Полный текст (1 075 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
إِلَيْهَا ويخصها بوفور الاهتمام بهَا والتطلع عَلَيْهَا وَأَن يَشْمَل مَا ببلاده من الْحُصُون والمعاقل بالاحكام والاتقان وَيَنْتَهِي فِي أَسبَاب مصالحها إِلَى غَايَة الوسع وَنِهَايَة الْإِمْكَان وَأَن يشحنها بالميرة الْكَثِيرَة والذخائر ويمدها من الأسلحة والآلات بِالْعدَدِ المستصلح الوافر وَأَن يتَخَيَّر حراسها من الْأُمَنَاء التقاة ويسدها بِمن ينتخبه من الشجعان الكماة وَأَن يتَأَكَّد عَلَيْهِم فِي اسْتِعْمَال النَّفَقَات الْحفظَة والاستظهار ويوقظهم للاحتراس من غوائل الْغَفْلَة والاغترار وَأَن يكون الْمشَار إِلَيْهِم مِمَّن ربوا فِي ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد وتدربوا فِي نصب الحبائل للْمُشْرِكين وَالْأَخْذ عَلَيْهِم بالمراصد وَأَن يعْتَمد هَذَا الْقَبِيل بمواصلة المدد وَكَثْرَة الْعدَد والتوسعة فِي النَّفَقَة وَالعطَاء وَالْعَمَل مَعَهم بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالهم وتفاوتهم فِي التَّقْصِير والغناء إِذْ فِي ذَلِك حسم لمادة الأطماع فِي بِلَاد الْإِسْلَام ورد لكيد المعاندين من عَبدة الْأَصْنَام فمعلوم أَن هَذَا الْغَرَض أولى مَا وجهت إِلَيْهِ العنايات وصرفت وأحق مَا قصرت عَلَيْهِ الهمم ووقفت فَإِن الله تَعَالَى جعله من
стр. 807
أهم الْفُرُوض الَّتِي كرم فِيهَا الْقيام بِحقِّهِ وأكبر الْوَاجِبَات الَّتِي كتب الْعَمَل بهَا على خلقه فَقَالَ هاديا فِي ذَلِك إِلَى سَبِيل الرشاد ومحرضا لِعِبَادِهِ على قيامهم بفروض الْجِهَاد ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل الله وَلَا يطؤون موطئا يغِيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلا إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يقطعون وَاديا إِلَّا كتب لَهُم لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (واقتلو حَيْثُ ثقفتموهم) وَقَالَ النَّبِي ﷺ من نزل منزلا يخيف بِهِ الْمُشْركين ويخيفونه كَانَ لَهُ كَأَجر ساجد لَا يرفع رَأسه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأجر قَائِم لَا يقْعد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأجر صَائِم لَا يفْطر وَقَالَ ﵇ غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس هَذَا قَوْله ﷺ فِي حق من سمع هَذِه الْمقَالة فَوقف لَدَيْهَا فَكيف بِمن
стр. 808
كَانَ كَمَا قَالَ ﵇ أَلا أخْبركُم بِخَير النَّاس مُمْسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طَار إِلَيْهَا
وَأمره باقتفاء أوَامِر الله تَعَالَى فِي رعاياه والاهتداء إِلَى رِعَايَة الْعدْل والانصاف والاحسان بمراشده الْوَاضِحَة ووصاياه وَأَن يسْلك فِي السياسة سبل الصّلاح ويشملهم بلين الكنف وخفض الْجنَاح ويمد ظلّ رعايته على مسلمهم ومعاهدهم ويزحزح الأقذاء والشوائب عَن مناهلهم فِي الْعدْل ومواردهم فَينْظر فِي مصالحهم نظرا يُسَاوِي فِيهِ بَين الضَّعِيف وَالْقَوِي وَيقوم بأودهم قيَاما يَهْتَدِي بِهِ ويهديهم فِيهِ إِلَى الصِّرَاط السوي قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾
وَأمره بِاعْتِبَار أَسبَاب الِاسْتِظْهَار والأمنة واستقصاء الطَّاعَة المستطاعة وَالْقُدْرَة الممكنة فِي المساعدة على قَضَاء تفث حجاج بَيت الله الْحَرَام وزوار نبيه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَن يمدهُمْ بالإعانة فِي ذَلِك على تَحْقِيق الرَّجَاء وبلوغ المرام ويحرسهم من التخطف
стр. 809
والأذى فِي حالتي الظعن وَالْمقَام فَإِن الْحَج أحد أَرْكَان الدّين المشيدة وفروضه الْوَاجِبَة الْمُؤَكّدَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾
وَأمره بتقوية أَيدي العاملين بِحكم الشَّرْع فِي الرعايا وتنفيذ مَا يصدر عَنْهُم من الْأَحْكَام والقضايا وَالْعَمَل بأقوالهم فِي مَا يثبت لِذَوي الِاسْتِحْقَاق والشد على أَيْديهم فِيمَا يرونه من الْمَنْع وَالْإِطْلَاق وَأَنه مَتى تَأَخّر أحد الْخَصْمَيْنِ عَن إِجَابَة دَاعِي الحكم أَو تقاعس فِي ذَلِك لما يلْزم من الْأَدَاء والعدم جذبه بعنان القسر إِلَى مجْلِس الشَّرْع واضطره بِقُوَّة الْإِنْصَاف إِلَى الْأَدَاء بعد الْمَنْع وَأَن يتوخى عُمَّال الْوُقُوف الَّتِي تقرب المتقربون بهَا واستمسكوا فِي ثَوَاب الله بمتين حبلها وَأَن يمدهُمْ بجميل المعاونة والمساعدة وَحسن المؤازرة والمعاضدة فِي الْأَسْبَاب الَّتِي تؤذن بالعمارة والاستنماء وتعود عَلَيْهَا بِالْمَصْلَحَةِ والاستخلاص والاستيفاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾
стр. 810
وَأمره أَن يتَخَيَّر من أولي الْكِفَايَة والنزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال وَالْقِيَام بِالْوَاجِبِ من أَدَاء الْأَمَانَة والحراسة والتمييز لبيت المَال وَأَن يَكُونُوا من ذَوي الاضطلاع بشرائط الخدم الْمعينَة وأمورها والمهتدين إِلَى مسالك صَلَاحهَا وتدبيرها وَأَن يتَقَدَّم إِلَيْهِم بِأخذ الْحُقُوق من وجوهها المتيقنة وجبايتها فِي أَوْقَاتهَا الْمعينَة إِذْ ذَاك من لَوَازِم مصَالح الْجند ووفور الِاسْتِظْهَار وموجبات قُوَّة الشَّوْكَة لَهُ بِكَثِير الأعوان وَالْأَنْصَار وَأَسْبَاب الحيطة الَّتِي تحمى بهَا الْبِلَاد والأمصار وَيَأْمُرهُمْ بالجري فِي الطسوق والشروط على النمط الْمُعْتَاد وَالْقِيَام فِي مصَالح الْأَعْمَال على أَقْدَام الْجد وَالِاجْتِهَاد وَإِلَى العاملين على الصَّدقَات بِأخذ الزكوات على مَشْرُوع السّنَن المهيع وَقصد الصِّرَاط المتبع من غير عدُول فِي ذَلِك عَن الْمِنْهَاج الشَّرْعِيّ أَو تساهل فِي تَبْدِيل حكمهَا الْمَفْرُوض وقانونها المرعي فَإِذا أخذت من أَرْبَابهَا الَّذين يطهرون ويزكون بهَا كَانَ
