Полный текст (1 075 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
إياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عِنْد الْخُصُومَات فَإِن الْحق فِي مَوَاطِن الْحق يعظم الله بِهِ الْأجر وَيحسن عَلَيْهِ الذخر وَالْجَزَاء فَمن صحت نِيَّته وَأَقْبل على نَفسه كَفاهُ الله مَا بَينه وَبَين النَّاس وَمن تخلق للنَّاس بِمَا يعلم الله أَنه لَيْسَ من نَفسه شانه الله فَمَا ظَنك بِثَوَاب الله فِي عَاجل رزقه وخزائن رَحمته وَالسَّلَام
قلت وَوَقع فِي بعض المصنفات ابْتِدَاء هَذَا الْعَهْد بقوله
من عمر بن الْخطاب إِلَى عبد الله بن قيس سَلام عَلَيْك أما بعد وَهُوَ الَّذِي اسْتندَ إِلَيْهِ من كتب من بعض الْمذَاهب السَّابِقَة فِي عهود الْمُلُوك عَن الْخُلَفَاء من عبد الله فلَان إِلَى فلَان وَوَقع فِي مُسْند الْبَزَّار أَن أَوله اعْلَم أَن الْقَضَاء فَرِيضَة محكمَة
مَعَ تَغْيِير بعض الْأَلْفَاظ وَتَقْدِيم بعض وَتَأْخِير بعض
وعَلى الِافْتِتَاح بأما بعد كتب عبد الحميد بن يحيى
стр. 877
عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة لبَعض أُمَرَاء السَّرَايَا
أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْدَمَا اعتزم عَلَيْهِ من توجيهك إِلَى عَدو الله الجلف الجافي الْأَعرَابِي المتكسع فِي حيرة الْجَهَالَة وظلم الْفِتْنَة ومهاوي الهلكة ورعاعه الَّذين عاثوا فِي الأَرْض فَسَادًا وانتهكوا حُرْمَة الْإِسْلَام اسْتِخْفَافًا وبدلوا نعْمَة الله كفرا وَاسْتَحَلُّوا سلمه جهلا أحب أَن يعْهَد إِلَيْك
إِلَى آخر مَا أَتَى بِهِ مِنْهُ وَهُوَ عهد طَوِيل جدا ضربت عَن ذكره لإطالته وَقد ذكرته بجملته فِي كتابي صبح الْأَعْشَى فِي كِتَابَة الإنشا وعَلى ذَلِك كَانَت عهود الوزراء من خلفاء بني الْعَبَّاس فِي الْعرَاق
وَهَذِه نُسْخَة عهد بالوزارة
كتب بِهِ الإِمَام المسترشد بِاللَّه لبَعض وزرائه وَهِي
أما بعد فَالْحَمْد لله الْمُنْفَرد بكبريائه المتفضل
стр. 878
على أوليائه مجزل النعماء وَكَاشف الغماء ومسبغ الْعَطاء ومسبل الغطاء ومسنى الحباء ومسدي الآلاء الَّذِي لَا تؤوده الأعباء وَلَا تكيده الْأَعْدَاء وَلَا تبلغه الأوهام وَلَا تحيط بِهِ الأفهام وَلَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَلَا تتخيله الأفكار وَلَا تهزمه الأعوام بتواليها وَلَا تعجزه الخطوب إِذا ادلهمت لياليها عَالم الهواجس الْفِكر وخالق كل شَيْء بِقدر مصرف الأقدار على مشيئه ومجريها ومانح مواهبه من أضحى بيد الشُّكْر يمتريها حمدا يصوب حَيَّاهُ ويعذب جناه وتتهلل أسرة الْإِخْلَاص من مطاويه ويستدعي الْمَزِيد من آلائه ويقتضيه
وَالْحَمْد لله الَّذِي استخلص مُحَمَّدًا ﷺ من زكي الأصلاب وانتخبه من أشرف الْأَنْسَاب وَبَعثه إِلَى الخليقة رَسُولا وَجعله إِلَى مَنْهَج النجَاة دَلِيلا وَقد بوأ الشّرك بوار الذل وقضاه وَشهر عضب الْعِزّ وانتضاه والأمم عَن طَاعَة الرَّحْمَن عازفة وعَلى عبَادَة الْأَوْثَان عاكفة فَلم يزل بِأَمْر ربه صادعا وَعَن التَّمَسُّك بعرا الضلال الْوَاهِيَة وازعا وَإِلَى ركُوب
стр. 879
محجة الْهدى دَاعيا وعَلى قدم الِاجْتِهَاد فِي إبادة الغواية ساعيا حَتَّى أصبح نور الْحق منيرا مشرقا وَعوده بعد الذبول أَخْضَر مورقا وَمضى الْبَاطِل موليا أدباره ومستصحبا تتبيره وبواره وَقضى ﷺ بعد أَن مهد من الْإِيمَان قَوَاعِده وَأحكم أساسه ووطائده وأوضح سبل الْفَوْز لمن اقتفاها ولحب طريقها بعد مَا دثرت صواها فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطاهرين وَصَحبه الأكرمين صَلَاة مُتَّصِلا سح غمامها مُسْفِرًا صبح دوامها
وَالْحَمْد لله على أَن صَار لأمير الْمُؤمنِينَ من أدب النُّبُوَّة مَا هُوَ أَجْدَر بحيازة فخره وَأولى بفيض غدره ووطأ لَهُ من الْخلَافَة المعظمة مهادا أحفزته نَحوه حوافز ارتياحه وجذبته إِلَيْهِ أزمة راعه واكتباحه إِلَى أَن أدْرك من ذَلِك مناه وَألقى الِاسْتِقْرَار الَّذِي لَا يريم عَصَاهُ وعضد دولته بالتاييد من سَائِر أنحائه ومراميه
стр. 880
وأغراضه ومغازيه حَتَّى فاقت الدول المتقادمة إشراقا وأعطتها الْحَوَادِث من التَّغَيُّر عهدا وفيا وميثاقا وأصبحت أَيَّامه أدامها الله حَالية بِالْعَدْلِ أجيادها جائلة فِي ميادين النضارة جيادها وَرَاح الظُّلم دارسة أطلاله مقلصا سرباله قد انجم سحابه وزمت للرحلة ركابه فَمَا يسْتَمر مِنْهَا أَمر إِلَّا كَانَ صنع الله سُبْحَانَهُ مؤيده والتوفيق مصاحبه أَنى يمم ومسدده وَهُوَ يستوزعه جلت عَظمته شكر هَذِه النِّعْمَة ويستزيده بالتحدث بهَا من آلائه الجمة ويستمد مِنْهُ المعونة فِي كل أرب قَصده وَأمه وشحذ لانتحائه عزمه وَمَا توفيقه إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
وَلما كَانَت الوزارة قطب الْأُمُور الَّذِي عَلَيْهِ مدارها وَإِلَيْهِ إيرادها وَعنهُ إصدارها وخلا منصبها مِمَّن كَانَ يكون لَهَا أَهلا وينظم من جماله لَهَا شملا أجال أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَن يخْتَار لذَلِك فكره وانعم لأهل الاصطفاء لهَذِهِ الْمنزلَة نظره حَتَّى صرح مَحْض
стр. 881
رَأْيه عَن زبدة اختيارك وهداه صائب تَدْبيره إِلَى اقتراحك وإيثارك فَألْقى إِلَيْك المقاليد وعول فِي دولته الْقَاهِرَة على تدبيرك السديد وناط بك من أَمر الوزارة مَا لم يلف لَهُ سواك مُسْتَحقّا وَلَا لمتسنم استيجابه مترقى علما بِمَا تبديه كفايتك الْمَشْهُورَة وإيالتك المخبورة من تَقْوِيم مَا أعجز مياده وَصَلَاح مَا استشرى فَسَاده واستقامة كل حَال وَهِي عمادها وأصلد على كَثْرَة الاقتداح زنادها وتثبيتا لما تبتسم عَنهُ الْأَيَّام من آثَار نظرك المعربة عَن احتوائك على دَلَائِل الجزالة واستيلائك على مخايل الْأَصَالَة اللَّذين تنَال بهما غايات الْمَعَالِي وتفرع الذرا والأعالي
