← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8460

مآثر الإنافة في معالم الخلافة

القلقشندي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَنقل الى سرر الْجنَّة من سَرِير الْخلَافَة وخلا الْعَصْر من امام يمسك مَا بقى من نَهَاره وَخَلِيفَة يغالب مربد اللَّيْل بأنواره ووارث نَبِي بِمثلِهِ وَمثل ابيه اسْتغنى الْوُجُود بعد ابْن عَم نبيه خَاتم الْأَنْبِيَاء ﷺ عَن نَبِي مقتف على آثاره وَنسي وَلم يعْهَد فَلم يبْق اذ لم يُوجد النَّص الا الْإِجْمَاع وَعَلِيهِ كَانَت الْخلَافَة بعد رَسُول الله ﷺ بِلَا نزاع اقْتَضَت الْمصلحَة الجامعة عقد مجْلِس كل طرف بِهِ مَعْقُود وَعقد بيعَة عَلَيْهَا الله وَالْمَلَائِكَة شُهُود وَجمع النَّاس لَهُ ﴿ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مشهود﴾ فَحَضَرَ من لم يعبأ بعده بِمن تخلف وَلم يربأ مَعَه وَقد مد يَده طَائِعا لمن مدها وَقد تكلّف واجتمعوا على رأى وَاحِد واستخاروا الله تَعَالَى فِيهِ فخار وناهيك بذلك من مُخْتَار وَأخذت يَمِين تمد اليها الْأَيْمَان ويشد بهَا الْإِيمَان وتعطى عَلَيْهَا المواثيق وَتعرض امانتها على كل فريق حَتَّى تقلد كل من حضر فِي عُنُقه هَذِه الْأَمَانَة وَحط يَده على

стр. 632

الْمُصحف الْكَرِيم وَحلف بِاللَّه الْعَظِيم وَأتم ايمانه وَلم يقطع وَلم يسْتَثْن وَلم يتَرَدَّد وَمن قطع من غير قصد اعاد وجدد وَقد نوى كل من حلف ان النِّيَّة فِي يَمِينه نِيَّة من عقدت هَذِه الْبيعَة لَهُ وَنِيَّة من حلف لَهُ وتذمم بِالْوَفَاءِ فِي ذمَّته وتكفله على عَادَة ايمان الْبيعَة بشروطها واحكامها المرددة واقسامها الْمُؤَكّدَة بِأَن يبْذل لهَذَا الإِمَام المفترضة طَاعَته الطَّاعَة وَلَا يُفَارق الْجُمْهُور وَلَا يظْهر عَن الْجَمَاعَة انجماعه وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنته نسخ الْأَيْمَان المكتتب فِيهَا اسماءمن حلف عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ مَكْتُوب بخطوط من يكْتب مِنْهُم وخطوط الْعُدُول الثِّقَات عَمَّن لم يكْتب واذنوا لمن يكْتب عَنْهُم حسب مَا يشْهد بِهِ بَعضهم على بعض ويتصادق عَلَيْهِ اهل السَّمَاء والارض بيعَة تمّ بِمَشِيئَة الله تَمامهَا وَعم بالصوب الغدق غمامها ﴿وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن﴾ ووهب لنا الْحسن ثمَّ الْحَمد لله الْكَافِي عَبده الوافي وعده الموافي لمن يُضَاعف على كل موهبة حَمده ثمَّ الْحَمد لله على نعم يرغب أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ازديادها ويرهب الا أَن يُقَاتل أَعدَاء الله بأمدادها

стр. 633

ويرأب بهَا مَا آثر فِيمَا آثر مماليكه مِمَّا بَان من مباينة أضدادها نحمده وَالْحَمْد لله ثمَّ الْحَمد لله كلمة لَا يمل من تردادها وَلَا نخل بِمَا يَنُوب السِّهَام من سدادها وَلَا نظل الا على مَا يُوجب بِكَثْرَة أعدادها وتيسير أقدار على أورادها ونشهد أَن لَا اله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتقايس دم الشُّهَدَاء وَمد مدادها وتتنافس طرر الشَّبَاب وغرر السَّحَاب على استمدادها وتتجانس رقومها المدبجة وَمَا تلبسه الدولة العباسية من شعارها والليالي من دثارها والأعداء من حدادها ونشهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ﷺ وعَلى جمَاعَة آله من سفل من أبنائها وَمن سلف من أجدادها وَرَضي الله عَن الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان الى يَوْم الدّين وَبعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لما اكسبه الله تَعَالَى من مِيرَاث النُّبُوَّة مَا كَانَ لجده ووهبه من الْملك السُّلَيْمَانِي

стр. 634

عَن أَبِيه مَا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدة وَعلمه منطق الطير بِمَا تتحمله حمائم البطائق من بَدَائِع الْبَيَان وسخر لَهُ من الْبَرِيد على متون الْخَيل مَا سخر من الرّيح لِسُلَيْمَان واتاه من خَاتم الانبياء مَا امده بِهِ ابوه سُلَيْمَان وَتصرف واعطاه من الفخار مَا اطاعه بِهِ كل مَخْلُوق وَلم يتَخَلَّف وَجعل لَهُ من لِبَاس بنى الْعَبَّاس مَا يقْضى لَهُ سوَادَة بسؤدد الأجداد وينفض على كحل الهدب مَا فضل عَن سويداء الْقلب وَسَوَاد الْبَصَر من السوَاد ويمد ظلة على الأَرْض فَكل مَكَان حلَّة دَار ملك وكل مَدِينَة بَغْدَاد وَهُوَ فِي ليله السَّجَّاد وَفِي نَهَاره العسكرى وَفِي كرمه جَعْفَر الْجواد يديم الابتهال إِلَى الله تَعَالَى فِي توفيقه والابتهاج بِمَا يغص كل عَدو بريقه وَيبدأ يَوْم هَذِه الْمُبَايعَة بِمَا هُوَ الأهم من مصَالح الْإِسْلَام وَصَالح الْأَعْمَال مِمَّا يتحلى بِهِ الإِمَام وَيقدم التَّقْوَى أَمَامه ويقرن عَلَيْهَا أَحْكَامه وَيتبع الشَّرْع الشريف وَيقف عِنْده وَيُوقف النَّاس وَمن لايحمل أمره طَائِعا على الْعين حَملَة بِالسَّيْفِ غصبا على الراس ويعجل أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا

стр. 635

يشفى بِهِ النُّفُوس ويزيل بِهِ كيد الشَّيْطَان إِنَّه يؤوس وياخذ بقلوب الرّعية وَهُوَ غنى عَن ذَا وَلكنه يسوس وأمير الْمُؤمنِينَ يشْهد الله وخليقته عَلَيْهِ أَنه أقرّ كل امْرِئ من وُلَاة الْأُمُور الإسلامية على حَاله وَاسْتمرّ فِي مقِيله تَحت كنف ظلاله على اخْتِلَاف طَبَقَات وُلَاة الْأُمُور وتفرقهم فِي الممالك والثغور برا وبحرا سهلا ووعرا وشرقا وغربا وبعدا وقربا وكل جليل وحقير وَقَلِيل وَكثير صَغِير وكبير وَملك ومملوك وأمير وجندى يَبْرق لَهُ سيف شهير ورمح طرير وَمن مَعَ هَؤُلَاءِ من وزراء وقضاة وَكتاب وَمن لَهُ يَد تبقى فِي إنْشَاء وَتَحْقِيق حِسَاب وَمن يتحدث فِي بريد وخراج وَمن يحْتَاج إِلَيْهِ وَمن لايحتاج وَمن فِي الدُّرُوس والمدارس والربط والزوايا والخوانق وَمن لَهُ أعظم التعلقات وَأدنى العلائق وَسَائِر أَرْبَاب الْمَرَاتِب وَأَصْحَاب الرَّوَاتِب وَمن لَهُ فِي مَال الله رزق مقسوم وَحقّ مَجْهُول أَو مَعْلُوم واستمرار كل امْرِئ على مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى يستخير الله ويتبين لَهُ مَا بَين يَدَيْهِ فَمن زَاد تأهيله زَاد تفضيله والا فأمير المؤمين لَا يرى سوى وَجه الله وَلَا يحابى أحدا فِي دين

