← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8460

مآثر الإنافة في معالم الخلافة

القلقشندي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَمن مكره من المشفقين فَإِن ﴿الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك ووصيته تملى عَلَيْك ﴿وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ﴾ وَالله تَعَالَى يبلغهُ مِنْك أملا ويحقق فِيك علما ويزكى بك عملا والاعتماد على الْخط الْمُقَدّس الإمامى المتوكلى أَعْلَاهُ الله تَعَالَى اعلاه حجَّة فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَنْبِيه قد تقدم فِي آخر البيعات نقلا عَن مُحَمَّد بن عمر المدائنى أَنه كَانَ يكْتب للخلفاء فِي قرطاس من ثلثى طومار وَهُوَ الثُّلُثَانِ من الْقطع البغدادى وَأَن الذى يظْهر أَن ذَلِك كَانَ فِي أَوَائِل أَمرهم وَأَنه كَانَ يكْتب لَهُم أخيرا فِي قطع البغدادى الْكَامِل أما الذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب من العهود بالخلافة عَن خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية انه يكْتب لَهُم فِي قطع الشامى الْكَامِل بقلم الثُّلُث الْخَفِيف

стр. 702

وَهَذِه هِيَ طَريقَة الأقدمين من السّلف فَمن بعدهمْ فِي صدر الْإِسْلَام وَمَا وليه وَعَلِيهِ جرى الْمُحَقِّقُونَ من متأخري الْكتاب بالدولة العباسية بالعراق وَإِلَى ١٩٢ ب حِين انقراضها إِلَّا فِي الْقَلِيل النَّادِر مِمَّا سَيَأْتِي ذكره مِمَّا شَذَّ عَن ذَلِك وعَلى هَذَا المنوال نسج أفاضل كتاب الديار المصرية فِي كتبُوا بِهِ لملوك الديار المصرية إِلَّا أَنهم عدلوا عَن لفظ أمره إِلَى مَا يتَضَمَّن معنى الْأَمر دون تَصْرِيح بِلَفْظِهِ وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا ورد أَن النَّبِي ﷺ حِين وَجه عَمْرو بن حزم إِلَى الْيمن كتب لَهُ كتاب عهد أمره فِيهِ أمره وَهَذِه نسخته فِيمَا ذكره ابْن هِشَام وَغَيره هَذَا بَيَان من الله وَرَسُوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ عهد من مُحَمَّد النَّبِي رَسُول الله لعَمْرو بن

стр. 703

حزم أمره بتقوى الله فِي أمره كُله فَإِن ﴿الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ وَأمره أَن يَأْخُذ بِالْحَقِّ كَمَا أمره الله وَأَن يبشر النَّاس بِالْخَيرِ وَيَأْمُرهُمْ بِهِ وَيعلم النَّاس الْقُرْآن ويفقههم فِيهِ وَينْهى النَّاس فَلَا يمس الْقُرْآن إِنْسَان إِلَّا وَهُوَ طَاهِر ويخبر النَّاس بِالَّذِي لَهُم وَالَّذِي عَلَيْهِم ويلين للنَّاس فِي الْحق ويشتد عَلَيْهِم فِي الظُّلم فَإِن الله كره الظُّلم وَنهى عَنهُ فَقَالَ ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ ويبشر النَّاس بِالْجنَّةِ وبعملها وينذر النَّاس النَّار وعملها ويتألف النَّاس حَتَّى يفقهوا فِي الدّين وَيعلم النَّاس معالم الْحَج وسنته وفريضته وَمَا أَمر الله بِهِ وَالْحج الْأَكْبَر وَالْحج الْأَصْغَر وَهُوَ الْعمرَة وَينْهى النَّاس أَن يُصَلِّي أحد فِي ثوب وَاحِد صَغِير إِلَّا أَن يكون ثوبا يثني طَرفَيْهِ على عَاتِقيهِ وَينْهى أَن

стр. 704

وعَلى هَذَا الأسلوب كتب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه عهد مَالك الأشتر النَّخعِيّ حِين ولاه مصر وَهُوَ من العهود البليغة جمع ١٩٣ ب فِيهِ بَين معالم التَّقْوَى وسياسة الْملك وَهَذِه نسخته هَذَا مَا أَمر عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالك بن الْحَارِث الأشتر فِي عَهده إِلَيْهِ حِين ولاه مصر جباية خراجها وَجِهَاد عدوها واستصلاح أَهلهَا وَعمارَة بلادها وَأمره بتقوى الله وإيثار طَاعَته وَاتِّبَاع مَا أَمر بِهِ فِي كِتَابه من فريضته وسنته الَّتِي لَا يسْعد أحد إِلَّا باتباعها وَلَا يشقى إِلَّا مَعَ جحودها وإضاعتها وَأَن ينصر الله تَعَالَى بِيَدِهِ وَقَلبه وَلسَانه فَإِنَّهُ جلّ اسْمه قد تكفل بنصر من نَصره وإعزاز من أعزه وَأمره أَن يكسر من نَفسه عِنْد الشَّهَوَات ويزعها عِنْد الجمحات فَإِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم الله

стр. 705

ثمَّ اعْلَم يَا مَالك أَنِّي قد وجهتك إِلَى بِلَاد قد جرت عَلَيْهَا دوَل قبلك من عدل وجور وَأَن النَّاس يبصرون من أمورك مثل مَا كنت تنظر فِيهِ من أَمر الْوُلَاة قبلك وَيَقُولُونَ فِيك مَا كنت تَقول فيهم وَإِنَّمَا يسْتَدلّ على الصَّالِحين بِمَا يجْرِي الله لَهُم على ألسن عباده فَلْيَكُن أحب الذَّخَائِر إِلَيْك الْعَمَل الصَّالح فاملك هَوَاك وشح بِنَفْسِك عَمَّا لَا يحل لَك فَإِن الشُّح بِالنَّفسِ الانتصاف مِنْهَا فِيمَا أحبت وكرهت وأشعر قَلْبك بِالرَّحْمَةِ للرعية والمحبة لَهُم واللطف بهم وَلَا تكونن عَلَيْهِ سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فَإِنَّهُم صنفان إِمَّا أَخ لَك فِي الدّين وَإِمَّا نَظِير لَك فِي الْخلق يفرط مِنْهُم الزلل وَتعرض لَهُم الْعِلَل وَيُؤْتى على أَيْديهم فيالعمد وَالْخَطَأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الَّذِي تحب أَن يعطيك الله من عَفوه وصفحه فَإنَّك فَوْقهم ووالي الْأَمر عَلَيْهِم فَوْقك وَالله فَوق من ولاك وَقد استكفاك أَمرهم ١٩٤ اوابتلاك بهم وَلَا تنصبن نَفسك لِحَرْب الله

