Полный текст (1 075 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الْفَصْل الثَّانِي
من الْبَاب الثَّانِي فِيمَا يكْتب للخلفاء من العهود وهى مَا يكْتب لمن يقوم بالخلافة بِعَهْد من الْخَلِيفَة قبله بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك على مَا تقدم ذكره فِي الْكَلَام على الطّرق الَّتِى تَنْعَقِد بهَا الْإِمَامَة فِي الْبَاب الأول من الْكتاب وَقد تقدم هُنَاكَ أَن الصّديق رضى الله عَنهُ عهد بالخلافة إِلَى عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فَكتب لَهُ بهَا عهدا بِخَط بن عُثْمَان رضى الله عَنهُ وللكتاب فِي كِتَابه عهود الْخُلَفَاء للخلفاء مذهبان
الْمَذْهَب الأول
أَن يفْتَتح الْعَهْد بِلَفْظ هَذَا مَا عهد فلَان لفُلَان أَو هَذَا عهد فلَان لفُلَان أَو هَذَا كتاب كتبه فلَان لفُلَان وَمَا أشبه لَك ثمَّ يُؤْتى بِوَصْف الْخَلِيفَة والتنبيه على وَجه اسْتِحْقَاقه الْمُوجب لتقدمه على غَيره
стр. 667
ثمَّ يذكر تَفْوِيض الْخلَافَة إِلَيْهِ بعد العاهد وَيُؤْتى من وَصيته بِمَا يُنَاسب الْمقَام مُقْتَصرا فِي ذَلِك على الْإِشَارَة والتلويح غير مُصَرح فِيهِ بِلَفْظ الْأَمر كَمَا يُقَال فِي عهود الْمُلُوك أمرة بِكَذَا وَأمره بِكَذَا على مَا سيأتى فِي ذكر عهودهم للمملوك تَعْظِيمًا لشأن ولى الْعَهْد بالخلافة وتشريفا لمقامه عَن أَن يكون مَأْمُور وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة كَانَت عهود الْخُلَفَاء من السّلف رضوَان الله عَلَيْهِم وعَلى نهجها مَشى أفاضل الْكتاب المعتبرين بديوان الْخلَافَة فِي الْعرَاق وَاخْتَارَهُ أفاضل الْكتاب من الْمُتَأَخِّرين بالديار المصرية وصرحوا بِاخْتِيَارِهِ فِي مصنفاتهم وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا روى أَن الصّديق رضى الله عَنهُ كتب فِي عَهده بالخلافة لأمير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ بِخَط عُثْمَان بن عَفَّان ونسخته هَذَا مَا عهد أَبُو بكر خَليفَة رَسُول الله ﷺ آخر عَهده بالدنيا وَأول عَهده بِالآخِرَة إنى اسْتخْلفت عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب فَإِن بر وَعدل فَذَلِك ظنى بِهِ وَإِن بدل أَو غير فَلَا علم لى بِالْغَيْبِ وَالْخَيْر أردْت بكم
стр. 668
وَلكُل امْرِئ مَا اكْتسب من الاثم ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾
ثمَّ تصرفوا فِيهِ بعد ذَلِك بِالزِّيَادَةِ وَبسط القَوْل
وعَلى هَذَا الأسلوب
كتب سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن مَرْوَان أحد خلفاء بنى أُميَّة عَهده لعمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان بعده
وَهَذِه نسخته
فِيمَا ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي تَارِيخه
هَذَا مَا عهد عبد الله سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَخَلِيفَة الْمُسلمين عهد أَنه يشْهد لله بالربوبية والوحدانية وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ص =
стр. 669
بَعثه إِلَى محسنى عباده بشيرا وَإِلَى مذنبيهم نذيرا وَأَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان حق خلق الْجنَّة رَحْمَة وَجَزَاء لمن أطاعه وَالنَّار نقمة وَجَزَاء لمن عَصَاهُ وَأوجب الْعَفو جودا وكرما لمن عفى عَنهُ وَأَن سُلَيْمَان مقرّ على نَفسه بِمَا يعلم الله من ذنُوبه وَبِمَا تعلمه نَفسه من مَعْصِيّة ربه مُوجبا على نَفسه اسْتِحْقَاق مَا خلق من النقمَة راجيا لنَفسِهِ مَا خلق خَيرهَا وشرها مقدورة بإرادته متكونة بتكوينه وَأَنه الهادى فَلَا مغوى وَلَا مضل لمن هداه وخلقه لِرَحْمَتِهِ وَأَنه الفاتن فَلَا هادى وَلَا مرشد لمن فتنه وخلقه لنقمته وَأَنه يفتن الْمُؤمن فِي قَبره بالسؤال عَن دينه وَنبيه الذى أرسل إِلَى أمته لَا منجى لمن خرج من الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة من هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا لمن اسْتَثْنَاهُ فِي علمه وَسليمَان يسْأَل الله الْكَرِيم بواسع فَضله وعظيم مِنْهُ الثَّبَات على مَا اسر وأعلن من معرفَة حَقه وَحقّ نبيه
стр. 670
عِنْد مَسْأَلَة رسله والنجاة من هول فتْنَة فتانية وَيشْهد أَن الْمِيزَان يَوْم الْقِيَامَة حق يَقِين يزن سيئات المسيئين وحسنات الْمُحْسِنِينَ ليرى عبَادَة من عَظِيم قدرته مَا أَرَادَهُ من تعبده لِعِبَادِهِ بِمَا لم يَكُونُوا يحتسبونه وَأَن من ثقلت مَوَازِينه فَأُولَئِك هم المفلحون وَمن خفت مَوَازِينه يَوْمئِذٍ فَأُولَئِك هم الخاسرون وَأَن حَوْض مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ يَوْم الْحَشْر والموقف للعرض حق وَأَن عدد آنيته كنجوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ لم يظمأ أبدا وَسليمَان يسْأَل الله بواسع رَحمته أَن لَا يردهُ عَن حَوْض نبيه عطشان وَأَن أَبَا بكر وَعمر خير هَذِه الْأمة بعد نبيها وَالله يعلم بعدهمَا حَيْثُ الْخَيْر وفيمن الْخَيْر من هَذِه الْأمة وَأَن هَذِه الشَّهَادَة كلهَا الْمَذْكُورَة فِي عَهده هَذَا يعلمهَا الله من سره وإعلانه وَعقد ضَمِيره وَأَنه بهَا عبد ربه فِي سالف أَيَّامه وماضى عمره وَعَلَيْهَا
стр. 671
