← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8460

مآثر الإنافة في معالم الخلافة

القلقشندي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وَالصَّلَاح دفع مَاله إِلَيْهِ وَأشْهد بِقَبْضِهِ عَلَيْهِ على الْوَجْه الْمَنْصُوص غير مَنْقُوص وَلَا منغوص ممتثلا أَمر الله تَعَالَى فِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا﴾ وَأمره بتزويج الْأَيَامَى اللواتي لَا أَوْلِيَاء لَهُنَّ من أكفائهن بمهور أمثالهن وَأَن يَشْمَل ذَوَات الْغنى والفقر مِنْهُنَّ بعدله ويتحرى لَهُنَّ الْمصلحَة فِي عقده وحله وَأمره أَن يَسْتَنِيب فِيمَا بعد عَنهُ من الْبِلَاد ودنا وَقرب مِنْهُ ونأى كل ذِي علم واستبصار وتيقظ فِي الحكم واستظهار ونزاهة شائعة وأوصاف لأدوات الِاسْتِحْقَاق جَامِعَة مِمَّن يتَحَقَّق نهوضه بذلك واضطلاعه ويؤمن استنزاله وانخداعه وَأَن يعْهَد إِلَيْهِم فِي ذَلِك بِمثل مَا عهد إِلَيْهِ فَلَا يألوهم تَنْبِيها وتذكريرا وإرشادا وتبصيرا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾

стр. 842

وَأمره بإمضاء مَا أَمْضَاهُ من قبله من الْحُكَّام من القضايا وَالْأَحْكَام غير متعقب أحكامهم بِنَقْض وَلَا تَبْدِيل وَلَا تَغْيِير وَلَا تَأْوِيل إِذا كَانَت جَائِزَة فِي بعض الْأَقْوَال ممضاة على وَجه من وُجُوه الِاحْتِمَال غير خارقة للْإِجْمَاع عَارِية من ملابس الابتداع وَإِن كَانَ ذَلِك منافيا لمذهبه جَارِيا على خلاف معتقده قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَأمره أَن يتَّخذ كَاتبا قيمًا بِشُرُوط القضايا والسجلات عَارِفًا بِمَا يتَطَرَّق نَحْوهَا من الشّبَه والتأويلات ويتداخلها من النَّقْص والتلبيسات متحرزا فِي كل حَال متنزها عَن ذميم الْأَفْعَال وَأَن يتَخَيَّر حاجبا نقي الجيب مَأْمُون المشهد والغيب مستشعرا للتقوى فِي السِّرّ والنجوى سالكا للطريقة المثلى غير متجهم للنَّاس وَلَا مُعْتَمد مَا يُنَافِي بسط الْوَجْه والإيناس فَإِنَّهُ وصلتهم إِلَيْهِ ووجهة الْمَشْهُود قبل الدُّخُول عَلَيْهِ فلينتخبه من بَين أَصْحَابه

стр. 843

وَمن يرتضيه من أَمْثَاله وَأَضْرَابه وَأمره بتسلم ديوَان الْقَضَاء وَالْحكم والاستظهار على مَا فِي خزائنه بالإثبات والخم وَالِاحْتِيَاط على مَا بِهِ من المَال والسجلات والحجج والمحاضر والولايات والقبوض والوثائق والأثبات والكفالات بِمحضر من الْعُدُول الْأُمَنَاء الثِّقَات وَأَن يرتب لذَلِك خَازِنًا يُؤَدِّي الْأَمَانَة فِيهِ ويتوخى مَا توجبه الدّيانَة وتقتضيه وَأمره بمراعاة أَمر الْحِسْبَة فَإِنَّهَا من أكبر الْمصَالح وأهمها وأجمعها لمنافع الْخلق وأعمها وأدعاها إِلَى تحصين أَمْوَالهم وانتظام أَحْوَالهم وَأَن يَأْمر المستناب فِيهَا بِاعْتِبَار سَائِر المبيعات وَمَا فِيهَا من الأقوات وَغَيرهَا فِي عَامَّة الْأَوْقَات وَتَحْقِيق أَسبَاب الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الأسعار والتصدي لذَلِك على الدَّوَام والاستمرار وَأَن يجْرِي الْأَمر فِيهَا بِحَسب مَا تَقْتَضِيه الْحَال الْحَاضِرَة وَالْمُوجِبَات الشائعة الظَّاهِرَة وَاعْتِبَار الموازين والمكاييل وإعادة الزَّائِد والناقص مِنْهَا إِلَى التَّسْوِيَة وَالتَّعْدِيل فَإِن

стр. 844

اطلع لأحد من المتعاملين على خِيَانَة فِي ذَلِك وَفعل ذميم أَو تطفيف عدل فِيهِ عَن الْوَزْن بالقسطاس الْمُسْتَقيم ناله من التَّأْدِيب واسباب التَّهْذِيب بِمَا يكون لَهُ رادعا وَلغيره زاجرا وازعا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون ليَوْم عَظِيم يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾ هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عِنْد الله تَعَالَى عَلَيْك قد أولاك من صنوف النعم والآلاء وجزيل النعم والحباء مَا يُوجب عَلَيْك الِاعْتِرَاف بِقَدرِهِ واستيزاع شكره ووقف بك على محجة الرشاد وهداك مَنْهَج الْحق وَسنَن السداد وَلم يألك تثقيفا وتبصيرا وتنبيها وتذكيرا فَتَأمل ذَلِك متدبرا وقف عِنْد حُدُود أوامره ونواهيه مستبصرا واعمل بِهِ فِي كل مَا تَأتيه وتذره وتورده وتصدره وَكن للمخيلة فِي ارتيادك محققا والمعتقد فِيك مُصدقا تفز من خير الدَّاريْنِ بمعلى القداح

стр. 845

وإحماد السرى عِنْد الصَّباح وَحسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الله وَنعم الْوَكِيل إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذِه نُسْخَة عهد بتقليد الْمَظَالِم بِمَدِينَة السَّلَام كتب بِهِ أَبُو اسحاق الصابي عَن الْمُطِيع لله إِلَى الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي وَهُوَ هَذَا مَا عهد عبد الله الْفضل الإِمَام الْمُطِيع لله ذأمير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي حِين اجْتمع فِيهِ شرف الأعراق والأخلاق وتكامل فِيهِ يمن النقائب والضرائب وَعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ فضل الْكِفَايَة والغناء ورشاد الْمَقَاصِد والأنحاء فِي سالف مَا ولاه إِيَّاه من أَعماله الثَّقِيلَة الَّتِي لم يزل فِيهَا مَحْمُود الْمقَام مستمرا على النظام مُصِيب النَّقْض والإبرام سديد الإسداء والإلحام زَائِدا على الزائدين راجحا على الموازين فائتا المحاذين مبرزا على المبارين فقلده النّظر فِي الْمَظَالِم بِمَدِينَة السَّلَام وسوادها وأعمالها وَمَا يجْرِي مَعهَا ثِقَة بِعِلْمِهِ وَدينه واعتمادا على بصيرته

