Полный текст (1 075 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الْملك الْمُؤَيد وَهُوَ صُحْبَة الركاب الشريف مهنئا بِالْفَتْح وَالظفر بِهِ وباصحابة وَالْقَبْض عَلَيْهِم كتابا من الشَّام الى الديار المصرية بِفَتْح الشَّام فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر من هَذِه السنه مِنْهُ
وسكر نوروز لِكَثْرَة المخامره وعربد فاذقناة الْحَد الى ان صَار للرمح وَالسيف فِي جهال جموعه جزر وَمد
وَمِنْه وتبطن بعد ذَلِك بالقلعه الَّتِى هِيَ بِهِ غير محروسه وَقَالَ انه معتصم فِي برج قد شيده فتلاله لِسَان الْحَال اينما تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت وَلَو كُنْتُم فِي ﴿بروج مشيدة﴾
وَكتب كتابا اخر عَن السُّلْطَان مهنئا بِوُقُوع نوروز فِي القبضه الشريفه
مِنْهُ
وفسدت اغذيتهم بالقلعه فعجزوا عَن المعالجه بالبارد والحامي وثقلوا بعد ذَلِك على قَلبهَا فاستفرغتهم من افواه المرامى
стр. 562
وَكتب كتابا اخر مهنئا بحلول الركاب الشريف بالقلعة المحروسه مِنْهُ فِي الاشاره الى استنزال نوروز من قلعه دمشق
واهبط الله من ترفع بطارمتها وتمرد الى الهاويه واصلاه نَار الْجَحِيم ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا هيه نَار حامية﴾ وَلَا يخفى ظُهُور الاهلة من مواطى خَيْلنَا وَقد بهرت بالافق الرُّومِي لمعاتها وبدور اخفاف المطى وَقد خيلت فِي غرر ذَلِك السراب هالاتها وشهب الاسنه وَقد زَادَت سموا كانها تحاول ثارا عِنْد بعض النُّجُوم والبلاد الروميه وَقد تَلا لِسَان الْحَال عِنْد الْغَلَبَة ﴿الم غلبت الرّوم﴾ قلت وَقد كتبت الى الْمقر الناصري بن الْبَارِزِيّ كَاتب السِّرّ الشريف كتابا بالتهنئه بِهَذَا الْفَتْح وَهُوَ بِالشَّام مِنْهُ
هَذَا وسلطانه الْمُؤَيد قد تدكدك بسطوته الاطواد الراسخه ونكس بقهرة نواصى القلاع الشامخة ودان لَهُ بِالطَّاعَةِ حَتَّى النَّبَات والجماد وَتَتَابَعَتْ فتكاته القامعة فاستأصلت شافة أهل الْفساد ودعا قلعة دمشق
стр. 563
فلبته ساجده وَصَاح بهَا مدفعه الغضبان فخرت قائلة ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة﴾ واستنزل الناكث من منيع حصنه فقلده الأغلال بعد أَن كَانَ يقلده المنن وحاق بالماكر مكرة السَّيئ فَمَا لبث بعد الاستنزال أَن
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة وثمان مائَة خرج الْأَمِير قانى بيه نَائِب الشَّام عَن الطَّاعَة بعد نوروز الحافظى والتفت عَلَيْهِ لفيف من العساكر الشامية حَتَّى صَار لَهُم رم عَظِيم وشوكة منكية وَاسْتولى على دمشق وحلب فَلَمَّا انْتهى الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان بَادر الْخُرُوج إِلَيْهِم فِي عدد قَلِيل من الْعَسْكَر وخف من الأثقال وَسَار من الديار المصرية وصحبته أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه أدام الله أَيَّامه فِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وثمان مائَة بعد أَن قدم إِلَيْهِم طَلِيعَة عسكره وقبضوا على بعض أمرائها فعاجلهم السُّلْطَان بِنَفسِهِ فِي قَلِيل مِمَّن سبق مَعَه من عسكره فأوقع بهم على سرمين من أَعمال حلب فِي رَابِع عشر شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وكسرهم كسرة شنيعة لم
стр. 564
يسمع بِمِثْلِهَا وَقبض على جمَاعَة من أعيانهم وَدخل بهم مَدِينَة حلب وفر قانى بيه فِي طَائِفَة قَليلَة فَلم يلبث أَن قبض عَلَيْهِ وأتى بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَقتل هُوَ وَغَيره مِمَّن وَقع فِي القبضة الشريفه وَوجه برؤوسهم إِلَى الديار المصرية فَحملت على الرماح وَمر بهَا دَاخل الْقَاهِرَة وأتى بهَا إِلَى بَاب القلعة فعلقت ثمَّ إِلَى بَاب زويلة فعلقت عَلَيْهِ وَأقَام السُّلْطَان وَمن مَعَه بحلب ثمَّ بحماة إِلَى أَوَاخِر الشتَاء ثمَّ أَتَى الديار المصرية وصحبته أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه فِي السَّادِس عشر ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة على أكمل النَّصْر وَأتم التأييد
قلت وكتبت إِلَى الْمقر الناصري كَاتب السرالشريف الْمُقدم ذكره كتابا بالتهنئة بِهَذَا الْفَتْح مِنْهُ
وَيُنْهِي وُرُود خبر الْفَتْح الَّذِي جلّ موقعه ففاتت عجائبه الْحصْر وآذنت بالظفر مُقَدمَات نتائجه فكنى خَلِيفَته أَبَا الْفَتْح وسلطانه أَبَا النَّصْر
وَمِنْه
وَقبض على النَّاكِثِينَ فانبسطت لقبضهم النُّفُوس وأريقت دِمَاء المارقين فأديرت على سِبَاع الْبر من طلا
стр. 565
دِمَائِهِمْ الكؤوس
وَمِنْه
وامتطى خَبره السار صهوة الشَّهْبَاء من حلب استبطاء لسير الرَّوَاحِل وسرى سروره وصبح الديار المصرية وَإِن كَانَ غَيره يسري فَيُصْبِح دونهَا بمراحل
وَمِنْه
وحملت رُؤُوس رؤوسهم على الرماح فَكَانَت لَهَا عمائم وَخيف على بَاب زويلة المجاور الْمدرسَة الْعين فعلق عَلَيْهِ مِنْهَا تمائم
وَفِي هَذِه السنه توقف النّيل فِي أَوَائِل زِيَادَته ثمَّ زَاد بعد ذَلِك فأفعم وانْتهى فِي زِيَادَته إِلَى تَمام عشْرين ذِرَاعا وغمر الروابي وملأ الوهاد وَزرع النَّاس فَأَكْثرُوا حَتَّى أَتَوا على مَا علاهُ النّيل مِمَّا يصلح للزِّرَاعَة وَنبت الزَّرْع أحسن نَبَات وأطمأنت بذلك قُلُوبهم وَطَابَتْ بِهِ نُفُوسهم وَجرى الْحَال على ذَلِك إِلَى أَوَاخِر رَمَضَان وَكَانَ الزَّرْع فِي السّنة الخالية بِالْوَجْهِ البحري وأراضي الجيزية وَمَا والاها قَلِيل المتحصل وَذهب أَكثر مَا عِنْد النَّاس من الْحُبُوب بعد الاقتيات فِي زراعة هَذِه السّنة فنفدت الغلال من
стр. 566