стр. 706

مَا اسْتَطَعْت يستر الله مَا تحب ستره من عيبك أطلق عَن النَّاس عقدَة كل حقد واقطع عَنْهُم سَبَب كل وتر وتجاف عَن كل مَا لَا يَصح لَك وَلَا تعجلن إِلَى تَصْدِيق ساع فَإِن السَّاعِي غاش وَإِن تشبه بالناصحين وَلَا تدخلن فِي مشورتك بَخِيلًا يعدل بك عَن الْفضل ويعدك الْفقر وَلَا جَبَانًا يضعفك عَن الْأُمُور وَلَا حَرِيصًا يزين لَك الشره بالجور فَإِن الْبُخْل والجبن والحرص غرائز شَتَّى يجمعها سوء الظَّن بِاللَّه شَرّ وزرائك من كَانَ للأشرار قبلك وزيرا وَمن شاركهم فِي الآثام فَلَا يكونن لَك بطانة فَإِنَّهُم أعوان الأثمة وإخوان الظلمَة وَأَنت وَاجِد مِنْهُم خير الْخلف من لَهُ مثل آرائهم ونفاذهم وَلَيْسَ عَلَيْهِ مثل آصارهم وأوزارهم مِمَّن لم يعاون ظَالِما على ظلمه وَلَا آثِما على إثمه أُولَئِكَ أخف عَلَيْك مئونة وَأحسن لَك مَعُونَة وأحنى عَلَيْك عطفا وَأَقل لغيك إلفا فَاتخذ أُولَئِكَ خَاصَّة لخلواتك وحفلاتك ثمَّ ليكن آثرهم عنْدك أقولهم لَك بمر الْحق وَأَقلهمْ مساعدة فِيمَا يكون

стр. 707

مِنْك مِمَّا كره الله لأوليائه وَاقعا ذَلِك من هَوَاك حَيْثُ وَقع والصق بِأَهْل الصدْق والورع ثمَّ رضهم على أَن لَا يضروك وَلَا يبجحوك بباطل لم تَفْعَلهُ فَإِن كَثْرَة الإصغاء تحدث الزهو وتدنى من الْغرَّة وَلَا يكونن المحسن عنْدك والمسيء بِمَنْزِلَة وَاحِدَة فَإِن فِي ذَلِك ترهيبا لأهل الْإِحْسَان وتريبا لأهل الْإِسَاءَة ... وَإنَّك لَا تَدْرِي إِذا جَاءَ سَائل أَأَنْت بِمَا تعطيه أم هُوَ أسعد عَسى سَائل ذُو حَاجَة إِن منعته من الْيَوْم سؤلا أَن يكون لَهُ غَد وَفِي كَثْرَة الْأَيْدِي عَن الْجَهْل زاجر وللحلم أبقى للرِّجَال وأعود ...

стр. 708

والمواصلة لكل ١٩٥ ب من حمى الْبَيْضَة وأخلص النِّيَّة والكون تَحت ظلّ أَمِير الْمُؤمنِينَ وذمته وَمَعَ عز دولته أبي مَنْصُور فِي حوزته وَالله جلّ اسْمه يعرف لأمير الْمُؤمنِينَ حسن العقبى فِيمَا أبرم وَنقض وسداد الرَّأْي فِيمَن رفع وخفض وَيجْعَل عَزَائِمه مقرونة بالسلامة محجوبة عَن موارد الندامة وَحسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الله وَنعم الْوَكِيل أمره بتقوى الله الَّتِي هِيَ الْعِصْمَة المتينة وَالْجنَّة الحصينة والطود الأرفع والمعاذ الأمنع والجانب الْأَعَز والمجأ الأحرز وَأَن يستشعرها سرا وجهرا ويستعملها قولا وفعلا ويتخذها ذخْرا نَافِعًا لنوائب الْقدر وكهفا حاميا من حوادث الْغَيْر فَإِنَّهَا أوجب الْوَسَائِل وَأقرب الذرائع وأعودها على العَبْد بمصالحه وأدعاها إِلَى كل مناجحه وأولاها بالاستمرار على هدايته والنجاة من غوايته والسلامة فِي دُنْيَاهُ حِين توبق موبقاتها وتردى مردياتها وَفِي آخرته حِين

стр. 709

تروع رائعاتها وتخيف مخيفاتها وَأَن يتأدب بآداب الله فِي التَّوَاضُع والإخبات والسكينة وَالْوَقار وَصدق اللهجة إِذا رَمق وكظم الغيظ إِذا حنق وَحفظ اللِّسَان إِذا غضب وكف الْيَد عَن المآثم وصون النَّفس عَن الْمَحَارِم وَأَن يذكر الْمَوْت الَّذِي هُوَ نَازل بِهِ والموقف الَّذِي هُوَ صائر إِلَيْهِ وَيعلم أَنه مسئول عَمَّا اكْتسب مجزى عَمَّا تزمك واحتقب ويتزود من هَذَا الْمَمَر لذاك الْمقر ويستكثر من أَعمال الْخَيْر لتنفعه وَمن مساعي الْبر لتنقذه ويأتمر بالصالحات قبل أَن يَأْمر بهَا ويزدجر عَن السَّيِّئَات قبل أَن يزْجر عَنْهَا ويبتدئ بإصلاح نَفسه قبل إصْلَاح رَعيته فَلَا يَبْعَثهُم على مَا يَأْتِي ضِدّه وَلَا ينهاهم عَمَّا يقترف مثله وَيجْعَل ربه رقيبا عَلَيْهِ فِي خلواته ومروءته مَانِعَة من شهواته فَإِن أَحَق من غلب سُلْطَان الشَّهْوَة وَأولى من صرع أَعدَاء الحمية من ١٩٦ املك أزمة الْأُمُور

стр. 710

واقتدر على سياسة الْجُمْهُور وَكَانَ مُطَاعًا فِيمَا يرى مُتبعا فِيمَا يَشَاء يَلِي على النَّاس وَلَا يلون عَلَيْهِ ويقتص مِنْهُم وَلَا يقتصون مِنْهُ فَإِذا إطلع الله مِنْهُ على نقاء جيبه وطهارة ذيله وَصِحَّة سَرِيرَته واستقامة سيرته أَعَانَهُ على حفظ مَا استحفظه وأنهضه بثقل مَا حمله وَجعل لَهُ مخلصا من الشُّبْهَة ومخرجا من الْحيرَة فقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ وَقَالَ عز من قَائِل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ وَقَالَ ﴿اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ إِلَى آي كَثِيرَة حضنا بهَا على أكْرم الْخلق وَأسلم الطّرق فالسعيد من نصبها إزاء ناظرة والشقي من نبذها وَرَاء ظَهره وأشقى مِنْهُمَا من بعث عَلَيْهَا وَهُوَ صَادف عَنْهَا وأهاب إِلَيْهَا وَهُوَ بعيد مِنْهَا وَله ولأمثاله يَقُول الله تَعَالَى ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾

стр. 711

وَأمره أَن يتَّخذ كتاب الله إِمَامًا مُتبعا وطريقا متوقعا وَيكثر من تِلَاوَته إِذا خلا بفكره ويملأ بتأمله أرجاء صَدره فَيذْهب مَعَه فِيمَا أَبَاحَ وحظر ويقتدى بِهِ إِذا نهى وَأمر ويستبين ببيانه إِذا استغلقت دونه المعضلات ويستضيء بمصابيحه إِذا غم عَلَيْهِ فِي المشكلات فَإِنَّهُ عُرْوَة الْإِسْلَام الوثقى ومحجته الْوُسْطَى وَدَلِيله الْمقنع وبرهانه المرشد والكاشف لظلم الخطوب والشافي من مرض الْقُلُوب وَالْهَادِي لمن ضل والمتلافي لمن زل فَمن نجا بِهِ فقد فَازَ وَسلم وَمن لَهَا عَنهُ فقد خَابَ وَنَدم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ وَأمره أَن يحافظ على الصَّلَوَات وَيدخل فِيهَا فِي حقائق الْأَوْقَات قَائِما على حُدُودهَا ١٩٦ ب مُتبعا لرسومها جَامعا فِيمَا بَين نِيَّته وَلَفظه متوقيا

