Полный текст (1 075 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الْعَذَاب الْأَلِيم فصلى الله عَلَيْهِ من نَاطِق بِالْحَقِّ ومنقذ لِلْخلقِ وناصح للرب ومؤد للْفَرض صَلَاة زاكية نامية رَائِحَة غادية تزيد على اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وتعاقب الأعوام والأدوار
وَالْحَمْد لله الَّذِي انتخب أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ من ذَلِك السنح الشريف والعنصر المنيف والعترة الثَّابِت أَصْلهَا الممتد ظلها الطّيب جناها الْمَمْنُوع حماها وَحَازَ لَهُ مَوَارِيث آبَائِهِ الطاهرين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ واختصه من بَينهم بتطاول أمد الْخلَافَة واستحصاف حبلها فِي يَده ووفقه لإصابة الْغَرَض من كل مرمى يرميه ومقصد ينتحيه وَهُوَ جلّ ثَنَاؤُهُ الْحقيق بإتمام ذَلِك عَلَيْهِ وَالزِّيَادَة فِيهِ لَدَيْهِ وأحمده سُبْحَانَهُ حمدا أبتديه ثمَّ أُعِيدهُ وأكرره وأستزيده على أَن أهل ركن الدولة أَبَا عَليّ وعضد الدولة أَبَا شُجَاع موليا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأهلني للأثرة عِنْده الَّتِي نددنا فِيهَا الْأَكفاء وفتنا فِيهَا القرناء وتقطعت دونهَا أنفاس
стр. 982
المنافسين وتضرمت عَلَيْهَا أحشاء الحاسدين وَإِن أولاني فِي كل مغزى فِي خدمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أغزوه ومنحى أنحوه وثأئ أرأبه وشعث ألمه وعدو أرغمه وزائغ أقومه أفضل مَا أولاه عباده السليمة غيوبهم النقية جيوبهم اطأمونة ضمائرهم المشحوذة بصائرهم من تَمْكِين يَده وتثبيت قدمه ونصرة رَأْيه وإعلاء كَلمته وتقريب بغيته وإنالة أمْنِيته وَكَذَلِكَ يكون من إِلَى وَلَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ اعتزاؤه وبشعاره اعتزازه وَعَن زناده قدحه وَفِي طَاعَته كدحه وَالله ولي بإدامة مَا خولنيه من هَذِه المنقبة وسوغنيه من هَذِه الموهبة وَأَن يتوحد أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي جَمِيع خدمه الذابين عَن حوزته المنتمين إِلَى دَعوته بيمن الطَّائِر وسعادة الطالع ونجاح الْمطلب وَإِدْرَاك الأرب وَفِي أعدائه العامطين لنعمته الناقضين مواثيق بيعَته بإضراع الخد وإتعاس الْجد وإخفاق الأمل وإحباط الْعَمَل بقدرته
وَلم يزل مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ يُنكر
стр. 983
قَدِيما من فضل الله بن نَاصِر الدولة أحوالا حَقِيقا مثلهَا بالإنكار ومستحقا من ارتكبها الْإِعْرَاض وَأَنا أذهب فِي حفظ غيبه وإجمال محضره وتمحل حجَّته وتلفيقها وتأليف معاذيره وتنميقها مذهبي الَّذِي أعمر بِهِ كل من جرى مجْرَاه من نَاشِئ فِي دولته ومغتذ بنعمته ومنتسب إِلَى ولَايَته ومشهور بصنيعته وأقدر أَن أستصلحه لأمير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ وَأَصْلحهُ لنَفسِهِ بالتوقيف على مسالك الرشاد ومناهج السداد وَهُوَ يرينى أَن قد قبل وارعوى وَأبْصر واهتدى حَتَّى رغبت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الله فِيمَا شفعني مت فِيهِ من تَقْلِيده أَعمال أَبِيه والقناعة مِنْهُ فِي الضَّمَان بميسور بذله وإيثاره بِهِ على من هُوَ فَوْقه من كبراء إخْوَته وَأَهله
فَلَمَّا بلغ هَذِه الْحَال ألط بِالْمَالِ وخاس بالعهد وطرق لفسخ العقد وأجرى إِلَى أُمُور كرهتها ونفد الصَّبْر منى عَلَيْهَا وَخفت أَن أستمر على الإغضاء عَنْهَا والمسامحة فِيهَا فَيطلع الله مني على إِضَاعَة الِاحْتِيَاط فِي أَمر قلدني أَمِير الْمُؤمنِينَ زمامه وضمنني دركه وإرخاء
стр. 984
لبب رجل قبل فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ رَأْيِي وعول فِي أَخذه بِمَا يلْزمه على نَظَرِي واستيفائي فتناولته بأطراف الْعدْل ملوحا ثمَّ بأثباجه مفصحا مُصَرحًا
ورسمت لعبد أَمِير الْمُؤمنِينَ الناصح أبي طَاهِر أَن يحل بِهِ وبوسطائه وسفرائه فِي حَال وَيدخل عَلَيْهِم من طَرِيق المشورة والرفق فِي أُخْرَى وينتقل مَعَه بَين الخشونة الَّتِي يقفو فِيهَا أثري واللين الَّذِي لَا يجوز أَن يحسه مني تَقْديرا لانثنائه وَزَوَال التوائه فَفعل ذَلِك على رسمه فِي التأني لكل فَاسد حَتَّى يصلح وَلكُل آب حَتَّى يسمح وَلم يدع التناهي فِي وعظه والتمادي فِي نصحه وتعريفه سوء عَاقِبَة اللجاج ومغبة الإحراج وَهُوَ يزِيد طَمَعا فِي الْأَمْوَال وشرها وعمى فِي الرَّأْي وعمها إِلَى أَن كَاد أمرنَا مَعَه يخرج عَن حد الِانْتِظَار إِلَى حد الرضى بالإصرار فاستألفت ادراع الحزم وامتطاء الْعَزْم ونهضت إِلَى أَعمال الْموصل وَعِنْدِي أَنه يغنيني عَن الْإِتْمَام ويتلقاني بالإعتاب وينقاد إِلَى المُرَاد ويتجنب طرق العناد
стр. 985
فحين عرف خبر مسيري وجدي فِيهِ وتشميري برز بروز الْمُخَالف المكاشف وتجرد تجرد المواقع المواقف وَهُوَ مَعَ ذَاك إِذا ازددت مِنْهُ قربا ازْدَادَ مني رعْبًا وَإِذا دلفت إِلَيْهِ ذِرَاعا نكص عني باعا
وتوافت إِلَى حضرتي وُجُوه الْقَبَائِل من عقيل وشيبان وَغَيرهمَا فِي الْجمع الكثيف من صعاليكهما وَالْعدَد الْكثير من صناديدهما داخلين فِي الطَّاعَة متصرفين فِي عوارض الْخدمَة
فَلَمَّا شارفت الحديثة انتقضت عزائم صبره وتقوضت دعائم أمره وَبَطلَت أمانيه ووساوسه واضمحلت خواطره وهواجسه واضطرب عَلَيْهِ من ثقاته وغلمانه من كَانَ بهم يعتضد وَعَلَيْهِم يعْتَمد وبدأوا بخذلانه وَالْأَخْذ لنفوسهم ومفارقته والطلب لحظوظهم وَحصل مِنْهُم بحضرتي إِلَى هَذِه الْغَايَة زهاء خَمْسمِائَة رجل ذَوي خيل مختارة وأسلحة شاكية فصادفوا عِنْدِي مَا أملوا من فائض الْإِحْسَان وغامر الإمتنان وَذكروا عَمَّن وَرَاءَهُمْ من نظرائهم التنزي إِلَى الانجذاب والحرص على الاستئمان وَأَنَّهُمْ يردون وَلَا يتأخرون ويبادرون وَلَا يتلومون