стр. 811
الْعَمَل فِي صرفهَا إِلَى مستحقيها بِحكم الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة وموجبها وَإِلَى جباة الْجِزْيَة من أهل الذِّمَّة بالمطالبة بأدائها فِي أول السّنة واستيفائها مِنْهُم على حسب أَحْوَالهم بِحكم الْعَادة فِي الثروة المسكنة إِجْرَاء فِي ذَلِك على حكم الِاسْتِمْرَار والانتظام ومحافظة على عَظِيم شَعَائِر الاسلام
وَأمره أَن يتطلع على أَحْوَال كل من يَسْتَعْمِلهُ فِي أَمر من الْأُمُور ويصرفه فِي مصلحَة من مصَالح الْجُمْهُور تطلعا يَقْتَضِي الْوُقُوف على حقائق أماناتهم وَيُوجب تهذيبهم فِي حركاتهم وسكناتهم ذَهَابًا مَعَ النصح لله تَعَالَى فِي بريته وَعَملا فِيهِ بقول النَّبِي ﷺ كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته وَأمره أَن يستصلح من ذَوي الاضطلاع والغناء من يرتب الْعرض وَالعطَاء وَالنَّفقَة فِي الْأَوْلِيَاء وَأَن يَكُونُوا من الْمَشْهُورين بالحزم والبصيرة والموسومين فِي المناصحة بإخلاص الطوية وإصفاء السريرة حَالين من الْأَمَانَة والصون بِمَا يزين
стр. 812
ناكبين عَن مظان الشّبَه والطمع الَّذِي يصم ويشين وَأَن يَأْمُرهُم بِاتِّبَاع عادات أمثالهم فِي ضبط أَسمَاء الرِّجَال وتحلية الْأَشْخَاص والأشكال وَاعْتِبَار شيات الْخُيُول وَإِثْبَات أعدادها وتحريض الْجند على تخيرها واقتناء جيادها وبذل الْجهد فِي قيامهم من الكراع واليزك وَالسِّلَاح بِمَا يلْزمهُم وَالْعَمَل بقوله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ وَآخَرين من دونهم لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ﴾ فَإِذا نطقت جرائد الْجند الْمَذْكُورين بِمَا أثبت لديهم وحقق الِاعْتِبَار والعيان قيامهم بِمَا أوجب عَلَيْهِم أطلقت لَهُم المعايش والأرزاق بِحَسب إقراراتهم وأوصلت إِلَيْهِم بِمُقْتَضى واجباتهم واستحقاقاتهم فَإِن هَذَا الْحَال أصل حراسة الْبِلَاد والعباد وَقيام الْأَمر فِيمَا أوجبه الله تَعَالَى من الاستعداد بِفَرْض الْجِهَاد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾
стр. 813
وَأمره بتفويض أَمر الْحِسْبَة إِلَى من يكون بأمرها مضطلعا وللسنة النَّبَوِيَّة فِي إِقَامَة حُدُودهَا مُتبعا فيعتمد فِي الْكَشْف عَن أَحْوَال الْعَامَّة فِي تصرفاتها الْوَاجِب ويسلك فِي التطلع إِلَى معاملاتهم السَّبِيل الْوَاضِح وَالسّنَن اللاحب وليهتم بالتطواف فِي الْأَسْوَاق لاختبار المكاييل والموازين ويقيمه فِي مُؤَاخذَة المطففين وتأديبهم بِمَا تَقْتَضِيه شَرِيعَة الدّين ويحذرهم من تعدِي حُدُود الْإِنْصَاف شدَّة نكاله ويقابل الْمُسْتَحق الْمُؤَاخَذَة بِمَا يرتدع بِهِ الْجمع الْكثير من أَمْثَاله قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَوْفوا الْكَيْل وَلَا تَكُونُوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس الْمُسْتَقيم وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون ليَوْم عَظِيم يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾
стр. 814
فليتول الْملك السَّيِّد الْكَامِل الْمُجَاهِد المرابط نصير الدّين ركن الْإِسْلَام أثير الإِمَام جمال الْأَنَام جلال الدولة فَخر الْملَّة عز الْأمة سَنَد الْخلَافَة تَاج المل والسلاطين قامع الْكَفَرَة وَالْمُشْرِكين قاهر الْخَوَارِج والمتمردين أَمِير الْمُجَاهدين غَازِي بك معِين أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا قَلّدهُ عبد الله وخليفته فِي أرضه الْقَائِم لَهُ بِحقِّهِ الْوَاجِب وفرضه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ تَقْلِيد مطمئن بِالْإِيمَان وَينْصَح لله وَلِرَسُولِهِ صلوَات الله عيه وخليفته فِي السِّرّ والإعلان وليشرح بِمَا فوض إِلَيْهِ من هَذِه الْأُمُور صَدرا وليقم بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ من شكر هَذَا الإنعام الجزيل سرا وجهرا وليعمل بِهَذِهِ الْوَصَايَا الشَّرِيفَة الإمامية وليقف آثَار مراشدها المقدسة النَّبَوِيَّة وليظهر من أثر الْجد فِي هَذَا الْأَمر وَالِاجْتِهَاد وَتَحْقِيق النّظر الْجَمِيل لله والإرشاد مَا يكون دَلِيلا على تأييد الرَّأْي الْأَشْرَف الْمُقَدّس أَجله الله تَعَالَى فِي اصطناعه واستكفائه وإصابة مواقع النجح
стр. 815
والرشد فِي التَّفْوِيض إِلَى حسن قِيَامه وَكَمَال اعتنائه فليقدر النِّعْمَة عَلَيْهِ فِي هَذِه الْحَال حق قدرهَا وليكثر بأَدَاء الْوَاجِب بِمَا غلب عَلَيْهِ من جزيل الشُّكْر بسرها وليطالع مَعَ الْأَوْقَات بِمَا يشكل عَلَيْهِ من الْأُمُور الغوامض وَلينه إِلَى الْعُلُوم الشَّرِيفَة المقدسة أجلهَا الله تَعَالَى مَا يلتبس عَلَيْهِ من الشكوك والعوارض ليرد عَلَيْهِ من الْأَمْثِلَة مَا يُوضح لَهُ وَجه الصَّوَاب فِي الْأُمُور ويستمد من المراشد الشَّرِيفَة الَّتِي هِيَ شِفَاء لما فِي الصُّدُور بِمَا يكون وُرُوده عَلَيْهِ وتتابعه إِلَيْهِ نورا على نور إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد الَّذِي كتب بِهِ للْملك الظَّاهِر بيبرس عَن الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحُسَيْن ثَانِي الْخُلَفَاء بالديار المصرية من إنْشَاء الصاحب فَخر الدّين ابراهيم بن لُقْمَان
