← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8460

مآثر الإنافة في معالم الخلافة

القلقشندي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وَرَأى إِيقَاع المقاطعة الَّتِي التمستها على حق بَيت المَال فِي هَذِه الضَّيْعَة فقاطعك عَنهُ فِي كل سنة هلالية على اسْتِقْبَال سنة كَذَا وَكَذَا الخراجية على كَذَا وَكَذَا درهما صحاحا مُرْسلَة بِغَيْر كسر وَلَا حق حَرْب وَلَا جهبذة وَلَا محاسبة وَلَا زِيَادَة وَلَا شَيْء من جَمِيع الْمُؤَن وَسَائِر التوابع والرسوم تُؤَدّى فِي أول الْمحرم كل سنة حسب مَا تُؤَدّى المقاطعة مقاطعة مَاضِيَة مُؤَبّدَة نَافِذَة ثَابِتَة على مُضِيّ الْأَيَّام وكرور الأعوام لَا تنقض وَلَا تفسخ وَلَا تتبع وَلَا يتَأَوَّل فِيهَا وَلَا يعْتَبر على أَن يكون هَذَا المَال وَهُوَ من الْوَرق الْمُرْسل كَذَا وَكَذَا فِي كل سنة مؤدى فِي بَيت المَال ومصححا عِنْد من تورد عَلَيْهِ فِي هَذِه النَّاحِيَة أَمْوَال خراجهم ومقاطعاتهم وجباياتهم لَا يعتل فِيهَا بِآفَة تلْحق الغلات سَمَاوِيَّة وَلَا أرضية وَلَا يتعطل أَرض

стр. 912

وَلَا بقصور عمَارَة وَلَا نُقْصَان ريع وَلَا بانحطاط سعر وَلَا بتأخر قطر وَلَا تشرب عِلّة وَلَا حرق وَلَا سرق وَلَا بِغَيْر ذَلِك من الْآفَات بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا بِسَبَب من الْأَسْبَاب وَلَا يحْتَج فِي ذَلِك بِحجَّة يحْتَج بهَا التناء والمزارعون وأرباب الْخراج فِي الالتواء بِمَا عَلَيْهِم وعَلى أَن لَا يدْخل عَلَيْك فِي هَذِه المقاطعة يَد ماسح وَلَا مخمن وَلَا حازر وَلَا مقدم وَلَا أَمِين وَلَا حاظر وَلَا نَاظر وَلَا متتبع وَلَا متعرف لحَال زراعة وَعمارَة وَلَا كاشف لأمر زرع وغلة مَاضِيا ذَلِك لَك ولعقبك من بعْدك وَأَعْقَابهمْ وذريتك وذريتهم أبدا مَا تَنَاسَلُوا وَلمن عَسى أَن تنْتَقل هَذِه الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ بِإِرْث أَو بيع أَو هبة أَو نحل أَو صَدَقَة أَو وقف أَو مناقلة أَو إِجَارَة أَو مُهَايَأَة أَو تمْلِيك أَو إِقْرَار أَو بِغَيْر ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي تنْتَقل بهَا الْأَمْلَاك من يَد إِلَى يَد وَلَا ينْقض ذَلِك وَلَا شَيْء مِنْهُ وَلَا يُغير

стр. 913

وَلَا يفْسخ وَلَا يزَال وَلَا يُبدل وَلَا يعقب وَلَا يعْتَرض فِيهِ بِسَبَب زِيَادَة عمَارَة وَلَا ارْتِفَاع سعر وَلَا وفور غلَّة وَلَا زكاء ريع وَلَا إحْيَاء موَات وَلَا إِعْمَال معطل وَلَا عمَارَة خراب وَلَا اسْتِخْرَاج غامر وَلَا صَلَاح سرب وَلَا استحداث غلات لم يجر الرَّسْم باستحداثها وزراعتها وَلَا يعد وَلَا يمسح مَا عَسى أَن يغْرس بِهَذِهِ الأقرحة من النّخل وأصناف الشّجر الْمَعْدُود والكروم وَلَا يتَأَوَّل عَلَيْك فِيمَا لَعَلَّ اصل المساحة أَن تزيد بِهِ فِيمَا تعمره وتستخرجه من الجبابين والمستنقعات ومواضع المشارب المستغنى عَنْهَا إِذْ كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قد عرف جَمِيع ذَلِك وَجعل مَا يجب على كل شَيْء مِنْهُ عِنْد وُجُوبه دَاخِلا فِي هَذِه المقاطعة وجاريا مَعهَا وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِإِثْبَات هَذَا الْكتاب فِي الدَّوَاوِين وَإِقْرَاره فِي يدك حجَّة لَك ولعقبك من بعْدك وَأَعْقَابهمْ

стр. 914

وورثتك وورثتهم وَثِيقَة فِي أَيْدِيكُم وَفِي يَد من عَسى أَن تنْتَقل هَذِه الضَّيْعَة أَو الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ بِضَرْب من ضروب الِانْتِقَال الَّتِي ذكرت فِي هَذَا الْكتاب وَالَّتِي لم تذكر فِيهِ وَأَن لَا يخلفوا إيرادا من بعده وَلَا يتَأَوَّل عَلَيْكُم متأول فِيهِ فَمن وقف على هَذَا الْكتاب أَو قَرَأَهُ أَو قرئَ عَلَيْهِ من جَمِيع الْأُمَرَاء وولاة العهود والوزراء وَالْكتاب والعمال والمشرفين والمتصرفين والمباشرين فِي أُمُور الْخراج وَأَصْحَاب السيوف على اخْتِلَاف طبقاتهم وتباين مَنَازِلهمْ وأعمالهم فليمتثل مَا أَمر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ ولينفذ لفُلَان بن فلَان وورثته وورثتهم وعقبه وَأَعْقَابهمْ وَلمن تنْتَقل هَذِه الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ هَذِه المقاطعة من غير مُرَاجعَة فِيهَا وَلَا استئمار عَلَيْهَا وَلَا تَكْلِيف أحد مِمَّن يقوم بأمرها إِيرَاد حجَّة بعد هَذَا الْكتاب بهَا وليعمل بِمثل ذَلِك من وقف على نُسْخَة من نسخ هَذَا الْكتاب فِي ديوَان من