стр. 986
وَلما رأى ذَلِك لم يملك نَفسه أَن مضى هَارِبا على طَرِيق سنجار منكشفا عَن هَذِه الديار قانعا من تِلْكَ الآمال الخائبة والظنون الكاذبة بسلامة حشاشة هِيَ رهينة غيها وصريعة بغيها
وَكَانَ انهزامه بعد أَن فعل الْفِعْل السخيف وكاذ بالكيد الضَّعِيف بِأَن أغرق سفن الْموصل وعروبها وأحرق جسرها واستذم إِلَى أَهلهَا وتزود مِنْهُم اللَّعْن المطيف بِهِ أَيْن يمم الْكَائِن مَعَه حَيْثُ خيم
ودخلتها يومي هَذَا أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ دُخُول الغانم الظافر المستعلي الظَّاهِر فسكنت من نفوس سكانها وشرحت صُدُور قطانها وأعلمتهم مَا أَمرنِي بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ أدام الله عزه وَأَعْلَى الله أمره من تأنيس وحشتهم ونظم ألفتهم وَضم نشرهم وَلم شعثهم وإجمال السِّيرَة فيهم فِي ضروب معاملاتهم وعلقهم وصنوف متصرفاتهم ومعايشهم وَكثر مِنْهُم الثَّنَاء
стр. 987
وَالدُّعَاء وَالله سامع مَا رفعوا ومجيب مَا سَأَلُوا وأجلت حَال هَذَا الْجَاهِل أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن أقبح هزيمَة وأذل هضيمة وأسواء رَأْي وَأنكر إخساء لِأَنَّهُ لم يلقنى لِقَاء الباخع بِالطَّاعَةِ المعتذر من سالف التَّفْرِيط والإضاعة وَلَا لِقَاء الْمُصدق لدعواه فِي الِاسْتِقْلَال بالمقارعة الْمُحَقق لزعمه فِي الثباث للمدافعة وَلَا كَانَ فِي هذَيْن الْأَمريْنِ بِالْبرِّ التقى وَلَا الْفَاجِر الغوي بل جمع بَين نقيصة شقاشقه وغدره وفضيحة جبنه وخوره متنكبا للصلاح عادلا عَن الصَّوَاب قد ذهب عَنهُ الرشاد وَضربت بَينه بَينه الأسداد وأنزله الله منزلَة مثله مِمَّن أَسَاءَ حفظ الْوَدِيعَة وَجوَار الصنيعة واستوجب نزعهما مِنْهُ وتحويلهما عَنهُ وتأملت أيد الله مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أمره على التجريب وتصفحته بالتقليب فَإِذا هُوَ الرجل الَّذِي أطَاع أَبوهُ فِيهِ هوى أمه وَعصى دواعي رَأْيه وحزمه وَقدمه من وَلَده على من هُوَ آنس
стр. 988
رشدا وأكبر سنا وَأثبت جأشا وأجرأ جنَانًا وَأَشْجَع قلبا وأوسع صَدرا وأجدر بمخايل النجابة وشمائل اللبابة فَلَمَّا اجْتمعت لَهُ أَسبَاب الْقُدْرَة والثروة وأمكنته مناهز الْغرَّة والفرصة وثب عَلَيْهِ وثبة السرحان فِي ثلة الضان وجزاه جَزَاء أم عَامر بمجيرها إِذْ فرته بأنيابها وأظافرها وَاجْتمعَ وَأَخُوهُ من الْأُم المرتضع مَعَه لبان الْإِثْم المكنى أَبَا البركات وَلَيْسَ بأب لَهَا وَلَا جرى لشَيْء مِنْهَا على أَن نشزا عَنهُ وعقاه وقبضا عَلَيْهِ وأوثقاه وَأَقَرَّاهُ من قلعتهما بِحَيْثُ تقر العتاة وتعاقب الجناة ثمَّ أتبعا ذَلِك باستحلال دَمه وإفاضة مهجته غير راعيين فِيهِ حق الْأُبُوَّة وَلَا حانيين عَلَيْهِ حنو النُّبُوَّة وَلَا متندمين من الْإِقْدَام على مثله مِمَّن تقدّمت عِنْد سُلْطَانه قدمه وتوكدت أواصره وَعَصَمَهُ وَلَا راحمين لَهُ من ضعف شيخوخته ووهل كبرته وَلَا مصغيين إِلَى وَصِيَّة الله إيَّاهُمَا بِهِ الَّتِي نَصهَا فِي مُحكم كِتَابه وكررها فِي آيه وبيناته إِذْ يَقُول ﴿أَن اشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير﴾ وَإِذ يَقُول
стр. 989
﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه وبالوالدين إحسانا إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما وَقل لَهما قولا كَرِيمًا واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة وَقل رب ارحمهما كَمَا ربياني صَغِيرا﴾ فَبِأَي وَجه يلقى الله قَاتل وَالِد حدب قد أَمر أَلا ينهره وَبِأَيِّ لِسَان ينْطق يَوْم يسْأَل عَمَّا استجازه فِيهِ وَفعله وتالله لَو أَن بمكانه عدوا لَهما قد قارضهما الذحول وقارعهما عَن النُّفُوس لقبح بهما أَن يلؤما ذَلِك اللؤم عِنْد الظفر بِهِ وَأَن يركبا تِلْكَ الخطة الشنعاء فِي الْأَخْذ بناصيته وَلم يرض فضل الله بِمَا أَتَاهُ إِلَيْهِ حَتَّى استوفى حُدُود قطع الرَّحِم بِأَن تتبع أكَابِر إخْوَته السالكين خلاف سَبيله المستبرئين إِلَى الله من عَظِيم مَا اكْتسب ووخيم مَا احتقب لما غضبوا لأبيهم وامتعضوا من المستحيل فِيهِ وَفِيهِمْ فَقبض على مُحَمَّد بن نَاصِر الدولة حِيلَة وغيلة وغدرا ومكيدة ونابذ حمدَان بن نَاصِر الدولة منابذة خار الله لَهُ فِيهَا بِأَن أصاره من فنَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْجَانِب الْعَزِيز
стр. 990
والحرز الحريز وَأَن أجْرى الله على يَده الْحَرْب الْوَاقِعَة بَينه وَبَين الْمَعْرُوف بكنيته أبي البركات الَّتِي لقاه الله فِيهَا نحسه وأتلف نَفسه وصرعه بعقوقه وبغيه وقنعه بعاره وخزيه وَمَعَ ذَلِك لَا يتعظ وَلَا ينْزع وَلَا يقْلع وَلَا يزدجر إصرارا على الجرائر الَّتِي الله عَنْهَا حسيبه وَبهَا طليبه وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة مرصدتان لَهُ بالجزاء المحقوق عَلَيْهِ وَالْعِقَاب الْمَسْبُوق إِلَيْهِ وَأعظم من هَذَا كُله أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ خطبا وأوعر مسلكا ولحبا أَن من شَرَائِط الْعَهْد الَّذِي كَانَ عهد إِلَيْهِ وَالْعقد الَّذِي عقد لَهُ وَالضَّمان المخفف مبلغه عَنهُ الْمَأْخُوذ عَفوه مِنْهُ أَن يتناهى فِي ضبط الثغور وَجِهَاد الرّوم وَحفظ الْأَطْرَاف ورم الأكناف فَمَا وفى بِشَيْء من ذَلِك بل عدل عَنهُ إِلَى الاستئثار بالأموال واقتطافها وإحرازها فِي مكامنها وقلاعها والضن بهَا دون الْإِخْرَاج فِي وجوهها والوضع لَهَا فِي حُقُوقهَا وَأَن ترَاخى فِي أَمر عَظِيم الرّوم مهملا واطرح الْفِكر فِيهِ مغفلا حَتَّى هجم فِي الديار وَأثر الْآثَار وَنكى الْقُلُوب وأبكى الْعُيُون وصدع الأكباد