أَتَاهُ يَقِين ربه وتوفاه اجله وَعَلَيْهَا يبْعَث بعد مَوته إِن شَاءَ الله وَأَن سُلَيْمَان كَانَ لَهُ بَين هَذِه الشَّهَادَة بلايا وسيئات لم يكن لَهُ عَنْهَا محيد وَلَا بُد جرى بهَا عَلَيْهِ الْمَقْدُور من الرب النَّافِذ إِلَى إتْمَام مَا حد فَإِن يعف ويصفح فَذَاك مَا عرف مِنْهُ قَدِيما وَنسب إِلَيْهِ حَدِيثا وَتلك صفته الَّتِى وصف بهَا نَفسه فِي كِتَابه الصَّادِق وَكَلَامه النَّاطِق وَإِن يُعَاقب وينتقم فبمَا قدمت يَدَاهُ وَمَا الله بظلام للعبيد وَأَن سُلَيْمَان يحرج على من قَرَأَ عَهده هَذَا وَسمع مَا فِيهِ من حكمه أَن ينتهى إِلَيْهِ فِي أمره وَنَهْيه بِاللَّه الْعَظِيم وَمُحَمّد رَسُوله الْكَرِيم وَأَن يدع الإحن المضغنة وَيَأْخُذ بالمكارم المدجنة وَيرْفَع يَدَيْهِ إِلَى الله بالضمير النصوح وَالدُّعَاء الصَّحِيح والصفح الصَّرِيح يسْأَله الْعَفو عَنى وَالْمَغْفِرَة لى والنجاة من فزعى وَالْمَسْأَلَة فِي قبرى لَعَلَّ الْوَدُود أَن يَجْعَل مِنْكُم مجاب الدعْوَة بِمَا من على من صفحة يعود إِن شَاءَ الله وَأَن ولى عهد سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَصَاحب أمره بعد مَوته فِي جنده ورعيته
стр. 672
وخاصته وعامته وكل من استولانى الله عَلَيْهِ واسترعانى فِي النّظر فِيهِ الرجل الصَّالح عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان ابْن عمى لما بلوت من بَاطِن أمره وَظَاهره ورجوت الله بذلك وَرضَاهُ وَرَحمته إِن شَاءَ الله ثمَّ من بعده يسلم إِلَى يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان إِن بقى بعده فإنى مَا رَأَيْت مِنْهُ إِلَّا خيرا وَلَا أطلعت لَهُ مَكْرُوها وصغار ولدى وكبارهم إِلَى عمر إِذْ رَجَوْت أَن لَا يألوهم رشدا وصلاحا وَالله خليفتى عَلَيْهِم وعَلى جمَاعَة الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ وأقروا لعهدى عَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَمن أَبى من أمرى هَذَا أَو خَالف عهدى هَذَا وأرجوا أَن لايخالفه أحد من أمة مُحَمَّد فَهُوَ ضال مضل مستعتب فَإِن اعتب وَإِلَّا فَإِنِّي لمن خَالف عهدى فيهم
стр. 673
بِالسَّيْفِ السَّيْف وَالْقَتْل الْقَتْل فَإِنَّهُم مستوجبون لَهما وهم لهيبته ملقحون وَالله الْمُسْتَعَان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْقَدِيم الْإِحْسَان
وعَلى هَذَا
كتب الْمَأْمُون بِخَطِّهِ عهد على بن مُوسَى العلوى الْمَعْرُوف بالرضى بالخلافة بعده
وَهَذِه نسخته
هَذَا كتاب كتبه عبد الله بن هَارُون الرشيد أَمِير الْمُؤمنِينَ بِيَدِهِ لعلى بن مُوسَى بن جَعْفَر ولى عَهده
أما بعد فَإِن الله اصْطفى الْإِسْلَام دينا وَاصْطفى لَهُ من عباده رسلًا دالين عَلَيْهِ وهادين إِلَيْهِ يبشر أَوَّلهمْ بآخرهم وَيصدق تاليهم ماضيهم حَتَّى انْتَهَت نبوة الله إِلَى مُحَمَّد ﷺ على فَتْرَة
стр. 674
من الرُّسُل ودروس من الْعلم وَانْقِطَاع من الوحى واقتراب من السَّاعَة فختم الله بِهِ النَّبِيين وَجعله شَاهدا لَهُم ومهيمنا عَلَيْهِم وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه الْعَزِيز الذى ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ بِمَا أحل وَحرم ووعد وأوعد وحذر وأنذر وَأمر بِهِ وَنهى عَنهُ لتَكون لَهُ الْحجَّة الْبَالِغَة على خلقه و ﴿ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة وَإِن الله لسميع عليم﴾ فَبلغ عَن الله رسَالَته ودعا إِلَى سَبيله بِمَا امْرَهْ بِهِ من الْحِكْمَة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة والمجادلة بالتى هِيَ أحسن ثمَّ بِالْجِهَادِ والغلظة حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْده ﷺ فَلَمَّا انْقَضتْ النُّبُوَّة وَختم الله بِمُحَمد ﷺ الوحى والرسالة جعل لَهُ قوام الدّين ونظام أَمر الْمُسلمين بالخلافة وإتمامها وعزها وَالْقِيَام بِحَق الله فِيهَا بِالطَّاعَةِ الَّتِى بهَا تُقَام فَرَائض الله وحدوده وَشَرَائِع الْإِسْلَام وسننه ويجاهد بهَا عدوه فعلى خلفاء الله طَاعَته فِيمَا
стр. 675
استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده وعَلى الْمُسلمين طَاعَة خلفائهم ومعاونتهم على إِقَامَة حق الله وعدله وَأمن السبل وحقن الدِّمَاء وَصَلَاح ذَات الْبَين وَجمع الألفة وَفِي إخلال ذَلِك اضْطِرَاب حَبل الْمُسلمين واختلالهم وَاخْتِلَاف ملتهم وقهردينهم واستعلاء عدوهم وتفرق الْكَلِمَة وحسرات الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
فَحق على من اسْتَخْلَفَهُ الله فِي أرضه وائتمنه على خلقه أَن يُؤثر مَا فِيهِ رضى الله وطاعته ويقر لما الله واقفة عَلَيْهِ وسائلة عَنهُ وَيحكم بِالْحَقِّ وَيعْمل بِالْعَدْلِ فِيمَا حمله الله وقلده فَإِن الله يَقُول لنَبيه دَاوُد ﵇ ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب﴾ وَقَالَ ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وبلغنا أَن
стр. 676