ثمَّ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمُقْتَضى هَذِه الدعاوي اللَّازِمَة وحرمات جدك وَأَبِيك السالفة المتقادمة الَّتِي استحصدت فِي الدَّار العزيزة قوى أمراسها وأدنت مِنْك الْآن ثَمَرَة غراسها رأى أَن يشيد هَذِه العارفة الَّتِي تأرج لديك نسيمها وبدت على أَعْنَاق نحرك رسومها وجادت رباعك
стр. 882
شآبيبها وضفت عَلَيْك جلابيبها بِمَا يزِيد أزرك اشتدادا وَبَاعَ أملك طولا وامتدادا فأدناك من شرِيف حَضرته مناجيا ومنحك من مزايا الْأَيَّام مَا يكسبك ذكرا فِي الأعقاب ساريا وعَلى الأحقاب بَاقِيا وأفاض عَلَيْك من الملابس الفاخرة مَا حزت بِهِ أَوْصَاف الْجمال وَجمع لَك أباديد الآمال وقلدك من الْفَخر مَا يَدُوم على مر الزَّمَان وَيبقى وأمطاك صهوة سابح يشأى الرِّيَاح سبقا ووسمك بِكَذَا وَكَذَا فِي ضمن التأهيل للتكنية إبانة عَن جميل معتقده فِيك ورعاية لوسائلك المحكمة المرائر وأواخيك
وأمرك بتقوى الله الَّتِي هِيَ أحصن المعاقل وأعذب المناهل وأنفع الذَّخَائِر يَوْم تبلى السرائر وَأَن تستشعرها فِيمَا تبديه وتخفيه وتذره وتأتيه فَإِنَّهَا أفضل الْأَعْمَال وأوجبها وأوضح المسالك إِلَى الْفَوْز بِرِضا الله تَعَالَى وألحبها وأجلب الْأَشْيَاء للسعادة الْبَاقِيَة وأجناها لقطوف الْخيرَات الدانية عَالما بِمَا فِي ذَلِك
стр. 883
من نفع تتكامل أقسامه وتتفتح عَن نور الصّلاح الْجَامِع أكمامه
قَالَ الله جلت آلاؤه وتقدست أسماؤه ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين﴾ وَقَالَ تَعَالَى حاضا على تقواه ومخبرا عَمَّا خص بِهِ متقيه وحباه وَكفى بذلك رائدا إِلَيْهَا وباعثا عَلَيْهَا ﴿إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ﴾
وأمرك أَن تتوخى الْمَقَاصِد السليمة وتأتيها وتتوقى الْمَوَارِد الوخيمة وتجتويها وَأَن يشفع بالحزم أفعالك وَتجْعَل كتاب الله تَعَالَى إمامك الَّذِي تهتدي بِهِ ومثالك وَأَن تكف من نَفسك عِنْد جماحها وإبائها وتصدها عَن مُتَابعَة أهوائها وَتثني عِنْد احتدام سُورَة الْغَضَب
стр. 884
عنانها وتشعرها من حميد الْخَلَائق مَا يُوَافق إسرارها فِيهِ إعلانها فَإِنَّهَا لم نزل إِلَى منزلَة السوء المردية دَاعِيَة وَعَن سلوك مناهج الْخَيْر المنجية ناهية قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي إِن رَبِّي غَفُور رَحِيم﴾
وأمرك أَن تنجز للْخدمَة بَين يَديك من بلوت أخباره واستشففت أسراره فعلمته جَامعا أدوات الْكِفَايَة موسوما بالأمانة والدراية وعركته رَحا التجارب عَرك الثفال وحلب الدَّهْر أشطره على تصاريف الْأَحْوَال ليَكُون أَمر مَا تولاه على مَنْهَج الاسْتقَامَة جَارِيا وَعَن ملابس الْخلَل ولارتياب عَارِيا فَلَا يضع فِي مزلقة قدما وَلَا يَأْتِي مَا يقرع سنه لأَجله ندما وَأَن تمنح رعايا أَمِير الْمُؤمنِينَ من بشرك مَا يعقل شوارد الْأَهْوَاء ويلوي إِلَيْهِ بأعناق نوافرها اللَّاتِي اعتصمن بالجماح والإباء مازجا ذَلِك بِشدَّة تستولى حميا رهبتها على الْقُلُوب وتفل مرهفات بأسها صرف الخطوب من
стр. 885
غير إفراط فِي إستدامة ذَلِك يضيق بهَا على الطَّالِب وسيع مذْهبه ويغريها اتِّصَاله باستشعار وعر الْخَطَأ واستيطاء مركبه
وأمرك أَن تعذب موارد الْإِحْسَان لمن أحمدت بلاءه وتحققت غناءه واستحسنت أَثَره وارتضيت عيانه وَخَبره وتسدل أسمال الهوان على من بلوت فعله ذَمِيمًا وألفيته بعراص الْإِسَاءَة مُقيما وَإِلَى رباعها الموحشة مستأنسا مستديما كَيْلا لكل امْرِئ بصاعه واتباعا لما أَمر الله تَعَالَى باتباعه وتجنبا للإهمال الْجَاعِل المحسن والمسئ سَوَاء والمعيدهما فِي موقف الْجَزَاء أكفاء فَإِن فِي ذَلِك تزهيدا لِذَوي الْحسنى فِي الْإِحْسَان وتتابعا لأهل الْإِسَاءَة فِي الْعدوان وَلَوْلَا مَا فَرْضه الله تَعَالَى على الْمُؤمنِينَ من إِيجَاب الْحجَّة والفكاك من ربقة الِاجْتِهَاد ببلاغ المعذرة لثنى عنان الإطالة مُقْتَصرا وَاكْتفى بِبَعْض القَوْل مُخْتَصرا ثِقَة بامتناع سدادك ونهاك أَن رآك صَوَاب الْفِعْل حَيْثُ نهاك واستنامة إِلَى مَا خولك الله من الرَّأْي الثاقب المطلع من خَصَائِص البديهة على محتجب العواقب
стр. 886
فَارْتَبَطَ يَا فلَان هَذِه النعمى الَّتِي جَادَتْ ديمها مغانيك وحققت الْأَيَّام بمكانها أمانيك بشكر ينْطق بِهِ لِسَان الِاعْتِرَاف فَيُؤمن وَحشِي النعم من النفار والانحراف واسلك فِي جمال السِّيرَة والاقتداء بِهَذِهِ الْأَوَامِر المتينة الْمَذْكُورَة جددا يغري بحَمْدك الْأَلْسِنَة ويعرب عَن كونك من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه وَالله يصدق مخيلة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيك ويوزعك شكر مَا أولاك ويوليك وَيجْعَل الصَّوَاب غَرضا لنبال عَزَائِمه ويذود عَن دولته الْقَاهِرَة كتائب الخطوب بصوارم السعد ولهاذمه ويصل أَيَّامه الزاهرة بالخلود ويبسط على أقاصي الأَرْض ظله الْمَمْدُود مَا اسْتهلّ جفن الْغَيْث المدرار وابتسمت ثغور النوار إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الثَّالِث
