إقتراح طاهر الكردي عمل لوح من ذهب يعلق بالكعبة مشتملاً على المواد التي ذكرها (١) .
وأرفع لجلالتكم أن هذا اقتراح غير سديد، وأنه مخالف للشرع، وليس من تعظيم الكعبة، فإن تعظيمها إنما هو بما عظمها الله به ورسوله، وليس في تعظيم الله ورسوله لها شيء من جنس هذه الأمور أبدا، ونحمد الله إذ وفق جلالتكم لالتماسكم في ذلك الحكم الشرعي وعدم التفاتكم لما يخالف ذلك من الاقتراحات. سدد الله خطاكم، وأطال عمركم.
محمد بن إبراهيم
(ص - م ٧٤٢ في ١٨ - ٦ - ١٣٧٥هـ)
(١١٧٦ - بيع كسوة الكعبة للتبرك بها لا يجوز والكعبة ذاتها لا يتبرك بها. الحكمة في مسح الركنين، وتقبيل الحجر، والالتزام) (٢) .
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم
أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: -
فقد تلقيت خطابكم رقم ١٥٣٨ في ١٤ - ١١ - ١٣٧٩هـ بصدد ثوب الكعبة المشرفة وأحطت علمًا بما فيه.
стр. 1052
ومن المعلوم حفظكم الله أنكم حينما تسألونني عن هذه المسألة - أعني مسألة ثوب الكعبة وأمثالها - إنما تسألونني عن الوجه الشرعي لا عن الرأي. وحينئذ أذكر لجلالتكم ما بلغنا من الآثار السلفية في هذا الصدد.
قال في كتاب "القرى لقاصد أم القرى": باب ما جاء في تجريد كسوة الكعبة وقسمتها بين الحاج وأهل مكة، وبيان حكم بيعها. عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁، كان ينزع ثياب الكعبة في كل سنة فيقسمها على الحاج فيستظلون بها عن الشمس بمكة. وعن ابن أبي مليكة قال: كانت على الكعبة كسي كثيرة من كسوة أهل الجاهلية من الأنطاع والأكسية والأنماط، وكان ركامًا بعضها فوق بعض، فلما كسيت في الإسلام من بيت المال صار يخفف عنها الشيء بعد الشيء، فقال شيبة بن عثمان: لو طرحت عنها ما عليها من كسي الجاهلية حتى لا يكون مما مسه المشركون شيء لنجاسته، فكتب في ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان، فكتب: أن جردها، وبعث إليه بكسوة من ديباج وقباطي وحبرة. قال: فرأيت شيبة جردها حتى لم يبق عليها شيئًا مما كان عليها وخَلقَ جدرانها كلها وطيبها ثم كساها تلك الكسوة التي بعث بها معاوية إليها، وقسم الثياب التي كانت عليها بين أهل مكة وكان ابن عباس حاضرًا في المسجد الحرام وهم يجردونها، قال: فما رأيته أنكر ذلك ولا كرهه. وعن ابن أبي جريج، عن عبد الحميد ابن جبير بن شيبة، قال: جرد شيبة بن عثمان الكعبة قبل الحريق فخلقها وطيبها. قلت: وما تلك الثياب. قال: من كان نحو أنطاع
стр. 1053
وحبر، وكان شيبة يكسو منها حتى رأى على امرأة حائض من كسوتها فدفنها في بيت حتى هلكت - يعني الثياب. وعن عطاء بن يسار: قال: قدمت مكة معتمرًا فجلست إلى ابن عباس في صفة زمزم وشيبة يومئذ يجرد الكعبة، قال عطاء بن يسار: فرأيت جدرها، ورأيت خلوقها وطيبها، ورأيت تلك الثياب قد وضعت بالأرض، ورأيت شيبة يومئذ يقسمها، فأخذت يومئذ كساءً من نسج الأعراب، فلم أر ابن عباس أنكر شيئًا مما صنع شيبة. قال عطاء: وكانت قبل هذا لا تجرد، وإنما يخفف عنها بعض كسوتها.
وعن عائشة ﵂: أن شيبة بن عثمان دخل عليها، فقال: يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع عليها فتكثر فنعمد إلى بئار فنحفرها ونعمقها فندفن فيها ثياب الكعبة لئلا تمسها الحائض والجنب. فقالت له عائشة ما أصبت، وبئس ما صنعت، لا تعد لذلك فإن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لمسها من حائض أو جنب؛ ولكن بعها فاجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين وابن السبيل. أهـ.
فاتضح مما قدمناه حكم ثياب الكعبة بعدما تسلب لابدالها بجديدة كما اتضح أنه ليس أحد من السلف يرغب في القطعة من قطع كسوة الكعبة فيتبرك بها. والذين يتولون قسمتها إذ ذاك يقصدون بها سد حاجة الفقراء المحتاجين إلى الاكتساء بها ونحوه لا يقصدون أن يتبركوا بها، ولا يقع ذلك؛ لأن أهل ذلك الزمن يعرفون أنه من المنكرات. أما زمننا هذا زمن الخرافات وزمن الغلو والتبرك بغير الله الذي هو الواقع الآن في كسوة الكعبة، فنجدهم يبيعون القطعة الصغيرة منها بالثمن الكثير على الحاج الغريب لأجل التبرك بها، وهذا لا يجوز، وتمكينهم من ذلك لا يجوز شرعًا؛ بل هو
стр. 1054
من معاونتهم على الإثم والعدوان. ومعتقدكم بحمد الله ودينكم ودعوتكم هو التوحيد، ومجانبة الشرك، ووسائله من التبرك وغيره.
والكعبة نفسها زادها الله تشريفًا لا يتبرك بها؛ ولهذا لا يقبل منها إلا الحجر الأسود فقط، ولا يمسح منها إلا هو والركن اليماني فقط وهذا المسح والتقبيل المقصود منه طاعة رب العالمين واتباع شرعه؛ ليس المراد أن تنال اليد البركة في استلام هذين الركنين، وقد قال الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لما قبل الحجر الأسود: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" (١) . وقد ورد في الحديث: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" (٢) .
والتزام الكعبة المعروف ليس في التمسح بحال؛ إنما هو إلصاق الخد والصدر واليدين (٣) : إشتياقًا تارة، وأسفًا على الفراق تارة، وذلاً لله تعالى وخشية تارة أخرى.