عمر بن الْخطاب قَالَ لَو ضَاعَت سخلة بِجَانِب الْفُرَات لتخوفت أَن يسألنى الله عَنْهَا وأيم الله أَن المسؤول عَن خَاصَّة نَفسه الْمَوْقُوف على عمله فِيمَا بَين الله وَبَينه متعرض لأمر كَبِير وعَلى خطر عَظِيم فَكيف بالمسؤول عَن رِعَايَة الْأمة وَبِاللَّهِ الثِّقَة وَإِلَيْهِ المفزع وَالرَّغْبَة فِي التَّوْفِيق مَعَ الْعِصْمَة والتسديد وَالْهِدَايَة إِلَى مَا فِيهِ ثُبُوت الْحجَّة والفوز من الله بالرضوان وَالرَّحْمَة وَأنْظر الْأَئِمَّة لنَفسِهِ وأنصحهم لله فِي دينه وعباده وخلافته فِي أرضه من عمل بِطَاعَة الله وَكتابه وَسنة نبيه ﵇ فِي مُدَّة أَيَّامه واجتهد وأجهد رَأْيه وَنَظره فِيمَن يوليه عَهده ويختاره لإمامة الْمُسلمين ورعايتهم بعده وينصبه علما لَهُم ومفزعا فِي جَمِيع ألفتهم وَلم شعثهم وحقن دِمَائِهِمْ والأمن بِإِذن الله من فرقتهم وَفَسَاد ذَات بَينهم وَاخْتِلَافهمْ وَرفع نزع الشَّيْطَان وكيده عَنْهُم فَإِن الله جعل الْعَهْد بالخلافة من تَمام أَمر الْإِسْلَام وكماله وَعزة وَصَلَاح اهله وألهم
стр. 677
خلفاء من توكيده لمن يختارونه لَهُ من بعدهمْ مَا عظمت بِهِ النِّعْمَة وشملت فِيهِ الْعَافِيَة وَنقض الله بذلك مر أهل الشقاق والعداوة والسعى فِي الْفرْقَة والرفض للفتنة وَلم يزل أَمِير الْمُؤمنِينَ مُنْذُ أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة فاختبر بشاعة مذاقها وَثقل محملها وَشدَّة مؤنتها وَمَا يجب عَلَيْهِ من تقلدها من ارتباط طَاعَة الله ومراقبته فِيمَا حمله مِنْهَا فأنصب بدنه وأسهر عينه وَأطَال فكره فِيمَا فِيهِ عز الدّين وقمع الْمُشْركين وَصَلَاح الْأمة وَنشر الْعدْل وَإِقَامَة الْكتاب وَالسّنة وَمنعه ذَلِك من الْخَفْض والدعة مهنأ الْعَيْش علما بِمَا الله سائله عَنهُ وحرصا أَن يلقى الله مناصحة فِي دينه وَعبادَة ومختارا لولاية عَهده ورعاية الْأمة من بعده أفضل من يقدر عَلَيْهِ فِي دينه وورعه وَعلمه وأرجاهم للْقِيَام بِأَمْر الله وَحقه مناجيا الله بالاستخارة فِي ذَلِك
стр. 678
ومسألته إلهامه مَا فِيهِ رِضَاهُ وطاعته فِي ليله ونهاره ومعملا فِي طلبه والتماسه من اهل بَيته من ولد عبد الله بن الْعَبَّاس وعَلى بن ابي طَالب فكره وَنَظره مُقْتَصرا مِمَّن علم حَاله ومذهبه مِنْهُم على علمه وبالغا فِي المسأله عَمَّن خفى عَلَيْهِ امْرَهْ جهده وطاقته حَتَّى استقصى امورهم بمعرفته وابتلى اخبارهم مشاهده وكشف مَا عِنْدهم مساءلة فَكَانَت خيرته بعد استخارته لله واجهاده نَفسه فِي قَضَاء حَقه وبلاده من الْبَيْتَيْنِ جَمِيعًا على بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن على بن الْحُسَيْن بن على بن أَبى طَالب لما راى فَضله البارع وَعَمله الناصع وورعه الظَّاهِر وزهده الْخَالِص وتخليه من الدُّنْيَا وتسلمه من النَّاس وَقد استبان لَهُ مَا لم تزل الْأَخْبَار عَلَيْهِ متواطئة والألسن عَلَيْهِ متفقة والكلمة فِيهِ جَامِعَة وَلما لم يزل يعرفهُ بِهِ من الْفضل يافعا وناشئا وحدثا ومكتهلا فَقعدَ لَهُ بالعهد بالخلافة إيثارا لله وَالدّين ونظرا للْمُسلمين
стр. 679
وطلبا للسلامة وثبات الْحجَّة والنجاة فِي الْيَوْم الذى يقوم فِيهِ النَّاس لرب الْعَالمين ودعا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَده وَأهل بَيته وخاصته وقواده وخدمه فَبَايعُوهُ مسارعين مسرورين عَالمين بإيثار أَمِير الْمُؤمنِينَ طَاعَة الله على الْهوى فِي وَلَده وَغَيرهم مِمَّن هُوَ أشبك بِهِ رحما وَأقرب قرَابَة وَسَماهُ الرضى إِذا كَانَ رضى عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبَايعُوا معشر أهل بَيت أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن الْمَدِينَة المحروسة من قواده وجنده وَعَامة الْمُسلمين الرضى من بعده على اسْم الله وبركته وَحسن قَضَائِهِ لدينِهِ وعباده بيعَة مبسوطة إِلَيْهَا أَيْدِيكُم منشرحة لَهَا صدوركم عَالمين بِمَا أَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بهَا وآثر طَاعَة الله وَالنَّظَر لنَفسِهِ وَلكم فِيهَا شاكرين لله على مَا ألهم أَمِير الْمُؤمنِينَ من قَضَاء حَقه فِي رعايتكم وحرصه على رشده وصلاحكم راجين عائدته فِي ذَلِك فِي جمع ألفتكم وحقن دمائكم وَلم شعثكم وسد ثغوركم وَقُوَّة دينكُمْ وَرَغمَ عَدوكُمْ واستقامة أُمُوركُم وسارعوا إِلَى طَاعَة الله وَطَاعَة
стр. 680
أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن الْأَمر إِن سارعتم إِلَيْهِ وحمدتم الله عَلَيْهِ عَرَفْتُمْ الْحَظ فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَكتب بِيَدِهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ لسبع خلون من شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ
ثمَّ إِنَّه تقدم إِلَى على بن مُوسَى وَقَالَ لَهُ اكْتُبْ خطك بِقبُول هَذَا الْعَهْد وَأشْهد الله والحاضرين عَلَيْك بِمَا تعده فِي حق الله ورعاية الْمُسلمين
فَكتب على الرضى تَحْتَهُ
الْحَمد لله الفعال لما يَشَاء لَا معقب لحكمه وَلَا راد لقضائه يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور وصلواته على نبيه مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَآله والطيبين الطاهرين أَقُول وَأَنا على بن مُوسَى بن جَعْفَر إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عضده الله بالسداد وَرَفعه بالرشاد عرف من حَقنا مَا جَهله غَيره فوصل أرحاما قطعت وَأمن أنفسا فزعت بل أَحْيَاهَا وَقد تلفت وأغناها إِذْ
стр. 681
