدوًّ له وهذه العداوة ظاهرة معلومة فإننا نحيل هذا القتل إلى هذا السبب والقرينة القوية، بتأييد خمسين يمينًا من أولياء المقتول وهي موافقة لأصول الشريعة كما ذكره ابن القيم في الإعلام. هذا وقد يكون هذا المقتول قد مات بسببٍ آخر لكنها أسباب مظنونة مقدرة والسبب القوي هو هذه العداوة بينه وبين أفراد هذه القبيلة التي وجد مقتولاً بينهم فأحيل الحكم عليه ومنها: إذا قال السيد إن مت في مرضي هذا فسالم حر وإن لم أمت فيه فغانم حر ثم مات السيد ولا نعلم هل مات بسبب هذا المرض أو بسببٍ آخر، فالقاعدة تقضي أن يحال هذا الموت على السبب المعلوم وهو المرض مع أنه يحتمل أنه مات بغيره لكنها احتمالات مظنونة مقدرة فلا نشتغل بها، بل نقول: إن سالمًا حر إحالة للموت على سببه المعلوم وهو المرض. ومنها: قوله ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فإن الزوجية سبب معلوم ظاهر بين الزوجين، فالأولاد بين الزوجين ينسبون للزوج إحالة لهم على السبب المعلوم الظاهر.

стр. 145

ومنها: إذا ادعت المرأة أن زوجها لا ينفق عليها وقد مكثت عنده عدة سنوات، فإنه من الأكيد أنها في هذه الفترة لابد أن تأكل وتشرب وتكتسي فلا يخلو هذا إما أن يكون من الزوج وإما من غيره لكن السبب المعلوم عندنا هو أن يكون طعامها وشرابها وكسوتها في هذه الفترة من زوجها؛ ولأن الأصل عدم نفقة غيره عليها فأحلنا هذا لحكم لسببه الظاهر وأسقطنا دعواها (١) ؛ لأن القاعدة تقضي بإحالة الحكم على سببه الظاهر. ومنها: لو أصدق رجل امرأة تعليم سورة البقرة ثم ادعت عليه أنه لم يقم بذلك ووجدناها بعد الدعوى تحفظها، فإن هذا الحفظ يحتمل أن يكون من سببين إما أن يكون بتعليمه وتحفيظه لها سورة البقرة وهذا هو السبب المعلوم، وإما أن يكون هي حفظتها من نفسها أو بسببٍ آخر، والقاعدة تقضي أن يكون هو الذي علمها وأن دعواها ساقطة وأن ذمته بريئة وذلك إحالة للحكم على السبب المعلوم (٢) ، والله أعلم. ومنها: لو تزوج الإنسان بكرًا ثم بعد مدةٍ ادعت أنه عنين وكذبها في دعواها، وكشفت القابلة عليها فوجدتها ثيبًا وادعت أن ثيوبتها من سببٍ آخر كسقوطٍ أو إدخال إصبع ونحوه فإن عندنا لثبوتها سببين: أحدهما معلوم وهو أن يكون زوجها هو الذي فضها ويحتمل أن تكون بسببٍ آخر، لكن القاعدة تقضي إحالة هذه الثيوبة إلى الزوج؛ لأنه السبب المعلوم، وما سواه من الأسباب فمقدر مظنون فلا عبرة به، وبالتالي فدعواها باطلة لوجود ما يناقضها. وبهذا ينتهي الكلام على هذه القاعدة المفيدة جدًا لطالب العلم، ولعل فيما ذكر من الفروع والتخريج كفاية - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 146

القاعدة الرابعة والثلاثون ٣٤ - العبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالح وهذا هو الحق، وفهم هذه القاعدة يعطي طالب العلم ملكةً في التفضيل بين العبادات، فالعبادات الفاضلة قد تكون أحيانًا وفي بعض الظروف مفضولة، والمفضولة تتحول إلى فاضلة، وكل ذلك باقتران المصلحة من عدمها، فالذي ينبغي لطالب العلم الاهتمام به هو النظر في المصلحة، فكل عملٍ اقترنت به المصلحة فهو الفاضل وما ضده فمفضول، فالنظر في المصالح والمفاسد هو لب الشريعة، بل إن الشريعة ما جاءت إلا بتقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فلا ينبغي إهمال النظر في المصالح. وهذه القاعدة لها أدلة كثيرة جدًا نذكر طرفًا منها: فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فلاشك أن سب آلهة المشركين المجرد عمل فاضل وترك سبها عمل مفضول لكن لما اقترنت بالسب مفسدة أعظم وهي سبهم - أعني المشركين - لله تعالى، وسكوتنا عن سب آلهتهم فيه سكوتهم عن سب ربنا جل وعلا، انقلبت المسألة فصار الفاضل مفضولاً، والمفضول فاضلاً أي أن السب تحول من كونه فاضلاً إلى كونه مفضولاً لوجود المفسدة، وترك سب آلهتهم تحول من كونه مفضولاً إلى كونه فاضلاً لوجود المصلحة وهي سكوتهم عن سب ربنا جل وعلا. فالفاضل لما اقترنت به مفسدة صار مفضولاً، والمفضول لما اقترنت به المصلحة صار فاضلاً.

стр. 147

ومن الأدلة على هذا الأصل من السنة: حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال قال النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا ولا يَؤمَّنَّ الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) فذكر النبي ﷺ الأفضل فالأفضل في الإمامة، ثم بين أن صاحب المرتبة ذا السلطان كالإمام الأعظم وأمير الحرب وأئمة المساجد ونحوهم مقدمون على غيرهم، وإن كان غيرهم أفضل منهم، فالمفضول في الإمامة إن كان هو صاحب السلطة أو صاحب الدار أو أمير الحرب أو إمام المسجد الراتب فيكون في هذه الحالة فاضلاً، والمصلحة التي جعلت المفضول يكون فاضلاً هنا هي جمع الكلمة على السلطان وعدم الافتئات عليه والتقدم بين يديه إلا بإذنه، فاقتران هذه المصلحة بالمفضول في الإمامة جعله فاضلاً، وتخلفها عن الفاضل جعله مفضولاً. ومن الأدلة: حديث عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين، بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم) متفق عليه، فالنبي ﷺ في هذا الحديث نبه على الأمر الفاضل وهو بناء البيت على هذه الصفة المذكورة والأمر المفضول هو بقاؤه على هذه الصفة لكن هذا الأمر المفضول صار فاضلاً لاقتران المصلحة الشرعية به وهي ألاَّ يفتتن من هو حديث عهدٍ بجاهلية فاقتران هذه المصلحة رفع المفضول وجعله فاضلاً وأنزل الفاضل وجعله مفضولاً، ولذلك أبقاه النبي ﷺ على ما هو عليه عملاً بالأمر الفاضل الذي كان مفضولاً لولا اقتران هذه المصلحة به.

стр. 148

ومن الأدلة: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُم الْمَيْتَةُ ... إلى قوله: فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالأكل من الميتة أمر محرم مفضول وتركها أمرٌ واجب فاضل ولاشك في ذلك، لكن إذا اضطر الإنسان إلى أكلها لعدم وجود غيرها وخاف الهلاك على نفسه فإن الأمر المفضول سابقًا قبل الضرورة يتحول إلى أمرٍ فاضل لاقتران المصلحة الشرعية به وهي حفظ النفس، بل أوجب جمع من العلماء الأكل منها في هذه الحالة وهو الصحيح بلا ريب، بل نحن نجد في شريعتنا - ولله الحمد والمنة - أن بعض المحرمات تحل للضرورة كشرب الخمر لدفع غصةٍ ونحوه وذلك مراعاة للمصلحة الشرعية المترتبة على إباحة الحرام، وقد تقدم لنا قاعدة: (لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة) وهي قاعدة منبثقة من مراعاة المصالح والمفاسد. ومن الأدلة أيضًا على هذا الأصل العظيم: ما رواه أصحاب السنن أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد ﵇ حتى فرغ ثم تيمم ثم رد ﵇، ومن المعلوم أن رد السلام أمر فاضل وتركه مفضول، لكن هذا المفضول في هذه الحالة أعني في حالة قضاء الحاجة تحول إلى فاضل لاقتران المصلحة به وهي تنزيه ذكر الله تعالى أن يقال في الخلاء والرد تحول من الفاضل إلى المفضول بسبب تخلف المصلحة ووجود المفسدة، ولذلك لم يرد النبي ﷺ ﵇ إلا بعد أن فرغ وتيمم وقال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا وأنا على طهارة) وفي آخر قال: (فإذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن سلمت علي لن أرد عليك) (١) .