стр. 636

وَلَا يحامى عَن أحد فِي حق فَإِن المحاماة فِي الْحق مداجاة على الْمُسلمين وَكلما هُوَ مُسْتَمر إِلَى الْآن مُسْتَمر على حكم الله مِمَّا فهمه الله وفهمه سُلَيْمَان لايغير أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك وَلَا فِي بعضه مَا يعْتَبر مستديما شكر الله على نعْمَة وَكَذَلِكَ يجازى من شكر وَلَا يكدر على أحد موردا نزه الله بِهِ نعْمَة الصافية عَن الكدر وَلَا يتَأَوَّل فِي ذَلِك متأول وَلَا من فجر نعْمَة أَو كفر وَلَا يتعلل متعلل فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يعوذ بِاللَّه ويعيذ أَيَّامه من الْغَيْر وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ أَعلَى الله أمره أَن يعلن الخطباء بِذكرِهِ وَذكر سُلْطَان زَمَانه على المنابر فِي الْآفَاق وَأَن يضْرب باسمهما النُّقُود المتعامل بهَا على الْإِطْلَاق ويبتهل بِالدُّعَاءِ لَهما عطف اللَّيْل وَالنَّهَار وَيُصَرح مِنْهُ بِمَا يشرق بِهِ وَجه الدِّرْهَم وَالدِّينَار ويضاهى بِهِ المنابر ودور الضَّرْب هاتيك ترفع اسمهما على أسرة مهودها وهذى على أسارير نقودها وهذى تُقَام بِسَبَبِهَا الصَّلَاة وَتلك تدام بهَا الصلات وَكِلَاهُمَا تستمال بِهِ الْقُلُوب وَلَا يلام على مَا تعيه الآذان وتوعيه الْجُيُوب

стр. 637

وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا من تحدق نَحوه الأحداق وتميل إِلَيْهِ الْأَعْنَاق وتبلغ بِهِ الْمَقَاصِد ويقوى بهما المعاضد وَكِلَاهُمَا أَمر مُطَاع من غير نزاع وَإِذا لمعت أزمة الْخطب طَار لِلذَّهَبِ شُعَاع ولولاهما مَا اجْتمع جمع وَلَا انْضَمَّ وَلَا عرف الْأَنَام بِمن تأتم فالخطب وَالذَّهَب مَعْنَاهُمَا وَاحِد وَبِهِمَا يذكر الله قيماء الْمَسَاجِد وَلَوْلَا الْأَعْمَال مَا بذلت الْأَمْوَال وَلَوْلَا الْأَمْوَال مَا وليت الْأَعْمَال وَلأَجل مَا بَينهمَا من هَذِه النِّسْبَة قيل إِن الْملك لَهُ السِّكَّة وَالْخطْبَة وَقد أسمع أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا الْجمع الْمَشْهُود مَا يتناقله كل خطيب ويتداوله كل بعيد وَقَرِيب وَإِن الله أَمر بأوامر وَنهى عَن نَوَاه وَهُوَ رَقِيب ويستفرغ الْأَوْلِيَاء لَهُ السجايا وتفرع الخطباء فِيهَا بنعوت الْوَصَايَا وتكمل بهَا المزايا وتتكلم بهَا المواعظ وَتخرج من الْمَشَايِخ الخبايا من الزوايا وتستمر بهَا السمار وتتناقلها رُوَاة الْأَخْبَار ويترنم بهَا الحادى والملاح

стр. 638

ويرق سجوها فِي اللَّيْل المقمر ويرقم على جنب الصَّباح وتعطر بهَا مَكَّة بطحاءها وتحيا بحديثها قباه ويلقنها كل أَب فهم ابْنه وَيسْأل كل ابْن أَن يُجيب أَبَاهُ وَهُوَ لكم أَيهَا النَّاس من أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعَلَيْكُم بَيِّنَة وإليكم مَا دعَاكُمْ بِهِ إِلَى سَبِيل ربه من الْحِكْمَة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة ولأمير الْمُؤمنِينَ عَلَيْكُم الطَّاعَة وَلَوْلَا قيام الرعايا بهَا مَا قبل الله أَعمالهَا وَلَا أمسك بهَا الْبَحْر ودحا الأَرْض وأرسى جبالها وَلَا اتّفقت الآراء على من يسْتَحق وَجَاءَت إِلَيْهِ الْخلَافَة تجر أذيالها وَأَخذهَا دون بنى أَبِيه وَلم تكن تصلح إِلَّا لَهُ وَلم يكن يصلح إِلَّا لَهَا وَقد كفاكم أَمِير الْمُؤمنِينَ السُّؤَال بِمَا فتح لكم من أَبْوَاب الأرزاق وَأَسْبَاب الارتفاق وَأحسن لكم من وفاقكم وعلمكم مَكَارِم الْأَخْلَاق وأجراكم على عوائدكم وَلم يمسك خشيَة الإملاق وَلم يبْق على أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا أَن يسير فِيكُم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وَيعْمل بِمَا ينْتَفع بِهِ من يجِئ أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 639

من بعده وَيزِيد على كل من تقدم وَيُقِيم فروض الْحَج وَالْجهَاد وينيم الرعايا بعدله الشَّامِل فِي مهاد وأمير الْمُؤمنِينَ يُقيم عبَادَة موسم الْحَرَمَيْنِ الشريفين وسدنة بَيت الله الْحَرَام ويجهز السَّبِيل على عَادَته ويرجو أَن يعود إِلَى حَالَة الأول فِي سالف الْأَيَّام ويتدفق فِي هذَيْن المسجدين بحرة الزاخر وَيُرْسل إِلَى ثالثهما الْبَيْت الْمُقَدّس ساكب الْغَمَام وَيقوم بقومة قُبُور الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَيْن كَانُوا وَأَكْثَرهم فِي الشَّام وَالْجمع وَالْجَمَاعَات هِيَ فِيكُم على قديم سننها وقويم سننها وستزيد فِي أَيَّام أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمن أنضم إِلَيْهِ وَفِيمَا يتسلمه من بِلَاد الْكفَّار وَيسلم على يَدَيْهِ وَأما الْجِهَاد فيكفى بِاجْتِهَادِهِ الْقَائِم عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ بأموره الْمُقَلّد عَنهُ جَمِيع مَا وَرَاء سَرِيره فأمير الْمُؤمنِينَ قد وكل إِلَيْهِ خلد الله سُلْطَانه الْأَنَام وقلده سَيْفه الراعب بوارقه ليسله واجده على الْأَعْدَاء سل خياله عَلَيْهِم فِي

стр. 640

الأحلام ويؤكد أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ارتجاع مَا غلب عَلَيْهِ العدا وانتزاع أَيْديهم من بِلَاد الْإِسْلَام فَإِنَّهُ حق وَإِن طَال عَلَيْهِ المدى وَقد تقدّمت الْوَصِيَّة بَان يَغْزُو الْعَدو المخذول برا وبحرا وَلَا يكف عَمَّن يظفر بِهِ مِنْهُم قتلا وأسرا وَلَا يفك أغلالا وَلَا إصرا وَلَا يَنْفَكّ يُرْسل عَلَيْهِم فِي الْبَحْر غربانا وَفِي الْبر من الْخَيل عقبانا يحمل مِنْهَا كل فَارس صقرا ويحمى الممالك مِمَّن يجوز أطرافها بأقدام ويتخول أكنافها بالإقدام وَينظر فِي مصَالح القلاع والحصون والثغور وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الآت الْقِتَال وَمَا تجتاح بِهِ الْأَعْدَاء ويعجز عَنهُ الْمُحْتَال وَأُمَّهَات الممالك الَّتِى هِيَ مرابط البنود ومرابض الْأسود والأمراء والعساكر والجنود وترتيبهم فِي الميمنة والميسرة بالجناح الْمَمْدُود وليتفقد أَحْوَالهم بِالْعرضِ بِمَا لَهُم من خيل تعقد بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا لَهُم من زرد مصون وبيض مَسهَا ذائب ذهب فَكَانَت كَأَنَّهَا بيض مَكْنُون وسيوف قواضب ورماح لِكَثْرَة طَعنهَا من الدِّمَاء خواضب وسهام تواصل القسى وتفارقها فتحن