وَهَذِه نسخته
الْحَمد لله الَّذِي أضفى ملابس الشّرف وَأظْهر
стр. 816
درره وَكَانَت خافية بِمَا استحكم عَلَيْهَا من الصدف وشيد مَا وَهِي من علائه حَتَّى أنسى ذكر مَا سلف وقيض لنصره ملوكا اتّفق على طاعتهم من اخْتلف
أَحْمَده على نعمه الَّتِي رتعت الْأَعْين مِنْهَا فِي الرَّوْض الْأنف والطاقة الَّتِي وقفت الشُّكْر عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ عَنْهَا منصرف وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة توجب من المخاوف أمنا وتسهل من الْأُمُور مَا كَانَ حزنا وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي جبر من الدّين وَهنا وَصفيه الَّذِي أظهر من المكارم فنونا لَا فَنًّا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الَّذين أضحت مناقبهم بَاقِيَة لَا تفنى وَأَصْحَابه الَّذين أَحْسنُوا فِي الدّين فاستحقوا الزِّيَادَة من الْحسنى
وَبعد فَإِن أولى الْأَوْلِيَاء بِتَقْدِيم ذكره وأحقهم أَن يصبح الْقَلَم سَاجِدا رَاكِعا فِي تسطير مناقبه وبره من سعى فأضحى بسعيه الْجَمِيل مُتَقَدما ودعا إِلَى طَاعَته
стр. 817
فَأجَاب من كَانَ منجدا ومتهما وَمَا بَدَت يَد من المكرمات إِلَّا كَانَ لَهَا زندا ومعصما وَلَا استباح بِسَيْفِهِ حمى وغى إِلَّا أضرمه نَارا وأجراه دَمًا
وَلما كَانَت هَذِه المناقب الشَّرِيفَة مُخْتَصَّة بالْمقَام العالي المولوي السلطاني الملكي الظَّاهِرِيّ الركني شرفه الله تَعَالَى وَأَعلاهُ ذكره الدِّيوَان الْعَزِيز النَّبَوِيّ الإمامي المستنصري أعز الله تَعَالَى سُلْطَانه تنويها بشريف قدره واعترافا بصنعه الَّذِي تنفد الْعبارَة المسهبة وَلَا تقوم بشكره وَكَيف لَا وَقد أَقَامَ الدولة العباسية بعد أَن أقعدتها زمانة الزَّمَان وأذهبت مَا كَانَ لَهَا من محَاسِن وإحسان وعتب دهرها المسئ لَهَا فأعتب وأرضى عَنْهَا زمانها وَقد كَانَ صال عَلَيْهَا صولة مغضب فَأَعَادَ لَهَا سلما بعد أَن كَانَ عَلَيْهَا حَربًا وَصرف اهتمامه فَرجع كل متضايق من أمورها وَاسِعًا رحبا ومنح أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْد الْقدوم عَلَيْهِ حنوا وعطفا وَأظْهر لَهُ من الْوَلَاء رَغْبَة فِي ثَوَاب الله مَا لَا يحفى وَأبْدى من الاهتمام بالبيعة أمرا لَو رامه غَيره لامتنع عَلَيْهِ وَلَو تمسك بحبله
стр. 818
متمسك لانقطع بِهِ قبل الْوُصُول إِلَيْهِ لَكِن الله ادخر هَذِه الْحَسَنَة ليثقل بهَا فِي الْمِيزَان ثَوَابه ويخفف بهَا يَوْم الْقِيَامَة حسابه فَهَذِهِ منقبة أَبى الله إِلَّا أَن يخلدها فِي صحيفَة صنعه وتكرمة قَضَت لهَذَا الْبَيْت الشريف بجمعه بعد أَن حصل الْإِيَاس من جمعه وأمير الْمُؤمنِينَ يشْكر لَك هَذِه الصَّنَائِع وَيعرف أَنه لَوْلَا اهتمامك لاتسع الْخرق على الراقع وَقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية والديار البكرية والحجازية واليمنية والفراتية وَمَا يَتَجَدَّد من الفتوحات غورا ونجدا وفوض أَمر جندها ورعاياها إِلَيْك حِين أَصبَحت فِي المكارم فَردا وَلَا جعل مِنْهَا بَلَدا من الْبِلَاد وَلَا حصنا من الْحُصُون مُسْتَثْنى وَلَا جِهَة من الْجِهَات تعد فِي الْأَعْلَى وَلَا الْأَدْنَى
فلاحظ أُمُور الْأمة فقد أَصبَحت لَهَا حَامِلا وخلص نَفسك من التَّبعَات الْيَوْم فَفِي غَد تكون مسئولا لَا سَائِلًا ودع الاغترار بالدنيا فَمَا نَالَ أحد مِنْهَا طائلا وَمَا رَآهَا أحد بِعَين الْحق إِلَّا رَآهَا خيالا زائلا فالسعيد من قطع آماله الموصولة وَقدم لنَفسِهِ زَاد التَّقْوَى فتقدمه غير
стр. 819
التَّقْوَى مَرْدُودَة لَا مَقْبُولَة وابسط يدك بِالْإِحْسَانِ وَالْعدْل فقد أَمر الله تَعَالَى بِالْعَدْلِ والاحسان فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن وَكفر بِهِ عَن الْمَرْء ذنوبا وآثاما وَجعل يَوْمًا وَاحِدًا فِيهِ كعبادة العابد سِتِّينَ عَاما وَمَا سلك آحد سَبِيل الْعدْل والاحسان إِلَّا واجتنيت ثماره من أفنان وَرجع الْأَمر بِهِ بعد أَن تداعى أَرْكَانه وَهُوَ مشيد الْأَركان وتحصن بِهِ من حوادث زَمَانه والسعيد من تحصن من حوادث الزَّمَان وَكَانَت أَيَّامه فِي الْأَيَّام أبهى من الأعياد وَأحسن فِي الْعُيُون من الْغرَر فِي أوجه الْجِيَاد وَأحلى من الْعُقُود إِذا حلى بهَا عطل الأجياد
وَهَذِه الأقاليم المنوطة بك تحْتَاج إِلَى نواب وحكام وَأَصْحَاب رَأْي من أَصْحَاب السيوف والأقلام فَإِذا استعنت بِأحد مِنْهُم فِي أمورك فَنقبَ عَلَيْهِ تنقيبا وَاجعَل عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاته رقيبا وسل عَن أَحْوَاله فَفِي الْقِيَامَة تكون عَنهُ مسئولا وَبِمَا أجرم مَطْلُوبا وَلَا تول مِنْهُم إِلَّا من تكون مساعيه حَسَنَات لَك لَا ذنوبا
стр. 820
وَأمرهمْ بالأناة فِي الْأُمُور والرفق وَمُخَالفَة الْهوى إِذا ظَهرت أَدِلَّة الْحق وَأَن يقابلوا الضُّعَفَاء فِي حوائجهم بالثغر الباسم وَالْوَجْه الطلق وَأَن لَا يعاملوا أحدا على الْإِحْسَان والإساءة إِلَّا بِمَا يسْتَحق وَأَن يَكُونُوا لمن تَحت أَيْديهم من الرّعية إخْوَانًا وَأَن يوسعوهم برا وإحسانا وَأَن لَا يستحلوا حرماتهم إِذا اسْتحلَّ الزَّمَان لَهُم حرمانا فالمسلم أَخُو الْمُسلم وَلَو كَانَ عَلَيْهِ أَمِيرا وسلطانا والسعيد من نسج ولاته فِي الْخَيْر على منواله واستن بسنته فِي تَصَرُّفَاته وأحواله وَتحمل عَنهُ مَا تعجز قدرته عَن حمل أثقاله
