Полный текст (1 075 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وَهَذِه نُسْخَة كتاب
كتب بِهِ عمر بن الْخطاب ﵁ إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ وَقد بلغه فَاشِية مَال فَشَتْ لَهُ وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير مصر وَهِي
من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ سَلام عَلَيْك
أما بعد فَإِنَّهُ قد بَلغنِي أَنه فَشَتْ لَك فَاشِية من خيل وإبل وبقر وَعبيد وعهدي بك قبل ذَلِك وَلَا مَال لَك فَاكْتُبْ إِلَيّ من أَيْن أصل هَذَا المَال
وَهَذِه نسخته كتاب من ذَلِك
كتب بِهِ عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف وَقد بلغه أَنه تعرض لأنس بن مَالك ﵁ وَهِي
من عبد الله عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف أما بعد فَإنَّك عبد قد علت بك الْأُمُور فطغيت وعلوت فِيهَا حَتَّى جزت حد قدرك وعدوت طورك وَايْم الله
стр. 947
لأغمزنك كبعض غمزات الليوث الثعالب ولأركضنك ركضة تدخل مِنْهَا فِي وجعاء أمك اذكر مكاسب آبَائِك فِي الطَّائِف إِذْ كَانُوا ينقلون الْحِجَارَة على أَعْنَاقهم ويحفرون الْآبَار والمناهر بِأَيْدِيهِم قد نسيت مَا كنت عَلَيْهِ أَنْت وآباؤك من الدناءة واللوم والضراعة وَقد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ من استطاعتك على أنس بن مَالك جرْأَة مِنْك على أَمِير الْمُؤمنِينَ وغرة بِمَعْرِِفَة غَيره ونقماته وسطواته على من خَالف سَبيله وَعمد إِلَى غير محجته وَنزل عِنْد سخطه وأظنك أردْت أَن تروزه بهَا فتعلم مَا عِنْده من التَّغْيِير والتنكير فِيهَا فَإِن سوغتها نصبت قدما وَإِن غصصتها وليت دبرا أَيهَا العَبْد الْأَخْفَش الْعَينَيْنِ الأصك الرجلَيْن الْمَمْسُوح الْجَاعِرَتَيْنِ وَلنْ يخفى على أَمِير الْمُسلمين نبؤك و ﴿لكل نبإ مُسْتَقر وسوف تعلمُونَ﴾
стр. 948
وَهَذِه نُسْخَة كتاب على هَذِه الطَّرِيقَة
كتب بِهِ أَبُو إِسْحَاق الصابي عَن الطائع إِلَى صمصام الدولة بن عضد الدولة بن بويه عِنْد قبض على كردويه الْكرْدِي شاكرا همته فِي ذَلِك فِي ربيع الأول سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وَهِي
من عبد الله عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى صمصام الدولة وشمس الْملَّة أبي كاليجار ابْن عضد الدولة وتاج الْملَّة مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ
سَلام عَلَيْك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﷺ
أما بعد أَطَالَ الله بَقَاءَك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ قد بوأك الْمنزلَة الْعليا وأنالك من أثرته الْغَايَة القصوى وَجعل لَك مَا كَانَ لأَبِيك عضد الدولة وتاج الْملَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِ من الْقدر وَالْمحل والموضع الأرفع الْأَجَل فَإِنَّهُ يُوجب لَك عِنْد ذَلِك أثرا يكون لَك فِي الْخدمَة
стр. 949
ومقاما حميدا تقومه فِي حماية الْبَيْضَة إنعاما بتظاهره وإكراما بتتابعه وتواتره وَالله يؤيدك من توفيقه وتسديده ويمدك بمعونته وتأييده وَيُخَير لأمير الْمُؤمنِينَ فِيمَا رَأْيه مُسْتَمر عَلَيْهِ من مزيدك وتمكينك والإبقاء بك وتعظيمك وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
وَقد عرفت أدام الله عزك مَا كَانَ من أَمر كردويه كَافِر نعْمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ ونعمتك وجاحد صنعه وصنيعك فِي الوثبة الَّتِي وثبها والكبيرة الَّتِي ارتكبها وَتَقْدِيره أَن ينتهز الفرصة الَّتِي لم يُمكنهُ الله مِنْهَا بل كَانَ من وَرَاء ذَلِك دَفعه ورده عَنْهَا ومعاجلتك إِيَّاه الْحَرْب الَّتِي أصلاه الله نارها وَأتبعهُ عارها وشنارها حَتَّى انهزم والأوغاد الَّذين شركوه فِي إثارة الْفِتْنَة على أقبح أَحْوَال الذلة والقلة بعد الْقَتْل الذريع والإثخان الوجيع
فَالْحَمْد لله على هَذِه النِّعْمَة الَّتِي جلّ موقعها وَبَان على الْخَاصَّة والعامة أَثَرهَا وَلزِمَ أَمِير الْمُؤمنِينَ خُصُوصا
стр. 950
وَالْمُسْلِمين عُمُوما نشرها والْحَدِيث بهَا وَهُوَ الْمَسْئُول عَن إِقَامَتهَا وإدامتها برحمته
وَقد رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجازيك عَن هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم وَالْمقَام الْمجِيد الْكَرِيم بخلع تَامَّة ودابتين ومركبين ذَهَبا من مراكبه وَسيف وطوق وسوار مرصع فتلق ذَلِك بالشكر عَلَيْهِ والاعتداد بنعمته فِيهِ والبس خلع أَمِير الْمُؤمنِينَ وتكرمته وسر من بَابه على حملاته وَأظْهر مَا حباك بِهِ لأهل حَضرته ليعز الله بذلك وليه ووليك ويذل عدوه وعدوك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وعَلى نَحْو من هَذِه الطَّرِيقَة
كتب عَن الإِمَام المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بِأَمْر الله ثَانِي خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية إِلَى الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين دَاوُد بن الْملك المظفر يُوسُف صَاحب الْيمن من مُلُوك بني رَسُول فِي الدولة الناصرية مُحَمَّد بن قلاوون فِي سنة سبع وَسَبْعمائة حِين منع صَاحب الْيمن
стр. 951
الْهَدِيَّة الَّتِي جرت الْعَادة بحملها من مُلُوك الْيمن إِلَى مُلُوك الديار المصرية يهدده فِيهِ ويطلبه بِالْقيامِ مَعَه فِي المساعدة لَهُ على التتار بِمَال يبْعَث بِهِ إِلَيْهِ مصدرا بِآيَة من الْقُرْآن مُتبعا للتصدير بِخطْبَة وَهِي ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾
