القاعدة التاسعة عشر
١٩ - كل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرف (١)
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الأحكام الشرعية إما أن يرد تحديدها من قبل الشرع كنصب الزكوات وركعات الصلوات والحدود والكفارات ونحوها، وإما أن يرد الحكم مطلقاً عن التحديد. فأما الأول فلا يدخل معنا في هذه القاعدة، وأما الثاني وهو ما لم يرد في الشرع تحديده فلنا فيه حالتان: إما أن نجد له تحديدًا في اللغة كزوال الشمس وتحديد حد اللحية - على قول - فهذا نحده باللغة لأن الأحكام نزلت بلغة العرب ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ فوجب حمل ألفاظها على المتقرر في هذا اللسان، لكن إذا لم يرد لهذا الحكم تحديد لا في الشرع ولا في اللغة فإن الصحيح عند المحققين أن يحد بالعرف أي بالعادة المطردة عند الناس أو الأفراد، وهذه القاعدة فرع من فروع القاعدة الكبرى (العادة محكمة) ، ذلك أن ما اعتاده الناس فيما بينهم إذا لم يخالف دليلاً شرعيًا ينزل منزلة المشروع لا تنبغي مخالفته، وتحد به الأحكام الشرعية التي لم يرد لها حد في الشرع ولا اللغة وقد أمرنا الله بذلك في أكثر من آية فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فرد معاشرة الزوج لزوجه إلى العرف ويدخل تحت ذلك النفقة عليها وكسوتها والإتيان لها بخادم ونحو ذلك، كل ذلك يدخل تحت كلمة (المعروف) .
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ فسرها بعض العلماء بذلك، ومنه قوله ﷺ : (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) . إذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الحكم المبني على التحديد العرفي يختلف باختلاف الأعراف ولا يعد هذا من تغيير الشريعة أو تحريفها البتة، وهو المراد بقولهم: (تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
ولذلك فروع كثيرة:
стр. 72
فمنها: الحرز: اشترط العلماء بمقتضى الأدلة الصحيحة للقطع في السرقة أن يكون السارق قد أخذ المسروق من حرز مثله، أي مثل المال المسروق، فإذا أخذ المال من غير حرز فلا يجب عليه القطع، لكن هذا الحرز لم يرد له تحديد في الشرع ولا في اللغة وإنما قال أهل اللغة: إن الحرز هو ما يوضع فيه المال فقط وهذا ليس بتحديد، فإذا لم يرد له تحديد في الشرع ولا في اللغة فإننا نرجع إلى تحديده بالعرف فنقول: كل ما تعارف الناس عليه أنه حرز فإنه معتبر للقطع وما لا فلا.
إذًا هو يختلف باختلاف أعراف الناس وباختلاف السلطان قوة وضعفًا، وباختلاف المال، فحرز الذهب والمال والجواهر هو الصناديق المقفلة في مكان أمين، وحرز السيارة قفلها أو إدخالها للبيت، وهكذا.
فإذا سرق إنسان مالاً فننظر للعرف هل المحل المسروق منه هو حرز هذا المال بعينه، فإذا كان (نعم) وجب القطع وإلا فلا وعلى ذلك فقس، والعبرة في الحرز هو العرف وقت السرقة، والله أعلم.
ومنها: أوجب الله تعالى النفقة على الزوجة، لكن لم يرد لهذه النفقة حد في الشرع ولا في اللغة، فنرجع إلى تحديدها بالعرف، فما عده العرف أنه من النفقة الواجبة للزوجة فهو واجب كالسكن والكسوة والإطعام، وما عده العرف من النفقة المستحبة فهو مستحب كنوع (١) المأكول والمسكون والملبوس وهكذا، ومن هنا نعرف أن العلماء - رحمهم الله تعالى – لما اجتهدوا في تحديد ذلك إنما هو مبني على العرف في زمانهم، وأما في زماننا فالأمر يختلف كثيرًا، والله أعلم.
стр. 73
ومنها: السفر: قد علق عليه الشرع أحكامًا من قصر الصلاة والمسح ثلاثة أيام بلياليها وجواز الفطر ونحوه، لكن لم يرد تحديد مسافة له في الشرع ولا في اللغة، فنرجع في تحديده إلى العرف على الراجح، فما عده الناس سفرًا فهو السفر الشرعي الذي تتعلق به الأحكام وما لا فلا، فلا يحد بثمانين كيلاً أو بمسافة يومين أو غير ذلك فقد يكون سفرًا اليوم ما ليس بسفرٍ في المستقبل، كما أنه قد كان سفرًا في الماضي ما ليس بسفرٍ اليوم فهو يختلف باختلاف العرف.
ومنها: زينة الصلاة: فقد أمرنا بأخذ الزينة في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وهي نوعان: زينة واجبة وهي ستر العورة وهذا حكم عام لا ينبني على الأعراف؛ لأنه ورد تحديد العورة في الشرع، وزينة مستحبة وهي المرادة هنا فهذه الزينة المستحبة ليس لها حد في الشرع ولا في اللغة، فتحد بالعرف فما عده العرف أنه من الزينة فيسن اتخاذه في الصلاة فالعمامة في العهد الأول من الزينة، والثوب والشماغ في عهدنا من الزينة، لكن ليس من الزينة عند أهل مصر وهكذا، فالزينة المستحبة تختلف باختلاف الأعراف؛ لأن مبناها على العرف.
стр. 74
ومنها: تحديد مدة الحيض لمن أطبق بها الدم ولا عادة لها ولا تمييز فإنها ترجع لعرف نسائها كأمها وأختها فإذا كان عرفهن ستة أيام أو سبعة أيام فتجلس ذلك، لكن هذا الفرع في النفس منه شيء وإنما ذكرته للتنبيه عليه. والصواب في هذه الحالة أنها تجلس غالب الحيض وهو ستة أيام أو سبعة أيام لحديث حمنة بنت جحش ﵂ (١) .
ومنها: القبض: أعني قبض المبيع يختلف باختلاف أعراف الناس بحسب تنوع السلع فقبض العقار عند الناس هو بتخليته وتمكين المستأجر أو المشتري من السكنى فيه، وقبض الذهب والفضة يكون بتناوله باليد، وقبض السيارة بتمكين البائع المشتري أن يتصرف فيها بل وينقلها من مكان الشراء وهكذا، فالقبض معناه واحد لكن اختلف لاختلاف الأعراف ولاختلاف السلع وكل ذلك مبناه على العرف. أما قبض المكيلات والموزونات فإن له تحديد في الشرع وهو الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن فلا نرجع إلى العرف في تحديده.
ومنها: الأصل أن تحديد اليمين بنية صاحبها ما لم يكن ظالمًا، فإن لم تكن نية فنرجع إلى السبب المهيج فإن لم يكن ثمَّ سبب مهيج فنرجع إلى التعيين، فإن لم يكن ثمَّ تعيين نرجع إلى تحديدها بما يتناوله الاسم والأسماء ثلاثة: شرعي ولغوي وعرفي، والفرع عندنا الآن في العرفي، فإذا حلف الإنسان لا يأكل لحمًا فأكل دجاجًا لم يحنث؛ لأن العرف يقضي أن الدجاج ليس لحمًا، ومن حلف لا يقرأ كتاب علمٍ فقرأ كتاب حسابٍ لم يحنث؛ لأن كتب العلم تنصرف إلى كتب الشريعة في عرف الناس فحكمنا العرف في هذه اليمين.
стр. 75
ومنها: المذهب أن خروج الدم اليسير من غير السبيلين لا ينقض الوضوء ويعفى عنه؛ لأنه نجس على المذهب لكن الكثير منه ينقض الوضوء ولا يعفى عنه، لكن حد الكثير والقليل لم يرد في الشرع ولا اللغة فيحد بالعرف، فكل ما عده العرف كثيرًا فهو كثير وما عده قليلاً فهو قليل، قال ابن عباس: الكثير هو ما فحش في نفس كل أحدٍ بحسبه (١) ، والله أعلم.
وعلى هذه الفروع فقس لكن يشترط في ذلك العرف أن لا يكون مخالفًا لدليل شرعي، والله تعالى أعلم.
ومنها: ألفاظ البيوع والهبة والنكاح فإن البيع والهبة والنكاح أحكام شرعية وردت مطلقة في الشريعة ولا حدٍ للفظها في اللغة بحيث لا تصح إلا به فيكون المرجع فيها العرف على الراجح فما عده الناس بيعًا أو نكاحًا أو هبة أو وقفًا فهو بيع ونكاح وهبة ووقف ونحوها.
القاعدة العشرون
٢٠ - إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن
إذا تعارض دليلان فلنا في إزالة ذلك التعارض ثلاث طرق: الأولى: أن نجمع بينهما بتخصيص العموم أو تقييد المطلق، وهكذا إن أمكن ذلك، فإن لم يمكن ذلك فننتقل إلى الحالة الثانية: وهي النسخ فنبحث عن المتأخر ونجعله ناسخاً للمتقدم، فإن لم يمكن ذلك فنرجح بين الدليلين، وإلا فالتوقف.