وَمِمَّا يؤمرون بِهِ أَن يمحى مَا أحدث من سيئ السّنَن وجدد من الْمَظَالِم الَّتِي هِيَ من أعظم المحن وَأَن يَشْتَرِي بإبطالها المحامد رخيصة بأغلى ثمن وَمهما جنى مِنْهَا من الْأَمْوَال فَإِنَّمَا هِيَ بَاقِيَة فِي الذَّم حَاصِلَة وأجياد الخزائن إِن أضحت بهَا حَالية فَإِنَّمَا هِيَ على الْحَقِيقَة مِنْهَا عاطلة وَهل أَشْقَى مِمَّن احتقب إِثْمًا واكتسب بالمساعي الذميمة ذما وَجعل السوَاد الْأَعْظَم يَوْم الْقِيَامَة خصما وَتحمل
стр. 821
ظلم النَّاس فِيمَا صدر عَنهُ من أَعمال ﴿وَقد خَابَ من حمل ظلما﴾
وحقيق بالْمقَام الشريف المولوي السلطاني الملكي الظَّاهِرِيّ الركني أَن لَا تكون ظلامات الْأَنَام مَرْدُودَة بعدله وطاعته تخفف ثقلا لَا طَاقَة لَهُم بِحمْلِهِ فقد أضحى على الْإِحْسَان قَادِرًا وصنعت لَهُ الْأَيَّام مَا لم تَصنعهُ لمن تقدم من الْمُلُوك وَإِن جَاءَ آخرا فاحمد الله على أَن وصل إِلَى جنابك إِمَام هدى يُوجب لَك مزية التَّقْدِيم وينبه الْخَلَائق على مَا خصك الله بِهِ من الْفضل الْعَظِيم وَهَذِه أُمُور يجب أَن تلاحظ وترعى ويوالى عَلَيْهَا حمد الله فَإِن الْحَمد يجب عَلَيْهَا عقلا وَشرعا وَقد تبين لَك أَنَّك صرت فِي الْأُمُور أصلا وَصَارَ غَيْرك فرعا
وَمِمَّا يجب أَيْضا تَقْدِيم ذكره أَمر الْجِهَاد الَّذِي أضحى على الْأمة فرضا وَهُوَ الْعَمَل الَّذِي يرجع بِهِ مسود الصحائف مبيضا وَقد وعد الله الْمُجَاهدين بِالْأَجْرِ الْعَظِيم وَأعد لَهُم عِنْده الْمقَام الْكَرِيم وخصهم بِالْجنَّةِ الَّتِي لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم وَقد تقدّمت لَك فِي الْجِهَاد يَد بَيْضَاء
стр. 822
أسرعت فِي سَواد الحساد وَعرفت مِنْك عزمه وَهِي أمضى مِمَّا تجنه ضمائر الأغماد واشتهرت بك مَوَاقِف فِي الْقِتَال هِيَ أشهر وأشهى إِلَى الْقُلُوب من الأعياد وَبِك صان الله حمى الْإِسْلَام أَن يبتذل وبعزمك حفظ على الْمُسلمين نظام هَذِه الدول وسيفك أثر فِي قُلُوب الْكَافرين قروحا لَا تندمل وَبِك يُرْجَى أَن يرجع مقرّ الْخلَافَة إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَيَّام الأول فأيقظ لنصرة الْإِسْلَام جفنا مَا كَانَ غافيا وَلَا هاجعا وَكن فِي مجاهدة أَعدَاء الله إِمَامًا متبوعا لَا تَابعا وأيد كلمة التَّوْحِيد فَمَا تَجِد فِي تأييدها إِلَّا مُطيعًا سَامِعًا وَلَا تخل الثغور من اهتمام بأمرها تبتسم لَهُ الثغور واحتفال يُبدل مَا دجا من ظلماتها بِالنورِ وَاجعَل أمرهَا على الْأُمُور مقدما وشيد مِنْهَا كل مَا غَادَرَهُ الْعَدو متهدما فَهَذِهِ حصون بهَا يحصل الِانْتِفَاع الِانْتِفَاع وعَلى الْعَدو دَاعِيَة افْتِرَاق دَاعِيَة افْتِرَاق لَا اجْتِمَاع وأولاها بالاهتمام مَا كَانَ الْبَحْر لَهُ مجاورا والعدو إِلَيْهِ ملتفتا نَاظرا وَلَا سِيمَا ثغور الديار المصرية فَإِن الْعَدو وصل إِلَيْهَا رابحا وَرَاح خاسرا واستأصلهم الله فِيهَا حَتَّى مَا أقَال مِنْهُم
стр. 823
عاثرا وَكَذَلِكَ الأسطول الَّذِي ترى خيله كالأهلة وركائبه سَابِقَة بِغَيْر سائق مُسْتَقلَّة وَهُوَ أَخُو الْجَيْش السُّلَيْمَانِي فَإِن ذَاك غَدَتْ الرّيح لَهُ حاملة وَهَذَا تكفلت بِحمْلِهِ الرِّيَاح السابلة وَإِذا لحظها الطّرف جَارِيَة فِي الْبَحْر كَانَت كالأعلام وَإِذا شبهها قَالَ هَذِه لَيَال تقلع بِالْأَيَّامِ وَقد سنى الله لَك من السَّعَادَة كل مطلب وآتاك من أَصَالَة الرَّأْي الَّذِي يُرِيك المغيب وَبسط بعد الْقَبْض مِنْك الأمل ونشط بالسعادة مَا كَانَ من كسل وهداك إِلَى مناهج الْحق وَمَا زلت مهتديا إِلَيْهَا وألزمك المراشد فَلَا تحْتَاج إِلَى تَنْبِيه عَلَيْهَا وَالله تَعَالَى يمدك بِأَسْبَاب نَصره ويوزعك شكر نعمه فَإِن النِّعْمَة تستتم بشكره
وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد الَّذِي كتبه القَاضِي مُحي الدّين بن عبد الظَّاهِر للْملك الْمَنْصُور قلاوون عَن الْخَلِيفَة الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْحَاكِم الأول
стр. 824
الْحَمد لله الَّذِي جعل آيَة السَّيْف ناسخة لكثير من الْآيَات وفاسخة لعقود أولى الشَّك والشبهات الَّذِي رفع بعض الْخلق على بعض دَرَجَات وَأهل لأمور الْبِلَاد والعباد من جَاءَت بخوارق تملكة بِالَّذِي إِن لم يكن من المعجزات فَمن المكرمات
ثمَّ الْحَمد لله الَّذِي جعل الْخلَافَة العباسية بعد القطوب حَسَنَة الابتسام وَبعد الشحوب جميلَة الاتسام وَبعد التشريد كل دَار إِسْلَام لَهَا أعظم من دَار السَّلَام
وَالْحَمْد لله على أَن أشهدها مصَارِع أعدائها وَأحمد لَهَا عواقب إِعَادَة نصرها وإبدائها ورد تشتيتها بعد أَن ظن كل أحد أَن شعارها الْأسود مَا بقى مِنْهُ إِلَّا مَا صانته الْعُيُون فِي جفونها والقلوب فِي سويدائها
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتلذذ بذكرها اللِّسَان وتتعطر بنفحاتها الأفواه والأردان وتتلقاها مَلَائِكَة الْقبُول فترفعها إِلَى أَعلَى مَكَان
стр. 825
ونصلى على سيدنَا مُحَمَّد الَّذِي أكرمنا الله بِهِ وَشرف لنا الْأَنْسَاب وأعزنا بِهِ حَتَّى نزل فِينَا مُحكم الْكتاب صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الَّذين انجاب الدّين مِنْهُم عَن أنجاب وَرَضي الله عَن صحابته الَّذين هم خير صِحَاب صَلَاة ورضوانا يُوفى قَائِلهَا أجره يَوْم الْحساب من الْكَثْرَة بِغَيْر حِسَاب يَوْم الْحساب