стр. 149

ومن الأدلة أيضًا: النهي عن الصلاة في أوقات النهي أعني التطوع الذي لا سبب له، فإن الصلاة أعني التطوع فيها أجر عظيم وثواب جزيل قد أثبتته الأدلة فهي من الأمور الفاضلة لكن نهى عنها النبي ﷺ في أوقات النهي سدًا لذريعة مشابهة المشركين في سجودهم للشمس عند طلوعها وغروبها، فهذه المصلحة وهي عدم مشابهة المشركين جعلت الأمر الفاضل الذي هو التطوع بالصلاة أمرًا مفضولاً وترك التطوع الذي هو المفضول جعلته أمرًا فاضلاً، فانظر كيف أدَّى اقتران المصلحة الشرعية إلى جعل المفضول فاضلاً والفاضل مفضولاً، فإن قلت: فلماذا تجوزون إيقاع الصلاة إذا كان لها سبب في وقت النهي مع فوات المصلحة ووجود المفسدة؟ قلنا: لنا جوابان: الأول: أن الأدلة دلت على جواز إيقاع ذوات الأسباب في أوقات النهي كصلاة الطواف لحديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا من طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليلٍ أو نهار) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان وظاهره العموم وكذلك الوضوء لحديث بلال: (ما توضأت أية ساعة من ليلٍ أو نهار إلا صليت بعده ركعتين) وأقره النبي ﷺ على ذلك، وكتحية المسجد لحديث أبي قتادة مرفوعًا: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) ، وفي رواية: (فليركع ركعتين قبل أن يجلس) وظاهره العموم في أي وقتٍ، وكالصلاة المعادة لحديث يزيد بن الأسود الصحيح مرفوعًا: (إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه فإنها لكما نافلة) وقد قال ذلك لما رأى رجلين قد تخلفا عن صلاة الفجر مع الناس؛ لأنهما قد صليا في رحالهما فقاله مع دخول وقت النهي في حقهما، وأما سجود التلاوة والشكر فلا تعلق لهما بما نحن فيه؛ لأن القول الراجح أنهما ليسا بصلاة كما هو اختيار الشيخ تقي الدين ﵀، والمقصود أن ذوات الأسباب

стр. 150

مخصوصة من عموم النهي لأمرين: أحدهما: أن الأدلة أجازت ذلك وندبت إليه في ذوات الأسباب خاصة. والثاني: أن هذه الصلوات المذكورة أعني ذوات الأسباب مرتبطة بسببها وهي تفوت بفواته فإذا فات سببها فاتت وإذا فاتت فقد فاتت مصلحتها فعندنا الآن مصلحة فعلها لئلا تفوت بفوات سببها ومصلحة مخالفة المشركين، والأدلة رجحت فعلها وإدراك مصلحتها ولم تنظر إلى المفسدة المقابلة، ذلك لأن مصلحة تحصيل هذه الصلوات أكبر من مراعاة مصلحة مخالفة المشركين وإذا تعارضت مصلحتان فإننا نفوت أدناهما بتحصيل كبراهما، كما أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي اجتناب أشدهما بارتكاب أخفهما، فإذًا نقول: المصلحة في فعل ذوات الأسباب موجودة متحققة وإن فعلت في أوقات النهي فهي الفاضلة أبدًا، أما بقية التطوعات التي لا سبب لها فإنها لا تفوت مصلحتها بالمنع من فعلها في أوقات النهي، إذ أنها لا تفوت فيمكن التطوع في غير هذه الأوقات وبهذا يتحرر الجواب ولله الحمد والمنة. ومن الأدلة على ذلك أيضًا: المعقول وهو أن الشيء إذا كان أفضل على تقدير لم يلزم أن يكون هو الأفضل دائمًا وأبدًا، فالذهب مثلاً أفضل من الحديد والنحاس وغيرهما من المعادن،لكن قد تكون هذه المعادن مقدمة على الذهب عند الحاجة إليها دونه وهنا يرتقي المفضول حتى يصير فاضلاً، ولولا خوف الإطالة لسردت جميع الأدلة الدالة على هذا الأصل الكبير لكن لعل ما مضى فيه كفاية - إن شاء الله تعالى -. وإليك بعض الفروع على ذلك الأصل المهم حتى ترى كيف تأثير المصلحة في تفاضل العبادات فأقول: منها: جميع ما مضى في الأدلة هي أدلة وفروع لهذه القاعدة الكلية.

стр. 151

ومنها: أن الذكر والدعاء في الأمكنة التي نهي عن الصلاة فيها كمعاطن الإبل والمقبرة وغيرها أفضل من الصلاة بل لاتصح، وكذلك الذكر حال السجود والركوع أفضل من القراءة بل هي ممنوعة شرعاً، لحديث ابن عباس في البخاري مرفوعًا: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) . ومنها: أن الذكر للجنب أفضل في حقه من سائر العبادات، وإن كانت تلك أفضل إذا زال وصف الجنابة، وكذلك المحدث حدثًا أصغر القراءة بلا مس والذكر في حقه أفضل من غيرهما (١) . ومنها: أن الاشتغال بالطواف للآفافي أفضل من الصلاة النافلة لأن الطواف فيه مصلحة عظيمة للآفافي وهي تفوت وأما الصلاة فإنها لا تفوت. ومنها: أن الإنسان إذا صلى بقوم يرون استحباب القنوت في الفجر وسيحدث فتنة لو لم يقنت بهم فالأفضل في حقه وحقهم أن يقنت بهم، لاقتران مصلحة التأليف، وإذا صلى بقوم يرون الجهر بالبسملة مطلوب إما وجوبًا وإما استحبابًا فالأفضل في حقه أن يجهر بها أحيانًا لمصلحة التأليف مع أن ترك القنوت في الفجر أولى وكذلك الجهر بالبسملة والإخفات بها هو السنة لكن ترك هذه المستحبات أفضل في هذه الحالة مع أن القنوت في الفجر (٢) والجهر بالبسملة أفعال مفضولة لكن لما اقترن بها مصلحة التأليف وإبعاد الشحناء والشجار ارتفع إلى مرتبة الفاضل (٣)

стр. 152

، ولقد رأيت وسمعت عن بعض الأئمة الحنابلة ذهبوا إلى بلادٍ يعتقد أهلها سنة القنوت في الفجر، ووجوب الجهر بالبسملة فلما لم يفعلوا ذلك حصل نزاع في المسجد كبير جدًا كاد يؤدي إلى الضرب بالأيدي لولا تدخل بعض الأجهزة الأمنية، فالفقه مطلوب وترك الفاضل وفعل المفضول لتعلق المصلحة به هو عين الحكمة فنسأل الله أن يلهمنا رشدنا. ومنها: ترك السلام على أهل البدع المجاهرين بها بعد النصيحة الواجبة وعدم إجابة دعوتهم إن كان فيه زجر لهم عن بدعتهم فإنه يكون فاضلاً وذلك لتعلق المصلحة الشرعية به. ومنها: أن الأفضل إيقاع الصلاة في أول الوقت وتأخيرها إلى آخر وقتها مفضول لكن إذا اقترن به مصلحة راجحة صار فاضلاً كأن يؤخرها لأنه سيصليها بالماء أو بساتر للعورة أو لشدة حر في الظهر أو أن يتعلم الفاتحة والتشهد في آخر الوقت وهكذا فيكون الفعل المفضول فاضلاً بسبب اقتران المصلحة. ومنها: التعزير بالضرب أو الحبس أو مصادرة المال الأصل أن هذه الأفعال لا تجوز لكن لما اقترن بها إظهار الحق وقمع المجرمين وردعهم عن إجرامهم وباطلهم وكف شرهم وعدوانهم صارت فاضلة وجاء بها الشرع وذلك لتعلق المصلحة الشرعية بها، وكل فعلٍ تعلقت به المصلحة الشرعية فهو الفاضل. ومنها: الحدود من قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن وجلد غير المحصن والقصاص في النفس والأطراف الأصل أنها لا تجوز، لكن لما اقترن به إقامة العدل وقطع دابر الشر والفساد والعدوان وحفظ النسل وغيرها من المصالح صارت فاضلة بشروطها وجاء بها الشرع، مع أنها هي في حد ذاتها مفسدة لكن لما يترتب عليها من المصالح في الدنيا والآخرة صار عين المصلحة هو إقامتها، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .وفي الحديث: (لحد يعمل به في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً) .

