Полный текст (1 075 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر ثمَّ رَجَعَ الْأَمر إِلَى الأدارسة ثمَّ بُويِعَ للمعتد بِاللَّه هِشَام بن مُحَمَّد أخى المرتضى وَتوفى سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وانقطعت دولتهم من الأندلس
وَقد مضى القَوْل على ذَلِك مفصلا فِي خلال تراجم الْخُلَفَاء
الطَّائِفَة الثَّانِيَة
العبيديون
وهم أَبنَاء عبيد الله المهدى وَيُقَال لَهُم العلويون نِسْبَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ والفاطميون نِسْبَة إِلَى فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ وبالمصريين نِسْبَة إِلَى مصر لاستقرارهم بهَا آخرا وَكَانَ مبدأ أَمرهم أَن المكتفى بِاللَّه طلب عبيد الله الْمَذْكُور وَهُوَ يَوْمئِذٍ بسلمية لأمر بلغه عَنهُ ففر من الشَّام إِلَى الْعرَاق ثمَّ لحق بِمصْر
стр. 597
فِي جمادعة من خاصته وَلحق بإفريقية من بِلَاد الْمغرب فِي زى التُّجَّار وَوصل إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَدخل سجلماسة بِبِلَاد الْمغرب فورد على عاملها كتاب بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَقبض عَلَيْهِ هُوَ وَابْنه أَبُو الْقَاسِم نزار وَكَانَ أَبُو عبد الله الشيعى من شيعته قد أَقَامَ لَهُ الدعْوَة بِتِلْكَ الْبِلَاد قبل دُخُولهَا فَسَار من أفريقية فِي جمَاعَة من البربر وَدخل سجلماسة وَأخرج عبيد الله المهدى وَابْنه من الْحَبْس وَبَايَعَهُ وارتحل بِهِ إِلَى افريقية فنزلوا رقادة من بِلَاد إفريقية فِي أَوَائِل سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فبويع بهَا المهدى الْبيعَة الْعَامَّة واستقام أمره وَولى ابْنه ابا الْقَاسِم عَهده وَبنى مَدِينَة المهدية بإفريقية وَجعلهَا دَار ملكه وَاسْتولى على فاس من الغرب الْأَقْصَى وَدخل مُلُوكهَا من الأدارسة تَحت طَاعَته وبقى حَتَّى مَاتَ وَولى بعده ابْنه أَبُو الْقَاسِم نزار الْمُقدم ذكره ثمَّ ولى بعده ابْنه الْمَنْصُور بِاللَّه إِسْمَاعِيل فَلم يتسم بالخليفة وَلَا غير السِّكَّة وَلَا الْخطْبَة والبنود ثمَّ ولى بعد مَوته ابْنه الْمعز لدين الله ابو تَمِيم معد فَبعث قائده جوهرا إِلَى الديار المصرية فملكها وَبنى الْقَاهِرَة فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة ثمَّ استناب
стр. 598
بإفريقية وَسَار إِلَى مصر فملكها واستوطنها وَولى بعده ابْنه الْعَزِيز بِاللَّه أَبُو الْمَنْصُور وَولى بعد وَفَاته ابْنه الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبُو على الْمَنْصُور ثمَّ تولى بعده ابْنه الظَّاهِر لإعزاز دين الله أَبُو الْحسن على وَولى بعد وَفَاته ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو تَمِيم معد وَولى بعد وَفَاته ابْنه المستعلى بِاللَّه وَولى بعد وَفَاته الْآمِر بِأَحْكَام الله أَبُو على الْمَنْصُور وَولى بعد وَفَاته ابْن عَمه الْحَافِظ لدين الله أَبُو الميمون عبد الْمجِيد بن الْأَمِير أَبى الْقَاسِم مُحَمَّد وَولى بعد وَفَاته ابْنه الظَّاهِر بامرالله إِسْمَاعِيل ثمَّ ولى بعده ابْنه الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى وَولى بعد وَفَاته العاضد لدين الله أَبُو مُحَمَّد عبد الله
стр. 599
ابْن يُوسُف وَتوفى يَوْم عَاشُورَاء سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بعد أَن قطع السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الْخطْبَة لَهُ وخطب للخلفاء العباسيين بِبَغْدَاد
الطَّائِفَة الثَّالِثَة
الحفصيون من بقايا الْمُوَحِّدين بإفريقية وَكَانَ مبدأ أَمرهم أَن بِلَاد الْمغرب كَانَ قد ظهر فِيهَا القَوْل بِالظَّاهِرِ حَتَّى حملهمْ ذَلِك على القَوْل بالتجسيم وَمَا فِي مَعْنَاهُ من لَوَازِم الْوُقُوف مَعَ الظَّاهِر وَكَانَ مُحَمَّد بن تومرت من بعض بطُون المصامدة من البربر أهل بَيته أهل دين وَعبادَة وَقد شب فِي طلب الْعلم ورحل إِلَى الْمشرق قَاصِدا الْحَج وَدخل الْعرَاق ولقى أكَابِر علمائه وفحول النظار بِهِ وَأخذ مَذْهَب أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي القَوْل بِتَأْوِيل الْمُتَشَابه عَن عُلَمَاء الأشاعرة ولقى الإِمَام أَبَا حَامِد الْغَزالِيّ وَصَحبه ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاد الغرب وَطعن على أَهله فِي الْوُقُوف مَعَ الظَّاهِر وَحَملهمْ على القَوْل بالتأويل وَالْأَخْذ بقول الأشاعرة فِي جَمِيع العقائد إِلَى أَنه كَانَ يَقُول بقول الإمامية من الشِّيعَة فِي عصمَة الإِمَام
стр. 600
وانْتهى إِلَى بجاية فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يدرس الْعلم وأجتمع عَلَيْهِ بهَا عبد الْمُؤمن أحد أَصْحَابه ثمَّ سَار إِلَى بِلَاد المصامدة من البربر فنشر بهَا الْعلم وَأظْهر بهَا مَذْهَب الأشاعرة
وَكَانَ الْكُهَّان والمنجمون يحدثُونَ بِظُهُور ملك فِي الْمغرب من البربر فشاع فِي النَّاس أَنه ذَلِك الْملك أخْتَار من أَصْحَابه عشرَة فجعلهم خاصته وهم عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَأَبُو حَفْص عمر بن عَليّ وَغَيرهمَا ودعا المصامدة إِلَى بيعَته على التَّوْحِيد جنوحا إِلَى تَكْفِير أهل الظَّاهِر قائلين بالتجسيم فَبَايعُوهُ وَكَانَ قبل ذَلِك يلقب بِالْإِمَامِ فتلقب بعد الْمُبَايعَة بالمهدي ولقب عبد الْمُؤمن بن عَليّ بالخليفة إِشَارَة إِلَى أَنه خَلِيفَته ولقب أَبَا حَفْص عمر بن عَليّ بالشيخ وسما أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين تعريضا بتكفير المجسمة وَلم يزل حَتَّى توفّي فاستقر فِي خِلَافَته عبد الْمُؤمن أبن عَليّ الْمُقدم ذكره وأستولى على الأندلس والغرب الْأَقْصَى والغرب الْأَوْسَط فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَخمْس وَمِائَة ثمَّ أستولى على إفريقية فِي سنة خمس وَخمسين وَخمْس مائَة