من عبد الله ووليه أبي الرّبيع سُلَيْمَان
أما بعد حمد الله مانح الْقُلُوب السليمة هداها ومرشد الْعُقُول إِلَى أَمر معادها ومبداها وموفق من اخْتَارَهُ إِلَى محجة صَوَاب لَا يضل سالكها وَلَا تظلم عِنْد اخْتِلَاف الْأُمُور الْعِظَام مسالكها وملهم من اصطفاه لابتغاء آثَار السّنَن النَّبَوِيَّة وَالْعَمَل بموجبات الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة والانتظام فِي سلك من طوقته الْخلَافَة عقودها وأفاضت على سدته الجليلة برودها وملكته أقاصي الْبِلَاد وأناطته بأحكامه السديدة أُمُور الْعباد وسارت تَحت خوافق أَعْلَامه أَعْلَام الْمُلُوك والأكاسرة وشيدت بأحكامه مناجح الدُّنْيَا
стр. 952
ومصالح الْآخِرَة وتبختر كل مِنْبَر من ذكره فِي ثوب من السِّيَادَة معلم وتهللت من ألقابه الشَّرِيفَة أسارير كل دِينَار وَدِرْهَم
يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على أَن جعل أُمُور الْخلَافَة ببنى الْعَبَّاس منوطة وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة محوطة وَيُصلي على ابْن عَمه مُحَمَّد الَّذِي أخمد الله بمبعثه مَا ثار من الْفِتَن وأطفأ برسالته مَا اضطرم من نَار الإحن صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين حموا حمى الْخلَافَة وذادوا عَن مواردها وعمدوا إِلَى تشييد المعالم الدِّينِيَّة فأقاموها على قواعدها صَلَاة دائمة الغدو والرواح مُتَّصِلا أَولهَا بطرة اللَّيْل وَآخِرهَا بجبين الصَّباح هَذَا وَإِن الدّين الَّذِي فرض الله على الكافة الانضمام إِلَى شعبه وأطلع فِيهِ شموس هِدَايَة تشرق من مشرقه وَلَا تغرب فِي غربه جعل الله حكمه بأمرنا مَنُوطًا وَفِي سلك أحكامنا مخروطا وقلدنا من أَمر الْخلَافَة المعظمة سَيْفا طَال نجاده وَكثر أعوانه وأنجاده وفوض إِلَيْنَا أَمر الممالك الإسلامية فَإلَى حرمنا تجبى ثمراتها وَيرجع إِلَى ديواننا الْعَزِيز
стр. 953
نَفيهَا وإثباتها يخلف الْأسد فِي غابه إِن مضى شبله ويلفى فِي الْخَبَر وَالْخَبَر مثله
وَلما أَفَاضَ الله تَعَالَى علينا حلَّة الْخلَافَة وَجعل محلنا الشريف مَحل الرَّحْمَة والرافة وأقعدنا على سدة خلَافَة طالما أشرقت بالخلائف من آبَائِنَا وابتهجت بالسادة الغطاريف من أسلافنا وألبسنا خلعة من سَواد السؤدد مصبوغة وَمن سَواد الْعُيُون وسويداء الْقُلُوب مصوغة أمضينا على سدتنا الشَّرِيفَة أَمر الْخَاص وَالْعَام وقلدنا كل إقليم من أَعمالنَا من يصلح لسياسته على الدَّوَام واستكفينا بالكفاة من عمالنا على أَعمالنَا واتخذنا مصر دَار مقامنا وَبهَا سدة مقامنا لما كَانَت فِي هَذَا الْعَصْر قبَّة الْإِسْلَام وفيئة الإِمَام وثانية دَار السَّلَام تعين علينا أَن نتصفح جرائد أَعمالنَا ونتأمل نظام عمالنا مَكَانا مَكَانا وزمانا زَمَانا فتصفحناها فَوَجَدنَا قطر الْيمن خَالِيا من ولايتنا فِي هَذَا الزَّمن عرفنَا هَذَا الْأَمر من اتخذناه للممالك الإسلامية عينا وَقَلْبًا وصدرا ولبا وفوضنا إِلَيْهِ أَمر الممالك الإسلامية فَقَامَ فِيهَا مقَاما أقعد الأضداد وَأحسن فِي تَرْتِيب ممالكها نِهَايَة الإصدار وَغَايَة الْإِيرَاد وَهُوَ السُّلْطَان الْأَجَل السَّيِّد
стр. 954
الْملك النَّاصِر المبجل لَا زَالَت أَسبَاب الْمصَالح على يَدَيْهِ جَارِيَة وسحابة الْإِحْسَان من أفق رَاحَته سَارِيَة فَلم يعد جَوَابا لما ذَكرْنَاهُ وَلَا عذرا عَمَّا أبديناه إِلَّا بتجهيز شرذمة من جحافلة الْمَشْهُورَة وَتَعْيِين أنَاس من فوارسه الْمَذْكُورَة يقتحمون الْأَهْوَال وَلَا يعبأون بتغييرات الْأَحْوَال يرَوْنَ الْمَوْت معنما إِن صادفوه وشبا المرهف مكتسبا إِن صافحوه لَا يشربون سوى الدِّمَاء مدامة وَلَا يلبسُونَ غير السرابيل عِمَامَة وَلَا يعْرفُونَ طَربا إِلَّا مَا أصدره صليل الحسام من غنا وَلَا ينزلون قفرا إِلَّا وَنبت سَاعَة نزولهم من قِنَا وَلما وثقنا مِنْهُ بإنفاذهم راجعنا رَأينَا الشريف فَاقْتضى أَن يُكَاتب من بسط يَده فِي ممالكها واحتاط على جَمِيع مسالكها وَاتخذ أَهلهَا خولا وَأبْدى فِي خلال ديارها من عدم سياسة خللا برز مرسومنا الشريف النَّبَوِيّ أَن يُكَاتب من قعد على تخت مملكتها وَتصرف فِي جَمِيع أُمُور دولتها فطولع بِأَنَّهُ ولد السُّلْطَان الْملك المظفر يُوسُف بن عمر الَّذِي لَهُ شُبْهَة تمسك بأذيال المواقف المستعصمية وَهُوَ مستصحب الْحَال على زَعمه
стр. 955
أَو مَا علم الْفرق بَين الْأَحْيَاء والأموات أَو مَا تحقق الْحَال الَّتِي بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات أصدرناها إِلَى الرحاب التَّعْزِيَة والمعالم اليمنية تشعر من تولى عَنْهَا فاستبد وَتَوَلَّى كبره فَلم يعرج على أحد أَن أَمر الْيمن مَا بَرحت نوابنا تحكم فِيهِ بِالْولَايَةِ الصَّحِيحَة والتفويضات الَّتِي هِيَ غير جريحة وَمَا زَالَت تحمل إِلَى بَيت المَال الْمَعْمُور مَا تمشى بِهِ الْجمال رويدا وتقذفه بطُون الْجَوَارِي إِلَى ظُهُور اليعملات وليدا ويطالعنا بِأَمْر مَصَالِحه ومفاسده وبحال دياره ومعاهده وَلَك أُسْوَة بوالدك فلَان هلا اقتفيت مَا سنه من آثاره ونقلت مَا دونته أَيدي الزَّمن من أخباره
واتصل بمواقفنا الشَّرِيفَة أُمُور صدرت مِنْك
مِنْهَا وَهِي الْعُظْمَى الَّتِي ترَتّب عَلَيْهَا مَا ترَتّب قطع الْميرَة عَن الْبَيْت الْحَرَام وَقد علمت أَنه وَاد غير ذِي زرع وَلَا يحل لأحد أَن يتَطَرَّق إِلَيْهِ بِمَنْع
وَمِنْهَا انصبابك إِلَى تَفْرِيغ مَال بَيت المَال فِي شرى
стр. 956
لَهو الحَدِيث وَنقض العهود الْقَدِيمَة بِمَا تبديه من حَدِيث