стр. 153

ومنها: تغميض العينين في الصلاة منهي عنه، فالسنة أن ينظر الإنسان موضع سجوده، فالأفضل إذًا فتح العينين في الصلاة، وأقل أحوال التغميض أنه مكروه، لكن إذا كان في جدار القبلة ما يلهي المصلي من صورةٍ أو كتابةٍ أو زخرفة أو أن قلبه لا يجتمع إلا بالتغميض (١) فيكون في هذه الحالة فاضلاً لما اقترن به من المصلحة الشرعية وهي مراعاة الخشوع، فما كان أخشع لقلبه فهو أفضل، ولا تنظر لقول بعضهم: (إن هذا الخشوع خشوع شيطاني) فهو كلام لا أصل له، فإن الشيطان لا يعين على الخشوع في الصلاة بل هو من أول الحريصين على ذهاب الخشوع، والله أعلم. ومنها: السنة هي صلاة التطوعات القبلية والبعدية في البيت وذلك لحديث عمر في الصحيحين، وحديث زيد بن ثابت وفيه: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ففعلها في البيت أمر فاضل، وفعلها في المسجد أمر مفضول، لكن إن كان فعلها في المسجد فيه تعليم للناس بأعدادها وصفاتها وشرعيتها فيكون فعلها أحياناً فيه أفضل وذلك لاقتران المصلحة الشرعية بها.

стр. 154

ومنها: الجهر فيما السنة فيه عدمه، كدعاء الاستفتاح والفاتحة في السرية أو في الجنازة ونحو ذلك، الأصل أنه مفضول لكن إن اقترنت به مصلحة تعليم الناس بالسنة فإنه يكون فاضلاً، ولذلك ثبت عن عمر أنه جهر بدعاء الاستفتاح، وجهر ابن عباس بالفاتحة في صلاة الجنازة وقال: لتعلموا أنها السنة، وصلى النبي ﷺ على المنبر وسجد في أصل المنبر ليتعلم الناس صلاته، مع أنه فيه حركة ليست من جنس الصلاة من تقدم وتأخر، لكن لما اقترنت مصلحة تعليم الناس الأمر المشروع صار المفضول فاضلاً (١) . ومنها: أن الأفضل هو إخفاء الصدقة كما قال تعالى: ﴿وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وفي الحديث: (صدقة السر تطفئ غضب الرب) والمفضول هو إخراجها أمام الناس، لكن إن اقترنت بهذا المفضول مصلحة شرعية فإنه يكون فاضلاً كحث الناس على الصدقة وترغيبهم فيها ونحوه، وعلى هذا يخرج حديث صدقة أبي بكرٍ بماله كله، وعمر بنصف ماله، ولما أمر بالصدقة على بعض الوفود وجاء رجل بذهيبة تكاد يده تعجز عن حملها ووضعها بين يدي النبي ﷺ فتتابع الناس في الصدقة فقال: (من سن سنة حسنة) ... الحديث. وهو معروف، فإخفاء الصدقة أفضل إن لم يكن هناك مصلحة شرعية، وإبداؤها أفضل إن كان هناك مصلحة شرعية، والله أعلم.

стр. 155

ومنها: تفاضل العبادات بحسب الأشخاص، فمن الناس من يكون الجهاد أفضل في حقه، ومنهم من يكون طلب العلم أفضل في حقه،ومنهم من يكون الاشتغال بالذكر أفضل في حقه، فإياك أن تفتي الناس بتفاضل العبادة بذاتها، وإنما بما هو أصلح لكل أحد بحسبه وعلى ذلك يحمل اختلاف الأحاديث في الذين يقولون للنبي ﷺ : (أي العمل أفضل) . ومنها: من المعلوم أن صلاة الجنازة لها أجرها العظيم وثوابها الجزيل وهو قيراط مثل جبل أحد كما في الحديث، وترك الصلاة عليها أمر مفضول وتضييع لهذا القيراط، لكن إن اقترنت بالترك مصلحة شرعية فإنه يكون فاضلاً وذلك ككون الميت مدينًا أو غالاً أو مبتدعًا أو مصرًا على كبيرةٍ من الذنوب فإن امتناع الأمراء والوجهاء وأهل الدين والصلاح من العلماء والعباد وغيرهم، امتناعهم من الصلاة عليه زجرًا للناس عن فعله، وردعًا لهم عن مواقعة جرمه أمر فيه غاية المصلحة، فيكون فاضلاً لاقتران هذه المصلحة، وعلى ذلك يخرج امتناعه ﷺ من الصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه وعلى من عليه دين وذلك كله مراعاة للمصلحة. وعلى هذه الفروع قس. وخلاصة الكلام هو أن العبادات تتفاضل باعتبارين، باعتبار ذاتها، وباعتبار المصلحة المتعلقة بها، والذي ينبغي للطالب هو مراقبة هذه المصلحة والحكم بالفضيلة باعتبارها كما مرَّ في هذه الفروع، والله وأعلم. القاعدة الخامسة والثلاثون ٣٥ - يجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقته أقول: اعلم - رحمك الله تعالى - أن الواجب باعتبار وقته نوعان: واجب موسع، وواجب مضيق: والواجب الموسع هو ما يتسع لفعله ولفعل غيره من جنسه كوقت الصلاة فإنه طويل يسع الصلاة نفسها ويسع صلوات غيرها إما نوافل وإما فرائض فائته، فكل وقتٍ يتسع لأداء ما وجب فيه ويتسع لفعل غيره من جنسه فهو الوقت الموسع.

стр. 156

وأما المضيق فهو الذي لا يتسع لغيره من جنسه كشهر رمضان فإنه لا يتسع إلا لفعله فقط فلا يتسع للتطوع بالصيام أو قضاء رمضان آخر أو فعل صيام منذور مثلاً، بل لا يتسع إلا لصيامه فقط وهذا هو القول الصحيح خلافًا للحنفية الذين يقولون: من جاز له الفطر فيجوز له صيام غير رمضان في يوم الجواز،فهذا قول كأنه مجانب للأدلة – رحم الله من قاله وغفر له – والمقصود: أن تعرف الفرق بين الواجب الموسع والواجب المضيق إذا علم هذا فليعلم أن من وجب عليه شيء من العبادات أو الحقوق المالية فهل يجوز له أن يتطوع بجنس هذه العبادة أو جنس ذلك الحق قبل أداء الفريضة أو لا يجوز؟ هذا هو ما تفيده القاعدة التي نحن بصدد شرحها، وبعبارة أدق نقول: إذا دخل وقت الصلاة مثلاً فإنها تجب بدخول وقتها، فهل يجوز للإنسان أن يتنفل في هذا الوقت قبل أداء الواجب عليه أم لا؟ كذلك إذا وجبت عليه الزكاة، فهل يجوز له أن يتصدق قبل أداء الزكاة أم لا؟ هذا هو نص القاعدة. والجواب أن يقال: إن الحقوق والفروض نوعان: حقوق لله تعالى، وحقوق للآدميين، فأما الأول: فإنه إذا وجب عليك فرض فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون وقته موسعًا وإما مضيقًا، فإن كان وقته موسعًا فإنه يجوز لك التطوع بجنسه قبل أدائه على القول الصحيح، وأما إن كان مضيقًا فلا يجوز لك ذلك، بل الواجب عليك أن تؤدي الفرض أولاً ثم إن شئت التطوع بجنسه فلك ذلك، وعلى ذلك فروع: منها: يجوز للإنسان أن يتطوع بالصلاة بعد دخول وقت الفرض بما شاء من التطوعات؛ لأن وقت الفرض وقت موسع، لكن إذا تضايق الوقت بحيث لم يعد يتسع إلا لإيقاع الصلاة المفروضة فقط فإنه لا يجوز حينئذٍ التطوع بالصلاة، بل يجب أداء الفرض؛ لأن الوقت أصبح مضيقًا.