стр. 76
إذا علمت هذا فنقول: لماذا قدمنا الجمع على النسخ؟ ولماذا قدمنا النسخ على الترجيح؟ الجواب: أننا قدمنا الجمع على النسخ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين في وقتٍ واحد، وإعمال الدليلين في وقتٍ واحد أولى من إعمال أحدهما في وقتٍ دون وقت وقدمنا النسخ على الترجيح لأن النسخ أيضًا إعمال للدليلين كليهما لكن ليس في وقتٍ واحد بل في وقتين مختلفين، فالمنسوخ معمول به قبل النسخ والناسخ معمول به بعد النسخ فالدليل المنسوخ ليس باطلاً مطلقًا، بل هو دليل صحيح معمول به في وقته فقط، أما الترجيح فإن حقيقته إبطال أحد الدليلين بالكلية بحيث لا يعتقد جواز العمل به مطلقًا لا في السابق ولا الآن، فلأن فيه إبطالاً لأحد الدليلين مطلقًا جعلوه متأخرًا عن النسخ، والنسخ فيه إعمال الدليلين في وقتين مختلفين فجعلوه متأخرًا عن الجمع، والجمع فيه إعمال الدليلين كليهما في وقتٍ واحد فقدموه على النسخ؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن، وذلك لأن الأدلة نزلت ليعمل بها فالتعدي عليها بالإبطال لا يجوز إلا بدليل، فالأصل هو إعمالها، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل.
إذا علمت هذا فاعلم أن علم الجمع بين الأدلة التي توهم التعارض علم عزيز قل سالكوه مع شدة الحاجة إليه فعلى طالب العلم أن يحرص على تحصيله ونيله؛ لأنه من أقوى الأسلحة للذب عن هذه الشريعة الشريفة زادها الله شرفًا ورفعةً، ولنا في ذلك مؤلف أسأل الله إتمامه هو كتابنا (الأجوبة المنيعة في الذب عن أدلة الشريعة) أجمع فيه بين الأدلة التي يتوهم المجتهد تعارضها بمقتضى قواعد الأصول والعربية والفقه والتفسير، بحيث أكسر شوكة الذين يدعون وجود التعارض في شريعتنا – قبحهم الله – وفروع هذه القاعدة مذكورة بتمامها فيه، وإنما أذكر لك بعض الفروع هنا من باب التمثيل فأقول:
стр. 77
منها: اختلف العلماء في نقض الوضوء بمس الذكر على أقوال والراجح منها هو أن مس الذكر ينقض الوضوء بشرطين: أن يكون بشهوة، وبلا حائل، فقولنا: بلا حائل لحديث أبي هريرة: (من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فعليه الوضوء) واشترطنا الشهوة (١) لحديث بسرة: (من مس ذكره فليتوضأ) ولأن مس الذكر بلا شهوة كمس اليد واللسان والأنف لحديث طلق: (إنما هو بضعة منك) ؛ ولأن الصلاة ليست محل شهوة، فهذا القول الراجح أعمل الأدلة كلها ولم يبطل منها شيئًا لا بترجيح ولا بنسخ وهو أولى؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن، والله أعلم.
ومنها: اختلف العلماء في أيهما أفضل خديجة أم عائشة؟ وقرر شيخ الإسلام أن خديجة في بداية ظهور الإسلام أفضل لما لها من التصديق والتأييد والنصرة، وأن عائشة في آخر الأمر أفضل لما لها من أثر في نشر الدين والأحكام ما ليس لخديجة ﵂ وهو الراجح فأدلة تفضيل خديجة محمولة على بداية الإسلام وأدلة فضل عائشة محمولة على آخر الأمر، وبهذا القول أعملت الأدلة كلها وهو أولى للقاعدة.
ومنها: الراجح أن قراءة الكسر في قوله ﴿وَأرْجُلِكُمْ﴾ محمولة على مسح الرجل إن كانت في خفٍ وقراءة الفتح محمولة على غسلها إن لم تكن في خفٍ وهذا أحسن من التأويلات البعيدة والتكلف الزائد وهو اختيار شيخ الإسلام، والله أعلم.
стр. 78
ومنها: الراجح أن نجاسة الكفار اعتقادية جمعًا بين قوله تعالى: ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) وبين حديث: (ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما نجاستهم على أنفسهم) وأدلة جواز نكاح الكتابية وغير ذلك، فننزل النجاسة في الآية على الاعتقاد وننزل أدلة الطهارة على الأبدان فتتآلف الأدلة ولا نبطل منها شيئًا وهذا أولى للقاعدة.
ومنها: أن البهيمة إذا أتلفت شيئًا فلا يخلو إما أن يكون بتفريط من صاحبها فيضمن لأحاديث إيجاب الضمان، وإما أن لا يكون بتفريط فلا يضمن لحديث: (العجماء جبار) وعلى ذلك فقس، وفي كتابنا ما تقر به عينك، فإن مخبر الكتاب أعظم من وصفه، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الحادية والعشرون
٢١ - فعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكن
اعلم - رحمك الله تعالى - أن بعض العلماء يرجح قولاً من أقوال أهل العلم ويحتج على ذلك بأن في هذا القول خروجًا من الخلاف، فهل التعليل بالخروج من الخلاف سائغ مطلقًا؟ أو ممنوع مطلقًا؟ أو يسوغ في حالٍ دون حال؟
الجواب: هو الثالث: أن التعليل بالخروج من الخلاف يسوغ في حال دون حال والضابط في ذلك هو هذه القاعدة المهمة، وهي أن المسائل التي وقع الخلاف فيها بين العلماء لا تخلو من حالتين: إما أن يكون فيها نقطة اتفاق بين العلماء المختلفين، وإما لا فإن كان فيها نقطة اتفاق بينهم فهي التي يسوغ فيها التعليل بالخروج من الخلاف كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -، وإن لم يكن فيها نقطة اتفاق بينهم فحينئذٍ لا يسوغ التعليل بذلك لأنه لا مجال للخروج من الخلاف فيها (٢) .
стр. 79
إذا علمت هذا فاعلم أن الذي تطمئن إليه النفس وترتاح له هو أن يفعل الإنسان الشيء الذي اتفق عليه كلا الفريقين إذا لا منكر عليه حينئذٍ؛ ولأنه موافق للحق قطعًا إن كان مع هؤلاء فهو موافق لهم، وإن كان مع هؤلاء فهو موافق لهم، فالخروج من الخلاف في مسائل الاجتهاد التي فيها جزئية اتفق عليها كلا الفريقين المختلفين مستحب (١) لقوله ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وفعل المتفق عليه بينهم فعل ما لا ريب فيه، وفعل ما انفرد به أحدهما فعل ما فيه ريب (٢) ، فيسن تركه لما لا ريب فيه، ولحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينة وعرضه) ، وفعل ما اتفقوا عليه استبراء للدين؛ لأنه هو الحق حينئذٍ لاتفاقهم عليه؛ ولأن اليقين لا يزول بالشك، واليقين هو فعل ما اتفقوا عليه والشك هو في ما انفرد به أحدهما؛ ولأن الأخذ بالمحكم وترك المتشابه هو الأصل، والمحكم هو ما اتفقوا عليه؛ ولأن العمل بما اتفقوا عليه عمل بالأدلة كلها التي مع هؤلاء والتي مع هؤلاء، والعمل بما انفرد به أحدهما إهمال لأدلة الفريق الآخر وقد تقدم استحباب العمل بالأدلة كلها إن أمكن ذلك.
إذا علمت هذا فإلى الفروع حتى تتضح القاعدة أكثر فأقول:
منها: اختلف العلماء في حكم غسل يوم الجمعة على أقوال: فقيل: بالوجوب مطلقًا، وقيل بالسنة مطلقًا، وقيل بالوجوب إن كان ثمَّ رائحة خبيثة.
стр. 80
فنقول: لو اغتسل الإنسان فإن الجميع اتفقوا على أنه قد جاء بالمأمور، إما أمر إيجاب أو استحباب، ولو لم يغتسل لأنكر عليه القائلون بالوجوب، فيستحب للإنسان الاغتسال لأنه فعل لما اتفق عليه العلماء، وفعل ما اتفقوا عليه أولى من فعل ما انفرد به أحدهما ما أمكن، فهنا يعلل استحباب الغسل بالخروج من الخلاف لأن في المسألة نقطة اتفاق وهي أن يغتسل.
ومنها: اختلف العلماء في حكم طواف الوداع للمعتمر، فقال بعضهم: واجب. وقال بعضهم: سنة، فنقول: لو طاف الإنسان للوداع في العمرة فإن كلا الفريقين اتفقوا على أنه قام بالمأمور سواءً أمر إيجاب أو استحباب، لكن لو لم يطف لأنكر عليه القائلون بالوجوب، فيستحب له الطواف خروجًا من الخلاف؛ لأن في هذه المسألة جزئية اتفق عليها العلماء، والله أعلم.
ومنها: تحية المسجد فيها خلاف فقيل بالوجوب، وقيل بالندب. فنقول: لو صلاها الإنسان فإن الجميع اتفقوا على أنه قام بالمأمور، لكن لو لم يصلها لأنكر عليه القائلون بالوجوب، فيستحب أن يصليها خروجًا من الخلاف.
ومنها: اختلف العلماء في الوتر، فقيل سنة مؤكدة، وقيل واجب، لكن لو صلاه الإنسان لاتفق الجميع على أنه قام بالمأمور، ولو لم يصله لأنكر عليه القائلون بالوجوب وفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهما ما أمكن.