стр. 991
وأحر الصُّدُور فَمَا كَانَ عِنْده فِيهِ مَا يكون عِنْد الْمُسلم الْقَارئ لكتاب الله إِذْ يَقُول ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَمن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ بل صدف عَن ذكر الله لاهيا وَعدل عَن كِتَابه سَاهِيا واستفسخه ذَلِك البيع وَالْعقد وتنجزه الْوَعيد لَا الْوَعْد ولاطف طاغية الرّوم وهاداه وأماره وَأَعْطَاهُ وصانعه بِمَال الْمُسلمين الَّذين يلْزمه إِن سلم دينه وَصَحَّ يقينه أَن يُنْفِقهُ فِي مرابضهم ويذب بِهِ عَن حريمهم لَا أَن يعكسه عَن جِهَته ويلفته عَن وَجهه بِالنَّقْلِ إِلَى عدوهم وَإِدْخَال الوهن بذلك عَلَيْهِم وقاد إِلَيْهِ من الْخَيل الْعتاق مَا هُوَ الْآن عون للكفر على الْإِيمَان ونجدة للطاغية على السُّلْطَان وَكَانَ فِيمَا أتحفه بِهِ الْخمر الَّتِي حظر الله عَلَيْهِ أَن يشْربهَا
стр. 992
ويسقيها وتعبده بِأَن يجتنبها ويجتويها وصلبان ذهب صاغها لَهُ وتقرب بهَا إِلَيْهِ تقربا قد باعده الله فِيهِ عَن الْإِصَابَة والأصالة وَأَدْنَاهُ من الْجَهَالَة والضلالة حَتَّى كَأَنَّهُ عَامل من عماله أَو بطرِيق من بطارقته
فَأَما فشله عَن مكافحته ولهجه بملاطفته فضد الَّذِي أمره الله بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظة وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وَأما مَا نَقله من الْخَيل عَن ديار الْمُسلمين إِلَى ديار أعدائهم فنقيض قَوْله ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾
وَأما إهداؤه الْخمر والصلبان فخلاف عَلَيْهِ تبَارك اسْمه إِذْ يَقُول ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ كل ذَلِك عنادا لرب الْعَالمين وطمسا لأعلام الدّين وضنا بِمَا
стр. 993
تحامى عَلَيْهِ من ذَلِك الحطام الْمَجْمُوع من الْحَرَام المثمر من الآثام المقتطع من فئ الْإِسْلَام وَقد فعل الْآن بِي وبالعسكر الَّتِي معي وَمن نضم من أَوْلِيَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذين هم إخْوَته وَصَحبه إِن كَانَ مُؤمنا وأنصاره وَحزبه إِن كَانَ موقنا من توعير المسالك وتفريق العروب وتضييق الأقوات واستهلاك الأزواد ليوصل إِلَيْنَا الضّر وَيلْحق بِنَا الْجهد فعل الْعَدو الْمُبين الْمُخَالف فِي الدّين فَهَل يجْتَمع فِي أحد المساوى أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا اجْتمع فِي هَذَا الناد الْعَائِد والشاذ الشارد وَهل يطْمع من مثله فِي حق يَقْضِيه أَو فرض يُؤَدِّيه أَو عهد يرعاه أَو ذمام يحفظه وَهُوَ لله عَاص ولإمامه مُخَالف ولوالده قَاتل ولرحمه قَاطع كلا وَالله بل هُوَ الْحقيق بِأَن تثنى إِلَيْهِ الأعنة وتشرع نَحوه الأسنة وتنصب لَهُ الأرصاد وتشحذ لَهُ السيوف الْحداد ليقطع الله بهَا دابره وَيجب غاربه ويصرعه مصرع الأثيم المليم الْمُسْتَحق
стр. 994
للعذاب الْأَلِيم أَو يفئ إِلَى الْحق إفاءة الدَّاخِل فِيهِ بعد خُرُوجه الْعَائِد إِلَيْهِ بعد مروقه التائب الْمُنِيب النَّازِل المستقيل فَيكون حكمه شَبِيها بِحكم الرَّاجِع عَن الرِّدَّة الْمَحْمُول على ظَاهر الشَّرِيعَة وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
وَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا لمراشدنا ووقف بِنَا على السبل المنجية لنا والمقاصد المفضية إِلَى رِضَاهُ المعيذة من سطاه
وَالْحَمْد لله الَّذِي أعز أَمِير الْمُؤمنِينَ بالنصر وَأَعْطَاهُ لِوَاء الْقَهْر وَجعل أولياءه العالين الطاهرين وأعداءه السافلين الهابطين وهنأه الله هَذَا الْفَتْح وَلَا أخلاه من أشكال لَهُ تقفوه وتتبعه وأمثال تتلوه وتشفعه واصلا فِيهَا إِلَيّ فأوصل فِيهِ إِلَيْهِ من حيازته مهنأ لم يسفك فِيهِ دم وَلم ينتهك فِيهِ محرم وَلم ينل جهد وَلم يمسس نصب
أنهيت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَلِك ليضيف صنع الله لَهُ فِيهِ إِلَى السالف من عوارفه عِنْده وأياديه وليجدد من
стр. 995
شكره جلّ وَعلا مَا يكون دَاعيا إِلَى الإدامة والمزيد مقتضيا للعون والتأييد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الثَّانِي
مِمَّا يكْتب بِهِ إِلَى الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْكتاب بِخطْبَة مفتتحة بِالْحَمْد لله وَرُبمَا كرر الْحَمد إِلَى ثَلَاث وَيَقَع ذَلِك فِي الْكتب الَّتِي تظهر فِيهَا النِّعْمَة كالفتوح وَنَحْوهَا
وَهَذِه نُسْخَة من ذَلِك
كتب بهَا الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي عَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب إِلَى الإِمَام النَّاصِر لدين الله بِفَتْح طبرية وعكا وَمَا مَعَهُمَا من سواحل الشَّام مصدرة بِآيَة من كتاب الله تَعَالَى وَهِي ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾
الْحَمد لله على مَا أنْجز من هَذَا الْوَعْد على نصْرَة هَذَا الدّين الحنيف من قبل وَمن بعد وعَلى أَن أجْرى هَذِه الْحَسَنَة الَّتِي مَا اشْتَمَل على مثلهَا كرائم
стр. 996
