← Каваид фикха

Каваид фикха · id 842

تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية

وليد السعيدان

Полный текст (282 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

منها: قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ والحيلة نوع من أنواع المخادعة، وكل آية فيها ذم المخادعة والمكر فهو دليل على تحريم الحيل. ومنها: قوله ﷺ : (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل) وهو نص صريح صحيح في تحريم الحيل والإخبار أنها من طباع اليهود. ومنها: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) . فقيل: (يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس) . فقال: (لا هو حرام) ، ثم قال النبي ﷺ عند ذلك: (قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها - أي الميتة - جملوه فباعوه فأكلوا ثمنه) . فانظر كيف احتال اليهود على ربهم جل وعلا فإنهم في الظاهر لم يبيعوا الشحم الذي حرم عليهم، وإنما باعوه دهنًا أي بعد إذابته فلعنوا بارتكابهم ما نهوا عنه؛ لأنهم احتالوا فلم تنفعهم حيلتهم شيئًا، فالحرام هو الحرام والحيلة باطلة.

стр. 177

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ... ﴾ الآيتين بعدها. قال المفسرون: أن هؤلاء طائفة من بني إسرائيل حرم الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت، فامتثلوا في أول الأمر، فكان من فتنة الله لهم أن الحيتان لا تظهر وتقترب من شواطئهم إلا يوم السبت وتختفي في غيره فتحايلوا على ذلك فقالوا: نضع شباكنا يوم الجمعة ونأخذها يوم الأحد فلا نكون قد باشرنا الصيد يوم السبت وإنما الحيتان هي التي وقعت في الشباك بنفسها، فلما فعلوا ذلك جاءهم الناصحون والمنكرون فأبوا فنزل العذاب بهم، ومن المعلوم أن العذاب لم ينزل إلا لارتكابهم ما نهوا عنه، وهم في الظاهر لم يباشروا الصيد بأيديهم يوم السبت لكن لما نزل العذاب بهم علمنا أنهم ارتكبوا عين ما نهوا عنه وأن حيلتهم لم تنفعهم شيئًا، فهذا من أقوى الأدلة على تحريم الحيل. ومنها: قوله ﷺ : (لعن الله المحلل والمحلل له) والمراد بالمحلل - بالكسر - هو من يتزوج المرأة المطلقة ثلاثًا بقصد تحليلها لزوجها لا نكاح رغبة، وهو التيس المستعار والمحلل له - بالفتح - هو زوج المرأة الأول الذي بَتَّ طلاقها، وكلاهما ملعونان بنص الحديث؛ لأنهما احتالا على الشريعة لإحلال المرأة المطلقة لزجها الأول، وهي حيلة لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالاً، فإن المرأة التي نكحت نكاح تحليل لا تحل لزوجها الأول بهذا النكاح وهو اختيار شيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية، وابن القيم وغيرهما، مما يدل على أن الحيل باطلة وأن صاحبها قريب من لعنة الله - والعياذ بالله تعالى -.

стр. 178

ومنها: إجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - على تحريم الحيل وإبطالها وإجماعهم حجة قاطعة، بل هي من أقوى الحجج وآكدها، فقد ثبت عن عمر ﵁ أنه قال على منبر رسول الله ﷺ : (لا أوتى بمحللٍ ولا محللٍ له إلا رجمتهما) ولم ينكر عليه أحد وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تحل بنكاح تحليل ظن وغيرهم في صور كثيرة ينهى فيها الصحابة على سلوك الحيل ويشددون فيها تشديدًا بالغًا مما يدل على اتفاقهم على ذلك. ومنها: قوله ﷺ في حديث أنسٍ الطويل في مقادير الزكاة: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) وهذا نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو إنقاصها، فمثال الأولى: أن يكون ثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاةً متفرقة فيجمعوها لتكون مائة وعشرين فلا يخرجون منها إلا شاةً واحدة فقط، فرارًا منهم من إخراج ثلاث شياة؛ لأن في كل أربعين شاةً شاةٌ، ومثال الثانية: أن يشترك اثنان في أربعين شاة لكل واحد منهما عشرون، فيفرقون مالهم حتى لا يجب عليهم شيء فرارًا من وجوب الواحدة، فنهى النبي ﷺ عن ذلك سدًا لباب الحيل المحرمة.

стр. 179

ومنها: قوله ﷺ : (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم) فحرم علينا رسول الله ﷺ ما صدناه وتمم ذلك بسد باب الحيلة بتحريم ما صيد لأجلنا، حتى لا يتحايل بعض الناس على ذلك بأمر الحلال أن يصيد له، فانظر كيف حرم الشيء ومن ثَمَّ سد جميع أبوابه ولذلك لما أهدى الصعب بن جثامة للنبي ﷺ حمارًا وحشيًا رده وقال له: (إنا لم نرده عليك إلا أنا قوم حرم) متفق عليه، وفي حديث أبي قتادة في صيده الحمار الوحشي: (هل أحد منكم أمره أو أعانه أو أشار له بشيء) . فقالوا: لا. فقال: (كلوا ما بقي) وهو متفق عليه أيضًا، والله أعلم.

стр. 180

ومنها: تحريم الهدايا للعمال، كالحكام أو القضاة وكذلك أصحاب الديون، فهو لا يجوز لهم قبول الهدية؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، فقد تؤدي إلى عدم الحكم بالحق وإلى المماطلة في سداد الدين، فهي تؤدي إلى إبطال الحق، فهي بهذا الاعتبار حيلة محرمة وفي الحديث: (هدايا العمال غلول) ، وروى ابن ماجة في سننه أن النبي ﷺ قال: (إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: (قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ فإذا كان لك على رجلٍ حق فأهدى إليك حمل تبنٍ أو حمل شعير أو جمل قَتٍّ فلا تأخذه فإنه ربًا) ، وفي سنن سعيد هذا المعنى عن أبي بن كعبٍ، وجاء عن ابن مسعود أيضًا نحو هذا المعنى، وأتى رجل عبد الله بن عمر فقال: (إني أقرضت رجلاً بغير معرفة فأهدى إليَّ هدية جزلة) . فقال: (رُدَّ عليه هديته) فنهى النبي ﷺ وأصحابه عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء لما في ذلك من إبطال الحق، ولا يعرف ذلك حقًا إلا من كان صاحب ولاية ثم أهدي إليه فجاء صاحب الهدية بما يوجب عقابه فإن صاحب الولاية قد مُلِكَ قلبه بهذه الهدية بحيث لا يصدق في حكمه عليه أو يحاول البحث عن الأعذار له بأي طريق، فسدت الشريعة هذا الباب سدًا منيعًا بتحريم الإهداء لأصحاب الولايات وأصحاب الديون قبل وفائها، والله أعلم. ومنها: حديث ابن عمر ﵁ في تحريم بيع العينة، فإن العينة مبادلة مالٍ بمالٍ بينهما سلعة، فالسلعة إنما جعلت بين المالين الربويين من باب الحيلة فقط، فلم تنفع صاحبها في إحلال الحرام، فهي ربًا وإن وقعت على أي صورة، وهو قول أكثر العلماء واختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية.

стр. 181

ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، فإن تعمد أحدهما لمفارقة صاحبه تقطع على الآخر حقه في خيار المجلس وتوجب البيع ففيها ضرر، فهي حيلة لإسقاط خيار المجلس الذي هو حق لهما فلا تجوز، وأما فعل ابن عمر فيجاب عنه بأنه لا حجة لفعل أحدٍ ولا لقوله مع قول النبي ﷺ ، أو لأن ابن عمر لم يبلغه النهي وهذا هو الظن في هذا الصحابي الذي هو من أحرص الصحابة اتباعاً للنبي ﷺ ، فلو أن النهي عن المفارقة بلغه لامتثل، والله أعلم. فهذه بعض الأدلة على تحريم الحيل، وبها يتبين للمنصف أن تحريم الحيل أصل من أصول الشريعة، وأن القول بجوازها ظلم لا تأتي الشريعة به أبدًا، بل إن القول بجوازها فيه انتهاك لحجاب المحرمات وخوضٍ في حماها، ولذلك قال الناظم: ولا تجوز الحيلة المحرمة ... ومن يقل تجوز قل ما أظلمه ويشير الناظم في البيت إلى قول من قال بجوازها واستدل بأدلة من الكتاب والسنة، وكل أدلتهم لا تصلح دليلاً لما أرادوه، وقد تولى الإمام ابن القيم الرد على استدلالهم بها ردًا محكمًا بديعًا لم يسبق إليه، فارجع إليه إن شئت فإن ما كتبته في هذه القاعدة إنما هو نصف نقطةٍ في بحر ما كتبه ﵀ رحمة واسعة -. وهنا مسألة مهمة جدًا قد يظن البعض أنها من الحيلة المحرمة وليست كذلك وهي مسألة التورق، وهي أن يشتري الإنسان سلعة بأجل بقصد بيعها والانتفاع بثمنها.

