← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8460

مآثر الإنافة في معالم الخلافة

القلقشندي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

طمح الْعَدو إِلَى افتراقه وطمع فِي خَلفه وَحفظ بِهِ فِي الْجِهَاد حكم الْكتاب الَّذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ وَحمى بِهِ الممالك الإسلامية فَمَا شام الْكفْر مِنْهَا برق ثغر إِلَّا رمى من وباله بوابل وَلَا أطلق عنان طرفه إِلَى الْأَطْرَاف إِلَّا وَقع من سطوات جُنُوده فِي كَفه حابل وَلَا اطمأنوا فِي بِلَادهمْ إِلَّا أَتَتْهُم سراياه من حَيْثُ لم يرتقبوا وَلَا ظنُّوا أَنهم مانعتهم حصونهم من الله إِلَّا وأتاهم جُنُوده من حَيْثُ لم يحتسبوا وَألف جيوش الْإِسْلَام فَأَصْبَحت على الْأَعْدَاء بيمنه يدا وَاحِدَة وَقَامَ بِأُمُور الْأمة فأمست عُيُون الرعايا باستيقاظ سيوفه فِي مهاد الْأَمْن رَاقِدَة وَأقَام منار الشَّرِيعَة المطهرة فَهِيَ حاكمة لَهُ وَعَلِيهِ نَافِذ أمرهَا على أمره فِيمَا وضع الله مقاليده فِي يَدَيْهِ وَنَصره الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وأعانه على من أضمر لَهُ الشقاق ﴿بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لكبيرة﴾ وأظفره بِمن بغى عَلَيْهِ فِي يَوْمه بعد حلمه عَنهُ فِي أمسه وأيده على الَّذِي خانوا عَهده ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه﴾

стр. 737

وَتعين لملك الْإِسْلَام فَلم يَك يصلح إِلَّا لَهُ وَاخْتَارَهُ الله لذَلِك فَبلغ بِهِ الدّين آماله وضعضع بِملكه عَمُود الشّرك وأماله وَأعَاد بسلطانه على الممالك بهجتها وعَلى الْملك رونقه وجلاله وأخدمه النَّصْر فَمَا أضمر لَهُ أحد سوءا إِلَّا وزلزل أقدامه وَعجل وباله ورده إِلَيْهِ وَقد جعل من الرعب قيوده وَمن الذعر أغلاله وأوطأ جَوَاده هام أعدائه وَإِن أنف أَن تكون نعاله عهد إِلَيْهِ حِينَئِذٍ مَوْلَانَا الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي كل مَا وَرَاء خِلَافَته المقدسة وَجَمِيع مَا اقتضته أَحْكَام إِمَامَته الَّتِي هِيَ على التَّقْوَى مؤسسة من إِقَامَة شعار الْملك الَّذِي جمع الله ٢٠٣ ب الْإِسْلَام عَلَيْهِ وَظَهَرت أبهة السلطنة الَّتِي ألْقى الله وأمير الْمُؤمنِينَ مقاليدها إِلَيْهِ وَمن الحكم الْخَاص وَالْعَام فِي سَائِر ممالك الْإِسْلَام وَفِي كل مَا تَقْتَضِيه شَرِيعَة سيدنَا مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي خَزَائِن الْأَمْوَال وإنفاقها وَملك الرّقاب وإعتاقها واعتقال الجناة وإطلاقها وَفِي كل مَا هُوَ فِي يَد

стр. 738

الْملَّة الإسلامية أَو يَفْتَحهُ الله بِيَدِهِ عَلَيْهَا وَفِي جَمِيع مَا هُوَ من ضوال الممالك الإسلامية الَّتِي سيرجعها الله بجهاده إِلَيْهَا وَفِي تَقْلِيد الْمُلُوك والوزراء وتقدمه الجيوش وتأمير الْأُمَرَاء وَفِي الْأَمْصَار يقر بهَا من شَاءَ من الْجنُود وَيبْعَث إِلَيْهَا وَمِنْهَا مَا شَاءَ من الْبعُوث والحشود وَيحكم فِي أمرهَا بِمَا أرَاهُ الله من الذب عَن حريمها ويتحكم بِالْعَدْلِ الَّذِي وسم الله بِهِ لظاعنها ومقيمها وَفِي تَقْدِيم حَدِيثهَا واستحداث قديمها وتشييد ثغورها وإمضاء مَا عرفه الله بِهِ وجهله سواهُ من أمورها وَإِقْرَار من شَاءَ من حكامها وإمضاء مَا شَاءَ من إتقان الْقَوَاعِد بِالْعَدْلِ وإحكامها وَفِي إقطاع خواصها واقتلاع مَا اقتضته الْمصلحَة من عمائرها وَعمارَة مَا شَاءَ من قلاعها وَفِي إِقَامَة الْجِهَاد بِنَفسِهِ الشَّرِيفَة وكتائبه ولقاء الْأَعْدَاء كَيفَ شَاءَ من تسيير سراياه وَبعث مواكبه وَفِي مصافة الْعَدو وحصاره ومقارعة شيعته وأنصاره وغزوه كَيفَ أرَاهُ الله فِي أَطْرَاف بِلَاده وَفِي عقر دَاره وَفِي الْمَنّ وَالْفِدَاء والإرقاق

стр. 739

وَضرب الهدن الَّتِي تسألها العدا وَهِي خاضعة الْأَعْنَاق وَأخذ مجاوري الْعَدو المخذول بِمَا رَآهُ الله من النكاية إِذا أمكن من نواصيهم وَحكم عَفوه فِي طائعهم وبأسه فِي عاصيهم وإنزال ﴿الَّذين ظاهروهم من أهل الْكتاب من صياصيهم﴾ وَفِي الجيوش الَّتِي ألف الْأَعْدَاء فتكات ألوفها وَعرفُوا أَن أَرْوَاحهم ودائع سيوفها وصبحتهم سَرَايَا رعبها المبثوثة إِلَيْهِم وتركهم خوفها ﴿كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم﴾ وهم الَّذين ضَاقَتْ بمواكبهم إِلَى العدا سَعَة الفجاج وقاسمت رماحهم الْأَعْدَاء شَرّ قسْمَة فَفِي أَيْديهم كعوبها وَفِي صُدُور أُولَئِكَ الزّجاج وأذهبت عَن الثغور الإسلامية رِجْس الْكفْر وَظَهَرت من ذَلِك مَا جاور العذب الْفُرَات وَالْملح الأجاج وَعرفُوا فِي الحروب بتسرع الْإِقْدَام وثبات الْأَقْدَام وادخر الله لأيامه الشَّرِيفَة أَن يردفها بهم دَار السَّلَام إِلَى ملك الْإِسْلَام فيدر عَلَيْهِم مَا شَاءَ من إنعامه الَّذِي يُؤَكد طاعتهم ويجدد استطاعتهم

стр. 740

ويضاعف أعدادهم وَيجْعَل بصفاء النيات مَلَائِكَة الله أمدادهم ويحملهم على الثَّبَات إِذا لقوا الَّذين كفرُوا زحفا ويجعلهم فِي التعاضد على اللِّقَاء كالبنيان المرصوص فَإِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا وَفِي أَمر الشَّرْع وتوليه قُضَاته وحكامه وإمضاء مَا فرض الله عَلَيْهِ وعَلى الْأمة من الْوُقُوف عِنْد حُدُوده وَالْمَشْي مَعَ أَحْكَامه فَإِنَّهُ لِوَاء الله الْمَمْدُود فِي أرضه وحبله المتين الَّذِي لَا نقض لإبرامه وَلَا إبرام لنقضه وَسنَن نبيه الَّذِي لَا حَظّ عِنْد الله فِي الْإِسْلَام لغير متمسك بسنته وفرضه وَهُوَ أعز الله سُلْطَانه سيف الله الْمَشْهُور على الَّذين غدوا وهم من أَحْكَام الله مارقون وَيَده المبسوطة فِي إِمْضَاء الحكم بِمَا أنزل الله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَفِي مصَالح الْحَرَمَيْنِ الشريفين وثالثهما الَّذِي تشد أَيْضا إِلَيْهِ الرّحال وَإِقَامَة سبل الحجيج الَّذين يفدون على الله بِمَا أصحبهم من بره وعنايته فِي الْإِقَامَة والارتحال وَفِي عمَارَة الْبيُوت الَّتِي ﴿أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رجال﴾ وَفِي إِقَامَة الْخطب على المنابر واقتران اسْمه الشريف