افْتَقَرت متتبعا رضى رب الْعَالمين لَا يُرِيد جَزَاء من غَيره وسيجزى الله الشَّاكِرِينَ وَلَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَإنَّهُ جعل إِلَى عَهده والإمرة الْكُبْرَى إِن بقيت بعده فَمن حل عقدَة أَمر الله بشدها أَو فَصم عُرْوَة احب الله إيثاقها فقد أَبَاحَ حريمة وَأحل مُحرمَة إِذْ كَانَ بذلك زاريا على الإِمَام منتهكا حُرْمَة الْإِسْلَام بذلك وَجرى السالف فَصَبر مِنْهُ على الفلتات وَلم يعْتَرض بعْدهَا على العزمات خوفًا على شتات الدّين واضطراب حَبل الْمُسلمين ولقرب أَمر الْجَاهِلِيَّة ورصد فرْصَة تنتهز وبائقة تبتدر وَقد جعلت الله تَعَالَى على نفسى إِن استرعانى على الْمُسلمين وقلدنى خِلَافَته الْعَمَل فيهم عَامَّة وَفِي بنى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب خَاصَّة بِطَاعَتِهِ وَسنة رَسُوله ﷺ أَن لاأسفك دَمًا حَرَامًا وَلَا أُبِيح فرجا وَلَا مَالا إِلَّا مَا سفكه حُدُوده وأباحته فَرَائِضه وَأَن أتخير الكفاة جهدى وطاقتى جعلت بذلك على نفسى عهدا مؤكدا يسألنى عَنهُ فَإِنَّهُ
стр. 682
عز وَجل يَقُول ﴿وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسؤولا﴾ فَإِن حدت أَو غيرت أَو بدلت كنت للْغَيْر مُسْتَحقّا وللنكال متعرضا وَأَعُوذ بِاللَّه من سخطه وَإِلَيْهِ أَرغب فِي التَّوْفِيق لطاعته والحول بينى وَبَين مَعْصِيَته فِي عَافِيَة والجامعة والحصر يدلان على ضد ذَلِك ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ ﴿إِن الحكم إِلَّا لله يقص الْحق وَهُوَ خير الفاصلين﴾ لكنى امتثلت أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وآثرت رِضَاهُ وَالله يعصمنى وإياه وأشهدت الله على نفسى بذلك ﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾
وكتبت بخطى بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ وَالْفضل بن سهل وَسَهل بن الْفضل وَيحيى بن
стр. 683
أَكْثَم والبشر بن الْمُعْتَمِر وَحَمَّاد بن النُّعْمَان فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ
ثمَّ كتب فِيهِ من حضر من هَؤُلَاءِ وَهَذِه صُورَة كتابتهم فِيهِ
فَكتب الْفضل بن سهل وَزِير الْمَأْمُون مَا صورته
رسم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ قِرَاءَة مَضْمُون هَذَا الْمَكْتُوب ظَهره وبطنه بحرم سيدناا رَسُول الله ﷺ بَين الرَّوْضَة والمنبر على رُؤُوس الأشهاد ومرأى ومسمع من وُجُوه بنى هَاشم وَسَائِر الْأَوْلِيَاء والأجناد وَهُوَ يسْأَل الله أَن يعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ وكافة الْمُسلمين بركَة هَذَا الْعَهْد والميثاق بِمَا أوجب أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحجَّة بِهِ على جَمِيع الْمُسلمين وأبطل الشُّبْهَة الَّتِى كَانَت اعترضت آراء الْجَاهِلين ﴿مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾
стр. 684
وَكتب الْفضل بن سهل فِي التَّارِيخ الْمعِين فِيهِ
وَكتب عبد الله بن طَاهِر مَا صورته
أَثْبَتَت شَهَادَته فِيهِ بتاريخه عبد الله بن طَاهِر بن الْحُسَيْن
وَكتب يحيى بن أَكْثَم القاضى مَا صورته شهد يحيى بن أَكْثَم على مَضْمُون هَذِه الصَّحِيفَة ظهرهَا وبطنها وَكتب بِخَطِّهِ بالتاريخ
وَكتب حَمَّاد بن النُّعْمَان مَا صورته شهد حَمَّاد بن النُّعْمَان بمضمونه ظَهره وبطنه وَكتب بِيَدِهِ بتاريخه
وَكتب بشر بن الْمُعْتَمِر وَكتب مَا صورته
شهد بِمثل ذَلِك بشر بن الْمُعْتَمِر وَكتب بِخَطِّهِ بالتاريخ
стр. 685
الْمَذْهَب الثَّانِي
فِي العهود الَّتِى تكْتب للخلفاء أَن يفْتَتح الْعَهْد بِالْحَمْد لله
قلت وَعَلِيهِ الْعَمَل فِي زَمَاننَا مَعَ الِاقْتِصَار على تحميده وأحدة والاختصار فِي القَوْل
وعَلى ذَلِك
كتب عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ المستكفى بِاللَّه أَبى الرّبيع سُلَيْمَان لوَلَده المستوثق بِاللَّه بركَة
وَهَذِه نسخته
الْحَمد لله الذى أيد الْخلَافَة العباسية بِأَجل وَالِد وَأبر ولد وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة بالسند والسند فَالسَّنَد وآواها من إمرتهم إِلَى الْكَهْف فالكهف وَإِن تناهى الْعدَد وزان عطفهابسؤدد سَواد شعارهم المسجلة أنواره وَلَا شكّ أَن النُّور فِي السوَاد وعذق بصولتهم النبوى
стр. 686
معجزها كل منآد نحمده على مَا من بِهِ من تَمام النِّعْمَة فيهم ونزول الرَّحْمَة ببواقيهم ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة مَحْضَة الْإِخْلَاص كافلا محضها بالفكاك من أسر الشّرك والخلاص ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمَبْعُوث بِمَا أوضح سبل الرشاد وقمع أهل العناد وَالشَّفِيع المشفع يَوْم التناد ﷺ وعَلى آله وَصَحبه صَلَاة لاانقضاء لَهَا ولانفاذ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
وَبعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَيذكر اسْمه يعتصم بِاللَّه فِي كل مَا ياتى ويذر مِمَّا جعل لَهُ من التَّفْوِيض وَيُشِير إِلَى الصَّوَاب فِي كل تَصْرِيح مِنْهُ وتعريض وَإنَّهُ شدّ الله أزره وَعظم قدره استخار الله فِي الْوَصِيَّة بِمَا جعله لَهُ من الْخلَافَة المعظمة المفخمة الموروثة عَن الْآبَاء والجدود الملقاة إِلَيْهِ مقاليدها كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن عَمه ﷺ فِي الْوَالِد من قُرَيْش
стр. 687