стр. 601
وَولي إفريقية ابْنه أَبَا مُوسَى عمرَان وَلما توفّي عبد الْمُؤمن أستقر بعده أبنه الْمَنْصُور يَعْقُوب بن عبد الْمُؤمن فولي على إفريقية أَبَا سعيد بن الشَّيْخ أبي حَفْص الْمُقدم ذكره ثمَّ أستولى على إفريقية بعد ذَلِك النَّاصِر بن الْمَنْصُور يَعْقُوب بن عبد الْمُؤمن وَولي عَلَيْهَا الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أبي حَفْص وَولي بعد وَفَاته أبنه أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد ثمَّ عزل عَنْهَا وَولي مَكَانَهُ أَبُو الْعلَا إِدْرِيس بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَمَات بتونس فولي بعده أَبُو زيد بن أبي الْعلَا ثمَّ ولي بعده أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أبي حَفْص ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا ابو زَكَرِيَّا يحيى بن ابي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أبنه أَبُو عبد الله مُحَمَّد وتلقب الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَهُوَ أول من تلقب مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة وأنتهى أمره إِلَى أَن بُويِعَ لَهُ بِمَكَّة وَبعث بالبيعه إِلَيْهِ وَتَبعهُ أعقابه فِي التلقيب مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أبنه يحيى وتلقب بالواثق ثمَّ أَنْخَلِع عَن الْأَمر لِعَمِّهِ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن
стр. 602
يحيى ثمَّ ولي بعده أبنه أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو حَفْص عمر بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أَبُو عصيدة بن الواثق بن الْمُسْتَنْصر الْمُقدم ذكره ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو الْبَقَاء خَالِد وتلقب النَّاصِر لدين الله ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو يحيى زَكَرِيَّا بن أَحْمد أبن مُحَمَّد اللحياني أبن عبد الْوَاحِد أبن الشَّيْخ أبي حَفْص ثمَّ بُويِعَ بعده مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي حَرْبَة أبن أبي يحيى زَكَرِيَّا بن أَحْمد ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو بكر الْمُقدم ذكره ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أبنه أَبُو حَفْص عمر بن أبي بكر ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا السُّلْطَان أَبُو حسن الموريني صَاحب الغرب الْأَقْصَى وأستخلف عَلَيْهَا أبنه أَبَا الْفضل فغلبه عَلَيْهَا الْفضل بن أبي بكر الْمُقدم ذكره وَولي
стр. 603
بعد وَفَاته أَخُوهُ أَبوهُ إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أبي بكر وَولي بعد وَفَاته أبنه أَبُو البقا خَالِد ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن يحيى بن إِبْرَاهِيم بن يحيى أبن عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أبي حَفْص ثمَّ ولي بعد وَفَاته أبنه أَبُو فَارس عزوز وَهُوَ الْقَائِم بهَا إِلَى زَمَاننَا قي سنة ثَمَان عشرَة وثمان مائَة عَليّ مَا مر ذكر تواريخ ذَلِك وتفاصيل أَحْوَاله فِي الْكَلَام على ولايات الْأَمْصَار فِي تراجم الْخُلَفَاء
وَأما بطلَان شُبْهَة دَعْوَة الطوائف الثَّلَاث الْخلَافَة
فَالْقَوْل الْعَام فِي ذَلِك مَا تقدم من أَن جُمْهُور الْعلمَاء ﵃ على أَنه لَا يَصح نصب خليفتين وَأَن تبَاعد أقليماهما وأحتجاجا بِعُمُوم قَوْله ﷺ إِذا بُويِعَ لخليفتين فَاقْتُلُوا الآخر مِنْهُم على مَا تقدم ذكره فِي الْفَصْل الثَّالِث من الْبَاب الأول وَالْخُلَفَاء الْمُقدم ذكرهم من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ﵃ ثمَّ من خلفاء بني أُمِّيّه ثمَّ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق ثمَّ من خلفاءهم بالديار المصرية إِلَى آخر وَقت جارون على نسق وَاحِد يَليهَا ى مِنْهُم الْوَاحِد بعد الْوَاحِد إِمَّا بالعهد من الَّذِي قبله
стр. 604
وَإِمَّا بيعَة من أهل الْحل وَالْعقد فَمن خرج عَنْهُم أَو شقّ عصاهم فَهُوَ بَاغ لَا تسوغ مبايعته ولاتحل مُتَابَعَته وَيزِيد العبيديون والحفصيون على ذَلِك فِي بطلَان شُبْهَة دَعوَاهُم بالطعن فِي النّسَب الَّذِي هوأحد شُرُوط الإماميه على مَا تقدم ذكره فالعبيديون يَقُولُونَ إِن جدهم عبيد الله المهدى هُوَ ابْن مُحَمَّد الحبيب بن جَعْفَر الْمُصدق بن مُحَمَّد المكتوم بن إِسْمَاعِيل الإِمَام بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر بن على زين العابدين بن الْحُسَيْن السبط بن أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ من فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ وَيُقَال هُوَ عبيد الله بن مُحَمَّد بن مَيْمُون بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل والباقى على مَا تقدم وَيَقُولُونَ إِن أَبَاهُ مُحَمَّدًا الحبيب حِين أَدْرَكته الْوَفَاة عهد إِلَى ابْنه عبيد الله وَقَالَ لَهُ أَنْت المهدى وتهاجر بعدى هِجْرَة بعيدَة وتلقى محنة شَدِيدَة
وَاعْترض هَذَا النّسَب عَلَيْهِم معترضون ونفوهم عَنهُ وبالغوا فِي أَمرهم حَتَّى نسبوهم إِلَى ديصان الذى تنْسب إِلَيْهِ طَائِفَة الديصانية نِسْبَة إِلَى ديصان صَاحب كتاب الْمِيزَان فِي نصْرَة الزندقة واعتنوا بشأن ذَاك حَتَّى كتب