أَن يفتح مَا يكْتب بِخطْبَة مُبتَدأَة بِالْحَمْد لله وَهُوَ أسلوب نَادِر الْوُقُوع فِيمَا كتب بِهِ عَن الْخُلَفَاء لم يعرف مِنْهُ إِلَّا مَا تقدم ذكره من عهد الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن
стр. 887
الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب بمملكة الديار المصرية على مَا تقدم فِي عهود الْخُلَفَاء للملوك فِي الْفَصْل الأول من هَذَا الْبَاب إِلَّا أَنه كَانَ قد اسْتَقر عَلَيْهِ اصْطِلَاح الفاطميين بالديار المصرية
وَعَلِيهِ أورد على بن خلف مثل مَا يكْتب عَنْهُم فِي الولايات وتبعهم مُلُوك الديار المصرية من بني أَيُّوب فَمن بعدهمْ على ذَلِك على مَا هُوَ مَعْرُوف فِي ذَلِك
وَلما اسْتَقل الإِمَام المستعين بِاللَّه أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بالخلافة والسلطنة جَمِيعًا عِنْد الْقَبْض على النَّاصِر فرج كتب عَنهُ كَمَا كَانَ يكْتب عَن الْمُلُوك قبله لم يخْتَلف الْحَال فِي ذَلِك إِلَّا فِي الألقاب السُّلْطَانِيَّة فَكَانَ يُقَال فَلذَلِك رسم بِالْأَمر الشريف العالي المولوي الإمامي النَّبَوِيّ المستعيني ثمَّ بَطل ذَلِك بانتقال السلطنة عَنهُ وَرجع الْأَمر فِي مَا يكْتب إِلَى السُّلْطَان إِلَّا فِي الْأُمُور الْخَاصَّة بالخلافة
стр. 888
وَهَذِه نُسْخَة تَفْوِيض شرِيف
كتب بِهِ عَن الإِمَام المعتضد بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر الْمَوْضُوع لَهُ هَذَا الْكتاب بتفويض نظر الْجَامِع الْجَدِيد بِمصْر للْمقر الناصري مُحَمَّد بن الْبَارِزِيّ كَاتب السِّرّ الشريف بالممالك الإسلامية من إنْشَاء الشَّيْخ الإِمَام عَلامَة الدَّهْر تَقِيّ الدّين بن حجَّة وَهِي
الْحَمد لله الَّذِي جعل التَّفْوِيض العباسي مُتَّصِلا بِمُحَمد وَنفذ أَحْكَام الْخلَافَة الداوودية قَدِيما وحديثا إِلَى أَن تسلسل حَدِيثهَا الْمسند وعضد الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين بمعتضد مَا قَامَ فِي نصْرَة بَيته إِلَّا من هُوَ مؤيد نحمده على أَن أتحفنا من هَذَا الْبَيْت بِكُل أَمِين على الْأمة ورشيد ونشكره على أَن أَقَامَ لَهُ بعد أبي مُسلم أَبَا النَّصْر فأمسى وَهُوَ بأركان الشّرف مشيد
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة تجمع بَين حسن النّظر وَالشَّهَادَة ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي هُوَ جَامع شَمل هَذِه الْأمة وقبلتها وسراجها الْمُنِير لِلْعِبَادَةِ صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه
стр. 889
الَّذين تمسكوا بِطيب أَثَره وتبصروا بِحسن نظره صَلَاة تعلى منار الشَّهَادَتَيْنِ فِي جَوَامِع الْكَلم بركتها وَتَعْلُو فِي جَوَامِع الْأَمْصَار بِمُحَمد كلمتها مَا سجع على أفنان المنابر ساجع وغرد وأعلن تَحت العلمين العباسية بِقرب المعتضد من مُحَمَّد وَسلم تَسْلِيمًا
وَبعد فَإِن سجايا الْكَرم فِي آل بَيت النَّبِي مَا بَرحت لعقود المنائح خُلَاصَة وَكَيف لَا وَهُوَ الَّذِي أنزل بأكنافه ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ لَا سِيمَا بَنو الْعَبَّاس فَإِن شجرتهم الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء نعم الْخلف وَمَا مِنْهُم إِلَّا واثق بِاللَّه ومتوكل على الله ومعتضد بِهِ وَهَذَا غَايَة الشّرف فَمن أَخذ عَنْهُم حَدِيثا فِي أَمر بَيت من بيُوت الله فقد ظفر بِحسن نظر وَفضل جَامع فَإِن الْبَيْت والْحَدِيث لَهُم بِغَيْر مُنَازع فَلَا معبد إِلَّا وَله الطَّرب عِنْد جس عيدَان المنابر بأوصافهم الْمَشْهُورَة وَلَا خَائِف من عصاة الْأمة إِلَّا داس بِسَاط الطَّاعَة فِي جوامعهم وَدخل تَحت أعلامهم المنشورة فَمن قصد
стр. 890
الْقرب إِلَيْهِ فقد فَازَ بأعظم قربَة لَا سِيمَا إِن نهل من سقايتهم نهلة فَإِنَّهُ لم يجد بعْدهَا فِي المناهل منهلا مستعذبا للمحبة وَكَانَ الجناب الْكَرِيم العالي القاضوي الكبيري السفيري الناصري مُحَمَّد بن الْبَارِزِيّ الجهمي الشَّافِعِي صَاحب دواوين الْإِنْشَاء الشريف بالممالك الشَّرِيفَة المحروسة الإسلامية ضاعف الله تَعَالَى نعْمَته هُوَ الرُّكْن السَّامِي فِي قَوَاعِد بيتنا الشريف والمنتصب لرفع علمه العباسي حَتَّى تفيأ كل قَائِل بظله الوريف والملاحظ بِعَين سره الَّذِي هُوَ فِي نسبنا أبدع من بديع النسيب والسر المحمدي مَا برح لبنى الْعَبَّاس فِيهِ حَظّ وَنصِيب والمساعد بعد عمَارَة بيتنا فِي عمَارَة بَيت الله الَّذِي صَار بِحسن نظره قرير الْعين وَلَقَد أبدع فِي إنْشَاء نظمها حَتَّى تحقق النَّاس أَنه أعظم من إنْشَاء نظم الْبَيْتَيْنِ
فَلذَلِك رسم بِالْأَمر الشريف العالي المولوي الإمامي المعتضدي لَا زَالَت تفاويضه الشَّرِيفَة العباسية محروسة بالأسرار المحمدية أَن يُفَوض إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ نظر الْجَامِع الْجَدِيد بِمصْر المحروسة وَوَقفه الْمَنْسُوب إِلَى السُّلْطَان الشَّهِيد الْملك النَّاصِر بقى الله تَعَالَى عَهده علما أَنه إِن شَمل نظره
стр. 891