وَبعد حمد الله على أَن أَحْمد عواقب الْأُمُور وَأظْهر لِلْإِسْلَامِ سُلْطَانا اشتدت بِهِ للْأمة الظُّهُور وشفيت الصُّدُور وَأقَام الْخلَافَة العباسية فِي هَذَا الزَّمن بالمنصور كَمَا أَقَامَهَا فِي مَا مضى بالمنصور وَاخْتَارَ لإعلان دعوتها من يحيي معالمها بعد العفاء ورسومها بعد الدُّثُور وَجمع لَهَا الْآن مَا كَانَ جمع عَلَيْهَا فِيمَا قبل من خلاف كل ناجم ومنحها مَا كَانَت تبشرها بِهِ من الْمَلَاحِم وأنفذ كلمتها فِي ممالك الدولة العلوية بِخَير سيف مشحوذ ماضي العزائم ومازج بَين طاعتها فِي الْقُلُوب وَذكرهَا فِي الْأَلْسِنَة وَكَيف لَا والمنصور هُوَ الْحَاكِم وَأخرج لحياطه الْأمة المحمدية ملكا تقسم البركات عَن يَمِينه وتقسم السَّعَادَة بِنور
стр. 826
جَبينه وتقهر الْأَعْدَاء بفتكاته وتمهر عقائل المعاقل بأصغر راياته ذُو السعد الَّذِي مَا زَالَ نوره يشف حَتَّى ظهر ومعجزه يرف إِلَى أَن بهر وجوهره ينْتَقل من جيد إِلَى جيد حَتَّى علا الجبين وسره يكمن فِي قلب بعد قلب حَتَّى علم وَالْحَمْد لله نبأ تَمْكِينه فِي الأَرْض بعد حِين فاختاره الله على علم واصطفاه من بَين عباده بِمَا جبله الله عَلَيْهِ من كرم وشجاعة وحلم وأتى الله بِهِ الْأمة المحمدية فِي وَقت الِاحْتِيَاج غوثا وَفِي إبان الاستمطار غيثا وَفِي حِين عيث الأشبال فِي غير الافتراس ليثا فَوَجَبَ على من لَهُ فِي أَعْنَاق الْأمة المحمدية مبايعة رضوَان وَعند أَيْمَانهم مصافحة أَيْمَان وَمن وَجَبت لَهُ الْبيعَة باستحقاقه لميراث منصب النُّبُوَّة وَمن تصح مِنْهُ كل ولَايَة شَرْعِيَّة يُؤْخَذ كتابها مِنْهُ بِقُوَّة وَمن هُوَ خَليفَة الزَّمَان وَالْعصر وَمن بدعواته ينزل الله عَلَيْكُم معاشر كماة الْإِسْلَام مَلَائِكَة النَّصْر وَمن نسبه بِنسَب نَبِيكُم ﷺ متشج وحسبه بِحَسبِهِ ممتزج أَن يُفَوض مَا فوضه الله إِلَيْهِ من أَمر الْخلق إِلَى من يقوم عَنهُ بِفَرْض الْجِهَاد وَالْعَمَل بِالْحَقِّ
стр. 827
وَأَن يوليه ولَايَة شَرْعِيَّة تصح بهَا الْأَحْكَام وتنضبط أُمُور الْإِسْلَام وَتَأْتِي هَذِه الْعصبَة الإسلامية يَوْم تَأتي كل أمة بإمامهم من طَاعَة خليفتهم هَذَا بِخَير إِمَام وَخرج أَمر مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ شرفه الله أَن يكون للْمقر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري أَجله الله وَنَصره وأظفره وأقدره وأيده وأبده كل مَا فوضه الله لمولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ من حكم فِي الْوُجُود وَفِي التهائم والنجود وَفِي الجيوش والجنود وَفِي الْمَدَائِن والخزائن وَفِي الظَّوَاهِر والبواطن وَفِيمَا فَتحه الله وَفِيمَا سيفتحه وَفِيمَا كَانَ فسد بالْكفْر والرجاء من الله أَنه سيصلحه وَفِي كل جود وَمن وَفِي كل عَطاء وَمن وَفِي كل هبة وتمليك وَفِي كل تفرد بِالنّظرِ فِي أُمُور الْمُسلمين بِغَيْر تشريك وَفِي كل تعاهد ونبذ وَفِي كل عَطاء وَأخذ وَفِي كل عزل وتولية وَفِي كل تَسْلِيم وتخلية وَفِي كل إرفاق وإنفاق وَفِي كل إنعام وَإِطْلَاق وَفِي كل استرقاق وإعتاق وَفِي كل تقليل وتكثير وَفِي كل اتساع وتقتير وَفِي كل تَجْدِيد وتعويض وَفِي كل حمد وتقريض
стр. 828
ولَايَة عَامَّة تَامَّة محكمَة محكمَة منضدة منظمة لَا يتعقبها نسخ من خلفهَا وَلَا من بَين يَديهَا وَلَا يعتريها فسخ يطْرَأ عَلَيْهَا يزيدها مر الْأَيَّام جدة يُعَاقِبهَا حسن شباب وَلَا يَنْتَهِي على الأعوام والأحقاب نعم ينتهى إِلَى مانصب الله للإرشاد من سنة وَكتاب وَذَلِكَ من شرع الله أَقَامَهُ للهداية علما وَجعله إِلَى اخْتِيَار الثَّوَاب سلما فَالْجَوَاب أَن يعْمل بجزئيات أمره وكلياته وَأَن لَا يخرج أحد عَن مقدماته
وَالْعدْل فَهُوَ الْغَرْس المثمر والسحاب الممطر وَالرَّوْض المزهر وَبِه تتنزل البركات وتخلف الهبات وتربى الصَّدقَات وَبِه عمَارَة الأَرْض وَبِه تُؤَدّى السّنة وَالْفَرْض فَمن زرع الْعدْل اجتنى الْخَيْر وَمن أحسن كفي الضَّرَر والضير
وَالظُّلم فعاقبته وخيمة وَمَا يطول عمر الْملك إِلَّا بالمعدلة الرحيمة
والرعية فهم الْوَدِيعَة عِنْد أولي الْأَمر فَلَا يخصص بِحسن النّظر مِنْهُم زيد وَلَا عَمْرو
стр. 829
وَالْأَمْوَال فَهِيَ ذخائر الْعَاقِبَة والمآل وَالْوَاجِب أَن تُؤْخَذ بِحَقِّهَا وتنفق فِي مستحقها
وَالْجهَاد برا وبحرا فَمن كنَانَة الله تفوق سهامه وتؤرخ أَيَّامه وينتضي حسامه وتجري منشآته فِي الْبَحْر كالأعلام وتنشر أَعْلَامه وَفِي عقر دَار الْحَرْب يحط ركابه ويخط كِتَابه وَترسل أرسانه وتجوس خلالها فرسانه فَيلْزم مِنْهُ ديدنا وليستصحب مِنْهُ فعلا حسنا
وجيوش الْإِسْلَام وكماته وأمراؤه وحماته فهم من قد علمت قدم هجره وَعظم نَصره وَشدَّة بَأْس وَقُوَّة مراس وَمَا مِنْهُم إِلَّا من شهد الفتوحات والحروب وَأحسن فِي المحاماة عَن الدّين الدءوب وهم بقايا الدول ونجايا الْمُلُوك الأول لَا سِيمَا أولو السَّعْي الناجح وَمن لَهُم نِسْبَة صالحية إِذا فَخَروا بهَا قيل لَهُم نعم السّلف الصَّالح فأوسعهم برا وَكن بهم برا وهم بِمَا يجب من خدمتك أعلم وَأَنت بِمَا يجب من حرمتهم أدرى
стр. 830
والثغور والحصون فَهِيَ ذخائر الشدَّة وخزائن العديد وَالْعدة ومقاعد لِلْقِتَالِ وكنائن الرِّجَال والآمال فَأحْسن لَهَا التحصين وفوض أمرهَا إِلَى كل قوي أَمِين وَإِلَى كل ذِي دين متين وعقل رصين
ونواب الممالك ونواب الْأَمْصَار فَأحْسن لَهُم الِاخْتِيَار وأجمل لَهُم الاختبار وتفقد لَهُم الْأَخْبَار