стр. 915

دواوين الحضرة وأعمالها أَو النَّاحِيَة وليقر فِي يَد فلَان بن فلَان وَيَد من يُورِدهُ ويحتج بِهِ مِمَّن يقوم مقَامه إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَنْبِيه قد تقدم عَن مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ يكْتب لِلْأُمَرَاءِ فِي قرطاس من نصف طومار وَأَن المُرَاد نصف قطع الْبَغْدَادِيّ وَمُقْتَضى ذَلِك أَن إقطاعاتهم كَانَت تكْتب فِي هَذَا الْقطع وَمن دونهم من الْجند كل مِنْهُم بِحَسب رتبته الْفَصْل الثَّانِي من الْبَاب الْخَامِس فِيمَا كَانَ يكْتب فِي تَحْويل السنين الخراجية عَن الْخُلَفَاء وَهُوَ أَن يكْتب بِنَقْل السّنة الشمسية إِلَى السّنة الْهِلَالِيَّة بِالِاسْمِ دون الْحَقِيقَة تَوْفِيقًا بَينهمَا وَإِزَالَة للشُّبْهَة فِي أَمرهمَا وَذَلِكَ أَن أَيَّام السّنة الشمسية فِي الْمدَّة الَّتِي تقطع الشَّمْس الْفلك فِيهَا مرّة وَاحِدَة حسب مَا توجبه حركتها فِي ميلها فِي الْجنُوب وَالشمَال ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة

стр. 916

وَسِتُّونَ يَوْمًا وَربع يَوْم بالتقريب وَأَيَّام السّنة الْهِلَالِيَّة فِي الْمدَّة الَّتِي يقطع الْقَمَر الْفلك فِيهَا اثْنَتَيْ عشرَة دفْعَة ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَسدس يَوْم فَيكون التَّفَاوُت بَينهمَا أحد عشر يَوْمًا وَسدس يَوْم وَتَكون زِيَادَة السنين الشمسية على السنين الْهِلَالِيَّة فِي كل ثَلَاث سِنِين شهرا وَاحِدًا وَثَلَاثَة أَيَّام وَنصف يَوْم تَقْرِيبًا وَفِي كل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة سنة وَاحِدَة بالتقريب فَإِذا تَمَادى الزَّمَان زَاد تفَاوت مَا بَين السنين حَتَّى يكون كل ثَلَاثمِائَة سنة شمسية ثَلَاثمِائَة وتسع سِنِين هلالية وَعَلِيهِ حمل بعض الْمُفَسّرين قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين وازدادوا تسعا﴾ وَرُبمَا كَانَ اسْتِحْقَاق الْخراج فِي أول سنة من السنين الْعَرَبيَّة ثمَّ ترَاخى الْحَال فِيهَا إِلَى أَن صَار اسْتِحْقَاقه فِي أواخرها ثمَّ ترَاخى حَتَّى يصير فِي السّنة الثَّانِيَة فَيصير الْخراج مَنْسُوبا للسّنة السَّابِقَة واستحقاقه فِي السّنة اللاحقة فَيحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى تَحْويل السّنة الخراجية السَّابِقَة إِلَى الَّتِي بعْدهَا حَتَّى انْتَهَت الْحَال فِي جباية الْخراج سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين

стр. 917

وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المتَوَكل وخراج كل سنة يجبى فِي السّنة الَّتِي بعْدهَا فَلَمَّا دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ كَانَ قد انْقَضى من السنين الَّتِي قبلهَا ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة أولهنَّ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ من خلَافَة الْمَأْمُون فَاجْتمع من هَذَا الْمُتَأَخر فِيهَا أَيَّام سنة شمسية كَامِلَة وَهِي ثَلَاثمِائَة وَخمْس وَسِتُّونَ يَوْمًا وَربع يَوْم وَزِيَادَة الْكسر وتهيأ إِدْرَاك غلات سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فِي صدر سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فَأمر المتَوَكل بإلغاء ذكر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ إِذْ كَانَت قد انْقَضتْ وَنسب الْخراج إِلَى سنة ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَأمر ابراهيم بن الْعَبَّاس فَكتب كتابا عَنهُ بذلك وَهُوَ أول كتاب كتب فِي هَذَا الْمَعْنى وَلم أَقف على نسخته وَجرى الْعَمَل بعد المتَوَكل على ذَلِك سنة بعد سنة إِلَى أَن انْقَضتْ ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة آخِرهنَّ اننقضاء سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَجرى فِيهَا خبط بَين الْكتاب وبقى الْأَمر إِلَى سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المعتضد فَعرف مَا كَانَ من فعل المتَوَكل من نقل سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فَأمر بِنَقْل

стр. 918

سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ هَذَا النَّقْل بعد مُضِيّ أَربع سِنِين من اسْتِحْقَاقه وَكتب بذلك كتاب عَن المعتضد وخلد فِي الدَّوَاوِين ونسخته أما بعد فَإِن أولى مَا صرف إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عنايته وأعمل فِيهِ فكره ورويته وشغل فِيهِ تفقده ورعايته أَمر الْفَيْء الَّذِي خصّه الله بِهِ وألزمه جمعه وتوفيره وحياطته وتكثيره وَجعله عماد الدّين وقوام أَمر الْمُسلمين وَفِيمَا يصرف مِنْهُ أعطيات الْأَوْلِيَاء والجنود وَمن يسْتَعْمل بِهِ فِيهِ لتحصين الْبَيْضَة والذب عَن الْحَرِيم وَحج الْبَيْت وَجِهَاد الْعَدو وسد الثغور وَأمن السَّبِيل وحقن الدِّمَاء وَصَلَاح ذَات الْبَين وأمير الْمُؤمنِينَ يسْأَل الله رَاغِبًا إِلَيْهِ ومتوكلا عَلَيْهِ أَن يحسن عونه على مَا حمله مِنْهُ ويديم توفيقه إِلَى مَا أرضاه وإرشاده إِلَى مَا يقْضِي بِالْخَيرِ عَنهُ وَله