الْقَاهِرَة ومصر وبلاد الجيزية وَالْوَجْه البحري وَعز الْقُوت وَعدم الْقَمْح وَالشعِير والفول وَالْخبْز من الْقَاهِرَة ومصر حَتَّى لم يكد يُوجد وَبلغ سعر الْقَمْح فِي الظَّاهِر نَحْو سِتّمائَة دِرْهَم كل اردب وَرُبمَا زَاد على ذَلِك الا أَنه قد حف النَّاس فِي ذَلِك لطف لم يُوجد فِي غَيره من الغلوات من حَيْثُ طمأنينة قُلُوب النَّاس بِمَا يترجونه من نجابة الزَّرْع وَقرب ادراكه وَاكْتفى ضعفاء النَّاس بالباقلاء الْأَخْضَر وَطَعَام الْأرز وَغَيره من سَائِر مَا يطْبخ وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
الديار المصرية والبلاد الشامية يَوْمئِذٍ بيد السُّلْطَان الْملك الْمُؤَيد شيخ بِعَهْد من أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح دَاوُد خَليفَة الْعَصْر
وَمَكَّة بيد حسن بن أَحْمد بن عجلَان وَقد كتب لرميثة بن مُحَمَّد بن عجلَان بهَا عَن السُّلْطَان وَهُوَ وَحسن ابْن أَحْمد بن عجلَان يتنازعانها
وَالْمَدينَة بيد غرير بن هيازع
стр. 567
واليمن بيد النَّاصِر أَحْمد بن الْأَشْرَف اسماعيل من بني رَسُول
وبغداد وتوريز وقنغرلان وَهِي السُّلْطَانِيَّة بيد قرا يُوسُف التركماني وَقد أقرّ بِبَغْدَاد وأعمالها ابْنه أَحْمد شاه وتوريز والسلطانية وأعمالها ابْنه بربداخ وهما باقيان الى الْآن
وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَسَائِر بِلَاد الشرق الى مَا يتاخم بِلَاد توريز وَمَا مَعهَا بيد شاه روخان بن تمرلنك وَيُقَال انه على جَانب عَظِيم من الْعدْل ومحبة أهل الْعلم وتقريبهم
وتونس وَسَائِر بِلَاد افريقية وبجاية وقسنطينة من الغرب الْأَوْسَط بيد أبي فَارس عزوز بن السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس من الْمُوَحِّدين وَهُوَ على جَانب من الشجَاعَة وَقُوَّة الْبَأْس وَقد دوخ الْبِلَاد وأقامها على سنَن وكف الْأَيْدِي المتعدية مَعَ عدل وتواضع وَحسن سيرة
وتلمسان وَمَا مَعهَا من الغرب الْأَوْسَط بيد السعيد بن أبي حمو من بني عبد الواد فبقى حَتَّى غَلبه عَلَيْهَا أَخُوهُ عبد
стр. 568
الْوَاحِد بن أبي حمو وَأخرجه من الْبَلَد بغدر من أَهلهَا وفر السعيد الى افريقية فَمَاتَ ببونة الْمَعْرُوفَة بِبَلَد الْعنَّاب وبقى عبد الْوَاحِد فِيهَا الى الْآن
والغرب الْأَقْصَى بيد أبي سعيد عُثْمَان بن أبي الْعَبَّاس المريني
وغرناطة وَمَا مَعهَا من الأندلس بيد أبي الْحجَّاج يُوسُف ابْن أبي عبد الله بن أبي الْحجَّاج من بني الْأَحْمَر
стр. 569
الْفَصْل الثَّانِي
من الْبَاب الثَّانِي فِي مقرات الْخُلَفَاء وَمَا انطوت عَلَيْهِ الْخلَافَة من الممالك وَبَيَان تَرْتِيب الْخلَافَة وشعارها وَكَيْفِيَّة تَقْلِيد الْخَلِيفَة الْمُلُوك السلطنة
أما مقرات الْخُلَفَاء فَهِيَ أَربع مقرات
المقرة الأولى
الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
كَانَت مقرة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الى حِين انْتقل عَليّ ﵁ الى الْعرَاق وَذَلِكَ أَن مبدأ النُّبُوَّة كَانَ بِمَكَّة ثمَّ هَاجر النَّبِي ﷺ الى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا حَتَّى توفّي فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول سنة احدى عشرَة من الْهِجْرَة ثمَّ كَانَ بعده بهَا فِي الْخلَافَة أَبُو بكر الصّديق ﵁ ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان
стр. 570
ثمَّ عَليّ فِي أول أمره ثمَّ انْتقل بعد ذَلِك الى الْعرَاق لقِتَال مُعَاوِيَة ثمَّ خَلفه ابْنه الْحسن فِيهِ الى حِين تَسْلِيم الْأَمر لمعاوية
المقرة الثَّانِيَة
الشَّام
وَهِي دَار خلفاء بني أُميَّة الى حِين انقراضهم وَذَلِكَ أَن مُعَاوِيَة كَانَ أَمِيرا على الشَّام قبل الْخلَافَة ثمَّ اسْتَقل بِالْأَمر حِين سلم اليه الْحسن فبقى فِي الشَّام هُوَ وَمن بعده الى حِين انْقِرَاض خلافتهم بقتل مَرْوَان بن مُحَمَّد على مَا تقدم ذكره وَكَانَت دَار اقامتهم دمشق وان نزلُوا غَيرهَا فلغير اقامة
المقرة الثَّالِثَة
الْعرَاق
وَهُوَ دَار خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب حِين انْتِقَاله اليه ثمَّ ابْنه الْحسن الى حِين تَسْلِيمه لمعاوية ثمَّ كَانَت دَار خلَافَة بني الْعَبَّاس الى حِين انْقِرَاض الْخلَافَة
стр. 571
من الْعرَاق بقتل المستعصم وَكَانَ بَدْء مبايعة السفاح أول خلفائهم بِالْكُوفَةِ على مَا تقدم ثمَّ بنى بعد ذَلِك بالأنبار مَدِينَة وسماها الهاشمية ونزلها فَلَمَّا ولى أَخُوهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْخلَافَة بعده بنى بَغْدَاد وسكنها وَصَارَت منزلا لخلفاء بنى الْعَبَّاس بعده إِلَى حِين قتل المستعصم
المقرة الرَّابِعَة
الديار المصرية
وَهِي الْآن دَار الْخلَافَة وَقد تقدم أَن أول من بُويِعَ بهَا مِنْهُم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الظَّاهِر بِاللَّه بن النَّاصِر لدين الله وَقد تقدم أَنه توجه إِلَى بَغْدَاد لقِتَال التتر فَقتل ثمَّ الْحَاكِم بِأَمْر الله ابو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحُسَيْن جد الْخُلَفَاء بهَا الْآن وَقد تقدم أَن الْأَشْرَاف خَلِيل بن الْمَنْصُور قلاوون أسْكنهُ الْكَبْش بِخَط الْجَامِع الطولونى ثمَّ صَارَت مساكنهم على الْقرب من المشهد النفيسى وهم على ذَلِك إِلَى الْآن
وَأما مَا انطوت عَلَيْهِ الْخلَافَة من الممالك فَإِن حكمهَا
стр. 572