стр. 741

مَعَ اسْمه بَين كل باد وحاضر والاقتصار على هَذِه التَّثْنِيَة فِي أقطار الأَرْض فَإِن الْقَائِل بالتثليث كَافِر وَفِي سَائِر مَا ٢٠٤ ب تشمله الممالك الإسلامية وَمن تشْتَمل عَلَيْهِ شرقا وغربا وبعدا وقربا وَبرا وبحرا وشاما ومصرا وحجازا ويمنا وَمن يسْتَقرّ بذلك إِقَامَة وظعنا وفوض إِلَيْهِ ذَلِك جَمِيعه وكل مَا هُوَ من لَوَازِم خِلَافَته لله فِي أرضه مَا ذكر وَمَا لم يذكر تفويضا لَازِما وإمضاء جَازِمًا وعهدا محكما وعقدا فِي مصَالح ملك الْإِسْلَام محكما وتقليدا مُؤَبَّدًا وتقريرا على كرّ الجديدين مجددا وَأثبت ذَلِك وَهُوَ الْحَاكِم حَقِيقَة بِمَا علمه من اسْتِحْقَاقه وَالْحَاكِم بِعِلْمِهِ وَأشْهد الله وَمَلَائِكَته على نُفُوذ حكمه بذلك ﴿وَالله يحكم لَا معقب لحكمه﴾ وَذَلِكَ لما صَحَّ عِنْده من نهوض ملكه بإعباء مَا حمله الله من الْخلَافَة وَأدّى بِهِ الْأَمَانَة عَنهُ فِيمَا كتب الله عَلَيْهِ من الرَّحْمَة اللَّازِمَة والرأفة واستقلاله بِأُمُور الْجِهَاد الَّذِي أَقَامَ الله بِهِ الدّين واختصاصه وَجُنُوده بِعُمُوم مَا أَمر الله بِهِ الْأمة من قَوْله تَعَالَى ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف صُدُور قوم مُؤمنين﴾

стр. 742

وَأَنه فِي الْجِهَاد سَهْمه الْمُصِيب وَله بِهِ أجر الرَّامِي المسدد وسيفه الَّذِي جرده على أَعدَاء الدّين وَله من فتاكته حَظّ المرهف الْمُجَرّد وظل الله فِي الأَرْض الَّذِي مده بيمن يَمِينه وَآيَة لنصره الَّذِي اخْتَارَهُ الله لمصَالح دُنْيَاهُ وَصَلَاح دينه الناهض بِفَرْض الْجِهَاد وَهُوَ فِي مُسْتَقر خِلَافَته وادع والراكض عَنهُ بخيله وخياله إِلَى الْعَدو الَّذِي لَيْسَ لَهُ غير فتكات سيوفه رادع والمؤدي عَنهُ فرض النفير فِي سَبِيل الله كلما تعين والمنتقم لَهُ من أهل الشقاق الَّذين يجادلون فِي الْحق بعد مَا تبين والقائم بِأَمْر الْفتُوح الَّتِي ترد بيع الْكفْر مَسَاجِد يذكر فِيهَا اسْم الله واسْمه وَيرْفَع على منابرها شعاره الشريف ورسمه وتمثل لَهُ بِإِقَامَة دَعوته صُورَة الْفَتْح كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا والناظر عَنهُ فِي عُمُوم مصَالح ٢٠٥ أالإسلام وخصوصها تَعْظِيمًا لقدره وترفيها لسره وتفخيما لشرفه وتكريما لجلالة بَيته النَّبَوِيّ وسلفه وقياما لَهُ بِمَا عهد إِلَيْهِ ووفاء

стр. 743

من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا بِمَا وضع مقاليده فِي يَده وليدل على عَظِيم سيرته المقدسة بكريم سيره وينبه على كَمَال سعادته إِذْ قد كفى بِهِ فِي أُمُور خلق الله تَعَالَى والسعيد من كفى بِغَيْرِهِ لم يَجْعَل أَمِير الْمُؤمنِينَ على يَده يدا فِي ذَلِك وَلَا فسح لأحد غَيره فِي أقطار الأَرْض أَن يدعى بِملك وَلَا مَالك بل بسط حكمه وتحكمه فِي شَرق الْبِلَاد وغبرها وَمَا بَين ذَلِك وَقد فرض طَاعَته على سَائِر الْأُمَم وَحكم بِوُجُوبِهَا على الْخَاص وَالْعَام وَمن ينْقض حكم الْحَاكِم إِذا حكم وَهُوَ يعلم أَن الله تَعَالَى قد أودع مَوْلَانَا السُّلْطَان سرا يستضاء بأنواره ويهتدى فِي مصَالح الْملك والممالك بمناره فَجعل لَهُ أَن الله تَعَالَى قد أودع مَوْلَانَا السُّلْطَان سرا يستضاء بأنواره ويهتدى فِي مصَالح الْملك والممالك بمناره فَجعل لَهُ أَن يفعل فِي ذَلِك كل مَا هدى الله قلبه إِلَيْهِ وَبَعثه بالتأييد الإلهي عَلَيْهِ وَاكْتفى عَن الْوَصَايَا بِأَن الله تَعَالَى تكفل لَهُ بالتأييد وَخَصه فِي كل خير بالمزيد وَجعل خلقه التَّقْوَى وكل خير فرع عَلَيْهَا وَنور بصيرته بِالْهدى فَمَا يدل على حسنه من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا وَهُوَ السَّابِق إِلَيْهَا وَالله تَعَالَى يَجْعَل أَيَّامه مؤرخة بالفتوح وَيُؤَيِّدهُ

стр. 744

بِالْمَلَائِكَةِ وَالروح على من يَدعِي الْأَب والإبن وَالروح وَيجْعَل أَسبَاب النَّصْر معقودة بِسَبَبِهِ وَالْملك ﴿كلمة بَاقِيَة فِي عقبه﴾ وَيشْهد بِهَذَا الْعَهْد الشريف من شهده مَعَ الْمَلَائِكَة المقربين كل من حضر تِلَاوَته من سَائِر النَّاس أَجْمَعِينَ لتَكون حجَّة الله على خلقه أسبق وعهد أَمِير الْمُؤمنِينَ بِثُبُوتِهِ أوثق وَطَاعَة سُلْطَان الأَرْض قد زَادهَا الله على خلقه بذلك توكيدا وَشهد الله وَمَلَائِكَته على الْخلق بذلك وَكفى بِاللَّه شَهِيدا والاعتماد على الْخط الحاكمي أَعْلَاهُ حجَّة بِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ٢٠٥ - ب وعَلى ذَلِك جرى الشَّيْخ شهَاب الدّين مَحْمُود الْحلَبِي أَيْضا فِيمَا كتب بِهِ للْملك الْمَنْصُور حسام الدّين لاجين عَن الْحَاكِم الثَّانِي وَهُوَ الْحَاكِم بِأَمْر الله بن الْحُسَيْن الْمُقدم ذكره