стр. 182

فهل يجوز أو لا؟ فيه خلاف بين العلماء فقد كرهها عمر بن عبد العزيز وقال: هو أخية الربا، وهي رواية عن أحمد واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ثبت أنه كان يمنع منها، وقال ابن القيم عنه إنه روجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخص فيها، واستدلوا على تحريمها بأنها من باب بيع المضطر وقد نهي عنه كما رواه الإمام أحمد في المسند بسندٍ فيه ضعف؛ ولأن المعنى الذي من أجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه. وذهب كثير من العلماء إلى جوازها وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو الذي عليه الفتوى في البلاد السعودية - حفظها الله تعالى - وهو الراجح - إن شاء الله تعالى - (١) ، وذلك لأن الأصل في البيوع الحل والإباحة إلا بدليل، ولا دليل يمنع منها، وأما حديث النهي عن بيع المضطر فهو حديث ضعيف هو وشاهده من حديث حذيفة كلاهما ضعيف؛ ولأن فيه من التوسعة على الناس ما لا يعرفه إلا من احتاج ولم يجد من يعطيه بلا زيادة، وأما الزيادة في السلعة فهي من أجل الأجل لا لأنه مضطر فيستفيد البائع بالزيادة، ويستفيد المشتري بالتأجيل، وهذا البيع هو المعروف عندنا ببيع التقسيط، ففيه زيادة من أجل التأخير، وقد أفتى العلماء بجوازه، لكن بعضهم شدد فيما إذا حصل اتفاق بينهما قبل شراء السلعة فحرمه حينئذٍ بعضهم (٢)

стр. 183

؛ لأن المقصود هو الزيادة والسلعة جعلت بينهما من باب الحيلة، وبعضهم أجازها وإن حصل اتفاق بينهما ولكن بلا إلزام في إمضاء البيع، وعلى كل حالٍ فمسألة التورق الجائزة فيها توسعة على الناس لكن ينبغي أن تكون الزيادة مناسبة للأجل طولاً وقصرًا حتى لا يتضرر أحدهما. أما من شبهها بالعينة فقد أخطأ؛ لأن البائع الأول في العينة هو المشتري بأقل، وأما في مسألة التورق فالبائع الأول انتهت علاقته بالمشتري بعد نقل السلعة إلى حيازته بما هو متعارف عليه بين التجار ثم يتصرف المشتري فيها بما شاء، فإن شاء إمساكها فله ذلك، وإن شاء بيعها فله ذلك، وبيعها والانتفاع بثمنها هو مسألة التورق، والمضطر للبيع والشراء إذا لم يجد أحدًا يشتري منه أو يبيعه لاضطراره لازداد اضطراره، والمقصود أن مسألة التورق ليست من الحيل المحرمة، بل هي الطريق السليم لمن احتاج إلى المال ولم يجد من يقرضه قرضًا حسنًا، والله تعالى أعلم. القاعدة الأربعون ٤٠ - إدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدل وهي من قواعد أبي العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وهي تنفع طالب الفقه جدًا في حال تعارض العبادات. فأقول: اعلم - رحمك الله تعالى - إن العبادات إذا فاتت لا تخلو من حالتين:

стр. 184

إما أن تفوت إلى بدلٍ، وإما أن تفوت إلى غير بدل، والأصل عدم البدل إلا بدليل صحيح، فإذا تعارضت عبادتان لا يمكن الجمع بينهما بل يلزم من فعل إحداهما تفويت الأخرى، فننظر أوجه التفاضل بينهما، ومن ذلك عظم المصلحة وقلتها، فإذا كان مصلحة إحدى العبادتين أكبر من الأخرى فنقدم الأولى، ومن ذلك ما يكون له بدل مما لا بدل له فنقدم العبادة التي لا بدل لها على التي لها بدل، وهذا هو نص القاعدة، وهو مقتضى الفقه، ويدل على ذلك أن ما يفوت إلى بدل لا تفوت مصلحته، أعني إن فاتت مصلحة أصله فإنه يحل محلها مصلحة بدله، فهو متردد بين المصلحتين إن فاتت إحداهما حلت الأخرى محلها، وأما ما يفوت إلى غير بدل فإن مصلحته تفوت بفواته وليس لها بدل يقوم مقامها، فالقول بتقديمها فيه جمع بين المصلحتين بين مصلحة العبادة التي تفوت إلى غير بدل وبين مصلحة العبادة التي تفوت إلى بدل، إما أن يدركها هي بعينها أو يدرك بدلها، فلاشك أن إدراك ما يفوت أصلاً بلا عوض عنه أولى من الحرص على ما يفوت إلى بدل، هذا من ناحية التنظير والتدليل، أما من ناحية التفريع فهي كثيرة ومن ذلك إذا تعارضت قراءة القرآن مع إجابة المؤذن إذا أذن المؤذن وهو يقرأ القرآن فهل يستمر في القراءة أم يقطعها ويردد وراء الآذان؟ الجواب: أن قراءة القرآن إن فاتت فإنها تفوت إلى بدل وهو أن يقرأ بعد الأذان فهي لا تفوت، وأما إجابة المؤذن فإنه إن فات فإنه يفوت إلى غير بدل فحينئذٍ فتقديم عبادة الترديد وراء المؤذن أولى من قراءة القرآن؛ لأن العبادة التي تفوت إلى غير بدل أولى بالتقديم. ومنها: صلاة المتطهر بالماء إذا عدمه وكان حاقنًا هل تقدم على عبادة الخشوع وحضور القلب؟ أم يذهب الإنسان ويحدث ويتيمم ويصلي بالتيمم؟

стр. 185

الجواب: أن الطهارة المائية إذا فاتت فإنها تفوت إلى بدل وهو الطهارة الترابية، أما الصلاة حاقنًا فإنها مَذْهَبةٌ للخشوع وحضور القلب، وعبادة الخشوع وحضور القلب لا بدل لها، إذ لا بدل يقوم مقام الخشوع، فعلى هذا فنقول: يحدث ويتيمم ويصلي؛ لأن إدراك الخشوع الذي لا بدل له أولى من إدراك الطهارة المائية التي لها بدل. ومنها: من المعلوم أن السنة صلاة النافلة في البيت لحديث زيد بن ثابت مرفوعًا: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) وحديث ابن عمر في الصحيحين قال: (حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح) وفي رواية: (ركعتين بعد الجمعة في بيته) فالقاعدة المتقررة أن صلاة النافلة في البيت أفضل، لكن إذا كان في صلاتها في البيت تفويت للصف الأول فحينئذٍ ننظر، فإن صلاة النافلة إذا فاتت في البيت فإنها تدرك في المسجد فهي تفوت إلى بدل وأما الصف الأول فإنه إذا فات لا يدرك أي إلى لا بدل له فعلى هذا فيصلي من خشي فوات الصف الأول في المسجد تفاديًا من فوات ما لا بدل له. ومنها: الآفاقي الذي قدم مكة هل الأفضل له كثرة الصلاة أو الطواف؟ الجواب: إن الصلاة إذا فاتت فإنها تفوت إلى بدل لتمكنه من الصلاة في بلاده بعد رجوعه ولا يشترط لصحتها أن تكون في المسجد الحرام فهي تفوت إلى بدل وأما الطواف بالبيت فإنه لا يمكنه ذلك إلا في البيت الحرام فقط فلا طواف إلا بالبيت فإذا فوت الطواف فإنه لا يعوض ببدلٍ عنه وعلى هذا الاستكثار من الطواف بالبيت للآفاقي أفضل من الاستكثار من الصلاة نفلاً؛ لأن الصلاة تفوت إلى بدل والطواف يفوت إلى غير بدل. ومنها: لو تعارض الطواف وصلاة التراويح للمقيم بمكة إما لأهلها أو لمن نوى الإقامة المطلقة عندهم، فهل الأفضل صلاة التراويح أو الطواف؟

стр. 186

الجواب: صلاة التراويح أفضل؛ لأنها إن فاتت في رمضان فإنه لا يدركها في غيره وأما الطواف فإنه إذا فات فإنه يفوت إلى بدل وهو إمكانية الطواف في وقتٍ آخر؛ لأنه مقيم بمكة، وهذا الفرع عكس الفرع الذي قبله. ومنها: الصائم إذا لم يتقو على إنقاذ المعصوم من الهلكة إلا بإفساد الصوم فهل الأفضل إتمامه أم إنقاذ المعصوم؟ الجواب: إن الصوم إذا أفسده فإنه له بدل وهو القضاء فيقضي عدةً من أيامٍ أخر وأما النفس المعصومة إذا فاتت فإنها تفوت إلى غير بدل، فتقديم مصلحة حفظ النفس ومراعاتها أولى من مراعاة حرمة الصوم لأن الأولى لا بدل لها والأخرى لها بدل. ومنها: جواز الانتقال إلى التيمم في شدة البرد الذي يخاف منه على النفس أو الطرف، ذلك لأن النفس أو الطرف لا بدل له، وأما الطهارة بالماء فلها بدل وهو التيمم بل هذا الفرع عام فالإنسان يجوز له الانتقال إلى التيمم عند عدم الماء حقيقة أو حكمًا، أما عدمه حقيقة فبأن لا يجده أصلاً، وأما عدمه حكمًا فكالمريض الذي يزيده استعمال الماء في مرضه أو يؤخر برؤه، وكالمرأة التي لا تجد طريقًا إلى الماء إلا بالمرور على فساقٍ تخاف منهم على عرضها فإن العرض إذا انتهك فلا بدل له. وعلى ذلك فقس، والله أعلى وأعلم.