الْجَامِع الْمصْرِيّ فقد مد الله هَذَا النّظر فِي سَائِر الْأَمْصَار وَيعلم أَنه يصير بِحسن مهاجره لموقفه الناصري من أعظم الْأَنْصَار ويحق لهَذَا الْجَامِع أَن يَقُول مَا بَرحت بِمصْر متممسكا من مُحَمَّد بالآثار وَلَقَد هام الْبَيْت الْعَتِيق إِلَى رُؤْيَة هَذَا الْبَيْت الْجَدِيد الَّذِي هُوَ بِالْمَدِينَةِ الآهلة بالجناب المحمدي وَدَار الْخلَافَة وود الْأَقْصَى أَن يكون الْأَدْنَى إِلَيْهِ ليطالع تَفْسِيره الَّذِي يَجْعَل من الْبَحْر اغترافه وَتمنى الْأمَوِي أَن يطير بأجنحة النسْر ليزوجه بعروسه الْعَالِيَة الْمنَار واستصغر تنكز نَفسه عَن مُقَابلَة النَّاصِر وَأحكم الْحَاكِم وَقصر طولون عَن السَّبق فِي هَذَا الْمِضْمَار وَقَالَ الْأَزْهَر هَذَا بِنور النّظر المحمدي أَزْهَر وَقَالَ الْأَقْمَر هَذَا بالطلعة البارزية أقمر فليتلق حَدِيث هَذَا التَّفْوِيض عَن أبي الْفَتْح عَن أبي النَّصْر ويتبرك بِسَنَدِهِ العالي ويملي مَا أَخذه من شَوَاهِد الْمحبَّة عَن المعتضد عَن الْمُؤَيد لَا عَن القالي وليباشر ذَلِك على مَا عهد من أدواته الَّتِي مَا نسبت إِلَى غير الْكَمَال فَإِن الْخلَل لم ينظر إِلَيْهِ بِعَيْنِه من خلال والوصايا كَثِيرَة وَلكنه بِحَمْد الله أَبُو عذرتها وَابْن
стр. 892
بجدتها وجهينة أَخْبَارهَا وَكَاتب أسرارها وَالله تَعَالَى يمد فروع أُصُوله حَتَّى تستظل الْأمة بِظِل هَذِه الشَّجَرَة وَيفتح لَهُ أَبْوَاب الْخَيْر بِأبي الْفَتْح فَإِن أَبْوَاب الْعلم لَدَيْهِ محررة ويديم على بيُوت الله بالممالك الإسلامية نظره والاعتماد على الْخط الشريف أَعْلَاهُ حجَّة بِمُقْتَضَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الرَّابِع
أَن يفتح مَا يكْتب بِلَفْظ أَحَق أَو أولى أَو نَحْو ذَلِك وَبِذَلِك كَانَ يكْتب فِي تواقيع صغَار الولايات
وَهَذِه نُسْخَة توقيع من ذَلِك
كتب بِهِ عَن الإِمَام النَّاصِر لدين الله للْقَاضِي محيى الدّين بن فضلان بتدريس الْمدرسَة النظامية بِبَغْدَاد فِي سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة وَهِي
أَحَق من أفيضت عَلَيْهِ مجاسد النعم وجذب بضبعه إِلَى مقَام التنويه وَتقدم الْقدَم من أَسْفر فِي أقضية
стр. 893
الْفَضَائِل صباحه وانتشر فِي الْعَالم علمه وأزهر مصباحه
وَلما كَانَ الْأَجَل الْعَالم محيى الدّين حجَّة الْإِسْلَام رَئِيس الْأَصْحَاب مفتى الْفَرِيقَيْنِ مُفِيد الْعُلُوم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى بن فضلان أدام الله رفعته مِمَّن نظم فرائد المحامد عقده النضيد وَأَوَى من الْعلم وَالْعَمَل إِلَى ركن شَدِيد وَثبتت قدمه من الدّيانَة على مستثبت راسخ وقرار مهيد رئى التعويل فِي تَفْوِيض التدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية إِلَيْهِ ثِقَة باضطلاعه واستقلاله وتبريزه فِي حلبات الاستباق على نظرائه وَأَمْثَاله وَأسْندَ إِلَيْهِ أدام الله رفعته النّظر فِي أوقاف الْمدرسَة الْمَذْكُورَة بأجمعها واعتماد مَا شَرطه الْوَاقِف فِي مصارفها وسبلها سكونا إِلَى كِفَايَته وركونا إِلَى سداده وأمانته
ورسم لَهُ تَقْدِيم تقوى الله تَعَالَى الَّتِي مَا زَالَ منتهجا لطرائقها مستمسكا بعصمها ووثائقها وَأَن يشْرَح صَدره للمتعلمين وَلَا يَأْخُذهُ ضجرة من المستفيدين وَلَا تعدو عَيناهُ عَن الطالبين وَلَا يتبرم بالمبالغة فِي تفهيم المبتدى وَلَا يغْفل عَن تذكير الْمُنْتَهى فَإِنَّهُ إِذا
стр. 894
احْتمل هَذِه الْمَشَقَّة وَأعْطى كل تلميذ حَقه كَانَ الله تَعَالَى كَفِيلا بمعونته بِحَسب مَا يُعلمهُ من حرصه عَلَيْهِم وإخلاص نِيَّته وَليكن بِسَائِر المتفقهة معتنيا رَفِيقًا وَعَلَيْهِم حدبا شفيقا يفرع لَهُم من الْفِقْه مَا وضح وتسهل وَيبين لَهُم مَا الْتبس من غوامضه وأشكل حَتَّى تستنير قُلُوبهم بأضواء عُلُوم الدّين وتنطلق ألسنتهم فِيهَا بِاللَّفْظِ الفصيح الْمُبين وَتظهر آثَار بركاته فِي مراشده وَتبين ولتتوفر همته فِي عمَارَة الْوَقْف واستنمائها والتوفر على كل مَا عَاد بتزايدها وزكائها بِحَيْثُ يَتَّضِح مَكَان نظره فِيهَا ويبلغ الْغَايَة الموفية على من تقدم ويوفيها وَلَا يَسْتَعِين إِلَّا بِمن يُؤَدِّي الْأَمَانَة ويوفيها وَيقوم بشرائط الاستحفاظ ويكفيها وَهُوَ أدام الله رفعته يجْرِي من عوائد المدرسين والمتولين على أوفى مَعْهُود ويرقى فِيهِ إِلَى أبعد مرتقى ومقام مَحْمُود وَأذن لَهُ فِي تنَاول إِيجَاب التدريس وَنظر الْوُقُوف الْمَذْكُورَة أُسْوَة من تقدمه فِي التدريس وَالنَّظَر فِي الْمَوْقُوف على كل مَا شَرطه الْوَاقِف فِي كل ورد وَصدر واعتماد كل مَا حد لَهُ فِي ذَلِك وَمثله من غير تجَاوز
стр. 895
الأسلوب الْخَامِس
أَن يفتح مَا يكْتب بِلَفْظ هَذَا كتاب ثمَّ يُقَال أما بعد فَالْحَمْد لله وَيُؤْتى بِخطْبَة مُنَاسبَة للْحَال وَرُبمَا أَتَى فِيهَا بِثَلَاث تحميدات ثمَّ أَتَى على الْمَقْصُود إِلَى آخِره وعَلى ذَلِك كَانَ يكْتب لزعماء أهل الذِّمَّة من البطاركة وَنَحْوهم
وَهَذِه نُسْخَة توقيع من ذَلِك
كتب بِهِ أَمِين الدولتين ابْن موصلايا عَن الْقَائِم بِأَمْر الله لعبد يسوع الجاثليق الفطرك بِمَدِينَة السَّلَام وَسَائِر الْبلدَانِ فِي ربيع الأول سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَهِي
هَذَا كتاب أَمر بكتبه عبد الله أَبُو جَعْفَر عبد الله الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ لعبد يسوع الجاثليق الفطرك
أما بعد فَالْحَمْد لله الْوَاحِد بِغَيْر ثَان الْقَدِيم لَا عَن وجود زمَان الَّذِي قصرت صَنِيعَة الأوهام عَن إِدْرَاكه
стр. 896
وحارت وضلت صَنِيعَة الأفهام عَن بُلُوغ مدى صِفَاته وحالت المتنزه عَن الْوَلَد والصاحبة العاجزة عَن إحاطة الْعلم بِهِ دَلَائِل الْعُقُول الصافية الصائبة ذى الْمَشِيئَة الحالية بالمضاء وَالْقُدْرَة الْجَارِيَة عَلَيْهَا تصاريف الْقدر وَالْقَضَاء وَالْعَظَمَة الغنية عَن العون والظهير المتعالي بهَا عَن الْكُفْء والنظير والعزة المكتفية عَن الْعَضُد والنصير ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾
وَالْحَمْد لله الَّذِي اخْتَار الْإِسْلَام دينا وارتضاه وشام بِهِ عضب الْحق على الْبَاطِل وانتضاه وَأرْسل مُحَمَّدًا ﷺ منقذا من إشراك الضلة وكاشفا عَن الْإِيمَان مَا غمره من الْإِشْرَاك وأظله وَبَعثه ماحيا أثر الْكفْر عَن الْقُلُوب والأسماع وناحيا فِي اتِّبَاع مَا جد فِي البدار إِلَيْهِ والإسراع وأدلى مَا حمله أحسن الإدلاء وداوى بمعجزة النُّبُوَّة من النُّفُوس معضل الدَّاء وَلم يزل لأعلام الْهدى مُبينًا ولحبائل الغي حاسما مُبينًا إِلَى أَن خلص الْحق وَصفا وَغدا الدّين من أضداده منتصفا واتضح للحائر سنَن
стр. 897
الرشدوانقاد الأبي باللين والأشد فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطاهرين واصحابه المتخبين وخلفائه الْأَئِمَّة الرَّاشِدين وَسلم تَسْلِيمًا
وَالْحَمْد لله الَّذِي استخلص أَمِير الْمُؤمنِينَ من أزكى الدوحة والأرومة وأحله من عز الْإِمَامَة ذرْوَة للمجد غير مرومة وأصار إِلَيْهِ من تراث النُّبُوَّة مَا حواه بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالْوُجُوب وَأصَاب بِهِ من مرامي الصَّلَاة مَا حميت شموسه من الافول وَالْوُجُوب وأولاه من شرف الْخلَافَة مَا استقدم بِهِ الْفَخر فلبى واستخدم مَعَه الدَّهْر فِيمَا تأبى ومنح أَيَّامه من ظُهُور الْعدْل فِيهَا وانتشاره ولقاح حوائل الْإِنْصَاف فِيهَا وَوضع عشاره مَا فضل بِهِ العصور الخالية وظلت السّير متضمنة من ذكرهَا مَا كَانَت من مثله عَارِية خَالِيَة ومو يستديمه سُبْحَانَهُ المعونة على مَا يقرب لَدَيْهِ ويزلف عِنْده ويستمده التَّوْفِيق الَّذِي يَغْدُو لعزائمه الميمونة أوفى الْعَضُد وَالْعدة وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
وأمير الْمُؤمنِينَ مَعَ مَا أوجب الله تَعَالَى عَلَيْهِ من اخْتِصَاص
стр. 898
رعاياه بأكنافه الَّذِي يمد عَلَيْهِم رواقها وَيرد بهَا إِلَى أَغْصَان صَلَاحهمْ أوراقها ويلقي على أجيادهم عقودها ويقي ريَاح ائتلافهم ركودها يرى أَن يولي أولي الاسْتقَامَة من أهل ذمَّته ضروب الرأفة وصنوفها وأقسام العاطفة الدافعة عَنْهُم حوادث الْغَيْر وصروفها بِمُقْتَضى عهودهم القوية القوى وذمتهم الَّتِي يلْزم أَن يحافظ عَلَيْهَا أهل الْعدْل وَالتَّقوى ويغتمدهم من الصون الغامر والإجمام المضاهى الآنف مِنْهُ الغابر بِمَا قنص يَد الضيم وكفه وَيفِيض عَلَيْهِم من الملاحظة كل مَا حسم الضير دونهم وكفه وَأَن يحتويهم من الحياطة يما يحرس رسومهم المستمرة من أَسبَاب الاختلال ويجريهم فِيهَا على مَا سنه السّلف الصَّالح مَعَهم من مألوف السجايا والخلال
وَلما أنهِي إِلَى حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ تمييزك عَن نظرائك وتحليك من السداد بِمَا يسْتَوْجب مَعَه أمثالك الْمُبَالغَة فِي وصفك وإطرائك وتخصصك بالأنحاء الَّتِي فت فِيهَا
стр. 899
شأو أقرانك وأفدت بهَا مَا قصر مَعَه مساجلك من أَبنَاء جنسك أَن يعدلك فِي ميزانك وَمَا عَلَيْهِ أهل نحلتك من حَاجتهم إِلَى جاثليق كافل بأمورهم كَاف فِي سياسة جمهورهم مُسْتَقل بِمَا يلْزم الْقيام بِهِ غير مقل بِمَا يتَعَيَّن مثله فِي أدوات منصبه وَأَن كلا مِمَّن يرجع إِلَيْهِ مِنْهُم لما تصفح أَحْوَال مُتَقَدِّمي دينهم واستشف وأعمل الْفِكر فِي اخْتِيَار الْأَرْجَح مِنْهُم والأشف وَاتَّفَقُوا من بعد على إجالة الرَّأْي الَّذِي أفاضوا بَينهم قداحه وراضوا بِهِ زند الِاجْتِهَاد إِلَى أَن يورى حِين راموا اقتداحه فَلم يصادفوا من هُوَ بالرياسة عَلَيْهِم أَحَق وَأَحْرَى وللشروط الْمُوجبَة التَّقْدِيم فيهم أجمع وأحوى وَعَن أَمْوَال وقوفهم أعف وأروع وَمن نَفسه لداعي التَّحَرِّي فِيهَا أطوع وأتبع مِنْك اختاروك لَهُم رَاعيا وَلما يشد نظامهم ملاحظا مراعيا وسألوا إِمْضَاء نصهم عَلَيْك وَالْإِذْن فِيهِ وإجراء الْأَمر فِيمَا يخصك أَسد مجاريه وترتيبك فِيمَا أهلت لَهُ وحملت ثقله واختصاصك على من تقدمك من الأضراب بمزيد من الإرعاء والإيجاب وحملك وَأهل نحلتك على الشُّرُوط الْمُعْتَادَة والرسوم الَّتِي إِمْضَاء الشَّرِيعَة لَهَا أوفى الشَّهَادَة رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْإِجَابَة إِلَى مَا وجهت
стр. 900
إِلَيْهِ فِيهِ الرَّغْبَة واستخارة الله تَعَالَى فِي كل عزم يُطلق شباه ويمضي غربه مقتديا فِيمَا أسداه إِلَيْك وأسناه من النِّعْمَة لديك بِأَفْعَال الْأَئِمَّة الماضين وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ مَعَ أمثالك من الجثالقة الَّذين سبقوا وَفِي مقامك اتسقوا وأوعز بترتيبك جاثليقا لنسطور النَّصَارَى بِمَدِينَة السَّلَام وَسَائِر الْبِلَاد والأصقاع زعيما لَهُم وللروم واليعاقبة طرا وَلكُل من تحويه ديار الْإِسْلَام من هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ مِمَّن بهَا يسْتَقرّ وإليها يطرا وَجعل أَمرك فيهم ممتثلا وموضعك من الرياسة عَلَيْهِم متأثلا وَأَن تنفرد بالتقدم على هَذِه الطوائف أجمع ليَكُون قَوْلك فِيمَا يُجِيزهُ الشَّرْع الشريف فيهم يقبل وَإِلَيْك فِي أَحْوَالهم يرجع وَأَن تتَمَيَّز بأهبة الزعامة فِي مجامع النَّصَارَى ومصلياتهم عَامَّة من غير أَن يشركك فِيهَا أَو يشاكلك فِي النِّسْبَة الدَّالَّة عَلَيْهَا مطران أَو أَسْقُف للروم أَو اليعاقبة لتغدو شَوَاهِد ولايتك بالأوامر الإمامية بادية للسامع والناظر وآثار قصورهم عَن هَذِه الرُّتْبَة الَّتِي لم يبلغوها كَافَّة للمجادل مِنْهُم والمناظر وَمنعُوا بأسرهم عَن مساواتك