стр. 745

وَهَذِه نسخته هَذَا عهد شرِيف تشهد بِهِ الْأَمْلَاك لأشرف الْمُلُوك وتسلك فِيهِ من قَوَاعِد العهود المقدسة أحسن السلوك من عبد الله ووليه الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ للسُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور حسام الدُّنْيَا وَالدّين أبي الْفَتْح لاجين المنصوري أعز الله سُلْطَانه أما بعد فَالْحَمْد لله مؤتى الْملك من يَشَاء من عباده ومعطي النَّصْر من يُجَاهد فِيهِ حق جهاده ومرهف حسام انتقامه على من جاهر بعناده ومفوض أَمر هَذَا الْخلق إِلَى من أودعهُ سر رأفته فِي محبته وَمُرَاد نقمته فِي مُرَاده وجامع كلمة الْإِيمَان بِمن اجتباه لإِقَامَة دينه وارتضاه ليرْفَع عماده ومقر الْحق فِي يَد من منع سَيْفه الْمُجَرّد فِي سَبِيل الله أَن يقر فِي أغماده وناصر من لم تزل كلمة الْفتُوح مستكنة فِي صُدُور سيوفه جَارِيَة على أَلْسِنَة صعاده وجاعل ملك الْإِسْلَام من حُقُوق من إِذا عد أهل الأَرْض على اجْتِمَاعهم كَانَ هُوَ الْمُتَعَيّن على انْفِرَاده الَّذِي شرف

стр. 746

أسرة ملك الْإِسْلَام بإستيلاء حسام دينه عَلَيْهَا وزلزل ممالك أعدائه بِمَا بعث من سَرَايَا رعبه إِلَيْهَا وَثَبت بِهِ أَرْكَان الأَرْض الَّتِي ستحتوي ملكه فِي طرفيها وضعضع بسلطانه قَوَاعِد مُلُوك الْكفْر فودعت مَا كَانَ مودعا لأيامه من ممالك الْإِسْلَام فِي يَديهَا وأقامه وليه بأَمْره فَلم يخْتَلف عَلَيْهِ وَاثْنَانِ من خلقه وقلده أَمر بريته لما أقدره عَلَيْهِ من ٢٠٦ أالنهوض بحقهم وَحقه وأظهره على من نصب لَهُ الغوائل ﴿وَالله غَالب على أمره﴾ وَنَصره فِي مَوَاطِن كَثِيرَة لما قدره فِي الْقدَم من رفْعَة شَأْنه وإعلاء قدره وَجعل عدوه وَإِن أعرض عَن طلبه بجيوش الرعب محصورا وَكَفاهُ بنصره على الْأَعْدَاء التوغل فِي سفك الدِّمَاء فَلم ﴿يسرف فِي الْقَتْل إِنَّه كَانَ منصورا﴾ وَنقل إِلَيْهِ الْملك بِسَيْفِهِ والدماء مصونة وَحكمه فِيمَا كَانَ بيد غَيره من الأَرْض والبلاد آمِنَة والفتن مَأْمُونَة فَكَانَ أَمر من ذهب سَحَابَة صيف أَو خلسة طيف لم تحل لَهُ روعة فِي الْقلب وَلم يذعرها وَقد ألبسهُ الله مَا نزع

стр. 747

عَن سواهُ سالب وَلَا مسلوب إِجْرَاء لهَذِهِ الْأمة على عوائد فَضله العميم واختصاصا بِمَا آتَاهُ من ملكه ﴿وَالله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا منح فِي أَيَّامه الدّين من اعتضاده بحسامه والاعتماد فِي ملك الْمُسلمين على من يَجْعَل جباه مُلُوك الشّرك تَحت أقدامه والاعتداد بمساعي من حصونه فِي الْجِهَاد ظُهُور جياده وقصوره أَطْرَاف حسامه وَيشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة حَاكم بِمَا أرَاهُ حَامِد لَهُ فِي ملك الْإِسْلَام على مَا يسر مَا وطده وَدفع مَا عداهُ معتصم بِهِ فِي كل مَا أثْبته بِالْحَقِّ من قَوَاعِد الدّين وأوثقه بالتقوى من عراه مستمد مَلَائِكَة نَصره لمن أغنته عَزَائِمه فِي جِهَاد أَعدَاء الدّين عَن سيره فِي ذَلِك وسراه وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي جعله من عصبته الشَّرِيفَة وعصبته وشرفه بوراثة خِلَافَته فِي أمته قدر رتبته وقصره على إِقَامَة من يرهب العدا بنشر

стр. 748

دَعوته فِي الْآفَاق مَعَ مواقع رغبته ويسأله أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاة تفتح لَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْعِصْمَة طَرِيقا وتجعله فِي الْأُخْرَى مَعَه وَمَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من آبَائِهِ الشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ ﴿وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا ٢٠٦ ب وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لما اختصه الله بِهِ من السِّرّ الْمُودع فِي قلبه والنور الَّذِي أصبح فِيهِ على بَيِّنَة من ربه والتأييد الْمُنْتَقل إِلَيْهِ عَمَّن شرف بِقُرْبِهِ وَالنَّص الَّذِي أسره رَسُول الله ﷺ إِلَى جده الْعَبَّاس من بَقَاء هَذَا الْأَمر فِي ورثته دون أَقَاربه وَصَحبه لم يزل يرغب إِلَى الله تَعَالَى ويستخيره فِي إِقَامَة من ينْهض فِي ملك الْإِسْلَام حق النهوض ويفوض أَمر الْأمة إِلَى من يرى أَدَاء الْأَمَانَة فيهم من آكِد الْفُرُوض وَمن إِذا قَالَ النفير يَا خيل الله ارْكَبِي سابقت خيله خياله وَجَازَت عَزَائِمه نصاله وَأخذ عَدو الدّين من مأمنه وغالب بِسَيْفِهِ الْأَجَل على انتزاع روحه من بدنه وَقَاتل

стр. 749

لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا وجاهد لإِقَامَة منار الْإِسْلَام لَا للتعرض إِلَى عرض الدُّنْيَا وقدمت لَهُ مُلُوك الدُّنْيَا حصونها وبذلت لَهُ مَعَ الطَّاعَة مصونها وأقيم لَهُ بِكُل قطر مِنْبَر وسرير وَجمع مُلُوك العدا فِي رق طَاعَته من هُوَ على جمعهم إِذا يَشَاء قدير وَمن يُقيم الْعدْل على مَا شرع وَالشَّرْع على مَا أَخذ عَن رَسُول الله ﷺ وَسمع وَيُمِيت الْبدع بإحياء السّنَن وَيعلم أَن الله جعل لخلقه على لِسَان نبيه مُحَمَّد ﷺ سننا وَلَا يعدل بهم عَن ذَلِك السّنَن وَلما كَانَ السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور حسام الدُّنْيَا وَالدّين أَبُو الْفَتْح لاجين المنصوري خلد الله سُلْطَانه هُوَ الَّذِي جعل الله صَلَاح الْأمة على يَدَيْهِ وَاخْتَارَهُ لإِقَامَة دينه فساق ملك الْإِسْلَام عنْوَة إِلَيْهِ وأنهضه بذلك وَقد أمده بِجُنُود نَصره وَأنزل سكينته عَلَيْهِ وَجمع قُلُوب أهل الْإِسْلَام على حبه وَفرق أَعدَاء الدّين خوف حربه وَجعل النَّصْر حَيْثُ توجه من أشياعه وَحزبه

стр. 750

وعضده لنصرة الْإِسْلَام بملائكة سمائه وَأقَام بِهِ عَمُود الدّين الَّذِي بِالسَّيْفِ قَامَ وَلَا غرو فَإِن الحسام من أَسْمَائِهِ وَأَقْبَلت إِلَيْهِ طوائف ٢٠٧ أجيوش الْإِسْلَام مذعنين وَأدّى فِي كرامتهم حُقُوق طَاعَة الله الَّذِي أيده بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وتلقاهم بشير كرامته ونعمه وَقَالَ ادخُلُوا مصر إِن شَاءَ الله آمِنين وطارت مخلقات البشائر بِملكه فِي الْآفَاق وأغص العدا بسلطانه فَمَا توهموا فِي أَمر الْإِسْلَام وَالِاخْتِلَاف حَتَّى تحققوا بِحَمْد الله ويمن أَيَّامه الْوِفَاق واختالت المنابر الإسلامية بِذكر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَذكره وأعلنت الْأمة المحمدية بِحَمْد الله الَّذِي أقرّ بِهِ الْحق فِي مركزه ورد بِهِ شارد الْملك إِلَى وَكره وَتحقّق أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه الْمكنون فِي طويته والمستكن فِي إضماره والقائم فِي عمَارَة بَيته النَّبَوِيّ وسلامته مقَام سلمانه وعماره فعهد إِلَيْهِ حِينَئِذٍ فِي كل مَا تَقْتَضِيه أَحْكَام إِمَامَته فِي أمة نبيه وَجعله فِي التَّصَرُّف الْمُطلق عَنهُ قَائِما مقَام وَصِيَّة فِي الْملَّة ووليه وقلده أَمر ملك الْإِسْلَام تقليدا عَاما وفوض إِلَيْهِ حكم السلطنة الشَّرِيفَة تفويضا تَاما