стр. 187

القاعدة الحادية والأربعون ٤١ - تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وهي قاعدة أصولية، لكنها من أهم القواعد التي ينبغي عدم إهمالها، ويقبح بطالب العلم جهلها لكثرة الفروع المخرجة عليها. وهي قاعدة تشتمل على بحثين: الأول: تأخير البيان عن وقت الحاجة. والثاني: تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. فأما الأولى: فاعلم أنه لا يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة باتفاق العلماء إلا على قول من قال بجواز التكليف بالمحال، لكن اتفقوا جميعًا على أنه غير واقع شرعًا وذلك لقوله تعالى: ﴿ثمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿وَأنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ولأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به محال، إذ من شروط التكليف العلم بالمكلف به، والتكليف بما لا يُعلم تكليف بما لا يطاق، وقد قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ وهذا ليس من وسعها، وقد نقل القاضي في مختصر التقريب إجماع أرباب الشرائع على ذلك، وبما أنها مسألة متفق عليها بين العلماء فلا داعي للإطالة فيها. وأما البحث الثاني: فهو في حكم التأخير عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فهذا فيه خلاف طويل بين الأصوليين، والقول الراجح طلبًا للاختصار هو القول بجواز ذلك، وهي الرواية المشهورة في المذهب سواءً كان اللفظ المبيَّن عامًا أو مجملاً أو مطلقًا فيجوز تأخير تخصيصه أو توضيح المراد منه أو تقييده عن وقت الخطاب به إلى وقت الحاجة وهو قول بعض الشافعية والمالكية وبعضهم منع ذلك، لكن الصواب ما رجحناه وذلك للدليل الأثري والنظري، فأما الأثري فقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ فرتب

стр. 188

تفصيل الآيات على أحكامها وبيان القرآن على القراءة بحرف (ثم) وهي تفيد التعقيب مع التراخي وذلك يقتضي جواز تأخير البيان، وقد أجمعنا على عدم جوازه عن وقت الحاجة، فلم يبق إلا جوازه إليها وهو المطلوب. ومن الأدلة أيضًا: قصة بني إسرائيل لما أمرهم الله تعالى بذبح البقرة فإنه أخر بيانها أعني بيان صفتها حتى راجعوه فيها مرارًا وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وذلك يدل على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة (١) . ومن الأدلة أيضًا: أن الله تعالى أخر بيان أن ابن نوحٍ ليس من أهله إلى وقت الحاجة وذلك أنه سبحانه قال لنوح ﵇: ﴿اصْنَعْ الْفُلْكَ﴾ وأمره أن يحمل فيها من كلٍ زوجين اثنين وأهله، وهو عام في ابنه وغيره فلما أدرك ابن نوحٍ الغرق خاطب نوح ربه فيه بقوله: ﴿إنَّ ابْنِي مِنْ أهْلِي وَإنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ أي وعدتني أن تنجيني وأهلي وأنت أهلكته فأنجه، فقال سبحانه: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ﴾ فسكت نوح بعد أن سمع ما سمع خائفًا مستغفرًا، فهذا من تأخير البيان إلى وقت الحاجة.

стр. 189

ومن الأدلة أيضًا على ذلك: أن النبي ﷺ أخر بيان كثير من الأحكام إلى وقت الحاجة، فمن ذلك: أنه أخر بيان قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ... ﴾ فاقتضت الآية أن جميع الغنيمة لهذه الأصناف، ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل، وأن المراد بذي القربى بنو هاشم، وبنو المطلب بن عبد مناف وإخوته هاشم ونوفل وعبد شمس، وذلك في قوله ﷺ : (إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) . ومنها: قوله تعالى: ﴿وَآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ فقد بينه ﷺ مؤخرًا بقوله: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالسواني نصف العشر) وقال: (في كل أربعين شاة شاة) وبين نصاب الإبل والبقر والذهب والفضة وعروض التجارة والركاز وغيره من الأموال الزكوية، فكل ذلك يُعَدُّ بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ . ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فإنه ﷺ أخر بيانه بفعله إلى أن حج حجة الوداع فكان كلما انتهى في حجته من نسك قال: (خذوا عني مناسككم) . ومنها: قوله تعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فإنه قد بينه جبريل ﵊ بفعله في اليومين، وكل ذلك كان متأخرًا عن وقت الخطاب، كما في حديث نافع بن جبير بن مطعم قال أخبرني ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أمني جبريل ...) الحديث الطويل، وفي آخره أنه قال له: (يا محمد الوقت بين هذين) وهذا كله حصل متأخرًا.

стр. 190

وأما النظر فلأن الحاجة للبيان لا تكون إلا عند الحاجة للعمل، فعندها حينئذٍ يحتاج المكلف إلى البيان، أما قبله فإنه لا يحتاجه إلا للعلم والمعرفة فقط، فلا يستحيل عقلاً أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة لعدم الحاجة، وهذا من اتفاق العقل والنقل، وعلى هذا نقول باختصار: إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بالاتفاق، وأما تأخير البيان إلى وقت الحاجة فجائز على الصحيح. وفي ذلك قال الناظم في المنظومة السنية: ويحرم التأخير في البيان عن ... توقيته ليس إليه فافهمن وإتماماً للفائدة نذكر بعض الفروع على هذه القاعدة حتى تتضح أكثر فأقول: منها: أنه يستدل على طهارة ما صاده الكلب وأنه لا يجب غسله أعني غسل ما صاده سبعًا إحداها بتراب، يستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فأمر بالأكل مما صاده الكلب وأمر بذكر اسم الله عليه، ولم يأمر بغسل الصيد مما يدل على عدم وجوبه إذ لو كان واجبًا لذكره لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وكذلك في حديث عدي ابن حاتم أنه سأل النبي ﷺ عن صيد الكلب فقال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل) فرتب الأكل على أمرين على قصد الإرسال مع ذكر اسم الله عليه، ولم يذكر اشتراط غسل ما صاده مما يدل على عدم وجوبه إذ لو كان واجبًا لذكره؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ ولأن هذا حكم تعم به البلوى أعني الصيد بالكلاب ويحتاج إلى بيان فلما لم يبين ذلك دل على عدم وجوبه إذ لا يمكن إهماله مع شدة الحاجة إليه وهذا هو الراجح؛ ولأنه فعل يتكرر فيشق فأوجب التخفيف؛ لأن المشقة تجلب التيسير.

стр. 191

ومنها: استدل بعض العلماء على وجوب الزكاة في الحلي المستعمل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة المرأة التي أتت بابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب فقال: (أتؤدين زكاة هذا) ؟ قالت: لا. قال: (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار) فأخذتهما فألقتهما، فقالت: هما لله ورسوله. وأجاب المانعون عن الاستدلال بذلك بأن الزكاة المدنية شرعت ذات أنصبة محددة لا يجب على المرء ما زاد عنها، ونصاب الذهب والفضة ربع العشر، فلو كان المراد بقوله: (أتؤدين زكاة هذا) الزكاة المدنية لنبه هذه المرأة على أن الواجب فيها إنما هو ربع العشر وليس كلها؛ لأنها تجهل الحكم أصلاً وتحتاج إلى بيان (١) ، فلما لم يبين ذلك دل على أن المراد هو الزكاة٠ المكية التي تجب في القليل والكثير حتى في الماعون، ذلك لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإن قيل: هي تصدقت به كله فأدت الواجب وزيادة. فنقول: حتى وإن سلمنا هذا فإن المأخذ هو أنها تجهل وجوب الزكاة في الحلي ولا تعرف أنصبائها من باب أولى، فتحتاج إلى بيان، فلما لم يكن ذلك دل على أن الزكاة المرادة هي الزكاة المكية وهي كمرحلة أولى للزكاة المدنية، فإن الزكاة المكية شرعت بلا أنصباء بخلاف الزكاة المدنية، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

стр. 192

ومنها: ذهب بعض أهل العلم إلى أن مس المرأة ناقض للوضوء مستدلين بقوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ وهي قراءة سبعية، وذهب البعض إلى أن مس المرأة لا ينقض الوضوء لحديث عائشة: (أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) رواه أحمد وضعفه البخاري وغيره من الأحاديث، ولأن مس الرجل لزوجته ومسها له أمر مشهور تعم به البلوى، فلو كان ناقضًا للوضوء لبينه النبي ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وأما الآية فالمراد باللمس الجماع للقراءة الأخرى: ﴿أو لامستم النساء﴾ والملامسة هي الجماع، وهذا هو الراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه مذي أو مني، فلما حلَّ وقت الحاجة ولم يبين ذلك الحكم دل على عدم اعتباره ناقضًا للوضوء، والله أعلم. ومنها: ذهب بعض العلماء أن أهل مكة يجمعون ويقصرون مع إمام الحج في المشاعر فيصلون الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في عرفة، والمغرب والعشاء جمعًا وقصرًا في مزدلفة، ويصلون أيام منى قصرًا فقط،وهو اختيار أبي العباس – رحمه الله تعالى –، وذلك لأنه ﷺ لما حج حجة الوداع حج معه أهل مكة، وكانوا يصلون وراءه، ولم يكن ﵊ يأمرهم بالإتمام ولم يبين لهم وجوبه عليهم مما يدل على جوازه لأهل مكة في هذه الأماكن في أيام الحج، إذ لو كان القصر لا يجوز لهم لبين ذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