ولو تجرد المقام من محذور تبرك الجهال بتلك الكسوة لساغ لولي أمر المسلمين إعطاؤها آل الشيبي، أو تفريقها على فقراء المسلمين كسوة ونحو ذلك. هذا إذا كان أصلها من بيت المال. أما إن
стр. 1055
كانت من غير بيت المال فحكمها حكم فواضل الأوقاف. لكن إعطاؤها آل الشيبي أو غيرهم ممن يبيعها البيع المعهود الآن قطعًا على الحاج الغريب فيه المحذور الذي قدمنا، وهو التبرك الذي هو من أنواع الشرك. والسلام عليكم ورحمة الله.
(ص م ٣٨٣٨ في ٢ - ١ - ١٣٨٠هـ) (١)
(١١٧٧ - توسيع المطاف، وازالة بناية بئر زمزم، والمقامات الثلاثة، وتنحية المنبر، وباب بني شيبة، ودفن الحفرة (٢) ومنع تقسيم المطاف)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه، وبعد: -
فقد جرى الاطلاع على ما رأته وقررته الهيئة العلمية المؤلفة من فضيلة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحجاز، والشيخ عبد الله بن جاسر، والسيد فضيلة الشيخ عباس مالكي، وفضيلة الشيخ محمد الحركان رئيس المحكمة الكبرى بجدة، بمشاركة محمد بن لادن مدير الإنشاءات الحكومية، ومحمد صالح القزاز، والمعلم حسين عجاج، والمهندسين الفنيين طارق الشواف وطه قرملي، حول توسيع المطاف، بعد نظرهم فيه النظر الدقيق، وتأملهم فيما حواليه من إزالة بئر زمزم الحالية، وإقامة بناية أخرى مكانها تحت الأرض، بحيث يصير سقفها
стр. 1056
مساويًا لأرض المطاف، وبحيث تبقى سقاية الحاج من بئر زمزم على وضعها الحاضر، وإزالة المقامات الثلاثة المحيطة بالمطاف، وضم أرضها إلى أرض المطاف، بحيث تكون سعة المطاف دائرية حول الكعبة المطهرة، في حدود الفضاء الذي يحصل بعد إزالة المقامات الثلاثة وبناية بئر زمزم. وما رأوه من أن كلا من مقام إبراهيم والمنبر وباب بني شيبة يبقى. وإرتياؤهم سد الحفرة الموجودة عن يمين الواقف أمام باب الكعبة المكرمة، وأن من المصلحة عمل حاجز دائري بقسم المطاف إلى قسمين: بحيث يكون القسم القريب من الكعبة المطهرة خاصًا بالرجال: والقسم الآخر خاصًا بالنساء. كل ذلك تأملته. وقد ظهر لي ما يلي:
أولاً: جواز دفن الحفرة التي في المطاف عن يمين الواقف أمام الكعبة المطهرة كما في القرار. وهذا قد اتفق عليه في العام الماضي.
ثانياً: جواز توسيع المطاف بإدخال المقامات الثلاثة وإدخال بئر زمزم بالشكل المبقي لأصلها كما في القرار المذكور.
ثالثاً: أما ما ذكر في القرار من بقاء مقام إبراهيم والمنبر وباب بني شيبة بصفتهن في المطاف فهذا غير ظاهر. وفيه من التضييق للمطاف، وإيقاع بعض الجهلة في شيء من الاعتقاد الفاسد بالطواف بالمقام، ومضايقة المصلين للطائفين وعكسه وتمكين الجهال من التمسح به وهم مارون في الطواف كما يمسح الركن اليماني والحجر الأسود ما هو معلوم.
وما عرف من التاريخ الصحيح والآثار لموضع حجر المقام مقام إبراهيم والمواقع التي كان بها والتنقلات التي وقعت له لأسباب عديدة
стр. 1057
يفيد أن لا محذور في تنحيته من مكانه الذي هو به الآن إلى جانب المطاف بعد التوسيع؛ لضرورة الضيق والازدحام الشديد. وهذا هو رأي كثير من العلماء المعاصرين، ولأن المقصود هو الصلاة خلف حجر المقام في أي مكان كان فيه الحجر من المسجد. وبطريق الأولى تنحية المنبر، وباب بني شيبة عن موضعهما الآن.
رابعاً: وأما ما رأته الهيئة: أن من المصلحة عمل حاجز دائري بقسم المطاف إلى قسمين: بحيث يكون القسم القريب من الكعبة المعظمة خاصًا بالرجال، والقسم الآخر خاصًا بالنساء. فهذا فيما يظهر لا يحصل به المقصود المذكور، مع ما فيه من التضييق للمطاف ولاسيما أيام الموسم ومزيد الازدحام ... والله ولي التوفيق.
قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(الختم)
(ص - م ٣٧٣١ في ٢١-١-١٣٧٧هـ)
(مقام إبراهيم)
(١١٧٨ - اتفاق العلماء مع سماحته على نقل المقام أولا، واستطلاع الآراء)
من محمد من إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة
الملك سعود بن عبد العزيز المعظم ... أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: -
فقد اطلعت على خطاب جلالتكم رقم ٢٧-٢١٤-٧٤ تاريخ
стр. 1058
١٦-١-١٣٨١هـ وما بطيه، وذلك القرار المرفوع إلى مقام جلالتكم من علماء مكة المكرمة الشيخ علوي مالكي، والشيخ محمد يحيى أمان، والشيخ محمد أمين كتبي، بشأن مقام إبراهيم المتضمن موافقتهم على تنحيته عن موضعه الحالي ونقله إلى مكان آخر من المسجد حتى يتسع المطاف للطائفين.
ونعرض لأنظار جلالتكم أن هذا هو ما نراه ووافقنا عليه، وفقًا لما تقتضيه الأصول الشرعية.