стр. 712

لمطامح سَهْوه ولحظه مُنْقَطِعًا إِلَيْهَا عَن كل قَاطع لَهَا مَشْغُولًا بهَا عَن كل شاغل عَنْهَا متثبتا فِي ركوعها وسجودها مُسْتَوْفيا عدد مفروضها ومسنونها موفرا عَلَيْهَا ذهنه صارفا إِلَيْهَا همه عَالما بِأَنَّهُ وَاقِف بَين يَدي خالقه ورازقه ومحييه ومميته ومعاقبه ومثيبه لَا يستر دونه خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور فَإِذا قَضَاهَا على هَذِه السَّبِيل مُنْذُ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام إِلَى خَاتِمَة التَّسْلِيم أتبعهَا بِدُعَاء يرْتَفع بارتفاعها ويستمع باستماعها وَلَا يتَعَدَّى فِيهِ مسَائِل الْأَبْرَار ورغائب الأخيار من إستصفاح وإستغفار وإستقالة وإسترحام وإستدعاء لصالح الدّين وَالدُّنْيَا وعوائد الْآخِرَة وَالْأولَى فقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأقم الصَّلَاة إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ وَأمره بالسعي فِي أَيَّام الْجمع فِي الْمَسَاجِد الجامعة وَفِي الأعياد إِلَى الْمُصَليَات الضاحية بعد التَّقَدُّم فِي فرشها وكسوتها وَجمع القوام المؤذنين والمكبرين فِيهَا

стр. 713

واستسعاء النَّاس إِلَيْهَا وحضهم عَلَيْهَا آخذين الأهبة متنظفين فِي البزة مؤدين لفرائض الطَّهَارَة وبالغين فِي ذَلِك أقْصَى الإستقصاء معتقدين خشيَة الله وخيفته مدرعين تقواه ومراقبته مكثرين من دُعَائِهِ وسؤاله مصلين على مُحَمَّد رَسُوله ﷺ وعَلى آله بقلوب على الْيَقِين مَوْقُوفَة وهمم إِلَى الدّين مصروفة وألسن بالتسبيح وَالتَّقْدِيس فصيحة وآمال فِي الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة فسيحة فَإِن هَذِه الْمُصَليَات والمتعبدات بيُوت الله الَّتِي فَضلهَا ومناسكه الَّتِي شرفها وفيهَا يُتْلَى الْقُرْآن وَمِنْهَا ترْتَفع الْأَعْمَال وَبهَا يلوذ اللائذون ويعوذ العائذون ويتعبد المتعبدون ويتهجد المتهجدون وحقيق على الْمُسلمين أَجْمَعِينَ من وَال وَمولى عَلَيْهِ أَن يصونوها ويعمروها ويواصلوها وَلَا يهجروها ١٩٧ اوأن يقيموا الدعْوَة على منابرها لأمير الْمُؤمنِينَ ثمَّ لأَنْفُسِهِمْ على الرَّسْم الْجَارِي فِيهَا قَالَ الله تَعَالَى فِي هَذِه الصَّلَاة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾

стр. 714

وَقَالَ فِي عمَارَة الْمَسَاجِد ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾ وَأمره أَن يرْعَى أَحْوَال من يَلِيهِ من طَبَقَات جند أَمِير الْمُؤمنِينَ ومواليه وَيُطلق لَهُم الأرزاق فِي وَقت الْوُجُوب والإستحقاق وَأَن يحسن فِي معاملتهم ويجمل فِي إستخدامهم ويتصرف فِي سياستهم بَين رفق من غير ضعف وخشونة من غير عنف مثيبا لمحسنهم مَا زَاد بالإبانة فِي حسن الْأَثر وَسلم مَعهَا من دواعي الأشر ومتغمدا لمسيئهم مَا كَانَ التغمد لَهُ نَافِعًا وَفِيه ناجعا فَإِن تَكَرَّرت زلاته وَتَتَابَعَتْ عثراته تنَاوله من عُقُوبَته بِمَا يكون لَهُ مصلحا وَلغيره واعظا وَأَن يخْتَص أكابرهم وأماثلهم وَأهل الرَّأْي والخطر مِنْهُم بالمشاورة فِي الْعلم والإطلاع على بعض المهم مستخلصا نخائل قُلُوبهم بالبسط والإدناء ومستشحذا بصائرهم بالإكرام والإحتفاء

стр. 715

فَإِن فِي مُشَاورَة هَذِه الطَّبَقَة إستدلالا على مواقع الصَّوَاب وتحرزا من غلط الإستبداد وأخذا لمجامع الحزامة وَأمنا من مُفَارقَة الإستقامة وَقد حض الله تَعَالَى على الشورى فِي قَوْله لرَسُوله ﷺ ﴿وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين﴾ وَأمره أَن يعمد لما يتَّصل بنواحيه من ثغور الْمُسلمين ورباط المرابطين وَيقسم لَهَا قسما وافرا من عنايته وَيصرف إِلَيْهَا طرفا بل شطرا من رعايته ويختار لَهَا أهل الْجلد والشدة وَذَوي الْبَأْس والنجدة مِمَّن عجمته الخطوب ١٩٧ ب وعركته الحروب وإكتسب دربه بخدع المتنازلين وتجربة بمكائد المتقارعين وَأَن يستظهر بكشف عَددهمْ وإخيار عَددهمْ وإنتخاب خيلهم وإستجادة أسلحتهم غير مجمر بعثا إِذا بَعثه وَلَا مستكرهه إِذا وَجهه بل يناوب بَين رِجَاله مناوبة تريحهم وَلَا تملهم وترفههم وَلَا تؤودهم فَإِن ذَلِك من فَائِدَة الإجمام وَالْعدْل فِي الإستخدام وتنافس رجال

стр. 716

النوب فِيمَا عَاد عَلَيْهِم بعد الظفر والنصر وَبعد الصيت وَالذكر وإحراز النَّفْع وَالْأَجْر مَا يحِق أَن يكون الْوُلَاة بِهِ عاملين وَلِلنَّاسِ عَلَيْهِ حاملين وَأَن يُكَرر فِي أسماعهم وَيثبت فِي قولبهم مواعيد الله لمن صابر ورابط وسمح بِالنَّفسِ وجاهد من حَيْثُ لَا يقدمُونَ على تورط غرَّة وَلَا يحجمون عَن إنتهاز فرْصَة وَلَا ينكصون عَن تورد معركة وَلَا يلقون بِأَيْدِيهِم إِلَى التَّهْلُكَة فقد أَخذ الله تَعَالَى ذَلِك على خلقه والمرامين عَن دينه وَأَن يزيح الْعلَّة فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من راتب نفقات هَذِه الثغور وحادثها وَبِنَاء حصونها ومعاقلها وإستطراق طرقها ومسالكها وإفاضة الأقوات والعلوفات للمتربين فِيهَا وللمترددين إِلَيْهَا والمحامين لَهَا وَأَن يبْذل أَمَانه لمن يَطْلُبهُ ويعرضه على من لم يَطْلُبهُ ويفي بالعهد إِذا عَاهَدَ وبالعقد إِذا عَاقد غير مخفر ذمَّة وَلَا جارح أَمَانَة فقد أَمر الله تَعَالَى فَقَالَ جلّ من قَائِل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ وَنهى عَن النكث فَقَالَ عز من قَائِل ﴿فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه﴾