стр. 919

وَقد نظر أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا كَانَ يجْرِي عَلَيْهِ أَمر جباية هَذَا الْفَيْء فِي خلَافَة آبَائِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين صلوَات الله عَلَيْهِم فَوَجَدَهُ على حسب مَا كَانَ يدْرك من الغلات وَالثِّمَار فِي كل سنة أَولا على مجاري شهور سني الشَّمْس فِي النُّجُوم الَّتِي يحل مَال كل صنف مِنْهَا فِيهَا وَوجد شهور السّنة الشمسية تتأخر عَن شهور السّنة الْهِلَالِيَّة أحد عشر يَوْمًا وربعا وَزِيَادَة عَلَيْهِ وَيكون إِدْرَاك الغلات وَالثِّمَار فِي كل سنة بِحَسب تأخرها فَلَا تزَال السنون تمْضِي على ذَاك سنة بعد سنة حَتَّى تَنْقَضِي مِنْهَا ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَيكون عدد الْأَيَّام الْمُتَأَخِّرَة مِنْهَا أَيَّام سنة شمسية كَامِلَة وَهِي ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَربع يَوْم وَزِيَادَة عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يتهيأ بِمَشِيئَة الله وَقدرته إِدْرَاك الغلات الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا الضرائب والطسوق فِي اسْتِقْبَال الْمحرم من سني الْأَهِلّة وَيجب مَعَ ذَلِك إِلْغَاء ذكر السّنة الْخَارِجَة إِذْ كَانَت قد انْقَضتْ ونسبتها إِلَى السّنة الَّتِي أدْركْت الغلات وَالثِّمَار فِيهَا وَإنَّهُ وجد ذَلِك قد كَانَ وَقع فِي أَيَّام أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله ﵀ عَلَيْهِ عِنْد انْقِضَاء ثَلَاث

стр. 920

وَثَلَاثِينَ سنة آخرتهن سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فاستغنى عَن ذَلِك وَأمر بإلغائه وَنسبه إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فجرت المكاتبات والحسبانات وَسَائِر الْأَعْمَال بعد ذَلِك سنة بعد سنة إِلَى أَن مَضَت ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة آخرتهن انْقِضَاء سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَوَجَب إنْشَاء الْكتب بإلغاء ذكر سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ ونسبتها إِلَى سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَذهب ذَلِك على كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُعْتَمد على الله وَتَأَخر الْأَمر فِيهِ أَربع سِنِين إِلَى أَن أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه ﵀ فِي سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بِنَقْل خراج سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَجرى الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن انْقَضتْ فِي هَذَا الْوَقْت ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة أولَاهُنَّ السّنة الَّتِي كَانَ يجب نقلهَا فِيهَا وَهِي سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وآخرتهن انْقِضَاء شهور خراج سنة سبع وثلاثمائة وَوَجَب افْتِتَاح خراج مَا تجْرِي

стр. 921

عَلَيْهِ الضرائب والطسوق فِي أَولهَا من صَوَاب التَّدْبِير واستقامة الْأَعْمَال وَاسْتِعْمَال مَا يخف على الرّعية معاملتها بِهِ نقل سنة الْخراج لسنة سبع وثلاثمائة إِلَى سنة ثَمَان وثلاثمائة فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ لما يلْزم بِهِ نَفسه ويأخذها بِهِ من الْعِنَايَة بِهَذَا الْفَيْء وحياطة أَسبَابه وإجرائها مجاريها وسلوك سَبِيل آبَائِهِ الرَّاشِدين رَحْمَة الله عَلَيْهِم فِيهَا أَن يكْتب إِلَيْك وَإِلَى سَائِر الْعمَّال بالنواحي بِالْعَمَلِ على ذَلِك وَيكون مَا يصدر إِلَيْكُم من الْكتب وتصدرونه عَنْكُم وتجري عَلَيْهِ أَعمالكُم ورفوعكم وحسباناتكم وَسَائِر مناظراتكم على هَذَا النَّقْل فَاعْلَم ذَلِك من رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ واعمل بِهِ مستشعرا فِيهِ وَفِي كل مَا تمضيه تقوى الله وطاعته ومستعملا ثِقَات الأعوان وكفاتهم مشرفا عَلَيْهِم ومقوما لَهُم واكتب بِمَا يكون مِنْك فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلم يزل الْأَمر جَارِيا على ذَلِك فِي كل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ

стр. 922

سنة تنقل سنة إِلَى آخر الدولة العباسية بالعراق قلت أما الديار المصرية فقد ذكر صَاحب الْمِنْهَاج فِي صَنْعَة الْخراج أَن أول نقل السنين فِيهِ كَانَ فِي سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة الْهِلَالِيَّة وَكتب فِيهَا كتاب من إنْشَاء القَاضِي الْفَاضِل وَهِي مستمرة على النَّقْل فِي كل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة إِلَى زَمَاننَا هَذَا يكْتب بهَا عَن السُّلْطَان الْفَصْل الثَّالِث من الْبَاب الْخَامِس فِيمَا كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء فِي إِلْزَام أهل الذِّمَّة مَا يلْزمهُم بشريطة عقد الذِّمَّة وَأَخذهم بذلك وَأول مَا كتب بذلك فِي خلَافَة المتَوَكل على الله بن المعتصم بن هَارُون الرشيد وَذَلِكَ أَنه حج فَسمع رجلا يَدْعُو عَلَيْهِ فهم بقتْله فَقَالَ لَهُ الرجل وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 923

مَا قلت مَا قلت إِلَّا وَقد ايقنت بِالْقَتْلِ فاسمع مقالي ثمَّ مر بقتلي فَقَالَ قل فَشَكا إِلَيْهِ استطالة كتاب أهل الذِّمَّة على الْمُسلمين فِي كَلَام طَوِيل فَخرج أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل بِأَن يلبس النَّصَارَى وَالْيَهُود ثِيَاب العسلي وَأَن لَا يمكنوا من لبس الْبيَاض كي لَا يتشبهوا بِالْمُسْلِمين وَأَن تكون ركبهمْ خشبا وَأَن تهدم بيعهم المستجدة وَأَن تطلق عَلَيْهِم الْجِزْيَة وَلَا يفسح لَهُم فِي دُخُول حمامات خدمها من الْمُسلمين وَأَن تفرد لَهُم حمامات خدمها من أهل الذِّمَّة وَأَن لَا يستخدموا مُسلما فِي حوائجهم وأفردهم بِمن يحْتَسب عَلَيْهِم وَأمر أَن يكْتب بذلك كُله كتابا فَكتب وَهَذِه نسخته أما بعد فَإِن الله تَعَالَى اصْطفى الْإِسْلَام دينا فشرفه وَكَرمه وأناره ونضره وأظهره وفضله وأكمله فَهُوَ الدّين الَّذِي لَا يقبل غَيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾

стр. 924

بعث بِهِ صَفيه وَخيرته من خلقه مُحَمَّدًا ﷺ جعله خَاتم النَّبِيين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وَسيد الْمُرْسلين ﴿لينذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين﴾ وَأنزل كتابا عَزِيزًا ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ أسعد بِهِ أمته وجعلهم خير أمة أخرجت للنَّاس يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويؤمنون بِاللَّه ﴿وَلَو آمن أهل الْكتاب لَكَانَ خيرا لَهُم مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهم الْفَاسِقُونَ﴾ وأهان الشّرك وَأَهله ووضعهم وصغرهم وقمعهم وخذلهم وتبرأ مِنْهُم وَضرب عَلَيْهِم الذلة والمسكنة وَقَالَ ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ واطلع

стр. 925

على قُلُوبهم وخبث سرائرهم وضمائرهم فَنهى عَن ائتمانهم والثقة بهم لعداوتهم للْمُسلمين وغشهم وبغضائهم فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ أتريدون أَن تجْعَلُوا لله عَلَيْكُم سُلْطَانا مُبينًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾

стр. 926

وَقد انْتهى إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أُنَاسًا لَا رَأْي لَهُم وَلَا روية يستعينون بِأَهْل الذِّمَّة فِي أفعالهم ويتخذونهم بطانة من دون الْمُسلمين ويسلطونهم على الرّعية فيعسفونهم ويبسطون أَيْديهم إِلَى ظلمهم وغشهم والعدوان عَلَيْهِم فأعظم أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَلِك وَأنْكرهُ وأكبره وتبرأ مِنْهُ وَأحب التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى بحسمه وَالنَّهْي عَنهُ وَرَأى أَن يكْتب إِلَى عماله على الكور والأمصار وولاة الثغور والأجناد فِي ترك استعمالهم لأهل الذِّمَّة فِي شَيْء من أَعْمَالهم وأمورهم والإشراك لَهُم فِي أُمُورهم وأماناتهم وَمَا قلدهم أَمِير الْمُؤمنِينَ واستحفظهم إِيَّاه إِذْ جعل فِي الْمُسلمين الثِّقَة فِي الدّين وَالْأَمَانَة على إخْوَانهمْ الْمُؤمنِينَ وَحسن الرِّعَايَة لما استرعاهم والكفاية لما استكفوا وَالْقِيَام بِمَا حملُوا بِمَا أغْنى عَن الِاسْتِعَانَة من الْمُشْركين بِاللَّه المكذبين برسله الجاحدين لآياته الجاعلين مَعَه إِلَهًا آخر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ وَرَجا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا ألهمه الله من ذَلِك وَقذف فِي

стр. 927

قلبه جزيل الثَّوَاب وكريم المآب وَالله تَعَالَى يعين أَمِير الْمُؤمنِينَ على نِيَّته على تعزيز الْإِسْلَام وَأَهله وإذلال الشّرك وَحزبه فلتعلم هَذَا من رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا تستعن بِأحد من الْمُشْركين وَأنزل أهل الذِّمَّة مَنَازِلهمْ الَّتِي أنزلهم الله بهَا واقرأ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ على أهل أعمالك وأشعه فيهم وَلَا يعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنَّك استعنت وَلَا أحد من عمالك وأعوانك بِأحد من أهل الذِّمَّة فِي عمل الْإِسْلَام قلت ثمَّ لم يزل الْخُلَفَاء بعد المتَوَكل يتداولون كِتَابَة مثل ذَلِك فِي كل زمن ويشددون فِيهِ حَتَّى أَن المقتدر بِاللَّه فِي سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ عزل كتاب النَّصَارَى وعمالهم وَأمر بِأَن لَا يستعان بِأحد من أهل الذِّمَّة وَقتل بعض النَّصَارَى وَكتب إِلَى عماله بهَا نسخته عوائد الله عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ تومى على عَادَة رِضَاهُ

стр. 928

وَنِهَايَة أمانيه وَلَيْسَ أحد يظْهر عصيانه إِلَّا جعله الله عظة للأنام وبادره بعاجل الاصطلام وَالله عَزِيز ذُو انتقام فَمن نكث وطغى وبغى وَخَالف أَمِير الْمُؤمنِينَ وَخَالف مُحَمَّدًا ﷺ وسعى فِي إِفْسَاد دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ عاجله أَمِير الْمُؤمنِينَ بسطوته وطهر من رجسه دولته وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَقد أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بترك الِاسْتِعَانَة بِأحد من أهل الذِّمَّة فليحذر الْعمَّال تجَاوز أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ ونواهيه وَكَذَلِكَ وَقع فِي زمن الْآمِر الفاطمي بالديار المصرية أَمر بِكِتَاب كتاب عَنهُ بإلباس أهل الذِّمَّة الغيار وَإِنْزَالهمْ بالمنزلة الَّتِي أَمر الله تَعَالَى أَن ينزلُوا بهَا من الذل وَالصغَار وَأمر أَن لَا يولوا شَيْئا من أَعمال الْإِسْلَام وَأَن ينشأ فِي ذَلِك كتاب يقف عَلَيْهِ الْخَاص وَالْعَام فَكتب وأوله الْحَمد لله المعبود فِي أرضه وسمائه والمجيب دُعَاء من يَدعُوهُ بأسمائه

стр. 929

وَهُوَ كتاب طَوِيل قصّ عَلَيْهِم فِيهِ كل نكال وعَلى ذَلِك جرى مُلُوك الديار المصرية إِلَى أَن كَانَ آخر مَا كتب بِمثل ذَلِك عَن الْملك الصَّالح صَالح بن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي سنة خمس وَخمسين وَسبع مائَة

стр. 930

الْبَاب السَّادِس فِي الْكتب الصادرة عَن الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد بالخلافة والكتب الصادرة إِلَى الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد من الْمُلُوك وَنَحْوهم وَفِيه فصلان الْفَصْل الأول فِي الْكتب الصادرة عَن الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد أما الْكتب الصادرة عَن الْخُلَفَاء فللكتاب فِي المكاتبات الْعَامَّة فِيهَا أَرْبَعَة مَذَاهِب الْمَذْهَب الأول أَن يفْتَتح الْكتاب بِلَفْظ أما بعد وَرُبمَا أَتَى فِيهِ بعد البعدية بالتحميد إِذا كَانَ الْكتاب مِمَّا يدل على نعْمَة ظَاهِرَة من فتح أَو غَيره وَقد يَنْتَهِي التَّحْمِيد إِلَى ثلثه وَقد يقصر فِيهِ على تَحْمِيدَة وَاحِدَة وَرُبمَا أهمل التَّحْمِيد وَوَقع الِافْتِتَاح بأما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ كَانَ