стр. 641

حنين مفارق وتزمجر الْقوس زمجرة مغاضب وَهَذِه جملَة أَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بهَا تطبيب قُلُوبكُمْ وإطالة ذيل التَّطْوِيل على مطلوبكم ودمائكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ فِي حماية إِلَّا مَا أَبَاحَ الشَّرْع المطهر ومزيد الْإِحْسَان إِلَيْكُم على مِقْدَار مَا يخفى مِنْكُم وَيظْهر وَأما جزئيات الْأُمُور فقد علمْتُم بِأَن فِيمَن تقلد عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ غنى عَن مثل هَذِه الذكرى وولاة حق لَا تشغل بِطَلَب شئ فكرا وفى وُلَاة الْأُمُور ورعاة الْجُمْهُور وَمن هُوَ سداد عمله ومداد أمله وَمُرَاد من هُوَ مِنْكُم معشر الرعايا من قبله وَأَنْتُم على تفَاوت مقاديركم وَدِيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن حَوْلكُمْ وَأَنْتُم وهم فَمَا مِنْكُم إِلَّا من سيعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ ويمضى فِي مراضى الله على سلفه وَينظر مَا هُوَ عَلَيْهِ ويسير بسيرته المثلى فِي طَاعَة الله فِي خَلفه وكلكم سَوَاء فِي الْحق عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَله عَلَيْكُم أَدَاء النَّصِيحَة وإبداء الطَّاعَة بسريرة صَحِيحَة وَقد دخل كل مِنْكُم فِي كنف أَمِير الْمُؤمنِينَ وَتَحْت رأفته وَلَزِمَه حكم بيعَته وألزم طَائِره فِي عُنُقه

стр. 642

وَيسْتَعْمل كل مِنْكُم فِي الْوَفَاء مَا أصبح بِهِ عليما ﴿وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما﴾ هَذَا قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ وعَلى هَذَا عهد إِلَيْهِ وَبِه يعْهَد وَمَا سوى هَذَا فَهُوَ فجور لَا يشْهد بِهِ عَلَيْهِ وَلَا يشْهد وَهُوَ يعْمل فِي ذَلِك كُله مَا تحمد عاقبته من الْأَعْمَال وَيحمل مِنْهُ مَا يصلح لَهُ الْمَآل لَا المَال وأمير الْمُؤمنِينَ يسْتَغْفر الله على كل حَال ويستعيذ بِاللَّه من الإهمال وَيسْأل الله أَن يمده بِمَا يحب من الإبتهال وَلَا يمد لَهُ حَبل الْإِمْهَال وَيخْتم أَمِير الْمُؤمنِينَ قَوْله بِمَا أَمر الله بِهِ من الْعدْل وَالْإِحْسَان ويحمد الله وَهُوَ من الْخلق أَحْمد وَقد آتَاهُ الله ملك سُلَيْمَان وَالله تَعَالَى يمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا وهبه ويملكه أقطار الأَرْض ويورثه بعد الْعُمر الطَّوِيل عقبه وَلَا يزَال على أسرة العلياء قعوده ولباس الْخلَافَة بِهِ أبهة الْجَلالَة كَأَنَّهُ مَا مَاتَ منصورة وَلَا أودى مهدية وَلَا ذهب رشيده

стр. 643

الْمَذْهَب الرَّابِع من البيعات الَّتِى تكْتب للخلفاء أَن تفتتح الْبيعَة بِالْحَمْد لله وَهُوَ الذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْعَمَل فِي زَمَاننَا جَريا على طَريقَة متأخرى كتاب الديار المصرية فِي كِتَابه عهود الْخُلَفَاء والملوك وَهَذِه نُسْخَة بيعَة أنشأتها مرتبَة على موت الْخَلِيفَة الذى قبله وهى الْحَمد لله الذى جعل الْأمة المحمدية أبذخ الْأُمَم شرفا وَأَكْرمهَا نجارا وأفضلها سلفا وَجعل رُتْبَة الْخلَافَة أَعلَى الرتب رُتْبَة وأعزها كنفا وَخص الشَّجَرَة الطّيبَة من قُرَيْش بِأَن جعل مِنْهُم الْأَئِمَّة الْخُلَفَاء وآثر الأسرة العباسية مِنْهَا بذلك دَعْوَة سبقت من ابْن عمهم الْمُصْطَفى وَحفظ بهم نظامها على الدَّوَام فَجعل مِمَّن سلف مِنْهُم خلفا نحمده على أَن هيأ من مُقَدمَات الرشد مَا طَابَ الزَّمَان

стр. 644

بِهِ وَصفا وجدد من رسوم الْإِمَامَة بِخَير إِمَام مَا درس مِنْهَا وَعَفا وَأقَام للْمُسلمين إِمَامًا تأرج الجو بنشره فَأصْبح الْوُجُود بعرفه معترفا ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة مخلص تمسك بعهدها فوفى وَأَعْطَاهَا صَفْقَة يَده للمبايعة فَلَا يبغى عَنْهَا مصرفا وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الذى تدارك الله بِهِ الْعَالم بعد أَن أشفى فشفى وَنسخت آيَة دينه الْأَدْيَان وجلا بشرعته المنيرة من ظلمه الْجَهْل سدفا وَجعل مبايعة مبايعا لله يَأْخُذهُ بالنكث ويوفيه أجره على الوفا ﷺ وعَلى آله الْأَطْهَار وعترته الشرفا وَرَضي الله عَن أَصْحَابه الَّذين لَيْسَ مِنْهُم من عَاهَدَ الله فغدر وَلَا وَاد فِي الله فجفا خُصُوصا من جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ فَكَانَ لَهُ قرَابَة الْقرب وصفوة الصَّفَا والمرجوع اليه فِي الْبيعَة يَوْم السَّقِيفَة بَعْدَمَا اشرأبت نَحْوهَا نفوس كَادَت تذوب عَلَيْهَا اسفا والقائم فِي قتال اهل الرِّدَّة من بني حنيفَة حَتَّى استقاموا على الحنيفة السمحة حنفا وَمن اسْتَحَالَ دلو الْخلَافَة فِي يَده غربا فَكَانَ اشد عبقري

стр. 645

قَائِم بأمرها فَكفى وعمت فتوحه الْأَمْصَار وحملت اليه اموالها فَلم يمْسِكهَا إقتارا وَلم يبذر فِيهَا سَرفًا وَمن كَانَ فَضله لسهم الِاخْتِيَار من بَين اصحاب الشورى هدفا وَجمع النَّاس فِي الْقُرْآن على صحيفَة وَاحِدَة وَكَانَت قبل ذَلِك صحفا وَمن سرى اليه سر أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى فغدى يجر من ذيل الفخار سجفا وَاسْتولى على المكارم من كل جَانب فحاز اطرافها طرفا طرفا وعَلى سَائِر الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بعدهمْ مِمَّن سلك سَبِيل الْحق ولطريق الْهدى اقتفى صَلَاة ورضوانا يذهبان الدَّاء العضال من وخامة الْغدر ويجلبان الشفا ويرفعان قدر صَاحبهمَا فِي الدُّنْيَا ويبوئان منتحلهما من جنَّات النَّعيم غرفا أما بعد فَإِن عقد الْإِمَامَة لمن يقوم بِأَمْر الْأمة وَاجِب الْإِجْمَاع مُسْتَند لأقوى دَلِيل تَنْقَطِع دون نقضه الأطماع وتنبو عَن سَماع مَا يُخَالِفهُ الأسماع إِذْ الْعباد مجبولون على التباين والتغاير مطبوعون على التخالف والتنافر مضطرون الى التعاون والتجاور مفتقرون الى التعاضد