стр. 193

وأما في غزوة الفتح فإنه كان يصلي بأهل مكة في مكة ويقول: (يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر) فلما كان القصر لا يجوز لهم بين ذلك، ولما كان جائزًا ترك البيان، فترك الأمر بالإتمام في الحج دليل على جواز القصر في الحج لأهل مكة، والله أعلم. ومنها: أن بعض أهل العلم حرم أكل الضب؛ لأن النبي ﷺ لم يأكله، وهذا ليس بصحيح، بل الصواب جوازه؛ لأنه أكل على مائدته ﷺ ولم ينكر، بل ثبت عنه أنه قال: (إني لا آكله ولا أحرمه) وإنما تركه النبي ﷺ ؛ لأنه لا يؤكل بأرض قومه كما هو مصرح به في بعض الروايات، فلما أكل على مائدته وهو ينظر ولم ينكر دل ذلك على جوازه إذ لو كان حرامًا لبين ذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ومنها: ادعى بعض أهل العلم - رحمهم الله تعالى - وجوب الزكاة في الخضراوات لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة فيما خرج من الأرض، وقال بعض أهل العلم: ليس في الخضراوات زكاة ويروون في ذلك حديثًا فيه مقال عريض، وقالوا لو كانت الزكاة في الخضراوات واجبة لبين ذلك بيانًا شافيًا كافيًا، فلما لم يبين دل ذلك على عدم وجوبها فيها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهو الراجح أن الخضراوات ليس فيها زكاة. وجماع ذلك أن كل من ادعى وجوب شيءٍ أو اشترط شيء أو تحريم شيء وليس عليه دليل فإنه يقال له: هذا لم يبينه النبي ﷺ فلا يجب أو فلا يشترط أو فلا يحرم إذ لو كان ذلك كذلك لبينه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وعلى هذه الفروع فقس. القاعدة الثانية والأربعون ٤٢ - مباشرة الحرام للتخلص منه جائزة اعلم أن القاعدة المتقررة عند العلماء أن الحرام لا تجوز مباشرته، أيًّا كان مأكولاً أو مشروبًا أو ملبوسًا أو مركوبًا أو مالاً أو نجاسةً ونحوها كل ذلك لا يجوز مباشرته.

стр. 194

ثم اعلم أن الحرام نوعان: إما محرم لحق الله تعالى، وإما محرم لحق المخلوقين، وكلاهما لا تجوز مباشرتهما بأي أنواع المباشرة، لكن استثنى العلماء من ذلك مباشرة واحدةً فقط، وهي المباشرة من أجل التخلص من الحرام توبةً لله تعالى، فيجوز للإنسان أن يباشر الحرام بهذه النية فقط دون غيرها، وقلنا: (توبةً لله تعالى) حتى يخرج من باشره بقصد التخلص منه حتى لا يكشف أو ليخفي معالمه، فهذا لا يجوز، لكن إذا باشره ليتخلص منه لأنه تاب منه أو لإزالته عنه فهذا جائز، وعلى ذلك الفروع الآتية: فمنها: أن من اغتصب دارًا فإنه لا يجوز له المكث فيها لا ببقاءٍ ولا بتنقلٍ فيها لكن إذا تاب من غصبه ومشى للخروج منها فمشيه هذا مباشرة للحرام لكن هذه المباشرة ليتخلص منه فهي جائزة. ومنها: من طلع عليه الفجر في رمضان وهو يجامع زوجته، فنزعه فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟ فيه خلاف فالمشهور من المذهب أن النزع جماع، أي يأخذ حكم الجماع؛ لأنه يحصل منه من اللذة والحرارة ما يحصل في الإيلاج، فإذا كان مثله في اللذة فليكن مثله في الحكم، وقال بعضهم: إن النزع ليس بجماع؛ لأنه لما نزع ذكره من فرجها إنما نزعه ليتخلص من الحرام؛ لأن الجماع في نهار رمضان محرم، ولا طريق له للتخلص منه إلا بالنزع فأجزنا له مباشرة الحرام بهذه النية؛ لأن مباشرة الحرام للتخلص منه جائز. ومنها: أن مباشرة النجاسة محرمة، لكن يجوز الاستنجاء بالماء أو الحجر أي إزالة الخارج بأحدهما ولا يكون ذلك حرامًا؛ لأنه من باب التخلص منها، إذ لا طريق للتخلص من النجاسة الخارجة من أحد السبيلين إلا بمباشرتها بالإزالة.

стр. 195

ومنها: لا يجوز للإنسان مباشرة الأموال التي اكتسبها من الربا، فلا يجوز له مباشرتها بالنفقة على نفسه ولا على ولده أو خادمه ولا يتصدق بها، ذلك لأنها أموال خبيثة لكن إذا تاب من الربا وأراد التخلص من هذا المال فله أن ينفقه في المرافق العامة كبناء المدارس وإصلاح الطرق ونحوه ولا يكون إنفاقه في هذه الحالة حرامًا؛ لأنه أنفقه للتخلص منه ومباشرة الحرام للتخلص منه جائزة. ومنها: مباشرة المال المسروق بقصد التخلص منه برده إلى صاحبه جائزة؛ لأنها من هذا الباب، والله أعلم. القاعدة الثالثة والأربعون، والرابعة والأربعون ٤٣، ٤٤ - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما وهما قاعدتان من أعظم القواعد وأهمها وليس تأخيري لها مقصودًا، بل لأنني لا أراعي الترتيب بين القواعد وإنما أكتب ما يسنح بالبال منها على غايةٍ من الإعجال في وقتٍ قلَّ فيه المعين - فالله المستعان -، والمراد أن هاتين القاعدتين من أهم القواعد الأصولية الفقهية وعلينا أن نطنب في شرحها والتدليل لها مع التفريع.

стр. 196

فأقول: إن هذه الشريعة خير كلها ومصالح كلها وعدل كلها، فلم تدع خيرًا إلا دلت عليه ولا شرًا إلا حذرت منه وقد جاءت بأصلين عظيمين هما: تقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما ترك النبي ﷺ خيرًا إلا دلنا عليه ولا شرًا إلا حذرنا منه، فلا تجد فعلاً أو قولاً فيه مصلحة إلا والشريعة قد أمرت به أمر إيجاب أو استحباب، ولا فعلاً أو قولاً فيه مفسدة إلا والشريعة قد نهت عنه إما نهي تحريم أو كراهة فالواجب إذًا هو فعل المصالح كلها، واجتناب المفاسد كلها، بحيث لا يقر الإنسان على ترك مصلحة ولا فعل مفسدة، لكن هذا عند عدم تعارض المصالح والمفاسد، لكن لو قدرنا تعارض مصلحتين بحيث يؤدي فعلنا لأحدهما تفويت الأخرى، أو تعارض مفسدتين بحيث يؤدي ترك أحدهما إلى فعل الأخرى، ففي هذه الحالة تكون ملزمين بترك إحدى المصلحتين وبالوقوع في إحدى المفسدتين، فأي المصالح يقدم وأي المفاسد يجتنب هذا هو ما تجيب عليه هاتان القاعدتان، فالأولى: في تعارض المفاسد. والثانية: في تعارض المصالح. فأما الأولى: فتقضي قضاءً جازمًا بأنه عند تعارض المفاسد فإنه ينظر فيهما هل هما متساويتان في المفسدة؟ أو أن إحداهما أشد مفسدة من الأخرى؟ فإن كانت هذه المفاسد متساوية فإن الإنسان يخير بترك أحدهما، إذ لا مرجح لإحداهما على الأخرى، أما إذا كانت إحداهما أشد مفسدة من الأخرى فإن الواجب هو اجتناب المفسدة الأشد بارتكاب المفسدة الأخف، وكذلك إذا تعارضت مصلحتان فإن الواجب حينئذٍ هو النظر بينهما هل هما متساويتان في المصلحة أو أن إحداهما أعظم مصلحة من الأخرى، فإن كانتا متساويتين في المصلحة فإن الإنسان يخير بفعل إحداهما إذ لا مرجح لإحداهما على الأخرى، هذا على تقدير استواء المصالح والمفاسد وإلا فالمراد إنما هو التقسيم وحصر الأصناف فقط.

стр. 197

أما إذا كانت إحداهما أعظم مصلحة من الأخرى فإن المشروع حينئذٍ هو فعل ما كانت مصلحته أكبر بتفويت ما كانت مصلحته أقل. وقد دل على هاتين القاعدتين أدلة كثيرة من النقل والعقل، فأما من النقل: فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فهنا عندنا مفسدتان ومصلحتان، فالمفسدة الأولى: هي ترك سب آلهة المشركين المجرد. والثانية: سب الله تعالى. والمصلحة الأولى: هي سب آلهة المشركين المجرد. والثانية: تركهم سب الله تعالى، والمفاسد والمصالح هنا متعارضة، فغلب الله تعالى ترك أعلى المفسدتين الذي هو سب الله تعالى بفعل الصغرى وهو ترك سب آلهة المشركين، ذلك لأن ترك سب آلهتهم وإن كان فيه مفسدة لكن أقدمنا عليه؛ لأن في فعله اقتحام مفسدة أكبر وهو سب الله تعالى، فتعارضت المفسدتان فراعينا الكبرى بفعل الصغرى؛ لأن الشريعة جاءت بتقليل المفاسد وغلب الشارع كذلك فعل أكبر المصلحتين على فعل أدناهما فقال: إن سبكم لآلهتهم مصلحة، وتركهم لسب إلهكم أيضًا مصلحة، ولكن المصلحة الثانية أعظم بكثير من المصلحة الأولى، فاتركوا المصلحة الصغرى التي هي سبكم لآلهتهم ليتحقق لكم المصلحة الكبرى وهو تركهم لسب إلهكم؛ لأنه إذا تعارضت مصلحتان روعي أكبرهما بتفويت أدناهما، وهذا من أقوى الأدلة على هذا الأصل.