امْتَدَّ فِيمَا بَين الْمَشَارِق والمغارب فَكَانَ يجرى تَحت إمرتهم من أقاليم الشرق عراق الْعَرَب وعراق الْعَجم وأذربيجان وأرمينية والأهواز وكرمان وسجستان وَفَارِس والسند والهند وَمَا وَرَاء النَّهر وخراسان وطبرستان وَغير ذَلِك وَمن بِلَاد الْمغرب إفريقية والغرب الْأَوْسَط والغرب الْأَقْصَى والأندلس فِي بعض الْأَزْمِنَة وَمن أوساط الأقاليم الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور والعواصم وبلاد الرّوم وَمَا فِي معنى ذَلِك وَكَانَت الْأَمْوَال تحمل من جَمِيع الأقاليم بعد تكفية الجيوش إِلَى بَيت المَال على بعد الْمسَافَة حَتَّى يُقَال إِن الرشيد كَانَ يستلقى على قَفاهُ وَينظر إِلَى السحابة فَيَقُول إذهبى إِلَى حَيْثُ شِئْت يأتنى خراجك وبقى الْأَمر على ذَلِك حَتَّى تغلب المتغلبون على الممالك واستولوا عَلَيْهَا وَصَارَ الْأَمر على مَا صَار إِلَيْهِ الْآن وَالله غَالب على أمره
وَأما تَرْتِيب الْخلَافَة
فَاعْلَم أَنَّهَا لم تزل لابتداء الْأَمر جَارِيَة على مَا ألف من سيرة النبى ﷺ من خشونة الْعَيْش والقرب من النَّاس وأطراح الْخُيَلَاء وأحوال الْمُلُوك مَعَ مَا فتح الله تَعَالَى
стр. 573
على خلفاء السّلف من الإقاليم وجبى إِلَيْهِم من الْأَمْوَال الَّتِى لم يفز عُظَمَاء الْمُلُوك بِجُزْء من أَجْزَائِهَا وناهيك انهم فتحُوا عدَّة من الممالك الْعَظِيمَة الَّتِى كَانَت يضْرب بهَا الْمثل فِي عَظِيم قدرهَا وارتفاع شَأْن مُلُوكهَا من ممالك الشرق والغرب حَتَّى ذكر عُظَمَاء الْمُلُوك عِنْد بعض السّلف فَقَالَ إِنَّمَا الْملك الذى يَأْكُل الشّعير ويعس على رجلَيْهِ بِاللَّيْلِ مَاشِيا وَقد فتحت لَهُ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا يُرِيد عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ وَقد حكى أَنه رضى الله عَنهُ حِين أَتَى لفتح بَيت الْمُقَدّس كَانَ يخرج من مخلاة فرسه كسرا يابسة من خبز فيمسحها من التُّرَاب ويأكلها فَلَمَّا رَآهُ عُظَمَاء بَيت الْمُقَدّس قَالُوا لَا طَاقَة لنا بِهَذَا
وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن سلم الْحسن رضى الله عَنهُ الْأَمر لمعاوية بن ابى سُفْيَان فَأخذ فِي إِظْهَار أبهة الْخلَافَة وترتيب أمورها على نظام الْملك لما فِي ذَلِك من إرهاب الْعَدو وإخافته وتزايد الْأَمر فِي ذَلِك حَتَّى اضمحل فِي جَانب الْخلَافَة سَائِر الممالك الْعَظِيمَة وانطوى فِي ضمنهَا ممالك الْمَشَارِق والمغارب وفاقت بأبهتها الأكاسرة والقياصرة
стр. 574
وهابتها مُلُوك الأَرْض قاطبة لاسيما فِي أَوَائِل الدولة العباسية حَتَّى يحْكى أَن صَاحب عموريه من مُلُوك الرّوم كَانَت عِنْده شريفة من ولد فَاطِمَة ﵂ مأسورة فِي خلَافَة المعتصم بن الرشيد فعذبها فصاحت الشَّرِيفَة وامعتصماه فَقَالَ لَهَا الْملك لَا يَأْتِي لخلاصك إِلَى على أبلق فَبلغ ذَلِك المعتصم فَنَادَى فِي عسكره بركوب الْخَيل البلق وَخرج وَفِي مُقَدّمَة عسكره أَرْبَعَة آلَاف أبلق وأتى عمورية وَفتحهَا وخلص الشَّرِيفَة وَقَالَ أشهدي لي عِنْد جدك أَنِّي أتيت لخلاصك وَفِي مُقَدّمَة عسكري أَرْبَعَة آلَاف أبلق على مَا تقدم ذكره إِلَى غير ذَلِك من الْقُوَّة وَالْعَظَمَة الَّتِي كَانَت الْخلَافَة فِيهَا
وَقد حكى أبن الْأَثِير فِي تَارِيخه أَنه لما وصلت رسل ملك الرّوم إِلَى بَغْدَاد فِي سنة خمس وَثَلَاث مائَة فِي خلَافَة المقتدر رتب من الْعَسْكَر فِي دَار الْخلَافَة مائَة وَسِتُّونَ ألفا مَا بَين رَاكب وراجل ووقف بَين يَدي الْخَلِيفَة سبع مائَة حَاجِب وَسَبْعَة آلَاف خَادِم خصى وَأَرْبَعَة آلَاف بيض وَثَلَاثَة آلَاف سود ووقف الغلمان الحجرية
стр. 575
الَّذين هم بِمَثَابَة مماليك الطباق الْآن بأتم الزينه والمناطق المحلاه وزينت دَار الْخلَافَة بأنواع الأسلحة وغرائب الزينه وغشيت جدرانها بالستور وفرشت أرْضهَا بالبسط وَكَانَ عدَّة الْبسط أثنين وَعشْرين ألف بِسَاط وعدة الستور الْمُعَلقَة ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ ألف ستر مِنْهَا أثني عشر الف ستر من الديباج الْمَذْهَب وَكَانَ من جملَة الزينه شَجَرَة من الذَّهَب الْفضة بأغصانها وأوراقها وطيور الذَّهَب وَالْفِضَّة على أَغْصَانهَا وَأَغْصَانهَا تتمايل بحركات مصنوعه والطيور تصفر بحركات مرتبَة وألقيت المراكب والدبادب فِي دجلة بِأَحْسَن زِينَة وَكَانَ هُنَاكَ مائَة سبع مَعَ مائَة سِبَاع إِلَى غير ذَلِك من الْأَحْوَال الملوكية الَّتِي يطول شرحها قَالَ الْقُضَاعِي فِي عُيُون المعارف وَلم يزل أَمر الْخلَافَة متماسكا إِلَى حِين أستخلف المتقي لله فتفرد بتدبير الْأُمُور غير الْخُلَفَاء وتغلبت على مَا نأى من الْبلدَانِ الْأَقْوَى فالأقوى وأقتصر على الدُّعَاء لَهُم على المنابر وَفِي أَيَّام المستكفي بِاللَّه أستولى
стр. 576
بَنو بويه على بَغْدَاد وأستبد معز الدولة بن بويه بِالْأَمر وَنقش أُسَمِّهِ على الدناير وَالدَّرَاهِم مَعَ أسم الْخَلِيفَة وشاركه فِي الدُّعَاء على المنابر وَتصرف فِي أُمُور الدولة تصرف الْمُلُوك ورتب للخليفة كل يَوْم خَمْسَة آلَاف دِرْهَم لنفقاته لَا يصل إِلَيْهِ غَيرهَا بعد أَن كَانَ يحمل إِلَى خزانته أَمْوَال الْمشرق وَالْمغْرب هَذَا مَا تقهقر الْخلَافَة وأنحطاط رتبتها يَوْمئِذٍ
وَقد كَانَ للخلافة رسوم جاريه على تَرْتِيب خَاص بعضعها مضاه لتريب الْملك الْآن وَبَعضهَا خَارج عَنهُ مِنْهَا
الْجُلُوس على سَرِير الْخلَافَة فِي المواكب وَقد ذكر بعض المؤرخين أَن أصل ذَلِك أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان لما بدن أَسْتَأْذن أَصْحَابه فِي أتخاذ شَيْء يجلس عَلَيْهِ للأستراحه فأذنوا لَهُ فِي ذَلِك ثمَّ زادوا فِي أرتفاعه حَتَّى صَار السرير الَّذِي يجلس عَلَيْهِ الْخَلِيفَة فِي المواكب نَحْو سبعه أَذْرع فِيمَا حَكَاهُ أبن الْأَثِير وَغَيره عِنْد ذكر سلطنة طغريل السلجوقي على مَا سَيَأْتِي ذكره وَكَانَ يفرش للخليفة
стр. 577