أما ما استطلع جلالتكم رأيي فيه حول انتداب شخص يسافر إلى البلاد الإسلامية للتشاور مع العلماء الموجودين فيها بشأن ذلك. فهذا لا أراه مناسبًا؛ لأنه إذا سافر شخص وقصدهم في بلدانهم وتتبعهم في محلاتهم فإنه مع أن هذا الإجراء سيكون فيه تمديد وتطويل فإنه سيفتح ثغرة كبيرة ومجالاً واسعًا لإحداث أفكار واتصالات من بعضهم مع بعض قد ينشأ عنها تشويش وتوليد أغراض واحتياجات تربك الأمر وتجعل النتيجة عكسية، بل الذي أراه أن يعقد اجتماع في مكة المكرمة يدعى إليه العلماء المشهورين من تلك الأقطار مع العلماء في نجد والحجاز، ويبحث الموضوع بين الجميع، ثم يتخذ بشأنه القرار اللازم. وهذا أسرع وأنجز وأبعد عن تدخل أهل الأغراض. وإن تأخر الاجتماع إلى وقت الحج القادم حتى يشاهدوا ويعاينوا بأنفسهم الزحمة فهو أحسن. وإن رأيتم جلالتكم تعجيله فالنظر والأمر لله ثم لجلالتكم، تولاكم الله بتوفيقه.
(ص - م ٢٤٠ في ١٨-١-١٣٨١هـ)
стр. 1059
الجواب المستقيم
في جواز نقل مقام إبراهيم
(١١٧٩ - رسالة مطولة لسماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم في جواز تأخير مقام إبراهيم) (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل في كتابه الكريم (وما جعل عليكم في الدين من حرج) والصلاة والسلام على خاتم رسله، الذي أتى بالحنيفية السمحة، وعلى آله وصحبه، ومن لسبيلهم نهج، وبعد: -
فإنه لما كثر الوافدون إلى بيت الله الحرام في عصرنا هذا الذي توفر فيه من وسائل نقلهم ما لم يتوفر قبل، وازدادوا زيادة لم تعهد فيما مضى، أدى ذلك إلى وقوع الطائفين في حرج شديد فيما بين المقام وبين البيت، ولذلك قدمت الرابطة الإسلامية رغبتها إلينا في أن نكتب رسالة في حكم تأخير المقام عن ذلك الموضع إلى موضع في المسجد الحرام قريب منه محاذ له رفعًا للحرج، فاستخرت الله تعالى. وكتبت إجابة لها هذه الرسالة. ورتبتها على ما يلي: -
١- ... بيان وضع المقام في عهد النبوة، وأن أول من أخره عنه عمر ابن الخطاب ﵁.
٢- ... إيراد أدلة القائلين بأن موضع المقام هو موضعه في عهد النبوة، والجواب عنها.
стр. 1060
٣- ... سرد العلل التي علل بها تأخير عمر المقام، وترجيح التعليل برفع الحرج عن الطائفين.
٤- ... بيان حكم تأخير المقام اليوم عن موضعه إلى موضع في المسجد الحرام قريب منه محاذ له.
والله أسأل أن يكون هذا الجواب خالصًا لوجه الكريم. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
بيان موضع المقام في عهد النبوة، وأن أول من أخره عمر بن الخطاب
ثبت عن السلف الصالح أن مقام إبراهيم ﵇ كان في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر ﵁ في سقع البيت وأن أول من أخره عن ذلك الموضع عمر بن الخطاب. وممن ثبت ذلك عنه من أعيانهم المذكورون فيما يلي: -
١- أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ عند البيهقي، قال في "سننه": أخبرنا أبوالحسن بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبوبكر أحمد بن كامل (١) حدثنا أبواسماعيل
стр. 1061
محمد بن اسماعيل السلمي. حدثنا أبوثابت، حدثنا الدراردي (١)
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (٢) ﵂ أن المقام كان زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁. أهـ. صحيح الحافظ ابن كثير إسناده في تفسيره في الكلام على آية المقام. وقواه الحافظ في "فتح الباري" في كتاب التفسير في الكلام على تلك الآية، قال (ج٨ ص١٣٧) : أخرج البيهقي عن عائشة مثله أي مثل ما روى عن عطاء وغيره من التصاق المقام بالبيت إلى أن أخره عمر بسند قوي، ولفظه: أن المقام كان في زمن رسول الله ﷺ وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر. أهـ كلام الفتح.
ولا يرد على جزم رواية أبي ثابت المذكورة. شك رواية يعقوب بن حميد بن كاسب عند الفاكهي. قال يعقوب: حدثنا
стр. 1062
عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال عبد العزيز أراه عن عائشة: أن المقام كان في زمن النبي ﷺ في سقع البيت. فإن يعقوب بن حميد بن كاسب ليس بشيء، قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": قريء على العباس بن محمد الدوري أنه سأل يحيى بن معين عن يعقوب بن كاسب فقال ليس بشيء. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: هو ضعيف الحديث. وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": يعقوب بن حميد بن كاسب ليس بشيء مكي. وقال العقيلي في "الضعفاء": حدثنا زكريا الحلواني قال: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه: وسألته عنه: فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول فدفعنا، ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها. أهـ.
٢- عروة بن الزبير. قال عبد الرازق في "مصنفه": عن معمر: عن هشام بن عروة: عن أبيه" أن رسول الله ﷺ وأبابكر وعمر بعض خلافته كانوا يصلون صقع البيت حتى صلى عمر خلف المقام". وأصرح من هذه الرواية ما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم في "العلل" عن أبي زرعة: عن أبي ثابت. عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁" وتقدم هذا الحديث رواه أبواسماعيل محمد بن اسماعيل السلمي.
стр. 1063
عن أبي ثابت، عن الدارودري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. والروايتان ثابتتان، فدل ذلك على أن عروة روى هذا الحديث عن خالته أم المؤمنين عائشة ﵂، فكان يحدث به عنها تارة، ويتكلم به تارة أخرى من غير أن يسنده إليها. فروى عنه بالوجهين.
٣- عطاء وغيره من أصحاب ابن جريح عند عبد الرازق، قال في "مصنفه": عن ابن جريح. قال سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من رفع المقام فوضعه موضعه الآن، وإنما كان في قبل الكعبة. صحح الحافظ ابن حجر العسقلاني إسناده في "فتح الباري ج٨ ص١٣٧" قال في كلامه على المقام في "كتاب التفسير": كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" بسند صحيح عن عطاء وغيره. أهـ.