الصحائف وَلم يُجَادِل عَن مثلهَا فِي المواقف فِي الْأَيَّام الإمامية الناصرية زَادهَا الله غررا وأوضاحا ووالى البشائر إِلَيْهَا بالفتوح غدوا ورواحا وَمكن سيوفها فِي كل مازق من كل كَافِر ومارق وَلَا أخلاها من سيرة سَرِيَّة تجمع بَين مصلحَة مَخْلُوق وَطَاعَة خَالق وَأطَال أَيدي أوليائها لتحمي بِالْحَقِيقَةِ حمى الْحَقَائِق وأنجزها الْحق وَقذف بهَا على الْبَاطِل الزاهق وملكها هوادي المغارب ومرامي الْمَشَارِق وَلَا زَالَت آراؤها فِي الظُّلُمَات مصابح وسيوفها للبلاد مفاتح وأطراف أسنتها لدماء الْأَعْدَاء نوازح
وَالْحَمْد لله الَّذِي نصر سُلْطَان الدِّيوَان الْعَزِيز وأيده وأظفر جنده الْغَالِب وأنجده وجلا بِهِ جلابيب الظلماء وجدد جدده وَجعل بعد عسر يسرا وَقد أحدث الله بعد ذَلِك أمرا وهون الْأَمر الَّذِي مَا كَانَ الْإِسْلَام يَسْتَطِيع عَلَيْهِ صبرا وخوطب الدّين بقوله ﴿وَلَقَد مننا عَلَيْك مرّة أُخْرَى﴾ فَالْأولى فِي عصر النَّبِي وَالصَّحَابَة وَالْأُخْرَى هَذِه الَّتِي عتق فِيهَا من رق الكآبة فَهُوَ قد أصبح حرا
стр. 997
فالزمان كَهَيْئَته اسْتَدَارَ الْحق ببهجته قد استنار وَالْكفْر رد مَا كَانَ عِنْده من الْمُسْتَعَار وَغسل ثوب اللَّيْل بِمَ فجر الْفجْر مِنْهَا أَنهَار النَّهَار وأتى الله بُنيان الْكفْر من الْقَوَاعِد وشفى غليل صُدُور الْمُؤمنِينَ برقراق الْمَوَارِد ذَات البوارد أنزل مَلَائِكَة لم تظهر للعيون اللاحظة وَلم تخف عَن الْقُلُوب الحافظة عزت غزَاة الْإِسْلَام بمسوميها وترادف نَصره بمردفيها وَأخذت الْقرى وَهِي ظالمة فترى مُتْرَفِيهَا كَأَن لم تَرَ فِيهَا فكم أقدم بهَا حيزوم وركض فَأتبعهُ سَحَاب عجاج مركوم وَضرب فَإِذا ضربه كتاب جراح مرقوم وَإِلَّا فَإِن الحروب إِنَّمَا عقدت سجالا وَإِنَّمَا جمعت رجَالًا وَإِنَّمَا دعت خفافا وثقالا فإمَّا سيوف تقَاتل سيوفا أَو زحوف تقَاتل زحوفا فَيكون حد الْحَدِيد بيد مذكرا وَيَد مؤنثا وَهُوَ أَن السَّيْف فِي الْيَد الْمُوَحدَة يُغني بالضربة الْمُوَحدَة وَفِي الْيَد الْمُثَلَّثَة لَا يغنى بِالضَّرْبِ مثلثا وَذَلِكَ أَنه فِي فئتين التقتا وعدوتين لغير مَوَدَّة اعتنقتا وَإِن هَذِه النُّصْرَة
стр. 998
إِن رويت عَن مَلَائِكَة الله فَمَا جحدت كراماتهم وَإِن رويت عَن الْبشر فقد عرفت قبلهَا مقاماتهم فَمَا كَانَ سيف يتقيظ من جفْنه قبل أَن يُنَبه الصَّرِيخ وَلَا كَانَ ضرب يطير الْهَام قبل ضرب يرَاهُ النَّاظر وَيسمع المصيخ فكم ضَرْبَة كَأَنَّهَا هجره الْمَوْت وَبهَا التَّارِيخ وَكم طعنة تَخِر لَهَا هضاب الْحَدِيد وَهِي شماريخ
وَالْحَمْد لله الَّذِي أعَاد الْإِسْلَام جَدِيدا ثَوْبه حديدا حبله مبيضا نَصره مخضرا نصله متسعا فَضله مجتمعا شَمله وَالْخَادِم يشْرَح من نبأ هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم والنصر الْكَرِيم يَا مَا يشْرَح صُدُور الْمُؤمنِينَ ويمنح الحبور لكافة الْمُسلمين ويكرر الْبُشْرَى بِمَا أنعم الله بِهِ من يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر إِلَى يَوْم الْخَمِيس منسلخه وَتلك سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما سخرها الله على الْكفَّار ﴿فترى الْقَوْم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية﴾ ورايتها إِلَى الْإِسْلَام ضاحكة كَمَا كَانَت من الْكفْر باكية فَيوم الْخَمِيس الأول فتحت
стр. 999
طبرية وفاض ري النَّصْر من بحيرتها ووقفت على جسرها الفرنج بقلقها وحيرتها وَفِي يَوْم الْجُمُعَة والسبت كسر الفرنج الكسرة الَّتِي مَا لَهُم بعْدهَا قَائِمَة وَأخذ الله أعداءه بأيدي أوليائه أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة وَفِي الْخَمِيس منسلخ الشَّهْر فتحت عكا بالأمان وأقيمت بهَا أَعْلَام الْإِيمَان وَهِي أم الْبِلَاد وَأُخْت إرم ذَات الْعِمَاد وأصبحت كَأَن لم تغن بالْكفْر وَلم تفْتَقر من الْإِسْلَام إِذْ بلغ الْمُسلمُونَ من أعدائهم المُرَاد
وَقد أصدر هَذِه المطالعة وصليب الصلبوت مأسور وقلب ملك الْكفْر الْأَسير جَيْشه المكسور مكسور وَالْحَدِيد الْكَافِر الَّذِي كَانَ فِي يَد الْكفْر يضْرب وَجه الْإِسْلَام قد صَار حديدا مُسلما يفرق خطوَات الْكفْر عَن الْإِقْدَام وأنصار الصلبوت وكباره وكل من المعمودية عمدته والدير دَاره قد أحاطت بِهِ يَد القبضة وَأخذ رهنا فَلَا تقبل فِيهِ القناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وطبرية قد رفعت أَعْلَام الْإِسْلَام عَلَيْهَا وَنَكَصت من عكا مِلَّة الْكفْر على عقبيها وعمرت إِلَى أَن شهِدت يَوْم الْإِسْلَام وَهُوَ خير
стр. 1000
يوميها بل لَيْسَ من أَيَّام الْكفْر يَوْم فِيهِ خير وَقد عسل من بِلَاد الْإِسْلَام بدماء الشّرك مَا كَانَ يتخللها فَلَا ضَرَر وَلَا ضير وَقد صَارَت البيع مَسَاجِد بهَا من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَصَارَت المناحر مَوَاقِف لخطباء المنابر واهتزت أرْضهَا لوقوف الْمُسلمين فِيهَا وطالما ارتجت لموقف الْكَافِر والبأس الإمامي الناصري قد أمضى فتكاته على يَد الْخَادِم حَتَّى بالدمى فِي الْكَنَائِس وَإِن عز أول الْإِسْلَام بحط تَاج فَارس فكم حطت سيوفه فِي هَذَا الْيَوْم من تَاج فَارس
فَأَما الْقَتْلَى وَالْأسَارَى فَإِنَّهَا تزيد على ثَلَاثِينَ الْفَا
وَأما فرسَان الداوية والاستبارية فقد أمضى حكم الله فيهم وَقطع بهم سيوف نَار الْجَحِيم وَوصل الراحل مِنْهُم إِلَى الشَّقَاء الْمُقِيم وَقتل بابرنس كَافِر الْكفَّار ومشيد النَّار من يَده فِي الْإِسْلَام كَمَا كَانَت يَد الكليم
стр. 1001
وَعجل بجسده إِلَى السَّيْف وبروحه الخبيثة إِلَى النَّار وافترت النُّصْرَة عَن ثغر عكا بِحَمْد الله الَّذِي يسر فتحهَا وتسلمتها الْملَّة الإسلامية بالأمان وَعرفت فِي هَذِه الصَّفْقَة ربحها وَأما طبرية فاقتسرتها يَد الْحَرْب فأنهرت الْحَرْب جرحها