стр. 157

ومنها: من فاتته أيام من رمضان وجب عليه قضاؤها، ووقت القضاء وقت موسع يبدأ من انتهاء رمضان إلى رمضان الآخر، فيجوز حينئذٍ أن يتطوع الإنسان بالصوم قبل قضاء هذه الأيام، فله أن يصوم الاثنين والخميس والأيام البيض ويوم عرفة وعاشوراء ونحوه مما يستحب صيامه، ذلك لأن وقت القضاء وقت موسع، لكن إذا لم يبق على رمضان الآخر إلا بقدر الأيام الفائتة فإنه حينئذٍ لا يجوز له التطوع بالصوم أبدًا، بل الواجب أداء الواجب عليه ذلك؛ لأن الوقت صار وقتًا مضيقًا (١) . ومنها: من حج تطوعًا أو عن نذرٍ أو عن غيره قبل حجة الإسلام فإنه ينقلب ما نواه إلى نية حجة الإسلام، وذلك لأن وقت الحج وقت مضيق، وقد دل الدليل على وجوب البدء بالحج عن النفس أي حجة الإسلام كما في حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: (ومن شبرمة) ؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال: (أحججت عن نفسك) ؟ قال: لا. قال: (حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) ؛ ولأنه لا يتكرر في العام إلا مرة فوجب تقديم حجة الإسلام؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له وهذا هو جادة المذهب. ومنها: من وجبت الزكاة في ماله، فهل له أن يتصدق قبل إخراجها؟ الجواب: فيه خلاف بين العلماء والراجح والله أعلم جواز ذلك، وقد نص عليه الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – ولكن إذا كان في ماله سعة، أما إذا لم يكن عنده إلا هذا النصاب الزكوي فقط فإن الصدقة منه لا تجوز بما ينقصه لتعلق حق الفقراء به.

стр. 158

فهذا بالنسبة للعبادات، وأما بالنسبة للتصرفات المالية وهي الحقوق التي بين العباد فإن مبناها على المشاحة لا المسامحة، فمن وجب في ماله حق لغيره وطالب به هذا الغير فهل يجوز له أن يتصرف في ماله قبل أداء هذا الحق؟ الجواب: فيه خلاف بين العلماء، ومذهب الأصحاب الجواز إذا لم يكن حجر عليه، وإن استغرق ماله كله، ولكن اختار الشيخ تقي الدين أنه لا ينفد شيء من ذلك مع مطالبة الغرماء بحقوقهم، وحكاه قولاً في المذهب وهو الراجح - إن شاء الله تعالى -، ذلك لأن الغرماء لما طالبوه تعلق حقهم بماله، وفي حديث جابر قال: أعتق رجل منا عبدًا له عن دبر ليس له مال غيره فدعا به النبي ﷺ (فباعه) متفق عليه، وهذا القول هو الموافق للعدل، فإنه لو جاز تصرفه في ماله مع المطالبة لأدى ذلك إلى تفويت حق الغرماء وإلى خداعهم في إخراج ماله لمن اتفق معه على أنه صدقة، أو وقف ونحوه فإذا هدأت المطالبة رده عليه، فالقول الراجح هو أن من تعلق بماله حق لغيره فإنه لا يجوز له أن يتصرف في ماله بقدر هذا الحق، وأما ما زاد على قدر الحق فله التصرف فيه؛ لأنه لم تتعلق به حقوق للغير، وبناءً على هذا القول فإنه لا يصح وقف ما تعلق به حق للغير ولا بيعه ولا هبته ولا الصدقة به، وهذا مع مطالبة الغير بذلك وهذا القول هو الذي لا يسع الناس غيره خصوصًا في هذا الزمن الذي كثرت فيه المماطلات والكذب - والعياذ بالله تعالى -، والله تعالى أعلم.

стр. 159

مسألة: بحث العلماء في حكم تصدق الرجل بماله كله هل يجوز أم لا؟ واختلفوا في ذلك والراجح التفصيل في ذلك، فإن كان هذا المال قد تعلق به حق للغير فإن التصدق به كله أو بما تعلق به الحق أي بقدر الحق لا يجوز أن يتصدق به، وإن لم يكن قد تعلق بماله أي نوع من أنواع الحقوق فلا يخلو إما أن يغلب على ظنه قوة نفسه ألا يسأل الناس ويتكففهم ثقة بما عند الله تعالى من الفضل فإنه يجوز له التصدق به، وعلى ذلك يحمل حديث تصدق أبي بكرٍ بماله، وأما إن كان يغلب على ظنه أنه إن تصدق بماله كله أنه سيسأل الناس أموالهم وأن نفسه ضعيفة عن الثقة بكمال فضل الله عليه فهذا لا ينبغي أن يعرض نفسه لهذه المذلات بل يمسك عليه بعض ماله ليحفظ وجهه عن الناس ومع ذلك فنقول: خير الهدي هدي محمدٍ ﷺ وهو أكمل الهدي على الإطلاق وهو في هذه المسألة ألا يزيد الإنسان على الثلث ما أمكن، أو على الأقل يمسك بعض ماله بلا تقدير بالثلث وعليه حديث سعد بن أبي وقاص وحديث أبي لبابة وحديث كعب بن مالك، والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 160

القاعدة السادسة والثلاثون ٣٦ - الاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفر اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن العقود إما أن تكون عقود معاوضات وإما عقود تبرعات وعقود المعاوضات هي التي يكون العوض فيها من الطرفين أعني من المتعاقدين، كالبيع والإجارة والسلم ونحوه، وأما عقود التبرعات فهي التي يكون البذل فيها من أحدهما دون الآخر كالوقف والوصية والهبة، إذا علمت هذا فاعلم أن الإنسان يجوز له إذا باع عينًا أو منفعة أن يستثني منفعتها، لكن هذه الثنيا لابد أن تكون معلومة إذا كان العقد عقد معاوضة وتغتفر الجهالة فيها إذا كان العقد عقد تبرع على الراجح، والدليل على جواز الاستثناء أصلاً حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين أنه كان يسير على جملٍ له أعيا فقال فأردت أن أسيبه فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله قط، فقال: (بعنيه بوقية) . فقلت: لا. ثم قال: (بعنيه) ، فبعته بوقية واشترطت حملانه إلى أهلي فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه، فرجعت ثم أرسل في أثري فقال: (أتراني ماكستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك) وهذا لفظ مسلم فجابر ﵁ لما باع الجمل للنبي ﷺ استثنى منفعة ركوبه إلى أهله، وهذا هو الاستثناء والعقد هنا عقد معاوضة؛ لأن العوض من الطرفين فجابر يسلم الجمل والنبي ﷺ يدفع الثمن، وأقره النبي ﷺ على هذا الاستثناء مما يدل على جوازه، إذ لو كان الاستثناء في المبيع ممنوعًا لأنكره فلما لم ينكره دَلَّ على جوازه، وأما اشتراط العلم بالمدة المستثناه فيدل عليه هذا الحديث: (فإن جابر قال: واشترطت حملانه إلى أهلي) أي هذه المسافة المعلومة فقط، ويدل عليه أيضًا حديث جابر عند مسلم وغيره قال: (نهى النبي ﷺ عن الثنيا إلا أن تعلم) فهذه دليل النقل.