стр. 646

والتناصر فَلَا بُد من زعيم يمنعهُم من التظالم ويحملهم على التناصف فِي التداعي والتحاكم وَيُقِيم الْحُدُود فتصان الْمَحَارِم عَن الانتهاك وَتحفظ الْأَنْسَاب عَن الِاخْتِلَاط والاشتراك ويحمى بَيْضَة الْإِسْلَام فَيمْنَع ان تطرق ويصون الثغور أَن يتَوَصَّل اليها أَو يتَطَرَّق ليعز الْإِسْلَام دَارا ويطمئن المستخفى لَيْلًا ويأمن السارب نَهَارا ويذب عَن الْحرم فتحترم ويذود عَن الْمُنْكَرَات فَلَا تغشى بل تصطلم ويجهز الجيوش فتنكأ الْعَدو ويغير على بِلَاد الْكفْر فيمنعهم الْقَرار والهدو ويرغم أنف الفئة الباغية ويقمعها ويزجر الطَّائِفَة المبتدعة ويردعها وَيَأْخُذ اموال بَيت المَال بِحَقِّهَا فيطاوع ويصرفها الى مستحقيها فَلَا يُنَازع لَا جرم اعْتبر للْقِيَام بهَا أكمل الشُّرُوط وَأتم الصِّفَات وَأكْرم الشيم وَأحسن السمات وَكَانَ السَّيِّد الْأَعْظَم الإِمَام النَّبَوِيّ سليل الْخلَافَة وَولي الْإِمَامَة أَبُو فلَان فلَان العباسي المتَوَكل على الله مثلا امير الْمُؤمنِينَ رضوَان الله عَلَيْهِ وعَلى آبَائِهِ الرَّاشِدين

стр. 647

هُوَ الَّذِي جمع شُرُوطهَا فوفاها وأحاط مِنْهَا بِصِفَات الْكَمَال واستوفاها ورامت بِهِ ادنى مراتبها فبلغت بِهِ الى اغياها وتسور الى معاليها فرقى الى اعلاها واتحد بهَا فَكَانَ معنى صورتهَا ومغناها وَكَانَت الْإِمَامَة قد تأيمت مِمَّن يقوم بأعبائها وعزت خطابها لقلَّة أكفائها فَلم تلف لَهَا بعلا تطلبه يكون لَهَا قرينا وَلَا كفوا تخطبه يكون لَدَيْهَا مكينا إِلَّا الإِمَام الْفُلَانِيّ الْمشَار اليه فدعَتْ لخطبتها وَهِي بنت عرسه ﴿وراودته الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا عَن نَفسه﴾ فَأجَاب خطبتها ولبى دعوتها لتحققه رغبتها اليه وَعلمه بِوُجُوب إجابتها عَلَيْهِ إِذْ هُوَ شبلها النَّاشِئ بغابها وغيثها المستمطر من سحابها بل هُوَ اسدها الهصور وقطب فلكها الَّذِي عَلَيْهِ تَدور ومعقلها الأمنع الْحصين وعقدها الْأَنْفس الثمين وفارسها الأروع وليثها الشهير وَابْن بجدتها الساقطة مِنْهُ على الْخَبِير وتلادها الْعَلِيم بأحوالها والجدير بِمَعْرِِفَة أقوالها وأفعالها وترجمانها الْمُتَكَلّم بلسانها وعالمها المتفنن فِي افنانها وطبيبها

стр. 648

الْعَارِف بطبها ومنجدها الكاشف لكربها وَحين بلغت من الْقَصْد سولها ونالت بالإجابة مِنْهُ مأمولها وَحرم على غَيره أَن يسومها لذَلِك تَلْوِيحًا أَو يعرج على خطبتها تعريضا وَتَصْرِيحًا احْتَاجَت الى ولي يُوجب عقدهَا وشهود تحفظ عهدها فَعندهَا قَامَ السُّلْطَان الْأَعْظَم الْملك الْفُلَانِيّ بِالْأَلْقَابِ السُّلْطَانِيَّة الى آخرهَا خلد الله سُلْطَانه وَنصر جُنُوده وجيوشه واعوانه فانتصب لَهَا وليا وَأقَام يفكر فِي أمرهَا مَلِيًّا فَلم يجد احق بهَا مِنْهُ فتجنب عضلها فَلم تكن تصلح الا لَهُ وَلم يكن يصلح الا لَهَا فَجمع أهل الْحل وَالْعقد المعتزين للاعتبار والعارفين بِالنَّقْدِ من الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء والأمراء ووجوه النَّاس وأعيان الدولة والوزراء وَأهل الْخَيْر والصلحاء وأرباب الرَّأْي والنصحاء فاستشارهم فِي ذَلِك فصوبوه وَلم يرَوا الْعُدُول عَنهُ الى غَيره بِوَجْه من الْوُجُوه فاستخار الله تَعَالَى وَبَايَعَهُ فَتَبِعَهُ أهل الِاخْتِيَار فَبَايعُوا وانْتهى ذَلِك الى الكافة فتابعوا وانقادوا لحكمه

стр. 649

وطاوعوا فقابل عقدهَا بِالْقبُولِ بِمحضر من الْقُضَاة وَالشُّهُود فلزمت وَمضى حكمهَا على الصِّحَّة وانبرمت وَلما تمّ عقدهَا وطلع بصبح الْيمن سعدها التمس الْمقَام الشريف السلطاني الملكي الْفُلَانِيّ الْمشَار إِلَيْهِ أَعلَى الله شرف سُلْطَانه وَرفع مَحَله وَقرن بالتوفيق فِي كل أَمر عقده وحله أَن يَنَالهُ عهدها الوفي وَيرد مِنْهَا موردها الصفي ليرْفَع بذلك عَن أهل الدّين حجبا ويزداد من الْبَيْت النَّبَوِيّ قربا فتعرض لنفحاتها من مقراتها وتطلب بركاتها من مظناتها وَرغب الى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَابْن عَم سيد الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِم اجمعين أَن يجدد لَهُ بِعَهْد السلطنة الشَّرِيفَة عقدا وَيَأْخُذ لَهُ من أهل الْبيعَة بذلك عهدا ويستحلفهم على الْوَفَاء لهمابما عَاهَدُوا وَالْوُقُوف عِنْدَمَا بَايعُوا عَلَيْهِ وعاقدوا ليقترن السعدان فَيعم نوؤهما ويجتمع النيرَان فيبهر ضوؤهما فلباه تَلْبِيَة رَاغِب وأجابه إِجَابَة مَطْلُوب وَإِن كَانَ هُوَ الطَّالِب وعهد اليه فِي كل مَا تَقْتَضِيه احكام إِمَامَته فِي الْأمة عُمُوما وشيوعا وفوض لَهُ حكم الممالك الإسلامية جَمِيعًا وَجعل اليه أَمر السلطنة المعظمة بِكُل نطاق وَألقى اليه

стр. 650

مقاليدها وَصَرفه فِيهَا على الْإِطْلَاق وأقامه على الْأمة بِعَهْد الْخلَافَة وَصِيّا وَجعله للْإِمَامَة بتفويض الْأَمر اليه وليا وَنشر عَلَيْهِ لِوَاء الْملك وقلده سَيْفه العضب والبسه الخلعة السَّوْدَاء فابيض من سوادها وَجه الشرق والغرب وَكتب لَهُ بذلك عهدا كبت عدوه وَزَاد شرفه وضاعف سموهُ وطولب أهل الْبيعَة بالتوثيق على البيعتين بِالْإِيمَان فأذعنوا واستحلفوا على الْوَفَاء فبالغوا فِي الْأَيْمَان وأمعنوا وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم بعد أَن اشْهَدُوا الله عَلَيْهِم فِي إسرارهم وإعلانهم وأعطوا المواثيق الْمُغَلَّظَة الْمُشَدّدَة وحلفوا بالأيمان الْمُؤَكّدَة المعقدة على انهم ان اعرضوا عَن ذَلِك وأدبروا أَو بدلُوا فِيهِ أَو غيروا أَو عرجوا عَن سَبيله أَو حادوا أَو نَقَصُوا مِنْهُ أَو زادوا فَكل مِنْهُم برِئ من حول الله وقوته إِلَى حول نَفسه وقوته وخارج من ذمَّته الحصينة إِلَى ذمَّته وكل امْرَأَة فِي نِكَاحه أَو يَتَزَوَّجهَا فِي الْمُسْتَقْبل فهى طَالِق ثَلَاثًا بتاتا وَكلما رَاجعهَا فهى طَالِق طَلَاقا لَا يقتضى إِقَامَة وَلَا ثباتا وكل مَمْلُوك فِي ملكه أَو مَا يملكهُ فِي الْمُسْتَقْبل حر لَاحق بأحرار الْمُسلمين وكل مَا ملكه أَو يملكهُ من جماد وحيوان صَدَقَة على الْفُقَرَاء