والمولود لوَلَده السَّيِّد الْأَجَل الْمُعظم المكرم فلَان سليل الْخلَافَة وشبل غابها ونخبة أحسابها وأنسابها اجله الله وشرفه وجمل بِهِ عطف الْإِمَامَة وفوفه لما تلمحة فِيهِ من النجابة اللائحة على شمائله وَظهر من مستوثق إبداء سره فِيهِ بدلائل برهانه وبرهان دلائله وَأشْهد على نَفسه الْكَرِيمَة صانها الله تَعَالَى سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ من حضر من حكام الْمُسلمين قُضَاة قضاتهم وعلمائهم وعدولهم مَجْلِسه الشريف أَنه رَضِي أَن يكون الْأَمر فِي الْخلَافَة المعظمة الذى جعله الله لَهُ الْآن لوَلَده السَّيِّد الْأَجَل فلَان بعد وَفَاته فسح الله فِي أَجله وعهد بذلك إِلَيْهِ وعول فِي أَمر الْخلَافَة عَلَيْهِ وَألقى إِلَيْهِ مقاليدها وَجعل بِيَدِهِ زِمَام مبدئها ومعيدها وصّى لَهُ بذلك كُله جزئيه وكليه وغمضه وجليه وَصِيَّة شَرْعِيَّة بشروطها اللَّازِمَة الْمُعْتَبرَة وقواعدها المحررة وَأشْهد عَلَيْهِ بذلك فِي تَارِيخ كَذَا
قلت وَقد أنشأت على هَذِه الطَّرِيقَة عهدا على لِسَان الإِمَام الْأَعْظَم المتَوَكل على الله أَبى عبد الله مُحَمَّد لِابْنِهِ الإِمَام الْأَعْظَم المستعين بِاللَّه أَبى الْفضل الْعَبَّاس امتحانا للذهن
стр. 688
قبل وَفَاة المتَوَكل وانتقال الْخلَافَة بالبيعة لِابْنِهِ المستعين بِنَحْوِ ثَمَان سِنِين فاتفق أَن كَانَ هُوَ الذى ولى الْخلَافَة بعده من اولاده
وَهَذِه نسخته
هَذَا عهد سعيد الطالع مَيْمُون الطَّائِر مبارك الأول جميل الْأَوْسَط حميد الآخر تشهد بِهِ حضرات الْأَمْلَاك وترقمه كف الثريا باقلام الْقبُول فِي صَحَائِف الأفلاك وتباهى بِهِ مُلُوك الأَرْض مَلَائِكَة السما وتسرى بنشره الْقبُول فتنشر لَهُ بِكُل نَاحيَة علما وتطلع بِهِ سَعَادَة الْجد من مُلُوك الْعدْل فِي كل أفق نجما وترقص من فرحها الْأَنْهَار فتنقطها شمس النَّهَار بِذَهَب الْأَصِيل على صفحات الما عهد بِهِ عبد الله ووليه أَبُو عبد الله مُحَمَّد المتَوَكل على الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى وَلَده السَّيِّد الْجَلِيل عدَّة الدّين وذخيرته وصفى أَمِير الْمُؤمنِينَ من وَلَده وَخيرته المستعين بِاللَّه أَبى الْفضل الْعَبَّاس بلغ الله
стр. 689
فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ غَايَة الأمل وَأقر بِهِ عين الْخلَافَة العباسية كَمَا أقرّ بِهِ عين أَبِيه وَقد فعل
أما بعد فَالْحَمْد لله حَافظ نظام الاسلام وواصل سَببه وَرَافِع بَيت الْخلَافَة وماد طنبه وناظم عقد الْإِمَامَة المعظمة فِي سلك بنى الْعَبَّاس وجاعلها كلمة بَاقِيَة فِي عقبه
وَالْحَمْد لله الذى عذق أَمر الْأمة مِنْهُم بأعظمهم خطرا وأرفعهم قدرا وأرجحهم عقلا وأوسعهم صَدرا وأجزلهم رَأيا وأسلمهم فكرا
وَالْحَمْد لله الذى أقرّ عين أَمِير الْمُؤمنِينَ بِخَير ولى وَأفضل ولد وَشد ازره بأكرم سيد وأعز سَنَد وَصرف اخْتِيَار اخْتِيَاره إِلَى من إِذا قَامَ بِالْأَمر بعده قيل هَذَا الشبل من ذَاك الْأسد
وَالْحَمْد لله الَّذِي جمع الآراء على اخْتِيَار العاهد فَمَا قلوه وَلَا رفضوه وجبل الْقُلُوب على حب الْمَعْهُود إِلَيْهِ فَلم يرَوا الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره بِوَجْه من الْوُجُوه
وَالْحَمْد لله الذى جدد للرعية نعْمَة مَعَ بَقَاء النِّعْمَة الأولى وَأقَام لأمر الْأمة من بنى عَم نبيه الْمُصْطَفى الأولى بذلك
стр. 690
فَالْأولى وَاخْتَارَ لعهد الْمُسلمين من سبقت إِلَيْهِ فِي الْأَزَل إِرَادَته فَأصْبح فِي النُّفُوس مُعظما وَفِي الْقُلُوب مَقْبُولًا
وَالْحَمْد لله الذى أضْحك الْخلَافَة العباسية بِوُجُود عباسها وأطاب بِذكرِهِ رياها فتعطر الْوُجُود بِطيب أنفاسها وَرفع قدرَة بالعهد إِلَيْهِ إِلَى أَعلَى رُتْبَة منيفة وَخَصه بمشاركة جده الْعَبَّاس فِي الأسم والكنية ففاز بِمَا لم يفز بِهِ قبله مِنْهُم سِتّ وَأَرْبَعُونَ خَليفَة
وَالْحَمْد لله الذى أوجب على الكافة طَاعَة إولى الْأَمر من الْأَئِمَّة وألزمهم الدُّخُول فِي بيعَة الإِمَام والانقياد إِلَيْهِ وَلَو كَانَ عبدا أسود فَكيف بِمن أجمع على سؤدده الْأمة وأوضح السَّبِيل فِي التَّعْرِيف بمقام الْآل والعزة النَّبَوِيَّة فَلَا ﴿يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة﴾
يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا منحه من طيب أرومة سمت أصلا وزكت فرعا وحباه من شرف محتد راق نظرا وشاق
стр. 691
سمعا وَوَصله بِهِ من نعم آثرت نَفَّاعًا وأثرت نفعا
وَيشْهد أَن لَا إِلَه الا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتوارثونها كالخلافة كَابِرًا عَن كَابر ويوصى بهَا أبدا الأول مِنْهُم الآخر وَيُؤذن قيامهم بنصرتها أَنهم مَعْدن جوهرها النفيس ونظام عقدهَا الفاخر وَيشْهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الذى خص عَمه الْعَبَّاس بكريم الحباء وشريف الإنافة وَنبهَ على بَقَاء الْأَمر فِي بنيه بقول ضل من اظهر عناده أَو أضمر خلَافَة حَيْثُ أسر إِلَيْهِ أَلا أُبَشِّرك يَا عَم بى ختمت النُّبُوَّة وبولدك تختم الْخلَافَة ﷺ وعَلى آله وَصَحبه صَلَاة تعم بركتها الْوَلَد وَالْوَالِد ويشمل معروفها الْمَعْهُود إِلَيْهِ وَيعرف شرفها العاهد ويعترف بفضلها الْمقر وَلَا يسع إنكارها الجاحد مانوة بِذكر الْخلَافَة العباسية على أَعْوَاد المنابر وخفقت الرَّايَات السود على عَسَاكِر المواكب ومواكب العساكر وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