ومعنى قول ابن جريج: "يزعمون". يقولون. من باب استعمال الزعم في القول المحقق، نظير ما رواه البخاري في صحيحه في (باب إذا حرم طعامًا) وقوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) (١) قال البخاري: حدثنا الحسن ابن محمد، حدثنا الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا" الحديث. وذكر الحافظ في شرح قول الراوي: زعم
стр. 1064
عطاء: أن أهل الحجاز يطلقون الزعم بمعنى القول، وقرر الحافظ هو والنووي أن ذلك الاستعمال كثير. قال النووي في شرح قول ضمام ابن ثعلبة: "يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك" قال: قوله: "زعم" و "تزعم" مع تصديق رسول الله ﷺ إياه دليل على أن "زعم" ليس مخصوصًا بالكذب والقول المشكوك فيه؛ بل يكون أيضًا في القو المحقق والصدق الذي لاشك فيه، وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث عن النبي ﷺ قال: "زعم جبريل كذا". وقد أكثر سيبويه وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبوالخطاب، يريد بذلك القول المحقق، وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم، ونقله أبوعمرو الزاهد في "شرح الفصيح" عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين. أهـ. وقال الحافظ في "الفتح" في كتاب العلم في شرح قول ضمام بن ثعلبة المتقدم: إن الزعم يطلق على القول المحقق أيضًا، كما نقله أبوعمرو الزاهد في "شرح فصيح ثعلب". وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل. في مقام الاحتجاج.
ومما استدل به الحافظ في "فتح الباري" لاستعمال الزعم بمعنى القول المحقق قول عبد الله بن عمر ﵄ في حديثه في المواقيت: "ويزعمون أن رسول الله ﷺ قال ويهل أهل اليمن من يلملم" يعني ابن عمر بقوله "يزعمون" الصحابة. قلت: ويشهد لكون "يزعمون" في رواية عبد الرزاق المتقدمة عن ابن جريج عن عطاء وغيره من أصحاب ابن جريج بمعنى
стр. 1065
القول المحقق رواية عبد الرزاق الأخرى التي ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (١) فإنه قال: عبد الرزاق، حدثني ابن جريج، عن عطاء وغيره من أصحابنا، قالوا: أول من نقله - أي المقام - عمر بن الخطاب ﵁. فقول ابن جريج في هذه الرواية: "قالوا" يفسر قوله في الرواية الأولى: "يزعمون" (٢) .
٤- مجاهد عند عبد الرزاق، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (٣) قال عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁. صححه الحافظ في "فتح الباري - في كتاب التفسير ج٨ ص١٣٧" وذكر ابن كثير في تفسيره أنه أصح مما في رواية ابن مردوية عن مجاهد من أن النبي
стр. 1066
صلى الله عليه وسلم هو الذي حوله (١) وعبارة ابن كثير بعد ذكر أثر مجاهد هذا: هذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاده بما تقدم. أهـ. يعني ابن كثير بما تقدم الآثار التي أوردها قبل ذلك بأسانيد قوية عن عائشة وعطاء وغيره من أصحاب ابن جريج وسفيان بن عيينه.
٥- بعض مشايخ مالك، ففي "المدونة" في ج٢ في قطع شجر الحرم من "كتاب الحج" ما نصه: قال مالك: بلغني أن عمر ابن الخطاب لما ولي وحج ودخل مكة أخر المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم، كان ملصقًا بالبيت في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وقبل ذلك، وكان قدموه في الجاهلية مخافة أن يذهب به السيل، فلما ولي عمر أخرج أخيوطة كانت في خزانة الكعبة قد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت إذ قدموه مخافة السيل، فقاسه عمر، فأخرجه إلى موضعه اليوم، فهذا موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وعلى عهد إبراهيم. أهـ.
٦- سفيان بن عيينة عند ابن أبي حاتم في تفسيره، قال فلي تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) حدثنا
стр. 1067
ابن أبي عمر العدني (١)
قال: قال سفيان (٢) : كان المقام في سقع البيت على عهد النبي ﷺ ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ ، وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها
стр. 1068
أم لا.
صحح الحافظ في "فتح الباري" إسناده في "كتاب التفسير ج٨ ص١٣٧" في شرح باب قول الله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وصحح هذا الحديث قبل صاحب "فتح الباري" الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم بإيراده في تفسيره الذي ذكر في أوله أن جماعة من إخوانه طلبوا منه تفسيرًا مختصرًا بأصح الأسانيد وحذف الطرق. ثم قال: فأجبتهم إلى مسألتهم، وبالله التوفيق، وإياه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتحريت إخراج ذلك بأصح الأخبار إسنادًا، وأشبهها متنًا، فإذا وجدت التفسير عن رسول الله ﷺ لم أذكر معه أحدًا من الصحابة ممن أتى بمثل ذلك؛ وإذا وجدته عن الصحابة فإن كانوا متفقين ذكرته عن أعلاهم درجة بأصح الإسناد وسميت موافقيهم بحذف الإسناد، فإن لم أجد عن الصحابة ووجدته عن التابعين عملت فيما أجد عنهم ما ذكرته من المثال في الصحابة، وكذلك أجعل المثال في أتباع التابعين وأتباعهم. أهـ ما ذكره ابن أبي حاتم في مقدمة تفسيره، وهو دليل على صحة هذا الحديث.
стр. 1069
٧- الواقدي (١) عند ابن جرير الطبري في تاريخه، قال في حوادث سنة ثمان عشرة: وزعم - أي الواقدي - أن عمر ﵁ حول المقام في هذه السنة في ذي الحجة إلى موضعه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت قبل ذلك. أهـ. وذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية": أن الواقدي لم ينفرد بهذا، وعبارته ج٧ ص٩٣: قال الواقدي (٢) وغيره: في هذه السنة - أي سنة ثمان عشرة في ذي الحجة منها حول عمر المقام، وكان ملصقًا بجدار الكعبة، فأخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. ثم قال ابن كثير: قلت: ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة.
٨- مشايخ ابن سعد قال في "الطبقات الكبرى" في ترجمة عمر ابن الخطاب ﵁: قالوا: وهو الذي أخر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت. أهـ.
هذه جملة من أعيان السلف الذين صرحوا بأن المقام كان في عهد النبي ﷺ في سقع البيت، وأن أول من أخره عمر بن الخطاب ﵁، وقد جزم بما صرحوا به غير واحد من أئمة المتأخرين منهم الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" والحافظ ابن كثير في "التفسير" و "البداية والنهاية" والشوكاني في "فتح القدير" قال الحافظ في الفتح ج٨ ص١٣٧ في باب (واتخذوا من مقام
стр. 1070
إبراهيم مصلى) من كتاب التفسير: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت، إلى أن أخره عمر ﵁ إلى المكان الذي هو فيه الآن. أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضًا. وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: أن المقام كان في زمن النبي ﷺ وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر، وأخرج ابن مردوية بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي ﷺ هو الذي حوله، والأول أصح. وقد أخرج أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة قال: كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله ﷺ ، فحوله عمر، فجاء سيل فذهب به، فرده عمر إليه. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بالبيت أم لا. أهـ.