стр. 651

وَالْمَسَاكِين وَعَلِيهِ الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام وَالْوُقُوف بِعَرَفَة وَسَائِر المشاعر الْعِظَام محرما من دويرة أَهله مَاشِيا حاسرا عَن رَأسه وَإِن كَانَ بِهِ أَذَى حافيا يأتى بذلك فِي ثَلَاثِينَ حجَّة متتابعة على التَّمام لايجزئه وَاحِدَة مِنْهَا عَن حجَّة الْإِسْلَام وإهداء مائَة بدنه للبيت الْعَتِيق كل سنة على الدَّوَام وَعَلِيهِ صَوْم جَمِيع الدَّهْر إِلَّا المنهى عَنهُ من الْأَيَّام وَأَن يفك ألف رَقَبَة مُؤمنَة من أسر الْكفْر فِي كل عَام يَمِين كل مِنْهُم فِي ذَلِك على نِيَّة أَمِير الْمُؤمنِينَ وسلطان الْمُسلمين فِي سره وجهره وأوله وَآخره لانية للْحَالِف فِي ذَلِك فِي بَاطِن الْأَمر وَلَا فِي ظَاهر لَا يورى فِي ذَلِك وَلَا يسْتَثْنى وَلَا يتَأَوَّل وَلَا يستفتى ولايسعى فِي نقضهَا وَلَا يُخَالف فِيهَا وَلَا فِي بَعْضهَا مَتى جنح إِلَى شئ من ذَلِك كَانَ آثِما وَمَا تقدم من تعقيد الْإِيمَان لَهُ لَازِما لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا وَلَا يُجزئهُ عَن ذَلِك كَفَّارَة أصلا كل ذَلِك على أَشد الْمذَاهب بالتخصيص وأبعدها عَن التساهل والترخيص وأمضوها بيعَة مَيْمُونَة بِالْيمن مُبتَدأَة بالنجح مقرونة وَأشْهدُوا عَلَيْهِم بذلك من حضر مجْلِس هَذَا العقد من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وَالشُّهُود

стр. 652

والحكام وَجعلُوا الله على مايقولون وَكيلا فَاسْتحقَّ عَلَيْهِم الْوَفَاء بقوله تَعَالَى ﴿وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهدتم وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا﴾ وهم يرغبون إِلَى الله أَن يُضَاعف لَهُم بِحسن نيتهم الأجور ويلجؤون إِلَيْهِ أَن يَجْعَل أئمتهم مِمَّن أَشَارَ تَعَالَى إِلَيْهِ بقوله ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور﴾ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذِه نُسْخَة بيعَة أنشأتها على هَذِه الطَّرِيقَة مرتبَة على خلع وهى الْحَمد لله الذى جعل بَين الْخلَافَة مثابة للنَّاس وَأمنا وَأقَام سور الْإِمَامَة وقاية للأنام وحصنا وَشد مِنْهَا بِالْعِصَابَةِ القرشية أزرا وشاد مِنْهَا بالعصبة العباسية ركنا وأغاث الْخلق بِإِمَام هدى حسن سيرة وَصفا سريرة فِرَاق صُورَة ورق معنى وَجمع قُلُوبهم عَلَيْهِ فَلم يستنكف عَن

стр. 653

الانقياد إِلَيْهِ إعلى وَلَا أدنى وَنزع جلبابها عَمَّن شغل قلبه بغَيْرهَا فَلم يعرها نظرا وَلم يصغ لَهَا أذنا وَصرف وَجههَا عَمَّن أَسَاءَ فِيهَا تَصرفا فَلم يرفع بهَا رَأْسا وَلم يعمر لَهَا مغنى نحمده على نعم حلت للنفوس حِين حلت ومنن جلت الخطوب حِين جلت ومسار سرت إِلَى الْقُلُوب فسرت ومبار أقرَّت الْعُيُون فقرت وعوارف أمت الْخَلِيفَة فتوالت وَمَا ولت وَقدم صدق ثبتَتْ إِن شَاءَ الله فِي الْخلَافَة فَمَا تزلزلت وَلَا زلت ونشهد أَن لَا أَله أَلا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة تكون لنا من دَرك الشكوك كالئة ولمهاوى الشّبَه دارئة وللمقاصد الجميلة حاوية ولشقة الزيغ والارتياب طاوية وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الذى نصح للْأمة إِذْ بلغ فشفى عليلها وأوردها من مناهل الرشد مَا أطفأ وهجها وَبرد غليلها وأوضح لَهُم مناهج الْحق ودعاهم إِلَيْهَا وَأَبَان لَهُم سبل الْهِدَايَة فِي ﴿من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا﴾

стр. 654

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله أَئِمَّة الْخَيْر وَخير الْأَئِمَّة ورضى عَن أَصْحَابه أَوْلِيَاء الْعدْل وعدول الْأمة صَلَاة ورضوانا يعمان سَائِرهمْ ويشملان أَوَّلهمْ وَآخرهمْ سِيمَا الصّديق الفائز بِأَعْلَى الرتبتين صدقا وَتَصْدِيقًا والحائز قصب السَّبق فِي الفضيلتين علما وتحقيقا وَمن عدل الْأَنْصَار إِلَيْهِ عَن سعد بن عبَادَة بعد مَا أَجمعُوا على تَقْدِيمه وبادر الْمُهَاجِرُونَ إِلَى بيعَته اعترافا بتفضليه وتكريمه والفاروق الشَّديد فِي الله بَأْسا واللين فِي الله جانبا والموفى للخلافة حَقًا والمؤدى للْإِمَامَة وَاجِبا والقائم فِي نصْرَة الدّين حق الْقيام حَتَّى عَمت فتوحه الْأَمْصَار مشارقا ومغاربا وأطاعته العناصر الْأَرْبَعَة إِذْ كَانَ لله طَائِعا وَمن الله خَائفًا وَإِلَى الله رَاغِبًا وذى النورين الْمعول عَلَيْهِ من بَين سَائِر أَصْحَاب الشورى تنويها بقدرة والمخصوص بِالِاخْتِيَارِ تفخيما لأَمره من حصر فِي بَيته فَلم يمنعهُ ذَلِك عَن تِلَاوَة كتاب الله وَذكره وَشَاهد سيوف قاتليه عيَانًا فقابل فتكاتها بجميل صبره وأبى الْحسن الذى أعرض عَن الْخلَافَة

стр. 655

حِين سئلها واستعفى مِنْهَا بَعْدَمَا اضْطر إِلَيْهَا وَقبلهَا وكشف لَهُ عَن حَقِيقَة الدُّنْيَا فَمَا أم قبلتها بِقَلْبِه وَلَا ولى وَجهه قبلهَا وَصرح بمقاطعتها بقوله يَا صفراء غرى غيرى يَا بَيْضَاء غرى غيرى لما وَصلهَا من وَصلهَا وَسَائِر الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بعدهمْ الناهجين نهجهم والواردين وردهم أما بعد فَإِن للْإِمَامَة شُرُوطًا يجب اعْتِبَارهَا فِي الإِمَام ولوازم لَا يغْتَفر فَوَاتهَا فِي الِابْتِدَاء وَلَا فِي الدَّوَام وأوصافا يتَعَيَّن إعمالها وآداباء لَا يسع إهمالها من أهمها الْعَدَالَة الَّتِى ملاكها التَّقْوَى وأساسها مراقبة الله تَعَالَى فِي السِّرّ والنجوى وَبهَا تقع الهيبة لصَاحِبهَا فِي الْقُلُوب فيجل وتميل النُّفُوس إِلَيْهَا فَلَا تمل فهى الملكة الداعية إِلَى ترك الْكَبَائِر واجتنابها والزاجرة عَن الْإِصْرَار على الصَّغَائِر وارتكابها والباعثة على مُخَالفَة النَّفس ونهيبها عَن الشَّهَوَات والصارفة عَن انتهاك حرمات الله الَّتِى هى أعظم الحرمات والموجبة للتعفف عَن الْمَحَارِم والحاملة عَن تجنب الظلامات ورد الْمَظَالِم والشجاعة الَّتِى بهَا حماية الْبَيْضَة والذب عَنْهَا والاستظهار بالغزو على