هَذَا وكل رَاع مسئول عَن رَعيته وكل امْرِئ مَحْمُول على نِيَّته مخبر بِظَاهِرِهِ عَن جميل مَا أكنه فِي صَدره وَمَا أسره فِي طويته وَالْإِمَام مَنْصُوب للْقِيَام بِأَمْر الله
стр. 692
تَعَالَى فِي عباده مَأْمُور بِالنَّصِيحَةِ لَهُم جهد طاقته وطاقة اجْتِهَاده مَطْلُوب بِالنّظرِ فِي مصالحهم فِي حَاضر وقتهم ومستقبله وبدء أَمرهم ومعاده وَمن ثمَّ اخْتلفت آراء الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي الْعَهْد بالخلافة وتباينت مقاصدهم وتنوعت اختياراتهم بِحَسب الِاجْتِهَاد وَاخْتلفت مواردهم فعهد الصّديق إِلَى عمر بن الْخطاب متثبتا وَتركهَا عمر شُورَى فِي سِتَّة وَقَالَ أتحمل أَمركُم حَيا وَمَيتًا وأتى رضى الله عَنهُ لكل من المذهبين بِمَا أذعن لَهُ الْخصم وَسلم فَقَالَ إِن أَعهد فقد عهد من هُوَ خير منى ابو بكر وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خير منى رَسُول الله ﷺ فَأخذ الْخُلَفَاء فِي ذَلِك بسنتهما وَمَشوا فِيهِ على طريقتهما فَمن رَاغِب عَن الْعَهْد وراغب فِيهِ وَعَاهد إِلَى بعيد مِنْهُ وَآخر إِلَى ابْنه اَوْ أَخِيه كل مِنْهُم بِحَسب مَا يُؤدى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وتقوى عَلَيْهِ عزيمته ويترجح لَدَيْهِ اعْتِمَاده
وَلما كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أحسن الله مثابه قد
стр. 693
نور الله عين بصيرته وَخَصه بِطَهَارَة سره وصفاء سَرِيرَته وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة وَإِقَامَة لمصَالح الرّعية وَصَلَاح أَمر الْأمة وَعلمه مِمَّا يَشَاء فَكَانَ لَهُ من علم الفراسة أوفر قسم واصطفاه على أهل عصره وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم فَلَا يعزم أمرا إِلَّا كَانَ رشادا وَلَا يعْتَمد فعلا إِلَّا ظهر سدادا وَلَا يرتئى رَأيا إِلَّا ألفى صَوَابا وَلَا يُشِير بشئ إِلَّا حمدت آثاره بدايه وَنِهَايَة واستصحابا وَمَعَ ذَلِك فقد بِلَا النَّاس وَخَيرهمْ وَعلم بالتجربة حَالهم وخبرهم وأطلع بِحسن النّظر على خفايا أُمُورهم وَمَا بِهِ مصلحَة خاصتهم وجمهورهم وترجح عِنْده جَانب الْعَهْد على جَانب الإهمال وَرَأى الْمُبَادرَة إِلَيْهِ أولى من الْإِمْهَال وَلم يزل يرْوى فكرته وَيعْمل رويته فِيمَن يصلح لهَذَا الْأَمر بعده وينهض بأعبائه الثَّقِيلَة وَحده وَيتبع فِيهِ سبله ويسلك طرائقه ويقتضى فِي السِّيرَة الْحَسَنَة أَثَره ويشيم فِي الْعدْل بوارقه وَيقبل على الْأَمر بكليته وَيقطع النّظر عَمَّا سواهُ ويتفرغ لَهُ من كل شاغل فَلَا يخالطه بِمَا عداهُ
وَقد علم أَن الأحق بِأَن يكون لَهَا حليفا من كَانَ بهَا
стр. 694
خليقا وَالْأولَى بَان يكون لَهَا قرينا من كَانَ بوصلها حَقِيقا والأجدر أَن يكون لَدَيْهَا مكينا من اتخذ مَعهَا يدا وَإِلَى مرضاتها طَرِيقا والأليق بمنصبها الشريف من كَانَ مطلوبها مَلِيًّا والأحرى بمكانها الرفيع من كَانَ بمقصودها وفيا والأوفق لمقامها العالى من كَانَ خيرا مقَاما وَأحسن نديا وَكَانَ وَالِده السَّيِّد الْأَجَل أَبُو الْفضل الْعَبَّاس الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ الذى وجهت الْخلَافَة وَجههَا إِلَى قبلته وبالغت فِي طلبه وألحت فِي خطبَته على أَنه قد أرضع بلبانها وربى فِي حجرها وانتسب إِلَيْهَا بِالنُّبُوَّةِ فضمته إِلَى صدرها وَكَيف لَا تتشبث بجماله وتتعلق بأذياله وتطمع فِي قربه وتتغالى فِي حبه وتميل إِلَى أنسه وتراوده عَن نَفسه وَهُوَ كفؤها المستجمع لشرائطها المتصف بصفاتها ونسيبها السامى إِلَى أعاليها الراقى على شرفاتها إِذْ هُوَ شبلها النَّاشِئ فِي آجامها بل أسدها الحامى لحماها ومجيرها الوافى بذمامها وفارسها الْمُقدم فِي حلبه سباقها ووارثها الْحَائِز لجَمِيع سهامها وحاكمها الطائع لأمرها ورشيدها الْمَأْمُون على سرها وناصرها الْقَائِم بواجبها
стр. 695
ومهديها الهادى إِلَى أفضل مذاهبها فقد التحف من الْخلَافَة بردائها وَسكن من الْقُلُوب فِي سويدائها وتوسمت الْآفَاق تَفْوِيض الْأَمر إِلَيْهِ بعد أَبِيه فَظهر الخلوق فِي أرجائها وَاتبع سيرة ابيه فِي الْمَعْرُوف واقتفى أَثَره فِي الْكَرم وتشبه بِهِ فِي المفاخر وَمن يشابه أبه فَمَا ظلم وَتقبل الله دُعَاء أَبِيه فوهب لَهُ من لَدنه وليا وَأجَاب نداءه فِيهِ فمكن لَهُ فِي الأَرْض وآتاه الحكم صَبيا فاستوجب أَن يكون حِينَئِذٍ للْمُسلمين ولى عَهدهم واليا على أُمُورهم فِي حلهم وعقدهم متكفلا بِالْأَمر فِي قربَة وَبعده معينا لِأَبِيهِ فِي حَيَاته خَليفَة لَهُ من بعده وَأَن يُصَرح لَهُ بالاستخلاف ويوضح وَيَتْلُو عَلَيْهِ بِلِسَان التَّفْوِيض ﴿اخلفني فِي قومِي وَأصْلح﴾
واقتضت شَفَقَة أَمِير الْمُؤمنِينَ ورأفته ورفقه بالأمة وَرَحمته أَن ينصب لَهُم ولى عهد يكون بِهَذِهِ الصِّفَات متصفا وَمن بحره مغترفا وَمن ثمار مَعْرُوفَة الْمَعْرُوف مقتطفا ولمنهله العذب واردا وعَلى بَيته الشريف وَسَائِر الْأمة بِالْخَيرِ عَائِدًا فَلم يجد من هُوَ
стр. 696