стр. 931

يفْتَتح كتبه بأما بعد كَمَا كتب ﷺ إِلَى نَصَارَى نَجْرَان بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَه ابراهيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أما بعد فَإِنِّي أدعوكم إِلَى عبَادَة الله من عبَادَة الْعباد وأدعوكم إِلَى ولَايَة الله من ولَايَة الْعباد فَإِن أَبَيْتُم فالجزية فَإِن أَبَيْتُم فقد آذنتكم بِحَرب الْإِسْلَام وعَلى ذَلِك كتب أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ حِين حصر فِي دَاره إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أما بعد فقد بلغ السَّيْل الزبى والحزام الطبيين وطمع فِي كل من كَانَ يضعف عَن نَفسه وَلم يَغْلِبك مثل مغلب فَأقبل إِلَى صديقا كنت أم عدوا

стр. 932

.. فَإِن كنت مَأْكُولا فَكُن خير آكل وَإِلَّا فأدركني وَلما أمزق ... وعَلى مثل ذَلِك كتب يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى أهل الْمَدِينَة وَقد خَرجُوا عَن طَاعَته أما بعد فَإِن ﴿الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال﴾ وَإِنِّي وَالله قد لبستكم فأخلقتكم ورفعتكم على رَأْسِي ثمَّ على عَيْني ثمَّ على فمي ثمَّ على بَطْني وأيم الله لَئِن وضعتكم تَحت قدمي لأطأنكم وَطْأَة أقل بهَا عددكم وأترككم بهَا أَحَادِيث تنسخ مِنْهَا أخباركم كأخبار عَاد وَثَمُود وعَلى هَذَا الأسلوب كتب عَن المعتصم بِاللَّه إِلَى مُلُوك الْآفَاق من الْمُسلمين عِنْد

стр. 933

قبض الأفشين على بابك ملك الرّوم وَهُوَ من الْفتُوح الْعَظِيمَة فِي الْإِسْلَام وَهَذِه نسخته أما بعد فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الْعَاقِبَة لدينِهِ والعصمة لأوليائه والعز لمن نَصره والفلج لمن أطاعه وَالْحق لمن عرف حَقه وَجعل دَائِرَة السوء على من عَصَاهُ وصدف عَنهُ وَرغب عَن ربوبيته وابتغى إِلَهًا غَيره لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ حمد من لَا يعبد غَيره وَلَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يُفَوض أمره إِلَّا إِلَيْهِ وَلَا يَرْجُو الْخَيْر إِلَّا من عِنْده والمزيد إِلَّا من سَعَة فَضله وَلَا يَسْتَعِين فِي أَحْوَاله كلهَا إِلَّا بِهِ ويسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله وصفوته من عباده الَّذِي ارْتَضَاهُ لنبوته وابتعثه بوحيه واختصه بكرامته فَأرْسلهُ بِالْحَقِّ شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا وَالْحَمْد لله الَّذِي توجه لأمير الْمُؤمنِينَ بصنعه فيسر لَهُ

стр. 934

أمره وَصدق لَهُ ظَنّه وأنجح لَهُ طلبته وأنفذ لَهُ حيلته وَبلغ لَهُ بغيته وَأدْركَ الْمُسلمُونَ بثأرهم على يَده وَقتل عدوهم وأسكن روعهم ورحم فاقتهم وآنس وحشتهم فَأَصْبحُوا آمِنين مُطْمَئِنين مقيمين فِي دِيَارهمْ متمكنين من أوطانهم بعد الْقَتْل والحرق والتشريد وَطول العناء وتتابع الْبلَاء منا من الله على أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا خصّه بِهِ وصنعا لَهُ فِيمَا وَفقه لطلبه وكرامة زَادهَا فِيمَا أجْرى على يَده فَالْحَمْد لله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله ويرغب إِلَى الله فِي تَمام نعمه ودوام صنعه وسعة مَا عِنْده بمنه ولطفه وَلَا يعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ كَثْرَة أَعدَاء الْمُسلمين وتكنفهم إِيَّاه من أقطاره والضغائن الَّتِي فِي قُلُوبهم على أَهله وَمَا يترصدونه من الْعَدَاوَة وينطوون عَلَيْهِ من المكايدة إِذْ كَانَ هُوَ الظَّاهِر عَلَيْهِم والآخذ مِنْهُم عدوا كَانَ أعظم بلية وَلَا أجل خطبا وَلَا أَشد طلبا وَلَا أبلغ مكايدة وَلَا أرمى بمكروه من هَؤُلَاءِ

стр. 935

الْكَفَرَة الَّذين يغزوهم الْمُسلمُونَ فيستعلون عَلَيْهِم ويضعون أَيْديهم حَيْثُ شَاءُوا مِنْهُم وَلَا يقبلُونَ لَهُم صلحا وَلَا يميلون مَعَهم إِلَى موادعة وَإِن كَانَت لَهُم على طول الْأَيَّام وَتصرف الْحَالَات وَبَعض مَا لَا يزَال يكون من فترات وُلَاة الثغور أدنى دولة من دولات الظفر وخلسة من خلس الْحَرْب كَانَ مَالهم من خوف الْعَاقِبَة فِي ذَلِك منغصا لما تعجلوا من سروره وَمَا يتوقعون من الدَّوَائِر بعد تكدرا لما وصل إِلَيْهِم من فرحة فَأَما اللعين بابك وكفرته فَإِنَّهُم كَانُوا يغزون أَكثر مِمَّا يغزون وينالون أَكثر مِمَّا ينَال مِنْهُم وهم المنحرفون عَن الْمُوَادَعَة المتوحشون عَن المراسلة وَمن أديلوا من تتَابع الدول وَلم يتجافوا عَاقِبَة تُدْرِكهُمْ وَلَا دَائِرَة تَدور عَلَيْهِم وَكَانَ مِمَّا وطأ ذَلِك ومكنه لَهُم أَنهم قوم ابتدءوا أَمرهم على حَال تشاغل من السُّلْطَان وتتابع من الْفِتَن واضطراب من الْحَبل فَاسْتَقْبلُوا أَمرهم بعزة من أنفسهم وَضعف واستشارة مِمَّن باراهم فأجلوا من