فَالْحَمْد لله حمدا لَا تضرب عَلَيْهِ الْحُدُود وَلَا تزكّى بأزكى مِنْهُ الْعُقُود وَكَأَنَّهُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس وَقد دنا الْأَقْصَى من أقصاه وَبلغ الله فِيهِ الأمل الَّذِي علم أَن لن يُحْصِيه وأحاط بأجله وأقصاه لكل أجل كتاب وَأجل الْعَدو هَذِه الْكَتَائِب الجامعة وَلكُل عمل ثَوَاب وثواب من جزي بِطَاعَتِهِ جنَّات نعيمه الواسعة وَالله المشكور على مَا وهب والمسئول فِي إدامة مَا اسْتَيْقَظَ من حد الْإِسْلَام وهب
وَقد توجه من جَانب الْأَمِير رشيد الدّين دَامَ تأييده فِي إهداء هَذِه الْبُشْرَى نِيَابَة عَن الْخَادِم وَوصف مَا يسره
стр. 1002
الله لأوليائه من العزائم والبلاد والمعاقل الَّتِي فتحت هِيَ طبرية عكا الناصرة صفورية قيسارية نابلس حيفا معليا القزلة الطّور الشقيف وقلاع بَين هَذِه كَثِيرَة وَالْولد المظفر تَقِيّ الدّين بصور وحصن تبنين وَالْأَخ الْعَادِل سيف الدّين نَصره الله قد أركب بالوصول من عِنْده من العساكر فَنزل فِي طَرِيقه على غَزَّة وعسقلان ويجهز مراكب الأصطول الْمَنْصُور فيكثر عَددهَا ويسيرها إِلَى ثغر عكا المحروس ويشحنها بِالرِّجَالِ ويوفر سلاحها وعددها والنهوض إِلَى الْقُدس فَهَذَا أَوَان فَتحه وَلَقَد دَامَ عَلَيْهِ ليل الضلال وَقد آن أَن يسْتَقرّ فِيهِ الْهدى مشكور الْإِحْسَان إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الثَّالِث مِمَّا يكْتب للخلفاء أَن يفْتَتح الْكتاب بالتصلية على الْخَلِيفَة على مَذْهَب من يجوز من الْفُقَهَاء الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء ﵈ إِلَّا بطرِيق التّبعِيَّة
стр. 1003
وَهَذِه نُسْخَة كتاب من ذَلِك
كتب بِهِ القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم البيساني عَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب أَيْضا فِي الْبُشْرَى بِفَتْح بلد من بِلَاد النّوبَة وانهزام ملكهَا بعساكره وَهِي
صلوَات الله الَّتِي أعدهَا لأوليائه وَذُخْرهَا وتحياته الَّتِي قذف بشهبها شياطين أعدائه ودحرها وَبَرَكَاته الَّتِي دَعَا بهَا كل موحد فَأجَاب وانقشع بهَا غمام الْغم وظلام الظُّلم فانجاب عَن أنجاب وزكاته الَّتِي هِيَ للْمُؤْمِنين سكن وَسَلَامه الَّذِي لَا يعترى الموقنين فِي ترديده حصر وَلَا لَكِن على مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَاقد ألوية الْإِيمَان وَصَاحب دور الزَّمَان وساحب ذيل الْإِحْسَان وغالب حزب الشَّيْطَان الَّذِي زلزلت إِمَامَته قدم الْبَاطِل وحلت خِلَافَته ترائب الدَّهْر العاطل واقتضت سيوفه دُيُون الدّين من كل غَرِيم ماطل وأمضت غرب كل عزم للحق مفلول وأطلعت غارب كل نجم آفل وشفعت يقظات استغفاره
стр. 1004
إِلَى غَافِر ذَنْب كل غافل وعَلى آبَائِهِ الْغَايَة والمفزع والملاذ فِي وَقت الْفَزع والقائمين بِحُقُوق الله إِذْ قعد النَّاس والحاكمين بِعدْل الله إِذْ عدم القسطاس والمستضيئين بأنوار الإلهام المؤرثة من الْوَحْي إِذا عجز الاقتباس وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس خزان الحكم وحفاظها ومعاني النعم وألفاظها وأعلام الْعُلُوم المنشورة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وكالئي السروح المنتشرة من كلاءته بيد الْإِمَامَة وَمن لَا ينفذ سهم عمل إِلَّا إِذا شحن بِمُوَالَاتِهِمْ وَلَا بتألق صبح هِدَايَة إِلَّا إِذا استصبح الساري بدلالاتهم
الْمَمْلُوك يقبل الأَرْض بمطالع الشّرف ومنازله ومرابع الْمجد ومعاقله ومحابس الْجُود ومحال السُّجُود ومختلف أنباء الرَّحْمَة الْمنزلَة ومرسى أطواد البسيطة المتزلزلة ومفتر مباسم الْإِمَامَة ومجر مساحب الْكَرَامَة وَمَكَان جنوح أَجْنِحَة الملائك ومشتجر مَنَاسِك الْمَنَاسِك حَيْثُ يدْخلُونَ من كل بَاب مُسلمين وتتبعهم مُلُوك الأَرْض مستسلمين ومشاهد الْإِسْلَام كَيَوْم أنزل فِيهِ
стр. 1005
﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ وَينْعَقد على الْولَايَة فَأَما غَيره فَلهُ قَوْله ﴿قَاتلُوا الَّذين يلونكم﴾ ويناجيها بِلِسَان جلي الْإِخْلَاص الصَّادِق عقيدته ونشط الْوَلَاء السَّابِق عقيلته وأرهف الْإِيمَان الناصح مضاربه وفسح المعتقد الناصح مذاهبه فأعرب عَن خاطر لم يخْطر فِيهِ لغير الْوَلَاء خطرة وقلب أَعَانَهُ عَليّ ورد الْوَلَاء صفاء المصفاة فِيهِ فطْرَة ويخبر أَنه مَا وَهن عَمَّا أوجبته آلاؤه وَلَا وَهِي وَلَا انثنى عزمه عَن أَن يقف حَيْثُ أظلت سِدْرَة الْمُنْتَهى ووضحت الأيات لأولي النهى وَالله سُبْحَانَهُ يزِيل عَنهُ فِي شرف المثول عوائق الْقدر وموانعه ويكشف لَهُ عَن قناع الْأَنْوَار الَّتِي لَيست همته بِمَا دون نظرها قانعة وَكَانَ توجه منصورا بِجَيْش دُعَائِهِ قبل جَيش لوائه وبعسكر إقباله قبل عَسْكَر قِتَاله وبنصال سُلْطَانه قبل نصال أجفانه لَا جرم أَن كتائب الرعب سَارَتْ أَمَام الْكَتَائِب وقواضب الحذر غمضت فِي جفونها عُيُون القواضب وَسَار أَوْلِيَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذين تجمعُوا من كل أمة وتداعوا بِلِسَان النِّعْمَة وتصرفوا بيد الْخدمَة وصالوا بِسيف العزمة
стр. 1006
