Полный текст (1 075 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الْمَذْهَب الثَّانِي
فِي افْتِتَاح عهود الْمُلُوك عَن الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْعَهْد بقوله من فلَان إِلَى فلَان كَمَا يبتدأ فِي المكاتبات ثمَّ يَأْتِي بعد ذَلِك بقوله أما بعد ثمَّ تَارَة يَأْتِي بعد البعدية بتحميد مثل أَن يَقُول أما بعد فَالْحَمْد لله ويخلص من ذَلِك إِلَى ذكر أَمر الْولَايَة وَمَا ينخرط فِي سلكها وَتارَة يَأْتِي بعد البعدية بخطاب الْمولى وَالدُّعَاء لَهُ ويتخلص مِنْهُ إِلَى مَقَاصِد الْعَهْد من الْوَصَايَا وَغَيرهَا
وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة
كتب بِهِ عَن الطائع لله للْملك الْأَشْرَف شيرز بن عضد الدولة
وَهَذِه نسخته
من عبد الله عبد الكريم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى شيرز بن عضد الدولة وتاج الْملَّة أبي شُجَاع مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك
стр. 772
الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله ٢١٣ ب أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﷺ
أما بعد أَطَالَ الله بَقَاءَك وأدام عزك وتأييدك وسعادتك ونعمتك وأمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بك وبالموهبة فِيك وعندك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يرى أَن يحفظ على كل ولي أَحْمد مذاهبه وأرضى ضرائبه وَانْصَرف عَن الدُّنْيَا متمسكا بِطَاعَتِهِ متدينا بمشايعته حُقُوقه المتوحدة وحرماته المتمهدة فِيمَن يخلفه بعده من ولد أمل فِيهِ أَن يَرث عَنهُ مَحَله وَيقوم فِيهِ مقَامه وَفَاء لأهل الْولَايَة وتصرفا على أَحْكَام الرِّعَايَة وسياقة للصنيعة من سالف إِلَى خَالف وإمضائها من تالد إِلَى طارف هَذَا على الْأَمر الْجَامِع والعموم الشَّامِل فَإِذا اتّفق أَن تَنْتَهِي وراثة الْقرب إِلَيْهِ والمنازل لَدَيْهِ إِلَى النجباء الأفاضل والحصفاء الأماثل الَّذين يستحبون اسْتِئْنَاف الاصطناع لَهُم واستقبال التَّفْوِيض إِلَيْهِم بالمناقب الْمَوْجُودَة فيهم لَو انْفَرَدت عَمَّا حازوه عَن آبَائِهِم وأوليائهم أجْرى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا يفيضه عَلَيْهِم من الأيادي ويرقيهم إِلَيْهِ من هضبات الْمَعَالِي مجْرى الْأَمر الْوَاجِب الَّذِي كثرت الدَّوَاعِي إِلَيْهِ
стр. 773
وَاتفقَ الرَّأْي وَالْهدى عَلَيْهِ وتطابق الإيثار وَالِاخْتِيَار فِيهِ واقترن الصَّوَاب والسداد بِهِ واشترك الْمُسلمُونَ فِي استثمار فَائِدَته وعائدته وَالِانْتِفَاع بتأديته وعاقبته وَالله يُخَيّر لأمير الْمُؤمنِينَ فِيمَا يمضيه من العزائم ويبنيه من الدعائم ويعتمده من الْمصَالح ويتوخاه من المناجح إِنَّه على ذَلِك قدير وَبِه جدير وَهُوَ حسب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَنعم الْوَكِيل
وَقد علمت أدام الله عزك وأمتع الْمُؤمنِينَ بك أَن شَجَرَة بَيْتك الَّتِي تمكنت من الْخدمَة أُصُولهَا ونشأت على الطَّاعَة فروعها شَجَرَة لم تزل النجابة صَاحِبَة لَهَا والفضيلة منوطة بهَا وَأَسْبَاب التَّمام والدوام مجتمعة فِيهَا فَلذَلِك ٢١٤ أَمِير الْمُؤمنِينَ سبغت النِّعْمَة عَلَيْكُم وامتد ظلها إِلَيْكُم وتقلب فِيهَا قداحكم وتوفرت مِنْهَا حظوظكم فتداولتموها بَيْنكُم كَابِرًا عَن كَابر بمساعيكم الصَّالِحَة ومناهجكم الْوَاضِحَة وتعاضدكم على مَا لم شعث الدولة الجامعة وطرف عَنْهَا الْأَعْين الحاسدة
стр. 774
وَكَانَ شيخك عضد الدولة وتاج الْملَّة أَبُو شُجَاع رضوَان الله عَلَيْهِ صَاحب الرُّتْبَة الْعُظْمَى عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وهمامها والممتطي غاربها وسنامها فَعَاشَ مَا عَاشَ مشكورا مَحْمُودًا ثمَّ انْقَلب إِلَى لِقَاء ربه سعيدا رشيدا وَأوجب أَمِير الْمُؤمنِينَ لَك وَله فِيك الْحُلُول بمكانه وحيازة خطره وشأنه إِذْ كنت أظفر وَلَده وَأول الْمُسْتَحقّين لوراثته وَكَانَت فِيك مَعَ ذَلِك الأدوات المقتضيات لِأَن يُفَوض الْأُمُور إِلَيْك ويعتمد فِيهَا عَلَيْك من كِفَايَة وغناء واستقلال ووفاء وسياسة وتدبير وشهامة وتشمير وَتصرف على طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وإشبال على إخْوَتك أَجْمَعِينَ وَحسن أثر فِيمَا أنفذ أَمرك فِيهِ وإفاضة أَمن فِيمَن مَضَت ولايتك عَلَيْهِ وإحاطة بدلائل الجزالة ومخايل الْأَصَالَة بِمِثْلِهَا تنَال الغايات الأقاصي وتفترع الذوائب والنواصي فنولك أَمِير الْمُؤمنِينَ تِلْكَ الأثرة وخولك تِلْكَ الفخرة وَجعل
стр. 775
أَخَاك صمصام الدولة وشمس الْملَّة أَبَا كاليجار أمتع الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بك ثانيك وتاليك والمتقدم بعْدك على ولد أَبِيك وأجراكما فِي التطبيق بَيْنكُمَا والتقرير لمنازلكما على مثل مَا جرى لأمر عَلَيْهِ بَين ركن الدولة أبي عَليّ ومعز الدولة أبي الْحُسَيْن سالفا ثمَّ بَين عضد الدولة وتاج الْملَّة أبي شُجَاع ومؤيد الدولة أبي مَنْصُور آنِفا تولاهم الله بِالرَّحْمَةِ ونفعهم بِمَا قبضهم عَلَيْهِ من وثائق الْعِصْمَة وخصك أَمِير الْمُؤمنِينَ بعد ذَلِك بِمَا يخص بِهِ ذَا الْقدر الشامخ وَالْفَخْر الباذخ والقدم السَّابِقَة ٢١٤ ب والمحلة السامية فذكرك بالتكنية ورفعك عَن التَّسْمِيَة ولقبك لقبين أَحدهمَا شرف الدولة لتشريفه بك أولياءه الَّذين أوطأهم عقبك وأعلقهم سَبِيلك وَالْآخر زين الْملَّة لزينة أَيَّامه بمعاليك وتضاعف جمَالهَا بمساعيك وَعقد لَك بِيَدِهِ لواءين يلويان إِلَيْك الْأَعْنَاق بالطوع مِمَّن سراه وأبهجاه والكره مِمَّن راعاه فأزعجاه وَأمر بِأَن تُقَام لَك الدعْوَة على مَنَابِر مَدِينَة السَّلَام وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْأَعْمَال بَين