وَأما مَا سوى ذَلِك فَهُوَ دَاخل فِي حُدُود هَذِه الْوَصَايَا النافعة وَلَوْلَا أَن الله أمرنَا بالتذكير لكَانَتْ سجايا الْمقر الْأَشْرَف السلطاني الملكي المنصوري مكتفية بأنوار ألمعيته الساطعة وزمام كل صَلَاح يجب أَن يشغل بِهِ جَمِيع أوقاته هُوَ تقوى الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ فَلْيَكُن ذَلِك نصب الْعين وشغل الْقلب والشفتين
وأعداء الدّين من أرمن وفرنج وتتار فاذقهم وبال أَمرهم فِي كل إِيرَاد للغزو وإصدار وثر لِأَن تَأْخُذ
стр. 831
للخلفاء العباسيين وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين مِنْهُم الثار وَاعْلَم أَن الله نصيرك على ظلمهم وَمَا للظالمين من أنصار
وَأما غَيرهم من مجاوريهم من الْمُسلمين فَأحْسن باستنقاذك مِنْهُم العلاج وطبهم باستصلاحك فبالطب الملكي المنصوري مَا زَالَ ينصلح المزاج وَالله الْمُوفق بكرمه
تَنْبِيه قد ذكر مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم أَنه كَانَ يكْتب لِلْأُمَرَاءِ عَن الْخُلَفَاء فِي قرطاس من نصف طومار وَتقدم فِي آخر البيعات وعهود الْخُلَفَاء أَن المُرَاد قطع الْبَغْدَادِيّ وَكَانَت الْأُمَرَاء من متقلدي الممالك عَنْهُم قَائِمَة مقَام الْمُلُوك الْآن أما الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب عَن خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية لملوكها فَفِي قطع الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن تملك الْملك الْمُؤَيد شيخ سُلْطَان الْعَصْر فَكتب عَهده فِي ورق يزِيد عرضه عَن قطع الْبَغْدَادِيّ بِقدر نصفه بقلم مُخْتَصر الطومار
стр. 832
الْفَصْل الثَّانِي من الْبَاب الرَّابِع
فِيمَا يكْتب عَن الْخُلَفَاء لمن دون الْمُلُوك من أَرْبَاب الْوَظَائِف والولايات وَهُوَ على خَمْسَة أساليب
الأسلوب الأول
أَن يفْتَتح مَا بكتب بِلَفْظ عهد من فلَان أَو هَذَا مَا عهد عبد الله أَبُو فلَان الإِمَام الْفُلَانِيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فلَان بن فلَان ويصفه بِمَا يَلِيق بِهِ ثمَّ يُقَال فقلده كَذَا وَكَذَا وَيذكر الْوَظِيفَة المولاة ثمَّ يُقَال أمره بِكَذَا وَأمره بِكَذَا إِلَى آخر الوصابا ثمَّ يُقَال هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك على نَحْو مَا تقدم فِي عهود الْخُلَفَاء إِلَى الْمُلُوك وعَلى هَذَا جلّ مَا كَانَ يكْتب فِي الدولة العباسية بالعراق من وظائف أَرْبَاب السيوف والأقلام إِلَّا أَنه فِي آخر الدولة كَانَ يَقع الْوَصْف والإطراء فِي حق الْخَلِيفَة وَحقّ الْمولى أَكثر مِنْهُ مِمَّا قبل ذَلِك وَالْأَصْل فِي هَذَا الأسلوب مَا كتب بِهِ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ لأمرائه الَّذين وجههم لقِتَال أهل الرِّدَّة
стр. 833
وَهَذِه نسخته
هَذَا عهد من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله ﷺ لفُلَان حِين بَعثه لقِتَال من رَجَعَ عَن الْإِسْلَام عهد إِلَيْهِ أَن يتقى الله تَعَالَى مَا اسْتَطَاعَ فِي أمره كُله وسره وجهره
وَأمره بالجد فِي أَمر الله تَعَالَى ومجاهدة من تولى عَنهُ وَرجع من الْإِسْلَام إِلَى أماني الشَّيْطَان بعد أَن يعْذر إِلَيْهِم فيدعوهم بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام فَإِن أجابوه أمسك عَنْهُم وَإِن لم يُجِيبُوهُ شن غارته عَلَيْهِم ويعطيهم الَّذِي لَهُم وَلَا ينظرهم وَلَا يرد الْمُسلمين عَن قتال عدوهم فَمن أجَاب إِلَى أَمر الله وَأقر لَهُ قبل ذَلِك مِنْهُ وأعانه عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا يُقَاتل من كفر بِاللَّه على الْإِقْرَار بِمَا جَاءَ من عِنْد الله فَإِذا أجَاب الدعْوَة لم يكن لَهُ عَلَيْهِ سَبِيل وَكَانَ الله حَسبه فِيمَا استسر بِهِ وَمن لم يجب إِلَى دَاعِيَة الله قوتل حَيْثُ كَانَ وَحَيْثُ بلغ مراغمه لَا يقبل الله من أحد شَيْئا أعطَاهُ إِلَّا الْإِسْلَام فَمن أَجَابَهُ وَأقر بِهِ قبل مِنْهُ
стр. 834
وَعلمه وَمن أَبى قَاتله فَإِن أظهره الله عَلَيْهِ قتل فيهم كل قتلة بِالسِّلَاحِ والنيران ثمَّ قسم مَا أَفَاء الله عَلَيْهِ إِلَّا الْخمس فَإِنَّهُ مبلغناه وَيمْنَع أَصْحَابه العجلة وَالْفساد وَأَن لَا يدْخل فيهم حَشْو حَتَّى يعرفهُمْ وَيعلم مَا هم لِئَلَّا يَكُونُوا عيُونا وَلِئَلَّا يُؤْتى الْمُسلمُونَ من قبلهم وَأَن يقْصد بِالْمُسْلِمين الرِّفْق ويرفق بهم فِي السّير والمنزل ويتفقدهم وَلَا يعجل بَعضهم عَن بعض ويستوصي بالمسليمن فِي حسن الصُّحْبَة وليت الْفِعْل
وَهَذِه نُسْخَة عهد بِقَضَاء الْقُضَاة بحاضرة بَغْدَاد وَسَائِر الْأَعْمَال كتب بِهِ عَن الإِمَام النَّاصِر لدين الله للْقَاضِي محيي الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن فضلان من إنْشَاء عضد الدّين بن الضَّحَّاك
هَذَا مَا عهد عبد الله وخليفته فِي الْعَالمين المفترض الطَّاعَة على الْخلق أَجْمَعِينَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مُحَمَّد بن يحيى بن فضلان
стр. 835