متواخية نياتهم فِي الْإِقْدَام متألفة طوياتهم فِي طَاعَة الإِمَام كالبنيان المرصوص انتظاما وكالغاب المشجر أعلاما وكالنهار الساطع حديدا وهاجا كالليل السابل عجاجا عجاجا وكالنهر المتدافع أصحابا وكالمشط المطرد اصطحابا وَالْأَرْض ترحل برحلهم لما ترفعه الحوافر من غيومها وَالسَّمَاء تنزل بنزولهم لما تضعه الذوابل من نجومها فَمَا انتشرت رياضها المزهرة وغياضها المشجرة إلات دلّت على أَن السَّحَاب الَّذِي سقاهم كريم والإنعام الَّذِي غمرهم عَظِيم وَالدُّنْيَا الَّتِي وسعتهم من عزمتهم تظعن وتقيم وَلما علم الْعَدو أَن الْخطب المظنون قد صرح خطابه والأمل المخدوع قد صفر وطابه راسل ورأي سل السيوف يغمده وماكر وَمَا كرّ لعلمه أَن الحتف يعمده واندفع هَارِبا هائبا وخضع كائبا كَاذِبًا فَمضى الْمَمْلُوك قدما وَحمله ظلمه ﴿وَقد خَابَ من حمل ظلما﴾ وأجابه بِأَنَّهُ إِن وطئ الْبسَاط بِرجلِهِ وَإِلَّا وَطئه بِرَأْسِهِ وَإِن قدم على الْمَمْلُوك بأمله وَإِلَّا أقدمه ببأسه وَإِن لم يظْهر أثر التَّوْبَة وَإِلَّا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد بسكرة الْمَوْت من كأسه فَلم
стр. 1007
يخرج من مراوغة تحتهَا مغاورة ومكاسرة وَرَاءَهَا مكاشرة فاستخار الله فِي طلبه وانتهز فِيهِ فرْصَة شغل قبه بريبه وَلم يغره مَا أمْلى لَهُ فِي الْبِلَاد من تقلبه وَسَار وَلم يزل مُقْتَحِمًا وَتقدم أول الْعَسْكَر محتدما وَإِذا الدَّار قد ترحل مِنْهَا أَهلهَا فبانوا وظعنوا عَن ساحتها فكأنهم مَا كَانُوا وَلم يبْق إِلَّا مواقد نيران رحلت قُلُوبهم بضرامها وأثافي دهم أعجلت المهابة مَا رد سغبهم عَن طعامها وغربان بَين كَأَنَّهَا فِي الديار مَا قطع من رُؤُوس بنى حامها وعوافي طير كَانَت تنْتَظر من أشلائهم فطر صيامها وعادت الرُّسُل المنفذة لاقتفاء آثَارهم وَأَدَاء أخبارهم ذاكرة أَنهم لبسوا اللَّيْل حدادا على النِّعْمَة الَّتِي خلعت وغسلوا بِمَاء الصُّبْح أطماع نفس كَانَت قد تطلعت وَأَنَّهُمْ طلعوا الأوعار أوعالا وَالْعِقَاب عقبانا وَكَانُوا لمهابط الأودية سيولا ولأعالي الشّجر قضبانا
فَرَأى الْمَمْلُوك أَن الْكتاب فيهم قد بلغ أَجله والعزم مِنْهُم قد نَالَ أمله والفتك بهم قد أعمل منصله وَأَن سيوف عَسَاكِر أَمِير الْمُؤمنِينَ منزهة عَن أَن تريق إِلَّا دِمَاء أكفائها من الْأَبْطَال وَأَن تلقى إِلَّا وُجُوه أنظارها من الرِّجَال وَأَن الْمَذْكُورين
стр. 1008
نمل حطمه سُلَيْمَان ﵇ وَجُنُوده وَرمل أطاره العاصف الَّذِي يستحفه ويقوده وأصدر هَذِه الْخدمَة والبلاد من بعوثهم عَارِية والكلمة بانخفاضهم غَالِيَة عالية وَيَد الله على أعدائه عَادِية وأنفس المخاذيل فِي وثاق مهابته الْعَالِيَة عانية ورأي الْمَمْلُوك أَن يرتب بعده الْأَمِير فلَانا ليبذل الْأَمَانَات لسوقة أهل الْبِلَاد ومزارعيها ويفصل المحاكمات بَين متابعي السلطنة ومطاوعيها ويفسح مجَال الْإِحْسَان لمعاودي المواطن ومراجعيها فيعمر من الْبِلَاد مَا قد شغر ويشعر بالأمنة من لَا شعر فَإِن مقَام الْمَمْلُوك وَمن مَعَه من عَسَاكِر تمنع الشَّمْس من مطْلعهَا وَترد جرية الْبَحْر عَن موقعها مِمَّا يضر بالغلال وينسفها ويجحف بالرعايا ويعسفها
فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل النَّصْر لائذا بأعطاف اعتزامه وأنامل الرعب السائر إِلَى الْأَعْدَاء محركة عذبات أَعْلَامه والعساكر المناضلة بسلاح ولائه تغني بأسمائها عَن
стр. 1009
مرهفاتها والكتائب الْمُقَاتلَة بشعار علائه تقْرَأ كتب النَّصْر من حماتها إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الرَّابِع
مِمَّا يكْتب بِهِ إِلَى الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْكتاب بِالسَّلَامِ على الْخَلِيفَة قَالَ ابْن شيت فِي معالم الْكِتَابَة وَعَلِيهِ الْعَمَل فِي زَمَاننَا وَكَانَ فِي أَوَاخِر الدولة الأيوبية
وَهَذِه نُسْخَة كتاب من ذَلِك
كتب بِهِ القَاضِي الْفَاضِل عَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِلَى الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد يعْتَذر فِيهِ عَن تَأْخِير الْكتب وَيذكر خبر صَاحب قسطنطينية وَصَاحب صقلية من مُلُوك النَّصْرَانِيَّة من الرّوم والفرنج وَهِي
سَلام الله الأطيب وَبَرَكَاته الَّتِي يستدرها الْحَضَر والغيب وزكواته الَّتِي ترفع أولياءه إِلَى الدرج ونعمه الَّتِي لم تجْعَل على أهل الطَّاعَة فِي الدّين من حرج على مَوْلَانَا سيد الْخلق وساد
стр. 1010
الْخرق ومسدد أهل الْحق ولابس الشعار الأطهر سوادا ومستحق الطَّاعَة الَّتِي أسعد الله من خصّه بهَا بدءا ومعادا وَمولى الْأمة الَّذِي تشابه يَوْم نداه وباسه إِن ركض جودا أَو جوادا وَوَاحِد الدَّهْر الَّذِي لَا يثنى وَإِلَيْهِ الْقُلُوب تثنى وَلَا يقبل الله جمعا لَا يكون بولائه جمع سَلامَة لَا جمع تكسير وَلَا اسْتِقْبَال قبْلَة مِمَّن لَا تكون محبته فِي قلبه تقيم واسْمه فِي عمله إِلَى الله يسير مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وعَلى آبَائِهِ المالئي الأَرْض عدلا الملاء أَهلا فضلا والضاربين فيصلا والقائلين فصلا وَمن تَقول الْجنَّة لأَهْلهَا بهم أَهلا المخصوصين بالعناية الإلهية الْحَاكِمين فَكل أمة بطاعتهم مأمورة وَعَن معصيتهم منهية والمشرفى الأسارير على أسرة الشّرف فكم مَلَأت البهو مناظرهم البهية
الْمَمْلُوك يخْدم الْحرم الشريف باحترامه والفناء الْكَرِيم بإعظامه والبساط الْمقبل بطول استلامه والستر الَّذِي أسبله الله على الْعباد بتحيته وَسَلَامه وَيُنْهِي أَنه آخر الخدم عَن أَن يَنْتَظِم الْأَوْقَات المتجددة ويقتضب الْحَالَات
стр. 1011