على سَرِير الْخلَافَة فرش مُرْتَفعَة وَهِي الَّتِي يعبر عَنْهَا بسدة الْخلَافَة
وَمِنْهَا الصَّلَاة فِي الْمَقْصُورَة فِي الْجَامِع فِي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَقد ذكر المؤرخون أَن أول من اتخذ الْمَقْصُورَة فِي الْجَامِع مُعَاوِيَة على مَا تقدم ذكره فِي تَرْجَمته ثمَّ اخْتلف فَقيل إِنَّه اتخذها حِين طعنه الْخَارِجِي وَقيل بل رأى كَلْبا على منبره فاتخذها وَقيل أول من اتخذها مَرْوَان بن الحكم اتخذها من حِجَارَة منقوشة فِيهَا كوى مفتحة وَقيل أول من اتخذها عُثْمَان بن عغان ﵁ خوفًا أَن يُصِيبهُ مَا أصَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ﵁ على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمِنْهَا ضرب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَنقش اسْم الْخَلِيفَة وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة أَن أول من ضرب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فِي الْإِسْلَام عبد الْملك بن مَرْوَان فِي سنة خمس وَسبعين من الْهِجْرَة وَقيل سنة ارْبَعْ وَسبعين وَكتب عَلَيْهَا الله أحد الله الصَّمد وَكَانَ الْمُتَوَلِي لأمر
стр. 578
ذَلِك الْحجَّاج بن يُوسُف ثمَّ ضربهَا فِي سَائِر النواحي فِي سنة سِتّ وَسبعين ثمَّ ولى ابْن هُبَيْرَة الْعرَاق فِي ايام يزِيد بن عبد الْملك فجود السِّكَّة ثمَّ بَالغ خَالِد القسرى فِي تجويدها ثمَّ يُوسُف بن عمر بعده وَقيل إِن اول من ضربهَا مُصعب بن الزبير بِأَمْر اخيه عبد الله بن الزبير حِين استولى على الْحجاز وَكتب على أحد الْوَجْهَيْنِ بركَة وعَلى الْوَجْه الآخر اسْم الله تَعَالَى ثمَّ غَيرهَا الْحجَّاج وَكتب عَلَيْهَا باسم الله وَكتب بعده الْحجَّاج ثمَّ اضيفت اسماء الْمُلُوك فِي السِّكَّة الى اسماء الْخُلَفَاء ثمَّ ابطلت اسماء الْخُلَفَاء من السِّكَّة جملَة وَاقْتصر على اسماء الْمُلُوك
وَمِنْهَا نقش اسْم الْخَلِيفَة على مَا ينسج من الْكسْوَة والطرز من الْحَرِير وَالذَّهَب بلون مُخَالف للون الأَصْل ليمتاز بذلك مَا يخْتَص بالخلافة عَن غَيره وَهُوَ رسم قديم للخلفاء فِي الدولتين الأموية والعباسية ثمَّ ابدل ذَلِك باسم الْمُلُوك عِنْد تغلبهم على الْخُلَفَاء كَمَا تقدم فِي أَمر الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم
وَمِنْهَا خطابة الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ فِي مَكَان إِقَامَته وخطابة
стр. 579
الْأُمَرَاء بِالْأَعْمَالِ الَّتِي يلونها عَن الْخُلَفَاء وَهُوَ رسم قديم من صدر الْإِسْلَام الى حِين تقهقر أَمر الْخلَافَة فأهمل الْخُلَفَاء الخطابة بِأَنْفسِهِم وفوضوها الى الخطباء وَقد ذكر ابْن الْأَثِير وَغَيره أَن آخر خَليفَة خطب بِنَفسِهِ على مِنْبَر بِكَثْرَة الراضي وَإِن كَانَ غَيره رُبمَا خطب نَادرا
وَمِنْهَا الدُّعَاء للخليفة على المنابر وَهُوَ رسم قديم للخلفاء وَرَأَيْت فِي بعض التواريخ أَن أول خَليفَة دعى لَهُ على مِنْبَر أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن ابي طَالب ﵁ دَعَا لَهُ عبد الله بن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ اللَّهُمَّ انصر على الْحق فَتَبِعَهُ النَّاس بعد ذَلِك فِي الدُّعَاء للخلفاء على المنابر فِي سَائِر الاعمال قَالَ ابو هِلَال العسكري فِي كِتَابَة الْأَوَائِل وَأول من دعى لَهُ بنعته على الْمِنْبَر مُحَمَّد الْأمين بن الرشيد فَقيل وَأصْلح عَبدك وخليفتك عبد الله مُحَمَّدًا الْأمين وَلم يذكر قبله نعت أحد من الْخُلَفَاء على مِنْبَر وَكَانَت الْخُلَفَاء يفردون بِالدُّعَاءِ على المنابر الى أَن غلبت الْمُلُوك على الْخُلَفَاء فأشركوا مَعَهم فِي الدُّعَاء قَالَ
стр. 580
مُحَمَّد بن عبد الله الهمذاني فِي ذيله على تَارِيخ الطبرى وَأول من أشرك فِي الدُّعَاء لَهُ على المنابر مَعَ الْخَلِيفَة عضد الدولة ابْن بويه فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة فِي خلَافَة الطائع ثمَّ جرى الْمُلُوك بعده على ذَلِك
وَمِنْهَا انْفِرَاد الْخُلَفَاء بِالْكِتَابَةِ على ولايات الْوَظَائِف كالوزارة وَالْقَضَاء وَسَائِر الولايات وَلم يزل ذَلِك مُخْتَصًّا بهم الى حِين انْقِرَاض الْخلَافَة من بَغْدَاد إِلَّا مَا يوليه الوزراء وَمن فِي معناهم من صغَار الولايات المفوضة اليهم ثمَّ نقل ذَلِك الى الْمُلُوك بِحكم تَفْوِيض الْخُلَفَاء الْأُمُور الْعَامَّة إِلَيْهِم خلا ولايات الْمُلُوك فَإِنَّهَا مِمَّا يخْتَص بِهِ الْخُلَفَاء الى الْآن
وَأما شعار الْخلَافَة
فَمِنْهَا الْخَاتم وَالْأَصْل فِيهِ مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ قيل لَهُ إِن الْمُلُوك لَا يقرأون كتابا غير مختوم فَاتخذ خَاتمًا من ورق وَجعل نقشه مُحَمَّد رَسُول الله فَلَمَّا توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 581
لبسه أَبُو بكر بعده ثمَّ لبسه عمر بعد أبي بكر ثمَّ لبسه عُثْمَان بعد عمر فَوَقع مِنْهُ فِي بِئْر أريس فَلم يقدر عَلَيْهِ
وَاتخذ الْخُلَفَاء بعد ذَلِك خَوَاتِيم لخاتم كل خَليفَة نقش يَخُصُّهُ وبقى الْأَمر على ذَلِك الى حِين انْقِرَاض الْخلَافَة من بَغْدَاد الا أَن المؤرخين أهملوا ذكر خَوَاتِم الْخلَافَة فِي أَوَاخِر الدولة العباسية بالعراق
وَمِنْهَا الْبردَة وَهِي بردة النَّبِي ﷺ الَّتِي كَانَ الْخَلِيفَة يلبسهَا فِي المواكب قَالَ أَبُو السعادات بن الْأَثِير فِي نهايته فِي غَرِيب الحَدِيث وَهِي شملة مخططة وَقيل كسَاء أسود
وَقد اخْتلف فِي وصولها الى الْخُلَفَاء فَحكى الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة عَن أبان بن تغلب أَن النَّبِي ﷺ كَانَ وَهبهَا لكعب بن زُهَيْر واشتراها مِنْهُ مُعَاوِيَة وتناقلها الْخُلَفَاء بعده