حِين سبر خلاله واستقراها وَاعْتبر طرائقه واستبراها فألفاه رشيدا فِي مذاهبه سديدا فِي أَفعاله وضرائبه موسوما بالرصانة حاليا بالورع والديانة مبرزا من الْعُلُوم فِي فنونها عَالما بمفروض الشَّرِيعَة المطهرة ومسنونها مدرعا ملابس العفاف قد أناف على أَمْثَاله فِي بوارع الْأَوْصَاف فقلده قَضَاء الْقُضَاة فِي مَدِينَة السَّلَام وَجَمِيع الْبِلَاد والأعمال والنواحي والأمصار شرقا وغربا وبعدا وقربا سكونا إِلَى مَا علم من حَاله واضطلاعه بالنهضة المنوطة بِهِ واستقلاله وركونا إِلَى قِيَامه بِالْوَاجِبِ فِيمَا أسْند إِلَيْهِ ونهوضه بعبء مَا عول فِي حفظ قوانينه عَلَيْهِ واستنامة إِلَى حُلُول الاصطناع عِنْده ومصادفته مِنْهُ مَكَانا تبوأه بِالِاسْتِحْقَاقِ وَحده وَالله تَعَالَى يعضد أَمِير الْمُؤمنِينَ بمزيد التَّوْفِيق فِي جَمِيع الْأُمُور وَيحسن لَهُ الْخيرَة فِيمَا يؤمه من مناظم الدّين وَصَلَاح الْجُمْهُور وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
أمره بتقوى الله تَعَالَى فِي إعلانه وإسراره وتقمص شعارها فِي إِظْهَار أمره وإظماره فَإِنَّهَا العروة الوثقى
стр. 836
والذخر الأبقى والسعادة الَّتِي مَا دونهَا فوز وَلَا فَوْقهَا مرقى وَهِي حِيلَة الْأَبْرَار وسيما الأخيار والمنهج الْوَاضِح والمتجر الرابح والسبيل الْمُؤَدِّي إِلَى النجَاة والخلاص يَوْم لَا وزر ولات حِين مناص وأنفع الْعدَد والذخائر وَخير العتاد يَوْم تنشر الصُّحُف وتبلى السرائر يَوْم تشخص الْأَبْصَار وتعدم الْأَنْصَار ﴿وَترى الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ مُقرنين فِي الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وُجُوههم النَّار﴾ وَلَا ينجو من عَذَاب الله يَوْمئِذٍ إِلَّا من كَانَ زَاده التَّقْوَى وَتمسك مِنْهَا بِالسَّبَبِ الْأَقْوَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى واتقون يَا أولي الْأَلْبَاب﴾
وَأمره أَن يَجْعَل كتاب الله تَعَالَى أماما يَهْتَدِي بمناره ويستصبح ببواهر أنواره ويستضئ فِي ظلم المشكلات بمنير مصباحه وَيقف عِنْد حُدُود محظوره ومباحه ويتخذه مِثَالا يحتذيه ودليلا يتبع أَثَره فيهديه
стр. 837
وَيعْمل بِهِ فِي قضاياه وَأَحْكَامه ويقتدي بأوامره فِي نقضه وإبرامه فَإِنَّهُ دَلِيل الْهدى ورائده وسائق النجح وقائده ومعدن الْعلم ومنبعه ومنجم الرشاد ومطلعه وَأحد الثقلَيْن اللَّذين جَعلهمَا رَسُول الله ﷺ فِي الْأمة وَالذكر الَّذِي جعله الله تبيانا لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة فَقَالَ عز من قَائِل ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة وبشرى للْمُسلمين﴾
وَأمره بِاتِّبَاع الْآثَار النَّبَوِيَّة صلوَات الله على صَاحبهَا وَسَلَامه والاهتداء بشموسها الَّتِي تنجلي بِهِ دجنة كل مُشكل وظلامه والاقتداء بِسنة الشَّرِيعَة المتبوعة وتصفح الْأَخْبَار المسموعة وَالْعَمَل مِنْهَا بِمَا قَامَت أَدِلَّة صِحَّته من جَمِيع جهاته فاستحكمت الثِّقَة بنقلته عَنهُ ﵇ وَرُوَاته وسلمت أسانيده من قدح وَرِجَاله من ظنة وجرح فَإِنَّهَا التالية لِلْقُرْآنِ الْمجِيد فِي وجوب الْعَمَل بأوامره والانتهاء بروادعه وزواجره وَهُوَ ﵊ الصَّادِق الْأمين الَّذِي مَا ضل وَمَا غوى وَمَا ينْطق عَن الْهوى وَقد
стр. 838
قرن الله سُبْحَانَهُ طَاعَته بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَل بكتابه وَالْأَخْذ بسنته فَقَالَ عز من قَائِل ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾
وَأمره بمجالسة الْعلمَاء ومباحثة الْفُقَهَاء ومشاركتهم فِي الْأُمُور المشكلة وعوارض الحكومات المعضلة ليستبين سبل الصَّوَاب ويعري الحكم من ملابس الشّبَه والارتياب ويخلص من خطأ الِانْفِرَاد وغوائل الاستبداد فالمشورة بِالْيمن مقرونة والسلامة فِي مطاويها مَضْمُونَة وَقد أَمر الله تَعَالَى بهَا نبيه ﷺ مَعَ شرف مَنْزِلَته وَكَمَال عصمته وتأييده بِرُوحِهِ وَمَلَائِكَته فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين﴾
وَأمره بِفَتْح بَابه وَرفع حجابه وَأَن يجلس للخصوم جُلُوسًا عَاما وَينظر فِي أُمُورهم نظرا حسنا تَاما مُسَاوِيا بَينهم فِي نظره ولحظه وإصغائه وَلَفظه محترزا من
стр. 839
ذِي اللسن وجرأة جنانه متأنيا بِذِي الْحصْر عِنْد إِقَامَة برهانه فَرُبمَا كَانَ أحد الْخَصْمَيْنِ أَلحن بحجته وَالْآخر ضَعِيفا عَن مقاومته هَذَا مقَام الفحص والاستفهام والتثبت فِي إِمْضَاء الْأَحْكَام ليسلم من خديعة محتال وَكيد مغتال مائلا فِي جَمِيع ذَلِك مَعَ الْوَاجِب سالكا طَرِيق الْعدْل اللاحب غير فَارق فِي إِمْضَاء الحكم بَين الْقوي والضعيف والمشروف والشريف وَالْمَالِك والمملوك والغني والصعلوك قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾
وَأمره بتصفح أَحْوَال الشُّهُود المسموعة أَقْوَالهم فِي الْحُقُوق وَالْحُدُود المرجوع إِلَى أمانتهم الْمَعْمُول بِشَهَادَتِهِم الَّذين بهم تُقَام الْحجَج وتدحض وتبرم الْأَحْكَام وتنقض وَتثبت الدعاوي وَتبطل وتمضي القضايا وتسجل مُجْتَهدا فِي الْبَحْث عَن طرائقهم وأحوالهم
стр. 840
وانتقاد تصاريفهم وأفعالهم واستشفاف سجاياهم وعرفان مزاياهم مُخَصّصا بالتمييز من كَانَ حميد الْخلال مرضِي الفعال رَاجعا إِلَى ورع وَدين متمسكا من الْأَمَانَة والنزاهة بِالسَّبَبِ المتين قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾
وَأمره بِالنّظرِ فِي أُمُور الْيَتَامَى وَأَمْوَالهمْ ومراعاة شئونهم وأحوالهم وَأَن يرتب بِسَبَب اتساق مصالحهم الثِّقَات الأعفاء والأمناء الأتقياء مِمَّن ظَهرت ديانته وَحسنت سيرته واشتهر باللطف والعفاف والتنزه عَن الطمع والإسفاف وَيَأْمُرهُمْ بحفظها من خلل يتخللها وَيَد خَائِنَة تدْخلهَا وَليكن عَلَيْهِم حدبا وَفِي فرط الحنو أَبَا وخلفا من آبَائِهِم فِي الإشفاق عَلَيْهِم وَحسن الِالْتِفَات إِلَيْهِم فَإِنَّهُ عَنْهُم مسئول والعذر عِنْد الله تَعَالَى فِي إهمالهم غير مَقْبُول وَأَن يَأْذَن لَهُم فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهِم بِالْمَعْرُوفِ من غير إِسْرَاف وَلَا تقتير وَلَا تضييق وَلَا تبذير فَإِذا بلغ أحدهم النِّكَاح وآنس مِنْهُ أَمَارَات الرشد