стр. 717

وَأمره أَن يعرض من فِي حبوس عمله على مَرَاتِبهمْ وإنعام النّظر فِي جناياتهم وجرائمهم فَمن كَانَ إِقْرَاره وَاجِبا أقره وَمن كَانَ إِطْلَاقه سائغا أطلقهُ وَأَن ينظر فِي الشرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف ويختار لَهَا من الْوُلَاة من يخَاف الله تَعَالَى ويتقيه وَلَا يحابي وَلَا يراقب الله فِيهِ ويتقدم إِلَيْهِم بقمع الْجُهَّال وردع الضلال وتتبع الأشرار ١١٩٨ وَطلب الدعار مستدلين على أماكنهم متوغلين إِلَى مكامنهم متولجين عَلَيْهِ فِي مظانهم متوثقين مِمَّن يجدونه مِنْهُم منفذين أَحْكَام الله تَعَالَى فيهم بِحَسب الَّذِي يتَبَيَّن من أُمُورهم ويتضح من فعلهم فِي كَبِيرَة إرتكبوها وعظيمة إحتقبوها ومهجة أفاضوها واستهلكوها وَحُرْمَة أباحوها وانتهكوها فَمن اسْتحق حدا من حُدُود الله الْمَعْلُومَة أقاموه عَلَيْهِ غير مخففين مِنْهُ وأحلوه بِهِ غير مقصرين عَنهُ بعد أَلا يكون عَلَيْهِم فِي الَّذِي يأْتونَ بِهِ حجَّة وَلَا تعترضهم فِي وُجُوبه شُبْهَة فَإِن الْمُسْتَحبّ فِي الْحُدُود أَن تُقَام بِالْبَيِّنَاتِ وَأَن تدرأ

стр. 718

بِالشُّبُهَاتِ فَأولى مَا توخاه رُعَاة الرعايا فِيهَا أَلا يقدموا عَلَيْهَا مَعَ نُقْصَان وَلَا يتوقفوا عَنْهَا مَعَ قيام دَلِيل وبرهان وَمن وَجب عَلَيْهِ الْقَتْل احتاط عَلَيْهِ بِمثل مَا يحْتَاط بِهِ على مثل من الْحَبْس الْحصين والتوثق الشَّديد وَكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِخَبَرِهِ وَشرح جِنَايَته وثبوتها بِإِقْرَار يكون مِنْهُ أَو شَهَادَة تقع عَلَيْهِ ولينتظر من جَوَابه مَا يكون عمله بِحَسبِهِ فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يُطلق سفك دم مُسلم أَو معاهد إِلَّا مَا أحَاط بِهِ علما وأتقنه فهما وَكَانَ مَا يمضيه فِيهِ عَن بَصِيرَة لَا يخالطها شكّ وَلَا يشوبها ريب وَمن ألم بصغيرة من الصَّغَائِر ويسيرة من الجرائر من حَيْثُ لم يعرف لَهُ مثلهَا وَلم تتقدم لَهُ أُخْتهَا وعظه وزجره وَنَهَاهُ وحذره واستتابه وأقاله مَا لم يكن عَلَيْهِ خصم فِي ١ لَك يُطَالب بقصاص مَه وَجَزَاء لَهُ فَإِن عَاد تنَاوله من التَّقْوِيم والتهذيب والتغريب والتأديب بِمَا يرى انه قد كفى فِيمَا اجترم ووفى فِيمَا قدم فقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾

стр. 719

وَأمره أَن يعطل مَا فِي أَعماله من الحانات والمواخير ويظهرها من القبائح والمناكير وَيمْنَع من تجمع أهل الْخَنَا فِيهَا ويؤلف شملهم بهَا فَإِنَّهُ ١٩٨ ب شَمل يصلحه التشتيت وَجمع يحفظه التَّفْرِيق وَمَا زَالَت هَذِه المواطن الذميمة والمطارح الدنية دَاعِيَة لمن يأوي إِلَيْهَا ويعكف عَلَيْهَا إِلَى ترك الصَّلَوَات وركوب الْمُنْكَرَات واقتراف الْمَحْظُورَات وَهِي بيُوت الشَّيْطَان الَّتِي فِي عمارتها لله مغضبة وَفِي إخرابها للخير مجلبة وَالله تَعَالَى يَقُول لنا معشر الْمُؤمنِينَ ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه﴾ وَيَقُول عز من قَائِل لغيرنا من المذمومين ﴿فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا﴾ وَأمره أَن يُولى الحماية فِي هَذِه الْأَعْمَال أهل الْكِفَايَة

стр. 720

والغناء من الرِّجَال وَأَن يضم إِلَيْهِم كل من خف ركابه فأسرع عِنْد الصَّرِيخ جَوَابه مُرَتبا لَهُم فِي المسالح وسادا بهم ثغر المسالك وَأَن يوصيهم بالتيقظ ويأخذهم بالتحفظ ويزيح عللهم فِي علوفة خيلهم والمقرر من أَزْوَادهم وميرهم حَتَّى لَا يثقل لَهُم على الْبِلَاد وَطْأَة ويدعوهم إِلَى تحيفهم وثلمهم حَاجَة أَن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة ويتداركوا القوافل صادرة وواردة ويحرسوا الطّرق لَيْلًا وَنَهَارًا ويتقصوها رواحا وإبكارا وينصبوا لأهل الْعَبَث الأرصاد ويتمكنوا لَهُم بِكُل وَاد ويتفرقوا عَلَيْهِم حَيْثُ يكون التَّفَرُّق مضيقا لفضائهم ومؤديا إِلَى انفضاضهم ويجتمعوا حَيْثُ يكون الِاجْتِمَاع مطفئا لحجرتهم وصادعا لمروتهم وَلَا يخلوا هَذِه السبل من حماة لَهَا وسيارة فِيهَا يَتَرَدَّدُونَ فِي جواديها ويتعسفون فِي عواديها حَتَّى تكون الدِّمَاء محقونة وَالْأَمْوَال مصونة والفتن محسومة والغارات مَأْمُونَة وَمن حصل فِي أَيْديهم من لص خاتل وصعلوك خارب ومخيف لسبيل ومنتهك لحريم امتثل فِيهِ أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُوَافق لقَوْل الله ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾

стр. 721

وَأمره أَن يوضع الرصد على من يجتاز فِي أَعماله من أباق العبيد وَالِاحْتِيَاط عَلَيْهِم وعَلى من يكون مَعَهم والبحث عَن الْأَمَاكِن الَّتِي فارقوها والطرق الَّتِي استطرقوها ومواليهم الَّذين أَبقوا مِنْهُم ونشزوا عَنْهُم وَأَن يردوهم عَلَيْهِم قهرا ويعيدوهم إِلَيْهِم صغرا وَأَن ينشدوا الضَّالة بِمَا أمكن أَن تنشد ويحفظوها على رَبهَا بِمَا جَازَ أَن تحفظ ويتجنبوا الامتطاء لظوهرها وَالِانْتِفَاع بأوبارها وَأَلْبَانهَا مِمَّا يجز ويحلب وَأَن يعرفوا اللّقطَة ويتبعوا أَثَرهَا ويشيعوا خَبَرهَا فَإِذا حضر صَاحبهَا وَعلم أَنه مستوجبها سلمت إِلَيْهِ وَلم يعتر فِيهَا عَلَيْهِ فَإِن الله يَقُول ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ وَيَقُول رَسُول الله ﷺ ضَالَّة الْمُؤمن حرق النَّار