المتجردة وَالرسل عَن أَن تتوارد دراكا وتتوالى وشاكا والإنهاءات عَن أَن تثبت بالمقامات الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة ومجالس الْعرض الْعلية مَا انْتَهَت إِلَيْهِ الأقدار وَمَا أفْضى إِلَيْهِ من كثير المناجح وَقَلِيل الْأَعْذَار فَإِن أدب الأمساك عَن المطالعة كَالصَّوْمِ لَا يفض ختامه وَلَا يحل نظامه إِلَّا بعيد يطلع هلاله مبشرا ويبث خَبره فِي الْآفَاق معطرا فَلَو أَن متكلفا أفطر قبل موعده وَورد المَاء قبل مورده لَكَانَ مُفْسِدا لعقده نَاكِثًا لعهده
كَذَلِك الْمَمْلُوك أمسك حِين كَانَت الْأَخْبَار بجانبه مشتبهة والحقائق لَدَيْهِ غير متوجهة فَإِن طاغيتى الْكفْر بقسطنطينية وصقلية كَانَا قد أوقدا للحرب نَارا ورفعا لَهَا أوزارا واتخذا لَهَا اسطولا جَارِيا وعسكرا جرارا وتباريا وَلم يزدْ الله الظَّالِمين إِلَّا تبارا وكتبا إِلَى الفرنج بعد انهزامهم بالنجدة والنصرة وتضمنا لَهُم الْخُرُوج والكرة ويصفان مَا استعدا بِهِ بِمَا لَا يعبر إِلَّا بِالْكَثْرَةِ واستطارت الشناعة وتداولتها الألسن وَخرجت من الأفواه حَتَّى لقد كَادَت تدخل فِيمَا رَأَتْهُ الْأَعْين وَورد إِلَى الْمَمْلُوك رَسُول
стр. 1012
من طاغية الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَهُوَ أقدم مُلُوك النَّصْرَانِيَّة قدما وَأَكْثَرهم مَالا منتمى يعرض عَلَيْهِ موادعة يكون بهَا عسكره مودعا وَيكون لَهُ بهَا مفزعا وَلِصَاحِب صقلية الَّذِي زعم أَنه أصل للشر يكون الشَّرّ مِنْهُ مفرعا فَلم يهن وَلم يجب إِلَى السّلم وَلم يزعه أَن عسكره خذله الله مبار فِي الْبر وَفِي اليم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الْخَامِس
مِمَّا يكْتب بِهِ إِلَى الْخُلَفَاء أَن تفتتح الْمُكَاتبَة بِالدُّعَاءِ بِشَيْء من متعلقات الْخلَافَة فِي الْجُمْلَة
وَهَذِه نُسْخَة كتاب من ذَلِك
كتب بِهِ إِلَى ديوَان الْخلَافَة بِبَغْدَاد عَن بعض مُلُوك بني أَيُّوب اعتذارا عَن التَّقْصِير فِي وصف إنعام صدر لَهُ عَن الْخَلِيفَة وَهُوَ
أسعد الله عُظَمَاء الْأَمْلَاك بالانتساب إِلَى الْخدمَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وأوزعهم مَا أَمرهم بِهِ من طاعتها وخلد ملك
стр. 1013
الدِّيوَان الْعَزِيز النَّبَوِيّ مَا دَامَت الأفلاك قَائِمَة والنجوم ناجمة ونقع بغمائمها غلل الآمال الحائمة وَفسّر بمكارمها حلم الْأَمَانِي الحالمة ورتق بتدبيراتها المعصومة فتوق النوب المتعاظمة وَأظْهر على أَيدي أوليائها معجزات نصرها وَصرف الْأَيَّام والليالي بَين المرضيين لله نهيها وأمرها وأودع بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض بمودعها ومستقرها
الْمَمْلُوك وَإِن كَانَ قد يسر الله لَهُ مذ أطلقت عذبة لِسَانه خدمَة الدولة العباسية فتفسح فِي وسيع مآثرها وتخير من بديع جواهرها وامتاح من نمير زواخرها فَإِنَّهُ لَا يعْتَذر عَن الْحصْر الَّذِي اعتراه فِي وصف الْمُنعم عَلَيْهِ بِهِ من الْخطاب الشريف الَّذِي لَوْلَا أَن عصمَة الْمُوَالَاة تثبت قلبه الخافق وتسدد لِسَانه النَّاطِق لما تعاطى وصف مَا أعطَاهُ من كِتَابه المرقوم وَسبق إِلَيْهِ من سحابه المركوم فَإِنَّهُ مِمَّا يشف عَنهُ الأمل ناكصا وَهُوَ كسير وينقلب دونه الْبَصَر خاسئا وَهُوَ حسير إِلَّا أَن الإنعام الشريف يبْدَأ الْأَوْلِيَاء بِمَا لَو وَكلهمْ إِلَى أمانيهم لتهيبت أَن تتعاطى خطبَته وَلَو فوضه إِلَى طلبتهم لنكلت
стр. 1014
عَن أَن تترقى هضبته وَلَا غرو أَن للسحاب أَن يُصَافح قطره الثرى وللفجر أَن يشرق على غير الْكرَى والسرى
فَالْحَمْد لله الَّذِي قرب على الْمَمْلُوك منال الآمال وَثَبت قوى فُؤَاده لما لَا تستقل بِحمْلِهِ صم الْجبَال ويستنيب عَن جهر الشُّكْر بسر الْأَدْعِيَة ويقتصر على مَا يُفْضِي بِهِ إِلَى المحاريب وَإِن لم يقصر عَمَّا يفيضه فِي الأندية ويطالع بِأَن مَمْلُوك الْخدمَة وَابْن مملوكها أَخذ الْكتاب بِقُوَّة وشمر لخدمته تشمير خلَافَة لَا تشهير بنوة وتلقاه تلقي أَبِيه الأول الْكَلِمَات وَرَأى إطلاع الله لأمير الْمُؤمنِينَ على مَا فِي ضَمِيره من طَاعَته إِحْدَى المعجزات والكرامات وَسمع المشافهة خَاشِعًا متصدعا واشتمل عَلَيْهَا بفهمه ساميا طرفه متطلعا
وَلَقَد أشبه هَذَا الْكتاب الْكَرِيم بيعَة أخذت عَلَيْهِ مد لَهَا يَده آخِذا بكلتا يَدَيْهِ
стр. 1015
والمملوك يَرْجُو بل يتَحَقَّق أَن هَذَا العَبْد الْمشَار إِلَيْهِ سيوفى على سابقه من عبيد الدولة العباسية فِي الزَّمَان وَيكون بِمَشِيئَة الله أسبق مِنْهُم بِالْإِحْسَانِ
وَقد صدرت خدمتان من جِهَته بعدهمَا تصدر الخدم وَلَا يألو جهدا فِي الخدمتين مباشرا بِيَدِهِ السَّيْف مستنبيا عَنْهَا للقلم وَله نصْرَة بَاقِيَة فِي الْوَلَاء وَهُوَ غَنِي عَن النظير وسريرة بادية فِي الطَّاعَة هُوَ إِلَيْهَا أسكن مِنْهُ إِلَى كل مشير
يعود الْمَمْلُوك إِلَى مَا لَا يزَال يفْتَتح بِهِ الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة ويختتم بِهِ الختمات المعروضة من الدُّعَاء الصَّالح الَّذِي إِن أغْنى الله وليه عَنهُ فقد أحْوج ذوى العقائد السليمة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مزك لأعمالهم بل متمم لإسلامهم وَكَيف لَا يدعونَ لمن يدعونَ بِهِ يَوْم يدعى كل أنَاس بإمامهم
فَيَقُول جمع الله لأمير الْمُؤمنِينَ طَاعَة خلقه وأذل رِقَاب الْبَاطِل بِسيف حَقه وَجعل الله مَا هُوَ قَبضته فِي
стр. 1016