وَمِنْهَا تَعْطِيل أجياد المنابر من عُقُود اسمنا وخلو تِلْكَ الْأَمَاكِن من أُمُور عَقدنَا وحلنا وَلَو أوضحنا لَك مَا اتَّصل بِنَا من أَمرك لطال ولاتسعت فِيهِ دَائِرَة الْمقَال رسمنا بهَا وَالسيف يود لَو سبق الْقَلَم حَده وَالْعلم الْمَنْصُور يود لَو فَاتَ الْعلم واهتز بِتِلْكَ الروابي قده والكتائب المنصورة تخْتَار لَو بدرت عنوان الْكتاب وَأهل الْعَزْم والحزم يودون إِلَيْك إِعْمَال الركاب والجواري الْمُنْشَآت قد تكونت من ليل ونهار وبرزت كصور الأفيلة لَكِنَّهَا على وَجه المَاء كالأطيار وَمَا عمدنا إِلَى مُكَاتَبَتك إِلَّا للإنذار وَلَا احتجنا إِلَى مخاطبتك إِلَّا للإعذار فأقلع عَمَّا أَنْت بصدده من الْخُيَلَاء والإعجاب وانتظم فِي سلك من استخلفناه فَأخذ بِيَمِينِهِ مَا أعْطى من كتاب وصن بِالطَّاعَةِ من زعمت أَنهم مقيمون تَحت لِوَاء علمك ومنتظمون فِي سلك أوَامِر كلمك وداخلون تَحت طَاعَة قلمك فلسنا نشن الغارات على من نطق بِالشَّهَادَتَيْنِ لِسَانه وَقَلبه وامتثل أوَامِر الله المطاعة عقله ولبه ودان بِمَا يجب من الدّيانَة وتقلد عُقُود الصّلاح والتحف مطارف الْأَمَانَة ولسنا مِمَّن
стр. 957
يَأْمر بتجريد سيف إِلَّا على من علمنَا أَنه خرج عَن طاعتنا ورفض كتاب الله وَنزع عَن مبايعتنا فأصدرنا مرسومنا هَذَا إِلَيْهِ يقص عَلَيْهِ من أنباء حلمنا مَا أَطَالَ مُدَّة دولته وشيد قَوَاعِد صولته ونستدعي مِنْهُ رَسُولا إِلَى مواقفنا الشَّرِيفَة ورحاب ممالكنا المنيفة لينوب عَنهُ فِي قبُول الْولَايَة مناب نَفسه وليجن بعد ذَلِك ثمار شفقاتنا إِن غرس شجر طاعتها وَمن سَعَادَة الْمَرْء أَن يجنى ثمار غرسه بعد أَن يَصْحَبهُ من ذخائر الْأَمْوَال مَا كثر قيمَة وخف حملا وَتَعَالَى رُتْبَة وَحسن مثلا واشرط على نَفسك فِي كل سنة قطيعة ترفعها إِلَى بَيت المَال وَإِيَّاك ثمَّ إياك أَن تكون عَن هَذَا الْأَمر مِمَّن مَال ورتب جَيْشًا مُقيما تَحت علم السُّلْطَان الْأَجَل الْملك النَّاصِر للقاء الْعَدو المخذول التتار ألحق الله أَوَّلهمْ بِالْهَلَاكِ وَآخرهمْ بالبوار وَقد علمت تفاصيل أَحْوَالهم الْمَشْهُورَة وتواريخ سيرهم الْمَذْكُورَة فاحرص على أَن يخصك من هَذَا المشرب السائغ أوفر نصيب وَأَن تكون مِمَّن جهز جَيْشًا فِي سَبِيل الله فَرمى بِسَهْم فَلهُ أجر مصيبا كَانَ أَو غير مُصِيب ليعود رَسُولك من دَار الْخلَافَة بتقاليدها وتشاريفها حَامِلا أعلامنا
стр. 958
المنصورة شاكرا بر مواقفنا المبرورة وَإِن آل حالك إِلَى أَن استمريت على غيك واستحريت مدعى بفيك فقد منعناك التَّصَرُّف فِي الْبِلَاد وَالنَّظَر فِي أَحْكَام الْعباد حَتَّى تطَأ خَيْلنَا الْعتاق مشمخرات حصونك وتعجل حِينَئِذٍ سَاعَة منونك وَمَا أعلمناك غير مَا علمه قَلْبك وَلَا فهمناك غير مَا حدسه لبك وَلَا تكن كالصغير يزِيدهُ كَثْرَة التحريك نوما وَلَا مِمَّن غره الْإِمْهَال يَوْمًا فيوما أعلمناك ذَلِك فاعمل بِمُقْتَضَاهُ موفقا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وعَلى نَحْو من هَذِه الطَّرِيقَة فِي الِابْتِدَاء
كَانَ يكْتب عَن الإِمَام المستعين بِاللَّه أبي الْفضل الْعَبَّاس بن المتَوَكل على الله حِين اسْتَقل بالخلافة والسلطنة مَعَ زِيَادَة فِي ألقاب الْخَلِيفَة وَإِثْبَات ألقاب الْمَكْتُوب إِلَيْهِ الَّتِي يكْتب إِلَيْهِ بهَا فِي المكاتبات السُّلْطَانِيَّة فَكَانَ يكْتب عَنهُ لمن رتبته الْمقر الْكَرِيم من عبد الله ووليه الإِمَام المستعين بِاللَّه أبي الْفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِمَام الْمُسلمين وَخَلِيفَة رب الْعَالمين المفترض طَاعَته على سَائِر الْخَلَائق أَجْمَعِينَ أعز الله بِبَقَائِهِ الدّين وأمتع بِهِ الْإِسْلَام
стр. 959
وَالْمُسْلِمين إِلَى الْمقر الْكَرِيم أَو إِلَى الجناب الْكَرِيم أَو الجناب العالي أَو الْمجْلس العالي أَو الْمجْلس السَّامِي أَو مجْلِس الْأَمِير بِالْأَلْقَابِ الَّتِي يكْتب بهَا عَن السُّلْطَان من ديوَان الْإِنْشَاء الْآن وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الرتب
الْمَذْهَب الثَّالِث
مِمَّا يكْتب عَن الْخُلَفَاء أَن يفتح الْكتاب بِخطْبَة ثمَّ يُؤْتى ببعدية
وَمِنْهَا إِلَى مقصد الْكتاب
وعَلى ذَلِك كتب عَن الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله
أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان إِلَى السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أَحْمد بن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون مستدعى من الكرك إِلَى الديار المصرية لتقليده السلطنة بعد خلع أَخِيه الْأَشْرَف كجك بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وإمساك الْأَمِير قوصون وَمن مَعَه من الْأُمَرَاء من إنْشَاء الْمقر الشهابي بن فضل الله تغمده الله برحمته
стр. 960
وَهَذِه نسخته مصدرة بِآيَة من الْقُرْآن
﴿ألم تروا أَن الله سخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وأسبغ عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير﴾
فَالْحَمْد لله الَّذِي أَسْبغ نعمه الظَّاهِرَة والباطنة وَألف قُلُوب أوليائه المتفقة والمتباينة وَأخذ بنواصي أعدائه الكاذبة المائنة وَأَعْلَى جد هَذِه الدولة الْقَاهِرَة وأطلع فِي أسنة العوالي نجومها الزاهرة وحرك لَهَا العزائم فملكت والأمور بِحَمْد الله سَاكِنة والبلاد واطنة لله آمِنَة والرعايا فِي مظانها قاطنة وَالسُّيُوف فِي أغمادها مثل النيرَان فِي قُلُوب حسادها كامنة وَأقَام أهل الطَّاعَة بِالْفَرْضِ وَاسْتوْفى مِنْهُم الْقَرْض ﴿وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده وأورثنا الأَرْض﴾ وأعز أنصار الْمقَام