стр. 751

وَألبسهُ من ذَلِك مَا خلعه عَن سواهُ وَنشر عَلَيْهِ لِوَاء الْملك الَّذِي زوى ظله عَن غَيره وطواه وَحكمه فِي كل مَا تَقْتَضِيه خِلَافَته المقدسة وتمضية إِمَامَته الَّتِي هِيَ على التَّقْوَى مؤسسة من إِقَامَة منار الْإِسْلَام وَالْحكم الْعَام فِي أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي تَقْلِيد الْمُلُوك والوزراء وتقدمة الجيوش وتأمير الْأُمَرَاء وَفِي تجهيز العساكر والسرايا وإرسال الطَّلَائِع والروايا وَتَجْرِيد الْجنُود الَّذين مَا ندبهم إِلَى العدا إِلَّا أَتَوا بالنهاب وبالسبايا وَفِي غَزْو الْعَدو كَيفَ أرَاهُ الله إِن شَاءَ بِنَفسِهِ أَو جنده وَفِي استنزال النَّصْر بالثبات وَالصَّبْر فَإِن الله يَجْزِي الصابرين وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده وَفِي محاصرة الْعَدو ومصابرته وإنظاره ومناظرته وَإِنْزَالهمْ على مَا شرع الله فيهم من الْأَحْكَام والتوخي فِي ذَلِك مَا حكم بِهِ سعد بن معَاذ فِي زمن الرَّسُول عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ٢٠٧ ب وَفِي ضرب الهدن وإمضائها وَالْوَفَاء بِالْعُقُودِ الْمَشْرُوعَة إِلَى انْتِهَاء مددها وانقضائها وَفِي إرضاء السيوف مِمَّن نكث وَلم يتم عَهده إِلَى مدَّته فَإِن إسخاط الْكفْر فِي

стр. 752

إرضائها وَفِي الْأَمْصَار يقر بهَا من شَاءَ من الْجنُود وَيبْعَث إِلَيْهَا مَا شَاءَ من الْبعُوث والحشود وَفِي سداد الثغور بِالرِّجَالِ الَّذين تفتر بهم عَن شنب النَّصْر وتأمن بهم أعدادها من غوائل الْحصْر وتوفر سهامها من سِهَام الْقُوَّة الَّتِي ترمي العدا بشرر كالقصر وإمداد بحرها بالشواني المجربة الْمُجَرَّدَة والسفن الَّتِي كَأَنَّهَا الْقُصُور الممهدة على الصروح الممردة فَلَا تزَال تدب إِلَيْهِم من ذَوَات الأرجل عقاربها وتخطف غربانهم الطائرة بأجنحة القلوع مخالبها وَفِي تقدمة الألوف وتنفيذ السَّرَايَا الَّتِي لَا تزَال أسنتها إِلَى نحور الْأَعْدَاء مقومة وإنفاق مَا يرَاهُ فِي مصَالح الْإِسْلَام من القناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل المسومة وَفِي إعلاء منار الشَّرْع الشريف والانقياد إِلَيْهِ والمسارعة إِلَى نُفُوذ حكمه فِيمَا لَهُ وَعَلِيهِ وتقوية يَد حكامه على كل أَمِير ومأمور أقرّ الشَّرْع فِي يَده شَيْئا أَو انتزعه من يَدَيْهِ وتفويض الحكم إِلَى كل من يتَعَيَّن لذَلِك من أَئِمَّة الْأمة وَإِقَامَة الشَّرْع الشريف على قَوَاعِده الْأَرْبَع فَإِن اتِّفَاق الْعلمَاء حجَّة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة وَفِي

стр. 753

مصَالح الْحَرَمَيْنِ الشريفين وثالثهما الَّذِي تشد الرّحال أَيْضا إِلَيْهِ وَفِي إِقَامَة سبل الحجيج الَّذِي دعاهم الله فلبوه واستدعاهم فقدموا عَلَيْهِ وفوض إِلَيْهِ كل مَا هُوَ من لَوَازِم خِلَافَته لله فِي أرضه مَا ذكر وَمَا لم يذكر تفويضا لَازِما وتقليدا جَازِمًا وعقدا محكما وعهدا فِي مصَالح الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين محكما وَاكْتفى عَن الْوَصَايَا بِمَا جبل عَلَيْهِ خلقه الشريف من التَّقْوَى وَهدى نَفسه النفيسة إِلَيْهِ من التَّمَسُّك بالسبيل الأقوم وَالسَّبَب الْأَقْوَى فَمَا يُنَبه على حسنه إِلَّا وَهُوَ ٢٠٨ أأسبق إِلَيْهَا وَلَا يدل على معدلة إِلَّا وفكره الشريف أسْرع من فكر الدَّال عَلَيْهَا وَقد وثق بِبَرَاءَة الذِّمَّة من حق قوم أضحوا لفضل مثله راجين وَتَحْقِيق حُلُول النِّعْمَة على أمة أبدا إِلَى لاجين وَقد استخار أَمِير الْمُؤمنِينَ الله تَعَالَى فِي ذَلِك كثيرا ولجأ إِلَى الله فِي توفيقه وتوقيفه على الصَّوَاب مِمَّا يجده فِي الحكم بذلك هاديا ونصيرا وسارع إِلَى التَّسْلِيم لأمر الله تَعَالَى فِيمَا فوض إِلَيْهِ من أُمُور عباده

стр. 754

إِنَّه كَانَ بعباده خَبِيرا بَصيرًا وَأشْهد الله وَمَلَائِكَته وَمن حَضَره من الْمُؤمنِينَ على نَفسه بِمَا تضمنه هَذَا الْعَهْد الْكَرِيم وَحكم بِمُقْتَضَاهُ على الْأمة ﴿فَمن بدله بعد مَا سَمعه فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه إِن الله سميع عليم﴾ والخط الشريف الإمامي الحاكمي أَعْلَاهُ حجَّة بِمُقْتَضَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وعَلى مثل ذَلِك كتب الْمولى شمس الدّين إِبْرَاهِيم بن القيسري عهد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون عَن الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن الْحُسَيْن الْمُقدم ذكره فِي سلطنته الثَّانِيَة عِنْد عوده من الْكَرم بعد خلع الْمَنْصُور لاجين وَهَذِه نسخته هَذَا عهد يعمر بك لِلْإِسْلَامِ الْمعَاهد وينصر مِنْك الاعتزام فتغنى عَن الموَالِي والمعاهد ويلقى إِلَيْك

стр. 755

مقاليد الْأُمُور لتجتهد فِي مراضي الله وتجاهد وَيَبْعَثُك على الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة ليكونا شَاهِدين لَك عِنْد الله فِي أعظم الْمشَاهد فَخذ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِقُوَّة تبركا بِأخذ يحيى ﵇ الْكتاب وحاسب نَفسك محاسبة تَجِد نَفعهَا يَوْم يقوم الْحساب اعْمَلْ صَالحا ٢٠٨ ب فَالَّذِينَ آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات طُوبَى لَهُم وَحسن مآب من عبد الله ووليه الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى السُّلْطَان الْأَجَل الْعَالم الْعَادِل الْمُجَاهِد المرابط المظفر الْملك النَّاصِر نَاصِر الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين سيد الْمُلُوك والسلاطين فاتح الْأَمْصَار مبيد الأرمن والفرنج والتتار وَارِث الْملك سُلْطَان الْعَرَب والعجم وَالتّرْك خَادِم الْحَرَمَيْنِ صَاحب الْقبْلَتَيْنِ أبي الْفَتْح مُحَمَّد قسيم أَمِير الْمُؤمنِينَ أعز الله سُلْطَانه ولد السُّلْطَان الشَّهِيد الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون قدس الله روحه أما بعد فَالْحَمْد لله الَّذِي أَقَامَ نَاصِر الْإِسْلَام وَأَهله