стр. 161

وأما العقل فلأن عقود المعاوضات مبناها على المبادلة، حتى ينتفع كل واحدٍ منهما بما صار إليه فالبائع ينتفع بالثمن والمشتري ينتفع بالسلعة وهذا هو مقصود عقد المعاوضة، فإذا جاز الاستثناء فيها بلا اشتراط علمها فإن العقد حينئذٍ لا تترتب عليه المصلحة المطلوبة ويكون من نوع الغرر والجهالة وقد نهى النبي ﷺ عن الغرر في البيع. وأما دليل جواز جهالتها في عقود التبرعات فلحديث سفينة عند أبي داود وغيره بسندٍ صحيح قال: (كنت مملوكًا لأم سلمة) . فقالت: أعتقتك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشت. قلت: (لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله ﷺ فأعتقتني واشترطت علي) وقسنا عليه باقي عقود التبرعات؛ ولأن عقود التبرعات مبناها على الإحسان ولا خسارة فيها على الطرف الآخر أبدًا فهي إن حصلت فمكسب، وإن لم تحصل فلا خسارة، فالجهالة في استثنائها لا مفسدة فيه؛ ولأن من بذلها محسن، وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ هذا بالنسبة للتدليل. وأما بالنسبة للتفريع فالفروع كثيرة لكن نذكر منها بعضها توضيحًا لا استقصاءً فأقول: منها: باعه داره واستثنى سكناها مدة حياته فإن هذه الثنيا لا تصح؛ لأنها مجهولة والعقد عقد معاوضة، فمن شروط صحتها أن تكون معلومة، لكن لو قال: واستثنيت سكناها شهرًا أو يومًا أو سنةً ونحوها من الآجال المعلومة فهذه الثنيا صحيحة للعلم بها وانتفاء الجهالة عنها. ومنها: باعه دابته واستثنى حملانها إلى بلاده فهذه الثنيا صحيحة إذا كانت المسافة معروفة عند المشتري وذلك للعلم بها، لكن لو قال: واستثني حملانها إلى موضع ما، فهذه الثنيا لا تصح؛ لأنها مجهولة والعقد عقد معاوضة.

стр. 162

ومنها: أوقف داره واستثنى سكناها مدة حياته وحياة ولده من صلبه، صح الوقف والاستثناء مع الجهالة؛ لأن العقد من عقود التبرعات، وعقود التبرعات تغتفر الجهالة في استثناء منفعتها. ومنها: وهب رجل لآخر سلعة ما واستثنى الانتفاع بها إلى أن يموت أو حتى يَملَّ منها، صحت الهبة والاستثناء مع الجهالة، ذلك لأن العقد من عقود التبرعات. ومنها: العتق فيصح أن يعتق عبده ويستثني منافعه مدة حياته، فهذه الثنيا وإن كانت مجهولة؛ لأننا لا نعلم كم سيعيش السيد؟ لكن العقد عقد تبرع وإحسان فالجهالة في ثنياه مغتفرة، ويدل لذلك حديث سفينة عند أبي داود بسندٍ صحيح. ومنها: إذا أعتقها وجعل عتقها صداقها، فإنه يصح على القول الراجح، ويدل عليه حديث صفية أن النبي ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها، فصارت كالمستثنى منفعتها. ومنها: الوصية، فيصح أن يوصي برقبة عين كدار ونحوها لشخص ويستثني منفعتها لشخصٍ آخر سواءً مدةً معلومة أو مجهولة، ذلك لأن الوصية من عقود التبرعات وعلى ذلك فقس. والمهم: أن تفرق بين عقد المعاوضة وعقد التبرع والاستثناء، في كلا العقدين جائز لكن يشترط أن يكون معلومًا في عقد المعاوضة، ولا يشترط العلم به في عقد التبرع، والله أعلم.

стр. 163

القاعدة السابعة والثلاثون ٣٧ - كل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًا اعلم أن هذه الشريعة لا تأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا تنهى عن شيء إلا وفيه مفسدة خالصة أو راجحة، فهي إذا حرمت قولاً أو فعلاً أو عينًا من الأعيان فإنها لم تحرمه إلا وفيه مفسدة، وإذا أباحت شيئًا فإنها لم تبحه إلا لخلوه من هذه المفسدة. فأبدًا لا يجتمع حل شيء ووصفه بالمفسدة، وهذه القاعدة تقرر أن كل ما دل الدليل الشرعي على جوازه قولاً أو فعلاً فإنه جل وعلا يرفع ضرره قدرًا - أي كونًا - فلا يكون فيه ضرر أبدًا حتى وإن كان سبق له تحريم فإنه في حالة تحريمه يوصف بالضرر فإذا نسخ التحريم وثبت الجواز فإن هذا الضرر يرتفع عن هذا الفعل - بإذن الله تعالى -، فالخلق خلقه والأمر أمره (فتبارك الله رب العالمين) فلا يمكن أن يجتمع الجواز الشرعي والضرر الكوني، بل نحن نعرف أن بجواز الشيء انتفاء ضرره، وبثبوت ضرره انتفاء جوازه، فهما ضدان لا يجتمعان أبدًا في فعل من الأفعال، فيجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا لا ريب فيه ويؤمن إيمانًا تامًا لا ريب معه أنه لا يمكن أن تأمر أو تبيح الشريعة ما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، كما أنها لا يمكن أن تحرم ما فيه مصلحة خالصة أو راجحة. فكل ما كان حرامًا ثم أحل فلزوال المفسدة منه، وكل ما كان حلالاً ثم حرم فلوصف الخبث فيه بعد تحريمه. وإليك بعض الفروع على هذه القاعدة حتى تتضح أكثر فأقول:

стр. 164

منها: اختلف العلماء فيما صاده الكلب بفمه، هل يجب غسله أو لا؟ على أقوال والراجح عدم الوجوب، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فأجاز لنا أن نأكل من صيد الكلب بشرطين: أن يكون معلمًا، وأن نذكر اسم الله عليه، ولم يأمر بغسل الصيد فلو كان واجبًا لأمر به؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولقوله ﷺ في حديث عدي بن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل) الحديث. ولم يأمر بغسل الصيد؛ ولأن صيد الكلب المعلم يجوز أكله بهذه الأدلة، فإذا ثبت جواز صيده شرعًا فإن ضرره يرتفع قدرًا، فالضرر الذي من أجله أمرنا أن نغسل منه الإناء سبعًا إحداها بتراب قد ارتفع هنا وذلك لجواز أكل ما صاده، وما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًا، فالله جل وعلا لم يأمر بغسل ما صاده لعلمه جل وعلا انتفاء الضرر من لعابه، والله أعلم. ومنها: الأصل تحريم الأكل من الميتة لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ ، لكن إذا اضطر الإنسان لها وأشرف على الهلاك ولا شيء عنده يستغني به عنها فإن الشريعة حينئذٍ تجيز له الأكل من هذه الميتة بقدر الضرورة، فإذا ثبت جواز الأكل منها شرعًا فإن ضرر الميتة يرتفع قدرًا فلذلك يأكل منها المضطر والدود يتهاوى منها ورائحتها منتنة ومع ذلك لا يتأثر - بإذن الله تعالى؛ لأنه أكلها في حالٍ يجوز له الأكل منها والجواز الشرعي رافع للضر القدري (١) .