الْأُخْرَى قَبْضَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الأولى من الأَرْض الَّتِي هِيَ مَوْطُوءَة كالسماء ذَات الْعلَا وأدام نعمه على هَذِه الْأمة بإمامته وَأظْهر كَرَامَة نبيه ﵇ بِمَا يظاهره من كرامته وَعجل لمن لَا يقوم بِفَرْض ولائه إِقَامَة قِيَامَته ورد بسيوفه الَّتِي لَا ترد مَا الْإِسْلَام ممطول بِهِ من ظلامته وَأقَام بِهِ مناهج الدّين لأَهله وأظهره بمظاهرته على الدّين كُله حَتَّى يلقى الله وَمَا خلف فِي الدُّنْيَا كَافِرًا وَلَا ضميرا إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ عَامِرًا وَلَا بَلَدا إِلَّا وَقد بَات بِالْإِسْلَامِ آهلا وَقد أصبح مِنْهُ الْكفْر داثرا
الأسلوب السَّادِس
أَن يفْتَتح الْكتاب بِالدُّعَاءِ لديوان الْخلَافَة وَعَلِيهِ الِاصْطِلَاح الْآن قَالَ فِي التَّعْرِيف وَكَانَ سَبَب مخاطبتهم الدِّيوَان الخضعان عَن مُخَاطبَة الْخَلِيفَة
ورسمه على مَا ذكره الْمقر الشهابي بن فضل الله فِي كِتَابه التَّعْرِيف بالمصطلح الشريف أَن يُقَال أدام الله أَيَّام
стр. 1017
الدِّيوَان العزير المولوي السيدي الإمامي الْفُلَانِيّ ثمَّ يُؤْتى بِالدُّعَاءِ الْمَعْطُوف والصدر بالتعظيم المألوف وَقد يفْتَتح بِغَيْر هَذَا الدُّعَاء مثل أدام الله سُلْطَان الدِّيوَان الْعَزِيز وخلد الله سُلْطَان الدِّيوَان الْعَزِيز أَو أَيَّام الدِّيوَان الْعَزِيز وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا يَقْتَضِي الْعِزّ والدوام
والصدر نَحْو العَبْد أَو الْمَمْلُوك أَو الْخَادِم يقبل الأَرْض أَو العتبات أَو مواطئ المواقف أَو غير ذَلِك
وَيخْتم الْكتاب تَارَة بِالدُّعَاءِ وَتارَة ب طالع أَو أنهى أَو غَيرهمَا مِمَّا فِيهِ معنى الإنهاء ويخاطب الْخَلِيفَة فِي أثْنَاء الْكتاب بالديوان الْعَزِيز وبالمواقف المقدسة أَو المشرفة والأبواب الشَّرِيفَة وَالْبَاب الْعَزِيز وَالْمقَام الْأَشْرَف والجانب الْأَعْلَى أَو الشريف وبأمير الْمُؤمنِينَ مُجَرّدَة عَن سيدنَا ومولانا وَمرَّة غير مُجَرّدَة مَعَ مُرَاعَاة الْمُنَاسبَة والتسديد والمقاربة
وَأما خطاب الْمَكْتُوب عَنهُ فَاخْتلف بِحَسب من كتب عَنهُ فَكتب بعض مُلُوك بنى أَيُّوب بالديار المصرية والممالك الشامية الْخَادِم وَبَعْضهمْ الْمَمْلُوك وَبَعْضهمْ
стр. 1018
العَبْد وَبَعْضهمْ أقل المماليك وَبَعْضهمْ أقل العبيد وَكَانَ عَلَاء الدّين خوارزم شاه صَاحب خوارزم وَمَا مَعهَا يكْتب الْخَادِم المطواع وَتَبعهُ ابْنه جلال الدّين على ذَلِك وَكَانَت أم جلال الدّين تكْتب الْأمة الداعية قَالَ فِي التَّعْرِيف والملوك والسوقة فِي ذَلِك لَا تخْتَلف
وَهَذِه نُسْخَة كتاب من ذَلِك
كتب بِهِ الْمقر الشهابي بن فضل الله إِلَى الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان أحد الْخُلَفَاء العباسية بالديار المصرية عَن رُمَاة البندق بِالشَّام جَوَابا عَمَّا ورد عَلَيْهِ من كِتَابهمْ وَهُوَ يَوْمئِذٍ الْحَاكِم فِي رماية البندق فِي أَمر نَاصِر الدّين بن الْحِمصِي أحد الرُّمَاة وَهِي
أدام الله تَعَالَى أَيَّام الدِّيوَان الْعَزِيز المولوي السيدي النَّبَوِيّ الإمامي الحاكمي وَنصر بِهِ جمع الْإِيمَان وَبشر بأيامه الزَّمَان ومتعه بِالْملكِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده بِمَا وَرثهُ من سُلَيْمَان
стр. 1019
وَلَا زَالَ يخضع لمقامه كل جليل وَيعرف لأيامه كل وَجه جميل ويعترف لشرفه كل معترف بالتفضيل وَلَا كَانَ إِلَّا كرمه المأمول ودعاؤه المقبول وعدوه المصروع ووليه الْمَحْمُول وَلَا بَرحت طَاعَته يعْقد عَلَيْهَا كل جمع ومراسمه ينصت إِلَيْهَا كل سمع وَطَوَائِف الَّذين كذبُوا عَلَيْهِ لَا تتلى عَلَيْهِم آيَاته إِلَّا توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع
المماليك يقبلُونَ الأَرْض بالأبواب الْعَالِيَة الَّتِي هِيَ خطة شرفهم وَمَكَان تعبد القدماء مِنْهُم وَمن سلفهم ويلوذون بذلك الْمقَام ويعوذون بذلك الْحرم الَّذِي لَا يبعد نسبه من الْبَيْت الْحَرَام ويؤملون ذَلِك الْكَرم الَّذِي مَا مِنْهُم إِلَّا من سعد بِهِ طَائِره وجاءته بِهِ فِي وَجه الصَّباح أشائره وَفِي وَجه الْعشَاء بشائره فنالوا بِهِ أقْصَى المرام وقضوا بِهِ من الْعُمر مَا إِذا قَالُوا يَا سعد لَا يعنون بِهِ إِلَّا ذَلِك الإِمَام وينتهون إِلَى مَا ورد بِهِ المرسوم الشريف الَّذِي مَا من المماليك إِلَّا من مت إِلَيْهِ بقديم عبوديته ورقه وسارع إِلَى طَائِره الميمون وحماه بسبقه وَفتح لَهُ عينه وَظن أَنه حالم
стр. 1020
وامتثلوا لأَمره وَكَيف لَا تمتثل الرُّمَاة أَمر الْحَاكِم وَلَا سِيمَا ابْن عَم سيدنَا رَسُول ﷺ الإِمَام الْحَاكِم وأجلوه عَن رَفعه إِلَى الْعين إِذْ كَانَت تِلْكَ منزلَة الْحَاجِب وَقدمُوا إِلَيْهِ خفوق قُلُوبهم الطائرة وَمَا علمُوا أَن كَانُوا قَامُوا بِالْوَاجِبِ ووقفوا على أَحْكَام حاكمه فَمَا شكوا أَن زمَان هَذَا الْفَنّ بِزَمَان ناصره فِي بَغْدَاد قد عَاد وَأَن مِثَاله المتمثل فِي سَواد الحدق مِمَّا حكته أَيَّامه العباسية من شعار السوَاد وَعَلمُوا مَا رسم بِهِ فِي معنى مُحَمَّد بن الْحِمصِي الَّذِي مَا نورت اللَّيْلَة الظلماء أكاريخه وَلَا بَعدت فِي الإقعاد لَهُ تواريخه بل أخمدت دموع ندمه نيرانه المشتعلة وَأصْبح بِهِ لَا يحمل الْقوس فِي يَده إِلَّا أَنه مشغله وَمَا كَانَ أنهاه إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز مِمَّا لم تذكر الخواطر الشَّرِيفَة بِأَنَّهُ فِيهِ المفترى وَأَنه صَاحب الْقوس إِلَّا أَن مَاله سَعَادَة الْمُشْتَرى وَأَنه موه تمويه الجاحد وتلون مثل قَوس قزَح وَإِلَّا فقوس البندق لون وَاحِد ودلى بغروره وَعرض الْمحْضر الَّذِي حمله على تغريره
следующие страницы →