стр. 846

ويقينه وسكونا إِلَى أَن الْأَيَّام قد زادته تحليما وتهذيبا وَالسّن قد تناهت بِهِ تحكيما وتجريبا وَأَن صَنِيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ مُسْتَقِرَّة مِنْهُ عِنْد أكْرم أكفائها وأشرف أوليائها برحمه الماسة الدانية وخدمته الشامخة الغالية ومعرفته الثاقبة الداعية إِلَى التَّفْوِيض إِلَيْهِ الباعثة على التعويل عَلَيْهِ وأمير الْمُؤمنِينَ يستمد الله فِي ذَلِك أحسن مَا عوده من هِدَايَة وتسديد ومعونة وتأييد وَمَا توفيقه إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب أمره بتقوى الله الَّتِي هِيَ الْجنَّة الحصينة والعصمة المتينة وَالسَّبَب الْمُتَّصِل يَوْم انْقِطَاع الْأَسْبَاب والزاد الْمبلغ إِلَى دَار الثَّوَاب وَأَن يستشعرها فِيمَا يسر ويعلن ويعتمدها فِيمَا يظْهر ويبطن ويجعلها إِمَامه الَّذِي ينحوه ورائده الَّذِي يقفوه إِذْ هِيَ شِيمَة الْأَبْرَار والأخيار وَكَانَ أولى من تعلق بعلائقها وَتمسك بدقائقها لمفخرة الْكَرِيم ومنصبه الصميم واستظلاله مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بدوحة رَسُول الله ﷺ الَّتِي

стр. 847

يكتنان فِي فنائها ويأويان إِلَى أفيائها وحقيق على من كَانَ مِنْهَا منزعه وإليها مرجعه أَن يكون طيبا زكيا طَاهِرا نقيا عفيفا فِي قَوْله وَفعله نظيفا فِي سره وجهره قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ وَأمره بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَتَأمل مَا فِيهِ من الْبُرْهَان وَأَن يَجعله نصبا لناظره ومألفا لخاطره فياخذ بِهِ وَيُعْطِي ويأتمر بِهِ وَيَنْتَهِي فَإِنَّهُ الْحجَّة الْوَاضِحَة والمحجة اللائحة والمعجزة الباهرة وَالْبَيِّنَة العادلة وَالدَّلِيل الَّذِي من اتبعهُ سلم وَنَجَا وَمن صدف عَنهُ هلك وَهوى قَالَ الله عَن من قَائِل تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ وَأمره أَن يجلس للخصوم جُلُوسًا عَاما وَيقبل عَلَيْهِم إقبالا تَاما ويتصفح مَا يرفع إِلَيْهِ من ظلأماتهم وينعم النّظر فِي أَسبَاب محادثاتهم فَمَا كَانَ طَرِيقه طَرِيق الْمُنَازعَة الْمُتَعَلّقَة بِنَظَر الْقُضَاة وشهادات الْعُدُول رده

стр. 848

إِلَى المتولى للْحكم وَمَا كَانَ طَرِيقه طَرِيق العصوب الْمُحْتَاج فِيهَا إِلَى الْكَشْف والفحص والاستشفاف والبحث نظر فِيهِ نظر صَاحب الْمَظَالِم وانتزع الْحق مِمَّن غصب عَلَيْهِ واستخلصه مِمَّن امتدت لَهُ يَد التَّعَدِّي والتغرر إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى مُسْتَحقّه وَأقرهُ عِنْد مستوجبه غير مراقب كَبِيرا لكبره وَلَا خَاصّا لخصوصه وَلَا شريفا لشرفه وَلَا متسلطا لسلطانه بل يقدم أَمر الله جلّ ذكره فِي كل مَا يَأْتِي ويذر ويتوخى رِضَاهُ فِيمَا يُورد ويصدر وَيكون على الضَّعِيف المحق حدبا ورءوفا حَتَّى يتصبر وينتصف وعَلى الْقوي الْمُبْطل شَدِيدا غليظا حَتَّى ينقاد ويذعن قَالَ الله جلّ وَعز ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب﴾ وَأمره بِأَن يفتح بَابه ويسهل حجابه ويبسط وَجهه ويلين كنفه ويصبر على الْخُصُوم الناقصين فِي بيانهم حَتَّى تظهر حجتهم وينعم النّظر فِي أَقْوَال أهل

стр. 849

اللسن وَالْبَيَان مِنْهُم حَتَّى يعلم مغبتهم فَرُبمَا استظهر العريض الْمُبْطل بِفضل بَيَانه على الْعَاجِز المحق لعي لِسَانه وهنالك يجب أَن يتبع التصفح على الْقَوْلَيْنِ والاستبطال للأمرين ليؤمن أَن يَزُول الْحق عَن سنَنه ويزور الحكم عَن طَرِيقه قَالَ الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ وَأمره بِأَن لَا يرد للقضاة حكما يمضونه وَلَا سجلا ينفذونه وَلَا يعقب ذَلِك بِفَسْخ وَلَا يطْرق عَلَيْهِ بِنَقْض بل يكون لَهُم مُوَافقا مؤازرا ولأحكامهم عاضدا ناصرا إِذْ كَانَ الْحق وَاحِدًا وَإِن اخْتلفت الْمذَاهب إِلَيْهِ فَإِذا وجد الْقَضِيَّة قد سيقت والحكومة قد وَقعت فَلَيْسَ هُنَاكَ شكّ يُوقف عِنْده وَلَا ريب يحْتَاج إِلَى الْكَشْف عَنهُ وَإِذا وجد الْأَمر مشتبها وَالْحق ملتبسا والتغرر مُسْتَعْملا والتغلب مستجازا نظر فِيهِ نظر النَّاصِر لحق

стр. 850

المحقين الداحض لباطل المبطلين والمقوي لأيدي الْمُسْتَضْعَفِينَ الْآخِذ على أَيدي الْمُعْتَدِينَ قَالَ الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ وَأمره أَن يستظهر على مَعْرفَته بمشاورة الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء ومباحثة الربانيين وَالْعُلَمَاء فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ أَمر استرشدهم وَإِن عزب عَنهُ صَوَاب اسْتدلَّ عَلَيْهِ بهم فَإِنَّهُم أزمة الْأَحْكَام وإليهم مرجع الْحُكَّام وَإِذا اقْتدى بهم فِي المشكلات وَعمل بأقوالهم فِي المعضلات أَمن من زلَّة العاثر وغلطة المستأثر وَكَانَ خليقا بِالْأَصَالَةِ فِي رَأْيه والإصابة فِي أبحاثه وَقد أَمر الله تقدست أسماؤه بالمشاورة فَعرف النَّاس فَضلهَا وأسلكهم سبلها بقوله لرَسُوله ﷺ وعَلى آله ﴿وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين﴾