стр. 776
الدعْوَة لأمير الْمُؤمنِينَ وَبَين الدعْوَة لصمام الدولة وشمس الْملَّة أمتع الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بكما وَأحسن الدفاع لَهُ عنكما إِلْحَاقًا لَك وَله بعْدك بأبيكما فِيمَا كَانَ شرف بِهِ من هَذِه الْحَال الَّتِي لم ينلها غَيره وَلَا أهل لَهَا أحد قبله وَأَن يثبت ذكرك باللقب والكنية فِيمَا ينقش من سِكَك الْعين وَالْوَرق فِي دور الضَّرْب باديا وَذكر صمصام الدولة كلأكما الله تاليا وحباك أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ ذَلِك بخلع تَامَّة تفاض عَلَيْك وفرسين من جِيَاد خيله يقادان إِلَيْك بمركبي ذهب من خَاص مراكبه وَسيف مَاض من خِيَار أسيافه يعز الله منكبيك بنجاديه ويذل مناكب أعدائك بغراريه وطوق وسوارين وَأَن تجْرِي فِي الْمُكَاتبَة عَنهُ إِلَى الْغَايَة الَّتِي أجْرى أَبوك ﵀ إِلَيْهَا وَهَذَا الْكتاب نَاطِق بهَا ودال عَلَيْهَا وَندب لإيصال الْجَمِيع إِلَيْك عَليّ بن الْحُسَيْن الْهَاشِمِي الزَّيْنَبِي وَأحمد بن نصر العباسي حَاجِبه ودجى خادمه فتلق شرف الدولة وزين
стр. 777
الْملَّة وَأَبا الفوارس أدام الله عزك بِمَا يحِق عَلَيْك من تقوى الله فِي سرك وجهرك ومراقبته فِي قَوْلك وعملك وابتغاء رِضَاهُ فِي مختلج خطراتك وفكرك وَاتِّبَاع طَاعَته فِي مخارج أَمرك ونهيك وقابل مَا أنعم بِهِ عَلَيْك وَأحسن فِيهِ إِلَيْك بالشكر الَّذِي موقعه من النِّعْمَة موقع الْقرى من ٢١٥ أَمِير الْمُؤمنِينَ الضَّيْف إِن وجده لم يذم وَإِن فَقده لم يقم وامدد على من وليت عَلَيْهِ من الْخَاصَّة والعامة ظلك ووطئ لَهُم كنفك واغمرهم بطولك وسسهم سياسة يكون بهَا صَلَاحهمْ مَضْمُونا وحريمهم مصونا وبلادهم معمورة ومنافعهم موفورة وحلبهم دَارا وعيشهم رغدا وثغورهم مسدودة وأعاديهم مذودة ومسالكهم محمية ومساكنهم مرعية ومرهم بِالْمَعْرُوفِ وانهم عَن الْمُنكر وابعثهم على الْحَسَنَات واكففهم عَن السَّيِّئَات وساو فِي الْحق بَين شريفهم ومشروفهم وقويهم وضعيفهم وقريبهم وغريبهم ومليهم وذميهم وَقوم سفهاءهم وجهالهم وانف دعارهم وخرابهم وَأكْرم صلحاءهم وحلماءهم وشاور فضلاءهم وعقلاءهم وجالس أدنياءهم وأعلياءهم ورتبهم
стр. 778
مَرَاتِبهمْ ونزلهم مَنَازِلهمْ وأرهم تمسكك بِالدّينِ ليقتدوا بك فِيهِ ورغبتك فِي الْخَيْر ليتقربوا إِلَيْك بِهِ وَخذ الْحق وأعطه وابسط الْعدْل وَقل بِهِ وادرأ الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ واقمعها وأمضها بِالْبَيِّنَاتِ لتَكون الرَّغْبَة إِلَيْك فِي رهب والرهبة مِنْك فِي رغب وَبِالْجُمْلَةِ فاحمل النَّاس على كتاب الله جلّ وَعز وآدابه وَسنة الرَّسُول وَمَا جا بِهِ
وَاعْلَم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد جعل كِتَابه هَذَا عهدا إِلَيْك وَحجَّة لَك وَعَلَيْك وَأَن الْأَوَامِر والنواهي فِي العهود تكون كَثِيرَة وَإِنَّمَا قصر فِيهِ عَن استيفائها لارْتِفَاع طبقتك عَن الْحَاجة إِلَى استقصائها وللخروج إِلَى الله من الْحق فِي تَضْمِينه هَذِه الْجمل مِنْهَا فَإِذا وصل ذَلِك إِلَيْك مَعَ كرامات أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُقدم ذكرهَا لَك فالبس خلعه وتقلد سَيْفه وَتحل بحلاه وابرز لمن يليك على حملانه وَأظْهر لَهُم ضروب إحسانه وامتنانه وانصب أمامك اللواءين وتكن وتلقب اللقبين وَكَاتب من
стр. 779
طَبَقَات النَّاس متلقبا بهما متكنيا إِلَّا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن ٢١٥ ب الْأَدَب أَن لَا تكاتبه متلقبا بل متسميا وَلَيْسَ ذَلِك نَاقِصا لَك فِيمَا أَعْطيته وَلَا مرتجعا شَيْئا مِمَّا حبيته وَلكنه الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والرسم المألوف وصل مَا بَيْنك وَبَين أَخِيك صمصام الدولة وشمس الْملَّة أدام الله الإمتاع بكما بالمودة كَمَا وَصله الله بالأخوة وكونا جَمِيعًا يدا فِي طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ واستقيما على كلمة سَوَاء فِي رِعَايَة الْمُسلمين وافتقا على مسالمة المسالمين وتعاضدا فِي محاربة الْمُحَاربين فان ذَلِك أرأب للصدع وأضم للنشر وأنظم للشمل وأليق بالأهل وأقم الدعْوَة لنَفسك على مَنَابِر الممالك بعد إِقَامَتهَا لأمير الْمُؤمنِينَ وَكَاتب أَمِير الْمُؤمنِينَ بأخبارك وطالعه بآثارك واستدع أمره فَأمره فِيمَا استعجم من التَّدْبِير عَلَيْك ورأيه فِيمَا استبهم من الْأُمُور دُونك واسترشده إِلَى الْحَظ يرشدك واستهده فِي الخطوب يهدك واستمده من المعونة يمددك واشكر آلاءه يزدك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 780
أَطَالَ الله بَقَاءَك وأدام عزك وتأييدك وسعادتك ونعمتك وأمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بك وبالموهبة فِيك وعندك وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
الْمَذْهَب الثَّالِث
أَن يفْتَتح الْعَهْد بِلَفْظ إِن أولى أَو إِ أَحَق وَمَا أشبه ذَلِك وَهِي طَريقَة غَرِيبَة خَارِجَة عَن أصُول الْكِتَابَة من حَيْثُ إِن رُتْبَة الْمُلُوك فِيمَا يكْتب لَهُم التَّعْظِيم وَمثل هَذَا الِافْتِتَاح إِنَّمَا يكْتب لأَصْحَاب الرتب السافلة الَّتِي لَا تقَارب رُتْبَة الْملك وَلَا مَا دونهَا
على أَنه قد كتب بذلك إِلَى ديوَان الْخلَافَة بِبَغْدَاد للسُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف على جلالة قدره بتقليد الديار المصرية والبلاد الشامية واليمنية فِي بعض الأحيان ٢١٦ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ ذَلِك إِنَّمَا وَقع حِين كَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله متغيرا عَلَيْهِ حِين تلقب بِالْملكِ النَّاصِر لما فِي ذَلِك من مضاهاة لقب الْخَلِيفَة
وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد الْمَكْتُوب بِهِ على هَذِه الطَّرِيقَة
стр. 781
إِن أولى من جَادَتْ رباعه سحب الاصطناع وَخص من الاصطفاء والاحتباء بالصفايا والمرباع من توسم فِيهِ انتهاج الجدد القويم وَالطَّرِيق الْوَاضِح الْمُسْتَقيم واعتلق من الْأَوْلِيَاء بأوثق عصمه وحباله والفناء الَّذِي يَهْتَدِي بأنواره فِي متصرفاته وأعماله والتحلي بجميل الذّكر فِي سيرته وخلوص الاعتناء بِأُمُور عطيته وَكَانَ رَاغِبًا فِي اقتناء حميد الْخلال مُجْتَهدا فِي طَاعَة الله بِمَا يفيضه من الْعدْل الممتد الظلال عَاملا فِيمَا يناط بِهِ بِمَا يتضوع نشر مختبره ويجتني بِحسن صنعه يَانِع ثمره باذلا وَسعه فِي الصّلاح مؤذنة مساعيه بفوز القداح
وَلما كَانَ الْملك الْأَجَل السَّيِّد صَلَاح الدّين نَاصِر الْإِسْلَام عماد الدولة جمال الْأمة فَخر الْملَّة صفي الْخلَافَة تَاج الْمُلُوك والسلاطين قامع الْكَفَرَة
стр. 782
وَالْمُشْرِكين قاهر الْخَوَارِج والمتمردين عز الْمُجَاهدين ألب غَازِي بك بن يُوسُف بن أَيُّوب أدام الله علوه على هَذِه السجايا مُقبلا وبصفاتها الْكَامِلَة مُشْتَمِلًا مؤثرا تضَاعف المأثرات مثابرا متأثرا على مَا تزكو بِهِ الْأَعْمَال الصَّالِحَات متحليا بالمحامد الرائقة مستبدا بالمناقب الَّتِي هِيَ لجميل أَفعاله مُوَافقَة مُطَابقَة محصلا من رضَا الله تَعَالَى مَا يؤثره ويرومه من طَاعَة الدَّار العزيزة لَا زَالَت مشيدة الْبناء سابغة النعماء دائمة الاستبشار عزيزة الْأَنْصَار من اسْتِمْرَار الظفر مَا يستديمه
اقْتَضَت الآراء الشَّرِيفَة لَا زَالَ التَّوْفِيق قرينها والتأييد مظافرها ومعينها إِمْضَاء تصرفه وإنفاذ حكمه فِي بِلَاد ٢١٦ ب مصر وأعمالها والصعيد الْأَعْلَى والإسكندرية وَمَا يَفْتَحهُ من بِلَاد الغرب والساحل وبلاد الْيمن وَمَا افتتحه مِنْهَا واستخلصه بعد من ولايتها والتعويل فِي هَذِه الولايات عَلَيْهِ واستنقاذ مَا استولى عَلَيْهِ الْكفَّار من الْبِلَاد وإعزاز كل من أذلوه واضطهدوه من الْعباد لتعود الثغور بيمن نقيبته ضاحكة المباسم وبإصابة رَأْيه قَائِمَة المواسم
стр. 783
أمره بادئا بتقوى الله الَّتِي هِيَ الْجنَّة الواقية والذخيرة الْبَاقِيَة والعصمة الكافية والزاد إِذا أنفض وَفد الْآخِرَة وأرملوا والعتاد النافع إِذا وجدوا شَاهدا لَهُم وَعَلَيْهِم مَا عمِلُوا فَإِنَّهَا الْعلم الْمَنْصُوب للرشد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله ولتنظر نفس مَا قدمت لغد﴾
وَأمره أَن يتَّخذ كتاب الله لزواجره ومواعظه وَيعْتَبر بتخويفه وملاحظة ويصغى إِلَيْهِ بسمعه وَقَلبه وجوارحه ولبه وَيعْمل بأوامره المحكمة وَيقف عِنْد نواهيه المبرمة ويتدبر مَا حوته آيَاته من الْوَعْد والوعيد والزجر والتهديد قَالَ الله ﴿وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾
وَأمره أَن يكون على صلَاته محافظا ولنفسه عَن الْإِخْلَال وَالتَّقْصِير فِي أَدَاء فَرضهَا واعظا فيغتنم الاستعداد
стр. 784
أَمَام أَوْقَاتهَا للْأَدَاء ويحترز من فَوَاتهَا وَالْحَاجة إِلَى الْقَضَاء موفيا حَقّهَا من الرُّكُوع وَالسُّجُود على الْوَصْف الْوَاجِب الْمَحْدُود مخلصا سره عِنْد الدُّخُول فِيهَا وناهيا نَفسه عَمَّا يصدها بالأفكار ويلهيها مُجْتَهدا فِي نفي الْفِكر والوسواس عَن قلبه منتصبا فِي إخلاص الْعِبَادَة لرَبه ليغدو بِوَصْف الْأَبْرَار منعوتا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾
وَأمره بِقصد الْمَسَاجِد الجامعة فِي أَيَّام الْجمع امتثالا لأمر الله المتبع بعزيمة فِي الْخَيْر صَادِقَة وَنِيَّة لِلْعِبَادَةِ مُوَافقَة وَفِي الأعياد إِلَى الْمُصَليَات ٢١٧ أَمِير الْمُؤمنِينَ المصحرة المجملة بالمنابر الحالية الَّتِي هِيَ من الأدناس مطهرة نابية فَإِنَّهَا من مَوَاضِع الْعِبَادَة ومواطنها ومظان تِلَاوَة الْقُرْآن الْمَأْمُور بِحِفْظ آدابها وسننها فقد وصف الله تَعَالَى من وَفقه لتجميل بيوته بالعمارة بِمَا أوضح فِيهِ الْإِشَارَة وشرفه بِوَضْع سمة الْإِيمَان عَلَيْهِ بالإكرام الفاخر فَقَالَ ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾
стр. 785
فيقيم الدعْوَة الهادية على المنابر على عَادَة من تقدمه ومنتهيا فِيهَا إِلَى أحسن مَا عَهده وَعلمه
وَأمره بِلُزُوم نزاهة الحرمات وَاجْتنَاب الْمُحرمَات والتحلي من العفاف والورع بأجمل القلائد الرائقة والتقمص بملابس التَّقْوَى الَّتِي هِيَ بأمثاله لائقة وسلوك مناهج الصّلاح الَّذِي يجمل بِهِ فعله ويصفو لَهُ عله ونهله وَأَن يمْنَع نَفسه من الْغَضَب ويردها عَمَّا يَأْمر بِهِ من سوء الْمكتب ويأخذها بآداب الله سُبْحَانَهُ فِي نهيها عَن الْهوى وَحملهَا على التَّقْوَى وردعها عَن التورط فِي المهاوي والشبه وكل أَمر يلتبس فِيهِ الْحق وَيشْتَبه ويلزمها الْأَخْذ بِالْعَفو والصفح والتأمل لمَكَان الْأَعْمَال فِيهِ واللمح قَالَ الله تَعَالَى ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾
وَأمره بِإِحْسَان السِّيرَة فِي الرعايا بِتِلْكَ الْبِلَاد واختصاصهم بالصون الرَّائِح والغاد وَنشر جنَاح الرِّعَايَة على الْبعيد مِنْهُم والقريب وإحلال كل مِنْهُم مَحَله على الْقَاعِدَة وَالتَّرْتِيب وإشاعة المعدلة فيهم
стр. 786