وبهذا ظهر رجوع الحافظ عما كتبه في باب (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) من كتاب الصلاة؛ فإنه كتب ما نصه: قد روى الأزرقي في "أخبار مكة" بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة فأتى به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر، فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه، وبنى حوله فاستقر ثم إلى الآن (١) . أهـ. وهذا الذي كتبه الحافظ في "كتاب الصلاة" سبق قلم نبه على رجوعه عنه بالصواب الذي ذكره في "كتاب التفسير"
стр. 1071
وكان يصنع ذلك تارة فيما سبق به القلم، ويصرح تارة بالرجوع عما كتبه أولا. ومما صرح فيه بالرجوع ما يلي:
١- قوله في ج٨ ص١٦ في الباب الذي بعد (باب منزل النبي ﷺ يوم الفتح) في الكلام على حديث أبي شريح العدوي في تعظيم حرمة مكة: قال: (قوله: العدوي) كنت جوزت في الكلام على حديث الباب في الحج أنه من حلفاء بني كعب، وذلك لأني رأيته في طريق أخرى الكعبي، نسبة إلى كعب بن ربيعة بن عمرو بن لحي، ثم ظهر لي أنه نسب إلى بني عدي بن عمرو بن لحي وهم أخوة كعب، ويقع هذا في الأنساب كثيرًا.
٢- قوله في شرح حديث عباد بن تميم، عن عمه، قال "رأيت رسول الله ﷺ في المسجد مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى" في (باب الاستلقاء في ج١١ ص٦٨) : تقدم بيان الحكم في أبواب المساجد من "كتاب الصلاة" وذكرت هناك قول من زعم أن النهي عن ذلك منسوخ، وأن الجمع أولى، وأن محل النهي حيث تبدو العورة، والجواز حيث لا تبدو، وهو جواب الخطابي ومن تبعه، ونقلت قول من ضعف الحديث الوارد في ذلك وزعم أنه لم يخرج في الصحيح، وأوردت عليه بأنه غفل عما في "كتاب اللباس" من الصحيح. والمراد بذلك صحيح مسلم، وسبق القلم هناك فكتبت صحيح البخاري، وقد أصلحته في أصلي.
٣- قوله في "باب الدعاء على المشركين" ج١١ ص١٦٢ في الكلام على قول البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا الأنصاري، حدثنا هشام بن حسان، حدثنا محمد بن سيرين، حدثنا عبيدة، حدثنا علي بن أبي طالب ﵁، قال: كنا مع النبي
стр. 1072
صلى الله عليه وسلم فقال: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا" الحديث قال الحافظ: قوله: حدثنا هشام بن حسان. يرجح قول من قال في الرواية التي مضت في الجهاد من طريق عيسى بن يونس، حدثنا هشام، أنه ابن حسان، وكنت ظننت أنه الدستوائي، ورددت على الأصيلي حيث جزم بأنه ابن حسان، ثم نقل تضعيف هشام بن حسان يروم رد الحديث، فتعقبته هناك، ثم وقفت على هذه الرواية فرجعت عما ظننت..الخ.
ويدل على رجوع الحافظ عما كتبه في "كتاب الصلاة" إلى ما بينه في "كتاب التفسير" تعذر الجمع بين تصحيح الحافظ أسانيد تلك الروايات الأزرقية التي تذكر أن المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن وهو الذي رده إليه عمر بعدما ذهب به السيل وبين تصحيحه في "كتاب التفسير" أسانيد روايات كون المقام أزق البيت إلى أن أخره عمر بن الخطاب ﵁، وأن الروايات الأزرقية التي أشار إليها ليس فيها شيء صحيح صريح، كما سنبينه فيما بعد أن شاء الله عند الكلام على تلك الروايات، مع ذكر كلام الحافظ فيمن تكلم فيه من رواتها، ليتبين أن ما ذكره في "كتاب الصلاة" في الروايات الأزرقية كما لا يتفق مع ما في "كتاب التفسير" لا يتفق مع كلامه في رواة تلك الروايات الأزرقية في كتبه في "الجرح والتعديل".
وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية" ج١ ص١٦٢ تحت عنوان (ذكر بناية البيت العتيق) في الكلام على
стр. 1073
مقام إبراهيم ﵇: قد كان هذا الحجر ملصقًا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁. فأخره عن البيت قليلاً؛ لئلا يشغل المصلون عنده الطائفين بالبيت. وقال في الجزء السابع من التاريخ المذكور "البداية والنهاية" ص١٣ في الكلام على حوادث سنة ثمان عشرة: قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام، وكان ملصقًا بجدار الكعبة (١) أخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين.
وقال في "التفسير" في الكلام على قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) : قلت: قد كان هذا المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب، في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، وأنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا - والله أعلم - أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين الذين قال فيهما رسول الله ﷺ : "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر"
стр. 1074
وهو الذي أنزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ﵃ أجمعين.
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) قد كان - أي المقام - ملتصقًا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) . أهـ ما جمعناه من تاريخ ابن كثير وتفسيره وقال العلامة الشوكاني في "فتح القدير" في تفسير آية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) : وهو - أي المقام - الذي كان ملصقًا بجدار الكعبة، وأول من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بأسانيد صحيحة، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. أهـ.
أدلة القائلين بأن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة، والجواب عنها
إستدل القائلون بأن موضع مقام إبراهيم ﵇ هذا الذي هو فيه اليوم هو موضعه في عهد النبوة بأمور نذكرها مع الإجابة عنها فيما يلي: -
(الأول) : ما رواه الحافظ أبوبكر بن مردويه، قال أخبرنا ابن عمر وهو أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب ابن أبي تمام، أخبرنا آدم وهو ابن أبي إياس في تفسيره، أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد قال: قال عمر بن
стр. 1075
الخطاب: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله ﷺ إلى موضعه هذا، قال مجاهد: وكان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.