وَالَّذِي ذكره غَيره أَن كَعْبًا لم يسمح بِبَيْعِهَا لمعاوية وَقَالَ
стр. 582
لم أكن أوثر بِثَوْب رَسُول الله ﷺ أحدا فَلَمَّا مَاتَ كَعْب اشْتَرَاهَا مُعَاوِيَة من ورثته بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
وَحكى الْمَاوَرْدِيّ أَيْضا عَن ضَمرَة بن ربيعَة أَن هَذِه الْبردَة كَانَ النَّبِي ﷺ أَعْطَاهَا أهل أَيْلَة أَمَانًا لَهُم فَأَخذهَا مِنْهُم عبد الله ابْن خَالِد بن أبي أوفي وَهُوَ عَامل عَلَيْهِم من قبل مَرْوَان ابْن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة وَبعث بهَا الى مَرْوَان فَكَانَت فِي خزانته حَتَّى أخذت بعد قَتله وَقيل اشْتَرَاهَا أَبُو الْعَبَّاس السفاح أول خلفاء بني الْعَبَّاس بثلاثمائة دِينَار
وَمِنْهَا الْقَضِيب وَهُوَ عَمُود كَانَ النَّبِي ﷺ يَأْخُذهُ بِيَدِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَهُوَ من تَرِكَة النَّبِي ﷺ الَّتِي هِيَ صَدَقَة
стр. 583
قلت وَكَانَ الْقَضِيب والبردة جَمِيعًا عِنْد خلفاء بني الْعَبَّاس بِبَغْدَاد الى أَن انتزعهما السُّلْطَان سنجر السلجوقي من المسترشد بِاللَّه ثمَّ أعيدا الى المقتفى عِنْد ولَايَته فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وَالَّذِي يظْهر أَنَّهُمَا بقيا عِنْدهم الى انْقِرَاض الْخلَافَة من بَغْدَاد فِي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة فَإِن مِقْدَار مَا بَينهمَا مائَة واحدى وَعِشْرُونَ سنة وَهِي مُدَّة قريبَة لَا تمنع تفاوتهما اليها
وَمِنْهَا ثِيَاب الْخلَافَة وَقد ذكر السُّلْطَان عماد الدّين صَاحب حماة فِي تَارِيخه عِنْد الْكَلَام على تَرْجَمَة الْملك السعيد اسماعيل أحد مُلُوك بني أَيُّوب بِالْيمن أَنه كَانَ بِهِ هوج فَادّعى أَنه من بني أُميَّة وَلبس ثِيَاب الْخلَافَة ثمَّ قَالَ وَكَانَ طول الْكمّ يَوْمئِذٍ عشْرين شبْرًا فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ زمن بني أُميَّة وَأَنه أَرَادَ زمن بني أَيُّوب
وَمِنْهَا لون الْأَعْلَام وَالْخلْع وَنَحْوهَا
فبنو أُميَّة يُقَال إِنَّه كَانَ شعارهم الخضرة وَقد حكى صَاحب حماة عَن الْملك السعيد صَاحب الْيمن الْمُقدم ذكره أَنه حِين ادّعى الْخلَافَة وَأَنه من بني أُميَّة لبس الخضرة وَهَذَا
стр. 584
صَرِيح فِي أَن شعارهم الخضرة
وَأما بَنو الْعَبَّاس فشعارهم السوَاد وَقد اخْتلف فِي اختيارهم السوَاد فَذكر القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي الْكَبِير فِي الْفِقْه أَن السَّبَب فِي ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ عقد لِعَمِّهِ الْعَبَّاس ﵁ فِي يَوْم حنين وَيَوْم الْفَتْح راية سَوْدَاء
وَذكر أَبُو هِلَال العسكري فِي كِتَابه الْأَوَائِل أَن السَّبَب فِي ذَلِك أَن مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة حِين أَرَادَ قتل ابراهيم بن مُحَمَّد العباسي الْمَعْرُوف بِالْإِمَامِ أول القائمين من بني الْعَبَّاس لطلب الْخلَافَة قَالَ لشيعته لَا يهولنكم قَتْلَى فَإِذا تمكنتم من أَمركُم فاستخلفوا عَلَيْكُم أَبَا الْعَبَّاس يعْنى السفاح فَلَمَّا قَتله مَرْوَان لبس شيعته عَلَيْهِ السوَاد فلزمهم ذَلِك وَصَارَ شعارا لَهُم
وَمن غَرِيب مَا وَقع مِمَّا يتَعَلَّق بذلك مَا حَكَاهُ ابْن سعيد فِي كِتَابه الْمغرب أَن الظافر أحد خلفاء الفاطميين بالديار المصرية لما قَتله وزيره عَبَّاس بعث نسَاء الْخَلِيفَة شعورهن طى الْكتب إِلَى الصَّالح طلائع بن رزيك وَهُوَ يَوْمئِذٍ
стр. 585
وَإِلَى منية بنى خصيب من صَعِيد مصر فَحَضَرَ إِلَيْهِم الصَّالح وَقد رفع تِلْكَ الشُّعُور على الرماح وَأقَام الرَّايَات السود إِظْهَارًا للحزن على الظافر وَدخل الْقَاهِرَة وَهُوَ على ذَلِك فَكَانَ ذَلِك من الفأل العجيب وَهُوَ ان مصر انْتَقَلت إِلَى بنى الْعَبَّاس وأقيمت فِيهَا الْأَعْلَام السود بعد خمس عشرَة سنة
وَأما كَيْفيَّة تَوْلِيَة الْمُلُوك الْخُلَفَاء وترتيبهم فِي ذَلِك فَلهُ حالتان
الْحَالة الأولى مَا كَانَ الْأَمر عَلَيْهِ فِي الزَّمن الأول والخلافة بالعراق وَالْحَال فِيهِ مُخْتَلف فَتَارَة تكون السلطنة الَّتِى تولى بِحَضْرَة الْخلَافَة كسلطنة بنى بوية وَآل سلجوق وَغَيرهم وَتارَة تكون بِبَعْض الْأَطْرَاف كالديار المصرية حِينَئِذٍ وَنَحْوهَا فَإِن كَانَت السلطنة بِحَضْرَة الْخلَافَة فقد جرت عَادَتهم فِي ذَلِك أَن يجلس الْخَلِيفَة بمجلسه الْعَام على كرسى عَال ويحضر السُّلْطَان الذى تولى فيجلس على كرسى لطيف أَمَام
стр. 586
كرسى الْخَلِيفَة ويحضر أَعْيَان المملكة ورؤساؤها ويخاطب الْخَلِيفَة السُّلْطَان بِالْولَايَةِ على لِسَان الْوَزير ثمَّ يخلع على السُّلْطَان خلعة الْخلَافَة وَيحمل على مراكب من إصطبلات الْخَلِيفَة وَيذْهب السُّلْطَان إِلَى دَاره فَيُرْسل السُّلْطَان التقادم السّنيَّة
كَمَا حكى ابْن الاثير وَغَيره أَن السُّلْطَان طغرلبك ابْن ميكائل السلجوقى لما تقلد السلطنة عَن الْقَائِم بِأَمْر الله فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة جلس لَهُ الْخَلِيفَة على كرسى ارتفاعه عَن الأَرْض نَحْو سَبْعَة أَذْرع وَعَلِيهِ الْبردَة وَأَقْبل طغرلبك فِي جماعته وأعيان بَغْدَاد حاضرون فَقبل طغرلبك الأَرْض وَيَد الْخَلِيفَة ثمَّ جلس على كرسى نصب لَهُ ثمَّ قَالَ رَئِيس الرؤساء وَزِير الْخَلِيفَة للسُّلْطَان عَن لِسَان الْخَلِيفَة إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد ولاك جَمِيع مَا ولاه الله تَعَالَى من بِلَاده ورد إِلَيْك أَمر عبَادَة فَاتق الله فِيمَا ولاك واعرف نعْمَته عَلَيْك ثمَّ خلع على طغرلبك سبع جبات سود بزيق وَاحِد وعمامة سَوْدَاء وطوق بطوق من ذهب وسور بسوارين من ذهب وَأعْطى سَيْفا بغلاف من