стр. 605
بِهِ محْضر بِبَغْدَاد فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة بِأَمْر الْقَادِر بِاللَّه فِي زمن الْحَاكِم بِأَمْر الله أحد خلفائهم وَكتب فِيهِ جمَاعَة من العلويين والقضاة وَمِمَّنْ كتب فِيهِ أَبُو عبد الله ابْن النُّعْمَان فَقِيه الشِّيعَة
ونسخة الْمحْضر على مَا ذكره السُّلْطَان عماد الدّين صَاحب حماة فِي تَارِيخه
هَذَا مَا شهد بِهِ الشُّهُود أَن معد بن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد منتسب إِلَى ديصان بن سعيد الذى ينْسب إِلَيْهِ الديصانية وَأَن هَذَا الناجم مِنْهُم هُوَ مَنْصُور ابْن نزار الملقب بالحاكم حكم عَلَيْهِ بالبوار والدمار وَهُوَ معد بن اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد لاأسعده الله وَأَن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس عَلَيْهِم لعنة الله ولعنة اللاعنين أدعياء خوارج لانسب لَهُم فِي ولد على بن أَبى طَالب وَأَن مَا أَدْعُوهُ من الانتساب أليهم زور وباطل وَأَن هَذَا الناجم معدا هُوَ وسلفه كفار فساق زنادقة ملحدون معطلون وللإسلام جاحدون أباحوا الْفروج وَأَحلُّوا الْخُمُور وَسبوا الْأَنْبِيَاء وَادعوا الربوبية وَفِي آخِره
стр. 606
وَكتب فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة
وَرُبمَا وَقع الطعْن فيهم بِمَا هُوَ أَسْوَأ من ذَلِك حسب مَا ذكره صَاحب حماة أَن بَعضهم جعل نسبهم فِي الْيَهُود فَقَالَ إِن عبيد الله المهدى كَانَ اسْمه سعيد بن أَحْمد القداح بن مَيْمُون بن ديصان وَقيل سعيد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد وَإِن الْحُسَيْن تزوج امْرَأَة يَهُودِيَّة وهويها
والحفصيون يَقُولُونَ إِن جدهم أَبُو حَفْص الْمَذْكُور هُوَ أَبُو حَفْص عمر بن يحيى بن مُحَمَّد بن وانود بن على بن أَحْمد بن ولال بن إِدْرِيس بن خَالِد بن اليسع ابْن إلْيَاس بن عمر بن وافتف بن مُحَمَّد بن نحية بن كَعْب بن مُحَمَّد بن سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب
وَقد اعْترض عَلَيْهِم معترضون فِي ذَلِك فَمنهمْ من يَقُول إِنَّه مَنْسُوب إِلَى بنى عدى رَهْط عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ وَمِنْهُم من يَقُول بل هُوَ مَنْسُوب إِلَى هنتاتة بِفَتْح
стр. 607
الْهَاء وَإِسْكَان النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَبعدهَا ألف ثمَّ تَاء مثناة فَوق مَفْتُوحَة وهاء فِي الآخر وهى قَبيلَة من قبائل المصامدة من البربر بجبال درن المتاخمة لمراكش وهى قَبيلَة وَاسِعَة كَبِيرَة وَكَانَ أَبُو حَفْص هَذ ١ شيخهم وَكَبِيرهمْ
قَالَ صاحبب العبر وَلَعَلَّ هَذَا النّسَب القرشى وَقع فِي المصامدة والتحم بهم واشتملت عَلَيْهِ عصبتهم شَأْن الْأَنْسَاب الَّتِى تقع من قوم إِلَى قوم
ويؤكد نفى الْخلَافَة عَنْهُم أَن السُّلْطَان أَبَا زَكَرِيَّا يحيى ابْن عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أَبى حَفْص كَانَ يمْتَنع من التلقب بألقاب الْخلَافَة وَيمْنَع من يخاطبه بهَا مُقْتَصرا على التلقب بالإمارة حَتَّى لقد رفع إِلَيْهِ بعض شعرائه قصيدة مدحه بهَا أَولهَا ... أَلا صل بالأمير المؤمنينا
فَأَنت بهَا أَحَق العالمينا ...
فَنَهَاهُ عَن ذَلِك ومنعهم من خطابة بهَا وَإِنَّمَا تلقب بلقب الْخلَافَة ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بعده على مَا تقدم ذكره
стр. 608
الْبَاب الثَّالِث
فِي ذكر مَا يكْتب للخلفاء من البيعات فِي الْقَدِيم والْحَدِيث وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول
فِي البيعات
وهى تكْتب لمن يقوم بالخلافة بمبايعة أهل الْحل وَالْعقد دون عهد من الْخَلِيفَة قبله بِالشُّرُوطِ السَّابِقَة على مَا تقدم ذكره فِي الْكَلَام على الطّرق الَّتِى تَنْعَقِد بهَا الْإِمَامَة فِي الْبَاب الأول من الْكتاب
وَأعلم أَن الصّديق رضى الله عَنهُ لم تكْتب لَهُ بيعَة بالخلافة بعد النبى ﷺ إِذْ لم ينْقل ذَلِك وَلَو وَقع لنقل كَمَا نقل كتاب عهد الصّديق بالخلافة لعمر رضى الله عَنْهُمَا على مَا سيأتى ذكره وَكَذَلِكَ سَائِر الْخُلَفَاء بعده لم تكْتب لَهُم مبايعة إِلَى أَن كَانَت أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان فِي الدولة الأموية رتب الْحجَّاج بن يُوسُف
стр. 609
أيمانا لِلْبيعَةِ يحلف بهَا للخليفة عِنْد أَخذ الْبيعَة لَهُ وابتدئ كِتَابه البيعات من يَوْمئِذٍ ونظم الْإِيمَان فِي خلالها وَاسْتمرّ ذَلِك فِيمَا بعده وَاخْتلفت أساليب الْكتاب بعد ذَلِك دولة بعد دولة وَقد اسْتَقر أَمرهم فِي ذَلِك على أَرْبَعَة مَذَاهِب
الْمَذْهَب الأول
أَن تفتتح الْبيعَة بِأَن يُقَال تبَايع عبد الله أَبَا فلَان فلَانا أَمِير الْمُؤمنِينَ على كَذَا وَكَذَا على أَنَّك إِن خَالَفت فِي ذَلِك أَو فِي شئ مِنْهُ كَانَ لازمك كَذَا وَكَذَا مَعَ بسط القَوْل فِي ذَلِك بِمَا يُنَاسب الْمقَام وتأكيده بِالْإِيمَان المعقدات والأليات المحرجات
وعَلى هَذَا الأسلوب كَانَت طَريقَة الْأَوَّلين فِي الْخلَافَة الأموية وَصدر الْخلَافَة العباسية فَإِن كَانَت الْمُبَايعَة من جمَاعَة كتب تُبَايِعُونَ بِلَفْظ الْجمع
стр. 610
وَهَذِه نُسْخَة بيعَة من ذَلِك
أوردهَا أَبُو الْحُسَيْن بن إِسْحَاق الصابى فِي كِتَابه غرر البلاغة فِي الْكِتَابَة وهى