والجواب عن هذا ما ذكره الحافظان: ابن كثير في تفسيره، وابن حجر العسقلاني في "فتح الباري". قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية الكريمة (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) بعد ذكر هذا الأثر الذي رواه ابن مردوية: هذا مرسل عن مجاهد وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر ابن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مردويه، مع اعتضادها بما تقدم (١) . أهـ.
وقال الحافظ في "الفتح" ج٨ ص١٣٧ في باب (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) من كتاب التفسير: أخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد "أن النبي ﷺ هو الذي حوله" والأول أصح. أهـ.
ووجه ضعف سنده أن فيه شريكًا النخعي، وإبراهيم بن المهاجر وهما ضعيفان.
أما "شريك" فقد روى علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد تضعيفه جدًا. وقال ابن المثنى: ما رأيت يحيى ولا عبد الرحمن
стр. 1076
حدثا عن شريك شيئًا. وروى محمد بن يحيى القطان، عن أبيه قال: رأيت تخليطًا في أصول شريك، وقال ابن المبارك: ليس حديثه بشيء. وقال الجوزجاني: سي الحفظ مضطرب الحديث مائل. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ شريك في أربعمائة حديث وقال الدارقطني: ليس شريك بالقوي فيما ينفرد به. وقال عبد الجبار ابن محمد: قلت ليحيى بن سعيد: زعموا أن شريكًا إنما خلط بآخره قال مازال مخلطًا. نقل هذا عن هؤلاء الأئمة الحافظ - الذهبي في "ميزان الاعتدال".
وأما إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي فقد قال العقيلي في "الضعفاء": حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا صالح بن أحمد، قال حدثنا علي، قال قلت ليحيى: إن إسرائيل روى عن إبراهيم بن المهاجر ثلاثمائة حديث. قال: إبراهيم بن المهاجر لم يكن بالقوي، حدثنا محمد، حدثنا صالح، عن علي، قال: سئل يحيى بن سعيد عن إبراهيم بن المهاجر وأبي يحيى القتات فضعفهما. حدثنا عبد الله، قال: سألت أبي عن إبراهيم بن المهاجر، فقال: كان كذا وكذا (١) وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": إبراهيم بن المهاجر الكوفي ليس بالقوي. ونقل الحافظ في "تهذيب التهذيب" عن النسائي: أنه صرح أيضًا في الكنى بأنه ليس بالقوي في الحديث، قال الحافظ: وقال ابن حبان في الضعفاء: هو كثير الخطأ. وقال الحاكم: قلت للدارقطني فإبراهيم بن المهاجر؟ قال: ضعفوه، تكلم فيه يحيى بن
стр. 1077
سعيد وغيره. قلت: بحجة قال: بلى، حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وقد غمزه شعبة أيضًا. قال الحافظ: وقال أبوحاتم: ليس بالقوي، هو وحصين وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، ومحلهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج به. قال: عبد الرحمن بن أبي حاتم قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم. قال: كانوا قومًا لا يحفظون فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطرابًا ما شئت. أهـ ما في "تهذيب التهذيب".
(الثاني) : مما استدل به القائلون بأن موضع مقام إبراهيم ﵇ اليوم هو موضعه في عهد النبوة ما في "مغازي موسى بن عقبة" في سياق خبر فتح مكة بلفظ: وأخر - أي رسول الله ﷺ المقام إلى مقامه اليوم وكان ملتصقًا بالبيت.
والجواب عن هذا أن هذا المنقول عن مغازي موسى بن عقبة يخالف ما تقدم عن عائشة وعروة شيخ موسى بن عقبة ومشائخ ابن جريج، وهو أن أول من حول المقام إلى مقامه اليوم عمر بن الخطاب ﵁؛ ولذلك لم يلتفت الحافظ ابن كثير الذي نقل هذا عن مغازي موسى بن عقبة إليه؛ بل جزم بخلافه.
(الثالث) : مما استدلوا به ما رواه الأزرقي في "تأريخ مكة" قال: حدثني جدي، قال حدثنا عبد الجبار بن الورد، قال سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هذا الذي هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده بمحضر الناس.
стр. 1078
والجواب عنه بأمرين:
"أحدهما": أن راوي هذا عن ابن أبي مليكة عبد الجبار بن الورد، وهو وإن كان ثقة يخالف في بعض حديثه، قال البخاري في "تأريخه الكبير": يخالف في بعض حديثه. واعتمد العقيلي على كلام البخاري هذا فذكره في "الضعفاء" ثم قال: حدثني آدم بن موسى، قال سمعت البخاري قال: عبد الجبار بن الورد المكي يخالف في بعض حديثه. انتهى كلام العقيلي. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" في عبد الجبار بن الورد: صدوق، يتهم.
"الثاني": أن ما قاله ابن أبي مليكة على فرض ثبوته عنه لم يأخذه عن الصحابة فيما يرى المحب الطبري صاحب "القرى" بل إنما فهمه من سياق رواية كثير بن المطلب عن أبيه قصة احتمال سيل أم نهشل المقام. ولا يسعنا مادام الأمر كذلك أن تقدم ذلك الفهم على تصريح أم المؤمنين عائشة ﵂ بأن المقام كان ملصقًا بالبيت في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁ (١) . وكلمة "هو موضعه" التي فهم منها ابن أبي مليكة ذلك يفسرها ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند صحيح عن ابن عيينة أنه قال: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي ﷺ ، فحوله عمر إل مكانه بعد النبي ﷺ . وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه. الحديث المتقدم. فإن هذا يدل على أن الموضع الذي سأل عنه عمر ليرد المقام إليه الموضع الذي وضعه فيه عمر بن الخطاب ﵁ أول مرة؛ لا موضعه في عهد النبوة.
стр. 1079
(الرابع) : مما استدل به القائلون بأن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة ما رواه الأزرقي في "تأريخ مكة" قال: حدثني جدي، قال حدثنا سليم بن مسلم (١) عن ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر. عن عبد الله بن السائب وكان يصلي بأهل مكة، فقال: أنا أول من صلى خلف المقام حين رد في موضعه هذا، ثم دخل عمر وأنا في الصلاة فصلى خلفي صلاة المغرب. ووجه الاستدلال به أن أقول عبد الله بن السائب (حين رد في موضعه) هذا يفهم منه أن له موضعًا قبل التحويل. فيلزم منه أنه موضعه في عهد النبوة.