وإسهام دانيهم من وافر ملاحظته وقاصيهم وَأَن يحمي سرحهم من كل داعر ويذود عَنْهُم كل موارب بِالْفَسَادِ وَمظَاهر حَتَّى تصفو لَهُم من الْأَمْن الشَّرَائِع وتضفو عَلَيْهِم من بركَة ولَايَته المدارع وتستنير بضوء الْعدْل مِنْهُم الْمطَالع ويحترم أكابرهم ويحنو على أصاغرهم ويشملهم بكنفه وَدِرْعه وَيَنْتَهِي فِي مصالحهم إِلَى غيه وَسعه وَلَا يألوهم ٢١٧ ب فِي النصح جهدا وَلَا يخلف لَهُم فِي الْخَيْر وَعدا ويشاورهم فِي أمره فَإِن المشورة دَاعِيَة إِلَى الْفَلاح ومفتاح بَاب الصّلاح قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين﴾
وَأمره بِإِظْهَار الْعدْل فِي الرّعية الَّتِي تضمها جَمِيع الأكناف والأطراف والتحلي من النصفة بأكمل الْأَوْصَاف وَحمل كافتهم على أقوم جدد وعصيان الْهوى فِي تَقْوِيم كل أود والمساواة بَين الْفَاضِل والمفضول فِي الْحق إِذا ظهر صدق دَلِيله والاشتمال عَلَيْهِم بالأمن الَّذِي يعذب لَهُم برد مقِيله وكشف ظلامة من انبسطت
стр. 787
إِلَى تحيفه الْأَيْدِي والأطماع وأعجزته النُّصْرَة لنَفسِهِ والدفاع وتصفح أَحْوَالهم بِعَين لَا ترنو إِلَى هوى يمِيل بهَا عَن الْوَاجِب وَسمع لَا يصغى إِلَى مقَالَة مائن وَلَا كَاذِب وَلَا يغْفل عَن مصلحَة تعود إِلَيْهِم وَيرجع نَفعهَا عَلَيْهِم وَلَا عَن كشف ظلامات بَعضهم من بعض وردهم إِلَى الْحق فِي كل رفع من أَحْوَالهم وخفض فَلَا يرى إِلَّا بِالْحَقِّ عَاملا وللأمور على سنَن الشَّرِيعَة حَامِلا مجتنبا إغفال مصالحهم وإهمالها وحارسا نظامها على تتَابع الْأَيَّام واتصالها ليَكُون ذَلِك إِلَى وفور الْأجر دَاعيا وَبِحسن الأحدوثة قَاضِيا مقتديا بِمَا نطق بِهِ الْقُرْآن ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾
وَأمره أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَيُقِيم مناره وَيُنْهِي عَن الْمُنكر ويمحو آثاره فَلَا يتْرك مُمكنا من إِظْهَار الْحق وإعلانه وقمع الْبَاطِل وإخماد نيرانه ويعتمد مساعدة كل مرشد إِلَى الطَّرِيق الأقصد وناه عَن التظاهر بالمحظور فِي كل مشْهد فَإِنَّهُ تضحى معونته مُشَاركَة فِي إِحْرَاز
стр. 788
المثوبة ومساهمة ومساومة فِي اقتناء الْأجر ومقاسمة وَأَن يوعز بِإِزَالَة مظان الريب وَالْفساد فِي الداني من الْأَعْمَال والقاصي فَإِنَّهَا مَوَاطِن الشَّيْطَان وأماكن الْمعاصِي وَأَن يشد على أَيدي ٢١٨ الآمرين بِالْمَعْرُوفِ والناهين عَن الْمُنكر ويعينهم على ذَلِك بِمَا يطيب ذكره فِي كل مشْهد ومحضر ويجتهد فِي إِزَالَة كل مَحْظُور ومنكر مقدم فِي الْبَاطِل ومؤخر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر﴾
وَأمره أَن يقدم الِاحْتِيَاط فِي حفظ الثغور ومجاوريها من الْكفَّار وَيسْتَعْمل غَايَة التيقظ فِي ذَلِك والاستظهار ليأمن عَلَيْهَا غوائل المكائد ويفوز من التَّوْفِيق لذَلِك بأنواع المحامد ويتجرد لجهاد أَعدَاء الدّين والانتقام من الْكَفَرَة المارقين أخذا بقول رب الْعَالمين ﴿انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل الله ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ وَأَن يعْمل فِيمَا يحصل من الْغَنَائِم عِنْد فل جموعهم وافتتاح بِلَادهمْ وربوعهم بقول الله وَمَا أَمر بِهِ فِي قسمهَا وإيفاء كل
стр. 789
صَاحب حِصَّة مِنْهَا سالكا سَبِيل من غَدا لآثار الصّلاح مقتفيا وللفرض فِي ذَلِك مُؤديا وبهدى ذَوي الرشد مهتديا قَالَ الله تَعَالَى فِي مُحكم التَّنْزِيل ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾
وَأمره أَن يُجيب إِلَى الْأمان لمن طلبه وَيكون وفاؤه مقترنا بِمَا تضمنه غير مُضْمر خلاف مَا يُعْطي بِهِ صَفْقَة أَمَانه وَلَا مُخَالف بَاطِنه مَا أظهره من مقارته إِلَى عقد الهدن وإتيانه ويجتنب الْغدر وَمَا فِيهِ من الْعَار وإسخاط الْملك الْجَبَّار قَالَ الله ﴿وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهدتم وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا إِن الله يعلم مَا تَفْعَلُونَ﴾
وَأمره بِأَن يَأْمر أَصْحَاب المعاون بمساعدة الْقُضَاة والحكام ومعونتهم بِمَا يقْضِي بلم شَمل الصّلاح فِي تَنْفِيذ القضايا والانتظام وَأخذ الْخُصُوم بإجابة الدَّاعِي إِذا استحضروا
стр. 790
إِلَى أَبْوَابهم للإنصاف والمسارعة إِلَى الْحق الْوَاجِب عَلَيْهِم من غير خلاف قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَكْثَرهم للحق كَارِهُون﴾
وَأمره بالعويل فِي الْمَظَالِم وأسواق الرَّقِيق ودور الضَّرْب والحسبة على من يأوى إِلَى عفاف وَدين وَعلم بِأَحْكَام الشَّرِيعَة وَصِحَّة يَقِين لَا يخفى عَلَيْهِ مَا حرمه الله تَعَالَى وأحله وَلَا يلتبس على علمه مَا أوضح إِلَى الْحق الْوَاضِح سبله وَإِلَى من يتَوَلَّى الْمَظَالِم بإيصال الْخُصُوم إِلَيْهِ وإنصافهم كَمَا أوجبه الله تَعَالَى عَلَيْهِ واستماع ظلاماتهم وإحسان النّظر فِي مشاجراتهم
وَأمره أَن يتلَقَّى النِّعْمَة الَّتِي أفرغت عَلَيْهِ وانساقت إِلَيْهِ بشكر ينْطق بِهِ لِسَانه ويترجم عَنهُ بَيَانه ليستديم بذلك الْإِكْرَام ويقترن الْإِحْسَان عِنْده بالالتئام وَأَن يوفيها حَقّهَا من دوَام الْحَمد ٢١٨ ب وَالْقَصْد إِلَى شكرها والعمد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن شكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ﴾
стр. 791