стр. 722

وَأمره أَن يُوصي عماله بالشد على أَيدي الْحُكَّام وتنفيذ مَا يصدر عَنْهُم من الْأَحْكَام وَأَن يحضروا مجَالِسهمْ حُضُور الموقرين لَهَا الذابين عَنْهَا المقيمين لرسوم الهيبة وحدود الطَّاعَة فِيهَا وَمن خرج عَن ذَلِك من ذِي عقل سخيف وحلم ضَعِيف نالوه بِمَا يردعه وَأَحلُّوا بِهِ مَا يزعه وَمَتى تقاعس متقاعس عَن حُضُور مَعَ خصم يستدعيه وَأمر يُوَجه الْحَاكِم إِلَيْهِ فِيهِ أَو التوى ملتو بِحَق يحصل عَلَيْهِ وَدين يسْتَقرّ فِي ذمَّته قادوه إِلَى ذَلِك بأزمة الصغار وخزائم الِاضْطِرَار وَأَن يحبسوا ويطلقوا بقَوْلهمْ ويثبتوا الْأَيْدِي فِي الْأَمْلَاك والفروج وينزعوها بقضاياهم فَإِنَّهُم أُمَنَاء الله فِي فصل مَا يفصلون وَبت مَا يبتون وَعَن كِتَابه وَسنة نبيه ﷺ يوردون وَيَصْدُرُونَ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب﴾ وَأَن يتوخى بِمثل هَذِه المعاونة

стр. 723

عُمَّال الْخراج فِي اسْتِيفَاء حُقُوق مَا استعملوا عَلَيْهِ وَاسْتِيفَاء حُقُوق مَا بقائهم فِيهِ والرياضة لمن تسوء معامليهم وإحضارهم طائعين أَو كارهين بَين أَيْديهم فَم آدَاب الله تَعَالَى للْعَبد الَّذِي يحِق عَلَيْهِ أَن يتخذها أدبا ويجعلها إِلَى الرضى عَنهُ سَببا قَوْله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ وَأمره أَن يجلس للرعية جُلُوسًا عَاما وَينظر فِي مظالمها نظرا تَاما يُسَاوِي فِي الْحق بَين خاصها وعامها ويوازي فِي الْمجَالِس بَين عزيزها وذليلها وينصف الْمَظْلُوم من ظالمه وَالْمَغْصُوب من غاصبه بعد الفحص والتأمل والبحث والتبيين حَتَّى لَا يحكم إِلَّا بِعدْل وَلَا ينْطَلق إِلَّا بفصل وَلَا يثبت يدا إِلَّا فِيمَا وَجب تثبتها فِيهِ وَلَا يقبضهَا إِلَّا عَمَّا وَجب قبضهَا عَنهُ وَأَن يسهل الْإِذْن لجماعتهم وَيرْفَع الْحجاب بَينه وَبينهمْ ويوليهم من حصانة الكنف ولين المنعطف والاشتمال

стр. 724

والعناية والصون وَالرِّعَايَة مَا يتعادل بِهِ أقسامهم وتتوازي مِنْهُ أقساطهم وَلَا يصل الْمِسْكِين مِنْهُم إِلَى استضامة من تَأَخّر عَنهُ وَلَا ذُو السُّلْطَان إِلَى هضيمة من حل دونه وَأَن يَدعُوهُم إِلَى أحسن الْعَادَات وَالْخَلَائِق ويحضهم على أَحْمد الْمذَاهب والطرائق وَيحمل عَنْهُم كُله ويمد عَلَيْهِم ظله وَلَا يسومهم عسفا وَلَا يلْحق بهم حيفا وَلَا يكلفهم شططا وَلَا يجشمهم مضلعا وَلَا يثلم لَهُم معيشة وَلَا يداخلهم فِي جريمة وَلَا يَأْخُذ بَرِيئًا مِنْهُم بسقيم وَلَا حَاضرا بعديم فَإِن الله نهى أَن تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَجعل كل نفس ٢٠٠ أرهينة بمكسبها بريئة من مكاسب غَيرهَا وَيرْفَع عَن هَذِه الرّعية مَا عَسى أَن يكون سنّ عَلَيْهَا من سنة ظالمة وسلك بهَا من محجة جائرة ويستقري آثَار الْوُلَاة قبله عَلَيْهَا فِيمَا أزجوه من خير أَو شَرّ إِلَيْهَا فَيقر من ذَلِك مَا طَابَ وَحسن ويزيل مَا خبث وقبح

стр. 725

فَإِن من يغْرس الْخَيْر يحظى بمعسول ثمره وَمن يزرع الشَّرّ يصلى بمرور ريعه وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿والبلد الطّيب يخرج نَبَاته بِإِذن ربه وَالَّذِي خبث لَا يخرج إِلَّا نكدا كَذَلِك نصرف الْآيَات لقوم يشكرون﴾ وَأمره أَن يصون أَمْوَال الْخراج وأثمان الغلات ووجوه الجبايات موفرا وَيزِيد ذَلِك مثمرا بِمَا يَسْتَعْمِلهُ من الْإِنْصَاف لأَهْلهَا وإجرائهم على صَحِيح الرسوم فِيهَا فَإِنَّهُ مَال الله الَّذِي بِهِ قُوَّة عبَادَة وحماية بِلَاده ودرور حلبه واتصال مدده وَبِه يحاط الْحَرِيم وَيدْفَع الْعَظِيم ويحمى الذمار وتذاد الأشرار وَأَن يَجْعَل افتتاحه إِيَّاه بِحَسب إِدْرَاك أصنافه وَعند حُضُور مواقيته وأحيانه غير مستسلف شَيْئا قبلهَا وَلَا مُؤخر لَهَا عَنْهَا وَأَن يخص أهل الطَّاعَة والسلامة بالترفيه لَهُم وَأهل الاستصعاب والامتناع بالشد عَلَيْهِ لِئَلَّا يَقع إرهاق لمذعن أَو إهمال لطامع وعَلى المتولى لذَلِك أَن يضع كلا من الْأَمر مَوْضِعه ويوقعه موقعه متجنبا