والجواب عن هذا: أن سياق عبد الرزاق أحسن من سياق سليم ابن مسلم: فقد قال عبد الرزاق في "مصنفه": عن ابن جريج، عن محمد بن عياد بن جعفر وعمر بن عبد الله بن صفوان وغيرهما: أن عمر قدم فنزل في دار ابن سباع، فقال يا أبا عبد الرحمن: صل بالناس المغرب، فصليت وراءه، وكنت أول من صلى وراءه حين وضع، ثم قال: فأحسست عمر وقد صليت ركعة فصلى ورائي ما بقي. أهـ. فكلمة (حين وضع) في رواية عبد الرزاق هذه هي التي غيرها سليم بن مسلم بقوله: (حين رد في موضعه هذا) . وسليم بن مسلم غير مأمون على عقيدته ولا على الحديث كما بينه الأئمة. قال العقيلي في "الضعفاء": حدثنا محمد، قال حدثنا عباس، قال سمعت يحيى ذكر سليم بن مسلم المكي، فقال: كان ينزل مكة، وكان جهميًا خبيثْا. وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": سليم
стр. 1080
ابن مسلم الخشاب متروك الحديث. أهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان": سليم بن مسلم المكي الخشاب الكاتب عن ابن جريج، قال ابن معين: جهمي خبيث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أحمد: لا يساوي حديثه شيئًا. قال الحافظ وقال أبوحاتم في ترجمة سليم: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بقوي. وقال مرة: متروك. أهـ المراد من كلام الحافظ في "لسان الميزان".
(الخامس) : مما استدلوا به ما ذكره الأزرقي في "تأريخ مكة" بعد ما ساق حديث صلاة النبي ﷺ يوم الفتح في وجه الكعبة حذر الطرقة البيضاء. روى عن جده أنه قال: قال داود: وكان ابن جريج يشير لنا إلى هذا الموضع، ويقول: هذا الموضع الذي صلى فيه النبي ﷺ ، وهو الموضع الذي جعل فيه المقام حين ذهب به سيل أم نهشل إلى أن قدم عمر بن الخطاب ﵁ فرده إلى موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وفي عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وبعض خلافة عمر ﵁ إلى أن ذهب به السيل.
والجواب عن هذا أن ما ذكره الأزرقي عن ابن جريج يخالف ما صح عن مشايخ ابن جريج عطاء وغيره من رواية ابن جريج عنهم، فقد تقدم أن عبد الرزاق روى في "مصنفه" بسند صحيح أنهم قالوا: إن عمر أول من رفع المقام فوضعه موضعه الآن (١) .
стр. 1081
(السادس) : مما استدلوا به ما رواه الأزرقي في "تأريخ مكة" قال: حدثني جدي، حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب ابن أبي وداعة السهمي، عن أبيه (١) عن جده، قال: كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة الكبير قبل أن يردم عمر بن الخطاب الردم الأعلى، وكان يقال لهذا الباب باب السيل، قال فكانت السيول ربما دفعت المقام عن موضعه وربما نحته إلى وجه الكعبة، حتى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ يقال له سيل أم نهشل، وإنما سمي بأم نهشل أنه ذهب بأم نهشل إبنة عبيدة بن أبي أحيحة سعيد ابن العاص فماتت فيه، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتى وجد بأسفل مكة، فأتى به فربطه إلى أستار الكعبة في وجهها، وكتب في ذلك إلى عمر ﵁، فأقبل عمر فزعًا فدخل بعمرة في شهر رمضان وقد غبي موضعه وعفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال أنشد الله عبدًا عنده علم في هذا المقام، فقال المطلب (٢)
بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك، فقد كنت أخشى عليه، فأخذت قدره من موضعه إلى الركن، ومن موضعه إلى
стр. 1082
باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط وهو عندي في البيت.
فقال له عمر: فاجلس عندي وأرسل إليها، وأتي بها، فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس وشاورهم، فقالوا نعم هذا موضعه، فلما استثبت ذلك عمر ﵁ وحق عنده أمر به فاعلم ببناء ربضه تحت المقام ثم حوله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم. أهـ.
والجواب عنه أن المراد بالموضع المذكور في هذا الخبر الموضع الذي وضعه فيه عمر بن الخطاب ﵁ أول مرة، وهو الذي سأل عنه ليضعه فيه المرة الثانية، بدليل رواية ابن أبي حاتم المتقدمة عن أبيه، عن ابن أبي عمر العدني، عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي ﷺ فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) الآية: قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه - الخبر المتقدم.
(السابع) : مما استدلوا به ما رواه الأزرقي في "أخبار مكة" قال: حدثني ابن أبي عمر، قال حدثنا ابن عيينة، عن حبيب بن أبي الأشرس، قال: كان سيل أم نهشل قبل أن يعمل عمر الردم بأعلى مكة، فاحتمل المقام من مكانه فلم يدر أين موضعه، فلما قدم عمر بن الخطاب ﵁ سأل من يعلم موضعه، فقال المطلب ابن أبي وداعة أنا يا أمير المؤمنين قد كنت قدرته وذرعته بمقاط وتخوفت عليه هذا من الحجر إليه، ومن الركن إليه، ومن وجه
стр. 1083
الكعبة إليه، فقال: إيت به، فجاء به فوضعه في موضعه هذا، وعمل عمر الردم عند ذلك. قال سفيان: فذلك الذي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه أن المقام كان عند سقع البيت، فأما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن، وأما ما يقول الناس إنه كان هناك موضعه فلا. قال سفيان: وقد ذكر عمرو بن دينار نحوًا من حديث ابن أبي الأشرس هذا لا أميز أحدهما عن صاحبه.
والجواب عن هذا: أن ما ذكره ابن أبي الأشرس وذكر عمرو بن دينار نحوه من سؤال عمر عن موضع المقام لا يدل على أن مراد عمر موضع المقام في عهد الرسول ﷺ ؟ بل الذي دلت عليه رواية ابن أبي حاتم المتقدمة عن سفيان بن عيينة أن سؤال عمر ﵁ إنما هو عن الموضع الذي وضعه فيه أول مرة ليضعه فيه المرة الثانية.