تبَايع عبد الله أَبَا فلَان فلَانا أَمِير الْمُؤمنِينَ بيعَة طوع وَاخْتِيَار وتبرع وإيثار وإعلان وإسرار وَإِظْهَار وإضمار وَصِحَّة من غير نغل وسلامة من غير دغل وثبات من غير تَبْدِيل ووقار من غير تَأْوِيل واعتراف بِمَا فِيهَا من جمع الشمل واتصال الْحَبل وانتظام الْأُمُور وَصَلَاح الْجُمْهُور وحقن الدِّمَاء وَسُكُون الدهماء وسعادة الْخَاصَّة والعامة وَحسن العائدة على أهل الْملَّة والذمة على أَن عبد الله فلَانا أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الله الذى اصطفاه وأمينه الذى ارْتَضَاهُ وخليفته الذى جعل طَاعَته جَارِيَة بِالْحَقِّ وموجبة على الْخلق وموردة لَهُم مورد الْأَمْن وعاقدة لَهُم معاقد الْيمن
стр. 611
وولايته مؤذنة لَهُم بجميل الصنع ومؤدية بهم إِلَى جزيل النَّفْع وإمامته الْإِمَامَة الَّتِى اقْترن بهَا الْخَيْر وَالْبركَة والمصلحة الْعَامَّة الْمُشْتَركَة وأمل فِيهَا قمع الملحد الجاحد ورد الجائر الحائد وَقسم العاصى الخالع وَعطف الغاوى المنازع وعَلى أَنَّك ولى أوليائه وعدو أعدائه من كل دَاخل فِي الْجُمْلَة وخارج عَن الْملَّة وعائذ بالحوزة وحائد عَن الدعْوَة ومستمسك بِمَا بذلته عَن إخلاص من رَأْيك وَحَقِيقَة من وفائك لاتنقض وَلَا تنكث وَلَا تخلف وَلَا توارى وَلَا تخادع وَلَا تداجى وَلَا تخاتل علانيتك مثل نيتك وقولك مثل طويتك وعَلى الا ترجع عَن شَيْء من حُقُوق هَذِه الْبيعَة وشرائطها على مر الْأَيَّام وتطاولها وَتغَير الْأَحْوَال وتنقلها وَاخْتِلَاف الْأَزْمَان وَتَقَلُّبهَا وعَلى أَنَّك فِي كل ذَلِك من أهل الْملَّة الإسلامية ودعاتها وَأَعْوَان الدولة العباسية ورعاته الايتداخل قَوْلك مواربه وَلَا يداخله مداهنة وَلَا يَعْتَرِضهُ مغالطة ولايتعقبه مُخَالفَة وَلَا تختل بِهِ أَمَانه وَلَا تعله خِيَانَة حَتَّى تلقى الله مُقيما على أَمرك ووفيا
стр. 612
بعهدك إِذْ كَانَ مبايعو وُلَاة الْأَمر وخلفاء الله فِي الأَرْض ﴿إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما﴾
عَلَيْك بِهَذِهِ الْبيعَة الَّتِى أَعْطَيْت بهَا صَفْقَة يدك وأصفيت فِيهَا سريرة قَلْبك والتزمت الْقيام بهَا مَا طَال عمرك وامتد أَجلك عهد الله إِن عهد الله كَانَ مسؤولا وَمَا اخذه على أنبيائه وَرُسُله وملائكتة وَحَملَة عَرْشه من أَيْمَان مُغَلّظَة وعهود مُؤَكدَة ومواثيق مُشَدّدَة على أَنَّك تسمع وتصغى وتطيع فَلَا تعصى وتعدل وَلَا تميد وتستقيم وَلَا تحيد وتفى وَلَا تغدر وَتثبت وَلَا تَتَغَيَّر فَمَتَى زلت عَن هَذِه المحجة خافرا لأمانتك ورافعا لديانتك فَجحدت الله تَعَالَى ربوبيته وأنكرته وحدانيته وَقطعت عصمَة مُحَمَّد ﷺ مِنْك وجذذتها ورميت طاعتة وَرَاء ظهرك ونبذتها وَلَقِيت الله يَوْم الْحَشْر إِلَيْهِ وَالْعرض عَلَيْهِ مُخَالفا لأَمره
стр. 613
وخائنا لعهده وَمُقِيمًا على الْإِنْكَار لَهُ ومصرا على الْإِشْرَاك بِهِ وكل مَا حلله الله لَك محرم عَلَيْك وكل مَا تملكه يَوْم رجوعك عَن بذلك وارتجاعك مَا اعطيته من قَوْلك من مَال مَوْجُود ومذخور ومصوغ ومضروب وسارح ومربوط وسائم ومعقول وَأَرْض وضيعة وعقار وعقدة ومملوك وَأمة صَدَقَة على الْمَسَاكِين مُحرمَة على مر السنين وكل امْرَأَة لَك تملك شعرهَا وبشرها وَأُخْرَى تتزوجها من بعْدهَا طَالِق ثَلَاثًا بتاتا طَلَاق الْحَرج وَالسّنة لَا رَجْعَة فِيهَا وَلَا مثنوية وَعَلَيْك الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام الذى بِمَكَّة ثَلَاثِينَ مرّة حاسرا حافيا وراجلا مَاشِيا نذرا لَازِما ووعدا صَادِقا لايبرئك مِنْهَا إِلَّا الْقَضَاء لَهَا وَالْوَفَاء بهَا وَلَا قبل الله مِنْك تَوْبَة وَلَا رَجْعَة وَلَا إِقَالَة عَثْرَة وَلَا ضرعة وخذلك يَوْم الاستنصار بحوله وأسلمك عِنْد الاعتصمام بحبلة وَهَذِه الْيَمين قَوْلك قلتهَا قولا فصيحا وسردتها سردا صَحِيحا وأخلصت فِيهَا سرك إخلاصا متينا
стр. 614
وصدقت بهَا عزمك صدقا يَقِينا وَالنِّيَّة فِيهَا نِيَّة فلَان أَمِير الْمُؤمنِينَ دون نيتك والطوية فِيهَا طويته دون طويتك وأشهدت الله على نَفسك بذلك وَكفى بِاللَّه شَهِيدا يَوْم تَجِد كل نفس عَلَيْهَا حَافِظًا ورقيبا
قلت وعَلى هَذَا الأسلوب فِي الْمُبَايعَة رتب الْكتاب الْإِيمَان الَّتِى يحلف بهَا عَن السُّلْطَان فِي زَمَاننَا
الْمَذْهَب الثانى
فِي البيعات أَن تفتتح البعية بِلَفْظ من عبد الله أَبى فلَان فلَان أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْكُم فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْكُم الله الذى لَا أَله إِلَّا هُوَ ويسأله أَن يصلى على ابْن عَمه مُحَمَّد ﷺ ثمَّ يُقَال أما بعد فَالْحَمْد لله وَيُؤْتى بِخطْبَة مُنَاسبَة الْمقَام ثمَّ يعزى بالخليفة الماضى إِن كَانَت الْبيعَة مرتبَة على موت خَليفَة وَيذكر قِيَامه بأعباء الْأمة إِلَى حِين ذَهَابه ثمَّ يُقَال إِنَّه لم يُوجد من ينْهض بأعباء الْخلَافَة بعده إِلَّا وَلَده فلَان أَو أَخُوهُ أَو ابْن عَمه أَو نَحْو ذَلِك وَيُؤْتى بتقريظة وَذكر اسْتِحْقَاقه للخلافة دون غَيره ثمَّ الْقَائِم
стр. 615
بالبيعة لَهُ بِحَضْرَتِهِ أَو فِي بعض الْأَطْرَاف بِأخذ الْبيعَة لَهُ على من قبله من الرّعية وعَلى ذَلِك كَانَت تكْتب بيعات الْخُلَفَاء الفاطميين بالديار المصرية بجملتها
وَهَذِه نُسْخَة بيعَة من هَذَا النمط
من عبد الله ووليه أَبى فلَان فلَان بن فلَان الإِمَام الفلانى بِأَمْر الله تَعَالَى أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى من يضمه نطاق الدولة العباسية من أمرائها وأعيانها وكبرائها وأوليائها على اتساع شعوبهم وعساكرها على اخْتِلَاف ضروبهم وقبائل عربها القيسية واليمنية وكافة من تشمله أقطارها من أَصْنَاف الرّعية الْأَمِير مِنْهُم والمأمور وَالْمَشْهُور مِنْهُم والمغمور وَالْأسود والأحمر والأصغر والأكبر وفقهم الله وَبَارك فيهم