стр. 841
وَالصَّلَاح دفع مَاله إِلَيْهِ وَأشْهد بِقَبْضِهِ عَلَيْهِ على الْوَجْه الْمَنْصُوص غير مَنْقُوص وَلَا منغوص ممتثلا أَمر الله تَعَالَى فِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا﴾
وَأمره بتزويج الْأَيَامَى اللواتي لَا أَوْلِيَاء لَهُنَّ من أكفائهن بمهور أمثالهن وَأَن يَشْمَل ذَوَات الْغنى والفقر مِنْهُنَّ بعدله ويتحرى لَهُنَّ الْمصلحَة فِي عقده وحله
وَأمره أَن يَسْتَنِيب فِيمَا بعد عَنهُ من الْبِلَاد ودنا وَقرب مِنْهُ ونأى كل ذِي علم واستبصار وتيقظ فِي الحكم واستظهار ونزاهة شائعة وأوصاف لأدوات الِاسْتِحْقَاق جَامِعَة مِمَّن يتَحَقَّق نهوضه بذلك واضطلاعه ويؤمن استنزاله وانخداعه وَأَن يعْهَد إِلَيْهِم فِي ذَلِك بِمثل مَا عهد إِلَيْهِ فَلَا يألوهم تَنْبِيها وتذكريرا وإرشادا وتبصيرا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾
стр. 842
وَأمره بإمضاء مَا أَمْضَاهُ من قبله من الْحُكَّام من القضايا وَالْأَحْكَام غير متعقب أحكامهم بِنَقْض وَلَا تَبْدِيل وَلَا تَغْيِير وَلَا تَأْوِيل إِذا كَانَت جَائِزَة فِي بعض الْأَقْوَال ممضاة على وَجه من وُجُوه الِاحْتِمَال غير خارقة للْإِجْمَاع عَارِية من ملابس الابتداع وَإِن كَانَ ذَلِك منافيا لمذهبه جَارِيا على خلاف معتقده قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾
وَأمره أَن يتَّخذ كَاتبا قيمًا بِشُرُوط القضايا والسجلات عَارِفًا بِمَا يتَطَرَّق نَحْوهَا من الشّبَه والتأويلات ويتداخلها من النَّقْص والتلبيسات متحرزا فِي كل حَال متنزها عَن ذميم الْأَفْعَال وَأَن يتَخَيَّر حاجبا نقي الجيب مَأْمُون المشهد والغيب مستشعرا للتقوى فِي السِّرّ والنجوى سالكا للطريقة المثلى غير متجهم للنَّاس وَلَا مُعْتَمد مَا يُنَافِي بسط الْوَجْه والإيناس فَإِنَّهُ وصلتهم إِلَيْهِ ووجهة الْمَشْهُود قبل الدُّخُول عَلَيْهِ فلينتخبه من بَين أَصْحَابه
стр. 843
وَمن يرتضيه من أَمْثَاله وَأَضْرَابه
وَأمره بتسلم ديوَان الْقَضَاء وَالْحكم والاستظهار على مَا فِي خزائنه بالإثبات والخم وَالِاحْتِيَاط على مَا بِهِ من المَال والسجلات والحجج والمحاضر والولايات والقبوض والوثائق والأثبات والكفالات بِمحضر من الْعُدُول الْأُمَنَاء الثِّقَات وَأَن يرتب لذَلِك خَازِنًا يُؤَدِّي الْأَمَانَة فِيهِ ويتوخى مَا توجبه الدّيانَة وتقتضيه
وَأمره بمراعاة أَمر الْحِسْبَة فَإِنَّهَا من أكبر الْمصَالح وأهمها وأجمعها لمنافع الْخلق وأعمها وأدعاها إِلَى تحصين أَمْوَالهم وانتظام أَحْوَالهم وَأَن يَأْمر المستناب فِيهَا بِاعْتِبَار سَائِر المبيعات وَمَا فِيهَا من الأقوات وَغَيرهَا فِي عَامَّة الْأَوْقَات وَتَحْقِيق أَسبَاب الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الأسعار والتصدي لذَلِك على الدَّوَام والاستمرار وَأَن يجْرِي الْأَمر فِيهَا بِحَسب مَا تَقْتَضِيه الْحَال الْحَاضِرَة وَالْمُوجِبَات الشائعة الظَّاهِرَة وَاعْتِبَار الموازين والمكاييل وإعادة الزَّائِد والناقص مِنْهَا إِلَى التَّسْوِيَة وَالتَّعْدِيل فَإِن
стр. 844
اطلع لأحد من المتعاملين على خِيَانَة فِي ذَلِك وَفعل ذميم أَو تطفيف عدل فِيهِ عَن الْوَزْن بالقسطاس الْمُسْتَقيم ناله من التَّأْدِيب واسباب التَّهْذِيب بِمَا يكون لَهُ رادعا وَلغيره زاجرا وازعا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون ليَوْم عَظِيم يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عِنْد الله تَعَالَى عَلَيْك قد أولاك من صنوف النعم والآلاء وجزيل النعم والحباء مَا يُوجب عَلَيْك الِاعْتِرَاف بِقَدرِهِ واستيزاع شكره ووقف بك على محجة الرشاد وهداك مَنْهَج الْحق وَسنَن السداد وَلم يألك تثقيفا وتبصيرا وتنبيها وتذكيرا فَتَأمل ذَلِك متدبرا وقف عِنْد حُدُود أوامره ونواهيه مستبصرا واعمل بِهِ فِي كل مَا تَأتيه وتذره وتورده وتصدره وَكن للمخيلة فِي ارتيادك محققا والمعتقد فِيك مُصدقا تفز من خير الدَّاريْنِ بمعلى القداح
стр. 845
وإحماد السرى عِنْد الصَّباح وَحسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الله وَنعم الْوَكِيل إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهَذِه نُسْخَة عهد بتقليد الْمَظَالِم بِمَدِينَة السَّلَام
كتب بِهِ أَبُو اسحاق الصابي عَن الْمُطِيع لله إِلَى الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي وَهُوَ
هَذَا مَا عهد عبد الله الْفضل الإِمَام الْمُطِيع لله ذأمير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي حِين اجْتمع فِيهِ شرف الأعراق والأخلاق وتكامل فِيهِ يمن النقائب والضرائب وَعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ فضل الْكِفَايَة والغناء ورشاد الْمَقَاصِد والأنحاء فِي سالف مَا ولاه إِيَّاه من أَعماله الثَّقِيلَة الَّتِي لم يزل فِيهَا مَحْمُود الْمقَام مستمرا على النظام مُصِيب النَّقْض والإبرام سديد الإسداء والإلحام زَائِدا على الزائدين راجحا على الموازين فائتا المحاذين مبرزا على المبارين فقلده النّظر فِي الْمَظَالِم بِمَدِينَة السَّلَام وسوادها وأعمالها وَمَا يجْرِي مَعهَا ثِقَة بِعِلْمِهِ وَدينه واعتمادا على بصيرته
следующие страницы →