стр. 961
العالي وأعز نَصره وَأعد لعَدوه حصره وأتى بدولته الغراء تسمو شموسها وتثمر غروسها وَتظهر فِي حلل الصَّباح الْمشرق عروسها وتجئ مِنْهُ بِخَير رَاع للرعية يسوسها وبشره بِالْملكِ والدوام وسره بِمَا اجْتمع لَهُ من طَاعَة الْأَنَام وأقدمه على كرْسِي ملكه تظله الْغَمَام وَأرَاهُ يَوْم أعدائه وَكَانَ لَا يظنّ أَن يرى فِي الْمَنَام وَلَا يزَال مؤيد الهمم مُؤَكد الذمم مُجَدد الْبيعَة على رِقَاب الْأُمَم وَلَا بَرحت أَيَّامه الْمُقبلَة مقبلة بِالنعَم خضر الأكناف على رغم من كَاد وغيظ من رغم وَلَا فتئت عهود سلفه الشَّرِيفَة تنشأ لَهُ كَمَا كَانَت ورعاياه تدين لَهُ بِمَا دَانَتْ وَجُنُوده تفديه من النُّفُوس بِأَعَز مَا ذخرت وَمَا صانت وسعادة سُلْطَانه تكشف الغمم وتنشر الرمم وتعيد إِلَى أنوف أهل الأنفة الشمم وَتحفظ على مَا بقى لأوليائه من بَيَاض الْوُجُوه وَسَوَاد اللمم
سطرها وأصدرها وَقد حققت بعوائد الله الظنون
стр. 962
وصدقت الخواطر الْعُيُون وأنجز الله وعده وَأتم سعده وَجمع على مقَامه الْكَرِيم قُلُوب أوليائه وَفرق فرق عدوه بإجابة ندائه ووطد لرقيه المنابر وَرجل لتلقيه العساكر وهيأ لمقاتل أعدائه فِي أَيدي أوليائه السيوف البواتر وأخفق قوصون وَأمْسك وَنهب مَاله واستهلك وهدمت أبنيته وَخَربَتْ دياره وقلعت آثاره وأخليت خزائنه وأخرجت من بطُون الأَرْض دفائنه وَمَا منعت عَنهُ تِلْكَ الربائب الَّتِي ظَنّهَا قساور وَلَا ناضلت تِلْكَ القسى الَّتِي طبعها أساور وَلَا أغْنى عَنهُ ذَلِك المَال الَّذِي ذهب وَلَا ذَلِك الْجَوْهَر الَّذِي كَانَ عرضا لمن نهب وأعيد إِلَى المهد ذَلِك الطِّفْل الَّذِي أكل الدُّنْيَا باسمه وقهر أبناءها بِحكمِهِ وموه بِهِ على النَّاس وأخلى لَهُ الغاب وَمَا خرج من الكناس وغالب بِهِ الغلب حَتَّى وطئ الرّقاب وداس الأعقاب وخادع ودله الشَّيْطَان بغروره ودلس عَلَيْهِ عَاقِبَة أُمُوره فاعتد بعتاده واغتر بعناده واغتر بِأَن الأَرْض
стр. 963
لَهُ وَمَا علم أَن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده فَأمْسك وَمَعَهُ رُؤُوس من أشياعه وحصرت بالخوف نفوس أَتْبَاعه وَمِنْهُم الطنبغا وَقد أحَاط بِهِ الْعلم الشريف بكيفية وُصُوله وَحَقِيقَة الْخَبَر وَمَا قاساه فِي طَرِيقه من العبر وداس عَلَيْهِ حَتَّى وصل من وخز الإبر وَكَذَلِكَ من جَاءَ مَعَه وَخلف وَرَاءه الْحق وَتَبعهُ بعد الْهَزِيمَة الَّتِي ألجأهم إِلَيْهَا خوف العساكر المنصورة الَّتِي قعدت لَهُم على الطَّرِيق وَأخذت عَلَيْهِم بمدارج أنفاسهم فِي فَم الْمضيق وعبئت لَهُم صُفُوف الرِّجَال وأعدت لَهُم حتوف الْآجَال وحيرتهم فِي سَعَة الفجاج وأرتهم بوارق الْمَوْت فِي سحب العجاج ثمَّ لم يصلوا إِلَّا وهم أشلاء ممزقة وأعضاء مفرقة قد فنى تَحْتهم الظّهْر وفنى بيومهم الدَّهْر وساقتهم سَعَادَة سُلْطَان الْمقَام العالي إِلَى شقاوتهم وهم رقود وعبئت لَهُم الْخَيل وَالْخلْع إِلَّا أَنَّهَا ملابس الذل وَهِي الْقُيُود فَأخذُوا جَمِيعًا هم وَمن كَانُوا على موالاته وفارقوا الْجَمَاعَة لمواتاته وحملوا إِلَى الْمجْلس النائي الْمَكَان وأودعوا أَحيَاء فِي ملحدة إِلَّا أَنهم
стр. 964
كالأموات وَقد فاتوا الْمَقْصد إِلَّا أَنهم مَا أمنُوا الْفَوات ووكل بحفظهم إِلَى أَن يشرف سَرِير الْملك بقعود مقَامه وعقود أَيَّامه الحوالى وسعود زَمَانه الَّتِي أزهرت بطلوعها اللَّيَالِي
وَهَذَا النَّصْر إِنَّمَا تهيأت وَللَّه الْحَمد أَسبَابه وَهَذَا الْفَتْح إِنَّمَا فتحت بِمَشِيئَة الله أبوابه بمنة الله تَعَالَى وَنِيَّة الْمقَام العالي لَا بمنة أحد وَلَا بِشدَّة بَأْس من أقرّ وَلَا يأس من جحد وَمَا قضى الله تَعَالَى بِهِ من سَعَادَة هَذِه الْأَيَّام وَمضى بِهِ الْقدر السَّابِق وعَلى الله التَّمام وبمظافرة الجناب الْكَرِيم السيفي قطلوبغا الفخري الساقي الناصري أدام الله نصرته بِهَذِهِ الْعِصَابَة المؤيدة وبمضاء عَزَائِمه الَّتِي مَا ونت وَقَضَاء قواضبه الَّتِي مَا انْثَنَتْ وبمؤازرة من التف عَلَيْهِ من أكَابِر الْأُمَرَاء وَبِمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ من مظافرة الآراء ونزولهم على التيه لَا يضر بهم من خذلهم وَلَا يهينهم من بذلهم وَلَا يبالون بعساكر دمشق المقيمة
стр. 965
على حلب وَمن مَال إِلَيْهِم وتمالأ مَعَهم عَلَيْهِم وَمن انضاف إِلَيْهِم من جنود الْبِلَاد وجيوش العناد وَلَا لواهم مَا كَانَ يبْعَث إِلَيْهِم ذَلِك الخائن من وعيده وَلَا ولاهم مَا كَاد يخطف أَبْصَارهم من تهديده وَلَا بالوا بِمَا تالب بِهِ عَلَيْهِم جند الشَّام من كل أَوب وصب عَلَيْهِم سيوله من كل صوب وخادعهم بالرسائل الَّتِي مَا تزيدهم عَلَيْهِ إِلَّا إباء وَلَا تشككهم أَن السَّيْف أصدق مِنْهُ إنباء حى ولى لَا تَنْفَعهُ الخدع وَلَا تنصره الْبدع فَمَا أسعدته تِلْكَ الجموع الَّتِي جمعهَا وَلَا أَجَابَتْهُ تِلْكَ الْخُيُول الَّتِي سَار عيها إِلَى مكمن أَجله وَلَا وقته تِلْكَ السيوف الَّتِي لم يظْهر لَهُ بوارقها إِلَّا حمرَة خجلة حَتَّى أَخذ مَعَ طاغيته بل طاغوته بِمصْر ذَلِك الْأَخْذ الوبيل وَقذف بِهِ إِلَى مهوى هلكه سيل ذَلِك السَّبِيل وَقَامَ من بالديار المصرية قيام رجل وَاحِد وتظافروا على إِزَالَة ذَلِك الْكَافِر النِّعْمَة الجاحد وَلم يبْق من الْأُمَرَاء إِلَّا من بذل الْجهد وَجمع قُلُوب الرّعية والجند وَفعل فِي الْخدمَة الشَّرِيفَة مالم يكن مِنْهُ بُد حَتَّى حمد الْأَمر وخمد الْجَمْر وتواترت الْكتب بِمَا عَمت بِهِ