سَلام عَلَيْكُم فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْكُم الله الذى لَا أَله الا هُوَ ويسأله أَن يصلى على ابْن عَمه مُحَمَّد
стр. 616
خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين ﷺ وعَلى آله الطاهرين الآئمة المهديين وَسلم تَسْلِيمًا
أما بعد فَالْحَمْد لله مولى الْمَنّ الجسيم ومبدى الطول العميم ومانح جزيل الْأجر بِالصبرِ الْعَظِيم منيل النعم المتسعة الْفُنُون ومدنى المهج المتعالية التَّنَاوُل للمنون ومبيد الْأَعْمَار ومفنيها وناشر الْأَمْوَات ومحييها والفاتح إِذا استغلقت الْأَبْوَاب وَالْقَائِل ﴿لكل أجل كتاب﴾ الذى لايغير ملكه مُرُور الْغَيْر وَلَا يصرف سُلْطَانه تصرف الْقدر وَلَا يدْرك قدمه وأزليته وَلَا ينْفد بَقَاؤُهُ وسرمديته مُسلم الْأَنَام للحمام ومصمى الْأَنْفس بسهام الاخترام ومورد الْبشر من الْمنية منهلا مَا برحوا فِي رنقة يكرعون ولمرة ييجعون ومفسر ذَلِك بقوله ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة وإلينا ترجعون﴾ وَالْحَمْد لله الذى نصب الْأَنْبِيَاء لمراشده أعلاما وَحفظ ببعثهم من الْحق وَالْهدى نظاما ٢
стр. 617
وَجعل نبوة ابْن عمنَا مُحَمَّد ﷺ لنبواتهم ختاما وَلم يحم نَبيا مَعَ مَا شرفه من تنَاول وحيه وتلقيه وَلَا عصم إِمَامًا مَعَ اخْتِصَاصه بِفُرُوع منصب الْإِمَامَة وترقية من لِقَاء الْمنية ووداع الأمنية بل أجل لكم مِنْهُم اجلا مَكْتُوبًا وفسح لَهُ أمدا محصورا محسوبا لَا يصرف عَن وُصُوله مقِيله وَلَا يصل إِلَى تجاوزه بِقُوَّة وَلَا حِيلَة سَبيله وَقَضِيَّة قدرَة محكمَة الْأَسْبَاب وعبرة وَاضِحَة لأولى الْأَلْبَاب أوضحها فرقانه الذى أقرّ بإعجازه الجاحد بهَا إِذْ يَقُول مُخَاطبا لنَبيه ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ وَالْحَمْد لله الذى منح أَمِير الْمُؤمنِينَ من خَصَائِص الْإِمَامَة وأنوارها وَحَازَ لَهُ من ذخائرها وأودعه من أسرارها وَحَوله فِي آخر تراثها وأصار لَهُ شرف مِيرَاثهَا وَجعله الْقَائِم بحقة والمرشد لخلقه والماحى بهداه لَيْلًا
стр. 618
من الضلال بهيما والحاوى بخلافته مجدا وَلَا يزَال ثَنَاؤُهُ عَظِيما ﴿ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما﴾ يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على ان أوضح بآبائه الآئمة سبل الْحَقَائِق فَأَصْبحُوا خلفاء الْخَالِق وأئمة الْخَلَائق وخوله مَا اختصهم بِهِ من الْإِمَامَة وَرَفعه بهَا إِلَى أشمخ منَازِل الْعلَا وَأَرْفَع مَوَاطِن الْكَرَامَة ويستمده شكرا يوازى النعم الَّتِى أَثْبَتَت لَهُ على سَرِير الْخلَافَة ومنبرها قدما وصبرا يوازن الفجيعة الَّتِى قل لَهَا فيض المدامع دَمًا
ويسأله أَن يصلى على ابْن عَمه مُحَمَّد ﷺ الذى فض بجهاده جموع الْإِلْحَاد وَحصر بِاجْتِهَادِهِ من مَال عَن الْهدى وحاد وصدع بِمَا أَمر بِهِ حَتَّى عَم التَّوْحِيد ودانت لمعجزاته الْأُمَم وَقد دَعَاهَا وَهُوَ الْمُفْرد الوحيد وَلم يزل مبالغا فِي مرضاة ربه حريصاص على إِظْهَار دينه بِيَدِهِ وَلسَانه وَقَلبه حَتَّى اسْتَأْثر بِهِ وَقَبضه وبدله من الدُّنْيَا شرف جواره وعوضه وأصاره إِلَى افضل نبى نفر وَبشر وَأَحْيَا دين الله وأنشر
стр. 619
وَإِن الإِمَام الفلانى لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ وليا لله شرفه واستخلصه وأفرده بإمامة عصره وخصصه وفوض إِلَيْهِ أَمر خِلَافَته أحله محلا تقع مطارح الهمم دون علوه وإنافته فَقَامَ بِحَق الله ونهض وَعمل بامره فِيمَا سنّ وَفرض وقهر الاعداء بسطواته وعزائمه وَصرف الامور بازمه التَّدْبِير وخزائمه وَبَالغ فِي الذب عَن اشياع المله واجتهد فِي جِهَاد اعداء القبله ووقف على مصلحه الْبِلَاد امله ووفر على مَا يحظى عِنْد الله قَوْله وَعَمله وَلم يتْرك فِي مرضاة خالقه مشقه الا احتملها وَلَا رويه الا صرفهَا فِي ارشاد خلقه واعملها حَتَّى بلغ الغايه المحدوده واستكمل الانفاس المعدودة واحسن الله لَهُ الِاخْتِيَار واثر لَهُ النقله من هَذِه الدَّار والزلفى لسكنى دَار الْقَرار والفوز بمصاحبة الانبياء الابرار والحلول فِي حظائر قدسه مَعَ ابائه الائمه الاطهار فَصَارَ اليه طَاهِر السريرة جميل الْمَذْهَب والصوره مستوجبا بسعيه افضل رضوانه ممهدا بالتقوى لتدبيره اكناف جنانه
стр. 620
وامير الْمُؤمنِينَ يحْتَسب عِنْد الله هَذِه الرزيه الَّتِي عظم بهَا الْمُصَاب وعذب عِنْد تجرعها الْمُصَاب واضرمت الْقُلُوب نَارا واجرت الاماق دَمًا ممارا واطاشت بهولها الاكباد بالحرق وكحلت الاجفان بالارق وكادت لهجومها الصُّدُور تقذف افئدتها وَالدُّنْيَا تنْزع نضرتها وبهجتها وقواعد المله تضعف وتهى والخطوب ١٦٨ الكارثه تسهر وَلَا تَنْتَهِي فانا لله وانا اليه رَاجِعُون تَسْلِيمًا لامره الَّذِي لايدفع واذعانا لقضائه الَّذِي لايصد ولايمنع
وَكَانَ الامام الْفُلَانِيّ لدين الله امير الْمُؤمنِينَ عِنْد نقلته جعل لي عقد الحلافة وَنَصّ عَلَيْهِ بارتقاء منصبها الْمَخْصُوص بالانافة وافضى الى بسرها الْمكنون واودعني غامض علمهَا المصون وعهد الى ان اشملكم بِالْعَدْلِ والاحسان والعطف والحنان والرحمه والغفران والمن الرَّائِق الَّذِي لَا يكدره امتنان وان اكون لاعلام الْهدى ناشرا وَبِمَا ارضى الله مجاهرا ولاحزاب القبله
стр. 621