стр. 726

إحلال الغلظة من لَا يَسْتَحِقهَا وَإِعْطَاء الفسحة من لَيْسَ من أَهلهَا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى﴾ وَأمره أَن يتَخَيَّر عماله على الأعشار وَالْخَرَاج والضياع والجهبدة وَالصَّدقَات والجوالي من أهل الظلْف والنزاهة والضبط والصيانة والجزالة والشهامة وَأَن يستظهر مَعَ ذَلِك عَلَيْهِ بِوَصِيَّة تعيها أسماعهم وعهود تتقلدها أَعْنَاقهم بِأَن لَا يضيعوها حَقًا وَلَا يأكلوها سحتا ٢٠٠ ب وَلَا يستعملوها ظلما وَلَا يقارفوا غشما وَأَن يقيموا العمارات ويحتاطوا على الغلات ويتحرزوا من ترك حق لَازم أَو تَعْطِيل رسم عَادل مؤدين فِي جَمِيع ذَلِك الْأَمَانَة متجنبين للخيانة وَأَن يَأْخُذُوا جهابذتهم بِاسْتِيفَاء وزن المَال على تَمَامه واستجادة نَقده على عياره وَاسْتِعْمَال الصِّحَّة فِي قبض مَا يقبضون وَإِطْلَاق مَا يطلقون وَأَن يوعزوا إِلَى سعاة الصَّدقَات بِأخذ الْفَرَائِض من سَائِمَة مواشي الْمُسلمين دون عاملتها

стр. 727

وَكَذَلِكَ الْوَاجِب فِيهَا وَأَن لَا يجمعوا فِيهَا مُتَفَرقًا وَلَا يفرقُوا مجتمعا وَلَا يدخلُوا فِيهَا خَارِجا عَنْهَا وَلَا يضيفوا إِلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا من فَحل إبل أَو أكولة رَاع أَو عقيلة مَال فَإِذا اجتبوها على حَقّهَا واستوفوها على رسمها أخرجوها فِي سلها وقسموها على أَهلهَا الَّذين ذكرهم الله فِي كِتَابه إِلَّا الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم الَّذين ذكرهم الله فِي كِتَابه وَسقط سهمهم فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل فَرِيضَة من الله وَالله عليم حَكِيم﴾ وَإِلَى جباة جماجم أهل الذِّمَّة أَن يَأْخُذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة فِي الْمحرم من كل سنة بِحَسب مَنَازِلهمْ فِي الْأَحْوَال وَذَات أَيْديهم فِي الْأَمْوَال وعَلى الطَّبَقَات المطبقة فِيهَا وَالْحُدُود المحدودة الْمَعْهُودَة لَهَا وَأَن لَا يأخذوها من النِّسَاء وَلَا مِمَّن لم يبلغ الْحلم من الرِّجَال وَلَا من ذِي سنّ عالية

стр. 728

وَلَا ذِي عِلّة بادية وَلَا فَقير معدم وَلَا مترهب متبتل وَأَن يُرَاعِي جمَاعَة هَؤُلَاءِ الْعمَّال مُرَاعَاة يسرها ويظهرها ويلاحظهم مُلَاحظَة يخفيها ويبديها لِئَلَّا يزولوا عَن الْحق الْوَاجِب أَو يعدلُوا عَن السّنَن اللاحب فقد قَالَ تَعَالَى ﴿وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسؤولا﴾ وَأمره أَن ينْدب لعرض الرِّجَال وإعطائهم وَحفظ جراياتهم وأوقات إطعامهم من يعرفهُ بالثقة فِي متصرفه ٢٠١ أوالأمانة فِيمَا يجْرِي على يَده والبعد عَن الإسفاف إِلَى الدنية والاتباع للدناءة وَأَن يَبْعَثهُ على ضبط حلى الرِّجَال وسيات الْخَيل وتجديد الْعرض بعد الِاسْتِحْقَاق وإيقاع الِاحْتِيَاط فِي الْإِنْفَاق فَمن صَحَّ عرضه وَلم يبْق فِي نَفسه شَيْء مِنْهُ من شكّ يعرض لَهُ أَو رِيبَة يتوهمها أطلق أَمْوَالهم موفورة وَجعلهَا فِي أَيْديهم غير مثلومة وَأَن يرد على بَيت المَال أرزاق من سقط بالوفاة والإخلال ناسبا ذَلِك إِلَى جِهَته موردا لَهُ على حَقِيقَته وَأَن يُطَالب الرِّجَال بإحضار الْخَيل المختارة والآلات والسكك

стр. 729

المستكملة على مَا يُوجب مَنَافِع أَرْزَاقهم وَحسب مَنَازِلهمْ ومراتبهم فَإِن أخمد أحدهم شَيْئا من ذَلِك قاصه بِهِ من رزقه وأغرمه مثل قِيمَته فَإِن المقصر فِيهِ خائن لأمير الْمُؤمنِينَ ومخالف لرب الْعَالمين إِذْ يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾ وَأمره أَن يعْتَمد فِي أسواق الرَّقِيق ودور الضَّرْب والطرز والحسبة على من يجْتَمع فِيهِ آلَات هَذِه الولايات من ثِقَة وَأَمَانَة وَعلم وكفاية وَمَعْرِفَة ودراية وتجربة وحنكة وحصافة ومسكة فَإِنَّهَا أَحْوَال تضارع الحكم وتناسبه وتدانيه وتقاربه وَأَن يتَقَدَّم إِلَى وُلَاة أسواق الرَّقِيق بالتحفظ فِيمَن يطلقون بَيْعه ويمضون أمره والتحرز من وُقُوع تخون فِيهِ وإهمال لَهُ إِذْ كَانَ ذَلِك عَائِدًا بتحصين الْفروج وتطهير الْأَنْسَاب

стр. 730

وَأَن يبعدوا من أهل الرِّيبَة ويقربوا من أهل الْعِفَّة وَلَا يمضوا بيعا على شُبْهَة وَلَا عقدا على تُهْمَة وَإِلَى وُلَاة الْعيار بتخليص عين الدِّرْهَم وَالدِّينَار ليكونا مضروبين على الْبَرَاءَة من الْغِشّ والنزاهة من الزيف وتخصيصه بِالْإِمَامِ الْمُقَرّر بِمَدِينَة السَّلَام وحراسة السكَك من أَن تتداولها الْأَيْدِي المدغلة وتتناقلها الْجِهَات المبطلة ٢٠١ ب وَإِثْبَات اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا يضْرب مِنْهَا ذَهَبا وَفِضة وإجراء ذَلِك على الرَّسْم وَالسّنة وَإِلَى وُلَاة الطرز بِأَن يجروا الِاسْتِعْمَال فِي جَمِيع المناسج على أتم النيقة وَأسلم الطَّرِيقَة وَأحكم الصَّنْعَة وَأفضل الصِّحَّة وَأَن يثبتوا اسْم أَمِير المؤم على طرز الكسا والفرش والأعلام والبنود وَإِلَى وُلَاة الْحِسْبَة أَن يتصفحوا أَحْوَال الْعَوام فِي حرفهم ومتاجرهم ومجتمع أسواقهم ومعاملاتهم وَأَن يعايروا الموازين والمكاييل ويفرزوها على التَّعْدِيل والتكميل وَمن

стр. 731

اطلعوا مِنْهُ على حِيلَة أَو تلبيس أَو غيلَة أَو تَدْلِيس أَو بخس فِيمَا يُوفيه أَو استفضال فِيمَا يَسْتَوْفِيه نالوه بغليظ الْعقُوبَة وعظيمها وخصوه بوجيعها وأليمها واقفين بِهِ فِي ذَلِك عِنْد الْحَد الَّذِي يرونه لذنبه مجازيا وَفِي تأديبه كَافِيا فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون﴾ هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عَلَيْك وَقد وقفك بِهِ على سَوَاء السَّبِيل وأرشدك فِيهِ إِلَى وَاضح الدَّلِيل وأوسعك تعلميا وتحكيما وأقنعك تعريفا وتفهيما وَلم يألك جهدا فِيمَا عصمك وعصم على يدك وَلم يدخرك مُمكنا فِيمَا أصلح بك وأصلحك وَلَا ترك لَك عذرا فِي غلط تغلطه وَلَا طَرِيقا إِلَى تورط تتورطه بَالغا بك فِي الْأَوَامِر والزواجر إِلَى حَيْثُ يلْزم الآئمة أَن يندبوا النَّاس إِلَيْهِ ويحثوهم عَلَيْهِ مُقيما لَك على منجيات المسالك صارفا بك عَن مرديات المهالك مرِيدا فِيك مَا يسلمك فِي دينك ودنياك وَيعود بالحظ