ومنها: اتفق الجميع أن عادم الماء إن وجده قبل الصلاة فعليه استعماله، وإن وجده بعد الصلاة صحت في قول الأكثر، لكن ما الحكم لو وجد الماء بعد الشروع وقبل الانتهاء؟ الجواب: فيه خلاف، فقيل ببطلان صلاته لبطلان تيممه، وقيل بصحتها؛ لأنه دخلها بطهارة كاملة وعلى وجهٍ مأمورٍ به شرعًا فلا وجه لبطلانها.
стр. 81
فهنا لا يسوغ التعليل بالخلاف؛ لأنه ليس هناك جزئيةٌ اتفق عليها الفقهاء، فهو إن قطع صلاته ليعيدها بطهارة الماء أنكر عليه القائلون بالصحة، وإن استمر فيها أنكر عليه القائلون ببطلانها، فلا وجه للتعليل بقاعدتنا هنا، وتقدم لك الراجح في هذه المسألة في القاعدة الخامسة فارجع إليه إن شئت.
ومنها: اختلف العلماء هل السنة أن ينزل الإنسان على يديه أم ركبتيه؟
على قولين: فقيل بهذا، وقيل بهذا. فهنا لا يسوغ التعليل بالخروج من الخلاف؛ لأنه ليس ثمة نقطة اتفق عليها العلماء، فإنك إن نزلت على ركبتيك أنكر عليك القائلون بتقديم اليدين، وإن نزلت على يديك أنكر عليك القائلون بالنزول على الركبتين، ولا يتصور النزول على غيرهما. فليس هناك جزئية اتفقوا عليها فلا يسوغ حينئذٍ التعليل بالخروج من الخلاف، والراجح هنا هو تقديم اليدين لحديث أبي هريرة عند الثلاثة، ويؤيده فعل ابن عمر عند البخاري معلقًا موقوفًا، وأما حديث وائل ففيه شريك بن عبد الله النخعي القاضي وهو صدوق يخطئ كثيرًا، ولها بحث آخر، والله أعلم.
ومنها: تحية المسجد أو فعل ما له سبب وقت النهي، فيه قولان: قيل بأن النهي في حديث أبي سعيد وأبي هريرة عام ولا يخص منه شيء، وقيل يخص منه ما كان له سبب، فنحن إن دخلنا المسجد وقت النهي مثلاً إن جلسنا أنكر علينا القائلون بجواز فعلها في هذه الأوقات، وإن صلينا أنكر علينا القائلون بتحريم التطوع وقت النهي، فليس هناك جزئية اتفقوا عليها فلا يسوغ حينئذٍ التعليل بالخروج من الخلاف، والراجح هنا هو أن النهي عام مخصوص بما له سبب كتحية المسجد، وركعتي الطواف، والمعادة، وركعتي الوضوء؛ لأنها تفوت مصلحتها بفواتها وهو اختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية
ودونك بقية الفروع على هذا الضابط السليم الذي لا ينخرم أبدًا فعليه فقس، وأكل لحم الإبل (١) ، والله أعلم.
стр. 82
القاعدة الثانية والعشرون
٢٢ - الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب
وبالقرينة يفيد ما تفيده القرينة
هذا هو الأصل الذي ينبغي مراعاته وهو قول الجمهور، أن الدليل إذا خرج مخرج الأمر فإنه يحمل على الوجوب إلا إذا اقترنت به قرينة تخرجه عن هذا الأصل إلى غيره فينصرف من الوجوب إلى ما دلت عليه هذه القرينة من إباحة أو ندب. ونعني بالأمر هو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء، ولا يشترط له الإرادة خلافاً للمعتزلة، ولا يشترط لإفادته الوجوب اقترانه بعقوبة لتاركه، أو اقترانه بثواب لفاعله، بل إنما يدل على الأمر بمجرد صيغته وهي (افعل) وما تصرف منها.
والذي يدل على ذلك أي على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب أمور:
منها: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِيْنَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ فتوعد على مخالفة أمر الرسول ﷺ بالعذاب، والوعيد لا يكون إلا على ترك واجب فدل على أن امتثال أمره واجب وهو المطلوب.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فتوعدهم بالويل بقوله: (ويل يومئذٍ للمكذبين لأنهم خالفوا الأمر ولم يركعوا مما يدل على أن الأمر كان واجبًا.
ومنها: قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ ... الآية﴾ فذم إبليس وعاقبه بالعقوبة المعروفة لأنه ترك السجود لآدم تحيةً، وذلك ذم على مخالفة الأمر المجرد فدل على أنه يقتضي الوجوب.
стр. 83
ومنها: قوله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي حديث آخر: (مع كل وضوء) فدل ذلك دلالة واضحة على أنه لو أمرهم به لأصبح واجبًا ولتحققت به المشقة، لكن لم يأمرهم لوجود المشقة، مما يدل على أن الأمر يفيد الوجوب وهذا من أوضح الأدلة.
ومنها: أن العبد إذا خالف أمر سيده فعاقبه لم يلم على عقابه باتفاق العقلاء، ولولا إفادة الأمر المجرد والوجوب لاتجه لوم السيد في هذه الصورة، لكنه لا يتجه فدل على أن إفادة الأمر المجرد للوجوب وهو المطلوب.
إذا علم هذا فليعلم أن هذه القاعدة مطردة في جميع الفروع، فلا يشذ منها شيء فكل أمرٍ ورد بصيغته المقررة عند الأصوليين سواءً في قرآنٍ أو سنة فالواجب بمقتضى الأدلة هو حمله على الوجوب مباشرة بحيث يثاب فاعله امتثالاً ويستحق العقاب تاركه، إلا إذا اقترنت بهذا الأمر قرينة تصرفه عن بابه إلى شيء آخر سواءً كانت قرينةً متصلة أو منفصلة فإننا نحمل الأمر في هذه الحالة على ما دلت عليه هذه القرينة. وإليك الفروع حتى تتضح القاعدة أكثر: فمنها: الأمر بالصلاة والزكاة والحج والصوم وبر الوالدين كل ذلك واجب بقوله تعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ . وقوله ﷺ : (فحجوا) . وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ (١) . وقوله ﷺ : (صوموا لرؤيته) . وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ . وقوله ﷺ : (بروا آباءكم) فكل هذه أوامر محمولة على الوجوب؛ لأنه الأصل فيها ولعدم وجود قرينة صارفة.
стр. 84
ومنها: قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، فيه أمر وهو قوله: (صلوا) فيحمل ذلك الأمر على الوجوب، فكل فعل فعله النبي ﷺ في الصلاة فإنه واجب إلا ما دلت القرائن على أنه سنة فيخرج من هذا العموم، ويبقى باقي الأفعال والأقوال على الوجوب لهذا الأمر، وكذلك حديث المسيء صلاته خرج مخرج الأمر فقال ﷺ له: (أسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ... الخ) كل ذلك خرج بصيغة الأمر فيحمل على الوجوب إلا فيما وردت فيه قرينة تصرفه عن بابه إلى الندب فيحمل على الندب، والله أعلم.
ومنها: قوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم) دليل على أن كل شيء فعله ﷺ في حجة الوداع أنه للوجوب لأمره بأخذه، والأمر للوجوب إلا فيما وردت القرائن بصرفه عن بابه إلى الندب فيحمل عليه (١) ، والله أعلم.
ومنها: قوله تعالى في العبيد: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ دليل على وجوب مكاتبة السيد عبده إن علم فيه قدرة على الكسب والعمل حتى يؤدي ما عليه، لكن هذا الأمر أعني قوله تعالى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ليس على بابه وهو الوجوب؛ لأنه دلت القرينة على أنه للندب، وذلك لأن النبي ﷺ بعد هذا الأمر لم يكاتب عبيده، ولا كل الصحابة أيضًا كاتبوا عبيدهم، فلو كان الأمر واجبًا لامتثلوه أتم امتثال، لكن عدم امتثالهم صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، فتكون مكاتبة السيد لعبده بالشرط المذكور في الآية مستحبة لا واجبة.
стр. 85
ومنها: قوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده) فقوله: (فليغسل) صيغة من صيغ الأمر وهو الفعل المضارع المقرون بلام الأمر، فيدل على أن غسل اليدين بعد الاستيقاظ من نوم الليل خاصة واجب ثلاثًا، لأن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب إلا بقرينة، ولم تأت قرينة تصرف هذا الأمر عن بابه، فقلنا أنه يفيد الوجوب، والله أعلم.