стр. 901
فِي كل أَمر هُوَ من شُرُوط الزعامة ورسومها والتزيي بِمَا هُوَ من علاماتها ووسومها إِذْ لَا سَبِيل لأَحَدهم أَن يمد فِي مباراتك بَاعه وَلَا أَن يخرج عَن الْمُوجب عَلَيْهِ من الطَّاعَة لَك والتباعة وحملك فِي ذَلِك على مَا يدل عَلَيْهِ المنشور المنشأ لمن تقدمك الممضي لَك وَلكُل من يَأْتِي بعْدك المجدد بِمَا حواه ذكر مَا نطقت بِهِ المناشير المقررة فِي أَيَّام الْخُلَفَاء الرَّاشِدين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لمن تقدمك فِي مقامك وأحرز سبق مغزاك ومرامك من كَون الْمَنْصُوب فِي الجثلقة إِلَيْهِ الزعامة على مَا تضمه ديار الْإِسْلَام من هَذِه الْفرق جمعا وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي التَّقَدُّم الَّذِي لَيْسَ لغيره من رياضه مرعى وَتقدم أَمِير الْمُؤمنِينَ بحياطتك وَأهل نحلتك فِي نفوسكم وَأَمْوَالكُمْ وَبَيْعكُمْ ودياركم ومقار صلواتكم وحراسة أمواتكم واعتمادكم بأقسام الكلاءة على أجمل الرَّسْم مَعكُمْ وَأَن تحموا من نقض سنة رضية قررت لكم ودحض وتيرة حميدة اسْتعْملت فِي فرضكم وَأَن تقبض الْجِزْيَة من رجالكم
стр. 902
ذَوي الْقُدْرَة على أَدَائِهَا بِحَسب مَا جرت بِهِ عادتكم دون النِّسَاء وَمن لم يبلغ الْحلم دفْعَة وَاحِدَة فِي السّنة وتجروا فِي ذَلِك على السجية الَّتِي تناقلها الروَاة وتداولتها الْأَلْسِنَة من غير تَثْنِيَة وَلَا تَكْرِير وَلَا ترنيق لمنهل المعدلة عنْدكُمْ وَلَا تكدير وَأَن تحيى بالشد دَائِما وتقوية يدك على من نصبته فِي أُمُورهم نَاظرا ولشملهم ناظما ويفسح لَك فِي فصل مَا شجر بَينهم على سَبِيل الوساطة لتقصد فِي ذَلِك مَا يحسم دواعي الْخلف ويطوي بساطه وَأَن تمْضِي تثقيفك لَهُم وأمرك فيهم أُسْوَة مَا جرى عَلَيْهِ الْأَمر مَعَ من كَانَ قبلك يليهم لتحسن مَعَه السِّيرَة العادلة عَلَيْهِم بِحِفْظ السوام الْمُطَابقَة للشروط السائغة فِي دين الْإِسْلَام
وَأمر بإنشاء هَذَا الْكتاب مُشْتَمِلًا على مَا خصك بِهِ وأمضى أَن تعامل بِمُوجبِه فقابل نعْمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عنْدك بِمَا تستوجبه من شكر تبلغ فِيهِ المدى الْأَقْصَى وَبشر لَا يُوجد التصفح لَهُ عنْدك قصورا وَلَا نقصا وواظب على الِاعْتِرَاف بِمَا أوليته من كل مَا جملك وَصدق ظَنك وأملك واستزد الإنعام بِطَاعَة تطوي عَلَيْهَا الجوانح وأدعية لأيامه تتبع الغادي مِنْهَا بالرائح
стр. 903
وتجنب التَّقْصِير فِيمَا بك عدق وَإِلَيْك وكل وَعَلَيْك علق واحتفظ بِهَذَا الْكتاب جنَّة تمنع عَنْك ريب الدَّهْر وَغَيره وَحجَّة تحمل فِيهَا على مَا يحمي مَا منحته من كل مَا شعثه وغبره وليعمل بِهَذَا الْمِثَال كَافَّة المطارنة والأساقفة والقسيسين وَالنَّصَارَى أَجْمَعِينَ وليعتمدوا من اتِّبَاعه كل مَا يسْتَحقّهُ تقديمك على الْجَمَاعَة وليثقوا بِمَا يغمرهم من المعاطف الحامية سربهم من التَّفْرِيق والإضاعة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
تَنْبِيه قد ذكر مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ يكْتب لِلْأُمَرَاءِ فِي قرطاس من نصف طومار وللعمال وَالْكتاب فِي قرطاس من ثلث طومار وللتجار وأشباههم فِي قرطاس من ربع طومار وللحساب والمساح فِي قرطاس من سدس طومار وَقد تقدم أَن المُرَاد بالطومار قطع الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل وَلَا يخفى أَن الْمُنَاسب لقطع النّصْف قلم الثُّلُث الْخَفِيف ولقطع الثُّلُث قلم الْكُوفَة وَلما دون ذَلِك قلم الرّقاع
стр. 904
الْبَاب الْخَامِس
فِيمَا كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء من الإقطاعات وتحويل السنين وإلزام أهل الذِّمَّة الشَّرَائِط اللَّازِمَة لَهُم وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
الْفَصْل الأول
فِيمَا كَانَ يكْتب عَنْهُم من الإقطاعات وَقد كَانَ عاداتهم فِيهِ أَن يكْتب هَذَا كتاب من عبد الله فلَان الإِمَام الْفُلَانِيّ وَيَأْتِي على الْمَقْصد إِلَى آخِره من إقطاع استغلال وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذ فِيهِ خراج الأَرْض ورقبتها بَاقِيَة لبيت المَال أَو إقطاع تمْلِيك وَهُوَ أَن يملك الأَرْض ويقرر عَلَيْهِ قطيعة تُؤْخَذ مِنْهَا لبيت المَال وَتسَمى هَذِه المقاطعة
وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ الْحَافِظ بن عَسَاكِر فِي تَارِيخ الشَّام بِسَنَدِهِ إِلَى أبي قَائِد الدَّارِيّ أَن النَّبِي ﷺ أعطَاهُ أَرضًا بفلسطين وَكتب لَهُ بهَا كتابا
стр. 905
فِي قِطْعَة أَدَم وَهُوَ بعد الْبَسْمَلَة هَذَا ذكر مَا وهب مُحَمَّد رَسُول الله للداريين إِذا أعطَاهُ الله الأَرْض وهب لَهُم بَيت عينون وحبرون وَبَيت ابراهيم بِمن فِيهِنَّ لَهُم أبدا
شهد عَبَّاس بن عبد الْمطلب وجهيم بن قيس وشرحبيل بن حَسَنَة وَكتب فَلَمَّا هَاجر النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة كتب لَهُم بذلك كتابا
ونسخته
هَذَا مَا أنطى مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ تَمِيم الدَّارِيّ وَأَصْحَابه إِن أنطيتكم عينون وحبرون والرطوم وَبَيت ابراهيم برمتهم وَجَمِيع مَا فيهم نطية بت ونفذت وسلمت ذَلِك لَهُم ولأعقابهم من بعدهمْ أَبَد الْأَبَد فَمن آذاهم فِيهَا آذاه الله