وليعلم أَنه قد بَين لَهُ من الصّلاح مَا اتضحت أَعْلَامه وأثبتت فِي المرامي سهامه وأرشد إِلَى مَا أودع هَذَا المنشور من جدد الْفَوْز بمرضاة الله تَعَالَى وشكر عباده عَاملا فِي ذَلِك بِمُقْتَضى جده واجتهاده ليحرز السَّبق فِي دُنْيَاهُ وعقباه ويتوفر عِنْده مَا منح بِهِ مِمَّا أرهف عزمه وحباه وَغدا بمكانه رافلا فِي ملابس الْفَخر والبهاء نائلا مِنْهُ مَا طَال بِهِ مناكب القرناء واختص بِمَا أَعلَى دَرَجَته فَتَقَاعَسَتْ عَنهُ آمال حاسديه وَتفرد بالمكانة عَن مقَام من يباريه ويناويه وَأولى من الإنعام مَا أَمن بِهِ سرب النِّعْمَة عِنْده وأصفى من مناهل الْإِحْسَان ورده وَأهْدى إِلَيْهِ من المواعظ مَا يجب أَن يودعه وَاعِيَة الأسماع وَيَأْخُذ بِالْعَمَلِ بِهِ كل رَاع فينهج أدام الله علوه محاج الْوَلَاء الَّذِي عهد من أَمْثَاله من الْأَوْلِيَاء متنزها عَن تَقْصِير مِنْهُ فِي عَامَّة الْأَوْقَات ومراعيا أَفعاله فِي جَمِيع التَّصَرُّفَات وَيعلم أَنه مسئول عَن كل مَا يلفظ بِهِ لِسَانه ناطقا وَنظر طرفه إِلَيْهِ رامقا قبل أَن يجانب هَوَاهُ وَيبقى رهينا بِمَا اكْتسبت يَدَاهُ وَلَا يغتر من الدُّنْيَا
стр. 792
وزخرفها بغرار لَيْسَ الْوَفَاء من طباعه ومعير مَا أقصر مُدَّة ارتجاعه وسبيل كَافَّة الْقُضَاة والأعيان ومقدمي العساكر والأجناد ورؤساء الْبِلَاد مُتَابَعَته وموافقته وَطلب مصالحهم من جَانِبه وَالتَّصَرُّف على استصوابه وَقد أكدت وصاته فِي الرِّفْق بهم والاشتمال عَلَيْهِم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وإجمال السِّيرَة فيهم وَكلما أشكل عَلَيْهِ أَمر من المتجددات يطالع بِهِ الدِّيوَان الْعَزِيز مجده الله تَعَالَى لينهج لَهُ السَّبِيل إِلَى فتح رتاجه وسلوك منهاجه وَالله ولي والتوفيق وَالْهِدَايَة وَجمع الْكَلِمَة فِي كل إِعَادَة وبداية والمعونة على الْعِصْمَة من الزلل والتأييد فِي القَوْل وَالْعَمَل وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
قلت وَقد عَابَ الْوَزير ضِيَاء الدّين بن الْأَثِير هَذَا التَّقْلِيد فِي كِتَابه الْمثل السائر وغض مِنْهُ وعارضه بتقليد أنشأه وَقد ذكرته فِي كتاب صبح الْأَعْشَى فِي كِتَابَة الإنشا لاتساعه وَبسط القَوْل فِيهِ افتتحه بقول أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يبْدَأ بِحَمْد الله الَّذِي يكون
стр. 793
لكل خطْبَة قيادا وَلكُل أَمر مهادا
أهملت ذكره فِي هَذَا الْكتاب لكَونه لم يكْتب بِهِ لأحد
٢١٩
- الْمَذْهَب الرَّابِع
فِي عهود الْمُلُوك أَن يفْتَتح الْعَهْد بِالْحَمْد لله وَهُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل الْمُتَأَخِّرين من كتاب الديار المصرية على أَن الْمقر الشهابي بن فضل الله قد أنكر على الصاحب فَخر الدّين بن لُقْمَان حَيْثُ افْتتح الْعَهْد الَّذِي كتب بِهِ للظَّاهِر بيبرس بِالْحَمْد وَقَالَ لَيْسَ ابْن لُقْمَان بِحجَّة ثمَّ قَالَ على أَن القَاضِي مُحي الدّين قد تبعه فِيمَا كتب بِهِ للمنصور قلاوون وَلَا وَجه لإنكاره على ابْن لُقْمَان فقد كتب بِمثل ذَلِك من ديوَان الْخلَافَة بِبَغْدَاد عَن الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه بن الظَّاهِر بِأَمْر الله بن النَّاصِر لدين الله العباسي للسُّلْطَان الْملك الْكَامِل نصير الدّين مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر من إنْشَاء الْوَزير أبي الْأَزْهَر أَحْمد بن النَّاقِد بِخَط الْعدْل نَاصِر بن رشيد الخرنومي فِي شهر رَجَب الْفَرد سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة إِلَّا أَنه جرى فِيهِ على
стр. 794
الأسلوب الْقَدِيم من قَوْلهم فِي أوَامِر الْخلَافَة أمره بِكَذَا وَأمره بِكَذَا
وَهَذِه نسخته فِيمَا ذكره البوري فِي تَارِيخه
الْحَمد لله الَّذِي اطمأنت الْقُلُوب بِذكرِهِ وَوَجَب على الْخَلَائق جزيل حَمده وشكره ووسعت كل شَيْء رَحمته وَظَهَرت فِي كل أَمر حكمته وَدلّ على وحدانيته بعجائب مَا أحكم صنعا وتدبيرا وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا ممد الشَّاكِرِينَ بنعمائه الَّتِي لَا تحصى عددا وعالم الْغَيْب الَّذِي لَا يظْهر على غيبه أحدا لَا معقب لحكمه فِي الإبرام والنقض وَلَا يؤوده حفظ السَّمَوَات وَالْأَرْض تَعَالَى أَن يُحِيط بِهِ الضَّمِير وَجل أَن يبلغ وَصفه الْبَيَان وَالتَّفْسِير ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ وَالْحَمْد لله الَّذِي أرسل مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا ﴿وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾
стр. 795
وابتعثه هاديا لِلْخلقِ وأوضح بِهِ مناهج الرشد وسبل الْحق واصطفاه من أشرف الْأَنْسَاب وأعز الْقَبَائِل واجتباه لإيضاح الْبَرَاهِين والدلائل وَجعله لَدَيْهِ أعظم الشفعاء وَأقرب الْوَسَائِل فقذف ﷺ بِالْحَقِّ على الْبَاطِل وَحمل النَّاس بِشَرِيعَتِهِ الهادية على المحجة الْبَيْضَاء وَالسّنَن الْعَادِل حَتَّى استقام اعوجاج كل زائغ وَرجع إِلَى الْحق كل جَاحد عَنهُ ومائل وَسجد لله كل شَيْء ﴿يتفيأ ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل﴾ صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الْكِرَام الأفاضل صَلَاة مستمرة بالغدوات والأصائل خُصُوصا على عَمه وصنو أَبِيه الْعَبَّاس ابْن عبد الملطب الَّذِي اشتهرت مناقبه فِي المجامع والمحافل وَدرت ببركة الاسْتِسْقَاء بِهِ أخلاف السحب الهواطل وفارقتتنصيص الرَّسُول على عقبَة فِي فِي الْخلَافَة المعظمة بِمَا لم يفز بِهِ أحد من الْأَوَائِل
وَالْحَمْد لله الَّذِي حَاز مَوَارِيث النُّبُوَّة والإمامة ووفر جزيل الْأَقْسَام من الْفضل والكرامة لعَبْدِهِ وخليفته ووارث نبيه ومحي شَرِيعَته الَّذِي أحله الله من معارج الشّرف والجلال فِي أرفع ذرْوَة وأعلقه من حسن
стр. 796