стр. 756

بِخَير نَاصِر وَأحل فِي السلطنة المعظمة من اسْتحقَّهَا بِذَاتِهِ الشَّرِيفَة وَشرف العناصر وَوضع الإصر بِمن كثرت مِنْهُ وَمن سلفه الْكَرِيم على الرعايا والأواصر وَعقد لِوَاء الْملك لمن هُوَ وَاحِد فِي الْجُود ألف فِي الوغى فَفِي حاليه تعقد عَلَيْهِ الخناصر وَجمع كلمة الْأمة بمتفرد فِي الْمَعَالِي متوحد فِي المفاخر متصف بمناقب أربى بهَا على أَرْبَابهَا من الْمُلُوك الْأَوَائِل والأواخر وَأقر النواظر والخواطر بِمن أشرق عَلَيْهِمَا نروه الباهر وَظهر آثَار وجود وجوده على البواطن والظواهر وَأعَاد شبيبة الْأَيَّام فِي اقتبال سر السرائر وسارت بشائر مقدمه فِي الْآفَاق سير الْمثل وَمَا ظَنك بِالْمثلِ السائر وَفعلت مهابته فِي التَّمْهِيد والتشييد فعل القنا المتشاجر وشفت الصُّدُور بِوُجُود الِاتِّفَاق وَعدم الشقاق بعد أَن بلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وأورث الْبِلَاد والعباد صفة ذُرِّيَّة ورثوا السِّيَادَة كَابِرًا عَن كَابر وسرى سره إِذا ولد الْمَوْلُود مِنْهُم تهللت الأَرْض واهتزت إِلَيْهِ المنابر وَالْحَمْد لله الَّذِي اجتبى سيدنَا مُحَمَّدًا ﷺ من أشرف بَيت وقبيلة ومنح الْأمة برسالته من خيري

стр. 757

الدُّنْيَا ٢٠٩ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالْآخِرَة الْوَسِيلَة وَأوجب الشَّفَاعَة لمن سَأَلَ الله لَهُ أَعلَى دَرَجَة لَا ينالها إِلَّا رجل وَاحِد وَهِي الْوَسِيلَة وَجعل شملهم بمبايعته فِي الْهِدَايَة نظيما وحض على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما﴾ وبلغهم بِهِ من السَّعَادَة غَايَة مطلوبهم وأيده بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم وزان شَرِيعَته المطهرة بمحاسن أبهى منْظرًا ومخبرا من الْعُقُود وَفرض على الْمُؤمنِينَ أَن يوفوا بالعهود والعقود وأقدرهم على حمل الْأَمَانَة الَّتِي أشفقت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال من حملهَا وَأنزل فِي كِتَابه الْعَزِيز ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ وَالْحَمْد لله الَّذِي اخْتَار أَمِير الْمُؤمنِينَ من سلالة عَم نبيه الْعَبَّاس وَاصْطفى بَيته الْمُبَارك من خير أمة أخرجت للنَّاس وقوى بِهِ جأش الْمُسلمين وجيوش الْمُوَحِّدين على

стр. 758

الْمُلْحِدِينَ وآتاه بسيادة جده وسعادة جده مَا لم يُؤْت أحدا من الْعَالمين وَحفظ بِهِ للْمُؤْمِنين ذماما وَجعله لِلْمُتقين إِمَامًا وَخَصه بمزيد من الشرفين نسبه ومنصبه وَجعل مزية الرتبتين كلمة بَاقِيَة فِي عقبه وصان بِهِ حوزة الدّين صِيَانة العرين بالأسود وصير الْأَيْدِي الْبيض مشكورة لحاملي راياته السود يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ حمد من اخْتَارَهُ من السَّمَاء فاستخلفه فِي الأَرْض وَجعل إمرته على الْمُؤمنِينَ فرضا لتقام بِهِ السّنة وَالْفَرْض وَيشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ﴿الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ وَبلغ الْأمة بِهِ من النجَاة والنجاح الْغَرَض الْأَقْصَى وَيشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي كشف بمبعثه عَن الْقُلُوب حجب الغي ٢٠٩ ب وأشرقت أنوار نبوته فأضاء بهَا يَوْم دُخُوله الْمَدِينَة كل شَيْء صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الَّذين مِنْهُم من أَقَامَهُ فِي الْإِمَامَة مقَامه وَأَشَارَ إِلَى الِاقْتِدَاء بِهِ

стр. 759

من بعده وَمِنْهُم من أعز الله بِهِ الْإِسْلَام فِي كل قطر مَعَ قربه وَبعده وَمِنْهُم من كَانَت الْيَد الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة فِي بيعَة الرضْوَان خيرا لَهُ من يَده وَمِنْهُم من أَمر الله تَعَالَى بالمباهلة بالأبناء والنفوس فباهل خَاتم الْأَنْبِيَاء ﷺ بِهِ وبزوجه وَولده وعَلى بَقِيَّة الْعشْرَة الَّذين غَدَتْ بهم دَعْوَة الْحق مشتهرة منتشرة وعَلى عميه أَسد الله وَأسد رَسُوله ﵇ وجد الْأَئِمَّة المهديين أُمَرَاء الْمُؤمنِينَ وخلفاء الْإِسْلَام وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا وَإِن الله تَعَالَى جعل سجية الْأَيَّام الشَّرِيفَة الإمامية الحاكمية أدام الله إشراقها وَقسم بهَا بَين الْأَوْلِيَاء والأعداء آجالها وأرزاقها رد الْحُقُوق إِلَى نصابها وإعادتها إِلَى مستحقيها وَلَو تمادت الْأَيَّام على اغتصابها وإقرارها عِنْد من هُوَ من دون الورى أولى بهَا ليحقق أَن نِسْبَة الشريف أظهر على أوامره دَلَائِل الإعجاز وحلى كلماتها بالإيجاز وهباتها بالإنجاز وَإِن الله جعل الِاسْم الشريف الحاكمي فِي الحكم بأَمْره على خير مُسَمّى وقوى مِنْهُ فِي تأييد كلمة الْحق جنَانًا وعزما وَلم يخرج من أَحْكَامه عَن اتِّبَاع أَمر الله قَضِيَّة وَلَا حكما وَكنت أَيهَا السَّيِّد الْعَالم الْعَادِل السُّلْطَان الْملك

стр. 760

النَّاصِر نَاصِر الدُّنْيَا وَالدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن السُّلْطَان الشَّهِيد الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون قدس الله روحه أولى الْأَوْلِيَاء بِالْملكِ الشريف لما لسلفك من الْحُقُوق وَمَا أسلفوه من فضل لَا يحسن لَهُ التناسي وَلَا العقوق وَلما أوجب لَك على العساكر الإسلامية سَابق الْأَيْمَان وصادق الْإِيمَان ولأنك جمعت فِي الْمجد بَين طارف وتالد وفقت بزكي نفس وَأَخ ووالد وجلالة مَا ورثتها عَن كَلَالَة وخلال ٢١٠ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا لَهَا بالسيادة إخلال ومفاخر تكاثر الْبَحْر الزاخر ومآثر أعجز وصفهَا النَّاظِم والناثر وَكَانَ ركابك العالي قد سَار إِلَى الكرك المحروس وَقَعَدت عَنْك الْأَجْسَام وسافرت مَعَك النُّفُوس ووثقت الخواطر بأنك إِلَى السلطنة تعود وَأَن الله يجدد لَك صعُودًا إِلَى مَرَاتِب السُّعُود وأقمت بهَا وذكرك فِي الْآفَاق سَائِر والآمال مبشرة بأنك إِلَى كرْسِي مملتك صائر فَلَمَّا احْتَاجَ الْملك الشريف فِي هَذِه الْمدَّة إِلَى ملك يسر سَرِيره وسلطان تَغْدُو بإستقراره عُيُون الْأَنَام وَالْأَيَّام قريرة لما للْمُسلمين فِي ذَلِك من