стр. 966
الْبُشْرَى من إِقَامَة الْبيعَة باسمه الْكَرِيم وَأَنه لم يبْق إِلَّا من أعْطى الْيَمين وَأعْطِي الثمين وَأتم الْحلف إتماما لَا يغدر مَعَه يَمِين وأقيمت لَهُ السِّكَّة وَالْخطْبَة وَرفع على المنابر اسْمه وتهلل بِهِ وَجه النُّقُود وَظهر على أسارير الْوُجُود وَضربت البشائر ونهبت المسرات السرائر وتشوقت أَوْلِيَاء هَذِه الدولة الْقَاهِرَة أدام الله سلطانها إِلَى حُضُور ملكهَا وسفور الصَّباح لإذهاب مَا أبقته عقائب تِلْكَ اللَّيْلَة من حلكها وَالْمقَام العالي مَا يزْدَاد علما وَلَا يُزَاد عزما وَهُوَ أدرى بِمَا فِي التَّأْخِير وَبِمَا فِي بعده من الضَّرَر الْكثير وَمثله لَا يعلم وَمِنْه يتَعَلَّم فَهُوَ أعلم بِمَا يجب من مسابقة قدومه للبشير وَمَا يتَعَيَّن من معاجلته لامتطاء جواديه ظهر الحصان وبطن السرير فَالله الله فِي تَعْجِيل حفظ هَذَا السوام المشرد وَضم هَذَا الشمل المشتت ونظم هَذَا العقد المبدد وَجمع كلمة الْإِسْلَام الَّتِي طالما افْتَرَقت وانتجاع عَارض هَذِه النِّعْمَة
стр. 967
الَّتِي أبرقت وَسُرْعَة الْمسير فَإِن صَبِيحَة الْيَوْم الْمُبَارك الَّذِي يعرف من أَوله قد أشرقت فَمَا بقى مَا بِهِ يعْتَذر وَلَا سوى مقدمه السعيد ينْتَظر
وَقد كتبناها ويدنا ممدودة لمبايعته وَقُلُوب الْخلق كلهَا مستعدة لمتابعته وكرسي الْملك قد أزلف إِلَيْهِ مَقْعَده ومؤمل الظفر قد أنْجز لَهُ موعده والدهر مطاوعه وَالزَّمَان مسعده وَطَوَائِف أوليائه ليَوْم لِقَائِه ترصده والعهد لَهُ قد كتب ولواء الْملك عَلَيْهِ قد نصب والمنبر باسمه عَلَيْهِ قد خطب وَالدِّينَار وَالدِّرْهَم هَذَا وَهَذَا لَهُ قد ضرب وَلم يبْق إِلَّا أَن يقترب وَترى الْعُيُون مِنْهُ مَا ترتقب وَيجْلس على السرير ويزمع المبشر ويعزم على الْمسير وتتزين الأقاليم ويتبين لتسيير شهابه مَا كَانَ يقْرَأ لَهُ فِي التقاديم لَا زَالَ جيب ملكه على الأقطار مزرورا وذيل فخاره على السَّمَاء مجرورا وجد وليه مُقبلا وَقَلبه مَسْرُورا ومقدمه يحوز لَهُ من إِرْث آبَائِهِ نعما جمة وملكا كَبِيرا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 968
الْمَذْهَب الرَّابِع
مِمَّا يكْتب بِهِ عَن الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْكتاب بِالسَّلَامِ بِأَن يكْتب سَلام الله تَعَالَى وَرَحمته وَبَرَكَاته يخص الْمقر الْكَرِيم أَو الجناب الْكَرِيم أَو غير ذَلِك من الألقاب الَّتِي يكْتب بهَا عَن السُّلْطَان وَيُؤْتى على تِلْكَ الألقاب إِلَى آخرهَا ثمَّ يُقَال ويبدى لعلمه أَو يُوضح لعلمه على حسب مَا تَقْتَضِيه تِلْكَ الْمُكَاتبَة فِي السلطانيات
وعَلى ذَلِك كَانَت كتب الإِمَام المتَوَكل على الله أبي عبد الله مُحَمَّد بن الإِمَام المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح أبي بكر بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان وَولده الإِمَام المستعين بِاللَّه فِي أول ولَايَته وَلم يكن فِيهِ من المكاتبات الجليلة مَا يدون فأذكره
وَأما الْكتب الصادرة عَن وُلَاة الْعَهْد بالخلافة
فقد قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه صناعَة الْكتاب بعد أَن ذكر أَن صُورَة مَا يكْتب بِهِ عَن الْخَلِيفَة من عبد الله أبي فلَان فلَان الإِمَام الْفُلَانِيّ إِلَى فلَان أتبع ذَلِك
стр. 969
بِأَن قَالَ وَلَيْسَ أحد من الرؤساء يُكَاتب عَنهُ بالتصدير إِلَّا الإِمَام وَولى الْعَهْد وَلم يزدْ على ذَلِك
والتصدير على مَا فسره ابْن حَاجِب النُّعْمَان فِي كِتَابه ذخيرة الْكتاب هُوَ من عبد الله أبي فلَان فلَان إِلَى آخِره على مَا تقدم وَقد قَالَ النّحاس فِي الْكَلَام على العنوان إِنَّه يحذف من الْكتاب عَن ولى الْعَهْد لفظ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَيُقَال فِيهِ ولي الْعَهْد وَمُقْتَضى ذَلِك أَن الْمُكَاتبَة عَن ولي الْعَهْد كالمكاتبة عَن الْخَلِيفَة إِلَّا أَنه لَا يُقَال فِيهِ ولي الْعَهْد الإِمَام ويقام لفظ ولي الْعَهْد فِيهِ مقَام أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَيكْتب فِيهِ من عبد الله ابْن فلَان فلَان الواثق بِاللَّه مثلا ولي عهد الْمُسلمين سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله أما بعد فَإِن كَذَا وَيُؤْتى على الْمَقْصد إِلَى آخر الْكتاب على نَحْو مَا تقدم فِي الْكِتَابَة عَن الْخَلِيفَة
تَنْبِيه قد تقدم عَن مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء للإمراء فِي قرطاس نصف طومار وللعمال وَالْكتاب فِي قرطاس من ثلث طومار وللتجار وأشباههم
стр. 970
فِي قرطاس من ربع طومار وللحساب والمساح فِي قرطاس من سدس طومار وَتقدم بَيَان أَن المُرَاد بالطومار قطع الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل
أما الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب بِهِ عَن خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية إِلَى مُلُوكهَا فقد ذكر صَاحب الدّرّ الْمُلْتَقط عَن الْمقر الشهابي بن فضل الله أَنه كتب الْكتاب الصَّادِر عَن الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان إِلَى الْملك النَّاصِر أَحْمد بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون عِنْد استدعائه للسلطنة من الكرك على مَا تقدم ذكره فِي هَذَا الْفَصْل كتب فِي قطع الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل فليجر الْأَمر على ذَلِك