التَّوْفِيق الإلهي بأمتن عصمَة وأوثق عُرْوَة واستخرجه من أشرف نجار وعنصر واختصه بأزكى منحه وَأعظم مفخر ونصبه للْمُؤْمِنين علما وَاخْتَارَهُ للْمُسلمين إِمَامًا وَحكما وناط بِهِ أَمر دينه الحنيف وَجعله قَائِما بِالْعَدْلِ والإنصاف بَين القوى والضعيف إِمَام الْمُسلمين وَخَلِيفَة رب الْعَالمين أبي جَعْفَر الْمَنْصُور الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ بن الإِمَام السعيد النقي أبي نصر مُحَمَّد الظَّاهِر بِأَمْر الله بن الإِمَام الوفي أبي الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله بن الإِمَام السعيد الزكي أبي مُحَمَّد الْحسن المستضيء بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ٢٢٠ صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وعَلى آبَائِهِ الطاهرين الْأَئِمَّة المهديين الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ ولقوا الله تَعَالَى وَهُوَ عَنْهُم رَاض وهم عَنهُ راضون
وَبعد فبحسب مَا أفاضه الله تَعَالَى على أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه من خِلَافَته فِي الأَرْض وفوضه إِلَى نظره الْمُقَدّس فِي الْأُمُور من الإبرام والنقض واستخلصه لَهُ من حياطة بِلَاده وعباده ووكله إِلَى شرِيف نظره ومقدس اجْتِهَاده لَا يزَال صلوَات الله عَلَيْهِ يكلأ
стр. 797
الْعباد بِعَين الرِّعَايَة ويسلك بهم فِي الْمصَالح الْعَامَّة والخاصة مَذَاهِب الرشد وسبيل الْهِدَايَة وينشر عَلَيْهِم جناحي عدله وإحسانه وينعم لَهُم النّظر فِي إرشاد الْأُمَنَاء الصلحاء من خلصاء أكفائه وأعوانه متخيرا للاسترعاء من استحمد إِلَيْهِ بمشكور المساعي وتعرف إِلَيْهِ فِي سياسة الرعايا بجميل الْأَسْبَاب والدواعي وسلك فِي مَفْرُوض الطَّاعَة الْوَاجِبَة على الْخَلَائق قصد السَّبِيل وَعلم مِنْهُ حسن الاضطلاع فِي مصَالح الْمُسلمين بالعبء الثقيل وَالله يُؤَيّد أراء أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ بالتأييد والتسديد ويمده أبدا من أَقسَام التَّوْفِيق الإلهي بالموفور والمزيد ويقرن عَزَائِمه الشَّرِيفَة بِالْيمن والنجاح ويسنى لَهُ فِيمَا يَأْتِي ويذر أَسبَاب الْخَيْر وَالصَّلَاح وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
وَلما وفْق الله تَعَالَى نصير الدّين مُحَمَّد بن سيف الدّين أبي بكر بن أَيُّوب من الطَّاعَة الْمَشْهُورَة
стр. 798
والخدم المشكورة والحظوة فِي جِهَاد أَعدَاء الدّين بالمساعي الصَّالِحَة والفوز من المراضي الشَّرِيفَة الإمامية أجلهَا الله تَعَالَى بالمغانم الجزيلة والصفقة الرابحة لما وصل فِيهِ سالف شرِيف الِاخْتِصَاص بآنفه وشفع تالده فِي تَحْصِيل مأثور الاستخلاص بطارفة واستوجب بسلوكه من الطَّاعَة الْمَفْرُوضَة مزِيد الْإِكْرَام والتفضيل ٢٢٠ ب وضرع فِي الإنعام عَلَيْهِ بمنشور شرِيف إمامي يسْلك فِي اتِّبَاعه هداه وَالْعَمَل بمراشده سَوَاء الصِّرَاط وَقصد السَّبِيل اقْتَضَت الآراء الشَّرِيفَة المقدسة زَادهَا الله تَعَالَى جلالا متألق الْأَنْوَار وقدسا يتساوى فِي تَعْظِيمه من هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ وسارب بِالنَّهَارِ الإيعاز بإجابته إِلَى مَا وَجه أمله إِلَى الإنافة فِيهِ بِهِ إِلَيْهِ والجذب بضبعه إِلَى ذرْوَة الاجتباء الَّذِي تظهر أشعة أنواره الباهرة عَلَيْهِ فقلده على خيرة الله تَعَالَى الزعامة والغلات وأعمال الْحَرْب والمعاون والأحداث وَالْخَرَاج والضياع وَالصَّدقَات والجوالي وَسَائِر وُجُوه الجبايات وَالْعرض وَالعطَاء وَالنَّفقَة فِي الْأَوْلِيَاء والمظالم والحسبة فِي بِلَاده وَمَا يَفْتَحهُ
стр. 799
ويستولي عَلَيْهِ من بِلَاد الفرنج الملاعين وبلاد من تبرز إِلَيْهِ الْأَوَامِر الشَّرِيفَة بِقَصْدِهِ من المارقين عَن الْإِجْمَاع المنعقد من الْمُسلمين وَيَتَعَدَّى حُدُود الله تَعَالَى بمخالفة من حصل من الْأَعْمَال الصَّالِحَات بولائه الْمَفْرُوض على الْخَلَائق مَقْبُولَة وطاعته ضاعف الله جَلَاله بِطَاعَتِهِ وَطَاعَة رَسُول الله ﷺ مَوْصُولَة حَيْثُ قَالَ الله عز من قَائِل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَاعْتمد صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه فِي ذَلِك على حسن نظره ومدد رعايته وَألقى مقاليد التَّفْوِيض إِلَى وفور اجْتِهَاده وَكَمَال سياسته وَخَصه من هَذَا الإنعام الجزيل بِمَا يبْقى لَهُ على تعاقب الدَّهْر واستمراره ويخلد على ممر الزَّمَان حسن ذكره وجزيل فخاره وحباه بتقليد يوطد لَهُ قَوَاعِد الممالك وَيفتح بإقليده رتاج الْأَبْوَاب والمسالك ويفيد قَاعِدَته فِي بِلَاده زِيَادَة تَقْرِير وتمهيد ويطير بِهِ صيته فِي كل قريب وبعيد ووسمه بِالْملكِ الْأَجَل السَّيِّد الْكَامِل
стр. 800
الْمُجَاهِد المرابط نصير الدّين ٢٢١ أركن الْإِسْلَام أثير الْأَنَام تَاج الْمُلُوك والسلاطين قامع الْكَفَرَة وَالْمُشْرِكين قاهر الْخَوَارِج والمتمردين ألب غَازِي بك مُحَمَّد بن أبي بكر ابْن أَيُّوب معِين أَمِير الْمُؤمنِينَ رِعَايَة لسوابق خدمه وخدم أسلافه وآبائه عَن وفور اجتبائه وَكَمَال ازدلافه وإنافة من ذرْوَة الْقرب إِلَى مَحل كريم واختصاصا لَهُ بِالْإِحْسَانِ الَّذِي لَا يلقاه إِلَّا من هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذُو حَظّ عَظِيم﴾ وثوقا بِصِحَّة ديانته الَّتِي يسْلك فِيهَا سَوَاء سَبيله واستنامة إِلَى أَمَانَته فِي الْخدمَة الَّتِي ينصح فِيهَا لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وركونا إِلَى الإنعام عَلَيْهِ مَوْضُوعا بِحَمْد الله تَعَالَى فِي أحسن مَوضِع وَاقعا بِهِ لَدَيْهِ فِي خبر مُسْتَقر ومستودع
وأمير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ لَا زَالَت الْخيرَة مَوْصُولَة بآرائه والتأييد الإلهي مَقْرُونا بإنفاذه وإمضائه يستمد من الله حسن الْإِعَانَة فِي اصطفائه الَّذِي اقْتَضَاهُ نظره الشريف واعتماده وَأدّى إِلَيْهِ ارتياده الْمُقَدّس الإمامي واجتهاده وَحسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الله وَنعم الْوَكِيل