стр. 165

ومنها: الأصل تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ﴾ وإنه ما حصل بلاء وفاحشة إلا وكان النظر أول بداياته، ولذلك سدت الشريعة باب الزنا بسد باب النظر إلى النساء، لكن أجازت للخاطب العازم الذي ظهرت منه بوادر الصدق قبل العقد أن ينظر إلى مخطوبته بعلمها أو بدون علمها؛ لأنه أحرى أن يؤدم بينهما، فهذه النظرة الشرعية لما ثبت جوازها فإننا نعرف أنه لا ضرر فيها، فهذه النظرة لا تثير من الشهوة ما يثيره النظر المحرم ولا يحصل منها المفاسد والطوام التي تحصل من النظر المحرم، ذلك لأنها جازت شرعًا وكل ما جاز شرعًا فإنه يرتفع ضرره قدرًا مع أن كليهما نظر لكن اقترنت المفاسد والبلايا بالأول لحرمته وارتفعت عن الثاني لشرعيته، وإن أردت مصداق كلامي فانظر ما يثيره النظر إلى الزوجة وما يثيره النظر إلى غيرها، فإننا لم نسمع أحدًا عاقلاً يقول نظرت إلى زوجتي فاشتهت نفسي الزنا أبدًا فإن ما يحدثه النظر إلى الزوجة في النفس لا يكون فيه أي مفسدة، بل هو قاتل للمفسدة، أما النظر إلى الأجنبية فإنه يثير شهوة الزنا والفجور والخلوة المحرمة ولذلك جعل النظر إلى الزوجة قاتل لما في النفس من شهوة النظر الحرام كما قال النبي ﷺ : (فإذا رأى أحدكم من امرأة ما يعجبه فليأت أهله فإن ذلك يذهب عنه) فسبحان من وسعت حكمته كل شيء وهو العزيز الحكيم. ومنها: أن الأصل تحريم الربا وهو أبواب كثيرة منها:

стр. 166

بيع الرطب على رؤوس النخل بتمرٍ كيلاً، وهو ما يسميه العلماء بالمزابنة فهو بيع تمر بتمرٍ مع جهل مقدار أحدهما فإن الرطب على رؤوس النخل لا يعلم مقداره يقينًا حتى وإن خرصناه خرصًا فإنما هو من باب التقريب والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاصل ولاشك أن مفاسد الربا ومضاره الدينية والدنيوية على الأفراد والمجتمعات من انهدام اقتصادها، ومحاربة لله ورسوله، ومحق بركة الأموال أمر معروف لدى الجميع، والمزابنة ثبت النهي عنها كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً وإن كان كرمًا بزبيبٍ كيلاً وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله) متفق عليه، وعن سعد ابن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عن اشتراء الرطب بالتمر فقال: (أينقص الرطب إذا يبس) . قالوا: نعم. فنهى عن ذلك) رواه الخمسة بسند صحيح، فالمزابنة نوع من أنواع الربا يثبت فيها من المفاسد والمضار الدينية والدنيوية ما يثبت فيه؛ لأنها نوع منه، لكن ثبتت الرخصة الشرعية بجواز العرايا كما في حديث زيد بن ثابت: (أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً) متفق عليه، ولمسلم: (رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا) ، وعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسقٍ أو في خمسة أوسق) متفق عليه، فهذه العرايا هي نوع من المزابنة؛ لأن المزابنة بيع التمر على رؤوس النخيل بتمرٍ آخر، والعرايا بيع الرطب على رؤوس النخل بتمرٍ آخر، والمزانبة ربًا؛ لأننا لا نعلم مقدار التمر على رأس هذه النخلة، والعرايا كذلك، لكن ثبت الدليل بجواز العرايا لكن بشرطين: الأول: أن يحتاج أصحابها إلى

стр. 167

الرطب ليترفهوا به ولا يقدرون على شرائه، أما مع عدم الحاجة فلا تجوز. الثاني: أن تكون في خمسة أوسق فما دون لا فيما زاد على ذلك، فإذا توفر هذان الشرطان فإن العرايا حينئذٍ جائزة شرعًا، فإذا ثبت جوازها الشرعي فاعلم أن جميع مضار الربا الدينية والدنيوية عنها منتفية، فليست سببًا لانهدام الاقتصاد ولا لمحاربة الله ورسوله ولا للعن فاعلها ولا غير ذلك، فإن هذه المضار جميعها قد ارتفعت عن العرايا وذلك لثبوت جوازها شرعًا وما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًا. ومنها: لاشك أن قتل النفس المؤمنة من أعظم الذنوب بعد الشرك كما في آية الفرقان وحديث ابن مسعود: (أي الذنب أعظم ...) الحديث. وأن في قتلها من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، لكن لما جاز قتلها في القصاص وبعض الحدود فإن هذا الجواز يرفع هذا الضرر؛ لأن الجواز الشرعي ينافي الضرر القدري.

стр. 168

ومنها: أكل لحم البقر حلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ويكفيك قوله تعالى: ﴿وَأحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمْ الأُنثَيَيْنِ﴾ قاله في معرض الإنكار على من يحرم شيئًا بلا دليل وينسب ذلك لله تعالى كذبًا وزورًا، والأضحية والهدي يجوزان من بهيمة الأنعام وهي الإبل والغنم والبقر والأصل في الحيوانات الحل والإباحة إلا بدليل، فإذا ثبت جواز أكل لحم البقر شرعًا فاعلم أنه لا ضرر فيها قدرًا، إذ لا يمكن أن يبيح الله تعالى لنا ما فيه ضرر علينا، ومن هنا تعلم ضعف ما يروى عنه ﷺ في قولهم عنه: (البقر لحمها داء ولبنها دواء) فإنه ضعيف جدًا، بل ما أقربه أن يكون موضوعًا وذلك لمصادمته لهذه النصوص ولأصول الشريعة، فإنه لو كان لحمها داء أي مرضاً فوالله الذي لا إله إلا هو لما كان يبيحه الله تعالى لنا، فكيف يقول جابر: (نحرنا مع النبي ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) وهو في مسلم، وهي داء ويسكت عنه النبي ﷺ ، بل الذي نقوله ونعتقده أن لحم البقر حلال طيب وأن هذا الحديث حديث فيه رائحة الوضع تشم من ثناياه.

стр. 169

ومنها: قد دلت الأدلة على تحريم وطء الحائض وأنه أذىً، ففي وطئها مفاسد كثيرة ودم الحيض من أخبث الدماء نجاسة وأنتنها ريحًا، لكن أجاز الفقهاء وطأها لمن به شبق بشرطه وهو ألا يكون له زوجة أخرى ولا أمة وليس عنده ما يتزوج به ولا ما يشتري به أمة ولا تندفع شهوته إلا بالوطء في الفرج فإذا توفرت هذه الشروط فإنه يجوز له حينئذٍ وطؤها في فرجها، فلما ثبت جواز ذلك شرعًا فإنه يرتفع الأذى والضرر قدرًا إذ لا جواز مع الضرر، والله أعلم، وعلى ذلك فقس. فإن قلت: كيف تقول لا جواز مع الضرر وقد كانت الخمرة حلالاً ثم حرمت لخبثها ولما فيها من الضرر، وكانت الحمر الأهلية حلالاً ثم حرمت لخبثها ونجاستها ولما فيها من الضرر فكيف تكون حلالاً مع ما فيها من الضرر والخبث الذي اقتضى تحريمها بعد؟ أقول: هذا سؤال جيد، وهو وارد علينا لو لم يكن له جواب لكن له جواب ولله الحمد والمنة وهو: أننا نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الخمر والحمار الأهلي وغيرها لما كانت حلالاً لم يكن فيها أي مفسدة أو ضرر وإنما هذه المفسدة وهذا الضرر خلق فيها لما حرمت، فلما حرمت اتصفت بذلك والله جل وعلا هو خالق هذه الأشياء بذواتها وصفاتها وأحكامها، فلا يبعد ذلك عنه جل وعلا، فعلى هذا تكون القاعدة سالمة من هذا الاعتراض (١) ، والله أعلم. القاعدة الثامنة والثلاثون ٣٨ - سَدُّ الذرائع وهذه من أكبر القواعد الفقهية في الشريعة، وهي من أهم المهمات لطالب العلم، وأنا أذكر لك فيها طرفًا صالحًا يغنيك عن غيره - إن شاء الله تعالى - فأقول:

стр. 170

إن هذه الشريعة العظيمة إذا أمرت بشيءٍ فإنها تأمر بجميع ما يتوقف حصول هذا الشيء عليه، وإذا نهت عن شيء فإنها تنهى عن جميع الأشياء التي يتوقف حصول هذا المنهي عليها وهذا من باب الكمال، فإن الشريعة إذا سدت بابًا فإنها تسد معه جميع الأبواب المفضية إليه، وهذا هو عين الحكمة وذلك ليكون سياجًا مانعًا من الوقوع في المحرم قصدًا، فإنه لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت هذه الطرق وهذه الأسباب تابعة لها في الحكم، فكل وسائل الحرام حرام، وكل وسائل الطاعات طاعات فوسائل الواجب واجبة، ووسائل المندوب مندوبة، ووسائل المكروه مكروهة، ووسائل الحرام حرام، وهذه سياسة حكيمة حتى في ملوك الدنيا فإنهم إذا منعوا شيئًا منعوا جميع أسبابه وسدوا جميع طرقه، وإذا أمروا بشيء فإنهم يسهلون جميع أسبابه ويفتحون كل طرقه، وهذا من الكمال في المخلوق الذي لا نقص فيه، فالله أولى به فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فكان من عين الحكمة سد جميع الأبواب المفضية إليه. وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة نذكر بعضها وهي كالفروع لهذه القاعدة: فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين المجرد مع كون السب لها غيظًا وحمية لله تعالى وإهانة لآلهتهم فيه مصلحة (١) ، لكن سد هذا الباب؛ إذا كان يفضي إلى مفسدة أعظم وهي سب الله تعالى فسد جل وعلا هذا الباب درءاً لمفسدةٍ أعظم من المصلحة المترتبة على فتحه، وهذا الفرع يدخل تحت قاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) .