ومنها: قوله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) وقوله لمن جلس يوم الجمعة: (قم فصل ركعتين) متفق عليهما، فقوله: (فليركع ركعتين) أمر فهو على الوجوب، فتكون تحية المسجد واجبة؛ لأنها خرجت مخرج الأمر، والأمر يقتضي الوجوب وهو قول أهل الظاهر وليس ببعيد، لكن رد الجمهور ذلك بأنه قد ورد لهذا الأمر صارف وذلك في قوله ﷺ لمن تخطى رقاب الناس يوم الجمعة: (اجلس فقد آذيت) فلو كانت واجبة لما أمره بالجلوس حتى يصليها، ولحديث: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد) واقتصاره على هذه الخمس يدل على أن غيرها ليس بواجب، حديث من سأله عن الإسلام فقال: (خمس صلوات في اليوم والليلة) ، وبهذا تكون القاعدة قد اتضحت - إن شاء الله تعالى -، وعلى هذه الفروع قس، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الثالثة والعشرون
٢٣ - من كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأول
стр. 86
اعلم أن المحرمات عندنا قسمان: إما محرم شرع فيه كفارة أو حد، وإما محرم لا كفارة فيه ولا حد. والأصل عدم الكفارة إلا بدليل، وهذه القاعدة في المحرمات التي توجب كفارة أو حدًا، وذلك كالجماع في شهر الصيام نهارًا، ومحظورات الإحرام، والسرقة، والزنى، وقطع الطريق، والحنث في اليمين والنذر والظهار، ونحو ذلك من الأفعال المحرمة. فهذه الأشياء يترتب على فعلها حد أو كفارة، فإذا فعلها الإنسان فإنه يجب عليه أثرها من حدٍ أو كفارة. لكن ما الحكم لو كررها مرةً أخرى فهل يلزمه كفارة أخرى أو حد آخر أو لا؟ هذا هو مناط قاعدتنا فأقول:
إذا فعل الإنسان محظورًا مما مضى ثم فعل محظورًا آخر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون المحظور الثاني من جنس المحظور الأول أي سرقة وسرقة، أو زنى وزنى، أو يمين على شيء معين ثم كرره مرة ثانية، أو قطع الطريق مرارًا. وإما أن يكون المحظور الثاني من غير جنس المحظور الأول، كسرقة وزنى، أو قطع طريق وقتل وهكذا. فإن كان المحظور الثاني من غير جنس المحظور الأول فإن فعل المحظور الثاني يوجب شيئًا جديدًا وهو أثره من حدٍ أو كفارة فيكون عليه حدان أو كفارتان، حد أو كفارة للمحظور الأول، وحد أو كفارة ثانية للمحظور الثاني، فإذا زنى البكر وسرق وجب عليه جلد مائة وتغريب عام وقطع يده اليمنى، وإذا جامع في نهار رمضان وحلق شعره وهو محرم وجب عليه كفارة الجماع، وكفارة المحظور وهكذا.
أما إذا كان المحظور الثاني من جنس المحظور الأول فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون قد أخرج موجب الأول قبل فعل الثاني أو لا، فإن كان قد أخرج موجب الأول قبل فعل المحظور الثاني فإن فعل الآخر يوجب كفارة أو حدًا آخر، فمن سرق ثم قطع ثم سرق مرة أخرى فإنه يجب عليه قطع آخر، ومن زنى ثم أقيم عليه الحد ثم زنى مرة أخرى فإنه يجب عليه الحد مرة أخرى هذا إذا كان بكرًا، أما الثيب فحده الرجم وهكذا.
стр. 87
وأما إذا لم يخرج موجب الأول حتى فعل الثاني فإنه في هذه الحالة يجزئ عن المحظورين الأول والثاني كفارة أو حد واحد فقط، فإذًا لو سألنا سؤالاً وقلنا: متى تتداخل الحدود أو الكفارات؟ الجواب: تتداخل الحدود والكفارات بشرطين: إذا كان المحظور من جنسٍ واحدٍ، وإذا لم يخرج موجب الأول، وهذا هو نص القاعدة.
وزيادة في الإيضاح أضرب فروعًا حتى تتضح:
فمنها: من حلف على يمين معينة ثم كررها وحنث، فهل تلزمه كفارة أو لا؟
الجواب: أنك تنظر في أمرين: أحدهما: هل المحلوف عليه شيء واحد أو متعدد؟
إن كان متعددًا فأوجب على كل يمين كفارة؛ لأن المحلوف عليه ليس من جنسٍ واحد، وإن كان المحلوف عليه واحدًا فانظر: هل كفر عن يمينه الأولى أم لا؟ إن كان كفر عن يمينه الأولى وجبت للأخرى كفارة ثانية، وإن لم يكن قد أخرج كفارة الأولى أجزأ عن الجميع كفارة واحدة، والله أعلم.
ومنها: إذا زنى البكر مرارًا فهل يلزمه لكل زنىً حد؟ أم يسقط الجميع حد واحد؟ الجواب: هو على التفصيل السابق، فيكفي الجميع حد واحد؛ لأنه من جنسٍ واحد ولم يحد للزنى الأول، أما إذا حُدَّ للزنى الأول وجب للثاني حد جديد، والله أعلم.
ومنها: من نذر مرارًا ولم يخرج موجب الأول أجزأ عن الجميع كفارة واحدة.
ومنها: من كرر محظورًا من جنسٍ واحدٍ من محظورات الإحرام كرجلٍ حلق مرارًا أو جامع مرارًا، أو قلم أظافره مرارًا ولم يخرج كفارة الأول أجزأ عن الجميع كفارة واحدة. لكن لو حلق وقلم أظفاره وتطيب فإنه يجب حينئذٍ لكل محظور كفارة لاختلاف الجنس.
ومنها: من سرق مرارًا فإنه يسقط الجميع قطع واحد ما لم يكن قد حُدَّ للأول فيلزمه قطع آخر، والله أعلم.
ومنها: من قطع الطريق مرارًا أسقط الجميع حد واحد إن لم يكن قد حُدَّ في شيء منها، وعلى ذلك فقس، والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 88
ومنها: من شرب الخمر مرارًا فإنه يكفيه عن جميع شربه السابق حد واحد فقط، لكن إن شرب وحُدَّ، ثم شرب فعليه حد آخر؛ لأن الحد الأول ذهب بموجبه وبقي الثاني بلا موجب ففيه حدٌ آخر، والله أعلم.
القاعدة الرابعة والعشرون
٢٤ - كل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخر
إن العقل لا يستقل بإدراك الشرع فأمور العبادة الأصل فيها هو الحظر والتوقيف على الدليل الشرعي الصحيح. إذا علم هذا فليعلم أن هذه العبادة لا تنعقد إلا بدليل شرعي كالصلاة مثلاً فإنها لا تنعقد إلا بتكبيرة الإحرام، وكذلك الإحرام لا ينعقد إلا بنية الدخول في النسك وهكذا، فإذا انعقدت هذه العبادات بالدليل الشرعي فإنه تثبت أحكامها المترتبة على الدخول فيها، أو على انعقادها وبالتالي فإنه لا يجوز لأحدٍ كائنًا من كان أن يدعي بطلان ما انعقد بالدليل الشرعي إلا بدليل يدل على ذلك الإبطال، وإلا فلا يجوز، بل هو من التحكم في الشريعة بمحض الآراء والتقليد المذموم، فالأصل هو عدم الإبطال فمن ادعاه فعليه الدليل؛ لأنه مخالف للأصل. ولقد قال الله تعالى في ذكر المحرمات: ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ .
فباب إبطال العبادات باب توقيفي على الدليل، وليس مفتوحًا للشهوات والمذاهب والأقيسة الباطلة، فكل ما أثبته الدليل أنه ناقض لهذه العبادة فهو الناقض وما لا فلا.
إذا علمت هذا فاعلم أن بعض العلماء ﵃ يجعلون من نواقض بعض العبادات ما ليس منها، وإليك بعض ذلك:
стр. 89
فمنها: الوضوء: عبادة دل الدليل الشرعي على ثبوت حكمها بغسل الأعضاء الأربعة وأعني بحكمها أي رفع الحدث، فلا يجوز لنا أن نبطل هذا الحكم إلا بدليل يدل على بطلانها عند تحققه، وقد دل الدليل الشرعي على بطلانها بالبول والغائط والريح أي بالخارج من السبيلين، وبالنوم المستغرق أي المذهب للشعور، وبما هو أولى منه كالجنون والإغماء، وبالمذي وبما يوجب الغسل إلا الموت، وبمس الذكر بشهوة بلا حائل، وبأكل لحم الإبل خاصة، كل هذه النواقض ثبتت بالدليل الشرعي أنها رافعة لحكم الوضوء المنعقد بدليل شرعي. أما لمس المرأة ولو لشهوةٍ، ومس حلقة الدبر، وحمل الميت أو تغسيله، والقهقهة وغير ذلك مما يدعيه البعض فليس ذلك من النواقض لهذه العبادة وذلك لعدم الدليل، بل هذه الأدلة إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة، فالواجب عدم الاستدلال بها؛ لأن الوضوء انعقد حكمه بدليل شرعي فلا نبطله إلا بدليل شرعي آخر، والله أعلم.