стр. 936

حَولهمْ لتخلص الْبِلَاد لَهُم ثمَّ أخربوا الْبِلَاد ليز مطلبهم وتشتد المؤونة وتعظم الكلفة ويقووا فِي ذَات أَيْديهم فَلم يتواف إِلَيْهِم قواد السُّلْطَان إِلَّا وَقد توافت إِلَيْهِم الْقُوَّة من كل جَانب فاستفحل أَمرهم وعظمت شوكتهم واشتدت ضراوتهم وَاسْتَجْمَعَ لَهُم كيدهم وَكثر عَددهمْ واعتدادهم وتمكنت الْمُصِيبَة فِي صُدُور النَّاس مِنْهُم وَتحقّق فِي نُفُوسهم أَن كل مَا يعدهم الْكَافِر ويمنيهم أَخذ بِالْيَدِ وَكَانَ الَّذِي بقى عِنْدهم مِنْهُ كَالَّذي مضى وَبِدُون هَذَا مَا يختدع الأريب ويستزل الْعَاقِل ويعتقل الفطن فَكيف من لَا فكرة لَهُ وَلَا روية عِنْده هَذَا مَعَ كل مَا يقوم فِي قُلُوبهم من حسد أهل النعم ومنافستهم على مَا فِي أَيْديهم وتقطعهم حسرات فِي إِثْر مَا خصوا بِهِ وَأَنَّهُمْ إِلَّا يَكُونُوا يرَوْنَ أنفسهم أَحَق بذلك فَإِنَّهُم يرَوْنَ أنفسهم فِيهِ سَوَاء وَلم يزل أَمِير الْمُؤمنِينَ قبل أَن تُفْضِي إِلَيْهِ الْخلَافَة

стр. 937

مَادًّا عُنُقه موجها همته إِلَى أَن يوليه الله أَمر هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة ويملكه حربهم ويجعله المقارع لَهُم عَن دينه والمناجز لَهُم عَن حَقه فَلم يكن يألو فِي ذَلِك حرصا وطلبا واحتفالا فَكَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ يَأْبَى ذَلِك لضنه بِهِ وصيانته بِقُرْبِهِ مَعَ الْأَمر الَّذِي أعده الله وآثره بِهِ وَرَأى أَن شَيْئا لَا يَفِي بقوام الدّين وَصَلَاح الْأَمر فَلَمَّا أفْضى الله إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بخلافته وَأطلق الْأَمر فِي يَده لم يكن شَيْء أحب إِلَيْهِ وَلَا آخذ بِقَلْبِه من المعاجلة للْكَافِرِ وكفرته فأعزه الله وأعانه الله فَللَّه الْحَمد على ذَلِك وتيسره فأعد من أَمْوَاله أحصرها وَمن قواد جَيْشه أعلمهم بِالْحَرْبِ وأنهضهم بالمعضلات وَمن أوليائه وَأَبْنَاء دَعوته ودعوة آبَائِهِ صلوَات الله عَلَيْهِم أحْسنهم طَاعَة وأشدهم نكاية وَأَكْثَرهم عدَّة ثمَّ أتبع الْأَمْوَال بالأموال وَالرِّجَال بِالرِّجَالِ من خَاصَّة موَالِيه وَعدد غلمانه وَقبل ذَلِك مَا اتكل عَلَيْهِ من صنع

стр. 938

الله جلّ وَعز وَوجه إِلَيْهِ من رغبته فَكيف رأى الْكَافِر اللعين وَأَصْحَابه الملاعين ألم يكذب الله ظنونهم ويشف صُدُور أوليائه مِنْهُم فَقَتَلُوهُمْ كَيفَ شَاءُوا فِي كل موطن ومعترك مَا دَامَت عِنْد أنفسهم مقاومة فَلَمَّا ونوا وقلوا وكرهوا الْمَوْت صَارُوا لَا يتراءون إِلَّا فِي رُؤُوس الْجبَال ومضايق الطّرق وَخلف الأودية وَمن وَرَاء الْأَنْهَار وَحَيْثُ لَا تنالهم الْخَيل حبا للمطاولة وانتظارا للدوائر فكادهم الله عِنْد ذَلِك وَهُوَ خير الكائدين واستدرجهم حَتَّى جمعهم إِلَى حصنهمْ معتصمين فِيهِ عِنْد أنفسهم فَجعلُوا اعتصامهم لحين لَهُم وصنع لأوليائه وإحاطة مِنْهُ بِهِ ﵎ فَجَمعهُمْ وحصرهم كي لَا تبقى مِنْهُم بَقِيَّة وَلَا يترجى لَهُم عَاقِبَة وَلَا يكون الدّين إِلَّا لله وَلَا الْعَاقِبَة إِلَّا لأوليائه وَلَا التعس والنكس إِلَّا لمن خذله فَلَمَّا حصرهم الله تَعَالَى وحبسهم ودانتهم مصَارِعهمْ

стр. 939

سلطهم الله عَلَيْهِم كيد وَاحِدَة يختطفونهم بسيوفهم وينتظمونهم برماحهم فَلَا يَجدونَ ملْجأ وَلَا مهربا ثمَّ أمكنهم من أَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ وَنِسَائِهِمْ وخدمهم وصير الدَّار دَارهم والمحلة محلتهم وَالْأَمْوَال قسما بَينهم والأهل إِمَاء وعبيدا لَهُم وَفَوق ذَلِك كُله مَا فعل بهؤلاء وَأَعْطَاهُمْ من الرَّحْمَة وَالثَّوَاب وَمَا أعد لأولئك من الخزي وَالْعِقَاب وَصَارَ الْكَافِر بابك لَا فِي من قتل فَيسلم من ذل الْغَلَبَة وَلَا فِيمَن نجا فعاين فِي الْحَيَاة بعض الْعِوَض وَلَا فِيمَن أُصِيب فيشتغل بِنَفسِهِ عَن الْمُصِيبَة بِمَا سواهُ وَلكنه أطلقهُ وسد مذاهبه وَتَركه ملددا بَين الذل وَالْخَوْف والغصة وَالْحَسْرَة حَتَّى إِذا ذاق طعم ذَلِك كُله وفهمه وَعرف بموقع الْمُصِيبَة وَظن مَعَ ذَلِك كُله أَنه على طَرِيق من النجَاة فَأَضْرب الله وَجهه وأعمى بَصَره وسد سَبيله وَأخذ بسمعه وبصره وحازه إِلَى من لَا يرق لَهُ وَلَا يرثى لمصرعه فامتثل مَا أَمر بِهِ الأفشين حيدر بن طَاوُوس مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أمره فَبَثَّ لَهُ الحبائل وَوضع عَلَيْهِ الأرصاد وَنصب لَهُ