стр. 171

ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ فقد نهاهم جل وعلا عن قول: (راعنا) مع أنهم لا يقصدون بها إلا الخير وهي من المراعاة وذلك سدًا لذريعة مشابهة اليهود في قولهم: (راعنا) من الرعونة ولئلا يفتح بابًا لليهود كي ينالوا من النبي ﷺ بهذه الكلمة فيقولونها له يعنون بها سبه متشبهين بالمسلمين في قولها له يريدون بها الخير، فسدت هذه الأبواب كلها بمنع قول هذه الكلمة، واستبدالها بخير منها لا لبس فيها وهي قولهم: (انظرنا) . ومنها: قوله تعالى في حق النساء: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فحرم عليهن إبداء الزينة للرجال الأجانب، وسد جميع الأبواب المفضية له ومنها أن تضرب برجلها ليسمع الرجال صوت خلخالها لئلا يفضي إلى إثارة الشهوات منهم إليهن، مع أن ضرب المرأة برجلها في الأصل شيء جائز لكن لما كان يفضي إلى أمرٍ محرم سُدَّ بالنهي عنه. ومنها: قوله تعالى: ﴿إذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فنهاهم عن البيع بعد نداء الجمعة الذي تعقبه الخطبة لئلا يفضي البيع في هذا الوقت لتضييع الصلاة مع أن الأصل في البيع الجواز، لكن لما كان وسيلة للتشاغل عن حضور الجمعة سُدَّ هذا الباب بالنهي عنه. ومنها: قوله ﷺ في حديث ابن عمر في الصحيحين: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه) . قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه) فجعل النبي ﷺ سب الرجل لوالدي الرجل سبًا لوالديه مع أنه لم يباشر سب والديه بنفسه وإنما تسبب في سبهم وإن لم يقصد ذلك.

стр. 172

ومنها: أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة لئلا يكون ذريعة لتنفير الناس عنه ولئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل. ومنها: قوله تعالى عن الخمر: ﴿فاجتنبوه﴾ فتحريم الخمر بالإجماع وذلك لما يفضي إليه من سكر العقل وتغطيته والذي يترتب عليه مفاسد عظيمة، ومع ذلك فقد سد الله جل وعلا جميع الأبواب الموصلة لسكر العقل، فقد حرم القطرة من الخمر لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة وحرم إمساكها للتخليل لئلا يتخذ ذريعة لإمساكها للشرب ثم بالغ في النهي حتى نهى عن شرب الخليطين، وعن شرب العصير بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي يتخمر فيها أذن في ذلك أعني الإنتباذ في جميع الأوعية وذلك حسمًا لمادة قربان السكر فتبارك الله العلي الحكيم. ومنها: قوله ﷺ : (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) وقال ﵊: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله، ونهى عن تجصيص القبر والكتابة عليه، وعن إيقاد المصابيح عليها وأمر بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدًا، وعن شد الرحال إليها،كل ذلك لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله تعالى فكل ذلك حرام من باب سد الذرائع المفضية للشرك.

стр. 173

ومنها: حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس في الصحيحين: (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب) وكان من حكمة ذلك أن هذه الأوقات يسجد فيها المشركون للشمس فنهى عن الصلاة في ذلك الوقت سدًا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة للمشابهة في القصد مع بُعْدِ هذه الذريعة فكيف بالذرائع القريبة. ومنها: تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والخلوة بها ومصافحتها وتحريم سفر المرأة بلا محرم كل ذلك ثبت بالأدلة الصحيحة وذلك سدًا لذريعة الفجور والفاحشة. ومنها: أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن لأرض العدو مخافة أن يقع في أيديهم فيهينوه، فسد ذريعة إهانة القرآن بتحريم السفر به لأرض العدو. ومنها: قوله ﷺ : (خالفوا اليهود) ، وقوله: (إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم) وقوله: (إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم) ، وقوله: (خالفوا اليهود صوموا يومًا قبله ويومًا بعده) ، وخالفهم في سدل الرأس بالفرق، وقال: (من تشبه بقومٍ فهو منهم) كل ذلك لأن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة للمشابهة في القصد والعمل، فمن اتفقت ظواهرهم فإنه غالبًا ما تتفق بواطنهم، والله أعلم. ومنها: أن الشريعة حرمت على المرأة الخروج وهي متطيبة سدًا لذريعة ميل الرجال لها المؤدي لما هو معروف. ومنها: قوله ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صومًا فليصمه) ونهى عن صوم يوم الشك لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه.

стр. 174

ومنها: أن النبي ﷺ قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين سائر الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام إلا إذا وافق صوم يومٍ يصومه أحدكم فليصمه) فنهى عن صيامه منفردًا وعن قيام ليلته من بين سائر الليالي سدًا لذريعة تعظيمه تعظيمًا خارجًا عن الحد المشروع (١) . ومنها: أن النبي ﷺ أخبر عائشة ﵂ أنه يفضل هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم وأن يجعل لها بابين بابًا يدخل الناس منه وباب يخرجون منه، لكن في هذا الفعل مفسدة وهو خوفه ﷺ من افتتان من هو حديث عهدٍ بجاهلية، فترك هذا الفعل سدًا لذريعة وقوعهم فيما هو أشد مفسدة من مراعاة المصلحة المترتبة عليه. ومنها: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجميع بالواحد لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء. ومنها: أنه حرم الغيبة والنميمة؛ لأنها ذريعة لاختلاف القلوب وفسادها وحرم الهجران في أمور الدنيا فوق ثلاث ليال؛ لأنه ذريعة إلى التفكك والانهزام والتنازع، فكل سبب يفسد ذات البين بين المسلمين فهو حرام، والله أعلم. ومنها: أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه لئلا يكون ذريعة لنيل غرضه وشفاء غيظه بالشهادة الكاذبة، وكذلك منعت من قبول شهادة القريب لقريبه لئلا يكون ذريعة لمحاباته بها وهي كاذبة (٢) . ومنها: أن النبي ﷺ أمر المصلي إذا نعس وهو يصلي أن يرقد حتى يذهب عنه النوم سدًا لذريعة اختلاط الأمر عليه، فيذهب يريد أن يستغفر فيسب نفسه وهو لا يشعر لغلبة النوم.