стр. 656

نكاية الطَّائِفَة الْكَافِرَة والغض مِنْهَا وَالْقُوَّة بِالشَّوْكَةِ على تَنْفِيذ الْأَوَامِر وإمضائها وَإِقَامَة الْحُدُود واستيفائها وَنشر كلمة الْحق وإعلائها ودحض كلمة الْبَاطِل وإخفائها وَقطع مَادَّة الْفساد وحسم أدوائها والرأى الْمُؤَدى إِلَى السياسة وَحسن التَّدْبِير والمغنى فِي كثير من الْأَمَاكِن عَن مزِيد الْجد والتشمير والمعين فِي خدع الْحَرْب ومكائده والمسعف فِي مصَادر كل أَمر وموارده ٣ هَذَا وَقد جعلنَا الله تَعَالَى أمة وسطا ووعظنا بِمن سلف من الْأُمَم مِمَّن تمرد وعتا أَو تجبر وسطا وعصم امتنا أَن تَجْتَمِع على الضلال وصان جَمعنَا عَن الْخَطَأ فِي الْفِعْل والمقال وندبنا إِلَى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر وسوغ لأئمتنا الِاجْتِهَاد فِي النَّوَازِل وَالْأَحْكَام فاجتهادهم لَا يحظر وَلَا يُنكر خُصُوصا فِي شَأْن الْإِمَامَة الَّتِى هى آكِد أَسبَاب المعالم الدِّينِيَّة وأقواها وَأَرْفَع المناصب الدُّنْيَوِيَّة وأعلاها وأعز الرتب رُتْبَة وأغلاها وأحقها بِالنّظرِ فِي أمرهَا وأولاها وَكَانَ الْقَائِم بِأَمْر الْمُسلمين الْآن

стр. 657

فلَان بن فلَان الفلانى مِمَّن حاد عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وسلك غير النهج القويم وَمَال عَن سنَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فأدركه الزلل وقارف المآثم فَعَاد بالخلل فعاث فِي الأَرْض فَسَادًا وَخَالف الرشد عنادا وَمَال إِلَى الغى اعْتِمَاد وَأسلم إِلَى الْهوى قيادا قد انْتقل عَن طور الْخلَافَة وعزيز الإنافة إِلَى طور الْعَامَّة فاتصف بصفاتهم واتسم بسماتهم فمنكر يجب عَلَيْهِ إِنْكَاره قد بَاشرهُ وصديق سوء يتَعَيَّن عَلَيْهِ إبعاده قد وازره وَظَاهر إِن سلك فسبيل التُّهْمَة والارتياب أَو قصد أمرا نحا فِيهِ غير الصَّوَاب منهمك على شهواته منعكف على لذاته متشاغل عَن امْر الْأمة بِأَمْر بنيه وَبنَاته الْجُبْن رَأس مَاله وَعدم الراى قرينه فِي أَفعاله وأقواله قد قنع من الْخلَافَة باسمها ورضى من الْإِمَامَة بوسمها وَظن أَن السؤدد فِي لبس السوَاد فَمَال إِلَى الحيف وتوهم أَن الْقَاطِع الغمد فَقطع النّظر عَن السَّيْف وَلما أطلع النَّاس مِنْهُ على هَذِه الْمُنْكَرَات وعرفوه بِهَذِهِ السمات وتحققوا فِيهِ هَذِه الوصمات رَغِبُوا فِي استبداله وَأَجْمعُوا على خلعه وزواله فلجؤوا إِلَى السُّلْطَان

стр. 658

الْأَعْظَم الْملك الفلانى بِالْأَلْقَابِ السُّلْطَانِيَّة إِلَى آخرهَا نصر الله جُنُوده وأسمى جدوده وأرهف على عداة الله حُدُوده ففوضوا أَمرهم فِي ذَلِك إِلَيْهِ وألقوا كلهم عَلَيْهِ فَجمع أهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم وَمن تصدر إِلَيْهِم الْأُمُور وَترد عَنْهُم فاستخاروا الله تَعَالَى وخلعوه من ولَايَته وَخَرجُوا عَن بيعَته وانسلخوا عَن طَاعَته وجردوه عَن خِلَافَته تَجْرِيد السَّيْف من القراب وطووا حكم إِمَامَته كطى السّجل للْكتاب وعندما تمّ هَذَا الْخلْع وانطوى حكمه على الْبَتّ وَالْقطع التمس النَّاس إِمَامًا يقوم بِأُمُور الْإِمَامَة فيوفيها وَيجمع شُرُوطهَا ويستوفيها فَلم يَجدوا لَهَا أَهلا وَلَا بهَا أَحَق وَأولى وأوفى بهَا وأملى من السَّيِّد الْأَعْظَم الإِمَام النَّبَوِيّ سليل الخلافه ووليد الإمامه أبي فلَان فلَان العباسي الطالع الله مثلا أَمِير الوؤمنين (١٧٩ أ) لازال شرفه باذخا وعرينه الشريف شامخا وعهد ولَايَته لعهد كل ولَايَة نَاسِخا فساموه بيعتها فلبى وشاموا برق ولَايَته فَأجَاب وَمَا تأبى علما مِنْهُ بانها تعيّنت عَلَيْهِ وانحصرت فِيهِ فَلم تَجِد أَعلَى مِنْهُ فتعدل إِلَيْهِ إِذْ هُوَ ابْن بجدتها وَفَارِس نجدتها

стр. 659

ومزيل غمتها وَكَاشف كربتها ومجلى غياهبها وَمُحَمّد عواقبها وموضح مذاهبها وحاكمها المكين بل رشيدها الْأمين فَنَهَضَ الْمقَام الشريف السلطانى الملكى الفلانى الْمشَار إِلَيْهِ قرن الله مقاصده الشَّرِيفَة بالنجاح وأعماله الصَّالِحَة بالفلاح وَبدر إِلَى بيعَته فَبَايع وائتم بِهِ من حضر من أهل الْحل وَالْعقد فتابع وقابل عقدهَا بِالْقبُولِ فَمضى وَلزِمَ حكمهَا فانقضى واتصل ذَلِك بِسَائِر الرّعية فانقادوا وَعَلمُوا صَوَابه فَمَشَوْا على سنَنه وماحادوا وشاع ذَلِك فِي الأوصار وطارت بِهِ مخلقات البشائر إِلَى سَائِر الأقطار فتعرفوا مِنْهُ الْيمن فسارعوا إِلَى امتثاله وتحققوا صِحَة الْأَمر وثباته بعد اضطرابه واعتلاله واستعاذوا من نقص يُصِيبهُ بعد تَمَامه بِهَذَا الْخَلِيفَة وكماله فَعندهَا أبانت الْخلَافَة العباسية عَن طيب عنصرها وَجَمِيل وفائها وكريم مظهرها وجادت بجزيل الامتنان وتلا لِسَان كرمها الوفى على وَليهَا الصَّادِق ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ فجدد لَهُ بالسلطنة الشَّرِيفَة عهدا وطوق جيده بتفويضها إِلَيْهِ عقدا وَجعله وَصِيَّة فِي الدّين