стр. 90
ومنها: الصلاة: فإنه قد دل الدليل الشرعي على أن الإنسان يدخل فيها بتكبيرة الإحرام، فبناءً عليه فإنه لا يجوز أن نبطل صلاة أحدٍ دخل فيها على هذا الوجه إلا بدليل؛ لأن ما انعقد بالدليل لا يبطل إلا بالدليل فمن هنا تعلم خطأ من قال إنها تبطل بالتنحنح إذا بان حرفان لعدم الدليل وفي حديث علي ﵁ قال: (كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي) ، وتعلم خطأ من أبطلها بالإشارة المفهومة بل في حديث ابن عمر: (أنه قال لبلال كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي، قال: يقول هكذا وبسط كفه) فهي إشارة مفهومة، بل الصحابة لما تكلم معاوية بن الحكم في الصلاة رماه القوم بأبصارهم وضربوا أفخاذهم وهي إشارة مفهومة، وعائشة ﵂ لما دخلت عليها أسماء يوم كسفت الشمس قالت لها: (ما شأن الناس فأشارت برأسها إلى السماء) . فقالت أسماء: آية؟ (فأشارت برأسها أي نعم) ، وهذه أيضًا إشارة مفهومة، والمهم أن الإشارة باليد أو بالرأس المفهومة لا تبطل الصلاة لعدم الدليل بل الدليل على خلافها. وتعلم أيضًا خطأ من يبطل الصلاة بالكلام أو بالنجاسة ناسيًا أو جاهلاً وحديث معاوية بن الحكم في مسلم (١) وحديث صلاته ﷺ بالنعلين النجسين حجة عليهم، وهكذا، فكل من ادعى أن هذا القول أو هذا الفعل يبطل الصلاة فإنه يطالب بالدليل إذ الأصل عدم الإبطال والدليل يطلب من الناقل عن الأصل. والله أعلم.
стр. 91
مسألة: قد يقول قائل: قد حكمت سابقًا على أن من وجد الماء وقد شرع في الصلاة بالتيمم أن يخرج منها ويتوضأ ويستأنفها فقد ادعيت أن وجود الماء مبطل للصلاة فما هو الدليل؟ قلت: قد ذكرنا دليلنا على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا واجد للماء فالشرط لم يتحقق فلا يتحقق المشروط، ولم تفصل الآية بين ما إذا كان خارج الصلاة أو داخلها، وحديث أبي هريرة وأبي ذرٍ أيضًا يدلان أن من وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته بدون تفصيل بين حالٍ وحال وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجري على العموم في المقال، وقد ذكرناها بأوسع من ذلك في قاعدتها فارجع إليها إن شئت، والله أعلم.
ومنها: الصيام ثبت الدليل أنه ينعقد بالنية من طلوع الفجر فإذا انعقد فلا يجوز لأحدٍ أن يدعي بطلانه بقولٍ أو فعلٍ إلا وعليه دليل صحيح صريح وإلا فالأصل عدم المبطل، فمن ذلك تعرف خطأ من يفطر الصائم بالحناء في الرجل أو بقطرة الأذن والعين وبالحقن غير المغذية إذا وجد طعم ذلك في حلقه لعدم الدليل، وتعرف خطأ من يفطره بالغيبة والقبلة والمذي وبالإغماء وبشم الروائح الزكية وبذوق الطعام وبلع النخامة والريق ونحوها، كل ذلك يدعي البعض أنه من المفطرات والصواب أنه ليس منها لعدم الدليل، والله أعلم.
القاعدة الخامسة والعشرون
٢٥ - من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًا
стр. 92
اعلم – رحمك الله تعالى – أن الإنسان إذا قبض عينًا ما أي عين كسيارة أو نقود أو لقطة أو نحوها فلا يخلو قصده من حالتين: الأولى: أن يكون قصده عند قبضها استعمالها أي الانتفاع بها أي أن ينتفع بها هو ويسمى هذا القبض قبضاً لحظ النفس أي لحظٍ يعود لنفسه. الثانية: أن يكون قصده عند قبضها حفظها لمالكها الأصلي، أي لاحظ للقابض فيها وإنما قبضها لحظ مالكها، ويسمى هذا القبض، قبضاً لحظ الغير (١) ، أي لمصلحةٍ تعود إلى الغير الذي هو المالك أو من يقوم مقامه كوكيله، إذا علم هذا وفرقت بين الأمرين فاعلم: أن الأول: أي الذي قبض العين لحظ نفسه إذا ادعى أنه رد العين المقبوضة إلى مالكها أن دعواه هذه لا تقبل عند إنكار المالك الأصلي إلا إذا جاء ببينة تثبت صحتها ذلك؛ لأن له حظًا في إبقائها عنده؛ لأنه يريد منفعتها فقبضه لها لمنفعةٍ تعود عليه هو شبهة جعلتنا لا نقبل قوله في الرد حتى تثبت البينة صدق دعواه، فإن جاء ببينة من شهادةٍ ونحوها على إثبات الرد قبلناها وإن لم يأت ببينة حكمنا أن العين لا زالت باقية عنده هذا بالنسبة للشطر الأول من القاعدة وهو قولنا: (من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة) . وأما الثاني: أي من قبضها لحظ غيره فإنه إذا ادعى رد العين وأنكر المالك الأصلي فإن القول قول القابض ولا يطالب ببينةٍ تثبت صحة دعواه؛ لأن الشبهة فيه منتفية فإنه لاحظ له في قبض العين أصلاً وإنما هو محسن بهذا القبض؛ لأنه يحفظها لمالكها وما على المحسنين من سبيل، وهذا هو معنى قولنا: (ولغيره) أي إذا قبضها لحظ غيره (يقبل) قوله في الرد: (مطلقًا) أي وإن لم يأت ببينة، إذا علمت هذا فإليك بعض فروع هذه القاعدة حتى تتضح أكثر:
стр. 93
فمنها: المرتهن هو الذي يقبض الرهن والراهن هو المالك الأصلي والرهن هو توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من بعضها أو من ثمنها فالرهن في يد المرتهن أمانة، فنقول: قبض المرتهن للرهن هل هو لحظٍ يعود له هو أو هو لحظ الراهن؟ لاشك أن الجواب هو الأول؛ لأن المرتهن لم يقبض الرهن إلا هو يريد تأمين دينه بحيث لو لم يسدد الراهن ما عليه باعه واستوفى منه قدر الدين، فإذا سدد الراهن الدين واختلف هو والمرتهن فقال المرتهن: رددت الرهن إليك وقال الراهن: لم ترده، فنقول: لا نقبل قول المرتهن في الرد إلا ببينة؛ لأنه قبض الرهن لحظ نفسه ومن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببرهان.
ومنها: العارية: إذا استعار شخص من شخص شيئًا فإن المستعير يقبض هذه العين لحظ نفسه؛ لأنه يريد أن ينتفع بهذه العارية فإذا اختلف المعير والمستعير في الرد فلا نقبل قول المستعير في دعوى الرد إلا ببينة؛ لأنه قبض العين المعارة لحظ نفسه ومن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
ومنها: الوديعة: فإذا أودع شخص شخصًا مالاً فإن المودَع – بفتح الدال – قبض الوديعة من المودِع – بكسر الدال – لحظ المودِع – بكسر الدال – حتى يحفظها له ويصونها عن التلف والضياع فإذا اختلفا في الرد فالقول قول المودَع – بفتح الدال –؛ لأنه قبض العين لحظ غيره ومن قبض العين لحظ غيره فالقول قوله بلا بينة.
ومنها: المضاربة: نوع من أنواع الشركة فيشترك اثنان أحدهما بماله والآخر ببدنه، فالمضارَب – بفتح الراء – يقبض المال من المضارِب – بكسرها – بقصد نفع نفسه لأن له جزءاً من الربح معلومًا مشاعًا، فإذا اختلفا في رد المال فالقول قول المضارِب – بكسرها – لأن المضارَب - بالفتح - قبض المال لحظ نفسه ومن قبض المال لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
стр. 94
ومنها: إذا اقترض رجل من آخر مالاً وادعى المقترض رده وأنكر المقرض فالقول قوله؛ لأن المقترض قبض هذا المال لحظ نفسه فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
ومنها: اللقطة: هي المال الذي لا يعرف مالكه فالملتقط الذي أخذ هذه اللقطة أخذها ليحفظها لمالكها الأصلي فإذا اختلف المالك الأصلي والملتقط في الرد فقال الملتقط: رددتها عليك، وقال المالك: لا، فالقول قول اللاقط؛ لأنه قبض العين لحظ غيره ومن قبض العين لحظ غيره فالقول قوله بلا بينة، والله أعلى وأعلم.
(تنبيه) : قولنا: (يقبل قوله بلا بينة) نعني بالبينة الشهادة لا اليمين وإلا فاليمين لاشك أنها تطلب من قابض العين لحظ الغير؛ لأنه في هذه الحالة مدعىً عليه والمدعى عليه عليه اليمين وذلك لقوة جانبه، وأما قابضها لحظ نفسه فإنه مدعي والمدعي عليه البينة لضعف جانبه، والله أعلى وأعلم.
القاعدة السادسة والعشرون
٢٦ - لا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًا
стр. 95
اعلم – رحمك الله تعالى – أن المراد بالأمين هنا هو من كان المال بيده برضى ربه أو ولايته عليه، فإذا قبض الأمين المال من صاحبه ثم تلف المال فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون سبب التلف هو تعدي الأمين أو تفريطه في حفظ المال وإما أن يكون بسببٍ خارج عن ذلك أي ليس للأمين فيه دخل، فإن كان الأول إي إذا كان سبب التلف هو تعدي الأمين أو تفريطه فإنه يكون ضامنًا لما تلف في يده من مالٍ أو عين؛ لأنه تعدى وفرط فيخرج عن حد الإحسان المنافي للضمان، في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وقولنا: (التعدي) هو فعل ما لا يجوز من التصرفات أو الاستعمالات، وقولنا: (التفريط) هو ترك ما يجب من الحفظ، وأما إذا تلفت العين بلا تعدٍ من الأمين ولا تفريط فإنه لا يضمن هذا التلف لأنه محسن ولم يذنب ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ؛ ولأن هذا هو معنى الائتمان فالتلف في أيديهم كالتلف في يد المالك.