стр. 175

ومنها: أنه نهى عن البراز في قارعة الطريق والظل لئلا يستجلب لنفسه لعنة الناس كما في الحديث. والفروع كثيرة لا تكاد تحصى كثرة، وقد استفاض فيها الإمام العلامة ابن القيم في كتابه: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ، فإنه قد ذكر تسعة وتسعين وجهًا على ذلك ثم قال بعدها: (وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف فإنه أمر ونهي والأمر نوعان أحدهما: مقصود لنفسه. والثاني: وسيلة إلى المقصود والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه. والثاني: ما يكون وسيلة للمفسدة فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين) ا. هـ كلامه وما ذكرته من الفروع إنما هو منه - فرحمه الله رحمة واسعة -، والله أعلم. القاعدة التاسعة والثلاثون ٣٩ - كل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرام اعلم أن قاعدة تحريم الحيل وسد أبوابها إنما هي متفرعة من قاعدة سد الذرائع، وهي من كمال الشريعة الإسلامية؛ لأنه كما ذكرنا أن الشريعة إذا سدت بابًا من أبواب المحرمات فإنها تسد جميع الطرق المفضية إليه، لكن علم الله جل وعلا في علمه الأزلي أن بعض الناس لا يسلك الطرق الواضحة للوصول إلى الحرام، وإنما يسلك طرقًا تكون في ظاهرها لا بأس بها لكن هو يقصد بها التوصل إلى الحرام، إما إلى إحقاق باطلٍ أو إبطال حقٍ، فهذا هو الحيلة، وهي في الشريعة حرام بل أشد تحريمًا من سلوك الطرق الواضحة؛ لأن المحتال يخيل لنفسه أن أحدًا لم يعلم بقصده وحيلته، ولا يعلم هذا المسكين أن الله تعالى يعلم السر وأخفى، فهو مخادع لنفسه ومخادع للمؤمنين ومخادع لله تعالى، فهي ظلمات بعضها فوق بعض - والعياذ بالله تعالى -، والأدلة على تحريم الحيل كثيرة جدًا نذكر طرفاً منها على هيئه فروع، فأقول وبالله التوفيق:

стр. 176

منها: قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ والحيلة نوع من أنواع المخادعة، وكل آية فيها ذم المخادعة والمكر فهو دليل على تحريم الحيل. ومنها: قوله ﷺ : (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل) وهو نص صريح صحيح في تحريم الحيل والإخبار أنها من طباع اليهود. ومنها: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) . فقيل: (يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس) . فقال: (لا هو حرام) ، ثم قال النبي ﷺ عند ذلك: (قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها - أي الميتة - جملوه فباعوه فأكلوا ثمنه) . فانظر كيف احتال اليهود على ربهم جل وعلا فإنهم في الظاهر لم يبيعوا الشحم الذي حرم عليهم، وإنما باعوه دهنًا أي بعد إذابته فلعنوا بارتكابهم ما نهوا عنه؛ لأنهم احتالوا فلم تنفعهم حيلتهم شيئًا، فالحرام هو الحرام والحيلة باطلة.

стр. 177

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ... ﴾ الآيتين بعدها. قال المفسرون: أن هؤلاء طائفة من بني إسرائيل حرم الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت، فامتثلوا في أول الأمر، فكان من فتنة الله لهم أن الحيتان لا تظهر وتقترب من شواطئهم إلا يوم السبت وتختفي في غيره فتحايلوا على ذلك فقالوا: نضع شباكنا يوم الجمعة ونأخذها يوم الأحد فلا نكون قد باشرنا الصيد يوم السبت وإنما الحيتان هي التي وقعت في الشباك بنفسها، فلما فعلوا ذلك جاءهم الناصحون والمنكرون فأبوا فنزل العذاب بهم، ومن المعلوم أن العذاب لم ينزل إلا لارتكابهم ما نهوا عنه، وهم في الظاهر لم يباشروا الصيد بأيديهم يوم السبت لكن لما نزل العذاب بهم علمنا أنهم ارتكبوا عين ما نهوا عنه وأن حيلتهم لم تنفعهم شيئًا، فهذا من أقوى الأدلة على تحريم الحيل. ومنها: قوله ﷺ : (لعن الله المحلل والمحلل له) والمراد بالمحلل - بالكسر - هو من يتزوج المرأة المطلقة ثلاثًا بقصد تحليلها لزوجها لا نكاح رغبة، وهو التيس المستعار والمحلل له - بالفتح - هو زوج المرأة الأول الذي بَتَّ طلاقها، وكلاهما ملعونان بنص الحديث؛ لأنهما احتالا على الشريعة لإحلال المرأة المطلقة لزجها الأول، وهي حيلة لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالاً، فإن المرأة التي نكحت نكاح تحليل لا تحل لزوجها الأول بهذا النكاح وهو اختيار شيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية، وابن القيم وغيرهما، مما يدل على أن الحيل باطلة وأن صاحبها قريب من لعنة الله - والعياذ بالله تعالى -.

стр. 178

ومنها: إجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - على تحريم الحيل وإبطالها وإجماعهم حجة قاطعة، بل هي من أقوى الحجج وآكدها، فقد ثبت عن عمر ﵁ أنه قال على منبر رسول الله ﷺ : (لا أوتى بمحللٍ ولا محللٍ له إلا رجمتهما) ولم ينكر عليه أحد وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تحل بنكاح تحليل ظن وغيرهم في صور كثيرة ينهى فيها الصحابة على سلوك الحيل ويشددون فيها تشديدًا بالغًا مما يدل على اتفاقهم على ذلك. ومنها: قوله ﷺ في حديث أنسٍ الطويل في مقادير الزكاة: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) وهذا نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو إنقاصها، فمثال الأولى: أن يكون ثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاةً متفرقة فيجمعوها لتكون مائة وعشرين فلا يخرجون منها إلا شاةً واحدة فقط، فرارًا منهم من إخراج ثلاث شياة؛ لأن في كل أربعين شاةً شاةٌ، ومثال الثانية: أن يشترك اثنان في أربعين شاة لكل واحد منهما عشرون، فيفرقون مالهم حتى لا يجب عليهم شيء فرارًا من وجوب الواحدة، فنهى النبي ﷺ عن ذلك سدًا لباب الحيل المحرمة.

стр. 179

ومنها: قوله ﷺ : (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم) فحرم علينا رسول الله ﷺ ما صدناه وتمم ذلك بسد باب الحيلة بتحريم ما صيد لأجلنا، حتى لا يتحايل بعض الناس على ذلك بأمر الحلال أن يصيد له، فانظر كيف حرم الشيء ومن ثَمَّ سد جميع أبوابه ولذلك لما أهدى الصعب بن جثامة للنبي ﷺ حمارًا وحشيًا رده وقال له: (إنا لم نرده عليك إلا أنا قوم حرم) متفق عليه، وفي حديث أبي قتادة في صيده الحمار الوحشي: (هل أحد منكم أمره أو أعانه أو أشار له بشيء) . فقالوا: لا. فقال: (كلوا ما بقي) وهو متفق عليه أيضًا، والله أعلم.

стр. 180

ومنها: تحريم الهدايا للعمال، كالحكام أو القضاة وكذلك أصحاب الديون، فهو لا يجوز لهم قبول الهدية؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، فقد تؤدي إلى عدم الحكم بالحق وإلى المماطلة في سداد الدين، فهي تؤدي إلى إبطال الحق، فهي بهذا الاعتبار حيلة محرمة وفي الحديث: (هدايا العمال غلول) ، وروى ابن ماجة في سننه أن النبي ﷺ قال: (إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: (قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ فإذا كان لك على رجلٍ حق فأهدى إليك حمل تبنٍ أو حمل شعير أو جمل قَتٍّ فلا تأخذه فإنه ربًا) ، وفي سنن سعيد هذا المعنى عن أبي بن كعبٍ، وجاء عن ابن مسعود أيضًا نحو هذا المعنى، وأتى رجل عبد الله بن عمر فقال: (إني أقرضت رجلاً بغير معرفة فأهدى إليَّ هدية جزلة) . فقال: (رُدَّ عليه هديته) فنهى النبي ﷺ وأصحابه عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء لما في ذلك من إبطال الحق، ولا يعرف ذلك حقًا إلا من كان صاحب ولاية ثم أهدي إليه فجاء صاحب الهدية بما يوجب عقابه فإن صاحب الولاية قد مُلِكَ قلبه بهذه الهدية بحيث لا يصدق في حكمه عليه أو يحاول البحث عن الأعذار له بأي طريق، فسدت الشريعة هذا الباب سدًا منيعًا بتحريم الإهداء لأصحاب الولايات وأصحاب الديون قبل وفائها، والله أعلم. ومنها: حديث ابن عمر ﵁ في تحريم بيع العينة، فإن العينة مبادلة مالٍ بمالٍ بينهما سلعة، فالسلعة إنما جعلت بين المالين الربويين من باب الحيلة فقط، فلم تنفع صاحبها في إحلال الحرام، فهي ربًا وإن وقعت على أي صورة، وهو قول أكثر العلماء واختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية.
следующие страницы →