стр. 587
ذهب ولقبه الْخَلِيفَة وَقُرِئَ عَهده عَلَيْهِ فَقبل الأَرْض وَيَد الْخَلِيفَة ثَانِيًا وَانْصَرف وَقد جهز لَهُ فرس من إسطبلات الْخَلِيفَة بمركب من ذهب مقندس فَركب وَانْصَرف إِلَى دَاره فَبعث إِلَى الخيفة خمسين ألف دِينَار وَخمسين مَمْلُوكا من التّرْك بخيولهم وسلاحهم مَعَ ثِيَاب وَغَيرهَا
فَهَذَا كَانَ شَأْنهمْ فِي تَوْلِيَة السلطنة بِحَضْرَة الْخلَافَة
وَإِن كَانَ الذى يوليه الْخَلِيفَة السلطنة من مُلُوك الْأَطْرَاف جهز لَهُ التشريف من بَغْدَاد صُحْبَة رَسُول من جِهَة الْخَلِيفَة وَهُوَ جُبَّة أطلس أسود بطراز مَذْهَب وطوق من ذهب يَجْعَل فِي عُنُقه وسوران من ذهب يجعلان فِي يَدَيْهِ وَسيف قرَابه ملبس بِالذَّهَب وَفرس بمركب من ذهب وَعلم أسود مَكْتُوب عَلَيْهِ بالبياض اسْم الْخَلِيفَة ينشر على رَأسه وصحبة وَذَلِكَ تَقْلِيده بالسلطنة وَرُبمَا جهز مَعَ خلعة السُّلْطَان خلع أُخْرَى لوَلَده أَو وزيره أَو أحد أَقَاربه بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال حِينَئِذٍ كَمَا كَانَ يبْعَث مثل ذَلِك إِلَى السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بالديار المصرية ثمَّ إِلَى أَخِيه الْعَادِل فَمن بعده من مُلُوك بنى أَيُّوب
стр. 588
إِلَى أَن كَانَ آخر من وصل إِلَيْهِ ذَلِك مِنْهُم من بَغْدَاد الْملك النَّاصِر يُوسُف بن السُّلْطَان الْعَزِيز بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين عَن المستعصم بِاللَّه فِي سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة
وَكَانَ من عَادَتهم فِي ذَلِك أَنه إِذا وصل التشريف والتقليد إِلَى سُلْطَان تِلْكَ النَّاحِيَة أَن يلبس السُّلْطَان الخلعة والعمامة ويتقلد السَّيْف ويركب الْفرس ويسير فِي موكبه حَتَّى يصل إِلَى مقرّ ملكه
الْحَالة الثَّانِيَة مَا الْأَمر مُسْتَقر عَلَيْهِ بعد انْتِقَال الْخلَافَة إِلَى الديار المصرية وَالْأَمر فِيهِ على نَحْو مَا سبق فِي الْحَالة الأولى فِيمَا إِذا كَانَ السُّلْطَان الذى يُولى بِحَضْرَة الْخلَافَة لِأَن الخلعة تكون جُبَّة وَاحِدَة بزيق لَا سبع جبات بزيق وَاحِد وَقد كَانَ فِيمَا تقدم يلبس السُّلْطَان طوق الذَّهَب دون السوارين ثمَّ ترك الطوق والسواران جَمِيعًا وبقى مَا عدا ذَلِك من أَصْنَاف التشريف
وَأول تَقْلِيد قَلّدهُ سُلْطَان من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية تَقْلِيد الْملك الظَّاهِر بيبرس البندقدارى صَاحب الديار
стр. 589
المصرية عَن الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن الظَّاهِر بِاللَّه بن النَّاصِر لدين الله أول خلفائهم بالديار المصرية فِي شعْبَان من شهور سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وَذَلِكَ أَنه بعد ان بَايع السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْمُقدم ذكره بِالْمَجْلِسِ الْعَام قَلّدهُ السلطنة وَكتب لَهُ بذلك عهد من إنْشَاء صَاحب ديوَان إنْشَاء السُّلْطَان الصاحب فَخر الدّين إِبْرَاهِيم بن لُقْمَان وَكتب السُّلْطَان الْكتب إِلَى النواب والملوك بالأقطار بِأَن يخْطب لَهُ على المنابر مَعَ السُّلْطَان وَيبدأ بِهِ فِي الذّكر وينقش اسْمه مَعَه فِي السِّكَّة على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة بعد ذَلِك خطب الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ بِجَامِع القلعة ثمَّ لما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ بعد ذَلِك ركب السُّلْطَان إِلَى خيمة ضربت لَهُ بالبستان الْكَبِير بِظَاهِر الْقَاهِرَة المحروسة من الْجِهَة البحرية وَنزل بهَا هُوَ والخليفة وَلبس مِنْهُ خلعة الْخلَافَة وهى عمامه بنفسجى وجبة سَوْدَاء وطوق ذهب فِي عُنُقه وَسيف بداوى تقلده وَجلسَ السُّلْطَان مَجْلِسا عَاما بِحَضْرَة الْخَلِيفَة والوزير والقضاة والأمراء وَالْعُلَمَاء وَنصب لكاتب سره الصاحب فَخر الدّين ابْن لُقْمَان مِنْبَر فَصَعدَ عَلَيْهِ وَقَرَأَ تَقْلِيد السُّلْطَان
стр. 590
ثمَّ ركب السُّلْطَان بالخلعة والطوق وَدخل من بَاب النَّصْر من الْمَدِينَة وهى مزينة لَهُ وَحمل وزيره الصاحب بهاء الدّين ابْن حنا التَّقْلِيد على رَأسه وَمَشى بِهِ فِي الموكب بَين يدى السُّلْطَان والأمراء مشَاة حوله وأمامه
وَرَأَيْت فِي بعض التواريخ أَن الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفى بِاللَّه أَبى الرّبيع سُلَيْمَان حِين عهد بالسلطنة إِلَى الْملك الْمَنْصُور أَبى بكر بن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون بعد مبايعته الْحَاكِم الْمَذْكُور عِنْد موت أَبِيه فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة طلع الْأُمَرَاء والقضاة إِلَى القلعة واجتمعوا بدار الْعدْل وَجلسَ الْخَلِيفَة على الدرجَة الثَّالِثَة من التخت وَعَلِيهِ خلعه خضراء وعَلى رَأسه طرحة سَوْدَاء مرقومة بالبياض وَخرج السُّلْطَان من الْقصر إِلَى الإيوان من بَاب السِّرّ على الْعَادة فَقَامَ لَهُ الْخَلِيفَة والقضاة والأمراء وَجَاء السُّلْطَان فَجَلَسَ على الدرجَة الأولى من التخت دون الْخَلِيفَة ثمَّ قَامَ الْخَلِيفَة فَقَرَأَ ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ إِلَى آخر الْآيَة وَأوصى السُّلْطَان
стр. 591