стр. 851

وَأمره أَن يكْتب لمن توجب لَهُ حق من الْحُقُوق إِلَى صَاحب الْكُوفَة بالشد على يَده والتمكن لَهُ مِنْهُ وَقبض الْأَيْدِي عَن منازعته وحسم الأطماع فِي معارضته إِذْ هُوَ مَنْدُوب لتنفيذ أَحْكَامه ومأمور بإمضاء قضاياه وَمَتى أَخذ أحد من الْخُصُوم إِلَى محاربة فِي حق قد حكم عَلَيْهِ بِهِ أَخذ على يَده وكفه عَن عدوانه ورده إِلَى حكم الله الَّذِي لَا يعدل عَنهُ قَالَ الله ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عَلَيْك قد أرشدك وذكرك وهداك وبصرك فَكُن إِلَيْهِ منتهيا وَبِه مقتديا واستعن بِاللَّه يعنك واستكفه يكفك وَكتب الناصح أَبُو الطَّاهِر فِي تَارِيخ كَذَا وَهَذِه نُسْخَة عهد بنقابة الطالبيين بِمَدِينَة السَّلَام وَسَائِر الْأَعْمَال

стр. 852

والأمصار كتب بِهِ أَبُو اسحاق الصابي عَن الطائع لله للشريف أبي الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْعلوِي الموسوي مُضَافا إِلَيْهَا النّظر فِي الْمَسَاجِد وعماراتها واستخلافه لوالده الشريف أبي أَحْمد الْحُسَيْن بن مُوسَى على النّظر فِي الْمَظَالِم وَالْحج بِالنَّاسِ فِي سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة وَهِي هَذَا مَا عهد عبد الله عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي حِين وصلته بِهِ الْأَنْسَاب وقرنته لَدَيْهِ الْأَسْبَاب وَظَهَرت دلَالَة عقله وامانته ووضحت مخايل فَضله ونجابته ومهد لَهُ بهاء الدولة وضياء الْملَّة أَبُو نصر بن عضد الدولة مَا مهد عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ من الْمحل المكين وَوَصفه بِهِ من الْحلم الرزين وَأَشَارَ بِهِ من رفع الْمنزلَة وَتَقْدِيم الرُّتْبَة والتأهيل لولاية الْأَعْمَال وَتحمل الأعباء والأثقال وَحَيْثُ رغبه فِيهِ سَابِقَة الْحُسَيْن أَبِيه فِي الْخدمَة والنصيحة والمشايعة الصَّحِيحَة والموقف المحمودة والمقامات المشهودة

стр. 853

الَّتِي طابت بهَا أخباره وَحسنت فِيهَا آثاره وَكَانَ مُحَمَّد متخلقا بخلائقه ذَاهِبًا على طرائقه علما وديانة وورعا وصيانة وعفة وَأَمَانَة وشهامة وصرامة وتفردا بالحظ الجزيل من الْفضل وَالْأَدب الجزل والتوجه فِي الْأَهْل والإيفاء فِي الناتب على لداته وأترابه والإبرار على قرنائه وَأَضْرَابه فقلده مَا كَانَ دَاخِلا فِي أَعمال أَبِيه من نقابة نقباء الطالبيين بِمَدِينَة السَّلَام وَسَائِر الْأَعْمَال والأمصار شرقا وغربا وبعدا وقربا واختصه بذلك جذبا بضبعه وإنافة بِقَدرِهِ وَقَضَاء لحق رَحمَه وترفيها لِأَبِيهِ وإسعافا لَهُ بإيثاره فِيهِ إِلَى مَا أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ باسخلافه عَلَيْهِ من النّظر فِي الْمَظَالِم وتسيير الحجيج فِي أَوَان المواسم وَالله يعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ الْخيرَة فِيمَا أَمر ودبر وَحسن الْعَاقِبَة فِيمَا قضى وأمضى وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب أمره بتقوى الله الَّتِي هِيَ شعار الْمُؤمنِينَ وسيما الصَّالِحين وعصمة عباد الله أَجْمَعِينَ وَأَن يعتقدها سرا

стр. 854

وجهرا ويعتمدها قولا وفعلا فَيَأْخُذ بهَا وَيُعْطِي ويريش ويبرى وَيَأْتِي ويذر ويورد ويصدر فَإِنَّهَا السَّبَب المتين والمعقل الْحصين والزاد النافع يَوْم الْحساب والمسلك المفضي إِلَى دَار الثَّوَاب وَقد حض الله أولياءه عَلَيْهَا وهداهم فِي مُحكم كِتَابه إِلَيْهَا فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ وَأمره بِتِلَاوَة كتاب الله سُبْحَانَهُ مواظبا وتصفحه مداوما ملازما وَالرُّجُوع إِلَى أَحْكَامه فِيمَا أحل وَحرم وَنقض وأبرم وأثاب وعاقب وباعد وقارب فقد صحّح الله برهانه وحجته وأوضح منهاجه ومحجته فَجعله فجرا فِي الظُّلُمَات طالعا ونورا فِي المشكلات ساطعا فَمن أَخذ بِهِ سلم وَنَجَا وَمن عدل عَنهُ هلك وَهوى قَالَ الله ﴿وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾

стр. 855

وَأمره بتنزيه نَفسه عَمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الشَّهَوَات وتتطلع إِلَيْهِ النزوات وَأَن يضبطها ضبط الْحَلِيم ويكفها كف الْحَكِيم وَيجْعَل عقله سُلْطَانا عَلَيْهَا وتمييزه آمرا ناهيا لَهَا فَلَا يَجْعَل لَهَا عذرا إِلَى صبوة وَلَا هفوة وَلَا يُطلق مِنْهَا عنانا عِنْد ثورة وَلَا فورة فَإِنَّهَا أَمارَة بالسوء منصبة إِلَى الغي فالحازم يتهمها عِنْد تحرّك وطره وأربه واهتياج غيظه وغضبه وَلَا يدع أَن يغضها بالشكيم ويعركها عَرك الْأَدِيم ويقودها إِلَى مصالحها بالخزائم ويعتقلها عَن مقارفة الْمَحَارِم والمآثم كَيْمَا يعز بتهذيبها وتأديبها ويجل برياضتها وتقويمها والمفرط فِي أمره تطمح بِهِ إِذا طمحت ويجمح مَعهَا أَنى جمحت وَلَا يلبث أَن تورده حَيْثُ لَا صدر وتلجئه إِلَى أَن يعْتَذر وتقيمه مقَام النادم الواجم وتتنكب بِهِ سبل الراشد المسالم وأحق من تحلى بالمحاسن وتصدى لِاكْتِسَابِ المحامد من ضرب بِمثل سَهْمه فِي نسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الشريف

стр. 856

ومنصبه المنيف وَاجْتمعَ مَعَه فِي ذؤابة العترة الطاهرة واستظل بأوراق الدوحة الفاخرة فَذَاك الَّذِي تتضاعف لَهُ المآثر إِن آثرها والمناقب إِن أَسف إِلَيْهَا وَلَا سِيمَا من كَانَ مَنْدُوبًا لسياسة غَيره ومرشحا للتقليد على أَهله إِذْ لَيْسَ يَفِي بإصلاح من ولى عَلَيْهِ من لَا يَفِي بإصلاح مَا بَين جَنْبَيْهِ وَكَانَ من أعظم الهجنة أَن يَأْمر وَلَا يأتمر ويزجر وَلَا يزدجر قَالَ الله ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾ وَأمره بتصفح أَحْوَال من ولي عَلَيْهِم واستقراء مذاهبهم والبحث عَن طرائقهم ودخائلهم وَأَن يعرف لمن تقدّمت قدمه مِنْهُم وتظاهر فَضله فيهم مَنْزِلَته ويوفيه حَقه ورتبته وَيَنْتَهِي فِي إكرام جَمَاعَتهمْ إِلَى الْحُدُود الَّتِي توجبها أسبابهم وأقدارهم وتقتضيها مواقفهم وأخطارهم فَإِن ذَلِك يلْزمه لسببين أَحدهمَا يَخُصُّهُ وَهُوَ النّسَب بَينه وَبينهمْ وَالْآخر يعمه