стр. 732

عَلَيْك فِي آخرتك وأدلاك فَإِن اعتدلت وَعدلت فقد فزت وغنمت وَإِن تجانفت واعوججت فقد خسرت وندمت وَالْأولَى بك عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ مغرسك الزاكي ومنبتك النامي وعودك الأنجب وعنصرك الأطيب أَن تكون لظَنّه فِيك محققا ولمخيلته فِيك مُصدقا وَأَن تستزيد بالأثر الْجَمِيل قربا من رب الْعَالمين وثوابا يَوْم الدّين وزلفى عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وثناء حسنا ٢٠٢ أَمن الْمُسلمين فَخذ مَا نبذ إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ من معاذيره وَأمْسك بِيَدِك على مَا أعْطى من مواثيقه وَاجعَل عَهده مِثَالا تحتذيه وإماما تقتفيه واستعن بِاللَّه يعنك واستهده يهدك وأخلص إِلَيْهِ فِي طَاعَته يخلص لَك الْحَظ من معونته وَمهما أشكل عَلَيْك من خطب أَو أعضل عَلَيْك من صَعب أَو بهرك من باهر أَو بهظك من باهظ فأكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَنْهِيّا وَكن إِلَى مَا يرد عَلَيْك منتهيا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته

стр. 733

وَعلي هَذَا النهج جرى الشَّيْخ شهَاب الدّين مَحْمُود الْحلَبِي فِيمَا كتب بِهِ للعادل كتبغا المنصوري عَن الْحَاكِم الأول وَهُوَ الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن الْحُسَيْن وَهَذِه نسخته هَذَا عهد شرِيف فِي كتاب مرقوم يشهده المقربون ويفوضه آل رَسُول الله ﷺ الْأَئِمَّة الأقربون من عبد الله ووليه الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد أَمِير الْمُؤمنِينَ وسليل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ إِلَى السُّلْطَان الْملك الْعَادِل زين الدُّنْيَا وَالدّين كتبغا المنصوري أعز الله سُلْطَانه أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك الله الَّذِي جعل لَهُ مِنْك سُلْطَانا نَصِيرًا وَأقَام لَهُ بملكك على مَا ولاه من أُمُور خلقه عضدا وظهيرا وآتاك بِمَا نهضت بِهِ من طَاعَته نعيما وملكا كَبِيرا وخولك بِإِقَامَة مَا وَرَاء سَرِيره من مصَالح

стр. 734

٢٠٢ - ب الْإِسْلَام بِكُل أَرض منبرا وسريرا وَجَاء بك لإعانته على مَا اسْتَخْلَفَهُ الله فِيهِ من أُمُور عباده على قدر وَكَانَ رَبك قَدِيرًا وَجمع بك الْأمة بعد أَن كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم وعضدك لإِقَامَة إِمَامَته بأولياء دولتك الَّذِي ﵃ وخصك بأنصار دينه الَّذين نهضوا بِمَا أمروا بِهِ من طَاعَتك وهم نازهون وَأَظْهَرَك على الَّذين ﴿ابْتَغوا الْفِتْنَة من قبل وقلبوا لَك الْأُمُور حَتَّى جَاءَ الْحق وَظهر أَمر الله وهم كَارِهُون﴾ واصطفاك لإِقَامَة الدّين وَقد اخْتلفت الْأَهْوَاء فِي تِلْكَ الْمدَّة وَلم بك شعث الْأمة بعد الِاضْطِرَاب فَكَانَ موقفك ثمَّ موقف الصّديق يَوْم الرِّدَّة وَيشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة حَاكم بأَمْره مستنزل لَك بالإخلاص مَلَائِكَة تأييده وَأَعْوَان نَصره مسترهف بهَا سيف عزمك على من جاهره بشركه وحاربه بِكُفْرِهِ معتصم بتوفيقه فِي تفويضه إِلَيْك أَمر سره الَّذِي استودعه فِي الْأمة وجهره وَيُصلي

стр. 735

على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي استخرجه الله من عنصره وَذَوِيهِ وَشرف بِهِ قدر جده بقوله فِيهِ عَم الرجل صنو ابيه وَأسر إِلَيْهِ بِأَن هَذَا الْأَمر فتح بِهِ وَيخْتم ببنيه وعَلى آله وَصَحبه وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعده الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ وَجَاهدُوا أَئِمَّة الْكفْر الَّذين لَا إِيمَان لَهُم وَالَّذين هم برَبهمْ يعدلُونَ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لما آتَاهُ الله من سر النُّبُوَّة واستودعه من أَحْكَام الْإِمَامَة الموروثة عَن شرف الْأُبُوَّة واختصه من الطَّاعَة الْمَفْرُوضَة على الْأُمَم وَفرض عَلَيْهِ من النّظر فِي الْأَخَص من مصَالح الْمُسلمين والأعم وعصم آراءه ببركة آبَائِهِ من الْخلَل وَجعل سهم اجْتِهَاده هُوَ الْمُصِيب أبدا فِي القَوْل وَالْعَمَل وَكَانَ السُّلْطَان فلَان هُوَ الَّذِي جمع الله بِهِ كلمة الْإِسْلَام وَقد كَادَت ٢٠٣ أوثبت بِهِ الأَرْض وَقد اضْطَرَبَتْ بالأهواء ومادت وَرفع بِهِ منار الدّين بعد أَن شمخ الْكفْر بِأَنْفِهِ وَألف بِهِ شَمل الْمُسلمين وَقد

стр. 736

طمح الْعَدو إِلَى افتراقه وطمع فِي خَلفه وَحفظ بِهِ فِي الْجِهَاد حكم الْكتاب الَّذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ وَحمى بِهِ الممالك الإسلامية فَمَا شام الْكفْر مِنْهَا برق ثغر إِلَّا رمى من وباله بوابل وَلَا أطلق عنان طرفه إِلَى الْأَطْرَاف إِلَّا وَقع من سطوات جُنُوده فِي كَفه حابل وَلَا اطمأنوا فِي بِلَادهمْ إِلَّا أَتَتْهُم سراياه من حَيْثُ لم يرتقبوا وَلَا ظنُّوا أَنهم مانعتهم حصونهم من الله إِلَّا وأتاهم جُنُوده من حَيْثُ لم يحتسبوا وَألف جيوش الْإِسْلَام فَأَصْبَحت على الْأَعْدَاء بيمنه يدا وَاحِدَة وَقَامَ بِأُمُور الْأمة فأمست عُيُون الرعايا باستيقاظ سيوفه فِي مهاد الْأَمْن رَاقِدَة وَأقَام منار الشَّرِيعَة المطهرة فَهِيَ حاكمة لَهُ وَعَلِيهِ نَافِذ أمرهَا على أمره فِيمَا وضع الله مقاليده فِي يَدَيْهِ وَنَصره الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وأعانه على من أضمر لَهُ الشقاق ﴿بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لكبيرة﴾ وأظفره بِمن بغى عَلَيْهِ فِي يَوْمه بعد حلمه عَنهُ فِي أمسه وأيده على الَّذِي خانوا عَهده ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه﴾