بالرفق بالرعية وَإِقَامَة الْحق وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام ونصرة الدّين ثمَّ قَالَ فوضت إِلَيْك جَمِيع أَمر الْمُسلمين وقلدتك مَا تقلدته من أُمُور الدّين ثمَّ قَرَأَ ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله﴾ إِلَى آخر الاية ثمَّ أَتَى الْخَلِيفَة بخلعة سَوْدَاء وعمامة سَوْدَاء مرقومة الطّرف بالبياض فألبسها السُّلْطَان وقلده سَيْفه ثمَّ أَتَى بالعهد الْمَكْتُوب عَن الْخَلِيفَة فَكتب عَلَيْهِ مَا صورته فوضت إِلَيْهِ ذَلِك وَكتب أَحْمد بن عَم مُحَمَّد ﷺ وَكتب الْقُضَاة الْأَرْبَعَة شَهَادَتهم بالتولية ثمَّ اتى بالسماط على الْعَادة
وأخبرنى من حضر تَقْلِيد الإِمَام المتَوَكل على الله أَبى عبد الله مُحَمَّد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فرج بن الظَّاهِر برقوق بعد وَفَاة وَالِده الظَّاهِر أَن الْخَلِيفَة حضر هُوَ وَشَيخ الْإِسْلَام سراج الدّين البلقينى والقضاة الْأَرْبَعَة وَأهل الْعلم وأمراء الدولة إِلَى مقْعد بالإسطبلات السُّلْطَانِيَّة وَجلسَ الْخَلِيفَة فِي صدر الْمَكَان على مقْعد مفروش لَهُ ثمَّ أَتَى السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ حدث السن فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ فَسَأَلَهُ شيخ
стр. 592
الْإِسْلَام عَن بُلُوغه الْحلم فَأجَاب بِأَن نعم فَخَطب الْخَلِيفَة خطْبَة ثمَّ خَاطب السُّلْطَان بتفويض الْأَمر إِلَيْهِ على نَحْو مَا تقدم ذكره ثمَّ أَتَى الْخَلِيفَة بخلعة سَوْدَاء وعمامة سَوْدَاء مرقومة الطّرف بالبياض فألبسهما للسُّلْطَان وَلبس الخلفية أَيْضا خلعة سَوْدَاء بعمامة سَوْدَاء مرقومة ثمَّ جلس الْخَلِيفَة فِي مَكَانَهُ الذى كَانَ جَالِسا فِيهِ على المقعد وَنصب للسُّلْطَان كرسى إِلَى جَانب المقعد الذى عَلَيْهِ الْخَلِيفَة فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَجلسَ الْأُمَرَاء والقضاة حوله على قدر مَنَازِلهمْ
قلت والذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِي جَائِزَة تَقْلِيد السلطنة مِمَّا يُرْسل بِهِ السُّلْطَان إِلَى الْخَلِيفَة ألف دِينَار مَعَ قماش سكندرى ضمن بقجة بِحَسب الْحَال
стр. 593
الْفَصْل الثَّالِث
من الْبَاب الثَّانِي
فِي ذكر الْمَشَاهِير مِمَّن أدعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم وَبطلَان شُبْهَة دعاويهم
أما الْمَشَاهِير مِمَّن ادّعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم فَاعْلَم أَنه قد قَامَ على خلفاء بنى الْعَبَّاس فِي أول أَمرهم قائمون من العلويين فِي بِلَاد وأزمان مُخْتَلفَة فَمنهمْ من قبض عَلَيْهِ وَلم يتم لَهُ أَمر كمحمد بن على الْخَارِج على أَبى جَعْفَر الْمَنْصُور وَمِنْهُم من فر إِلَى الْبِلَاد الْبَعِيدَة ودعا إِلَى نَفسه فَكَانَ لَهُ دولة كإدريس الْأَكْبَر بن حسن المثلث ابْن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط حِين فر إِلَى الغرب الْأَقْصَى فَكَانَ لَهُ ولعقبه بِهِ دولة ثمَّ انقرضت إِلَّا أَنه لم يدع أحد مِنْهُم الْخلَافَة وطالت دولته
إِلَّا ثَلَاث طوائف
стр. 594
الطَّائِفَة الأولى
بَنو أُميَّة بالأندلس
وَذَلِكَ أَن بنى الْعَبَّاس عِنْد استيلائهم على الْأَمر وانتقال الْخلَافَة إِلَيْهِم تتبعوا بنى أُميَّة بِالْقَتْلِ فهرب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَسَار حَتَّى دخل الأندلس فَعرف بالداخل لذَلِك ودعا إِلَى نَفسه بالخلافة هُنَاكَ وَاسْتولى على مَا كَانَ بيد الْمُسلمين من الأندلس فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة من الْهِجْرَة وقصده بَنو أُميَّة من الْمشرق والتجؤوا إِلَيْهِ وَتوفى فِي ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَملك بعده ابْنه هِشَام واستخلف بعده ابْنه الحكم ابْنه عبد الرَّحْمَن وَملك بعده ابْنه مُحَمَّد وَملك بعده ابْنه الْمُنْذر وَملك بعده أَخُوهُ عبد الله وَملك بعده ابْن ابْنه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله وتلقب بالناصر وخوطب بأمير الْمُؤمنِينَ بعد أَن مضى من خِلَافَته تسع وَعِشْرُونَ سنة وَهُوَ أول من تلقب مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة ودعى بامير الْمُؤمنِينَ وَكَانُوا قبل ذَلِك يخاطبون بالإمارة خَاصَّة وَولى الْأَمر بعده ابْنه الحكم وتلقب
стр. 595
بالمستنصر وعهد إِلَى ابْنه هِشَام ولقبه الْمُؤَيد فغلبه على الْأَمر مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْمُقدم ذكره وتلقب بالمهدى ثمَّ غَلبه سُلَيْمَان بن الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ غَلبه مُحَمَّد بن هِشَام المهدى الْمَذْكُور ثمَّ عَاد هِشَام بن الحكم الْمُقدم ذكره ثمَّ عَاد سُلَيْمَان بن الحكم الْمُقدم ذكره ولقب بالمستعين ثمَّ غَلبه المهدى مُحَمَّد بن هِشَام الْمُقدم ذكره ثمَّ غَلبه المستعين على قرطبة ثمَّ قتل الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام الْمَذْكُور وَعَاد هِشَام إِلَى خِلَافَته هَذَا كُله والمستعين محاصر لقرطبة إِلَى أَن افتتحها عنْوَة وَقتلُوا الْمُؤَيد هشاما ثمَّ غلب على وقاسم ولدا حمود من الأدارسة على قرطبة وَقتلُوا المستعين وأزالوا ملك بني أُميَّة من الأندلس ثمَّ غلب على الأندلس المرتضى بِاللَّه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن بن عبد الْملك بن النَّاصِر ثمَّ ولى بعده المستظهر بِاللَّه عبد الرَّحْمَن بن شهام ابْن عبد الْجَبَّار ثمَّ غلب عَلَيْهِ المستكفى بِاللَّه مُحَمَّد بن
стр. 596
عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر ثمَّ رَجَعَ الْأَمر إِلَى الأدارسة ثمَّ بُويِعَ للمعتد بِاللَّه هِشَام بن مُحَمَّد أخى المرتضى وَتوفى سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وانقطعت دولتهم من الأندلس