مُظَاهرا مظافرا ولاعداء المله مرغما قاهرا ولمنار التَّوْحِيد رَافعا وَعَن حوزه الاسلام بغاية الامكان دافعا مَعَ علمه بِمَا خصصت بِهِ امير الْمُؤمنِينَ من كرم الشيم وفطرت عَلَيْهِ من الْخلال القاضيه مصَالح الامم واوتيته من اسْتِحْقَاق الامامه واستيجابها ومنحته من الخصائص المبرمه لاسبابها
فتعزوا جَمِيع الاولياء وكافة الامراء وَجَمِيع الاجناد والحاضر من الرعايا والباد عَن امامكم الْمَنْقُول الى دَار الْكَرَامَة بامامكم الْحَاضِر الْمَوْجُود الَّذِي اورثه الله مقَامه وادخلوا فِي بيعَته بصدور مشروحه نقيه وَقُلُوب على مَحْض الطاعه مطويه وثبات فِي الْوَلَاء والمشايعة مرضيه وبصائر لَا تزَال بِنور الْهدى والاستبصار مضيه وامير الْمُؤمنِينَ يسال الله ان يَجْعَل امامته محظوظه بالاقبال دائمه الْكَمَال صافيه من الاكدار معضوضه بمواتاه الاقدار ويوالى حَمده على مَا منحه من الاصطفاء الَّذِي جعله لامور الدّين وَالدُّنْيَا قواما واقامه
стр. 622
للبريه سيدا واماما فاعلموا هَذَا وَاعْمَلُوا بِهِ وَالسَّلَام عَلَيْكُم ورحمه الله وَبَرَكَاته وَكتب يَوْم كَذَا من شهر كَذَا من سنه كَذَا ١٦٨ ب الْمَذْهَب الثَّالِث
ان يفتح البيعه بِلَفْظ هَذَا ويعزى بالخليفه الذَّاهِب ان كَانَت البيعه مرتبه على موت ثمَّ يهنى بالخليفه المستقر اَوْ يلوح بِذكر الْخلْع الْمُوجب لخلع المخلوع وَاسْتِحْقَاق المستقر فِي الخلافه بِحَيْثُ لَا يكون فِي التَّلْوِيح الى الْخلْع تنقيص لجَانب المخلوع وَلَا حط لقدره الا ان يكون الْخلْع قد وَقع لموجب شَرْعِي اقْتَضَاهُ الْحَال وَرُبمَا افتتحت البيعه بايه من كتاب الله تَعَالَى وَهَذِه نسخه بيعَة
انشاها الْمقر الشهابي بن فضل الله عِنْد موت الامام المستكفى بِاللَّه ابي الرّبيع سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بامر الله ومبايعه ابْنه الْحَاكِم بامر الله بعده امتحانا لخاطره واختبارا لذهنه وَلم يكْتب بهَا وَهِي
стр. 623
﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما﴾ هَذِه بَيْعه رضوَان وَبيعه احسان وَبيعه يشهدها الجماعه وَيشْهد عَلَيْهَا الرَّحْمَن بَيْعه يلْزم طائرها الْعُنُق وتحوم بشائرها على الافق وَتحمل انباءها البراري والبحار مشحونه الطّرق بَيْعه تصلح بِسَبَبِهَا الامه ويمنح بسيلها النعمه ويؤلف بهَا الْأَسْبَاب وَتجْعَل بَينهم مودرة وَرَحْمَة بيعَة يجْرِي بهَا الرفاق وتتزاحم زمر الْكَوَاكِب على حَوْض المجره للوفاق بَيْعه سعيده ميمونه بَيْعه شريفه بهَا السلامه فِي الدّين وَالدُّنْيَا مضمونه بَيْعه صَحِيحه شرعيه بَيْعه ملحوظه مرعيه بَيْعه تسابق اليها كل نيه وتطاوع ١٦٩ كل طويه وَتجمع عَلَيْهَا اشتات البريه بَيْعه يستهل بهَا الْغَمَام ويتهلل الْبَدْر التَّمام بَيْعه مُتَّفق على الاجماع عَلَيْهَا والاجتماع لبسط الايدى اليها انْعَقَد
стр. 624
عَلَيْهَا الاجماع وانعقدت صِحَّتهَا بِمن سمع ذَلِك واطاع وبذل فِي تَمامهَا كل امرىء مَا اسْتَطَاعَ وَحصل عَلَيْهَا اتِّفَاق الْأَبْصَار والأسماع وَوصل بهَا الْحق الى مُسْتَحقّه وَوَافَقَ الْخصم وَانْقطع النزاع ونظمها كتاب كريم يشهده المقربون ويتلقاه الْأَئِمَّة الأقربون ﴿الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله﴾ ﴿ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى النَّاس﴾ وإلينا وَللَّه الْحَمد وَإِلَى بني الْعَبَّاس اجْمَعْ على هَذِه الْبيعَة ارباب العقد والحل واصحاب الْكَلَام فِيمَا قل وَجل وولاة الْأُمُور وَالْأَحْكَام وأرباب المناصب والحكام وَحَملَة الْعلم والأعلام وحماة السيوف والأقلام وكابر بني عبد منَاف وَمن انخفض قدره وأناف وسروات قُرَيْش ووجوه بني هَاشم والبقية الطاهرة من بني الْعَبَّاس وخاصة الْأَئِمَّة وَعَامة النَّاس بيعَة ترسى بالحرمين خيامها
стр. 625
وتخفق على المأزمين أعلامها وتتعرف عَرَفَات ببركاتها وتعرف بمنى أَيَّامهَا ويؤمن عَلَيْهَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر ويؤم مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام والمنبر وَلَا يتبقى الا وَجه الله الْكَرِيم وفضله العميم لم يبْق صَاحب علم وَلَا علم وَلَا ضَارب بِسيف وَلَا كَاتب بقلم وَلَا رب حكم وَلَا قَضَاء وَلَا من يرجع اليه فِي اتِّفَاق وَلَا إِمْضَاء وَلَا إِمَام مَسْجِد وَلَا خطيب وَلَا ذُو فتيا يسْأَل فيجيب وَلَا من بَين جنبتي الْمَسَاجِد وَلَا من تضمهم اجنحة المحاريب وَلَا من يجْتَهد فِي رَأْي فيخطئ أَو يُصِيب وَلَا متحدث بِحَدِيث وَلَا مُتَكَلم بقديم وَحَدِيث وَلَا مَعْرُوف بدين وَصَلَاح وَلَا فرسَان حَرْب وكفاح وَلَا راشق لسهام وَلَا طَاعن برماح وَلَا ضَارب بصفاح وَلَا ساع على قدم وَلَا طَائِر بجناح وَلَا مخالط للنَّاس وَلَا قَاعد فِي عزلة وَلَا جمع كَثْرَة وَلَا قلَّة وَلَا من يسْتَقلّ بالجوزاء لواؤة وَلَا يقل فَوق الفرقد ثواؤه وَلَا باد وَلَا حَاضر وَلَا مُقيم وَلَا سَائِر وَلَا أول وَلَا آخر وَلَا مسر فِي بَاطِن وَلَا معلن فِي ظَاهر
стр. 626
وَلَا عرب وَلَا عجم وَلَا راعي إبل وَلَا غنم وَلَا صَاحب أَنَاة وَلَا إبدار وَلَا سَاكن فِي حضر وبادية بدار وَلَا صَاحب عمد وَلَا جِدَار وَلَا سابح فِي الْبحار الزاخرة والبراري القفار وَلَا من يتوقل صهوات الْخَيل وَلَا من يسبل على الْعَجَاجَة الذيل وَلَا من تطلع عَلَيْهِ شمس النَّهَار ونجوم اللَّيْل وَلَا من تظله السَّمَاء وتقله الأَرْض وَلَا من تدل عَلَيْهِ الْأَسْمَاء على اختلافها وترتفع دَرَجَات بَعضهم على بعض حَتَّى آمن بِهَذِهِ الْبيعَة وَأمن الله عَلَيْهِ وهداه إِلَيْهَا وَأقر بهَا وَصدق وغض لَهَا بَصَره خَاشِعًا وأطرق وَمد إِلَيْهَا يَده بالمبايعة ومعتقده بالمتابعة رضى بهَا وارتضاها وَأَجَازَ حكمهَا على نَفسه وأمضاها وَدخل تَحت طاعتها وَعمل بمقتضاها ﴿وَقضي بَينهم بِالْحَقِّ وَقيل الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾
وَالْحَمْد لله الَّذِي نصب الْحَاكِم ليحكم بَين عباده وَهُوَ أحكم الْحَاكِمين وَالْحَمْد لله الَّذِي أَخذ حق آل بَيت نبيه من أَيدي الظَّالِمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ
стр. 627
الْحَمد لله رب الْعَالمين ثمَّ الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَإنَّهُ لما اسْتَأْثر الله بِعَبْدِهِ ﴿سُلَيْمَان﴾ أَبى الرّبيع الإِمَام المستكفى بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ كرم الله مثواه وعوضه عَن دَار الْإِسْلَام بدار السَّلَام وَنَقله فزكى بدنه عَن شَهَادَة الْإِسْلَام بِشَهَادَة الْإِسْلَام حَيْثُ آثره ربه بِقُرْبِهِ ومهد لجنبه وأقدمه على مَا أقدمه من يرجوه لعمله وَكَسبه وخار لَهُ فِي جواره رَفِيقًا وَجعل لَهُ على صَالح نَفسه طَرِيقا وأنزله ﴿مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الله أكبر ليومه لَوْلَا مخلفه كَادَت تضيق الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وتجزى كل نفس بِمَا كسبت وتنبئ كل سريرة بِمَا ادخرت وَمَا خبت لقد أضرم سعير الا انه فِي الجوانح لقد اصر مِنْبَر وسرير لَوْلَا خَلفه الصَّالح لقد اضْطربَ مَأْمُور وأمير لَوْلَا الْفِكر بعده فِي عَاقِبَة الْمصَالح لقد غاضت الْبحار لقد غَابَتْ الْأَنْوَار لقد غَالب البدور وَمَا يلْحق الْأَهِلّة من المحاق
стр. 628
وَيدْرك الْبَدْر من السرَار نسفت الْجبَال نسفا وخبت مصابيح النُّجُوم وكادت تطفى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ لقد جمعت الدُّنْيَا أطرافها وعزمت على الْمسير وخضعت الْأمة لهول الْمصير وزاغت يَوْم مَوته الْأَبْصَار ﴿إِن رَبهم بهم يَوْمئِذٍ لخبير﴾ وَبقيت الْأَلْبَاب حيارى ووقفت تَارَة تصدق وَتارَة تتمارى لَا تعرف قرارا وَلَا على الأَرْض استقرارا ﴿إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم يَوْم ترونها تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وتضع كل ذَات حمل حملهَا وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى﴾ وَلم يكن فِي النّسَب العباسي وَلَا فِي جَمِيع من فِي الْوُجُود وَلَا فِي الْبَيْت المسترشدي وَلَا فِي غَيره من بيُوت الْخُلَفَاء من بقايا آبَاء لَهُم وجدود وَلَا من تلده إِحْدَى اللَّيَالِي وَهِي عَاقِر غير ولود من تسلم إِلَيْهِ أمة مُحَمَّد ﷺ عقد نياتها إِلَّا وَاحِد
стр. 629
وَأَيْنَ ذَلِك الْوَاحِد هُوَ وَالله من انحصر فِيهِ اسْتِحْقَاق مِيرَاث آبَائِهِ الْأَطْهَار وتراث أجداده وَلَا شئ هُوَ إِلَّا مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ رِدَاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ ابْن الْمُنْتَقل الى ربه وَولد الإِمَام الذَّاهِب لصلبه الْمجمع على أَنه فِي الْأَمَام فَرد هُوَ الْأَمَام وَوَاحِد وَهَكَذَا هُوَ فِي الْوُجُود الإِمَام وانه الْحَائِز لما زرت عَلَيْهِ جُيُوب الْمَشَارِق والمغارب والفائز بِملك مَا بَين الشارق وَالْغَارِب الراقي فِي صفح السَّمَاء هَذِه الدورة المنيفة الْبَاقِي بعد الْأَئِمَّة الماضين ﵃ وَنعم الْخَلِيفَة الْمُجْتَمع فِيهِ شُرُوط الْإِمَامَة المتضع لله وَهُوَ من بَيت لَا يزَال الْملك فيهم الى يَوْم الْقِيَامَة الَّذِي تصفح السَّحَاب نائله وَالَّذِي لَا يغره عاذره وَلَا يُغَيِّرهُ عاذله وَالَّذِي ... تعود بسط الْكَفّ حَتَّى لَو انه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله ... وَالَّذِي ... لَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مضيع نصِيبه ... وَلَا ورق الدُّنْيَا عَن الدّين شاغله ...
стр. 630
وَالَّذِي مَا ارْتقى صهوة الْمِنْبَر بِحَضْرَة سُلْطَان زَمَانه إِلَّا مَال باصره وَقَامَ قائمه وَلَا قعد على سَرِير الْخلَافَة الا وَعرف انه مَا خَابَ مستكفيه وَلَا غَابَ حاكمه نَائِب الله فِي ارضه والناهض بسنته وفرضه والقائم بمقام رَسُول الله ﷺ وخليفته وَابْن عَمه وتابع عمله الصَّالح ووارث علمه سيدنَا ومولانا عبد الله ووليه احْمَد ابو الْعَبَّاس الْحَاكِم بامر الله امير الْمُؤمنِينَ ابْن الامام المستكفى بِاللَّه ابي الرّبيع سُلَيْمَان ايد الله تَعَالَى بِبَقَائِهِ الدّين وطوق بِسَيْفِهِ الْمُلْحِدِينَ وكبت تَحت لوائه الْمُعْتَدِينَ وَكتب لَهُ النَّصْر الى يَوْم الدّين وكف بجهاده المفسدين واعاذ بِهِ الارض مِمَّن لَا يدين بدين واعاد بعدله ايام آبَائِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ وَعَلِيهِ كَانُوا يعْملُونَ وَنصر أنصاره وَقدر اقتداره واسكن فِي الْقُلُوب هيبته ووقاره وَمكن لَهُ فِي الْوُجُود وَجمع لَهُ اقطاره
وَلما انْتقل الى الله ﴿ذَلِك﴾ السَّيِّد وَلحق بدار الْحق اسلافه
стр. 631