стр. 198

ومن الأدلة أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فهنا عندنا مفسدتان ومصلحتان تعارضتا: فالمفسدة الأولى: هي نكاح الأمة، ووجه المفسدة فيها هو رق الولد واشتغالها بخدمة سيدها، فلا يحصل لزوجها من السكن إليها والإيواء ودوام المعاشرة ما تَقَرُّ به عينه، وتسكن به نفسه. والثانية: هي أنه لو لم ينكحها لخيف عليه من الوقوع في المحظور وهو الزنا أو اللواط أو نكاح اليد، فهنا مفسدتان تعارضتا فقدمت الشريعة اجتناب أشدهما بفعل أخفهما فأباحت نكاح الأمة بشرطه المعروف مع أنه مفسدة دفعًا للمفسدة الكبرى وهو الوقوع في الحرام. وأما المصلحتان المتعارضتان: فالأولى: حفظ النفس من الوقوع فيما حرم الله من الزنا ونحوه. والثانية: ترك نكاح الأمة، والأولى أكبر مصلحة فنظرت إليها الشريعة وغضت الطرف عن الأخرى فأجازت نكاح الأمة مراعاةً للمصلحة الكبرى وهو حفظ النفس من الوقوع في المحظور. فهذه الآية وهذا الحكم من العلي الحكيم مبني على دفع أعظم المفسدتين بفعل أدناهما وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما.

стр. 199

ومنها: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فهنا فيه مفسدتان ومصلحتان تعارضتا: فالمفسدة الأولى: هي الأكل من الميتة. والثانية: مفسدة هلاك النفس وتلفها وقد تعارضتا هنا، فإن المضطر إذا لم يأكل من الميتة سيموت، ولاشك أن مفسدة تلف النفس أشد من مفسدة الأكل من الميتة فجوزت الشريعة ارتكاب أدنى المفسدتين الذي هو الأكل من الميتة دفعًا للمفسدة الكبرى الذي هو هلاك النفس. وأما المصلحتان المتعارضتان: فالأولى: مصلحة إحياء النفس وحمايتها من الهلاك. والثانية: مصلحة ترك الأكل من الميتة، ولاشك أن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها من الهلاك أكبر من مصلحة ترك الأكل، فجوزت الشريعة ترك المصلحة الصغرى لتتحقق المصلحة الكبرى، والله أعلم. ومنها: قوله ﷺ لعائشة ﵂: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفرٍ لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم وجعلت لها بابين باب يدخل الناس منه وباب يخرجون منه) ففي هذا الحديث مفسدتان ومصلحتان متعارضتان: فالمفسدة الأولى: ترك البيت على وضعه الراهن. والثانية: افتتان الناس بهدم البيت،فارتكبت أدناهما وهي تركه على وضعه الراهن. وأما المصلحتان: فالأولى: بناء البيت على قواعد إبراهيم. والثانية: مصلحة عدم افتتان الناس عن الإسلام وتأليفهم عليه إلى أن يقر الإيمان في قلوبهم، ولاشك أن المصلحة الثانية هي الكبرى، فلما تعارضتا روعي أكبرهما بتفويت أدناهما، فترك البيت كما هو مراعاةً لمصلحة تأليف الناس على الإسلام، والله أعلم.

стр. 200

ومن الأدلة أيضًا: أن النبي ﷺ كان يعلم المنافقين بأعيانهم وأخبر بهم حذيفة بن اليمان ﵁ ومع ذلك لم يتعرض لهم بقتل، وذلك كله خشية أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه فيكون هذا الكلام منفرًا للناس عن الدين، فهنا مفسدتان ومصلحتان: فالمفسدة الأولى: افتتان الناس عن الإسلام ونفورهم منه. والثانية: الإبقاء على المنافقين وترك قتلهم مع أنهم يستحقون القتل لكفرهم في الباطن، لكن المفسدة الأولى أشد وقعًا فروعيت بارتكاب المفسدة الصغرى، دفعًا لكبرى المفسدتين بارتكاب أدناهما. وأما المصلحتان: فالأولى: تأليف الناس على الإسلام وهي المصلحة الكبرى. والثانية: إراحة الإسلام والمسلمين من المنافقين ودفع شرهم وأذاهم بقتلهم وهي الصغرى فروعيت المصلحة الكبرى بتفويت المصلحة الصغرى، والله أعلم.

стр. 201

ومنها: في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي دخل المسجد وبال فيه، فقام الصحابة ليضربوه فنهاهم النبي ﷺ وتركه يكمل بوله، ففي الحديث مفسدتان ومصلحتان: فالمفسدة الأولى: مفسدة تلويث المسجد بهذا الأذى والقذر. والثانية: مفسدة تنفيره عن الإسلام وإيغار صدره على من اعتدى عليه وتلويث مواضع من المسجد، ولاشك أن المفسدة الثانية أشد من المفسدة الأولى فروعيت المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى، فقال: (دعوه) أي لا بأس أن يرتكب هذه المفسدة، ولا تضربوه حتى لا يقع في المفسدة الكبرى. وأما المصلحتان: فالأولى: مصلحة صيانة المساجد من البول والأذى، وهي الصغرى، ومصلحة تأليفه على الإسلام، بل ومصلحة المحافظة على نفسه من تأذيه باحتباس البول، بل ومصلحة عدم انتشار البول في أكثر من بقعة في المسجد بسبب هروبه منهم، فهذه المصالح روعيت جميعها بتفويت المصلحة الصغرى التي هي صيانة المسجد من الأذى والقذر في هذه البقعة فقط؛ لأنه إذا تعارضت مصلحتان روعي أكبرهما بتفويت أصغرهما. والله أعلم. ومنها: أن الأصل في الغيبة هي التحريم ولاشك، والأدلة على تحريمها من الكتاب والسنة معروفة مشهورة، لكن دل الدليل على جواز ذكرك أخاك بما يكره في أمور ستة معروفة. ومنها: أنه إن سألك أحد عن شخص ليعرف حاله لتزويجه فإنه يجب عليك أن تبين له جميع ما تعرف عنه من أمور الشر (١) استدلالاً بقوله ﷺ : (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه) وهذا من باب الغيبة لانطباق تعريف الغيبة عليها، لكن جاز ذلك مع أن فيه مفسدة درءاً للمفسدة الأشد وهي تورط الناس بمن لا يصلح لهم خلقًا ودينًا، فروعيت هذه المفسدة بارتكاب أدنى المفسدتين.

стр. 202

وعلى ذلك قس بقية ما قال فيه العلماء إنه من الغيبة الجائزة، والله أعلم. ومنها: أن النبي ﷺ نهى أصحابه عن كثرة سؤاله وكان يقول: (ذروني ما تركتكم) مع أن سؤاله عن بعض الأشياء فيه مصلحة لهم، لكن أيضًا مصلحة إبقاء الذمة بريئة من التكاليف أكبر، ذلك لأنهم لو أكثروا السؤال لشدد الله عليهم بكثرة التكاليف، فقال لهم: (ذروني ما تركتكم) ففوت المصلحة الصغرى التي هي زيادة علمهم لتتحقق المصلحة الكبرى وهي بقاء ذمتهم بريئة من التكاليف؛ لأنه إذا تعارض مصلحتان روعي أكبرهما بتفويت أصغرهما، والله أعلم. ومنها: النهي عن الصلاة بعد العصر والفجر فيه مفسدتان ومصلحتان، فالمفسدتان هما: الأولى: ترك الصلاة النافلة بلا سبب. والثانية: التشبه بالمشركين في سجودهم للشمس في هذه الأوقات فروعيت هذه المفسدة الكبرى أعني مفسدة التشبه بالمشركين بارتكاب المفسدة الصغرى التي هي ترك الصلاة. وأما المصلحتان: فالأولى: فعل الصلاة النافلة في هذه الأوقات. والثانية: مصلحة عدم التشبه بالمشركين، ولاشك أن المصلحة الثانية أكبر فروعيت بتفويت المصلحة الصغرى تحقيقًا لهذا الأصل العظيم. ومنها: النهي عن الصلاة حال حضور طعام تشتهيه أو وهو يدافع الأخبثين كما في حديث عائشة المشهور عند مسلم، فإن فيه مفسدتان: الأولى: مفسدة ذهاب الخشوع بسبب التفكير في الطعام ومدافعة الأخبثين. والثانية: مفسدة تأخير الصلاة عن أول الوقت أو تفويت الجماعة، لكن لاشك أن مفسدة ذهاب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها أشد وأكبر من مفسدة فوات الجماعة فروعيت المفسدة الكبرى بارتكاب أدناهما وكذلك فيه مصلحتان: الأولى: الصلاة بخشوع القلب بسبب عدم الشواغل. والثانية: الصلاة في أول الوقت أو مع الجماعة، ولكن روعيت المصلحة الأولى بتفويت المصلحة الثانية؛ لأن الأولى أكبر من الثانية، والله أعلم.