стр. 737

وَتعين لملك الْإِسْلَام فَلم يَك يصلح إِلَّا لَهُ وَاخْتَارَهُ الله لذَلِك فَبلغ بِهِ الدّين آماله وضعضع بِملكه عَمُود الشّرك وأماله وَأعَاد بسلطانه على الممالك بهجتها وعَلى الْملك رونقه وجلاله وأخدمه النَّصْر فَمَا أضمر لَهُ أحد سوءا إِلَّا وزلزل أقدامه وَعجل وباله ورده إِلَيْهِ وَقد جعل من الرعب قيوده وَمن الذعر أغلاله وأوطأ جَوَاده هام أعدائه وَإِن أنف أَن تكون نعاله عهد إِلَيْهِ حِينَئِذٍ مَوْلَانَا الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي كل مَا وَرَاء خِلَافَته المقدسة وَجَمِيع مَا اقتضته أَحْكَام إِمَامَته الَّتِي هِيَ على التَّقْوَى مؤسسة من إِقَامَة شعار الْملك الَّذِي جمع الله ٢٠٣ ب الْإِسْلَام عَلَيْهِ وَظَهَرت أبهة السلطنة الَّتِي ألْقى الله وأمير الْمُؤمنِينَ مقاليدها إِلَيْهِ وَمن الحكم الْخَاص وَالْعَام فِي سَائِر ممالك الْإِسْلَام وَفِي كل مَا تَقْتَضِيه شَرِيعَة سيدنَا مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي خَزَائِن الْأَمْوَال وإنفاقها وَملك الرّقاب وإعتاقها واعتقال الجناة وإطلاقها وَفِي كل مَا هُوَ فِي يَد

стр. 738

الْملَّة الإسلامية أَو يَفْتَحهُ الله بِيَدِهِ عَلَيْهَا وَفِي جَمِيع مَا هُوَ من ضوال الممالك الإسلامية الَّتِي سيرجعها الله بجهاده إِلَيْهَا وَفِي تَقْلِيد الْمُلُوك والوزراء وتقدمه الجيوش وتأمير الْأُمَرَاء وَفِي الْأَمْصَار يقر بهَا من شَاءَ من الْجنُود وَيبْعَث إِلَيْهَا وَمِنْهَا مَا شَاءَ من الْبعُوث والحشود وَيحكم فِي أمرهَا بِمَا أرَاهُ الله من الذب عَن حريمها ويتحكم بِالْعَدْلِ الَّذِي وسم الله بِهِ لظاعنها ومقيمها وَفِي تَقْدِيم حَدِيثهَا واستحداث قديمها وتشييد ثغورها وإمضاء مَا عرفه الله بِهِ وجهله سواهُ من أمورها وَإِقْرَار من شَاءَ من حكامها وإمضاء مَا شَاءَ من إتقان الْقَوَاعِد بِالْعَدْلِ وإحكامها وَفِي إقطاع خواصها واقتلاع مَا اقتضته الْمصلحَة من عمائرها وَعمارَة مَا شَاءَ من قلاعها وَفِي إِقَامَة الْجِهَاد بِنَفسِهِ الشَّرِيفَة وكتائبه ولقاء الْأَعْدَاء كَيفَ شَاءَ من تسيير سراياه وَبعث مواكبه وَفِي مصافة الْعَدو وحصاره ومقارعة شيعته وأنصاره وغزوه كَيفَ أرَاهُ الله فِي أَطْرَاف بِلَاده وَفِي عقر دَاره وَفِي الْمَنّ وَالْفِدَاء والإرقاق

стр. 739

وَضرب الهدن الَّتِي تسألها العدا وَهِي خاضعة الْأَعْنَاق وَأخذ مجاوري الْعَدو المخذول بِمَا رَآهُ الله من النكاية إِذا أمكن من نواصيهم وَحكم عَفوه فِي طائعهم وبأسه فِي عاصيهم وإنزال ﴿الَّذين ظاهروهم من أهل الْكتاب من صياصيهم﴾ وَفِي الجيوش الَّتِي ألف الْأَعْدَاء فتكات ألوفها وَعرفُوا أَن أَرْوَاحهم ودائع سيوفها وصبحتهم سَرَايَا رعبها المبثوثة إِلَيْهِم وتركهم خوفها ﴿كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم﴾ وهم الَّذين ضَاقَتْ بمواكبهم إِلَى العدا سَعَة الفجاج وقاسمت رماحهم الْأَعْدَاء شَرّ قسْمَة فَفِي أَيْديهم كعوبها وَفِي صُدُور أُولَئِكَ الزّجاج وأذهبت عَن الثغور الإسلامية رِجْس الْكفْر وَظَهَرت من ذَلِك مَا جاور العذب الْفُرَات وَالْملح الأجاج وَعرفُوا فِي الحروب بتسرع الْإِقْدَام وثبات الْأَقْدَام وادخر الله لأيامه الشَّرِيفَة أَن يردفها بهم دَار السَّلَام إِلَى ملك الْإِسْلَام فيدر عَلَيْهِم مَا شَاءَ من إنعامه الَّذِي يُؤَكد طاعتهم ويجدد استطاعتهم

стр. 740

ويضاعف أعدادهم وَيجْعَل بصفاء النيات مَلَائِكَة الله أمدادهم ويحملهم على الثَّبَات إِذا لقوا الَّذين كفرُوا زحفا ويجعلهم فِي التعاضد على اللِّقَاء كالبنيان المرصوص فَإِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا وَفِي أَمر الشَّرْع وتوليه قُضَاته وحكامه وإمضاء مَا فرض الله عَلَيْهِ وعَلى الْأمة من الْوُقُوف عِنْد حُدُوده وَالْمَشْي مَعَ أَحْكَامه فَإِنَّهُ لِوَاء الله الْمَمْدُود فِي أرضه وحبله المتين الَّذِي لَا نقض لإبرامه وَلَا إبرام لنقضه وَسنَن نبيه الَّذِي لَا حَظّ عِنْد الله فِي الْإِسْلَام لغير متمسك بسنته وفرضه وَهُوَ أعز الله سُلْطَانه سيف الله الْمَشْهُور على الَّذين غدوا وهم من أَحْكَام الله مارقون وَيَده المبسوطة فِي إِمْضَاء الحكم بِمَا أنزل الله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَفِي مصَالح الْحَرَمَيْنِ الشريفين وثالثهما الَّذِي تشد أَيْضا إِلَيْهِ الرّحال وَإِقَامَة سبل الحجيج الَّذين يفدون على الله بِمَا أصحبهم من بره وعنايته فِي الْإِقَامَة والارتحال وَفِي عمَارَة الْبيُوت الَّتِي ﴿أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رجال﴾ وَفِي إِقَامَة الْخطب على المنابر واقتران اسْمه الشريف
следующие страницы →