стр. 940

الأشراك حَتَّى أظفره الله بِهِ أسيره ذليلا موثقًا فِي الْحَدِيد يرَاهُ فِي تِلْكَ الْحَالة من كَاد يرَاهُ رَبًّا وَيرى الدائرة عَلَيْهِ من كَانَ يظنّ أَنَّهَا سَتَكُون لَهُ فَالْحَمْد لله الَّذِي أعز دينه وَأظْهر حجَّته وَنصر أولياءه وَأهْلك أعداءه حمدا يقْضى بِهِ الْحق وتتم بِهِ النِّعْمَة وتتصل بِهِ الزِّيَادَة وَالْحَمْد لله الَّذِي فتح على أَمِير الْمُؤمنِينَ وحقق ظَنّه وأنجح سَعْيه وَحَازَ لَهُ هَذَا الْفَتْح وذخره وشرفه وَجعله خَالِصا لتمامه وكمله بأكمل الصنع وَأحسن الْكِفَايَة وَلم ير يَوْمًا فِيهِ يقذى عينه وَلَا خلا من سرُور يرَاهُ وَبشَارَة تتجدد لَهُ عَنهُ فَمَا يدْرِي أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا متع فِيهِ من الأمل أَو مَا ختم لَهُ من الظفر فَالْحَمْد لله أَولا وَالْحَمْد لله على عطاياه الَّتِي لَا تحصى ونعمه الَّتِي لَا تنسى الْمَذْهَب الثَّانِي فِيمَا يكْتب عَن الْخُلَفَاء من الْكتب أَن يفْتَتح الْكتاب بِلَفْظ من فلَان إِلَى فلَان

стр. 941

وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن مُعظم كتب النَّبِي ﷺ الصادرة عَنهُ كَانَت على هَذَا النمط كَمَا كتب عَنهُ ﷺ إِلَى هِرقل ملك الرّوم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم أسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ فَإِن توليت فَإِن عَلَيْك إِثْم الأريسيين و ﴿يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَلا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ فِي خِلَافَته يكْتب عَنهُ من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله ثمَّ الْبَاقِي من نِسْبَة مَا يكْتب عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ كتب عَن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي أول

стр. 942

خِلَافَته من عمر خَليفَة رَسُول الله ﷺ إِلَى أَن لقب بأمير الْمُؤمنِينَ فَكتب من عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فلزمها من بعده من الْخُلَفَاء إِلَى أَن كَانَت خلَافَة الْمَأْمُون فَزَاد بعد التَّحْمِيد وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله فَتَبِعَهُ من بعده من الْخُلَفَاء على ذَلِك ثمَّ يُؤْتى بالبعدية وَيَدعِي للخليفة مثل أَطَالَ الله بَقَاءَك وَنَحْوه ثمَّ يُؤْتى على الْمَقْصُود وَكَانَ ﷺ يكْتب فِي كتبه إِلَى أَصْحَابه بعد من مُحَمَّد رَسُول الله سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ وَهَذِه نُسْخَة كتاب كتب بِهِ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ إِلَى أهل الرِّدَّة حِين ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ وَهِي من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله ﷺ إِلَى من بلغه كتابي هَذَا من عَامَّة وخاصة أَقَامَ على الْإِسْلَام أَو رَجَعَ عَنهُ سَلام على من اتبع الْهدى وَلم يرجع بعد الْهدى إِلَى الضَّلَالَة والعمى فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْكُم الله الَّذِي لَا

стр. 943

إِلَه إِلَّا هُوَ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأقر بِمَا جَاءَ بِهِ وأكفر من أَبى وأجاهده أما بعد فَإِن الله أرسل مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ من عِنْده إِلَى خلقه بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا ﴿لينذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين﴾ يهدي الله للحق من أجَاب إِلَيْهِ وَضرب رَسُول الله ﷺ بِإِذْنِهِ من أدبر عَنهُ حَتَّى صَار الْإِسْلَام طَوْعًا وَكرها ثمَّ توفى رَسُول الله ﷺ وَقد نفذ لأمر الله ونصح لأمته وَقضى الَّذِي عَلَيْهِ وَكَانَ الله قد بَين لَهُ ذَلِك وَلأَهل الْإِسْلَام فِي الْكتاب الَّذِي أنزل فَقَالَ ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ وَقَالَ للْمُؤْمِنين ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ﴾

стр. 944

فَمن كَانَ يعبدا مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِن الله بالمرصاد حَيّ قيوم لَا يَمُوت وَلَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم حَافظ لأَمره منتقم من عدوه بحزبه وَإِنِّي أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيكُم وَأَن تهتدوا بهديه وَأَن تعتصموا بدين الله فَإِنَّهُ من لم يهده الله صل وَمن لم يعافه مبتلى وكل من لم ينصره مخذول فَمن هداه الله كَانَ مهديا وَمن أضلّهُ كَانَ ضَالًّا ﴿من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا﴾ وَلم يقبل مِنْهُ فِي الدُّنْيَا عمل حَتَّى يقر بِهِ وَلم يقبل لَهُ فِي الْآخِرَة صرف وَلَا عدل وَقد بَلغنِي رُجُوع من رَجَعَ مِنْكُم عَن دينه بعد أَن أقرّ بِالْإِسْلَامِ وَعمل بِهِ اغْتِرَارًا بِاللَّه وجهالة بأَمْره وَإجَابَة للشَّيْطَان وَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ ففسق عَن أَمر ربه أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني وهم لكم عَدو بئس للظالمين بَدَلا﴾

стр. 945

وَقَالَ ﴿إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا إِنَّمَا يَدْعُو حزبه ليكونوا من أَصْحَاب السعير﴾ وَإِنِّي أنفذت إِلَيْكُم فلَانا فِي جَيش من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَان وأمرته أَلا يعاجل أحدا وَلَا يقْتله حَتَّى يَدعُوهُ إِلَى مَا عِنْد الله فَمن اسْتَجَابَ لَهُ وَأقر وكف وَعمل صَالحا قبل مِنْهُ وأعانه عَلَيْهِ وَمن أَبى أَمرته أَن يقاتله على ذَلِك وَلَا يبقي على أحد مِنْهُم قدر عَلَيْهِ وَأَن يحرقهم بالنيران ويقتلهم كل قتلة وَيَسْبِي النِّسَاء والذراري وَلَا يقبل من أحد إِلَّا الْإِسْلَام فَمن آمن فَهُوَ خير لَهُ وَمن تَركه فَلَنْ يعجز الله وَقد أمرت رَسُولي أَن يقْرَأ كتابي فِي كل مجمع لكم والداعية الْأَذَان فَإِن أذن الْمُسلمُونَ فأذنوا كفوا عَنْهُم وَإِن لم يؤذنوا سلوهم عَمَّا عَلَيْهِم فَإِن أَبَوا عاجلوهم وَإِن أقرُّوا قبل مِنْهُم وَحَملهمْ على مَا يَنْبَغِي لَهُم