стр. 971
الْفَصْل الثَّانِي
من الْبَاب السَّادِس
فِي الْكتب الصادرة عَن الْمُلُوك وَمن فِي معناهم إِلَى الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد بالخلافة
أما الْكتب الصادرة إِلَى الْخُلَفَاء
فللكاتب فِيهَا سِتَّة أساليب
الأسلوب الأول وَهُوَ أقدمها اصْطِلَاحا أَن يفْتَتح الْكتاب بِلَفْظ لفُلَان من فلَان ثمَّ يصدر بِالسَّلَامِ والتحميد وسؤال الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ثمَّ يُقَال أما بعد فَإِن كَذَا وَيخْتم بِالسَّلَامِ وَنَحْوه على نَحْو مَا تقدم فِي المكاتبات عَن الْخُلَفَاء لَا يخْتَلف ذَلِك فِي شَيْء إِلَّا فِي تَقْدِيم اسْم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ على الْمَكْتُوب عَنهُ
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي غَالب كتبهمْ إِلَى النَّبِي ﷺ لمُحَمد رَسُول الله
стр. 972
كَمَا كتب إِلَيْهِ خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ بِإِسْلَام بني الْحَارِث بن كَعْب حِين وَجهه إِلَيْهِم
لمُحَمد النَّبِي ﷺ رَسُول الله من خَالِد بن الْوَلِيد
السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
أما بعد يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك فَإنَّك بعثتني إِلَى بنى الْحَارِث بن كَعْب وأمرتني إِذا أتيتهم أَن لَا أقاتلهم ثَلَاثَة أَيَّام وَأَن أدعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أَسْلمُوا قبلت مِنْهُم وعلمتهم معالم الْإِسْلَام ثَلَاثَة أَيَّام وَكتاب الله وَسنة نبيه وَإِن لم يسلمُوا قاتلتهم وَإِنِّي قدمت إِلَيْهِم فدعوتهم إِلَى الْإِسْلَام ثَلَاثَة أَيَّام كَمَا أَمر رَسُول الله ﷺ وَبعثت فيهم ركبانا يَا بنى الْحَارِث أَسْلمُوا تسلموا فأسلموا وَلم يقاتلوا وَأَنا مُقيم بَين أظهرهم آمُرهُم بِمَا أَمرهم الله بِهِ وأنهاهم عَمَّا نَهَاهُم
стр. 973
الله عَنهُ وأعلمهم معالم الْإِسْلَام وَسنة النَّبِي حَتَّى يكْتب إِلَى رَسُول الله ﷺ وَالسَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وعَلى نَحْو من ذَلِك كتب إِلَيْهِ ﷺ
النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة والمقوقس صَاحب مصر أَيْضا فِي رِوَايَة ذكرهَا ابْن عبد الحكم وَقد ذكرت كِتَابَيْهِمَا فِي صبح الْأَعْشَى فِي كِتَابَة الإنشا
ثمَّ لما كَانَت خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ ولقب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَزَاد فِي أول كتبه الصادرة عَنهُ لفظ عبد الله قبل اسْمه فَكَانَ يكْتب من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا تقدم ذكره فِي المكاتبات الصادرة عَن الْخُلَفَاء اعتمدوا مثل ذَلِك فِي الْمُكَاتبَة إِلَيْهِ أَيْضا
كَمَا كتب عَمْرو بن الْعَاصِ لأمير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ فِي جَوَاب الْكتاب الْوَارِد من أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ يذكر فِيهِ بِأَنَّهُ بلغه فَاشِية مَال فَشَتْ لَهُ
стр. 974
لعبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
أما بعد فَإِنَّهُ أَتَانِي كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ يذكر فِيهِ فَاشِية مَال فَشَتْ لي وَأَنه يعرفنِي قبل ذَلِك وَلَا مَال لي وَإِنِّي أعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي بِبَلَد السّعر فِيهِ رخيص وَأَنِّي أعالج من الزِّرَاعَة مَا يعالجه النَّاس وَفِي رزق أَمِير الْمُؤمنِينَ سَعَة وَالله لَو رَأَيْت خِيَانَتك حَلَالا مَا خنتك
فِي كَلَام آخر وَجرى النَّاس بعد ذَلِك على هَذَا الأسلوب فِي الدولة الأموية وَأول الدولة العباسية
كَمَا كتب الْحجَّاج بن يُوسُف إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان
فِي جَوَاب كِتَابه إِلَيْهِ بتوبيخه لَهُ بِسَبَب تعرضه لأنس بن مَالك ﵁ على مَا تقدم ذكره
لعبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
стр. 975
أما بعد أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وأبقاه وشلا حَظه وحاطه وَلَا أعدمناه فقد وصلني كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بقاه وَجَعَلَنِي من كل مَكْرُوه فدَاه يذكر شتمي وتوبيخي بآبائي وتعييري بِمَا كَانَ قبل نزُول النِّعْمَة بِي من عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ أتم الله نعْمَته عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ وَيذكر أَمِير الْمُؤمنِينَ استطالة مني على أنس بن مَالك وأمير الْمُؤمنِينَ أَحَق من أقَال عثرتي وَعَفا عَن ذَنبي وأمهلني وَلم يعجلني عِنْد هفوتي للَّذي جبل عَلَيْهِ من كريم طباعه وَمَا قَلّدهُ الله من أُمُور عباده فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أصلحه الله فِي تسكين روعي وإفراج كربتي فقد ملئت رعْبًا وفرقا من سطواته وقحمات نقماته وأمير الْمُؤمنِينَ أقاله الله العثرات وَتجَاوز لَهُ عَن السَّيِّئَات وضاعف لَهُ الْحَسَنَات وَأَعْلَى لَهُ الدَّرَجَات أَحَق من صفح وَعَفا وتغمد وَأبقى وَلم يشمت بِي عدوا مكبا وَلَا حسودا مضبا وَلم يجرعني عصصا وَالَّذِي وصف أَمِير الْمُؤمنِينَ من صنيعته إِلَيّ وتقويمه بِمَا أسْند من عمله إِلَيّ وأوطأني رِقَاب رَعيته فصادق فِيهِ مَجْزِي عَلَيْهِ
стр. 976