стр. 801
وَأمره بتقوى الله تَعَالَى الَّتِي هِيَ الْجنَّة الواقية وَالنعْمَة الْبَاقِيَة والملجأ المنيع والعماد الرفيع والذخيرة النافعة فِي السِّرّ والنجوى والجذوة المقتبسة من قَول تَعَالَى ﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ وَأَن يدرع بشعارها فِي جَمِيع الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال ويهتدي بأنوارها فِي مشكلات الْأُمُور وَالْأَحْوَال وَأَن يعْمل بهَا سرا وجهرا ويشرح للْقِيَام بحدودها الْوَاجِبَة صَدرا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يتق الله يكفر عَنهُ سيئاته ويعظم لَهُ أجرا﴾
وَأمره بِتِلَاوَة كتاب الله متدبرا غوامض عجائبه سالكا سبل الرشاد وَالْهِدَايَة فِي الْعَمَل بِهِ وَأَن يَجعله مِثَالا يتبعهُ ويقتفيه ودليلا يهتدى بمراشده الْوَاضِحَة فِي أوامره ونواهيه فَإِنَّهُ ٢٢١ ب الثّقل الْأَعْظَم وَسبب الله الْمُحكم وَالدّين الَّذِي يهدي بِهِ إِلَى الَّتِي هِيَ أقوم ضرب الله تَعَالَى فِيهِ لِعِبَادِهِ جَوَامِع الْأَمْثَال وَبَين لَهُ بهداه الرشد والضلال وَفرق بدلائله الْوَاضِحَة بَين الْحَرَام والحلال فَقَالَ عز من قَائِل ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس وَهدى وموعظة لِلْمُتقين﴾
стр. 802
وَقَالَ تَعَالَى ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته وليتذكر أولُوا الْأَلْبَاب﴾
وَأمره بالمحافظة على مَفْرُوض الصَّلَوَات وَالدُّخُول فِيهَا على أكمل هَيْئَة من قوانين الْخُشُوع والإخبات وَأَن يكون نظره فِي مَوضِع نَجوَاهُ من الأَرْض وَأَن يمثل لنَفسِهِ فِي ذَلِك موقفه بَين يَدي الله تَعَالَى يَوْم الْعرض قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ وَأَن لَا يشغل بشاغل عَن أَدَاء فروضها الْوَاجِبَة وَلَا يلهو بِسَبَب عَن إِقَامَة سننها الرَّاتِبَة فَإِنَّهَا عماد الدّين الَّذِي نمت أعاليه ومهاد الشَّرْع الَّذِي رست قَوَاعِده ومبانيه قَالَ الله تَعَالَى ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾
стр. 803
وَأمره أَن يسْعَى إِلَى صلوَات الْجمع والأعياد وَيقوم فِي ذَلِك بِمَا فَرْضه الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى الْعباد وَأَن يتَوَجَّه إِلَى الْجَوَامِع والمساجد متواضعا ويبرز إِلَى الْمُصَليَات الضاحية فِي الأعياد خَاشِعًا وَأَن يحافظ فِي تشييد قَوَاعِد الْإِسْلَام على الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب ويعظم باعتماد ذَلِك شَعَائِر الله الَّتِي هِيَ من تقوى الْقُلُوب وَأَن يَشْمَل بوافر اهتمامه واعتنائه وَكَمَال نظره وإرعائه بيُوت الله الَّتِي هِيَ محَال البركات ومواطن الْعِبَادَات والمساجد الَّتِي تَأَكد فِي تعظيمها وإجلالها حكمه والبيوت الَّتِي أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه وَأَن يرتب لَهَا من الخدم من يتبتل لإِزَالَة أدناسها ويتصدى لإذكاء مصابيحها فِي الظلام وإيناسها وَيقوم لَهَا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَسبَاب الصّلاح والعمارات ويحضر إِلَيْهَا مَا يَلِيق من الْفرش والكسوات
وَأمره بِاتِّبَاع سنة النَّبِي ﷺ الَّتِي أوضح جددها وثقف أودها وَأَن يعْتَمد فِيهَا على الْأَسَانِيد الَّتِي
стр. 804
نقلهَا الثِّقَات وَالْأَحَادِيث الَّتِي صحت بالطرق السليمة وَالرِّوَايَات وَأَن يَقْتَضِي بِمَا جَاءَت بِهِ من مَكَارِم الْأَخْلَاق الَّتِي ندب ﷺ إِلَى التَّمَسُّك بِسَبَبِهَا وَرغب أمته فِي الْأَخْذ بهَا وَالْعَمَل بآدابها قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَقَالَ ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾
وَأمره بمجالسة أهل الْعلم وَالدّين وأولي الاخلاص فِي طَاعَة الله والمتقين والاستشارة فِي عوارض الشَّك والالتباس وَالْعَمَل بآرائهم فِي التَّمْثِيل وَالْقِيَاس فَإِن الاستشارة لَهُم عين الْهِدَايَة وَأمن من الضلال والغواية وَبهَا تلقح عقم الأفهام والألباب ويقتدح زناد الرشد وَالصَّوَاب قَالَ الله تَعَالَى فِي الْإِرْشَاد إِلَى فَضلهَا وَالْأَمر فِي التَّمَسُّك بحبلها ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾
وَأمره بمراعاة أَحْوَال الْجند والعسكر فِي ثغوره وَأَن يشملهم بِحسن نظره الْجَمِيل وَجَمِيل تَدْبيره مستصلحا
стр. 805
نياتهم بإدامة التلطف والتعهد مستوضحا أَحْوَالهم بمواصلة التفحص والتفقد وَأَن يسوسهم سياسة تبعثهم على سلوك الْمنْهَج السَّلِيم ويهديهم فِي انتظامها واتساقها إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم ويحملهم على الْقيام بشرائط الخدم والتلزم بهَا بأقوى الْأَسْبَاب وأمتن العصم ويدعوهم إِلَى مصلحَة التواصل والائتلاف ويصدهم عَن مُوجبَات التخاذل وَالِاخْتِلَاف وَأَن يعْتَمد فيهم شَرَائِط الحزم فِي الْإِعْطَاء وَالْمَنْع وَمَا تَقْتَضِيه مصلحَة أَحْوَالهم من أَسبَاب الْخَفْض وَالرَّفْع وَأَن يثيب المحسن على إحسانة ويسبل على الْمُسِيء مَا وَسعه الْعَفو واحتمله الْأَمر ذيل صفحه وامتنانه وَأَن يَأْخُذ بِرَأْي ذَوي التجارب مِنْهُم وَالْحكمَة ويجتني بمشاورتهم فِي الْأَمر ثَمَر الشّركَة إِذْ فِي ذَلِك أَمن من خطأ الِانْفِرَاد وتزحزح عَن مقَام الزيغ والاستبداد
وَأمره بالتبتل بِمَا يَلِيهِ من الْبِلَاد ويتصل بنواحيه من ثغور أولي الشّرك والعناد وَأَن يصرف مجامع الالتفاف
стр. 806