وعلى ذلك فروع كثيرة نذكر بعضها يستدل به على الباقي:
فمنها: إذا تلفت الوديعة في يد المودَع – بفتح الدال – فهل يضمن أم لا؟
نقول: إن المودَع أمين فإن تلفت الوديعة بتعدٍ أو تفريط منه فإنه يضمن، وإن تلفت بلا تعدٍ أو تفريط فلا يضمن.
ومنها: إذا تلفت العين أو المال في يد الوكيل فإن كان بتعدٍ أو تفريط فإنه يضمن وإن كان بدون تعدٍ أو تفريط فإنه لا يضمن.
ومنها: الأجير الخاص هو من منافعه محبوسة لمستأجره فإذا تلفت العين بيده فإنه لا يضمن إلا بتعدٍ أو تفريط.
ومنها: إذا تلف الرهن في يد المرتهن بلا تعدٍ أو تفريط فإنه لا يضمن وإن كان بتعدٍ أو تفريط ضمن.
ومنها: إذا تلف المال في يد الشريك أيًا كان نوع الشركة فإنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط؛ لأنه أمين.
ومنها: اللقطة إذا تلفت في يد الملتقط أي الذي أخذها فإنه لا يضمن إلا تعدى أو فرط؛ لأنه أمين.
стр. 96
ومنها: إذا تلف المال في يد المضارَب - بفتح الراء - فإنه لا يضمن إلا عند التعدي أو التفريط؛ لأنه أمين.
ومنها: إذا تلفت العين المعارة في يد المستعير فإنه لا يخلو إن كان بتعدٍ أو تفريط فإنه يضمن وإن كان بدون ذلك فإنه لا يضمن، وهو الراجح وإلا فالمشهور من المذهب أن المستعير ضامن للتلف مطلقًا لكن الراجح هو تخريجه على هذه القاعدة؛ لأنه أمين، واختاره الشيخ ابن سعدي - رحمه الله تعالى - وعلى هذا فقس، والله أعلم.
هذا بالنسبة للأمين أما غير الأمين كالظالم فإنه يضمن تلف العين مطلقًا والظالم هو من كانت العين بيده بلا رضى مالكها وقولنا: (مطلقًا) أي أنه يضمن العين سواءً تلفت بتعدٍ أو تفريط أو بدونهما لأن يد الظالم يد متعدية فيضمن العين ومنافعها فيدخل في هذا الغاصب والخائن في أمانته ومن عنده عين لغيره فطلب منه الرد لمالكها أو لوكيله فامتنع ولا عذر فإنه ضامن مطلقًا وكذلك من عنده لقطة فسكت عليها ولم يعرفها بغير عذر فإنه يضمن إذا تلفت مطلقًا؛ لأنه كالغاصب أو الخائن، ومن حصل في يده مال غيره بغير إذنه ولم يخبر به صاحبه لغير عذر فإنه يضمن مطلقًا إذا تلف المال، فكل هؤلاء وما أشبههم ضمنوا؛ لأن أيديهم ليست أيدياً أمينة وإنما هي أيدٍ ظالمة، واليد المتعدية الظالمة أحد أسباب الضمان الثلاثة، والثاني: مباشرة الإتلاف بغير حق. والثالث: فعل سبب يحصل به التلف، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة السابعة والعشرون
٢٧ - العبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍ
стр. 97
وهذه القاعدة من أهم القواعد والضوابط الفقهية؛ لأنها تبين ما يمكن تداركه عند فواته من العبادات مما لا يمكن تداركه، فأقول: اعلم – رحمك الله تعالى – أن العبادات باعتبار التوقيت وعدمه نوعان: عبادات مطلقة عن الوقت أي ليس لها وقت معلوم وإنما هي جائزة في كل وقتٍ، فيسن فعلها في كل وقتٍ فهذه لا تعلق بها في هذه القاعدة أصلاً لأنه ليس لها وقت يفوت لأن جميع الأوقات بالنسبة لها واحدة، كالصدقة المندوبة، وبر الوالدين والإحسان إليهما، والنوافل المطلقة في غير وقت النهي، وصيام التطوع في غير الأيام الخمسة أعني العيدين وأيام التشريق الثلاثة (١) ، والعمرة في جميع أوقات العام ونحوها، فكلها لا تدخل معنا في هذه القاعدة لما ذكرناه سابقًا.
الثانية: عبادة قد حدت بوقت أي لها وقت معلوم تفعل فيه له بداية ونهاية كشهر رمضان، والصلوات الخمس، والرواتب القبلية والبعدية، وكالوقوف بعرفة، وذبح الأضاحي المعينة، وصدقة الفطر، وكالنذر المؤقت بوقت ونحوها، فهذه العبادات كلها لها وقت معلوم لا تفعل قبله بالاتفاق لكن السؤال الآن: ما الحكم في هذه العبادات إذا فاتت أي تركها المكلف حتى خرج وقتها فهل يسوغ له فعلها ولو بعد وقتها؟ أم أنه لا يسوغ له ذلك؟ هذا هو نص القاعدة.
стр. 98
أقول: من فوت شيئًا من هذه العبادات فإنه لا يخلو من حالتين: إما أن يكون فوتها لعذرٍ شرعي، وإما أن يكون تفويته لها عمدًا بلا عذرٍ شرعي، فإن فوتها بعذرٍ شرعي فإنه يجوز له أن يفعلها ولو خارج وقتها ويعطى أجر من فعلها في وقتها لا ينقص من أجره شيء، فمن ترك الصلاة ناسيًا أو نائمًا حتى خرج وقتها فإنه يفعلها إذا ذكر أو استيقظ لحديث أنس في الصحيحين مرفوعًا: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) ، والنسيان والنوم عذر شرعي فلا يأثم الإنسان بهذا التفويت لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: (وعن النائم حتى يستيقظ) وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا﴾ وفي صحيح مسلم: (قال الله: قد فعلت) وكذلك من أفطر يومًا من رمضان وهو مريض مسافر فلا بأس وله أن يقضيه في يوم آخر قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أخَرَ﴾ .
ومن فاته شيء من الرواتب القبلية أو البعدية ناسيًا أو نائمًا أو نحوه فله قضاؤها، واختاره الشيخ تقي الدين، ووقت الراتبة القبلية من دخول الوقت إلى إقامة الصلاة، والبعدية من السلام إلى خروج الوقت.
ومن فاته إخراج زكاة الفطر ناسيًا أو نائمًا ولم يستيقظ إلا بعد الصلاة أعني صلاة العيد أو لم يجد فقيرًا إلا بعد الصلاة فله إخراجها بعد الصلاة ونرجو له الأجر والثواب وتجزئ عنه - إن شاء الله -.
ومن نذر صلاة وقتٍ محدد ثم فوته نسيانًا أو جهلاً أو بنوم أو مرض فله أن يصلي ما نذر بعده إن لم يكن وقت نهي ولا كفارة عليه على الراجح لعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا﴾ .
стр. 99
وإذا تصورنا أن إنسانًا فوت ذبح الأضحية المعينة (١) في الوقت المشروع كالمغمى عليه طيلة يوم عيد الأضحى وثلاثة الأيام بعده، ولا وكيل له ولم يستفق إلا بعد غروب شمس اليوم الثالث إن تصورنا ذلك فله ذبحها بنية الأضحية بعده وهكذا، فهؤلاء جوزنا لهم فعل العبادة المؤقتة بعد فوات وقتها؛ لأنهم معذورون في هذا التفويت غير آثمين بسببه، فلا يؤاخذون بحرمانهم من أجر هذه العبادات بمنعهم من قضائها؛ لأنهم ما تجانفوا لإثم، فالعفو عنهم وتجويز فعل هذه العبادات لهم هو روح الشريعة، وهو القول المناسب لها؛ لأن فيه رحمة وتخفيف على هؤلاء فلا يحسن عقابهم بحرمانهم من قضائها؛ لأنهم فعلوا ما يوجب عقوبتهم، وقد دلت الأدلة العامة على عدم مؤاخذة الناسي والمخطئ، والله أعلم.