شهد أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة وَعمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَكتب
стр. 906
وَفِي رِوَايَة إِنَّمَا كتب أَولا هَذَا كتاب من مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ لتميم بن أَوْس الدَّارِيّ إِن لَهُ قَرْيَة حبرًا وَبَيت عينون قريتها كلهَا سهلها وجبلها ماءها وحرثها وأنباطها وبقرها ولعقبه من بعده لَا يحاقه فِيهَا أحد وَلَا يلجه عَلَيْهِم أحد بظُلْم فَمن طَلَبهمْ أَو أَخذ من أحدهم شَيْئا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَكتب عَليّ
وروى الْحَافِظ بن مَنْدَه نَحوه فَصَارَ ذَلِك أسلوبا ينسج على منواله
قلت وَيُقَال إِن الرقعة مَوْجُودَة عَن التميميين بِبَلَد الْخَلِيل إِلَى الْآن فِي رقْعَة أَدَم
وَهَذِه نُسْخَة مقاطعة
كتب بهَا أَبُو اسحاق الصابي عَن الْمُطِيع لله بإقطاع أَرض إقطاع تمْلِيك وَهِي
стр. 907
هَذَا كتاب من عبد الله الْفضل الإِمَام الْمُطِيع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ لفُلَان بن فلَان
إِنَّك رفعت قصتك تذكر حَال ضيعتك الْمَعْرُوفَة بِكَذَا وَكَذَا من رستاق كَذَا وَكَذَا من طسوج كَذَا وَكَذَا وَأَنَّهَا أَرض رقيقَة قد نزل عَلَيْهَا الخراب وانغلق أَكْثَرهَا بالسد والدغل وَأَن مثلهَا لَا تتسع يَد اللَّيَالِي للإنفاق عَلَيْهِ وعلب بالاسلة واستخراج سدوده وقفل أرضه وَلَا يرغب الأكرة فِي ازدراعه والمعامل فِيهِ وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ مقاطعك عَن هَذِه الضَّيْعَة على كَذَا وَكَذَا من الْوَرق الْمُرْسل فِي كل سنة على اسْتِقْبَال سنة كَذَا وَكَذَا الخراجية مقاطعة مُؤَبّدَة مَاضِيَة مقررة نَافِذَة يسْتَخْرج مَالهَا فِي أول الْمحرم من كل سنة وَلَا تتبع بِنَقْض وَلَا يتَأَوَّل فِيهَا متأول وَلَا تعترض فِي مُسْتَأْنف الْأَيَّام مَا اجتهدت فِي عمارتها وتكلفت الْإِنْفَاق عَلَيْهَا واستخراج سدودها وتنقية أراضيها واحتفار سواقيها واجتلاب
стр. 908
الأكرة إِلَيْهَا وَإِطْلَاق البذور والتقاوي فِيهَا وإرغاب المزارعين بتَخْفِيف طسوقها بِحَق الرَّقَبَة ومقاسماتها وَكَانَ فِي ذَلِك توفير لحق بَيت المَال وَصَلَاح ظَاهر لَا يخْتل
وَسَأَلت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْأَمر بذلك والتقدم بِهِ والإسجال لَك بِهِ وإثباته فِي ديوَان السوَاد ودواوين الحضرة وديوان النَّاحِيَة وتصييره مَاضِيا لَك ولعقبك وَأَعْقَابهمْ وَمن لَعَلَّ هَذِه الضَّيْعَة أَو شَيْئا مِنْهَا ينْتَقل إِلَيْهِ بِبيع أَو مِيرَاث أَو صَدَقَة أَو غير ذَلِك من ضروب الِانْتِقَال فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ بإيثاره الْفَلاح واعتماده أَسبَابه ورغبته فِيمَا عَاد بالتوفير على بَيت المَال والعمارة والترفيه للرعية أمرنَا بِالنّظرِ فِيمَا ذكرته واستقصاء الْبَحْث عَنهُ وَمَعْرِفَة وَجه التَّدْبِير وسبيل الْحَظ فِيهِ وَالْعَمَل بِمَا يُوَافق الرشد فِي جَمِيعه فَرجع إِلَى الدِّيوَان فِي تعرف مَا حكيته من أَحْوَال هَذِه الضَّيْعَة فأنفذ مِنْهُ رجلا مُخْتَارًا ثِقَة مَأْمُونا من أهل الْخِبْرَة بِأُمُور السوَاد وأعمال الْخراج قد عرف أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمَانَته وديانته وَحكمه
стр. 909
ومعرفته وَأمره بالمصير إِلَى هَذِه النَّاحِيَة وَجمع أَهلهَا من الأدلاء والأكرة والمزارعين وثقات الْأُمَنَاء والمجاورين وَالْوُقُوف على هَذِه الأقرحة وإيقاع المساحة عَلَيْهَا وكشف أَحْوَال غامرها وعامرها والمسير على حُدُودهَا وَأخذ أَقْوَالهم وآرائهم فِي وَجه صَلَاح وَعمارَة قراح قراح مِنْهَا وَمَا يُوجِبهُ صَوَاب التَّدْبِير فِيمَا التمسته من المقاطعة بالمبلغ الَّذِي بذلته وَذكرت أَنه زَائِد على الِارْتفَاع وَالْكتاب بِجَمِيعِ ذَلِك إِلَى الدِّيوَان ليوقف عَلَيْهِ وَينْهى إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ لينْظر فِيهِ فَمَا صَحَّ عِنْده مِنْهُ أَمْضَاهُ وَمَا رأى الِاسْتِظْهَار على نظر النَّاظر فِيهِ استظهر فِيمَا يرى مِنْهُ حَتَّى يقف على حَقِيقَته ويرسم بِمَا يعْمل عَلَيْهِ
فَذكر ذَلِك النَّاظر أَنه وقف على هَذِه الضَّيْعَة وعَلى سَائِر أقرحتها وحدودها وطافها بمشهد من أهل الْخِبْرَة بأحوالها من ثِقَات الأدلاء والمجاورين والأكرة والمزارعين والأمناء الَّذين يرجع إِلَى أَقْوَالهم وَيعْمل
стр. 910
عَلَيْهَا فَوجدَ مساحة بطُون الأقرحة المزدرعة من جَمِيعهَا دون سواقيها وبرورها وتلالها ومستنقعاتها وَمَا لَا يعْتَمد من أرْضهَا بالجريب الْهَاشِمِي الَّذِي تمسح بِهِ الأَرْض فِي هَذِه النَّاحِيَة كَذَا وَكَذَا جريبا مِنْهَا قراح كَذَا وَكَذَا وقراح كَذَا وَكَذَا وَمِنْهَا الْحصن والبيوت والساحات والقراحات والخزانات وَوجد حَالهَا فِي الخراب والانسداد وتكدر الْعِمَارَة وَالْحَاجة إِلَى عَظِيم الْمعرفَة ومفرط النَّفَقَة على مَا حكيته وشكوته وَنظر فِي مِقْدَار أصل هَذِه الخزانات من هَذِه الضَّيْعَة وَمَا يجب عَلَيْهَا وَكَيْفِيَّة الْحَال فِي ذَلِك
وَنظر أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا رَفعه هَذَا المؤتمن المنفذ من الدِّيوَان وَاسْتظْهر فِيهِ بِمَا يرَاهُ من الِاسْتِظْهَار وَوَجَب عِنْده من الِاحْتِيَاط فَوجدَ مَا رَفعه صَحِيحا صِحَة عرفهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعلمهَا وَقَامَت فِي نَفسه وَثبتت عِنْده