إِلَيْهَا ويخصها بوفور الاهتمام بهَا والتطلع عَلَيْهَا وَأَن يَشْمَل مَا ببلاده من الْحُصُون والمعاقل بالاحكام والاتقان وَيَنْتَهِي فِي أَسبَاب مصالحها إِلَى غَايَة الوسع وَنِهَايَة الْإِمْكَان وَأَن يشحنها بالميرة الْكَثِيرَة والذخائر ويمدها من الأسلحة والآلات بِالْعدَدِ المستصلح الوافر وَأَن يتَخَيَّر حراسها من الْأُمَنَاء التقاة ويسدها بِمن ينتخبه من الشجعان الكماة وَأَن يتَأَكَّد عَلَيْهِم فِي اسْتِعْمَال النَّفَقَات الْحفظَة والاستظهار ويوقظهم للاحتراس من غوائل الْغَفْلَة والاغترار وَأَن يكون الْمشَار إِلَيْهِم مِمَّن ربوا فِي ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد وتدربوا فِي نصب الحبائل للْمُشْرِكين وَالْأَخْذ عَلَيْهِم بالمراصد وَأَن يعْتَمد هَذَا الْقَبِيل بمواصلة المدد وَكَثْرَة الْعدَد والتوسعة فِي النَّفَقَة وَالعطَاء وَالْعَمَل مَعَهم بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالهم وتفاوتهم فِي التَّقْصِير والغناء إِذْ فِي ذَلِك حسم لمادة الأطماع فِي بِلَاد الْإِسْلَام ورد لكيد المعاندين من عَبدة الْأَصْنَام فمعلوم أَن هَذَا الْغَرَض أولى مَا وجهت إِلَيْهِ العنايات وصرفت وأحق مَا قصرت عَلَيْهِ الهمم ووقفت فَإِن الله تَعَالَى جعله من
стр. 807
أهم الْفُرُوض الَّتِي كرم فِيهَا الْقيام بِحقِّهِ وأكبر الْوَاجِبَات الَّتِي كتب الْعَمَل بهَا على خلقه فَقَالَ هاديا فِي ذَلِك إِلَى سَبِيل الرشاد ومحرضا لِعِبَادِهِ على قيامهم بفروض الْجِهَاد ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل الله وَلَا يطؤون موطئا يغِيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلا إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يقطعون وَاديا إِلَّا كتب لَهُم لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (واقتلو حَيْثُ ثقفتموهم) وَقَالَ النَّبِي ﷺ من نزل منزلا يخيف بِهِ الْمُشْركين ويخيفونه كَانَ لَهُ كَأَجر ساجد لَا يرفع رَأسه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأجر قَائِم لَا يقْعد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأجر صَائِم لَا يفْطر وَقَالَ ﵇ غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس هَذَا قَوْله ﷺ فِي حق من سمع هَذِه الْمقَالة فَوقف لَدَيْهَا فَكيف بِمن
стр. 808
كَانَ كَمَا قَالَ ﵇ أَلا أخْبركُم بِخَير النَّاس مُمْسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طَار إِلَيْهَا
وَأمره باقتفاء أوَامِر الله تَعَالَى فِي رعاياه والاهتداء إِلَى رِعَايَة الْعدْل والانصاف والاحسان بمراشده الْوَاضِحَة ووصاياه وَأَن يسْلك فِي السياسة سبل الصّلاح ويشملهم بلين الكنف وخفض الْجنَاح ويمد ظلّ رعايته على مسلمهم ومعاهدهم ويزحزح الأقذاء والشوائب عَن مناهلهم فِي الْعدْل ومواردهم فَينْظر فِي مصالحهم نظرا يُسَاوِي فِيهِ بَين الضَّعِيف وَالْقَوِي وَيقوم بأودهم قيَاما يَهْتَدِي بِهِ ويهديهم فِيهِ إِلَى الصِّرَاط السوي قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾
وَأمره بِاعْتِبَار أَسبَاب الِاسْتِظْهَار والأمنة واستقصاء الطَّاعَة المستطاعة وَالْقُدْرَة الممكنة فِي المساعدة على قَضَاء تفث حجاج بَيت الله الْحَرَام وزوار نبيه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَن يمدهُمْ بالإعانة فِي ذَلِك على تَحْقِيق الرَّجَاء وبلوغ المرام ويحرسهم من التخطف
стр. 809
والأذى فِي حالتي الظعن وَالْمقَام فَإِن الْحَج أحد أَرْكَان الدّين المشيدة وفروضه الْوَاجِبَة الْمُؤَكّدَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾
وَأمره بتقوية أَيدي العاملين بِحكم الشَّرْع فِي الرعايا وتنفيذ مَا يصدر عَنْهُم من الْأَحْكَام والقضايا وَالْعَمَل بأقوالهم فِي مَا يثبت لِذَوي الِاسْتِحْقَاق والشد على أَيْديهم فِيمَا يرونه من الْمَنْع وَالْإِطْلَاق وَأَنه مَتى تَأَخّر أحد الْخَصْمَيْنِ عَن إِجَابَة دَاعِي الحكم أَو تقاعس فِي ذَلِك لما يلْزم من الْأَدَاء والعدم جذبه بعنان القسر إِلَى مجْلِس الشَّرْع واضطره بِقُوَّة الْإِنْصَاف إِلَى الْأَدَاء بعد الْمَنْع وَأَن يتوخى عُمَّال الْوُقُوف الَّتِي تقرب المتقربون بهَا واستمسكوا فِي ثَوَاب الله بمتين حبلها وَأَن يمدهُمْ بجميل المعاونة والمساعدة وَحسن المؤازرة والمعاضدة فِي الْأَسْبَاب الَّتِي تؤذن بالعمارة والاستنماء وتعود عَلَيْهَا بِالْمَصْلَحَةِ والاستخلاص والاستيفاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾
стр. 810
وَأمره أَن يتَخَيَّر من أولي الْكِفَايَة والنزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال وَالْقِيَام بِالْوَاجِبِ من أَدَاء الْأَمَانَة والحراسة والتمييز لبيت المَال وَأَن يَكُونُوا من ذَوي الاضطلاع بشرائط الخدم الْمعينَة وأمورها والمهتدين إِلَى مسالك صَلَاحهَا وتدبيرها وَأَن يتَقَدَّم إِلَيْهِم بِأخذ الْحُقُوق من وجوهها المتيقنة وجبايتها فِي أَوْقَاتهَا الْمعينَة إِذْ ذَاك من لَوَازِم مصَالح الْجند ووفور الِاسْتِظْهَار وموجبات قُوَّة الشَّوْكَة لَهُ بِكَثِير الأعوان وَالْأَنْصَار وَأَسْبَاب الحيطة الَّتِي تحمى بهَا الْبِلَاد والأمصار وَيَأْمُرهُمْ بالجري فِي الطسوق والشروط على النمط الْمُعْتَاد وَالْقِيَام فِي مصَالح الْأَعْمَال على أَقْدَام الْجد وَالِاجْتِهَاد وَإِلَى العاملين على الصَّدقَات بِأخذ الزكوات على مَشْرُوع السّنَن المهيع وَقصد الصِّرَاط المتبع من غير عدُول فِي ذَلِك عَن الْمِنْهَاج الشَّرْعِيّ أَو تساهل فِي تَبْدِيل حكمهَا الْمَفْرُوض وقانونها المرعي فَإِذا أخذت من أَرْبَابهَا الَّذين يطهرون ويزكون بهَا كَانَ
следующие страницы →