стр. 857

وَالْمُسْلِمين جَمِيعًا وَهُوَ قَول الله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا﴾ فالمودة لَهُم والإعظام لأكابرهم والإقبال على أصاغرهم متضاعف الْوُجُوب عَلَيْهِ ومتأكد اللُّزُوم لَهُ وَمن كَانَ مِنْهُم فِي دون تِلْكَ الطَّبَقَة من أَحْدَاث لم يحتنكوا أَو جذعان لم يقرحوا مجرين إِلَى مَا يزري بأنسابهم ويغض من أحسابهم عذلهم ونبههم ونهاهم ووعظهم فَإِن نزعوا وأقلعوا فَذَاك المُرَاد بهم وَالْمَقْصُود إِلَيْهِ فيهم وَإِن أصروا وتتابعوا أنالهم من الْعقُوبَة بِقدر مَا يكف ويردع فَإِن نفع وَإِلَّا تجاوزه إِلَى مَا يوجع ويلذع فِي غير تطرق لأعراضهم وَلَا انتهاك لأحسابهم فَإِن الْغَرَض فيهم الصيانة لَا الإهانة والإدالة لَا الإذالة وَإِذا وَجَبت عَلَيْهِم الْحُقُوق أَو تعلّقت بهم دواعي الْخُصُوم قادهم إِلَى الإغفاء بِمَا يَصح مِنْهَا وَيجب وَالْخُرُوج إِلَى سنَن الْحق فِيمَا يشْتَبه ويلتبس وَمَتى لزمتهم الْحُدُود أَقَامَهَا عَلَيْهِم بِحَسب مَا أَمر الله بِهِ فِيهَا بعد أَن

стр. 858

تثبت الجرائم وَتَصِح وَتبين وتتضح وتتجرد عَن الشَّك والشبهة وتتجلى من الظَّن والتهمة فَإِن الَّذِي يسْتَحبّ فِي حُدُود الله ان تدرأ عَن عباده مَعَ نُقْصَان الْيَقِين وَالصِّحَّة وَأَن تمْضِي عَلَيْهِم مَعَ قيام الدَّلِيل وَالْبَيِّنَة قَالَ الله ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَأمره بحياطة هَذَا النّسَب الأطهر والشرف الأفخر عَن أَن يَدعِيهِ الأدعياء وَيدخل فِيهِ الدخلاء وَمن انْتَمَى إِلَيْهِ كَاذِبًا وانتحله بَاطِلا وَلم يُوجد لَهُ بَيت فِي الشَّجَرَة وَلَا مصداق عِنْد النسابين المهرة أوقع بِهِ من الْعقُوبَة مَا يسْتَحقّهُ ووسمه بِمَا يعلم بِهِ كذبه وفسقه وشهره شهرة ينْكَشف بهَا غشه ولبسه وَينْزع بهَا غَيره مِمَّن تسول لَهُ مثل ذَلِك نَفسه وَأَن يحصن الْفروج عَن مناكحة من لَيْسَ لَهَا كُفؤًا وَلَا مشاركها فِي شرفها وَفَخْرهَا حَتَّى لَا يطْمع فِي الْمَرْأَة الحسيبة النسيبة إِلَّا من كَانَ مثلا لَهَا مُسَاوِيا ونظيرا موازيا فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾

стр. 859

وَأمره بمراعاة متبتلي أَهله ومتهجديهم وصلحائهم ومجاوريهم وأراملهم وأصاغرهم حَتَّى يسد الْخلَّة من أَحْوَالهم ويدر الْموَاد عَلَيْهِم وتتعادل أقساطهم فِيمَا يصل إِلَيْهِ من وُجُوه أَمْوَالهم وَأَن يُزَوّج الْأَيَامَى ويربي الْيَتَامَى ويلزمهم الْمكَاتب ليتلقنوا الْقُرْآن ويعرفوا فَرَائض الْإِسْلَام وَأمره الْإِيمَان ويتأدبوا بالآداب اللائقة بذوي الأحساب فَإِن شرف الأعراق مُحْتَاج إِلَى شرف الْأَخْلَاق وَلَا حمد لمن شرف نسبه وسخف أدبه إِذْ كَانَ لم يكْسب الْفَخر الْحَاصِل لَهُ بِفضل سعي وَلَا طلب وَلَا اجْتِهَاد وَلَا دأب بل بصنع من الله لَهُ ومزيد فِي الْمِنَّة عَلَيْهِ وبحسب ذَلِك لُزُوم مَا يلْزمه من شكره سُبْحَانَهُ على هَذِه الْعَطِيَّة والاعتداد بِمَا فِيهَا من المزية وإعمال النَّفس فِي حِيَازَة الْفَضَائِل والمناقب والترفع عَن الرذائل والمثالب وَأمره بإجمال النِّيَابَة عَن شَيْخه الْحُسَيْن بن مُوسَى فِيمَا أمره أَمِير الْمُؤمنِينَ باسخلافه عَلَيْهِ من النّظر فِي الْمَظَالِم وَالْأَخْذ للمظلوم من الظَّالِم وَأَن يجلس للمترافعين إِلَيْهِ

стр. 860

جُلُوسًا عَاما ويتأمل ظلاماتهم تأملا تَاما فَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَعَلقا بالحاكم رده إِلَيْهِ ليحمل الْخُصُوم عَلَيْهِ وَمَا كَانَ طَرِيقه الغشم وَالظُّلم والتغلب وَالْغَصْب قبض عَنهُ الْيَد المبطلة وَأثبت فِيهِ الْيَد الْمُسْتَحقَّة وتحرى فِي قضاياه أَن تكون مُوَافقَة للعدل ومجانية للخذل فَإِن غايتى الْحَاكِم وَصَاحب الْمَظَالِم وَاحِدَة وَهِي إِقَامَة الْحق ونصرته وإبانته وإنارته وَإِنَّمَا يخْتَلف سَبِيلهَا فِي النّظر إِذْ الْحَاكِم يعْمل على مَا ثَبت وَظهر وَصَاحب الْمَظَالِم يفحص عَمَّا غمض واستتر وَلَيْسَ لَهُ مَعَ ذَلِك أَن يرد لحَاكم حُكُومَة وَلَا يعل لَهُ قَضِيَّة وَلَا يتعقب مَا ينفذهُ ويمضيه وَلَا يتتبع مَا يحكم بِهِ ويقتضيه وَالله يهديه ويسدده ويوفقه ويرشده وَأمره أَن يسر حجيج بَيت الله إِلَى مقصدهم ويحميهم فِي بدأتهم وعودتهم ويرتبهم فِي مسيرتهم ومسلكهم ويرعاهم فِي آنَاء ليلهم ونهارهم حَتَّى لَا تنالهم شدَّة وَلَا تصل إِلَيْهِم مضرَّة