стр. 761

تيسير أوطار وتعمير أوطان وَلِأَنَّهُم لَا ينفذون فِي الْمصَالح الإسلامية إِلَّا بسُلْطَان لم يدر فِي الأذهان وَلَا خطر لقاص وَلَا دَان إِلَّا أَنَّك أَحَق النَّاس بالسلطنة الشَّرِيفَة وأولاهم برتبتها المنيفة وَلَا ذكر أحد إِلَّا حُقُوق بَيْتك وفضلها وَلَا قَالَ عَنْك إِلَّا بقول الله تَعَالَى ﴿وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا﴾ لِأَن الْبِلَاد فتوحات سُيُوفكُمْ ورعاياها فِيمَا هم فِيهِ من الْأَمْن وَالْخَيْر بِمَنْزِلَة ضيوفكم وَلِأَن العساكر الإسلامية استرقهم ولاؤك ووالوك لأَنهم أرقاؤك فَلم يقل أحد أَنى لَهُ الْملك علينا بل أقرّ كل مِنْهُم لَك بِالْيَدِ وقر بولايتك عينا وَأَخْلصُوا فِي موالاتك العقائد وَاسْتَبْشَرُوا مِنْك بمبارك الْوَجْه ماجد جائد وَلم يغب غَائِب خَلِيفَته جَيش أَبِيه وجده الصاعد وَرفعت الممالك يَد الضراعة سَائِلَة وراغبة وخطبتك لعقائلها ومعاقلها والخطباء على المنابر لَك خاطبة وبدعائك مُخَاطبَة وقصدت لذَلِك أبوابك الَّتِي لَا تزَال تقصد ودعيت للعود الْمُبَارك وعود مُحَمَّد للْأمة المحمدية أَحْمد وَفعلت الجيوش المنصورة من طَاعَتك كل مَا سر وأربت

стр. 762

فِي صدق النيات وبرها على كل من بر ٢١٠ ب ... وَلَو أَن مشتاقا تكلّف فَوق مَا فِي وَسعه لسعى إِلَيْك الْمِنْبَر ... فَمَا ضرّ بِحَمْد الله بعد الدَّار والآمال لساكنها مطيفة بل كَانَ لَك الذكرى فِي قلب الْخَلِيفَة نعم الْخَلِيفَة وَكنت لَدَيْهِ وَإِن غبت حَاضرا بجميل الذّكر ونأيت دَارا فقربك إِلَيْهِ حسن التَّصْوِير فِي الْفِكر وَكَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قد شاهدك يافعا وَشهد خاطره أَن ستصير للْمُسلمين نَافِعًا وَتَأمل مِنْك أمائر أضحى لَهَا لترقيك آملا وهلاك دلته كرامته وَلَا تنكر لَهُ الْكَرَامَة على أَن سَيكون بَدْرًا كَامِلا وبلغه عَنْك من الْعدْل وَالْإِحْسَان مَا أعجز وَصفه بلاغتي الْقَلَم وَاللِّسَان فناداك نداه على بعد المزار وَلم يجد لَك نظيرا فَأطَال وأطاب لمقدمك السعيد الِانْتِظَار إِلَى أَن أقدمت إقدام اللَّيْث وقدمت إِلَى الْبِلَاد المتعطشة إِلَى نظرك الشريف قدوم الْغَيْث فلاح بك على الْوُجُود دَلِيل الْفَلاح وَحمد الرعايا سراك عَن الصَّباح والاستصباح وشاهدوا مِنْك أسدا فاق

стр. 763

بوثباته وثباته الأول وشخصا لَا يصلح إِلَّا لإدالة دوَل وَلَا تصلح إِلَّا لمثله الدول وَقَامَت بإختبارك على اختيارك الدَّلَائِل وعرفك سَرِير الْملك وَعرف فِيك من أَبِيك شمائل وَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ من نجابتك فَوق مَا أخْبرت بِهِ مساءلة الركْبَان وَمن مهابتك مَا دلّ على خفض الشانئ وَرفع الشَّأْن وَمن محامدك كل مَا صغر الْخَبَر عَنْهَا الْخَبَر وأعلنت أَلْسِنَة الأقدار بِأَنَّهُ لم يبْق عَن تقليدك الممالك الإسلامية بِحَمْد الله تَعَالَى عذر فاختارك على علم على الْعَالمين واجتباك للذب عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين واستختار الله تَعَالَى فِي ذَلِك فخار وأفاض عَلَيْك من بيعَته الْمُبَارَكَة مَعَ فخرك المشتهر حلل الفخار وعهد إِلَيْك فِي كل مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ دَعْوَة إِمَامَته المعظمة وَأَحْكَام خِلَافَته الَّتِي لم تزل بهَا عُقُود الممالك فِي الطَّاعَة منظمة وفوض ٢١١ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك سلطنة الممالك الإسلامية برا وبحرا شاما ومصرا قربا وبعدا غورا ونجدا وَمَا سيفتح الله عَلَيْك من الْبِلَاد وتستقذه من أَيدي ذَوي الْإِلْحَاد وتقليد الْمُلُوك والوزراء وقضاة الحكم الْعَزِيز وتأمير الْأُمَرَاء وتجهيز العساكر والبعوث للْجِهَاد فِي سَبِيل الله ومحاربة من

стр. 764

ترى محاربته من الْأَعْدَاء ومهادنة من ترى مهادنته مِنْهُم وَجعل إِلَيْك فِي ذَلِك كُله العقد والحل والإبرام والنقض وَالْولَايَة والعزل وقلدك ذَلِك كُله تقليدا يقوم فِي تَسْلِيم الممالك إِلَيْك مقَام الإقليد وَيَقْضِي لقريبها وَيُعِيدهَا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى بمزيد التَّمْهِيد والتشييد لتعلم أَن الله قد جعل الْأَيَّام الشَّرِيفَة الحاكمية أدامها الله تَعَالَى فلكا أبدى سالفا من الْبَيْت الشريف المنصوري أقمارا وأطلع مِنْهُم آنِفا بَدْرًا مَلأ الْخَافِقين أنوارا فَكلما ظهر لسلفه بَدَت مآثر خَلفه أظهر وَمن شاهدهم وَشَاهد شمس سعادته المنزهة عَن الأفول قَالَ هَذَا أكبر وَكلما ذكر لأَحَدهم فضل علم أَنه فِي أَيَّامه متزيد وَأَنه إِن مضى مِنْهُم سيد فِي سَبيله فقد قَامَ بأطراف الأسنة مِنْهُم سيد وصير الدولة الشَّرِيفَة الخليفية غابا إِن غَابَ مِنْهُم أسود خَلفهم شبْل بشرت مخائله أَنه عَلَيْهَا يسود فليتقلد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مَا قَلّدهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَليكن لدعوته الهادية من الملبين وَعَلَيْهَا من الْمُؤمنِينَ وليترق إِلَى هَذِه الرُّتْبَة الَّتِي اسْتحقَّهَا بِحَسبِهِ واسترقها بِنِسْبَة وليباشرها مُسْتَبْشِرًا وَيظْهر من شكر الله عَلَيْهَا مَا يَغْدُو بِهِ