стр. 100
أما من فوت هذه العبادات بلا عذرٍ وإنما بتعمد لذلك التفويت من تكاسلٍ عنها أو قلة حرصٍ أو اشتغال بالدنيا ونحوها فهذا إذا فات وقتها وخرج فإنه لا يسوغ له فعلها أبدًا ولو فعلها في غير وقتها ألف مرة فإنها لا تجزئه أبدًا، لأن التوقيت في العبادة له حكمة عظيمة، فالشريعة لم تخص هذا الوقت بهذه العبادة إلا لأن إيقاعها فيه فيه مصلحة وحكمة بالغة لا تكون في غيره، فإذا فعلت في غير هذا الوقت فإنه لا تتحقق منها المصلحة المرجوة من فعلها في وقتها، وإنما جاز فعلها لمن فوتها لعذرٍ؛ لأن الدليل دل على عدم مؤاخذته، وأما من فوتها متعمدًا بلا عذرٍ فهذا مؤاخذ بهذا التفويت، ومؤاخذته قد تكون في عدم تمكينه من هذه العبادة، بل يحرم أجرها، وليس إسقاطنا عنه قضاء العبادة إسقاط تخفيف، بل هو إسقاط حرمان، وإسقاط الحرمان عقوبة بخلاف إسقاط التخفيف فهو رحمة، فمن فوت الصلاة وأخرجها عن وقتها عامدًا بلا عذرٍ فلا يسوغ له قضاؤها أبدًا ولو فعلها ألف مرة لم تسقط عنه المطالبة بها وهو اختيار الشيخ تقي الدين. وإنما قضاء الصلاة للمعذور فقط أما غير المعذور فلا، وإنما عليه التوبة النصوح المستجمعة لشروطها المعروفة وعليه الإكثار من النوافل لتسد هذا الخلل العظيم.
ومن أفطر يومًا من رمضان عامدًا بلا عذر فإنه لا يسوغ له قضاؤه أبدًا فلو صام الدهر كله لم يسقط عنه المطالبة بهذا اليوم واختاره الشيخ تقي الدين وضعف زيادة (واقض يومًا مكانه) لعدول البخاري ومسلم عنها.
ومن لم يخرج زكاة الفطر في وقتها المشروع حتى فات بلا عذرٍ فإنه لا يجزئه إخراجها بعده، بل هو آثم بهذا التفويت، فلو تصدق بماله كله فإنه لا يسقط عنه المطالبة بها، وإنما عليه التوبة النصوح والإكثار من الصدقة لعل الله أن يغفر له ذلك الإثم.
стр. 101
ومن أخر ذبح أضحيته حتى خرج وقتها بلا عذر فلا تكون أضحية بذبحها بعد غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بل يأثم على القول بالوجوب وهكذا.
ومأخذ ذلك هو أنه فوت العبادة المؤقتة بوقتٍ محدد بلا عذر ففاتت بذلك؛ لأن العبادة المؤقتة بوقت تفوت بفواتها إلا من عذرٍ، فليحرص المسلم على ذلك وليبادر بإيقاع العبادة في وقتها المحدد لها حتى تبرأ ذمته ويخرج من عهدة التكليف بها، ومن وقع في تفويت شيء بلا عذر فعليه المبادرة بالتوبة والإكثار من فعل جنسها نفلاً ما أمكن ذلك، والله يتجاوز عن الخطأ والزلل وهو أعلى وأعلم.
القاعدة الثامنة والعشرون
٢٨ - لا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختيار
هذه القاعدة من قواعد الأصول وعليها مدار التشريع، وبيان ذلك أن يقال:
اعلم أن معنى التكليف هو إلزام ما فيه كلفة أي مشقة.
واصطلاحًا: عرفه الطوفي بأنه: (إلزام مقتضى خطاب الشارع) .
إذا علمت هذا فاعلم أن التكليف له شروط ترجع إلى الفعل المكلف به، وشروط ترجع إلى الشخص المكلف. فأما الشروط التي ترجع إلى الفعل المكلف فستأتي - إن شاء الله تعالى - في قاعدة مستقلة، وأما الشروط التي ترجع إلى المكلف فهي نص قاعدتنا التي نحن بصدد شرحها فأقول:
اعلم أنه يشترط في الشخص ليكون داخلاً في جملة المكلفين شروط إذا توفرت جميعها فهو مكلف، وإذا اختل أحدها فإنه يسقط عنه التكليف وهي كما يلي:
стр. 102
الأول: العقل: وضده الجنون، فيشترط في المكلف أن يكون عاقلاً وذلك للدليل الأثري والنظري. فأما الأثري فقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: (وعن المجنون حتى يفيق) فقلم التكليف مرفوع عن المجنون لانعدام شرط التكليف الذي هو العقل. وأما النظري فلأن الشريعة إنما جاءت بامتثال المأمور وترك المحظور، والامتثال هو قصد الطاعة بذلك تحقيقًا لامتحان المكلف كما قال سبحانه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلا﴾ وشرط كون الامتثال طاعة قصدها لله تعالى رغبة ورهبة فيما عنده من الوعد والوعيد فهذا القصد هو المصحح لكون الامتثال طاعة وهو مفقود في المجنون؛ لأنه لا يتصور منه ذلك الامتثال الذي هو قصد الطاعة، فانتفت فيه حكمة التشريع فلم يعد إيجابه عليه مناسبًا لانعدام الحكمة منه وهذا واضح.
الشرط الثاني: فهم الخطاب: ويعني أن يفهم المكلف خطاب التكليف بأمرٍ أو نهي فالذي لا يفهم الخطاب لا تكليف عليه، ولا يلزم من كونه لا يفهم الخطاب أن يكون لا عقل له، بل فهم الخطاب مرتبة زائدة على مجرد العقل، لكن لا يلزم من وجود العقل فهم الخطاب كما سيأتي في الفروع - إن شاء الله تعالى -، والدليل على هذا الشرط أثري ونظري، فأما الأثري فلحديث: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ ...) فالقلم مرفوع عن هؤلاء ليس لأنهم مجانين لا عقول لهم أصلاً، بل لهم عقول لكنهم في حالة لا يفهمون معها الخطاب، فالنائم لا يفهم قوله تعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ونحوه وكذلك الصغير لا يفهم ذلك، فسقط عنهم التكليف؛ لأنهم لا يفهمون الخطاب.
стр. 103
وأما النظري فلأن تكليف من لا يفهم الخطاب تكليف بما لا يطاق وهو منتفٍ شرعًا ولعدم وجود قصد الامتثال منهما فاجتمع هؤلاء في أنهم لا يفهمون الخطاب لكن عدم الفهم في هؤلاء مختلف فالصبي والمجنون لا يدركان معنى كلام الشرع، أما الصبي فبالأصالة؛ لأن عقله الذي يفهم به الخطاب لم يكمل بحيث يقوى على الإدراك، وأما المجنون فبعارضٍ قوي قهري وهو الجنون، وأما النائم فلعارض طبيعي وهو النوم، قاله الطوفي في شرح مختصر الروضة.
الشرط الثالث: الاختيار: وهو أن يفعل المأمور ويترك المنهي اختيارًا منه، فإذا ترك المأمور وفعل المنهي عنه بإكراه فإنه لا يأثم لأنه غير مكلف، والدليل على ذلك أثري ونظري، فأما الأثري فقوله تعالى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ فرخص الله جل وعلا قول كلمة الكفر وفعله مع اطمئنان القلب بسبب الإكراه، وقال النبي ﷺ : (عُفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ،
وأما النظري فلأن المكرَه – بفتح الراء – صار كالآلة في يد المكرِه – بكسر الراء – فلا ينسب إليه فعل، وشرط العقوبة أن يقدم الإنسان على المعصية وهو مختار لها؛ لأنه حينئذ يستحق العقاب، لكن إذا صار كالآلة في يد غيره فلا يستحق حينئذٍ العقاب،؛ ولأنه يقدم على الفعل وهو لا يريده ولم يقصده، وإنما فعل بدافع الإكراه فقط.
واعلم أن الإكراه نوعان: إكراه ملجئ وهو الذي لا يبقي للإنسان قدره ولا اختيار فهذا مسقط للتكليف في قول عامة أهل العلم.
وإكراه غير ملجئ وهو الذي يبقى للإنسان نوع نظر واختيار، وعموم الأدلة يدل على أنه داخل في إسقاط التكليف فإن الأدلة لم تفرق بين إكراه وإكراه وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجرى مجرى العموم في المقال.
стр. 104
إذا علمت هذا فاعلم أنه لا يثبت التكليف إلا إذا توفرت هذه الشروط جميعها فإذا اختل شرط منها فلا تكليف، لكن يلزمنا أن نفرق بين أمرين متشابهين:
الأول: الحكم التكليفي. الثاني: الحكم الوضعي، فهذه القاعدة إنما تسقط الأول ولا تعلق لها بالثاني. فالأحكام الوضعية ثابتة ولو على غير المكلف كالمجنون والصغير والبهيمة ونحوها؛ لأنها من باب ربط الأشياء بأسبابها. إذا علمت هذا فدونك هذه المسائل المهمة في هذا الباب لتعرف أحكامها وتفاصيلها فأقول:
المسألة الأولى: هل الغضبان مكلف أم لا؟
الجواب: فيه خلاف عريض، والذي يتوافق مع الأدلة هو أن يقال: إن الغضب أقسام ثلاثة: الأول: غضب لا يغلق على الإنسان عقله واستقامة تفكيره، ويدري ما يقول فهذا طلاقه وعتاقه وجميع تصرفاته معتبرة بالإجماع؛ لأنه داخل في التكليف لعقله وفهمه للخطاب. الثاني: غضب يغلق على الإنسان عقله الكامل لكنه يدري ما يقول ويفعل فهذا أيضًا طلاقه وعتاقه وتصرفاته معتبرة على الصحيح؛ لأن عقله باقٍ وليس فيه إلا مطلق الإغلاق فقط. الثالث: غضب يغلق على الإنسان عقله الغلق المطلق بحيث لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، بل بعضهم يصيبه الإغماء وبعضهم تنتفخ أوداجه انتفاخًا واضحًا فيكون كالوحش الكاسر، فهذا لاشك أنه لا يقع طلاقه وعتاقه وتصرفاته لا تعتبر؛ لأنه فاقد لمناط التكليف الذي هو العقل، فهو وإن كان موجودًا لكنه مغلق أي أن هذا الغضب أغلق على عقله الذي هو مناط التكليف فصار وجوده كعدمه.