مُسْتَكْمل لجميعها مستوعب لأصولها وفروعها وَهُوَ بمطلوبها املى وعَلى قُلُوب الرّعية أحلى وللغليل أشفى وبالعهد الْجَمِيل أوفى من وَلَده الْمشَار إِلَيْهِ فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِك أهل الْحل وَالْعقد من قُضَاته وعلمائه وأمرائه ووزارئه وَذَوِيهِ وأقاربه وبنيه وأعيان اهل الْعَصْر وعامته وجمهوره وكافته فرأوه صَوَابا فَلم تعرهم فِيهِ ظنة وَلَا مسترابا وَلَا وجد أحد مِنْهُم إِلَى بَاب غَيره طَرِيقا وَلَا إِلَى طَرِيق غَيره بَابا فاستخار الله تَعَالَى فِيهِ فَأقبل خاطره الشريف عَلَيْهِ وَكرر الاستخارة فَلم يجد عَنهُ محيدا إِلَّا إِلَيْهِ فَلَمَّا راى أَن ذَلِك أَمر قد انْعَقَد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع قولا وفعلا وَعدم فِيهِ الْمُخَالف بل لم يكن أصلا حمد الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ التَّوْفِيق وَرغب إِلَيْهِ وجدد الاستخارة وعهد إِلَيْهِ بِأَمْر الْأمة وقلده مَا هُوَ متقلده من الْخلَافَة المقدسة بعده على عَادَة من تقدمه من الْخُلَفَاء الماضين وَقَاعِدَة من سلف من الْأَئِمَّة المهديين وفوض إِلَيْهِ مَا هُوَ من احكامها ولوازمها وأصولها ومعالمها من عهد ووصاية وعزل وَولَايَة وتفويض
стр. 697
وتقليد وانتزاع وتخليد وتفريق وَجمع وَإِعْطَاء وَمنع وَوصل وَقطع وصلَة وإدرار وتقليل وإكثار جزئيها وكليها وخفيها وجليها ودانيها وقاصيها وطائعها وعاصيها تفويضا شَرْعِيًّا تَاما مرضيا جَامعا لأحكام الْولَايَة جمعا يعم كل نطاق وَيرى حكمه فِي جَمِيع الْآفَاق وَيدخل تَحْتَهُ سَائِر الأقاليم والأمصار على الْإِطْلَاق لَا يُغير حكمه وَلَا ينجلى رسمه وَلَا يطيش سَهْمه وَلَا يأفل نجمه
قبل الْمَعْهُود إِلَيْهِ أَعلَى الله مقَامه ذَلِك بِمحضر من الْقُضَاة الْحُكَّام وَالْعُلَمَاء الْأَعْلَام وَلزِمَ حكمه وانبرم وَكتب فِي سجلات الأفلاك وارتسم وحملت رسائله مَعَ برد السَّحَاب وطافت بِهِ على سَائِر الْأُمَم وَهُوَ أبقاه الله مَعَ مَا طبعت عَلَيْهِ طباعة السليمة وجبلت عَلَيْهِ سجاياه الشَّرِيفَة وأخلاقه الْكَرِيمَة قد تلقى عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ من شرِيف الْآدَاب مَا غذى بِهِ فِي مهده وتلقف مِنْهُ من حسن الأدوات مَا يرويهِ بالسند عَن أَبِيه
стр. 698
وجده مِمَّا انطبع فِي صفاء ذهنه الصَّقِيل وانتقش فِي فهمه وَاخْتَلَطَ من حَال طفوليته بدمه ولحمه حَتَّى صَار طبعا ثَانِيًا وخلقا على ممر الزَّمَان بَاقِيا وَاجْتمعَ لَدَيْهِ الغريزى فَكَانَ أصلا ثَابتا وفرعا على ذَلِك الأَصْل القوى نابتا لَكِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يوصيه تبركا ويشرح لَهُ مَا يكون بِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى متمسكا والمرء إِلَى الْأَمر بِالْخَيرِ مَنْدُوب وَوَصِيَّة الرجل لِبَنِيهِ مَطْلُوبَة فقد قَالَ تَعَالَى ﴿ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب﴾
فَعَلَيْك بمراقبة الله تَعَالَى فَمن راقب الله نجا وَالتَّقوى رَأس مَا لَك ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا﴾ والجأ إِلَى الْحق فقد فَازَ من إِلَى الْحق لجا وَكتاب الله هُوَ الْحَبل المتين وَالْكتاب الْمُبين والمنهج القويم والسبيل الْوَاضِح والصراط الْمُسْتَقيم فتمسك مِنْهُ بالعروة الوثقى واسلك طَرِيقَته المثلى واهتد بهديه فَلَا تضل وَلَا تشقى وَسنة نبيه مُحَمَّد ﷺ عَلَيْك بالاقتداء
стр. 699
بأفعالها الْوَاضِحَة والإصغاء لآثار أقوالها الشارحة عَالما بَان الْكتاب وَالسّنة أَخَوان لايفترقان ومتلازمان بِحَبل التباين لايعتلقان والبلاد والرعايا فحطمها بنظرك مَا اسْتَطَعْت وَتثبت فِي كل قطع وَوصل فَأَنت مسؤول عَن كل مَا وصلت وَقطعت والآل والعزة النَّبَوِيَّة ففهما حق الْقَرَابَة مِنْك وَمن رَسُول الله ﷺ الذى شرفت بِهِ وَاعْلَم أَنَّك إِذا أكرمت أحداص مِنْهُم فَإِنَّمَا أكرمته بِسَبَبِهِ وَاتبع فِي السِّيرَة سيرة آبَائِك الْخُلَفَاء الرَّاشِدين لاتزغ عَنْهَا وَلَا تعْمل إِلَّا بهَا وَبِمَا هُوَ إِن اسْتَطَعْت خير مِنْهَا وَاقِف فِي الْمَعْرُوف آثَارهم المقدسة لتحوى من المآثر مَا حووا وأحذ حذوهم فِي طريقهم الْمُبَارَكَة وَابْن الْمجد كَمَا بنوا وأحى من الْعَمَل سنة سلفك المصطفين الأخيار واحرص أَن تكون من الْأَئِمَّة الَّذين يظلهم الله تَحت ظلّ عَرْشه ﴿وَيَوْم يقوم الأشهاد يَوْم لَا ينفع الظَّالِمين معذرتهم وَلَهُم اللَّعْنَة وَلَهُم سوء الدَّار﴾
стр. 700
وأسلف خَبرا تذكر بِهِ على مر الليالى وينتظم ذكره لَك فِي عُقُود الْأَيَّام كَمَا تنتظم فِي السلك اللآئى وَليكن قصدك وَجه الله ليَكُون فِي نصرتك فَإِن من كَانَ الله تَعَالَى ف نصرته لايبالى ولتعلم حق الْيَقِين أَن حسنه الإِمَام تضَاعف بِحَسب مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْمصَالح أَو يَتَجَدَّد بِسَبَبِهَا وسيئته كَذَلِك فَمن سنّ سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ إثمها وإثم من عمل بهَا ودر مَعَ الْحق كَيفَ دَار ومل مَعَه حَيْثُ مَال وَاعْلَم ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه﴾ وَلَا يخْطر ببالك أَن هَذَا الْأَمر انْتهى إِلَيْك بِقُوَّة أَو يغرك مَا قدمْنَاهُ من الثَّنَاء عَلَيْك فالتأثر بالمدح مخل بالمروة ولاتتكل على نسبك فَمن اطاع الله أدخلهُ الْجنَّة وَلَو كَانَ عبدا حَبَشِيًّا وَمن عَصَاهُ أدخلهُ النَّار وَلَو كَانَ هاشميا قرشيا واستنصر الله واستعن بِهِ يكن لَك عونا وظهيرا واستهده يهدك ﴿وَكفى بِرَبِّك هاديا ونصيرا﴾ وَكن لله خَائفًا