стр. 946

وَهَذِه نُسْخَة كتاب كتب بِهِ عمر بن الْخطاب ﵁ إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ وَقد بلغه فَاشِية مَال فَشَتْ لَهُ وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير مصر وَهِي من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ سَلام عَلَيْك أما بعد فَإِنَّهُ قد بَلغنِي أَنه فَشَتْ لَك فَاشِية من خيل وإبل وبقر وَعبيد وعهدي بك قبل ذَلِك وَلَا مَال لَك فَاكْتُبْ إِلَيّ من أَيْن أصل هَذَا المَال وَهَذِه نسخته كتاب من ذَلِك كتب بِهِ عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف وَقد بلغه أَنه تعرض لأنس بن مَالك ﵁ وَهِي من عبد الله عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف أما بعد فَإنَّك عبد قد علت بك الْأُمُور فطغيت وعلوت فِيهَا حَتَّى جزت حد قدرك وعدوت طورك وَايْم الله

стр. 947

لأغمزنك كبعض غمزات الليوث الثعالب ولأركضنك ركضة تدخل مِنْهَا فِي وجعاء أمك اذكر مكاسب آبَائِك فِي الطَّائِف إِذْ كَانُوا ينقلون الْحِجَارَة على أَعْنَاقهم ويحفرون الْآبَار والمناهر بِأَيْدِيهِم قد نسيت مَا كنت عَلَيْهِ أَنْت وآباؤك من الدناءة واللوم والضراعة وَقد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ من استطاعتك على أنس بن مَالك جرْأَة مِنْك على أَمِير الْمُؤمنِينَ وغرة بِمَعْرِِفَة غَيره ونقماته وسطواته على من خَالف سَبيله وَعمد إِلَى غير محجته وَنزل عِنْد سخطه وأظنك أردْت أَن تروزه بهَا فتعلم مَا عِنْده من التَّغْيِير والتنكير فِيهَا فَإِن سوغتها نصبت قدما وَإِن غصصتها وليت دبرا أَيهَا العَبْد الْأَخْفَش الْعَينَيْنِ الأصك الرجلَيْن الْمَمْسُوح الْجَاعِرَتَيْنِ وَلنْ يخفى على أَمِير الْمُسلمين نبؤك و ﴿لكل نبإ مُسْتَقر وسوف تعلمُونَ﴾

стр. 948

وَهَذِه نُسْخَة كتاب على هَذِه الطَّرِيقَة كتب بِهِ أَبُو إِسْحَاق الصابي عَن الطائع إِلَى صمصام الدولة بن عضد الدولة بن بويه عِنْد قبض على كردويه الْكرْدِي شاكرا همته فِي ذَلِك فِي ربيع الأول سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وَهِي من عبد الله عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى صمصام الدولة وشمس الْملَّة أبي كاليجار ابْن عضد الدولة وتاج الْملَّة مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﷺ أما بعد أَطَالَ الله بَقَاءَك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ قد بوأك الْمنزلَة الْعليا وأنالك من أثرته الْغَايَة القصوى وَجعل لَك مَا كَانَ لأَبِيك عضد الدولة وتاج الْملَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِ من الْقدر وَالْمحل والموضع الأرفع الْأَجَل فَإِنَّهُ يُوجب لَك عِنْد ذَلِك أثرا يكون لَك فِي الْخدمَة

стр. 949

ومقاما حميدا تقومه فِي حماية الْبَيْضَة إنعاما بتظاهره وإكراما بتتابعه وتواتره وَالله يؤيدك من توفيقه وتسديده ويمدك بمعونته وتأييده وَيُخَير لأمير الْمُؤمنِينَ فِيمَا رَأْيه مُسْتَمر عَلَيْهِ من مزيدك وتمكينك والإبقاء بك وتعظيمك وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب وَقد عرفت أدام الله عزك مَا كَانَ من أَمر كردويه كَافِر نعْمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ ونعمتك وجاحد صنعه وصنيعك فِي الوثبة الَّتِي وثبها والكبيرة الَّتِي ارتكبها وَتَقْدِيره أَن ينتهز الفرصة الَّتِي لم يُمكنهُ الله مِنْهَا بل كَانَ من وَرَاء ذَلِك دَفعه ورده عَنْهَا ومعاجلتك إِيَّاه الْحَرْب الَّتِي أصلاه الله نارها وَأتبعهُ عارها وشنارها حَتَّى انهزم والأوغاد الَّذين شركوه فِي إثارة الْفِتْنَة على أقبح أَحْوَال الذلة والقلة بعد الْقَتْل الذريع والإثخان الوجيع فَالْحَمْد لله على هَذِه النِّعْمَة الَّتِي جلّ موقعها وَبَان على الْخَاصَّة والعامة أَثَرهَا وَلزِمَ أَمِير الْمُؤمنِينَ خُصُوصا

стр. 950

وَالْمُسْلِمين عُمُوما نشرها والْحَدِيث بهَا وَهُوَ الْمَسْئُول عَن إِقَامَتهَا وإدامتها برحمته وَقد رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجازيك عَن هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم وَالْمقَام الْمجِيد الْكَرِيم بخلع تَامَّة ودابتين ومركبين ذَهَبا من مراكبه وَسيف وطوق وسوار مرصع فتلق ذَلِك بالشكر عَلَيْهِ والاعتداد بنعمته فِيهِ والبس خلع أَمِير الْمُؤمنِينَ وتكرمته وسر من بَابه على حملاته وَأظْهر مَا حباك بِهِ لأهل حَضرته ليعز الله بذلك وليه ووليك ويذل عدوه وعدوك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وعَلى نَحْو من هَذِه الطَّرِيقَة كتب عَن الإِمَام المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بِأَمْر الله ثَانِي خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية إِلَى الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين دَاوُد بن الْملك المظفر يُوسُف صَاحب الْيمن من مُلُوك بني رَسُول فِي الدولة الناصرية مُحَمَّد بن قلاوون فِي سنة سبع وَسَبْعمائة حِين منع صَاحب الْيمن
следующие страницы →