стр. 861

وَأَن يرعاهم فِي الْمنَازل ويرودهم المناهل ويناوب بَينهم فِي النهل والعلل ويمكنهم من الارتواء والاكتفاء مُجْتَهدا فِي الصيانة لَهُم ومعذرا فِي الذب عَنْهُم ومتلوما على متأخرهم ومتخلفهم ومنهضا لضعيفهم ومهيضهم فَإِنَّهُم حجاج بَيت الله الْحَرَام وزوار قبر الرَّسُول ﵇ قد هجروا الأوطان وفارقوا الْأَهْل والإخوان وتجشموا المغارم الثقال وتعسفوا السهول وَالْجِبَال يلبون دُعَاء الله عز اسْمه ويطيعون أمره ويؤدون فَرْضه ويرجون ثَوَابه وحقيق على الْمُسلم الْمُؤمن أَن يحرسهم مُتَبَرعا ويحوطهم مُتَطَوعا فَكيف من تولى ذَلِك وَضَمنَهُ وتقلده واعتنقه قَالَ الله ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَأمره أَن يُرَاعِي أُمُور الْمَسَاجِد بِمَدِينَة السَّلَام وأطرافها وأقطارها وأكنافها وَأَن يجبي أَمْوَال وقوفها ويستقصي جَمِيع حُقُوقهَا وَأَن يلم شعثها ويسد خللها بِمَا يتَحَصَّل من هَذِه الْوُجُوه قبله حَتَّى لَا يتعطل رسم جرى

стр. 862

فِيهَا وَلَا تنقص عَادَة كَانَت لَهَا وَأَن يثبت اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا يعمره مِنْهَا وَيذكر اسْمه بعده بِأَن عمرانها جرى على يَده وصلاحها أَدَّاهُ قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فعله فقد فسح لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ بذلك تنويها باسمه وإشادة بِذكرِهِ وَأَن يُولى ذَلِك من قبله من حسنت أَمَانَته وَظَهَرت عفته وصيانته فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾ وَأمره أَن يسْتَخْلف على مَا يرى الِاسْتِخْلَاف عَلَيْهِ من هَذِه الْأَعْمَال فِي الْأَمْصَار الدانية والنائية والبلاد الْقَرِيبَة والبعيدة من يَثِق بِهِ من صلحاء الرِّجَال ذَوي الْوَفَاء والاستقلال وَأَن يعْهَد إِلَيْهِم مثل الَّذِي عهد إِلَيْهِ ويعتمد عَلَيْهِم فِي مثل مَا اعْتمد عَلَيْهِ ويستقرى مَعَ ذَلِك آثَارهم ويتعرف أخبارهم فَمن وجده مَحْمُودًا أقره وَلم يزله وَمن وجده مذموما صرفه وَلم يمهله واعتاض مِنْهُ من ترتجي الْأَمَانَة عِنْده وَتَكون الثِّقَة معهودة مِنْهُ

стр. 863

وَأَن يخْتَار لكتابته وحجبته وَالتَّصَرُّف فِيمَا قرب مِنْهُ وَبعد عَنهُ من يزينه وَلَا يشينه وَينْصَح لَهُ وَلَا يغشه ويجمله وَلَا يهجنه من الطَّبَقَة الْمَعْرُوفَة بالظلف المصونة عَن النطف وَيجْعَل لَهُم من الأرزاق الكافية وَالْأُجْرَة الوافية مَا يصدهم عَن المكاسب الذميمة والمآكل الوخيمة فَلَيْسَ تجب عَلَيْهِم الْحجَّة إِلَّا مَعَ إِعْطَاء الْحَاجة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى﴾ وَأمره بِأَن يكْتب لمن يقوم بِبَيِّنَتِهِ عِنْده تنكشف حجَّته لَهُ إِلَى أَصْحَاب المعاقل بالشد على يَدَيْهِ وإيصال حَقه إِلَيْهِ وحسم الطمع الْكَاذِب فِيهِ وَقبض الْيَد الظالمة عَنهُ إِذْ هم مندوبون للتَّصَرُّف بَين أمره وَنَهْيه وَالْوُقُوف عِنْد رسمه وَحده هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته لَك وَعَلَيْك قد أنار فِيهِ سَبِيلك وأوضح دليلك وهداك وأرشدك

стр. 864

وجعلك على بَيِّنَة من أَمرك فاعمل بِهِ وَلَا تخَالفه وانته إِلَيْهِ وَلَا تتجاوزه وَإِن عرض لَك أَمر يعجزك الْوَفَاء بِهِ وَيشْتَبه عَلَيْك وَجه الْخُرُوج مِنْهُ أنهيته إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مبادرا وَكنت إِلَى مَا أَمرك بِهِ صائرا إِن شَاءَ الله تَعَالَى مستهل رَمَضَان سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة وَهَذِه نُسْخَة عهد بتقليد الصَّلَاة بحاضرة بَغْدَاد كتب بِهِ أَبُو اسحاق الصابي عَن الطائع لله لعَلي بن أَحْمد بن الْفضل الْهَاشِمِي فِي ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَهِي هَذَا مَا عهد عبد الله ووليه عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ لعَلي بن أَحْمد بن الْفضل بن عبد الْملك الْهَاشِمِي حِين قَلّدهُ جَمِيع مَا كَانَ يتقلده عبد الْوَاحِد بن الْفضل من الصَّلَاة بجانبي مَدِينَة السَّلَام وَمَا يتَّصل بهَا من الْأَعْمَال بسقى الْفُرَات والنهروانات وَسَائِر

стр. 865

مَا كَانَ دَاخِلا فِي تَقْلِيده من النواحي والأمصار الْقَرِيبَة والبعيدة وَطَرِيق خاراسان وَقرر أمره سكونا إِلَى دينه وأمانته وثقة بنزاهته وصيانته وصلَة لرحمه وَنسبه ورجاء لاستقلاله ووفائه وتقريرا لاضطلاعه وغنائه وأمير الْمُؤمنِينَ يسْأَل حسن تسديده فِي ذَلِك فِي جَمِيع آرائه الَّتِي يرتئيها وعزائمه الَّتِي يمضيها وَأَن يقرنها بالصلاح ويتولاها بالنجاح وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب أمره بتقوى الله فِي سره وجهره والمراقبة لَهُ فِي قَوْله وَفعله وَأَن يَجْعَل ذَلِك خلقا لَهُ وديدنا ويتخذه منهاجا وسببا ويتحلى لَهُ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار فَإِنَّهُمَا شعار الأخيار الْأَبْرَار الَّذين هم حقيق بِأَن يتَقَبَّل فعالهم ويحتذى مثالهم بِمَا أسْهم الله فِيهِ من النّسَب الشريف وَأَهله من المفخر المنيف الَّذِي اسْتحق بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا فوض إِلَيْهِ وَاعْتمد فِيهِ عَلَيْهِ فَإِن الله جلّ ذكره حض النَّاس على التَّقْوَى وَوَعدهمْ عَلَيْهَا الْقرْبَة والزلفى