وَقد مضى القَوْل على ذَلِك مفصلا فِي خلال تراجم الْخُلَفَاء
الطَّائِفَة الثَّانِيَة
العبيديون
وهم أَبنَاء عبيد الله المهدى وَيُقَال لَهُم العلويون نِسْبَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ والفاطميون نِسْبَة إِلَى فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ وبالمصريين نِسْبَة إِلَى مصر لاستقرارهم بهَا آخرا وَكَانَ مبدأ أَمرهم أَن المكتفى بِاللَّه طلب عبيد الله الْمَذْكُور وَهُوَ يَوْمئِذٍ بسلمية لأمر بلغه عَنهُ ففر من الشَّام إِلَى الْعرَاق ثمَّ لحق بِمصْر
стр. 597
فِي جمادعة من خاصته وَلحق بإفريقية من بِلَاد الْمغرب فِي زى التُّجَّار وَوصل إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَدخل سجلماسة بِبِلَاد الْمغرب فورد على عاملها كتاب بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَقبض عَلَيْهِ هُوَ وَابْنه أَبُو الْقَاسِم نزار وَكَانَ أَبُو عبد الله الشيعى من شيعته قد أَقَامَ لَهُ الدعْوَة بِتِلْكَ الْبِلَاد قبل دُخُولهَا فَسَار من أفريقية فِي جمَاعَة من البربر وَدخل سجلماسة وَأخرج عبيد الله المهدى وَابْنه من الْحَبْس وَبَايَعَهُ وارتحل بِهِ إِلَى افريقية فنزلوا رقادة من بِلَاد إفريقية فِي أَوَائِل سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فبويع بهَا المهدى الْبيعَة الْعَامَّة واستقام أمره وَولى ابْنه ابا الْقَاسِم عَهده وَبنى مَدِينَة المهدية بإفريقية وَجعلهَا دَار ملكه وَاسْتولى على فاس من الغرب الْأَقْصَى وَدخل مُلُوكهَا من الأدارسة تَحت طَاعَته وبقى حَتَّى مَاتَ وَولى بعده ابْنه أَبُو الْقَاسِم نزار الْمُقدم ذكره ثمَّ ولى بعده ابْنه الْمَنْصُور بِاللَّه إِسْمَاعِيل فَلم يتسم بالخليفة وَلَا غير السِّكَّة وَلَا الْخطْبَة والبنود ثمَّ ولى بعد مَوته ابْنه الْمعز لدين الله ابو تَمِيم معد فَبعث قائده جوهرا إِلَى الديار المصرية فملكها وَبنى الْقَاهِرَة فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة ثمَّ استناب
стр. 598
بإفريقية وَسَار إِلَى مصر فملكها واستوطنها وَولى بعده ابْنه الْعَزِيز بِاللَّه أَبُو الْمَنْصُور وَولى بعد وَفَاته ابْنه الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبُو على الْمَنْصُور ثمَّ تولى بعده ابْنه الظَّاهِر لإعزاز دين الله أَبُو الْحسن على وَولى بعد وَفَاته ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو تَمِيم معد وَولى بعد وَفَاته ابْنه المستعلى بِاللَّه وَولى بعد وَفَاته الْآمِر بِأَحْكَام الله أَبُو على الْمَنْصُور وَولى بعد وَفَاته ابْن عَمه الْحَافِظ لدين الله أَبُو الميمون عبد الْمجِيد بن الْأَمِير أَبى الْقَاسِم مُحَمَّد وَولى بعد وَفَاته ابْنه الظَّاهِر بامرالله إِسْمَاعِيل ثمَّ ولى بعده ابْنه الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى وَولى بعد وَفَاته العاضد لدين الله أَبُو مُحَمَّد عبد الله
стр. 599
ابْن يُوسُف وَتوفى يَوْم عَاشُورَاء سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بعد أَن قطع السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الْخطْبَة لَهُ وخطب للخلفاء العباسيين بِبَغْدَاد
الطَّائِفَة الثَّالِثَة
الحفصيون من بقايا الْمُوَحِّدين بإفريقية وَكَانَ مبدأ أَمرهم أَن بِلَاد الْمغرب كَانَ قد ظهر فِيهَا القَوْل بِالظَّاهِرِ حَتَّى حملهمْ ذَلِك على القَوْل بالتجسيم وَمَا فِي مَعْنَاهُ من لَوَازِم الْوُقُوف مَعَ الظَّاهِر وَكَانَ مُحَمَّد بن تومرت من بعض بطُون المصامدة من البربر أهل بَيته أهل دين وَعبادَة وَقد شب فِي طلب الْعلم ورحل إِلَى الْمشرق قَاصِدا الْحَج وَدخل الْعرَاق ولقى أكَابِر علمائه وفحول النظار بِهِ وَأخذ مَذْهَب أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي القَوْل بِتَأْوِيل الْمُتَشَابه عَن عُلَمَاء الأشاعرة ولقى الإِمَام أَبَا حَامِد الْغَزالِيّ وَصَحبه ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاد الغرب وَطعن على أَهله فِي الْوُقُوف مَعَ الظَّاهِر وَحَملهمْ على القَوْل بالتأويل وَالْأَخْذ بقول الأشاعرة فِي جَمِيع العقائد إِلَى أَنه كَانَ يَقُول بقول الإمامية من الشِّيعَة فِي عصمَة الإِمَام
стр. 600
وانْتهى إِلَى بجاية فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يدرس الْعلم وأجتمع عَلَيْهِ بهَا عبد الْمُؤمن أحد أَصْحَابه ثمَّ سَار إِلَى بِلَاد المصامدة من البربر فنشر بهَا الْعلم وَأظْهر بهَا مَذْهَب الأشاعرة
وَكَانَ الْكُهَّان والمنجمون يحدثُونَ بِظُهُور ملك فِي الْمغرب من البربر فشاع فِي النَّاس أَنه ذَلِك الْملك أخْتَار من أَصْحَابه عشرَة فجعلهم خاصته وهم عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَأَبُو حَفْص عمر بن عَليّ وَغَيرهمَا ودعا المصامدة إِلَى بيعَته على التَّوْحِيد جنوحا إِلَى تَكْفِير أهل الظَّاهِر قائلين بالتجسيم فَبَايعُوهُ وَكَانَ قبل ذَلِك يلقب بِالْإِمَامِ فتلقب بعد الْمُبَايعَة بالمهدي ولقب عبد الْمُؤمن بن عَليّ بالخليفة إِشَارَة إِلَى أَنه خَلِيفَته ولقب أَبَا حَفْص عمر بن عَليّ بالشيخ وسما أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين تعريضا بتكفير المجسمة وَلم يزل حَتَّى توفّي فاستقر فِي خِلَافَته عبد الْمُؤمن أبن عَليّ الْمُقدم ذكره وأستولى على الأندلس والغرب الْأَقْصَى والغرب الْأَوْسَط فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَخمْس وَمِائَة ثمَّ أستولى على إفريقية فِي سنة خمس وَخمسين وَخمْس مائَة
следующие страницы →