стр. 660

وولية فِي أَمر الْمُسلمين وقلده أَمر الممالك الإسلامية وَألقى إِلَيْهِ مقاليدها وَملكه أزمتها وحقق لَهُ مواعيدها وَعقد لَهُ لواءها وَنشر عَلَيْهِ أعلامها وَصَرفه فِيهَا على الْإِطْلَاق وفوض إِلَيْهِ أَحْكَامهَا وَألبسهُ الخلعة السَّوْدَاء فَكَانَت لسؤدده شعارا وأسبغ عَلَيْهِ رداءها فَكَانَ لَهُ دثار وَكتب لَهُ الْعَهْد فسقى الْمعَاهد صوب العهاد ولهج الْأَنَام بِذكرِهِ فاطمأنت الْعباد والبلاد وعندما تمّ هَذَا الْفَصْل وتقرر هَذَا الأَصْل وأمست الرعايا بِمَا آتَاهُم الله من فَضله فرحين وبنعمته مستبشرين طُولِبَ أهل الْبيعَة بِمَا يحملهم على الْوَفَاء وَيمْنَع بيتعهم من التكدر بعد الصفاء من تَوْثِيق عقدهَا بمؤكد أيمانها وَالْإِقَامَة على الطَّاعَة لخليفتها وسلطانها فبادروا إِلَى ذَلِك مُسْرِعين وَإِلَى دَاعِيَة مهطعين وبالغوا فِي المواثيق وأكدوها وشددوا فِي الْإِيمَان وعقدوها وأقسموا بِاللَّه الذى لَا إِلَه إلاهو عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة عَالم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور فِي البدء والإعادة على الْوَفَاء لَهما والموالاة والنصح والمصافاة والموافقة والمشايعة وَالطَّاعَة والمتابعة يوالون من والاهما ويعادون من

стр. 661

عاداهما لايقعدون عَن مناصرتهما عِنْد ملمة ولايرقبون فِي عدوهما إِلَّا وَلَا ذمَّة جارين فِي ذَلِك على الدَّوَام والاستمرار والثبوت واللزوم والاستقرار على أَن من بدل مِنْهُم من ذَلِك شرطا أَو أعفى لَهُ رسما أَو حاد عَن طَريقَة أَو غير لَهُ حكما أَو سلك فِي ذَلِك غير سَبِيل الْأَمَانَة أَو اسْتحلَّ الْغدر أَو أضمر الْخِيَانَة مُعْلنا أَو مسرا فِي كُله أَو بعضه متأولا أومحتالا لإبطاله أَو نقضه فقد برِئ من حول الله المتين وقوته الواقية وركنه الشَّديد وذمته الوافية إِلَى حول نَفسه وقوته وركنه وذمته وكل أمْرَأَة فِي عصمته الْآن أَو يَتَزَوَّجهَا مُدَّة حَيَاته طَالِق ثَلَاث بِصَرِيح لَفظه لَا يتَوَقَّف على نِيَّة لَا يفرق فِيهِ بَين زمن سنة وَلَا بِدعَة وَلَا رَجْعَة فِيهِ وَلَا مثنوية وكل مَمْلُوك فِي ملكه أَو يملكهُ فِي بَقِيَّة عمره من ذكر أَو أُنْثَى حر من أَحْرَار الْمُسلمين وكل مَا هُوَ على ملكه أَو يملكهُ فِي بَقِيَّة عمره إِلَى آخر أَيَّامه من عين أوعرض صَدَقَة للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَعَلِيهِ الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام ثَلَاثِينَ حجَّة بِثَلَاثِينَ عمْرَة رَاجِلا حافيا حاسرا لَا يقبل الله مِنْهُ غير الْوَفَاء بهَا بَاطِنا وَلَا ظَاهرا وإهداء

стр. 662

مائَة بَدَنَة فِي كل حجَّة مِنْهَا فِي عسرته ويسرته لَا تجزئة وَاحِدَة مِنْهَا عَن حجَّة الْإِسْلَام وعمرته وَصَوْم الدَّهْر خلا المنهى عَنهُ من أَيَّام السّنة وَصَلَاة ألف رَكْعَة فِي كل لَيْلَة لايباح لَهُ دون أَدَائِهَا غمض وَلَا سنة لايقبل مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا وَلَا يُؤجر على شئ من ذَلِك قولا وَلَا فعلا مَتى ورى فِي ذَلِك أَو اسْتثْنى أَو تَأَول أَو استفتى كَانَ الْحِنْث عَلَيْهِ عَائِدًا وَله إِلَى دَار الْبَوَار قائدا مُعْتَمدًا فِي ذَلِك أَشد الْمذَاهب فِي سره وعلانيته على نِيَّة المستحلف لَهُ دون نِيَّته وأمضوها بيعَة محكمَة المباني ثَابِتَة الْقَوَاعِد كَرِيمَة المساعى جميلَة الْمَقَاصِد طيبَة الجنى جميلَة العوائد قَاطِعَة الْبَرَاهِين ظَاهِرَة الشواهد وَأشْهدُوا على أنفسهم بذلك من حضر مجْلِس هَذَا العقد من قَضَاء الْإِسْلَام وعلمائه وأئمة الدّين وفقهائه بعد أَن أشهدوا الله عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وَكفى بِهِ للخائنين خصيما ﴿فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما﴾ وَالله تَعَالَى يَجْعَل انتقالهم من ادنى إِلَى اعلى وَمن يسرى إِلَى يمنى ويحقق

стр. 663

لَهُم بِمن اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِم وعده الصَّادِق بقوله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ إِن شَاءَ الله تَعَالَى قلت والذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِي كِتَابَة بيعات الْخُلَفَاء بالديار المصرية الْآن أَن يتعاطى كِتَابه الْبيعَة كتاب الحكم الَّذين هم موقعوقضاة الْقُضَاة وَلَا إِلْمَام لَهُم بصنعة الْإِنْشَاء فَإِن وَقعت الْعِنَايَة بِكِتَابَة تِلْكَ الْبيعَة أَمر كَاتب السِّرّ من لَهُ ملكه فِي صَنْعَة الْإِنْشَاء من رُؤُوس كتاب الدِّيوَان فَأَنْشَأَ لَهَا صَدرا على طَريقَة كتاب الْإِنْشَاء مفتتحا بِخطْبَة مُشْتَمِلَة على براعة استهلال تناسب الْمقَام وتدفع إِلَى من يتعاطى كِتَابَة تِلْكَ الْبيعَة من كتاب الحكم فيصدر بهَا مَا يَكْتُبهُ ثمَّ تأتى عقب ذَلِك بِصُورَة الْحَال الْوَاقِعَة فِي الْبيعَة سردا وَيشْهد فِي آخرهَا وَهَذِه نُسْخَة بيعَة الإِمَام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه أَبى الْفَتْح خَليفَة الْعَصْر

стр. 664

الْمَوْضُوع لَهُ هَذَا الْكتاب وصدرها من إنْشَاء عَلامَة الْعَصْر وَإِمَام أهل الْأَدَب الشَّيْخ تقى الدّين بن حجَّة مُشِيرا فِيهِ إِلَى سُلْطَانه الْقَائِم ببيعته الْملك الْمُؤَيد أَبى النَّصْر شيخ ملوحا بِذكر شيخ الْإِسْلَام قاضى الْقُضَاة جلال الدّين البلقينى وهى الْحَمد لله الذى شدّ عضد الْأمة بِمن أَمْسَى بِهِ معتضدا وأسعفنا من الْبَيْت النبوى بخليفة مَا برح شيخ الْمُلُوك فِي تَقْدِيم بَيته الشريف مُجْتَهدا وَأقَام الْعلم العباسي بعد أَبى مُسلم بأبى النَّصْر فَأكْرم حسن الختام وَحسن الِابْتِدَاء فَلهُ الْحَمد أَولا وآخرا وَبَاطنا وظاهرا ونكرر حَمده على سُلْطَان مؤيد تحف بِهِ الْعلمَاء والأعلام وَظهر لجلالهم فِي أَيَّامه الزاهرة بهجة فَقَالَ موريا هَذَا زمَان مَشَايِخ الْإِسْلَام نحمده على حكمته الَّتِى اقْتَضَت أَن تكون الْخلَافَة عُمْدَة لأحكام يَزُول بهَا الالتباس وَهُوَ الْقَائِل ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس﴾ وَأشْهد أَن لَا أَله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْقَادِر الذى أطلع بدور الْخلَافَة كَامِلَة فِي الْمطَالع