بالشكر والتوسل منى إِلَيْهِ بِالْولَايَةِ والتقرب لَهُ بالكفاية وَقد خضعت عِنْد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن رأى طوقنى الله شكره وأعانني على تأدية حَقه وَبَلغنِي إِلَى مَا فِيهِ مُوَافقَة مرضاته وَمد فِي أَجله أَن يَأْمر بِالْكتاب إِلَى من رِضَاهُ وسلامة صَدره مَا يؤمنني بِهِ من سفك دمي وَيرد مَا شرد من نومي ويطمئن بِهِ قلبِي فعل فقد ورد عَليّ أَمر جليل خطبه عَظِيم أمره شَدِيد كربه أسأَل الله أَن لَا يسْخط أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ وَأَن ينيله فِي حزمه وعزمه وسياسته وفراسته ومواليه وحشمه وعماله وصنعائه مَا يحمد بِهِ حسن رَأْيه إِنَّه ولي أَمِير الْمُؤمنِينَ والذاب عَن سُلْطَانه والصانع لَهُ فِي أمره وَالسَّلَام
وَلما زَاد الْمَأْمُون فِي الْكتب الصادرة عَنهُ بعد التَّحْمِيد وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ألحقت فِي الْكتب الْمَكْتُوبَة إِلَى الْخَلِيفَة أَيْضا وَيُؤْتى بعد البعدية بِالدُّعَاءِ للخليفة بِمَا يُنَاسِبه من طول الْبَقَاء وَنَحْوه
وَالَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال بعد ذَلِك فِي الدولة العباسية فِي الْعرَاق على مَا ذكره قدامَة فِي كتاب الْخراج أَن يكْتب
стр. 977
لعبد الله فلَان أبي فلَان باسمه وكنيته ونعته ثمَّ يُقَال أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﷺ
أما بعد أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام عزه وتأييده وكرامته وحراسته وَأتم نعْمَته عَلَيْهِ وَزَاد فِي إحسانه إِلَيْهِ وفضله عِنْده وَجَمِيل بلائه لَدَيْهِ وجزيل عطائه لَهُ
قَالَ فِي صناعَة الْكتاب ثمَّ يُقَال أما بعد فَإِن كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَأْتِي على الْمعَانِي الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا وَتَكون الْمُكَاتبَة وَقد فعل عبد أَمِير الْمُؤمنِينَ كَذَا فَإِذا زَادَت حَاله لم يقل عبد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِذا بلغ إِلَى الدُّعَاء ترك فضاء وَكتب أتم الله على أَمِير الْمُؤمنِينَ نعْمَته وهنأه كرامته وَألبسهُ عَفوه وعافيته وأمنه وسلامته وَالسَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَاعْلَم أَنه إِن كَانَ الْكتاب فِي معنى حُدُوث نعْمَة من فتح أَو غَيره أَتَى بعد البعدية
стр. 978
بِخطْبَة مفتتحة بِالْحَمْد وَرُبمَا زيد على ذَلِك إِلَى ثَلَاث تحميدات وَيكون خطاب الْخَلِيفَة بأمير الْمُؤمنِينَ وتعبير الْمَكْتُوب عَنهُ عَن نَفسه بِلَفْظ الْإِفْرَاد وَيخْتم الْكتاب بالإنهاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ
وَهَذِه نُسْخَة كتاب كتب بِهِ أَبُو إِسْحَاق الصابي
عَن عز الدولة بن معز الدولة بن بويه الديلمي إِلَى الْمُطِيع لله عِنْد وُصُوله الْموصل وانهزام أبي تغلب بن حمدَان عَنْهَا فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة يُوضح لَك هَذِه الطَّرِيقَة وَيبين سبلها وَهُوَ
لعبد الله الْفضل الإِمَام الْمُطِيع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ من عَبده وصنيعته عز الدولة بن معز الدولة مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله فَإِنِّي أَحْمد إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم
стр. 979
أما بعد أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام لَهُ الْعِزّ والتأييد والتوفيق والتسديد والعلو وَالْقُدْرَة والظهور والنصرة وَالْحَمْد لله الْعلي الْعَظِيم الأزلي الْقَدِيم الْمُنْفَرد بالكبرياء والملكوت المتوحد بالعظمة والجبروت الَّذِي لَا تحده الصِّفَات وَلَا تحوزه الْجِهَات وَلَا تحصره قرارة مَكَان وَلَا يُغَيِّرهُ مُرُور زمَان وَلَا تتمثله الْعُيُون بنواظرها وَلَا تتخيله الْقُلُوب بخواطرها فاطر السَّمَوَات وَمَا تظل وخالق الأَرْض وَمَا تقل الَّذِي دلّ بلطيف صَنعته على جميل حكمته وَبَين بجلي برهانه على خَفِي وحدانيته وَاسْتغْنى بِالْقُدْرَةِ على الأعوان واستقلى بِالْعِزَّةِ على الأقران الْبعيد عَن كل معادل ومضارع الْمُمْتَنع عَن كل مطاول ومقارع الدَّائِم الَّذِي لَا يَزُول وَلَا يحول الْعَادِل الَّذِي لَا يظلم وَلَا يجور الْكَرِيم الَّذِي لَا يضن وَلَا يبخل الْحَلِيم الَّذِي لَا يعجل وَلَا يجهل ذَلِكُم الله ربكُم ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَادعوهُ مُخلصين لَهُ الدّين﴾ منزل الرَّحْمَة على كل ولي توكل عَلَيْهِ وفوض إِلَيْهِ وائتمر
стр. 980
بأوامره وازدجر بزواجره وَمحل النقمَة بِكُل عَدو صد عَن سَبيله وسننه وصدف عَن فَرَائِضه وسننه وحاد فِي مكسب يَده ومسعاه قدمه وخائنة عينه وخافية صَدره وَهُوَ راتع رتعة النعم السَّائِمَة فِي أكلاء النعم السابغة وجاهل جهلها بشكر آلائها ذاهل ذهولها عَن طرق استيفائها فَلَا يلبث أَن ينْزع سرابيلها صاغرا ويتعرى مِنْهَا حاسرا وَيجْعَل الله كَيده فِي تضليل ويورده شَرّ المورد الوبيل إِن الله لَا يصلح عمل المفسدين وَلَا يهدي كيد الخائنين
وَالْحَمْد لله الَّذِي اصْطفى للنبوة أَحَق عباده بِحمْل أعبائها وارتداء ردائها مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم وَعظم خطره وكرم فصدع بالرسالة وَبَالغ فِي الدّلَالَة ودعى إِلَى الْهِدَايَة ونجى من الغواية وَنقل النَّاس عَن طَاعَة الشَّيْطَان الرَّجِيم إِلَى طَاعَة الرَّحْمَن الرَّحِيم وأعلقهم بحبال خالقهم ورازقهم وعصمة محييهم ومميتهم بعد انتحال الأكاذيب والأباطيل واستشعار المحالات والأضاليل والتهوك فِي الاعتقادات الذابة عَن النَّعيم إِلَى
стр. 981
الْعَذَاب الْأَلِيم فصلى الله عَلَيْهِ من نَاطِق بِالْحَقِّ ومنقذ لِلْخلقِ وناصح للرب ومؤد للْفَرض صَلَاة زاكية نامية رَائِحَة غادية تزيد على اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وتعاقب الأعوام والأدوار