стр. 203

ومنها: أنه يجوز لمن خاف تلف نفسه أو تلف عضوٍ من أعضائه باستعمال الماء لبردٍ ونحوه، أن ينتقل من الماء إلى التيمم كما في حديث عمرو ابن العاص الصحيح وإقرار النبي ﷺ له على ذلك، فهنا فيه مصلحتان ومفسدتان، فالمصلحتان هما: الأولى: حفظ النفس. والثانية: الصلاة بالطهارة المائية، لكنهما متعارضتان فقدمت الشريعة مصلحة حفظ النفس والطرف على مصلحة الصلاة بالطهارة المائية؛ لأن حفظ النفس أهم وأكبر من مراعاة الصلاة بالوضوء؛ ولأن الماء له بدل وهو التراب لكن النفس لا بدل لها، فالمحافظة عليها أهم من المحافظة على الصلاة بالوضوء، وأما المفسدتان فهما: الأولى: تلف النفس أو الطرف. والثانية: الصلاة بالتيمم مع وجود الماء لكن الأولى أشد فروعيت بارتكاب الصغرى، هذا إذا سلمنا أن في الصلاة بالتيمم في هذه الحالة مفسدة، لكن المقصود مجرد التفريع، والله أعلم. ومنها: أن من طلع عليه الفجر في رمضان وهو يجامع أهله فإنه يجب عليه النزع، ذلك لأن إبقاء الذكر في الفرج بعد طلوع الفجر مفسدة عظيمة وعاقبة وخيمة، ومفسدة نزعه صغيرة ولا حرج عليه فيها؛ لأنه يريد بها التخلص، فتعارضت مفسدة الإبقاء ومفسدة النزع فروعيت مفسدة الإبقاء؛ لأنها الأشد بارتكاب مفسدة النزع؛ لأنها الصغرى. والأدلة الشرعية كثيرة جدًا، ونكتفي بهذا القدر. وأما الدليل النظري فلأننا قررنا سابقًا أن الشريعة جاءت بتقرير المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارض مفسدتان إحداهما أكبر من الأخرى فلنا معها حالتان: الأولى: أن نحاول القضاء عليهما جميعًا وهذا هو الواجب عند القدرة عليه؛ لأنه تعطيل للمفاسد، وإذا لم نستطع تعطيلها بالكلية فإننا نحاول تقليلها ولا يكون ذلك إلا بارتكاب المفسدة الصغرى، واجتناب المفسدة الكبرى، وهذا من تقليل المفاسد.

стр. 204

وأما المصالح المتعارضة فالمشروع أيضًا فعلها كلها عند الإمكان، وإذا لم نستطع الجمع بينها فالذي ينبغي هو فعل ما كانت مصلحته أكمل؛ لأن ذلك من باب تكميل المصالح. فدار الأمر في هذين الأصلين بين شيئين: الأول: تقليل المفاسد، والثاني: تكميل المصالح، والله أعلم. مسألة: ويدخل تحت هذه الأصول قواعد كثيرة: منها: الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف. ومنها: الضرر يدفع بقدر الإمكان. ومنها: الضرر العام يدفع بالضرر الخاص. ومنها: الضرر لا يزال بالضرر، وغيرها. ويبحثها العلماء تحت القاعدة الكبرى: (الضرر يزال) . مسألة: جواز رمي الكفار الذين تترسوا بأسرى مسلمين هو من هذا الباب، فإن فيه مفسدتان ومصلحتان. فالمفسدة الأولى: مفسدة القضاء على المسلمين واستباحة ديارهم وأموالهم ونسائهم. والثانية: مفسدة قتل المتترس بهم، ولاشك أن المفسدتين متعارضتان، فإننا إذا راعينا عدم قتل الأسرى المسلمين فإن الكفار سيصلون إلينا ويفعلون بنا الأفاعيل، وإذا رميناهم ودافعنا عن أنفسنا فسنقتل إخواننا المساكين، فهما مفسدتان لابد من إحداهما، لكن مفسدة وصول الكفار إلينا والاستيلاء علينا أشد من مفسدة قتل الأسرى المتترس بهم؛ لأن الأولى ضررها عام، والثانية ضررها خاص، والضرر العام يدفع بالضرر الخاص، فجاز رمي الكفار الذين تترسوا بالمسلمين مع أن فيه مفسدة دفعًا للمفسدة العامة التي هي قتل المسلمين والاستيلاء عليهم. وأما المصلحتان: فالأولى: مصلحة عدم قتل هؤلاء الأسرى المتترس بهم. والثانية: مصلحة أمن المسلمين والإبقاء عليهم في ديارهم، ولابد لفعل إحداهما من تفويت الأخرى فراعت الشريعة مصلحة حياة الأمة على مصلحة حياة البعض؛ لأنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعلاهما بتفويت أدناهما، والله أعلم.

стр. 205

وأحسب - إن شاء الله تعالى - أن هذين الأصلين قد اتضحا كل الوضوح - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلى وأعلم. القاعدة الخامسة والأربعون ٤٥ - كل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها اعلم - رحمك الله تعالى - أن هذه الشريعة كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولا يخرج عنها شيء من الأشياء يحتاجه الناس في عباداتهم أو معاملاتهم إلا وله فيها حكم شرعي، ويفرق بين كونه وسيلةً أو مقصدًا،فإن كان مقصدًا من المقاصد فحكمه واضح؛ لأن الشريعة حرصت على تبيين أحكام المقاصد، وإن كان وسيلة فإنه يكون تابعًا لحكم قصده، فإن كان يقصد به حرامًا فهو حرام، وإن كان يقصد به واجبًا لا يتم إلا به فهو واجب، وإن كان يقصد به سنة فهو سنة، أو مكروهًا فهو مكروه أو مباحًا فهو مباح، ولا يخرج شيء عن هذه الأحكام الخمسة، وهذا من كمال الشريعة، فإنها إذا حرمت شيئًا حرمت جميع الوسائل المفضية إليه وإذا أوجبت شيئًا أوجبت جميع الوسائل التي لا يتم إلا بها وهكذا، ذلك لأن من تمام تحريم الشيء تحريم وسائله وسد جميع ذرائعه، ومن تمام إيجاب الشيء إيجاب جميع الأشياء التي يتوقف حصوله عليها، فيدخل تحت هذا الأصل الكبير قواعد كثيرة نأتي عليها قاعدة قاعدة بفروعها - إن شاء الله تعالى - فأقول: القاعدة الأولى: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) : أي أن جميع الأشياء التي يتوقف عليه تحقق الواجب وصحته فهي واجبة إن كانت داخلة قدرة الإنسان وكان مأمورًا بتحصيلها، وأزيد الأمر وضوحًا فأقول: إن ما لا يتم الواجب إلا به قسمان: الأول: أن لا يكون داخلاً تحت قدرة المكلف أصلاً كزوال الشمس لوجوب الظهر، وغروبها لوجوب المغرب، وحلول شهر رمضان لوجوب الصوم وهكذا فهذا لا يدخل تحت قاعدتنا.

стр. 206

الثاني: أن يكون داخلاً تحت قدرة المكلف واستطاعته فهذا لا يخلو إما أن لا يكون مطالبًا بتحصيله أو يكون مطالبًا بذلك، فإن لم يكن مطالبًا بتحصيله فهذا لا يدخل تحت قاعدتنا (١) وذلك كتحصيل النصاب لوجوب الزكاة، والإقامة لوجوب الصوم ونحو ذلك، وإن كان داخلاً تحت قدرة المكلف ومأمورًا بتحصيله فهذا هو المراد بهذه القاعدة، وخلاصة الكلام أن يقال: يشترط لتحقق هذه القاعدة شرطان: أن يكون الفعل داخلاً تحت قدرة المكلف، وأن يكون المكلف قد أمر بتحصيله، أي أن الفعل الذي لا يتم الواجب إلا به لا تعلق له بالوجوب أصلاً، بل له تعلق بالصحة مثلاً أو بإقامته ونحو ذلك وبالمثال يتضح المقال: فمن الأمثلة: الطهارة للصلاة، فإنه لا تتم الصلاة إلا بالطهارة الكاملة فتكون الطهارة مأمورًا بها لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن لو لم يتطهر العبد فإن عدم تطهره لا يؤثر في إسقاط الصلاة، فالصلاة واجبة سواءً تطهر أم لم يتطهر لكن لا تصح الصلاة إلا بالطهارة الكاملة. ومنها: المشي لصلاة الجماعة، فإن الصلاة مع الجماعة واجبة، للأدلة من الكتاب والسنة وهو القول الراجح، لكن لا تتم الصلاة الجماعة إلا بالمشي إلى المساجد لتقام الجماعة فيها فصلاة الجماعة واجب يتوقف حصوله على المشي لها فصار المشي واجبًا؛ لأنه لا يقوم هذا الواجب إلا به، والمشي للصلاة وسيلة لإقامة الجماعة فكان واجبًا؛ لأنه يقصد به تحقيق الواجب فالوسائل لها أحكام المقاصد. ومنها: الأكل من الميتة للمضطر لإحياء نفسه واجب يأثم بتركه، مع أن الأكل في أصله مباح لكنه لما كان في هذه الحالة وسيلة لواجب الذي هو إحياء النفس صار واجبًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 207