стр. 911
وَرَأى إِيقَاع المقاطعة الَّتِي التمستها على حق بَيت المَال فِي هَذِه الضَّيْعَة فقاطعك عَنهُ فِي كل سنة هلالية على اسْتِقْبَال سنة كَذَا وَكَذَا الخراجية على كَذَا وَكَذَا درهما صحاحا مُرْسلَة بِغَيْر كسر وَلَا حق حَرْب وَلَا جهبذة وَلَا محاسبة وَلَا زِيَادَة وَلَا شَيْء من جَمِيع الْمُؤَن وَسَائِر التوابع والرسوم تُؤَدّى فِي أول الْمحرم كل سنة حسب مَا تُؤَدّى المقاطعة مقاطعة مَاضِيَة مُؤَبّدَة نَافِذَة ثَابِتَة على مُضِيّ الْأَيَّام وكرور الأعوام لَا تنقض وَلَا تفسخ وَلَا تتبع وَلَا يتَأَوَّل فِيهَا وَلَا يعْتَبر على أَن يكون هَذَا المَال وَهُوَ من الْوَرق الْمُرْسل كَذَا وَكَذَا فِي كل سنة مؤدى فِي بَيت المَال ومصححا عِنْد من تورد عَلَيْهِ فِي هَذِه النَّاحِيَة أَمْوَال خراجهم ومقاطعاتهم وجباياتهم لَا يعتل فِيهَا بِآفَة تلْحق الغلات سَمَاوِيَّة وَلَا أرضية وَلَا يتعطل أَرض
стр. 912
وَلَا بقصور عمَارَة وَلَا نُقْصَان ريع وَلَا بانحطاط سعر وَلَا بتأخر قطر وَلَا تشرب عِلّة وَلَا حرق وَلَا سرق وَلَا بِغَيْر ذَلِك من الْآفَات بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا بِسَبَب من الْأَسْبَاب وَلَا يحْتَج فِي ذَلِك بِحجَّة يحْتَج بهَا التناء والمزارعون وأرباب الْخراج فِي الالتواء بِمَا عَلَيْهِم وعَلى أَن لَا يدْخل عَلَيْك فِي هَذِه المقاطعة يَد ماسح وَلَا مخمن وَلَا حازر وَلَا مقدم وَلَا أَمِين وَلَا حاظر وَلَا نَاظر وَلَا متتبع وَلَا متعرف لحَال زراعة وَعمارَة وَلَا كاشف لأمر زرع وغلة مَاضِيا ذَلِك لَك ولعقبك من بعْدك وَأَعْقَابهمْ وذريتك وذريتهم أبدا مَا تَنَاسَلُوا وَلمن عَسى أَن تنْتَقل هَذِه الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ بِإِرْث أَو بيع أَو هبة أَو نحل أَو صَدَقَة أَو وقف أَو مناقلة أَو إِجَارَة أَو مُهَايَأَة أَو تمْلِيك أَو إِقْرَار أَو بِغَيْر ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي تنْتَقل بهَا الْأَمْلَاك من يَد إِلَى يَد وَلَا ينْقض ذَلِك وَلَا شَيْء مِنْهُ وَلَا يُغير
стр. 913
وَلَا يفْسخ وَلَا يزَال وَلَا يُبدل وَلَا يعقب وَلَا يعْتَرض فِيهِ بِسَبَب زِيَادَة عمَارَة وَلَا ارْتِفَاع سعر وَلَا وفور غلَّة وَلَا زكاء ريع وَلَا إحْيَاء موَات وَلَا إِعْمَال معطل وَلَا عمَارَة خراب وَلَا اسْتِخْرَاج غامر وَلَا صَلَاح سرب وَلَا استحداث غلات لم يجر الرَّسْم باستحداثها وزراعتها وَلَا يعد وَلَا يمسح مَا عَسى أَن يغْرس بِهَذِهِ الأقرحة من النّخل وأصناف الشّجر الْمَعْدُود والكروم وَلَا يتَأَوَّل عَلَيْك فِيمَا لَعَلَّ اصل المساحة أَن تزيد بِهِ فِيمَا تعمره وتستخرجه من الجبابين والمستنقعات ومواضع المشارب المستغنى عَنْهَا إِذْ كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قد عرف جَمِيع ذَلِك وَجعل مَا يجب على كل شَيْء مِنْهُ عِنْد وُجُوبه دَاخِلا فِي هَذِه المقاطعة وجاريا مَعهَا
وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِإِثْبَات هَذَا الْكتاب فِي الدَّوَاوِين وَإِقْرَاره فِي يدك حجَّة لَك ولعقبك من بعْدك وَأَعْقَابهمْ
стр. 914
وورثتك وورثتهم وَثِيقَة فِي أَيْدِيكُم وَفِي يَد من عَسى أَن تنْتَقل هَذِه الضَّيْعَة أَو الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ بِضَرْب من ضروب الِانْتِقَال الَّتِي ذكرت فِي هَذَا الْكتاب وَالَّتِي لم تذكر فِيهِ وَأَن لَا يخلفوا إيرادا من بعده وَلَا يتَأَوَّل عَلَيْكُم متأول فِيهِ
فَمن وقف على هَذَا الْكتاب أَو قَرَأَهُ أَو قرئَ عَلَيْهِ من جَمِيع الْأُمَرَاء وولاة العهود والوزراء وَالْكتاب والعمال والمشرفين والمتصرفين والمباشرين فِي أُمُور الْخراج وَأَصْحَاب السيوف على اخْتِلَاف طبقاتهم وتباين مَنَازِلهمْ وأعمالهم فليمتثل مَا أَمر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ ولينفذ لفُلَان بن فلَان وورثته وورثتهم وعقبه وَأَعْقَابهمْ وَلمن تنْتَقل هَذِه الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ هَذِه المقاطعة من غير مُرَاجعَة فِيهَا وَلَا استئمار عَلَيْهَا وَلَا تَكْلِيف أحد مِمَّن يقوم بأمرها إِيرَاد حجَّة بعد هَذَا الْكتاب بهَا وليعمل بِمثل ذَلِك من وقف على نُسْخَة من نسخ هَذَا الْكتاب فِي ديوَان من
стр. 915
دواوين الحضرة وأعمالها أَو النَّاحِيَة وليقر فِي يَد فلَان بن فلَان وَيَد من يُورِدهُ ويحتج بِهِ مِمَّن يقوم مقَامه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
تَنْبِيه قد تقدم عَن مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ يكْتب لِلْأُمَرَاءِ فِي قرطاس من نصف طومار وَأَن المُرَاد نصف قطع الْبَغْدَادِيّ وَمُقْتَضى ذَلِك أَن إقطاعاتهم كَانَت تكْتب فِي هَذَا الْقطع وَمن دونهم من الْجند كل مِنْهُم بِحَسب رتبته
الْفَصْل الثَّانِي
من الْبَاب الْخَامِس
فِيمَا كَانَ يكْتب فِي تَحْويل السنين الخراجية عَن الْخُلَفَاء وَهُوَ أَن يكْتب بِنَقْل السّنة الشمسية إِلَى السّنة الْهِلَالِيَّة بِالِاسْمِ دون الْحَقِيقَة تَوْفِيقًا بَينهمَا وَإِزَالَة للشُّبْهَة فِي أَمرهمَا وَذَلِكَ أَن أَيَّام السّنة الشمسية فِي الْمدَّة الَّتِي تقطع الشَّمْس الْفلك فِيهَا مرّة وَاحِدَة حسب مَا توجبه حركتها فِي ميلها فِي الْجنُوب وَالشمَال ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة
следующие страницы →