ولقوله ﷺ : (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) واختار هذا القول الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم وهو المفتى به عندنا في بلادنا.
المسألة الثانية: السكران هل هو مكلف أم لا؟
стр. 105
فيه خلاف والصواب التفصيل في السؤال عن مدى تغطية السكر للعقل، فإن كان السكر لم يغط العقل تغطية كاملة بحيث يدري ما يقول ويعرف معنى الطلاق والعتاق ونحوه فهذا لاشك أنه مكلف وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحدٍ من أهل العلم.
وإن كان السكر قد غطى على عقله التغطية المطلقة بحيث أغلق عليه فلا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فإنه ينزل منزلة من زال عقله، ومن زال عقله فلا تكليف عليه، أي لا نوقع طلاقه ولا عتاقه ولا بيعه ونحوها واختار هذا القول الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم.
المسألة الثالثة: المكره على الكفر هل يجوز له الكفر أو لا؟ وهل الأفضل له الصبر ولو مع إيقاع الألم به أو الأفضل الاستجابة لمن أكرهه؟
стр. 106
أقول: هذا السؤال مكون من شقين: فأما الأول: فاعلم أن من أكره على الكفر فإنه يباح له الكفر الظاهر لا الباطن، أي يجوز له موافقة المكرِه بقول الكفر أو فعله ظاهرًا لكن لا يجوز له ذلك في الباطن؛ لأنه لا استيلاء للمكرِه على الباطن ولا علم له به. ودليل ذلك الآية السابقة: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، وللحديث السابق ذكره: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) لكنه لو كفر في الباطن لخرج عن الإسلام؛ لأنه فعل ذلك باختياره؛ لأنهم لم يكرهوه على الكفر القلبي، وإنما أكرهوه على الكفر في الظاهر فقط، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ لكن عندنا حديث مشكل وهو حديث طارق بن شهاب ﵁ في: أن رجلاً دخل الجنة في ذباب ورجل دخل النار في ذباب، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: (مر رجلان على قومٍ لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب، فقال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا: قرب ولو ذبابًا فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار ... الحديث) (١) فهذا الرجل في ظاهر الحديث أنه لم يقرب ذبابًا إلا أنه يريد التخلص من القتل إذا لم يقرب، فهو إذًا مكره ومع ذلك عوقب على ذلك الفعل ودخل النار بسببه مع أنه كفر في الظاهر ولا ندري عن الباطن، وليس في الحديث ما يشير إلى أنه وافقهم في
стр. 107
الباطن. فكيف نقول: أن من أكره على الكفر يجوز له الكفر في الظاهر فقط وهذا الحديث يثبت عقوبة من كفر ظاهرًا وهو مكره؟
أقول: هذا سؤال وجيه جدًا، وقد حاول العلماء الإجابة عنه فذكروا أجوبة عديدة فقال بعضهم: إن الرجل الذي قرب ذبابًا وافقهم في الظاهر والباطن فاستحق دخول النار؛ لأنه وافقهم في الباطن. ويجاب عنه: بأن هذه دعوى وكل دعوى لا تقبل إلا بالدليل، فأين الدليل الدال على موافقته لهم في الباطن؟ بل ظاهر الأمر أنه لم يفعل ذلك إلا لخوفه أن يقتلوه فهو في الحقيقة مكره.
وقال بعضهم: إنه استحق دخول النار؛ لأنه كان كافرًا بالأصل، فليس سببه التقريب لغير الله. ويجاب عنه: بأن الحديث سيق لبيان خطر الذبح لغير الله، ولو كان كافرًا لدخل النار بمجرد كفره، فلما قال: (فقرب ذبابًا فخلو سبيله فدخل النار) دل ذلك على أن سبب دخوله للنار هو هذا التقريب؛ ولأن قوله: (فدخل النار) حكم مقرون بالفاء بعد قوله: (فقرب ذبابًا) وهو وصف وعلة الحكم المقرون بالفاء بعد وصف هو عين ذلك الوصف.
وقال بعضهم: بل دخل النار؛ لأنه لم يصل إلى حد الإكراه الملجئ الرافع للتكليف. ويجاب عنه: بأن هؤلاء القوم قد هددوهما بالقتل إن لم يقربا، بل إنهم قتلوا الآخر وهذا هو عين الإكراه الملجئ.
وقد يقال: إن التكليف يزول بمسمى الإكراه ولا ينظر هل هو ملجئ أو غير ملجئ لعموم الأدلة، وتقدم ذلك.
وقال بعضهم: إن الرخصة إنما هي في الكفر القولي أي باللسان فقط، أما الكفر العملي فإنه يقع حكمه على صاحبه وإن كان مكرهًا، وهذا الرجل كفر كفرًا عمليًا وهو الذبح لغير الله، ولا رخصة في ذلك. ويجاب: أن عموم الآية والحديث يدل على دخول الكفر العملي، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وذكروا غير ذلك.
فإن قلت فما الجواب الصحيح؟
стр. 108
أقول: الجواب الصحيح هو أن هذه القصة كانت فيمن كان قبلنا، وهذا هو ظاهر الحديث، فهي من شرع من قبلنا، وشرع ما قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه في شرعنا، وكان من شرعهم عدم جواز النطق بكلمة الكفر أو فعله ولو مع الإكراه ونسخ ذلك في شريعتنا رحمة من الله تعالى وتيسيراً علينا. فإن قيل: ما دليلك على أنها كانت فيمن كان قبلنا؟ فأقول: هذا هو ظاهر الحديث، وإذا لم يظهر ذلك فنقول: حتى ولو كانت في هذه الأمة فهي أيضًا مما نسخ بالآيات والأحاديث التي تعفو عن فعل الكفر أو قوله بالإكراه والنسخ في شريعتنا جائز وواقع، هذا هو جواب الشق الأول.
стр. 109
أما جواب الشق الثاني: وهو هل الأفضل فعل الكفر المكره عليه أم الأفضل الصبر وإن أدى إلى القتل؟ أقول: هذا فيه خلاف طويل بين العلماء – رحمهم الله تعالى – وفصل القول فيه أنه تابع للمصلحة، فإن الشريعة لا تأمر إلا بما فيه مصلحة غالبة أو خالصة، ولا تنهى إلا عن ما فيه مفسدة خالصة أو غالبة، وليس في الشريعة ما تستوي فيه المصالح والمفاسد وإنما يفرض من باب التقسيم فقط وإلا فلا حقيقة له، فإذا أكره الإنسان على الكفر أو القتل فلينظر بعين الشرع، فإن كانت إجابته للمكره فيما أراد فيها مفسدة خالصة أو غالبة فنقول: عليه أن يصبر، وإن مات فهو شهيد، ومن ذلك صبر من صبر من الصحابة – رضوان الله عليهم – في أول الإسلام، وعليه قوله ﷺ لما قال له خباب بن الأرت: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟ فقال: (إنه كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض فيوضع المنشار على رأسه فيشق نصفين لا يرده ذلك عن دينه) . ومنه صبر الراهب وجليس الملك في حديث غلام الأخدود وهو عند مسلم من حديث صهيب بن سنان الرومي (١) . ومنه صبر الإمام أحمد على الفتنة وعذابها فإنه قد افتتن كثير من علماء عصره إلا هو – ﵁ وأرضاه – ومن شاء الله تعالى، فثبت على البلاء ووقف في وجه المأمون والمعتصم والواثق وقوف الرجال وكان يقال له: إن لك في ذلك فسحة من الله فإنك مكره، وكان يجيبهم بأن كلامه مسموع فلو قال ما أرادوه من القول بخلق القرآن لنقلها الناس عن إمام أهل السنة وافتتن بها خلق كثير، فلما غلبت المفسدة على المصلحة صبر وثبت وأصر على الحق ولم يجبهم إلى ما أرادوه (٢) ، والأمثلة كثيرة.
стр. 110
وأما إن كان في الإجابة مصلحة خالصة أو راجحة فالقول حينئذٍ أن الإجابة هي المشروعة كإجابة عمار ﵁ لكفار قريش في سب النبي ﷺ . وعلى العموم فإن إعطاء قانون مستقيم في الإجابة من عدمها ليس صحيحًا؛ لأن الأدلة وردت بهذا وبهذا ولكن القول بتنوع الأحوال هو الصحيح وهذا التنوع ليس تابعًا للخوف أو الهوى وإنما هو تابع للمصلحة فأي الطرفين اقترنت به المصلحة فهو الراجح فإن اقترنت بالإجابة فهي الراجحة وإن اقترنت بتركها فهي الراجحة وتنزل أدلة الطرفين على وجود المصلحة، وبهذا القول تتآلف الأدلة وتتفق، والله أعلم.
المسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلف أو لا؟