ومنها: طلب الماء قبل التيمم فإن الفقهاء – رحمهم الله تعالى – نصوا على وجوب الطلب فقالوا: (من دخل عليه وقت الصلاة وهو عادم للماء فعليه أن يتحراه في مضانه فيفتش عنه في رحله ويستبرئ الأمكنة القريبة المجاورة له وإن وجده يباع بثمن مثله أو بزيادة يسيرة عن ثمن المثل بماله وجب عليه شراؤه ذلك لأن هذا البحث والطلب يتحقق به إقامة الواجب الذي هو الطهارة للصلاة بالماء، فصار هذا الطلب واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب) . ومنها: إقامة الحدود بأنواعها فإنها وسيلة لحفظ الضرورات الخمس فلا يتحقق حفظ النفس إلا بالقصاص فصار واجبًا لأنه وسيلة لواجب، ولا يتحقق حفظ الأعراض إلا بإقامة حد القذف وحد الزنا فصار واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب، ولا يتحقق حفظ الأمن واستقرار الناس إلا بإقامة حد قطاع الطريق والبغاة، ولا يتحقق حفظ العقول إلا بإقامة حد الخمر، ولا حفظ الأموال إلا بإقامة حد السرقة وهكذا فصارت إقامة هذه الحدود من باب الواجبات؛ لأنها وسائل إلى الواجب والوسائل لها أحكام المقاصد. ومنها: النكاح يكون واجبًا إذا قدر الإنسان عليه ماليًا وخاف على نفسه العنت كما قاله الفقهاء، ذلك لأن المحافظة على النفس من الوقوع في المحظور واجب ولا يتحقق هذا الواجب إلا بالزواج فكان واجبًا لأنه وسيلة إلى واجب. والفروع كثيرة ويكفي اللبيب الإشارة، والله أعلم. القاعدة الثانية: (ما لا يتم الحرام إلا به فهو حرام وتركه واجب) : ومعناها: أن جميع الوسائل المفضية إلى الحرام حرام لأن بها يتحقق الحرام ولا يمكن أبدًا أن تحرم الشريعة شيئًا وتفتح الأبواب التي تفضي إليه؛ لأن هذا ينافي الحكمة، والشارع حكيم عليم، فكان من مقتضى الحكمة أنه إذا حرم شيئًا حماه بسياجٍ منيع وذلك بسد جميع الأبواب المفضية إليه، فوسائل الحرام حرام وإذا كانت حرامًا فتركها حينئذٍ واجب. وإليك بعض الفروع لتتضح أكثر:

стр. 208

فمنها: شراء السلاح الأصل فيه الحل والإباحة لكن يحرم بيعه في الفتنة؛ لأنه حينئذٍ سيكون ذريعة لقتل المسلمين بعضهم بعضًا، فلما كان بيع السلاح في هذه الحالة مفضيًا إلى حرام وهو إزهاق النفس بغير حق، صار بيعه حرامًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وقس على ذلك جميع المباحات إذا جعلت وسائل يتوصل بها إلى الحرام، فإنها تكون حرامًا كشراء السكين لقتل مسلم، وشراء الكوب ليشرب فيه خمرًا، والسفر لبلد لمواقعة الفواحش، والمشي إلى مواضع المنكرات وغيرها، كل ذلك يكون حرامًا؛ لأنه صار وسيلة للحرام. ومنها: تحريم البيع بعد نداء الجمعة الثاني كما في الآية فإنه حرام تحريم وسائل لا تحريم مقاصد، ذلك لأنه ذريعة إلى التشاغل عن حضور الذكر من الخطبة والصلاة وهذا حرام لا يجوز فكل شيءٍ يشغل عن استماع الذكر وعن الصلاة فإنه يكون حرامًا، ومن ذلك البيع بعد نداء الجمعة الثاني،ويدخل في ذلك السهر إن كان سببًا لتضييع صلاة الفجر فهو حرام؛ لأنه وسيلة إلى حرام حتى ولو كان السهر في طاعة. ومنها: النظر إلى النساء حرام بالدليل الصحيح؛ لأنه مفضٍ إلى الحرام وهو الافتتان بالنساء ومن ثَمَّ الوقوع في المحظور، فصار حرامًا؛ لأنه وسيلة للحرام ووسائل الحرام حرام، وكذلك الخلوة بالأجنبية وسفر المرأة بلا محرم واختلاط الرجال بالنساء هو من هذا الباب، وجماع ذلك أن كل وسيلة تفضي إلى الزنا والافتتان بالنساء فهي حرام، وما أكثر الوسائل المفضية إلى ذلك في زماننا هذا - والله المستعان -. وخلاصة الأمر أن محرمات الشريعة قسمان: منها ما حرم تحريم وسائل ومنها ما حرم تحريم مقاصد، والله أعلم. القاعدة الثالثة: (ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب) . القاعدة الرابعة: (ما لا يتم المكروه إلا به فهو مكروه) : والكلام عليهما يطول فتطلب الفروع من كتب الفقه طلبًا للاختصار.

стр. 209

القاعدة الخامسة: (الغاية لا تبرر الوسيلة إلا بدليل) : أي أن سلامة المقصد لا يعطي الوسيلة المحرمة شرعية وجوازًا، إلا إذا دل الدليل على ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يحتج بشرعية الوسيلة المحرمة بمجرد سلامة مقصدها، وذلك كرجل ينظر للنساء الأجانب ويقول: أنا أنظر لهن حتى أتفكر في خلق الله كما أمرني ربي بذلك، فنقول: نعم غايتك سليمة فإن التفكر في مخلوقات الله لتدلك على الله تعالى من المقاصد السليمة المشروعة لكن أنت اتخذت لذلك وسيلة محرمة، ومجرد سلامة مقصدك لا يعطي هذه الوسيلة حكمًا جديدًا بإباحتها؛ لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، فإذًا لابد من النظر حينئذٍ في سلامة المقاصد وشرعية الوسائل، لكن إذا دل الدليل الشرعي الصحيح على إباحة الحرام من أجل سلامة الغاية فهذا يكون مخصوصًا لوحده فقط من حكم هذه القاعدة كالكذب لإصلاح ذات البين والكذب لإنقاذ النفس المعصومة من الهلكة، وكذب الرجل على أهله والكذب في الحرب، كما في الأدلة فهنا جاز الكذب مع أنه حرام لتحقيق هذه المقاصد، فالمقاصد هنا بررت الوسائل وهذا على خلاف الأصل، ولكن بعض أهل العلم حمل لفظ الكذب هنا على التعريض لا حقيقة الكذب، والتعريض يجوز مع الحاجة إليه، فعلى هذا فهذه الفروع لا إشكال فيها، والمقصود أن هذه القواعد تدخل تحت قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد، والله تعالى أعلم. القاعدة السادسة والأربعون، والسابعة والأربعون ٤٦، ٤٧ - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحة (١) وهذان أصلان عظيمان كل العظمة، مهمان كل الأهمية.

стр. 210

فأما الأصل الأول: فهو خاص بباب العبادات، وذلك لأنه من المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن العقول لا تستقل بإدراك المشروع على وجه التفصيل ولذلك احتاجت البشرية إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب، حتى يعرفوا الناس بشرائعهم العقدية والعملية على وجه التفصيل فبعث الله الرسل وأنزل الكتب، فأولهم نوح – ﵊ – وآخرهم محمد ﷺ الذي ختم الله به الرسالة وأكمل به النعمة وأبان به المحجة الواضحة، ولولا الله ثم الرسل لما عرفت البشرية ما يجوز التعبد به لله وما لا يجوز على التفصيل أبدًا، ولتخبطت في ظلمات الجهل والضلالة ولذلك امتن الله على البشرية بأنه بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، إذا علم هذا فليعلم أن الشريعة لا تتلقى إلا من قبل هذا الرسول، فلا يجوز التعبد لله إلا بما جاء به الرسول ﷺ فلا يجوز لأحدٍ أن يخترع من عند نفسه قولاً أو فعلاً ويقول هذا عبادة، فالعبادة معناها على الدليل الشرعي ولا تدخل للعقل في تأسيسها أبدًا فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، فمن ادعى أن في فعل أو قولٍ أنه عبادة طالبناه بالدليل المثبت لها، فلا تتلقى العبادات إلا من قبل الشارع فقط، وبذلك تعلم حقيقة العبادة وحقيقة البدعة، فالبدعة هي اختراع شيء يعتقد أنه يقرب إلى الله تعالى ولا دليل عليه (١) ، وبه تعلم أن باب العبادات باب ضيق موقوف على ثبوت الدليل فقط لا على الأهواء والعقول، ولا على الأذواق ولا على التقليد المقيت، أو الاستحسان القبيح، ولا على التحسين والتقبيح وإنما مبناها على الدليل الشرعي الصحيح، وأهل السنة بتقرير ذلك فإنهم يقفلون باب البدعة ويسدونه سدًا محكماً، فما ظهرت البدع إلا بالغفلة عن هذا الأصل العظيم، ولابد أن

стр. 211

أنبه على أمرٍ مهم جدًا وهو أن بعض البدع التي يفعلها المبتدعة قد تكون أصولها ثابتة بالكتاب والسنة ولكن اخترع المبتدعة فيها قيدًا أو شرطًا أو صفة جديدة لم يدل عليها الدليل فإذا أنكرت عليهم ذلك احتجوا عليك بالأدلة التي تثبت أصل العبادة كالأذكار الجماعية مثلاً فإنك إذا قلت لهم: هذه بدعة. قالوا لك: أو لا تقرأ قول الله: ﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ وقوله: ﴿اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ ونحوها من الآيات الدالة على شرعية أصل الذكر، فإذا قالوا لك ذلك فقل لهم: إن العبادة قد تكون مشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها، أي إن هذا الوصف الجديد يحتاج إلى دليل جديد ولا يكتفى فيه بمجرد الأدلة المثبتة لأصله، فالأدلة التي تثبت أصل العبادة شيء، وفعلها على وصفٍ معين شيء آخر، فلابد من دليل زائد يثبت هذا الوصف بعينه؛ لأن أصل العبادة توقيفي وكذلك كيفيتها وشروطها توقيفية كما تقدم لنا في بعض القواعد وذلك مثل قولنا إن دليل التحريم لا يستفاد منه النجاسة؛ لأن التحريم شيء والنجاسة شيء آخر، بل لابد من دليل آخر يدل على النجاسة ولا يكتفى بمجرد دليل التحريم فكذلك هنا فقولنا: الذكر الجماعي بدعة لا نعني به من حيث كونه ذكرًا إذا كانت ألفاظه لا محذور فيها وإنما نعني أن فعله بهذه الصفة هو البدعة وقس على ذلك، فعليك التفريق بين أدلة مشروعية الشيء وأدلة إيقاعها على صفةٍ معينة، فهذا من ناحية الأصل الأول.