стр. 765

مستظهرا فقد أَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقيام فِي نصْرَة الدّين الحنيف فأقامك أَنْت مقَامه وَصرف بك بَين أهل الطَّاعَة والعصيان إكرامه وانتقامه رِعَايَة لعهد سلفك الْكَرِيم لوما استوجبته نَفسك النفيسة من وفور التَّعْظِيم والتكريم وعناية بالعساكر ٢١١ ب المؤيدة الَّذين وجهوا وُجُوه آمالهم إِلَيْك وأبت كلمتهم الَّتِي صانها الله عَن التَّفَرُّق أَن تَجْتَمِع فِي الطَّاعَة والخدمة إِلَّا عَلَيْك ولديك ومنة عَلَيْهِم بسُلْطَان مَا برحوا من الله تَعَالَى يطلبونه وَملك نشأوا بأبوابه الْعَالِيَة فَلهَذَا يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فاحمد الله الَّذِي جعل لَك فِي إِعَادَة الْملك أُسْوَة بِسُلَيْمَان ﵇ ورده إِلَيْك ردا لَا انْفِصَال لعروته وَلَا انفصام فأضحيت لأمور عباده سدادا ولثغور بِلَاده سدادا وللخليفة عضدا فِي الخليقة وَفِي الدَّهْر سامي الْحَقِيقَة حامي الْحَقِيقَة وللملك وَارِثا ورقاك رقيا أَصبَحت بِهِ فِي السلطنة وَاحِدًا وللخلافة المعظمة ثَانِيًا وللمقمرين ثَالِثا وبشراك أَن الله أبرم سَبَب تأكيدك إبراما لَا تصل الْأَيْدِي إِلَى نقضه وَأَنَّك سُئِلت عَن أَمر طالما أتعب

стр. 766

غَيْرك سُؤَاله فِي بعضه وَأَن الله يحسن لَك العون وَبِك الصون فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة لَا تسْأَل الْإِمَارَة فَإنَّك إِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا وَإِن أعطيتهَا عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا وبشراك أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ خصك بمزيد الاعتناء وأقامك مقَامه فِي حسن الْغناء وحقق أَن السَّعَادَة فِي أَيَّامه مَوْصُولَة مِنْكُم بِالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاء وبلغك بِهَذَا التَّقْلِيد الشريف الْأَمَانِي وَتوجه بِيَمِين قريبَة عهد باستلام الرُّكْن الْيَمَانِيّ واصطفاك بقلب أظهر لَهُ الكشوف إشراق تِلْكَ الستور وَغدا مغمورا بالهداية ببركة الْبَيْت الْمَعْمُور وَنظر زادته مُشَاهدَة الْحرم الشريف النَّبَوِيّ نورا على نور وقابل ذَلِك بِالْقيامِ فِي مهمات الْإِسْلَام وتدقيق النّظر فِي مصَالح الْخَاص وَالْعَام واجتهد فِي صِيَانة الممالك اجْتِهَادًا يحرس مِنْهَا الأوساط والأطراف وتنتظم بِهِ أحوالها أجل انتظام وتأتلف أجمل ائتلاف والوصايا كَثِيرَة وأولاها ٢١٢ أَمِير الْمُؤمنِينَ تقوى الله فليجعلها حلية لأوقاته ويحافظ عَلَيْهَا

стр. 767

مُحَافظَة من يتقيه حق تُقَاته ويتخذها نجى فكره وأنيس قلبه ويعظم حرمات الله ﴿وَمن يعظم حرمات الله فَهُوَ خير لَهُ عِنْد ربه﴾ وَالشَّرْع الشريف فَهُوَ لعقد الْإِسْلَام نظام وللدين الْقيم قوام فتجتهد فِي اقتفاء سنَنه وَالْعَمَل بفروضه وسننه وتكريم أَهله وقضاته والتوسل بذلك إِلَى الله فِي ابْتِغَاء مرضاته وأمراء دولتك فهم أنصار سلفك الصَّالح وذوو النصائح فِيمَا آثروه من الْمصَالح وخلصاء طاعتهم فِي السِّرّ والنجوى وأعوانهم على الْبر وَالتَّقوى وهم الَّذين أحلّهُم والدك من الْعِنَايَة الْمحل الْأَسْنَى وَالَّذين سبقت لَهُم بِحسن الطَّاعَة من الله الْحسنى وَلَو لم يكن لَهُم إِلَّا حسن الْوَفَاء لكفاهم عنْدك فِي مزِيد الِاعْتِمَاد والاستكفاء فَإِنَّهُم جادلوا فِي إِقَامَة دولتك وجالدوا ووفوا بالعهد فهم الموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا وهم للوصايا بخدمتك واعون وَفِيمَا ائتمنتهم عَلَيْهِ لأمانتهم وَعَهْدهمْ رَاعُونَ قد أصفوا لَك النيات بِظهْر الْغَيْب وَأَخْلصُوا

стр. 768

الطويات إخلاصا لَا شكّ مَعَ وَلَا ريب وابوا عَنْك أحسن مناب وكفا كف الْعَدو فَمَا طَال لَهُ لافتراس وَلَا اختلاس ظفر وَلَا نَاب وَاتَّخذُوا لَهُم بذلك عِنْد الله وعندك يدا وأثلوا لَهُم بِهِ مجدا يبْقى حَدِيثه الْحسن الصَّحِيح عَنْهُم مُسْندًا واستوص بهم وبسائر عساكرك المنصورة خيرا وأجمل لَهُم سريرة وَفِيهِمْ سيرا وأحمدهم عُقبى هَذِه الْخدمَة وأوردهم منهل إِحْسَان يُضَاعف لَهُم النِّعْمَة وَالنعْمَة لتؤكد طَاعَتك على كل إِنْسَان ويثقوا بِحسن الْمُكَافَأَة ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ ولتزداد أوامرك ونواهيك امتثالا وَلَا يَجدوا عَن محبَّة أيامك الشَّرِيفَة انتقالا وليقال فِي حسن خدمهم وإحسانك هَكَذَا هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا لَا وَأما الْغَزْو ٢١٢ ب وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَمَا أوجبه فيهمَا قَوْله ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ فَأَقل مَا يُجزئ فرض الْكِفَايَة مِنْهُ مرّة فِي كل عَام وَأما فرض الْعين فوجوبه على ذَوي الِاسْتِطَاعَة من الْمُسلمين عَام وَقد

стр. 769

عرفت سنَن السلطانين الشهيدين والدك وأخيك قدس الله روحيهما فِي الاعتناء بجهاد الْكفَّار وغزوهم فِي عقر الدَّار وموقف أَحدهمَا فِي موطن زلت فِيهِ الْأَقْدَام عَن الْإِقْدَام وَاجْتمعَ فِيهِ الْكفْر على الْإِسْلَام وشاب من هوله الْوَلِيد ومصابرته تجاه سيف من سيوف الله تَعَالَى الإِمَام خَالِد بن الْوَلِيد واستنقاذا لآخر الْبِلَاد الساحلية الَّتِي أنقذها الله من أَيدي الْمُشْركين على يَد الصَّالِحين وَفتح لَهما أَبْوَاب الْجنَّة ببركة الافتتاحين وَأَن والدك وأخاك سدا على الْمُشْركين الفجاج وطهرا من أرجاسهم العذب الْفُرَات وَالْملح الأجاج فالكتائب المنصورة أبانت التتار بِالسُّيُوفِ المشرفية والممالك الإسلامية زهت نظاما بالفتوحات الأشرفية فاجتهد فِي إعلاء كلمة الدّين أتم اجْتِهَاد وعززهما مِنْك بثالث فِي الْغَزْو وَالْجهَاد والرعايا بعيدهم وقريبهم ومستوطنهم وغريبهم فيوفيهم من الرِّعَايَة حظهم ويجزل صيانتهم وحفظهم وكما يرى الْحق لَهُ فليرى الْحق عَلَيْهِ وَيحسن إِلَى رعاياه كَمَا أحسن الله إِلَيْهِ

стр. 770

وَأما الْعدْل فَإِنَّهُ للبلاد عمَارَة وللسعادة أَمارَة وللآخرة منجاة من النَّفس الأمارة فَلْيَكُن لَهُ شعارا ودثارا وَيظْهر لسجيته الزكية فِي آثارا وليؤكد مراسمه فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والمحافظة من ذَلِك على مَا يذكر بِهِ عِنْد الله ويشكر وَالْحُدُود الشَّرْعِيَّة فليحل بإقامتها لِسَانه وطرسه وَلَا يتعدها بِنَقص وَلَا زِيَادَة ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَالله يخلد لَهُ رُتْبَة الْملك الَّتِي أَعلَى بهَا مقَامه ويديمه ناصرا للدّين الحنيف ٢١٣ أَمِير الْمُؤمنِينَ فأنصاره لَا يزالون ظَاهِرين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيجْعَل سَبَب هَذَا الْعَهْد الشريف مدى الْأَيَّام متينا ويجدد لَهُ فِي كل وَقت نصرا قَرِيبا وفتحا مُبينًا والخط الشريف الحاكمي أَعْلَاهُ حجَّة بِمُقْتَضَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 771