стр. 866

وَإِنَّهَا لحرية بِالْمُؤْمِنِينَ خَلِيقَة بعباد الله الصَّالِحين وَلَا سِيمَا من رقى المنابر تمطيا لَهَا وافترعها خَطِيبًا عَلَيْهَا وَكَانَ إِلَى الله دَاعيا وَعَن عباده مناجيا وَإِذا اطلع الله جلّ وَعز مِنْهُ على نقاء الصَّدْر وسلامة السِّرّ واستقامة الدّين وَصِحَّة الْيَقِين قبل صلَاته واستجاب دعاءه وأنهضه بِمَا استكفيه وأعانه على أَدَاء الْأَمَانَة فِيهِ وَجمع بَينه وَبَين من صلى خَلفه وَقفا أَثَره فِي فائض رَحمته وسابغ مغفرته وأحله محلّة عباده الصديقين وأوليائه الصَّالِحين وَالله تَعَالَى يَقُول وَقَوله الْحق ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ وَأمره أَن يسْعَى إِلَى ذكر الله عِنْد وجوب الصَّلَاة ويدخلها فِي حقائق الْأَوْقَات ويقيمها على حُدُودهَا وشروطها ويستوفيها على الْوَاجِب من مفروضها ومسنونها مرتلا لقرآنه مترسلا فِي تِلَاوَته جَامعا بَين نِيَّته وَلَفظه محترسا من مطامح فكره ولحظه متجنبا لجرائر غفلته وسهوه متحرزا من عوارض هجره ولعوه

стр. 867

مستظهرا على نَفسه فِي طَهَارَة جوارحه وتهذيب مَا بَين جوانحه فَإِن أفضل التأهب للصَّلَاة مَا اسْتَوَى بَاطِنه وعاليه وتوازن غائبه وَشَاهده وَلَيْسَ بالطاهر عِنْد الله من أَفَاضَ المَاء على أَطْرَافه وَجعل النَّجَاسَة حَشْو شغافه وَلكنه الْجَامِع بَين الْأَمريْنِ والفائز بكلتا الحسنيين وأحق من قصد ذَلِك ونحاه وَاعْتَمدهُ وتوخاه من اتَّخذهُ الْمُسلمُونَ إِمَامًا وقدموه أماما وَصَارَ بَينهم وَبَين الله وَسِيطًا وعَلى مَا فوضوه إِلَيْهِ من الصَّلَاة بهم أَمينا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأقم الصَّلَاة إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ وَأمره أَن يُقيم الدعْوَة على مَنَابِر حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُ

стр. 868

خَاصَّة وَأَن يقيمها على مَنَابِر بَاقِي الْأَعْمَال النازحة عَن مقره لَهُ ثمَّ لحامل الأعباء عَنهُ والوسيط بَين جمَاعَة الْأَوْلِيَاء وَبَين عز الدولة أبي الْمَنْصُور أَحْمد بن معز الدولة أبي الْحُسَيْن مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ ولولاة الْأَعْمَال بعده الَّذين يدعى لَهُم على مَنَابِر مَا يتقلدونه مِنْهَا على الْعَادة الْجَارِيَة فِيهَا وَإِن هَذِه الدعْوَة لَازِمَة وَالسّنة فِيهَا مُؤَكدَة وَهِي فرع مطرد على أصل الطَّاعَة الْوَاجِبَة على الْمُسلمين جَمِيعًا إِذْ يَقُول جلّ اسْمه لَهُم ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ والعائدة فيهم لِأَن الله تَعَالَى إِذا أصلح الْوُلَاة عَلَيْهِم أصلح المسرة فيهم وأنهضهم بِمَا استرعاهم من أُمُورهم وَكَذَلِكَ يفعل الله إِنَّه سميع الدُّعَاء لطيف لما يَشَاء هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عَلَيْك فاعمل بِهِ منتهيا إِلَى حُدُوده ومتبعا لرسومه ومتأدبا بآدابه وسالكا على منهاجه واستعن بِاللَّه يعنك ويسددك واستهده يهدك ويرشدك إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 869

وَهَذِه نُسْخَة عهد بِنَظَر الْأَوْقَاف بحاضرة بَغْدَاد وسوادها كتب بهَا أَبُو إِسْحَاق الصابي عَن الطائع للحسين بن مُوسَى الْعلوِي هَذَا مَا عهد عبد الله عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي حِين طابت مِنْهُ العناصر ووصلته بأمير الْمُؤمنِينَ الأواصر جمع إِلَى شرف الأعراق الَّذِي وَرثهُ شرف الْخلق الَّذِي اكْتَسبهُ ووضحت آثَار دينه وأمانته وَبَانَتْ أَدِلَّة فَضله وكفايته فِي جَمِيع مَا أسْندهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْهِ من الْأَعْمَال وَحمله إِيَّاه من الأثقال فأضاف إِلَى مَا كَانَ ولاه من النّظر فِي الْوُقُوف الَّتِي كَانَت يَد فلَان فِيهَا الْوُقُوف بالحضرة وسوادها ثِقَة بسداده وسكونا إِلَى رشاده وعلما بِأَنَّهُ يعرف حق الصنيعة ويرعى مَا يستحفظه من الْوَدِيعَة وَيجْرِي فِي المنهل الَّذِي أَحْمَده أَمِير الْمُؤمنِينَ مِنْهُ فِي كل مَا فوض ووكل إِلَيْهِ وَالله يمد أَمِير الْمُؤمنِينَ بصواب الرَّأْي فِيمَا نحاه وتوخاه ويؤمنه من

стр. 870

عَاقِبَة النَّدَم فِيمَا قَضَاهُ وأمضاه وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب أمره بتقوى الله الَّتِي هِيَ عماد الدّين وشعار الْمُؤمنِينَ وَأَن يعتقدها فِي سره ونجواه ويجعلها الذَّخِيرَة لأولاده وأخراه ويتجنب المواقع الموبية ويتوقى الْمَوَارِد المردية ويغض طرفه عَن المطامح المغوية وَيذْهب بِنَفسِهِ عَن المطارح المخزية فَإِنَّهُ أَحَق من فعل ذَاك وآثره وَأولى من اعْتَمدهُ واستشعره بنسبه الشريف ومفخرة المنيف وعادته الْمَشْهُورَة وشاكلته المأثورة وتلاوة كتاب الله الَّذِي هُوَ والعترة الثَّقَلَان المخلفان فِي الْأمة وَقد جمعته وَأَحَدهمَا الْأَنْسَاب وجمعنا وَالثَّانِي عصمَة أولي الْأَلْبَاب وتوجهت حجَّة الله عَلَيْهِ بِمَا يرجع من هَذِه الْفَضَائِل إِلَيْهِ وَأَنه غُصْن من دوحة أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّتِي تحداها الله بالإنذار قبل الْخَلَائق أَجْمَعِينَ إِذْ يَقُول لرَسُوله مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾

стр. 871

وَقد حض ﵎ على التَّقْوَى ووعد عباده عَلَيْهَا الزلفى فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ وَأمره بالاشتمال على مَا أسْندهُ إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ من هَذِه الْوُقُوف مستنفدا طوقه فِي عمارتها مستفرغا وَسعه فِي مصلحتها دائبا فِي استغلالها وتثميرها مُجْتَهدا فِي تدبيرها وتوفيرها وَأَن يصرف فَاضل كل وقف مِنْهَا بعد الَّذِي يخرج مِنْهُ للنَّفَقَة على حفظ أَصله واستدرار حلبه والمؤنة الرَّاتِبَة للقوام عَلَيْهِ والحفظة لَهُ إِلَى أربابه الَّذِي يعود ذَلِك عَلَيْهِم فِي وجوهها الَّتِي سبل لَهَا ووقف عَلَيْهَا وَاضِعا جَمِيع ذَلِك موَاضعه موقعا لَهُ مواقعه خَارِجا إِلَى الله من الْحق فِيهِ مُؤديا الْأَمَانَة إِلَيْهِ وَأَن يشْهد على القابضين بِمَا يقبضونه من وقوفهم وَيكْتب البراءات عَلَيْهِم بِمَا يستوفونه من أَمْوَالهم ويستظهر لنَفسِهِ بإعداد الشواهد والأدلة على مَا يُنْفِقهُ من أَمْوَال هَذِه الْوُقُوف على مَصَالِحه ويصرفه

стр. 872

مِنْهَا إِلَى أَهلهَا ويخرجه مِنْهَا فِي حُقُوقهَا وأبواب برهَا وَسَائِر سبلها ووجوهها سالكا فِي ذَلِك مذْهبه الْمَعْرُوف فِي أَدَاء الْأَمَانَة وَاسْتِعْمَال الظلْف والنزاهة معقبا على من كَانَ نَاظرا فِيهَا من الخونة الَّذين لم يرعوا عهدا وَلم يحفظوا حَقًا وَلم يتصونوا عَن سحت المطاعم وظلم المآثم وَأمره باستكتاب كَاتب مَعْرُوف بالسداد مَشْهُور بالرشاد مَعْلُوم مِنْهُ نصيحة الْأَصْحَاب والضبط لِلْحسابِ وتفويض ديوَان الْوُقُوف وتدبيره إِلَيْهِ وتوصبته بصيانة مَا يشْتَمل عَلَيْهِ من أصُول الْأَعْمَال وفروعها وَقَلِيل الْحجَج وكثيرها وَأَن يحْتَاط لأربابها فِي حفظ رسومها ومعاملاتها وحراسة طسوقها ومقاسماتها حَتَّى لَا يسْتَمر عَلَيْهَا حيف يبْقى أَثَره وَلَا يتَغَيَّر فِيهَا رسم يخَاف ضَرَره وَأَن ينصف الأكرة فِيهَا والمزارعين وَسَائِر المخالطين والمعاملين وَلَا يجشمهم حيفا وَلَا يسومهم خسفا وَلَا يغضي لَهُم عَن حق وَلَا يسمح لَهُم بِوَاجِب خلا مَا عَادَة السماحة بِهِ بِزِيَادَة عماراتهم وتآلف نياتهم

стр. 873

واجتلاب الْفَائِدَة مِنْهُم والعائدة بهم فَإِنَّهُ مؤتمن فِي ذَلِك كُله أَمَانَة عَلَيْهِ وَأَن يُؤَدِّيهَا وَيخرج من الْحق فِيهَا وَأمره بِاخْتِيَار خَازِن حصيف قؤوم أَمِين يخزن حجج هَذِه الْوُقُوف وسجلاتها وَسَائِر دفاترها وحسباناتها فَإِنَّهَا ودائع أَرْبَابهَا عِنْده وواجب أَن يحْتَاط عَلَيْهَا جهده فَمَتَى شكّ فِي شَرط من الشُّرُوط أَو حَدثنِي من الْحُدُود أَو عَارض معَارض أَو شاغب مشاغب فِي أَيَّام نظره وَأَيَّام من عَسى أَن تنْتَقل ولَايَة هَذِه الْوُقُوف إِلَيْهِ ويناط تدبيرها بِهِ دفع مَا يحدث من ذَلِك بِهَذِهِ الْحجَج الَّتِي هِيَ معادن الْبُرْهَان وقواعد الْبُنيان وإليها الْمرجع فِي كل بَيِّنَة تبصر وتقام وشبهة تدحض وتضام هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك ووثيقته الْحَاصِلَة فِي يَديك فَاتبع آثَار أوامره وازدجر عَن نواهيه وزواجره واستمسك بِهِ تنج وتسلم واعمل بِهِ تفز وتغنم

стр. 874

واسترشد الله يرشدك وستهده يهدك واستعن بِهِ ينصرك وفوض إِلَيْهِ يَعْصِمك إِن شَاءَ الله تَعَالَى الأسلوب الثَّانِي أَن يفْتَتح مَا يكْتب بِلَفْظ أما بعد ثمَّ الَّذِي كَانَ فِي الزَّمن الْقَدِيم أَن يكْتب أما بعد فَإِن كَذَا وَيُؤْتى على مقصد الْولَايَة إِلَى أَخّرهُ ثمَّ انْتهى الْحَال فِي الدولة العباسية بالعراق إِلَى أَن يُقَال أما بعد فَالْحَمْد لله وَيُؤْتى بِخطْبَة مُنَاسبَة للْحَال ثمَّ يُؤْتى على مقصد الْولَايَة وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ حِين ولى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْقَضَاء كتب لَهُ كتابا افتتحه بأما بعد وَهَذِه نسخته على مَا أوردهُ صَاحب العقد أما بعد فَإِن الْقَضَاء فَرِيضَة محكمَة وَسنة متبعة فَافْهَم إِذا أدلي إِلَيْك وانفذ إِذا تبين لَك فَإِنَّهُ لَا ينفع تكلم بِحَق لَا نَفاذ لَهُ

стр. 875

آس بَين النَّاس فِي وَجهك وعدلك ومجلسك حَتَّى لَا يطْمع شرِيف فِي حيفك وَلَا ييأس ضَعِيف من عونك الْبَيِّنَة على من ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر وَالصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين إِلَّا صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا لَا يمنعك قَضَاء قَضيته بالْأَمْس فراجعت فِيهِ الْيَوْم عقلك وهديت فِيهِ لرشدك أَن ترجع إِلَى الْحق فَإِن الْحق قديم ومراجعة الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل الْفَهم الْفَهم فِيمَا تلجلج فِي صدرك مِمَّا لَيْسَ فِي كتاب وَلَا سنة ثمَّ اعرف الْأَشْبَاه والأمثال وَقس الْأُمُور عِنْد ذَلِك بنظائرها واعمد إِلَى أقربها إِلَى الله وأشبهها بِالْحَقِّ وَاجعَل لمن ادّعى حَقًا غَائِبا أَو بَيِّنَة أمدا يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَإِن أحضر بَيِّنَة أخذت لَهُ بِحقِّهِ وَإِلَّا استحللت الْقَضِيَّة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أنفى للشَّكّ وَأجلى للعمى الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض إِلَّا مجلودا حدا أَو مجربا عَلَيْهِ شَهَادَة زور ظنينا فِي وَلَاء أَو نسب فَإِن الله يتَوَلَّى السرائر ويدرأ بِالْبَيِّنَاتِ والأيمان