стр. 212

وأما الأصل الثاني: فهو في العادات فالباب فيها مفتوح - ولله الحمد - وهو خاضع لأعراف الناس، فكل عادة انتشرت بين الناس وتعارفوا عليها من فعلٍ أو قولٍ أو أكل أو شرب أو غيرها من الملبوسات والمفروشات ونحوها، فالأصل فيها الحل والإباحة لكن هذه الإباحة مقيدة بما إذا لم تخالف هذه العادة دليلاً شرعيًا فإن خالفت الدليل فهي عادة محرمة يجب إنكارها، أما إذا لم تخالف دليلاً فالأصل التوسعة على الناس، فلا يجوز لأحدٍ كائنٍ من كان أن يضيق على الناس فيما اعتادوه وتعارفوا عليه إلا بدليل، وأنت ترى اختلاف الناس من قطرٍ إلى قطرٍ، بل إن من قواعد الشريعة أن العادة محكمة، أي تؤخذ الأحكام الشرعية بناءً على العادات المتقررة عندهم، كما مضى في بعض القواعد طرف من ذلك فلا يجوز لأحدٍ أن ينكر على أحدٍ ما اعتاده إلا إذا خالف الدليل الشرعي، فهذان الأصلان العظيمان يدخلان في جميع جوانب حياة الإنسان؛ لأنه متقلب في عادة أو في عبادة، فالعبادات بابها توقيفي إلا بدليل والعادات بابها مفتوح إلا بدليل ولله الحمد والمنة، وإليك بعض الفروع على هذين الأصلين ليتضح لك مدى تأثيرهما في المسائل الفقهية: فمنها: الأذكار الجماعية بمختلف أنواعها كلها من البدع باعتبار صفاتها، بل وأحيانًا باعتبار ألفاظها أيضًا؛ لأنهم يعتقدون أنها عبادة لكن ليس عليها دليل، والأصل في العبادات التوقيف إلا بدليل. ومنها: الطواف حول القبور، بل وجميع ما يفعله عباد القبور عندها من إسراجها، والبناء عليها، والنذر لها، والسجود عليها، والأخذ من ترابها والتبرك بها، والذبح عندها وغير ذلك، كل ذلك من البدع المفضية إلى تعظيمها ثم إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله، وفاعلوها يعتقدون أنها عبادات ولم يأتوا عليها بدليل شرعي، فهي إذًا بدع وبعضها شرك أكبر؛ لأن العبادات توقيفية على الدليل الصحيح.

стр. 213

ومنها: أن بعض الناس إذا فرغ من الصلاة المكتوبة، فإنه يسجد سجدة واحدة ثم يرفع رأسه، وهذه السجدة بدعة؛ لأنه يعتقد أنها عبادة، والعبادات توقيفية على الدليل، ولم يأت الدليل الصحيح بشرعية هذه السجدة. وبعضهم يقول عند قول الإمام: (إياك نعبد وإياك نستعين) استعنا بالله، وهذا القول قول لا غبار عليه من ناحية لفظه، فإن المسلم مأمور بالاستعانة بالله وحده، لكن تخصيص قوله في هذا الوقت خاصة هو البدعة لعدم الدليل، وهذا من جملة العبادات المشروعة بأصلها الممنوعة بوصفها. ومنها: التعبد لله بالتسبيح بالسبحة، لا دليل عليه فهو من جملة البدع؛ ولأن في التسبيح بها مشابهة للمبتدعة من الصوفية وغيرهم. ومنها: جملة الصلوات المخترعة، كالألفية، والرغائب، وصلاة التسابيح، وغيرها كثيرة جدًا كلها من جملة البدع لعدم ثبوت الدليل الشرعي الصحيح بمشروعيتها، والعبادات مبناها على التوقيف. والجامع في ذلك أن تخصيص زمانٍ من الأزمنة، أو مكان من الأمكنة بفعلٍ أو قولٍ يفعل فيه دون غيره فإنه يحتاج إلى دليل شرعي صحيح، وإلا فهو بدعة؛ لأن الأصل في العبادة الحظر والتوقيف. ومنها: إن من العادات عندنا أن لبس الغترة والثوب من التجمل والتزين، وكشف الرأس عند غيرنا من التجمل أيضًا، وكل ذلك سائغ لا ينكر؛ لأنه من باب العادات ولم تخالف دليلاً شرعيًا. ومنها: أن من العادة عندنا في ليلة الزواج أو قبله إنارة البيت بالمصابيح الكثيرة إعلانًا وإظهارًا للفرح والسرور، وهذا لا بأس به بل هو من إعلان النكاح المأمور به شرعاً إذا لم يكن فيه إسراف ولا يطلب الدليل على جوازه؛ لأنه من جملة العادات (١) . ومنها: لبس العقال عندنا من جملة العادات التي لم تخالف الدليل الشرعي، فالأصل فيه الحل والإباحة، والتضييق على الناس في مثل هذا مجانب للصواب.

стр. 214

والفروع كثيرة جدًا، وإنما الواجب عليك أن تفرق بين باب العبادات وبين باب العادات، فتمنع كل ما لم يأت الدليل بجواز التعبد به، وتبيح كل عادةٍ لم تخالف دليلاً صحيحًا. فإن قلت: وهل تعرف عادةً عندنا تخالف الدليل حتى نحذر منها؟ فالجواب: نعرف الكثير من ذلك، ولو ذهبنا نعددها لطال بنا المقام، لكن لا بأس بذكر بعضها من باب الإشارة: فمما انتشر عندنا عادة الاجتماع في العزاء في بيت الميت أو أحد أقاربه، وتخصيص وقت للعزاء، وصنع أهل الميت الطعام للضيوف، وعادة التحاكم إلى السلوم والأعراف القبلية والترافع إلى ما يسمون بالعارفين ويتركون المحاكم الشرعية، وعادة مصافحة الأقارب لقريباتهم من النساء كابنة العم وابنة الخال، أو زوجة الأخ والخلوة بها، وعادة الحجر على القريبة ومنعها من الزواج إلا به، ولو خالفت أو خالف وليها وزوجها بغيره حصلت الكوارث وسفك الدماء، وعادة لبس البراقع التي يحصل بها من الفتنة أعظم من كشف الوجه وغيرها كثير جدًا، وبفهمك لهذين الأصلين فإنه يسهل عليك التمييز بين العبادة والبدعة، وبين العادة الجائزة والعادة الممنوعة. والله الموفق والهادي.

стр. 215

القاعدة الثامنة والأربعون ٤٨ - القصود في العقود معتبرة وتسمى قاعدة العقود، ومعناها: أنه إذا أبرم شخصان عقدًا فإنه لا ينظر إلى الألفاظ التي يستعملها المتعاقدان، وإنما ينظر إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام التي يلفظ به حين العقد؛ لأن المقصود بالعقود هو معناها، وليس اللفظ ولا الصيغة المستعملة، فالألفاظ إذا كانت تنص على شيء والمقاصد والبواعث والنيات والحقائق على شيء آخر فنطرح اللفظ ونعمل بالمقصد، ومن تدبر مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم معانيها، بل جرت على غير قصدٍ منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم. ولم يكفر من قال من شدة فرحه براحلته بعد إياسه منها: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) فكيف يعتبر الألفاظ التي يقطع بأن مراد قائلها خلافها، ولهذا رد شهادة المنافقين ووصفهم بالخداع والكذب والاستهزاء وذمهم على أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وأن بواطنهم تخالف ظواهرهم، وذم تعالى من يقول ما لا يفعل، وأخبر أن ذلك عنده من أكبر المقت، ولعن اليهود إذ توسلوا بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه، وقد لعن رسول الله ﷺ في الخمر عاصرها ومعتصرها، ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبًا، ولكن لما كانت نيته إنما هي تحصيل الخمر لم ينفعه ظاهر عصره، وعومل بنيته الفاسدة، فمن تدبر ذلك علم علمًا يقينيًا أن الشريعة ما أهملت النظر في مقاصد الأقوال والأفعال،وأن من اقتصر على النظر إلى ظواهر الألفاظ فقط فإنه قد يحلل الحرام ويحرم الحلال وينصر الظالم ويعينه على ظلمه، ويصحح الفاسد إذًا فالمقاصد لها شأن كبير في الشريعة، وهي الأصل وإنما جعل اللفظ معبرًا عنها، فإذا اختلف معها قدمناها عليه. وأدلة هذه القاعدة لا حصر لها من الكتاب والسنة:
следующие страницы →