وَالْحَمْد لله الَّذِي انتخب أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ من ذَلِك السنح الشريف والعنصر المنيف والعترة الثَّابِت أَصْلهَا الممتد ظلها الطّيب جناها الْمَمْنُوع حماها وَحَازَ لَهُ مَوَارِيث آبَائِهِ الطاهرين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ واختصه من بَينهم بتطاول أمد الْخلَافَة واستحصاف حبلها فِي يَده ووفقه لإصابة الْغَرَض من كل مرمى يرميه ومقصد ينتحيه وَهُوَ جلّ ثَنَاؤُهُ الْحقيق بإتمام ذَلِك عَلَيْهِ وَالزِّيَادَة فِيهِ لَدَيْهِ وأحمده سُبْحَانَهُ حمدا أبتديه ثمَّ أُعِيدهُ وأكرره وأستزيده على أَن أهل ركن الدولة أَبَا عَليّ وعضد الدولة أَبَا شُجَاع موليا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأهلني للأثرة عِنْده الَّتِي نددنا فِيهَا الْأَكفاء وفتنا فِيهَا القرناء وتقطعت دونهَا أنفاس
стр. 982
المنافسين وتضرمت عَلَيْهَا أحشاء الحاسدين وَإِن أولاني فِي كل مغزى فِي خدمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أغزوه ومنحى أنحوه وثأئ أرأبه وشعث ألمه وعدو أرغمه وزائغ أقومه أفضل مَا أولاه عباده السليمة غيوبهم النقية جيوبهم اطأمونة ضمائرهم المشحوذة بصائرهم من تَمْكِين يَده وتثبيت قدمه ونصرة رَأْيه وإعلاء كَلمته وتقريب بغيته وإنالة أمْنِيته وَكَذَلِكَ يكون من إِلَى وَلَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ اعتزاؤه وبشعاره اعتزازه وَعَن زناده قدحه وَفِي طَاعَته كدحه وَالله ولي بإدامة مَا خولنيه من هَذِه المنقبة وسوغنيه من هَذِه الموهبة وَأَن يتوحد أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي جَمِيع خدمه الذابين عَن حوزته المنتمين إِلَى دَعوته بيمن الطَّائِر وسعادة الطالع ونجاح الْمطلب وَإِدْرَاك الأرب وَفِي أعدائه العامطين لنعمته الناقضين مواثيق بيعَته بإضراع الخد وإتعاس الْجد وإخفاق الأمل وإحباط الْعَمَل بقدرته
وَلم يزل مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ يُنكر
стр. 983
قَدِيما من فضل الله بن نَاصِر الدولة أحوالا حَقِيقا مثلهَا بالإنكار ومستحقا من ارتكبها الْإِعْرَاض وَأَنا أذهب فِي حفظ غيبه وإجمال محضره وتمحل حجَّته وتلفيقها وتأليف معاذيره وتنميقها مذهبي الَّذِي أعمر بِهِ كل من جرى مجْرَاه من نَاشِئ فِي دولته ومغتذ بنعمته ومنتسب إِلَى ولَايَته ومشهور بصنيعته وأقدر أَن أستصلحه لأمير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ وَأَصْلحهُ لنَفسِهِ بالتوقيف على مسالك الرشاد ومناهج السداد وَهُوَ يرينى أَن قد قبل وارعوى وَأبْصر واهتدى حَتَّى رغبت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الله فِيمَا شفعني مت فِيهِ من تَقْلِيده أَعمال أَبِيه والقناعة مِنْهُ فِي الضَّمَان بميسور بذله وإيثاره بِهِ على من هُوَ فَوْقه من كبراء إخْوَته وَأَهله
فَلَمَّا بلغ هَذِه الْحَال ألط بِالْمَالِ وخاس بالعهد وطرق لفسخ العقد وأجرى إِلَى أُمُور كرهتها ونفد الصَّبْر منى عَلَيْهَا وَخفت أَن أستمر على الإغضاء عَنْهَا والمسامحة فِيهَا فَيطلع الله مني على إِضَاعَة الِاحْتِيَاط فِي أَمر قلدني أَمِير الْمُؤمنِينَ زمامه وضمنني دركه وإرخاء
стр. 984
لبب رجل قبل فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ رَأْيِي وعول فِي أَخذه بِمَا يلْزمه على نَظَرِي واستيفائي فتناولته بأطراف الْعدْل ملوحا ثمَّ بأثباجه مفصحا مُصَرحًا
ورسمت لعبد أَمِير الْمُؤمنِينَ الناصح أبي طَاهِر أَن يحل بِهِ وبوسطائه وسفرائه فِي حَال وَيدخل عَلَيْهِم من طَرِيق المشورة والرفق فِي أُخْرَى وينتقل مَعَه بَين الخشونة الَّتِي يقفو فِيهَا أثري واللين الَّذِي لَا يجوز أَن يحسه مني تَقْديرا لانثنائه وَزَوَال التوائه فَفعل ذَلِك على رسمه فِي التأني لكل فَاسد حَتَّى يصلح وَلكُل آب حَتَّى يسمح وَلم يدع التناهي فِي وعظه والتمادي فِي نصحه وتعريفه سوء عَاقِبَة اللجاج ومغبة الإحراج وَهُوَ يزِيد طَمَعا فِي الْأَمْوَال وشرها وعمى فِي الرَّأْي وعمها إِلَى أَن كَاد أمرنَا مَعَه يخرج عَن حد الِانْتِظَار إِلَى حد الرضى بالإصرار فاستألفت ادراع الحزم وامتطاء الْعَزْم ونهضت إِلَى أَعمال الْموصل وَعِنْدِي أَنه يغنيني عَن الْإِتْمَام ويتلقاني بالإعتاب وينقاد إِلَى المُرَاد ويتجنب طرق العناد
стр. 985
فحين عرف خبر مسيري وجدي فِيهِ وتشميري برز بروز الْمُخَالف المكاشف وتجرد تجرد المواقع المواقف وَهُوَ مَعَ ذَاك إِذا ازددت مِنْهُ قربا ازْدَادَ مني رعْبًا وَإِذا دلفت إِلَيْهِ ذِرَاعا نكص عني باعا
وتوافت إِلَى حضرتي وُجُوه الْقَبَائِل من عقيل وشيبان وَغَيرهمَا فِي الْجمع الكثيف من صعاليكهما وَالْعدَد الْكثير من صناديدهما داخلين فِي الطَّاعَة متصرفين فِي عوارض الْخدمَة
فَلَمَّا شارفت الحديثة انتقضت عزائم صبره وتقوضت دعائم أمره وَبَطلَت أمانيه ووساوسه واضمحلت خواطره وهواجسه واضطرب عَلَيْهِ من ثقاته وغلمانه من كَانَ بهم يعتضد وَعَلَيْهِم يعْتَمد وبدأوا بخذلانه وَالْأَخْذ لنفوسهم ومفارقته والطلب لحظوظهم وَحصل مِنْهُم بحضرتي إِلَى هَذِه الْغَايَة زهاء خَمْسمِائَة رجل ذَوي خيل مختارة وأسلحة شاكية فصادفوا عِنْدِي مَا أملوا من فائض الْإِحْسَان وغامر الإمتنان وَذكروا عَمَّن وَرَاءَهُمْ من نظرائهم التنزي إِلَى الانجذاب والحرص على الاستئمان وَأَنَّهُمْ يردون وَلَا يتأخرون ويبادرون وَلَا يتلومون
следующие страницы →