الْمَذْهَب الثَّانِي فِي افْتِتَاح عهود الْمُلُوك عَن الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْعَهْد بقوله من فلَان إِلَى فلَان كَمَا يبتدأ فِي المكاتبات ثمَّ يَأْتِي بعد ذَلِك بقوله أما بعد ثمَّ تَارَة يَأْتِي بعد البعدية بتحميد مثل أَن يَقُول أما بعد فَالْحَمْد لله ويخلص من ذَلِك إِلَى ذكر أَمر الْولَايَة وَمَا ينخرط فِي سلكها وَتارَة يَأْتِي بعد البعدية بخطاب الْمولى وَالدُّعَاء لَهُ ويتخلص مِنْهُ إِلَى مَقَاصِد الْعَهْد من الْوَصَايَا وَغَيرهَا وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة كتب بِهِ عَن الطائع لله للْملك الْأَشْرَف شيرز بن عضد الدولة وَهَذِه نسخته من عبد الله عبد الكريم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى شيرز بن عضد الدولة وتاج الْملَّة أبي شُجَاع مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك

стр. 772

الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله ٢١٣ ب أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﷺ أما بعد أَطَالَ الله بَقَاءَك وأدام عزك وتأييدك وسعادتك ونعمتك وأمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بك وبالموهبة فِيك وعندك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يرى أَن يحفظ على كل ولي أَحْمد مذاهبه وأرضى ضرائبه وَانْصَرف عَن الدُّنْيَا متمسكا بِطَاعَتِهِ متدينا بمشايعته حُقُوقه المتوحدة وحرماته المتمهدة فِيمَن يخلفه بعده من ولد أمل فِيهِ أَن يَرث عَنهُ مَحَله وَيقوم فِيهِ مقَامه وَفَاء لأهل الْولَايَة وتصرفا على أَحْكَام الرِّعَايَة وسياقة للصنيعة من سالف إِلَى خَالف وإمضائها من تالد إِلَى طارف هَذَا على الْأَمر الْجَامِع والعموم الشَّامِل فَإِذا اتّفق أَن تَنْتَهِي وراثة الْقرب إِلَيْهِ والمنازل لَدَيْهِ إِلَى النجباء الأفاضل والحصفاء الأماثل الَّذين يستحبون اسْتِئْنَاف الاصطناع لَهُم واستقبال التَّفْوِيض إِلَيْهِم بالمناقب الْمَوْجُودَة فيهم لَو انْفَرَدت عَمَّا حازوه عَن آبَائِهِم وأوليائهم أجْرى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا يفيضه عَلَيْهِم من الأيادي ويرقيهم إِلَيْهِ من هضبات الْمَعَالِي مجْرى الْأَمر الْوَاجِب الَّذِي كثرت الدَّوَاعِي إِلَيْهِ

стр. 773

وَاتفقَ الرَّأْي وَالْهدى عَلَيْهِ وتطابق الإيثار وَالِاخْتِيَار فِيهِ واقترن الصَّوَاب والسداد بِهِ واشترك الْمُسلمُونَ فِي استثمار فَائِدَته وعائدته وَالِانْتِفَاع بتأديته وعاقبته وَالله يُخَيّر لأمير الْمُؤمنِينَ فِيمَا يمضيه من العزائم ويبنيه من الدعائم ويعتمده من الْمصَالح ويتوخاه من المناجح إِنَّه على ذَلِك قدير وَبِه جدير وَهُوَ حسب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَنعم الْوَكِيل وَقد علمت أدام الله عزك وأمتع الْمُؤمنِينَ بك أَن شَجَرَة بَيْتك الَّتِي تمكنت من الْخدمَة أُصُولهَا ونشأت على الطَّاعَة فروعها شَجَرَة لم تزل النجابة صَاحِبَة لَهَا والفضيلة منوطة بهَا وَأَسْبَاب التَّمام والدوام مجتمعة فِيهَا فَلذَلِك ٢١٤ أَمِير الْمُؤمنِينَ سبغت النِّعْمَة عَلَيْكُم وامتد ظلها إِلَيْكُم وتقلب فِيهَا قداحكم وتوفرت مِنْهَا حظوظكم فتداولتموها بَيْنكُم كَابِرًا عَن كَابر بمساعيكم الصَّالِحَة ومناهجكم الْوَاضِحَة وتعاضدكم على مَا لم شعث الدولة الجامعة وطرف عَنْهَا الْأَعْين الحاسدة

стр. 774

وَكَانَ شيخك عضد الدولة وتاج الْملَّة أَبُو شُجَاع رضوَان الله عَلَيْهِ صَاحب الرُّتْبَة الْعُظْمَى عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وهمامها والممتطي غاربها وسنامها فَعَاشَ مَا عَاشَ مشكورا مَحْمُودًا ثمَّ انْقَلب إِلَى لِقَاء ربه سعيدا رشيدا وَأوجب أَمِير الْمُؤمنِينَ لَك وَله فِيك الْحُلُول بمكانه وحيازة خطره وشأنه إِذْ كنت أظفر وَلَده وَأول الْمُسْتَحقّين لوراثته وَكَانَت فِيك مَعَ ذَلِك الأدوات المقتضيات لِأَن يُفَوض الْأُمُور إِلَيْك ويعتمد فِيهَا عَلَيْك من كِفَايَة وغناء واستقلال ووفاء وسياسة وتدبير وشهامة وتشمير وَتصرف على طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وإشبال على إخْوَتك أَجْمَعِينَ وَحسن أثر فِيمَا أنفذ أَمرك فِيهِ وإفاضة أَمن فِيمَن مَضَت ولايتك عَلَيْهِ وإحاطة بدلائل الجزالة ومخايل الْأَصَالَة بِمِثْلِهَا تنَال الغايات الأقاصي وتفترع الذوائب والنواصي فنولك أَمِير الْمُؤمنِينَ تِلْكَ الأثرة وخولك تِلْكَ الفخرة وَجعل

стр. 775

أَخَاك صمصام الدولة وشمس الْملَّة أَبَا كاليجار أمتع الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بك ثانيك وتاليك والمتقدم بعْدك على ولد أَبِيك وأجراكما فِي التطبيق بَيْنكُمَا والتقرير لمنازلكما على مثل مَا جرى لأمر عَلَيْهِ بَين ركن الدولة أبي عَليّ ومعز الدولة أبي الْحُسَيْن سالفا ثمَّ بَين عضد الدولة وتاج الْملَّة أبي شُجَاع ومؤيد الدولة أبي مَنْصُور آنِفا تولاهم الله بِالرَّحْمَةِ ونفعهم بِمَا قبضهم عَلَيْهِ من وثائق الْعِصْمَة وخصك أَمِير الْمُؤمنِينَ بعد ذَلِك بِمَا يخص بِهِ ذَا الْقدر الشامخ وَالْفَخْر الباذخ والقدم السَّابِقَة ٢١٤ ب والمحلة السامية فذكرك بالتكنية ورفعك عَن التَّسْمِيَة ولقبك لقبين أَحدهمَا شرف الدولة لتشريفه بك أولياءه الَّذين أوطأهم عقبك وأعلقهم سَبِيلك وَالْآخر زين الْملَّة لزينة أَيَّامه بمعاليك وتضاعف جمَالهَا بمساعيك وَعقد لَك بِيَدِهِ لواءين يلويان إِلَيْك الْأَعْنَاق بالطوع مِمَّن سراه وأبهجاه والكره مِمَّن راعاه فأزعجاه وَأمر بِأَن تُقَام لَك الدعْوَة على مَنَابِر مَدِينَة السَّلَام وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْأَعْمَال بَين
следующие страницы →