стр. 876

إياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عِنْد الْخُصُومَات فَإِن الْحق فِي مَوَاطِن الْحق يعظم الله بِهِ الْأجر وَيحسن عَلَيْهِ الذخر وَالْجَزَاء فَمن صحت نِيَّته وَأَقْبل على نَفسه كَفاهُ الله مَا بَينه وَبَين النَّاس وَمن تخلق للنَّاس بِمَا يعلم الله أَنه لَيْسَ من نَفسه شانه الله فَمَا ظَنك بِثَوَاب الله فِي عَاجل رزقه وخزائن رَحمته وَالسَّلَام قلت وَوَقع فِي بعض المصنفات ابْتِدَاء هَذَا الْعَهْد بقوله من عمر بن الْخطاب إِلَى عبد الله بن قيس سَلام عَلَيْك أما بعد وَهُوَ الَّذِي اسْتندَ إِلَيْهِ من كتب من بعض الْمذَاهب السَّابِقَة فِي عهود الْمُلُوك عَن الْخُلَفَاء من عبد الله فلَان إِلَى فلَان وَوَقع فِي مُسْند الْبَزَّار أَن أَوله اعْلَم أَن الْقَضَاء فَرِيضَة محكمَة مَعَ تَغْيِير بعض الْأَلْفَاظ وَتَقْدِيم بعض وَتَأْخِير بعض وعَلى الِافْتِتَاح بأما بعد كتب عبد الحميد بن يحيى

стр. 877

عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة لبَعض أُمَرَاء السَّرَايَا أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْدَمَا اعتزم عَلَيْهِ من توجيهك إِلَى عَدو الله الجلف الجافي الْأَعرَابِي المتكسع فِي حيرة الْجَهَالَة وظلم الْفِتْنَة ومهاوي الهلكة ورعاعه الَّذين عاثوا فِي الأَرْض فَسَادًا وانتهكوا حُرْمَة الْإِسْلَام اسْتِخْفَافًا وبدلوا نعْمَة الله كفرا وَاسْتَحَلُّوا سلمه جهلا أحب أَن يعْهَد إِلَيْك إِلَى آخر مَا أَتَى بِهِ مِنْهُ وَهُوَ عهد طَوِيل جدا ضربت عَن ذكره لإطالته وَقد ذكرته بجملته فِي كتابي صبح الْأَعْشَى فِي كِتَابَة الإنشا وعَلى ذَلِك كَانَت عهود الوزراء من خلفاء بني الْعَبَّاس فِي الْعرَاق وَهَذِه نُسْخَة عهد بالوزارة كتب بِهِ الإِمَام المسترشد بِاللَّه لبَعض وزرائه وَهِي أما بعد فَالْحَمْد لله الْمُنْفَرد بكبريائه المتفضل

стр. 878

على أوليائه مجزل النعماء وَكَاشف الغماء ومسبغ الْعَطاء ومسبل الغطاء ومسنى الحباء ومسدي الآلاء الَّذِي لَا تؤوده الأعباء وَلَا تكيده الْأَعْدَاء وَلَا تبلغه الأوهام وَلَا تحيط بِهِ الأفهام وَلَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَلَا تتخيله الأفكار وَلَا تهزمه الأعوام بتواليها وَلَا تعجزه الخطوب إِذا ادلهمت لياليها عَالم الهواجس الْفِكر وخالق كل شَيْء بِقدر مصرف الأقدار على مشيئه ومجريها ومانح مواهبه من أضحى بيد الشُّكْر يمتريها حمدا يصوب حَيَّاهُ ويعذب جناه وتتهلل أسرة الْإِخْلَاص من مطاويه ويستدعي الْمَزِيد من آلائه ويقتضيه وَالْحَمْد لله الَّذِي استخلص مُحَمَّدًا ﷺ من زكي الأصلاب وانتخبه من أشرف الْأَنْسَاب وَبَعثه إِلَى الخليقة رَسُولا وَجعله إِلَى مَنْهَج النجَاة دَلِيلا وَقد بوأ الشّرك بوار الذل وقضاه وَشهر عضب الْعِزّ وانتضاه والأمم عَن طَاعَة الرَّحْمَن عازفة وعَلى عبَادَة الْأَوْثَان عاكفة فَلم يزل بِأَمْر ربه صادعا وَعَن التَّمَسُّك بعرا الضلال الْوَاهِيَة وازعا وَإِلَى ركُوب

стр. 879

محجة الْهدى دَاعيا وعَلى قدم الِاجْتِهَاد فِي إبادة الغواية ساعيا حَتَّى أصبح نور الْحق منيرا مشرقا وَعوده بعد الذبول أَخْضَر مورقا وَمضى الْبَاطِل موليا أدباره ومستصحبا تتبيره وبواره وَقضى ﷺ بعد أَن مهد من الْإِيمَان قَوَاعِده وَأحكم أساسه ووطائده وأوضح سبل الْفَوْز لمن اقتفاها ولحب طريقها بعد مَا دثرت صواها فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطاهرين وَصَحبه الأكرمين صَلَاة مُتَّصِلا سح غمامها مُسْفِرًا صبح دوامها وَالْحَمْد لله على أَن صَار لأمير الْمُؤمنِينَ من أدب النُّبُوَّة مَا هُوَ أَجْدَر بحيازة فخره وَأولى بفيض غدره ووطأ لَهُ من الْخلَافَة المعظمة مهادا أحفزته نَحوه حوافز ارتياحه وجذبته إِلَيْهِ أزمة راعه واكتباحه إِلَى أَن أدْرك من ذَلِك مناه وَألقى الِاسْتِقْرَار الَّذِي لَا يريم عَصَاهُ وعضد دولته بالتاييد من سَائِر أنحائه ومراميه

стр. 880

وأغراضه ومغازيه حَتَّى فاقت الدول المتقادمة إشراقا وأعطتها الْحَوَادِث من التَّغَيُّر عهدا وفيا وميثاقا وأصبحت أَيَّامه أدامها الله حَالية بِالْعَدْلِ أجيادها جائلة فِي ميادين النضارة جيادها وَرَاح الظُّلم دارسة أطلاله مقلصا سرباله قد انجم سحابه وزمت للرحلة ركابه فَمَا يسْتَمر مِنْهَا أَمر إِلَّا كَانَ صنع الله سُبْحَانَهُ مؤيده والتوفيق مصاحبه أَنى يمم ومسدده وَهُوَ يستوزعه جلت عَظمته شكر هَذِه النِّعْمَة ويستزيده بالتحدث بهَا من آلائه الجمة ويستمد مِنْهُ المعونة فِي كل أرب قَصده وَأمه وشحذ لانتحائه عزمه وَمَا توفيقه إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب وَلما كَانَت الوزارة قطب الْأُمُور الَّذِي عَلَيْهِ مدارها وَإِلَيْهِ إيرادها وَعنهُ إصدارها وخلا منصبها مِمَّن كَانَ يكون لَهَا أَهلا وينظم من جماله لَهَا شملا أجال أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَن يخْتَار لذَلِك فكره وانعم لأهل الاصطفاء لهَذِهِ الْمنزلَة نظره حَتَّى صرح مَحْض
следующие страницы →