стр. 701
وَمن مكره من المشفقين فَإِن ﴿الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك ووصيته تملى عَلَيْك ﴿وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ﴾ وَالله تَعَالَى يبلغهُ مِنْك أملا ويحقق فِيك علما ويزكى بك عملا
والاعتماد على الْخط الْمُقَدّس الإمامى المتوكلى أَعْلَاهُ الله تَعَالَى اعلاه حجَّة فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
تَنْبِيه قد تقدم فِي آخر البيعات نقلا عَن مُحَمَّد بن عمر المدائنى أَنه كَانَ يكْتب للخلفاء فِي قرطاس من ثلثى طومار وَهُوَ الثُّلُثَانِ من الْقطع البغدادى وَأَن الذى يظْهر أَن ذَلِك كَانَ فِي أَوَائِل أَمرهم وَأَنه كَانَ يكْتب لَهُم أخيرا فِي قطع البغدادى الْكَامِل أما الذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب من العهود بالخلافة عَن خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية انه يكْتب لَهُم فِي قطع الشامى الْكَامِل بقلم الثُّلُث الْخَفِيف
стр. 702
وَهَذِه هِيَ طَريقَة الأقدمين من السّلف فَمن بعدهمْ فِي صدر الْإِسْلَام وَمَا وليه وَعَلِيهِ جرى الْمُحَقِّقُونَ من متأخري الْكتاب بالدولة العباسية بالعراق وَإِلَى ١٩٢ ب حِين انقراضها إِلَّا فِي الْقَلِيل النَّادِر مِمَّا سَيَأْتِي ذكره مِمَّا شَذَّ عَن ذَلِك وعَلى هَذَا المنوال نسج أفاضل كتاب الديار المصرية فِي كتبُوا بِهِ لملوك الديار المصرية إِلَّا أَنهم عدلوا عَن لفظ أمره إِلَى مَا يتَضَمَّن معنى الْأَمر دون تَصْرِيح بِلَفْظِهِ
وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا ورد أَن النَّبِي ﷺ حِين وَجه عَمْرو بن حزم إِلَى الْيمن كتب لَهُ كتاب عهد أمره فِيهِ أمره
وَهَذِه نسخته
فِيمَا ذكره ابْن هِشَام وَغَيره
هَذَا بَيَان من الله وَرَسُوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ عهد من مُحَمَّد النَّبِي رَسُول الله لعَمْرو بن
стр. 703
حزم أمره بتقوى الله فِي أمره كُله فَإِن ﴿الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ وَأمره أَن يَأْخُذ بِالْحَقِّ كَمَا أمره الله وَأَن يبشر النَّاس بِالْخَيرِ وَيَأْمُرهُمْ بِهِ وَيعلم النَّاس الْقُرْآن ويفقههم فِيهِ وَينْهى النَّاس فَلَا يمس الْقُرْآن إِنْسَان إِلَّا وَهُوَ طَاهِر ويخبر النَّاس بِالَّذِي لَهُم وَالَّذِي عَلَيْهِم ويلين للنَّاس فِي الْحق ويشتد عَلَيْهِم فِي الظُّلم فَإِن الله كره الظُّلم وَنهى عَنهُ فَقَالَ ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ ويبشر النَّاس بِالْجنَّةِ وبعملها وينذر النَّاس النَّار وعملها ويتألف النَّاس حَتَّى يفقهوا فِي الدّين وَيعلم النَّاس معالم الْحَج وسنته وفريضته وَمَا أَمر الله بِهِ وَالْحج الْأَكْبَر وَالْحج الْأَصْغَر وَهُوَ الْعمرَة وَينْهى النَّاس أَن يُصَلِّي أحد فِي ثوب وَاحِد صَغِير إِلَّا أَن يكون ثوبا يثني طَرفَيْهِ على عَاتِقيهِ وَينْهى أَن
стр. 704
وعَلى هَذَا الأسلوب
كتب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه عهد مَالك الأشتر النَّخعِيّ حِين ولاه مصر وَهُوَ من العهود البليغة جمع ١٩٣ ب فِيهِ بَين معالم التَّقْوَى وسياسة الْملك
وَهَذِه نسخته
هَذَا مَا أَمر عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالك بن الْحَارِث الأشتر فِي عَهده إِلَيْهِ حِين ولاه مصر جباية خراجها وَجِهَاد عدوها واستصلاح أَهلهَا وَعمارَة بلادها وَأمره بتقوى الله وإيثار طَاعَته وَاتِّبَاع مَا أَمر بِهِ فِي كِتَابه من فريضته وسنته الَّتِي لَا يسْعد أحد إِلَّا باتباعها وَلَا يشقى إِلَّا مَعَ جحودها وإضاعتها وَأَن ينصر الله تَعَالَى بِيَدِهِ وَقَلبه وَلسَانه فَإِنَّهُ جلّ اسْمه قد تكفل بنصر من نَصره وإعزاز من أعزه وَأمره أَن يكسر من نَفسه عِنْد الشَّهَوَات ويزعها عِنْد الجمحات فَإِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم الله
стр. 705
ثمَّ اعْلَم يَا مَالك أَنِّي قد وجهتك إِلَى بِلَاد قد جرت عَلَيْهَا دوَل قبلك من عدل وجور وَأَن النَّاس يبصرون من أمورك مثل مَا كنت تنظر فِيهِ من أَمر الْوُلَاة قبلك وَيَقُولُونَ فِيك مَا كنت تَقول فيهم وَإِنَّمَا يسْتَدلّ على الصَّالِحين بِمَا يجْرِي الله لَهُم على ألسن عباده فَلْيَكُن أحب الذَّخَائِر إِلَيْك الْعَمَل الصَّالح فاملك هَوَاك وشح بِنَفْسِك عَمَّا لَا يحل لَك فَإِن الشُّح بِالنَّفسِ الانتصاف مِنْهَا فِيمَا أحبت وكرهت وأشعر قَلْبك بِالرَّحْمَةِ للرعية والمحبة لَهُم واللطف بهم وَلَا تكونن عَلَيْهِ سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فَإِنَّهُم صنفان إِمَّا أَخ لَك فِي الدّين وَإِمَّا نَظِير لَك فِي الْخلق يفرط مِنْهُم الزلل وَتعرض لَهُم الْعِلَل وَيُؤْتى على أَيْديهم فيالعمد وَالْخَطَأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الَّذِي تحب أَن يعطيك الله من عَفوه وصفحه فَإنَّك فَوْقهم ووالي الْأَمر عَلَيْهِم فَوْقك وَالله فَوق من ولاك وَقد استكفاك أَمرهم ١٩٤ اوابتلاك بهم وَلَا تنصبن نَفسك لِحَرْب الله
следующие страницы →