стр. 665

الهاشمية وبل ظمأ الْإِسْلَام لسقايتها العباسية ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الذى يجب تَقْدِيم آل بَيته فِي إِيضَاح كل أَمر وإشكاله فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله صَلَاة يصل بهَا الْحق إِلَى أربابه وينتظم شَمل أَبى الْفَتْح بأبى النَّصْر فِي ذهَاب كل مِنْهُمَا وإيابه مَا تراعت فِي مدائحه النَّظَائِر وملئت بالبديع بطُون الدفاتر تَنْبِيه قد ذكر مُحَمَّد بن عمر المدائنى فِي كتاب الْقَلَم والدواة أَنه كَانَ يكْتب للخلفاء فِي قرطاس من ثلثى طومار والطومار هُوَ الفرخة الْوَرق الْكَامِلَة وَالْمرَاد الْوَرق البغدادى فَإِن الْخلَافَة بِبَغْدَاد كَانَت وَحِينَئِذٍ فَكَانَت البيعات تكْتب فِي قطع الثُّلثَيْنِ الْمَذْكُور والذى يظْهر أَن ذَلِك كَانَ فِي أول أَمرهم وَأَنه بعد ذَلِك كَانَ يكْتب لَهُم فِي قطع البغدادى الْكَامِل أما الْآن فالذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب فِيهِ بيعات الْخُلَفَاء من بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية

стр. 666

الْفَصْل الثَّانِي من الْبَاب الثَّانِي فِيمَا يكْتب للخلفاء من العهود وهى مَا يكْتب لمن يقوم بالخلافة بِعَهْد من الْخَلِيفَة قبله بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك على مَا تقدم ذكره فِي الْكَلَام على الطّرق الَّتِى تَنْعَقِد بهَا الْإِمَامَة فِي الْبَاب الأول من الْكتاب وَقد تقدم هُنَاكَ أَن الصّديق رضى الله عَنهُ عهد بالخلافة إِلَى عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فَكتب لَهُ بهَا عهدا بِخَط بن عُثْمَان رضى الله عَنهُ وللكتاب فِي كِتَابه عهود الْخُلَفَاء للخلفاء مذهبان الْمَذْهَب الأول أَن يفْتَتح الْعَهْد بِلَفْظ هَذَا مَا عهد فلَان لفُلَان أَو هَذَا عهد فلَان لفُلَان أَو هَذَا كتاب كتبه فلَان لفُلَان وَمَا أشبه لَك ثمَّ يُؤْتى بِوَصْف الْخَلِيفَة والتنبيه على وَجه اسْتِحْقَاقه الْمُوجب لتقدمه على غَيره

стр. 667

ثمَّ يذكر تَفْوِيض الْخلَافَة إِلَيْهِ بعد العاهد وَيُؤْتى من وَصيته بِمَا يُنَاسب الْمقَام مُقْتَصرا فِي ذَلِك على الْإِشَارَة والتلويح غير مُصَرح فِيهِ بِلَفْظ الْأَمر كَمَا يُقَال فِي عهود الْمُلُوك أمرة بِكَذَا وَأمره بِكَذَا على مَا سيأتى فِي ذكر عهودهم للمملوك تَعْظِيمًا لشأن ولى الْعَهْد بالخلافة وتشريفا لمقامه عَن أَن يكون مَأْمُور وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة كَانَت عهود الْخُلَفَاء من السّلف رضوَان الله عَلَيْهِم وعَلى نهجها مَشى أفاضل الْكتاب المعتبرين بديوان الْخلَافَة فِي الْعرَاق وَاخْتَارَهُ أفاضل الْكتاب من الْمُتَأَخِّرين بالديار المصرية وصرحوا بِاخْتِيَارِهِ فِي مصنفاتهم وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا روى أَن الصّديق رضى الله عَنهُ كتب فِي عَهده بالخلافة لأمير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ بِخَط عُثْمَان بن عَفَّان ونسخته هَذَا مَا عهد أَبُو بكر خَليفَة رَسُول الله ﷺ آخر عَهده بالدنيا وَأول عَهده بِالآخِرَة إنى اسْتخْلفت عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب فَإِن بر وَعدل فَذَلِك ظنى بِهِ وَإِن بدل أَو غير فَلَا علم لى بِالْغَيْبِ وَالْخَيْر أردْت بكم

стр. 668

وَلكُل امْرِئ مَا اكْتسب من الاثم ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ ثمَّ تصرفوا فِيهِ بعد ذَلِك بِالزِّيَادَةِ وَبسط القَوْل وعَلى هَذَا الأسلوب كتب سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن مَرْوَان أحد خلفاء بنى أُميَّة عَهده لعمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان بعده وَهَذِه نسخته فِيمَا ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي تَارِيخه هَذَا مَا عهد عبد الله سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَخَلِيفَة الْمُسلمين عهد أَنه يشْهد لله بالربوبية والوحدانية وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ص =

стр. 669

بَعثه إِلَى محسنى عباده بشيرا وَإِلَى مذنبيهم نذيرا وَأَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان حق خلق الْجنَّة رَحْمَة وَجَزَاء لمن أطاعه وَالنَّار نقمة وَجَزَاء لمن عَصَاهُ وَأوجب الْعَفو جودا وكرما لمن عفى عَنهُ وَأَن سُلَيْمَان مقرّ على نَفسه بِمَا يعلم الله من ذنُوبه وَبِمَا تعلمه نَفسه من مَعْصِيّة ربه مُوجبا على نَفسه اسْتِحْقَاق مَا خلق من النقمَة راجيا لنَفسِهِ مَا خلق خَيرهَا وشرها مقدورة بإرادته متكونة بتكوينه وَأَنه الهادى فَلَا مغوى وَلَا مضل لمن هداه وخلقه لِرَحْمَتِهِ وَأَنه الفاتن فَلَا هادى وَلَا مرشد لمن فتنه وخلقه لنقمته وَأَنه يفتن الْمُؤمن فِي قَبره بالسؤال عَن دينه وَنبيه الذى أرسل إِلَى أمته لَا منجى لمن خرج من الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة من هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا لمن اسْتَثْنَاهُ فِي علمه وَسليمَان يسْأَل الله الْكَرِيم بواسع فَضله وعظيم مِنْهُ الثَّبَات على مَا اسر وأعلن من معرفَة حَقه وَحقّ نبيه

стр. 670

عِنْد مَسْأَلَة رسله والنجاة من هول فتْنَة فتانية وَيشْهد أَن الْمِيزَان يَوْم الْقِيَامَة حق يَقِين يزن سيئات المسيئين وحسنات الْمُحْسِنِينَ ليرى عبَادَة من عَظِيم قدرته مَا أَرَادَهُ من تعبده لِعِبَادِهِ بِمَا لم يَكُونُوا يحتسبونه وَأَن من ثقلت مَوَازِينه فَأُولَئِك هم المفلحون وَمن خفت مَوَازِينه يَوْمئِذٍ فَأُولَئِك هم الخاسرون وَأَن حَوْض مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ يَوْم الْحَشْر والموقف للعرض حق وَأَن عدد آنيته كنجوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ لم يظمأ أبدا وَسليمَان يسْأَل الله بواسع رَحمته أَن لَا يردهُ عَن حَوْض نبيه عطشان وَأَن أَبَا بكر وَعمر خير هَذِه الْأمة بعد نبيها وَالله يعلم بعدهمَا حَيْثُ الْخَيْر وفيمن الْخَيْر من هَذِه الْأمة وَأَن هَذِه الشَّهَادَة كلهَا الْمَذْكُورَة فِي عَهده هَذَا يعلمهَا الله من سره وإعلانه وَعقد ضَمِيره وَأَنه بهَا عبد ربه فِي سالف أَيَّامه وماضى عمره وَعَلَيْهَا
следующие страницы →