وَنقل الى سرر الْجنَّة من سَرِير الْخلَافَة وخلا الْعَصْر من امام يمسك مَا بقى من نَهَاره وَخَلِيفَة يغالب مربد اللَّيْل بأنواره ووارث نَبِي بِمثلِهِ وَمثل ابيه اسْتغنى الْوُجُود بعد ابْن عَم نبيه خَاتم الْأَنْبِيَاء ﷺ عَن نَبِي مقتف على آثاره وَنسي وَلم يعْهَد فَلم يبْق اذ لم يُوجد النَّص الا الْإِجْمَاع وَعَلِيهِ كَانَت الْخلَافَة بعد رَسُول الله ﷺ بِلَا نزاع اقْتَضَت الْمصلحَة الجامعة عقد مجْلِس كل طرف بِهِ مَعْقُود وَعقد بيعَة عَلَيْهَا الله وَالْمَلَائِكَة شُهُود وَجمع النَّاس لَهُ ﴿ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مشهود﴾ فَحَضَرَ من لم يعبأ بعده بِمن تخلف وَلم يربأ مَعَه وَقد مد يَده طَائِعا لمن مدها وَقد تكلّف واجتمعوا على رأى وَاحِد واستخاروا الله تَعَالَى فِيهِ فخار وناهيك بذلك من مُخْتَار وَأخذت يَمِين تمد اليها الْأَيْمَان ويشد بهَا الْإِيمَان وتعطى عَلَيْهَا المواثيق وَتعرض امانتها على كل فريق حَتَّى تقلد كل من حضر فِي عُنُقه هَذِه الْأَمَانَة وَحط يَده على
стр. 632
الْمُصحف الْكَرِيم وَحلف بِاللَّه الْعَظِيم وَأتم ايمانه وَلم يقطع وَلم يسْتَثْن وَلم يتَرَدَّد وَمن قطع من غير قصد اعاد وجدد وَقد نوى كل من حلف ان النِّيَّة فِي يَمِينه نِيَّة من عقدت هَذِه الْبيعَة لَهُ وَنِيَّة من حلف لَهُ وتذمم بِالْوَفَاءِ فِي ذمَّته وتكفله على عَادَة ايمان الْبيعَة بشروطها واحكامها المرددة واقسامها الْمُؤَكّدَة بِأَن يبْذل لهَذَا الإِمَام المفترضة طَاعَته الطَّاعَة وَلَا يُفَارق الْجُمْهُور وَلَا يظْهر عَن الْجَمَاعَة انجماعه وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنته نسخ الْأَيْمَان المكتتب فِيهَا اسماءمن حلف عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ مَكْتُوب بخطوط من يكْتب مِنْهُم وخطوط الْعُدُول الثِّقَات عَمَّن لم يكْتب واذنوا لمن يكْتب عَنْهُم حسب مَا يشْهد بِهِ بَعضهم على بعض ويتصادق عَلَيْهِ اهل السَّمَاء والارض بيعَة تمّ بِمَشِيئَة الله تَمامهَا وَعم بالصوب الغدق غمامها ﴿وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن﴾ ووهب لنا الْحسن ثمَّ الْحَمد لله الْكَافِي عَبده الوافي وعده الموافي لمن يُضَاعف على كل موهبة حَمده ثمَّ الْحَمد لله على نعم يرغب أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ازديادها ويرهب الا أَن يُقَاتل أَعدَاء الله بأمدادها
стр. 633
ويرأب بهَا مَا آثر فِيمَا آثر مماليكه مِمَّا بَان من مباينة أضدادها
نحمده وَالْحَمْد لله ثمَّ الْحَمد لله كلمة لَا يمل من تردادها وَلَا نخل بِمَا يَنُوب السِّهَام من سدادها وَلَا نظل الا على مَا يُوجب بِكَثْرَة أعدادها وتيسير أقدار على أورادها ونشهد أَن لَا اله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتقايس دم الشُّهَدَاء وَمد مدادها وتتنافس طرر الشَّبَاب وغرر السَّحَاب على استمدادها وتتجانس رقومها المدبجة وَمَا تلبسه الدولة العباسية من شعارها والليالي من دثارها والأعداء من حدادها ونشهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ﷺ وعَلى جمَاعَة آله من سفل من أبنائها وَمن سلف من أجدادها وَرَضي الله عَن الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان الى يَوْم الدّين
وَبعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لما اكسبه الله تَعَالَى من مِيرَاث النُّبُوَّة مَا كَانَ لجده ووهبه من الْملك السُّلَيْمَانِي
стр. 634
عَن أَبِيه مَا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدة وَعلمه منطق الطير بِمَا تتحمله حمائم البطائق من بَدَائِع الْبَيَان وسخر لَهُ من الْبَرِيد على متون الْخَيل مَا سخر من الرّيح لِسُلَيْمَان واتاه من خَاتم الانبياء مَا امده بِهِ ابوه سُلَيْمَان وَتصرف واعطاه من الفخار مَا اطاعه بِهِ كل مَخْلُوق وَلم يتَخَلَّف وَجعل لَهُ من لِبَاس بنى الْعَبَّاس مَا يقْضى لَهُ سوَادَة بسؤدد الأجداد وينفض على كحل الهدب مَا فضل عَن سويداء الْقلب وَسَوَاد الْبَصَر من السوَاد ويمد ظلة على الأَرْض فَكل مَكَان حلَّة دَار ملك وكل مَدِينَة بَغْدَاد وَهُوَ فِي ليله السَّجَّاد وَفِي نَهَاره العسكرى وَفِي كرمه جَعْفَر الْجواد يديم الابتهال إِلَى الله تَعَالَى فِي توفيقه والابتهاج بِمَا يغص كل عَدو بريقه وَيبدأ يَوْم هَذِه الْمُبَايعَة بِمَا هُوَ الأهم من مصَالح الْإِسْلَام وَصَالح الْأَعْمَال مِمَّا يتحلى بِهِ الإِمَام وَيقدم التَّقْوَى أَمَامه ويقرن عَلَيْهَا أَحْكَامه وَيتبع الشَّرْع الشريف وَيقف عِنْده وَيُوقف النَّاس وَمن لايحمل أمره طَائِعا على الْعين حَملَة بِالسَّيْفِ غصبا على الراس ويعجل أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا
стр. 635
يشفى بِهِ النُّفُوس ويزيل بِهِ كيد الشَّيْطَان إِنَّه يؤوس وياخذ بقلوب الرّعية وَهُوَ غنى عَن ذَا وَلكنه يسوس وأمير الْمُؤمنِينَ يشْهد الله وخليقته عَلَيْهِ أَنه أقرّ كل امْرِئ من وُلَاة الْأُمُور الإسلامية على حَاله وَاسْتمرّ فِي مقِيله تَحت كنف ظلاله على اخْتِلَاف طَبَقَات وُلَاة الْأُمُور وتفرقهم فِي الممالك والثغور برا وبحرا سهلا ووعرا وشرقا وغربا وبعدا وقربا وكل جليل وحقير وَقَلِيل وَكثير صَغِير وكبير وَملك ومملوك وأمير وجندى يَبْرق لَهُ سيف شهير ورمح طرير وَمن مَعَ هَؤُلَاءِ من وزراء وقضاة وَكتاب وَمن لَهُ يَد تبقى فِي إنْشَاء وَتَحْقِيق حِسَاب وَمن يتحدث فِي بريد وخراج وَمن يحْتَاج إِلَيْهِ وَمن لايحتاج وَمن فِي الدُّرُوس والمدارس والربط والزوايا والخوانق وَمن لَهُ أعظم التعلقات وَأدنى العلائق وَسَائِر أَرْبَاب الْمَرَاتِب وَأَصْحَاب الرَّوَاتِب وَمن لَهُ فِي مَال الله رزق مقسوم وَحقّ مَجْهُول أَو مَعْلُوم واستمرار كل امْرِئ على مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى يستخير الله ويتبين لَهُ مَا بَين يَدَيْهِ فَمن زَاد تأهيله زَاد تفضيله والا فأمير المؤمين لَا يرى سوى وَجه الله وَلَا يحابى أحدا فِي دين
следующие страницы →