مع أن أمر حبيب بن أبي الأشرس هين؛ لأنه لا يحتج به. قال البخاري في "التأريخ الصغير": قال: أحمد: متروك. وقال في "الضعفاء الصغير": منكر الحديث. وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": حبيب بن حسان وهو حبيب بن أبي الأشرس كوفي متروك الحديث. قال العقيلي في "الضعفاء": حدثنا محمد بن زكريا، قال حدثنا محمد بن المثنى، قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عن سفيان عن حبيب بن حسان بن أبي الأشرس شيئًا. حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا عباس بن محمد، قال: سمعت يحيى بن معين، قال: حبيب بن أبي الأشرس كوفي، ليس حديثه بشيء، وقال في موضع آخر: حبيب بن حسان ليس بثقة،
стр. 1084
وكانت له جاريتان نصرانيتان فكان يذهب معهما إلى البيعة. وقال في موضع آخر. حبيب بن حسان بن الأشرس هو حبيب بن هلال، ليس بشيء. حدثنا الخضر بن داود، قال حدثني أحمد بن محمد ابن هانيء، قال سألت أبا عبد الله وذكر حبيب بن حسان فقال: متروك الحديث. حدثني آدم بن موسى، قال سمعت البخاري قال: حبيب بن حسان الكوفي هو حبيب بن أبي الأشرس منكر الحديث. أهـ كلام العقيلي. وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": قريء على العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حبيب بن حسان بن أبي الأشرس وهو حبيب بن هلال روى عنه مروان الفزاري وليس بثقة، وقال: سمعت أبي يقول: حبيب بن حسان موجه صالح البغدادي وليس بقوي, منكر الحديث أحيانًا. أهـ وقال ابن حبان في "كتاب المجروحين" في حبيب بن أبي الأشرس: منكر الحديث جدًا، وكان قد عشق امرأة نصرانية، وقد قيل أنه تنصر وتزوج بها، وأما اختلافه على البيعة من أجلها فصحيح. مكحول سمعت جعفر بن أبان يقول: سئل يحيى بن معين وأنا شاهد عن حبيب بن حسان، فقال: ليس بثقة، كان يذهب مع جاريتين له إلى البيعة. أهـ. وفي "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة حبيب بن أبي الأشرس، قال أبوداود: ليس حديثه بشيء، روى عنه سفيان ولا يصرح به.
وقال أبوبكر ابن عباس: لو عرف الناس حبيب بن حسان لضربوا على بابه الختم. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبوأحمد الحاكم. ذاهب الحديث. أهـ.
وأما رواية الأزرقي عن عروة أنه قال: فأما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن. الخ.
стр. 1085
فيعارضها ما روى عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر، عن هشام ابن عروة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر بعض خلافته كانوا يصلون سقع البيت، حتى صلى عمر خلف المقام، وما روى ابن أبي زرعة، عن أبي ثابت، عن عبد العزيز الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه. أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁. ولاشك في أنه إذا وقع التعارض بين رواية أبي الوليد الأزرقي مؤرخ مكة وبين روايتي عبد الرزاق وابن أبي حاتم تقدم رواية عبد الرزاق وابن أبي حاتم على رواية أبي الوليد الأزرقي مؤرخ مكة؛ لأنهما يحملان شهادات أئمة الحديث في زمانهما بالإمامة في الحديث. وأما أبوالوليد الأزرقي مؤرخ مكة. فلم نر شهادة أي معاصر له، ولم يرها قبلنا الفاسي على سعة اطلاعه، ولذلك يقول في "العقد الثمين": لم أر من ترجمة، وإني لأعجب من ذلك. وأما الذين لم يعاصروه فأقدم من رأيناه تعرض له منهم ابن النديم صاحب "الفهرست" قال فيه بعد ذكر نسبه: أحد الأخباريين وأصحاب السير، وله من الكتب "كتاب مكة" وأخبارها وجبالها وأوديتها كتاب كبير. أهـ. وهذا لا يغني شيئًا؛ لأمرين:
"أحدهما": أن الغالب على الأخباريين والسيريين عدم الاعتناء بالروايات، وفي ذلك يقول الحافظ العراقي في "ألفية السيرة":
وليعلم الطالب أن السيرا ... تجمع ما صح وما قد أنكرا
"الثاني": أن "ابن النديم" قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": هو غير موثوق به، ومصنفه المذكور يعني "الفهرست"
стр. 1086
ينادي على مصنفه بالاعتزال والزيغ، نسأل الله السلامة، ثم قال الحافظ: لما طلعت كتابه ظهر لي أنه رافضي معتزلي؛ فإنه يسمى أهل السنة الحشوبة، ويسمى الأشاعرة المجبرة، ويسمى كل من لم يكن شيعيًا عاميًا، وذكر في ترجمة الشافعي شيئًا مختلقًا ظاهر الافتراء. أهـ. ومراد الحافظ بذلك الشيء المختلق الظاهر الافتراء قول ابن النديم في "الفهرست" ص٢٩٤-٢٩٥: بخطه يعني أبا القاسم الحجازي أيضًا: قرأت، قال ظهر رجل من بني أبي لهب بناحية المغرب، فحمل إلى هارون الرشيد ومعه الشافعي، فقال الرشيد للهبي: سمت بك نفسك إلى هذا. قال: وأي الرجلين كان أعلى ذكرًا وأعظم قدرًا جدي أم جدك، أنت ليس تعرف قصة جدك وما كان من أمره، وأسمعه كل ما كره لأنه استيل. قال فأمر بحبسه، ثم قال للشافعي: ما حملك على الخروج معه، قال: أنا رجل أملقت وخرجت أضرب في البلاد طلبًا للفضل، فصحبته لذلك، فاستوهبه الفضل بن الربيع فوهبه، فأقام بمدينة السلام مدة، فحدثنا محمد ابن شجاع الثلجي قال كان يمر بنا في زي المغنين على حمار وعليه رداءً محشًا وشعره مجعد. ثم وصف ابن النديم الشافعي بشدة التشيع، وذكر حكاية عن آخرين من نوع الإفتراء الذي ذكر أولا.
ثم بعد ابن النديم الحافظ عبد الكريم بن محمد السمعاني صاحب كتاب "الأنساب" قال في "الأنساب": الأزرقي هو أبوالوليد محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي صاحب كتاب "أخبار مكة" وأحسن في تصنيف ذلك الكتاب غاية الإحسان، روى عن جده ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني وغيرهما، روى عنه
стр. 1087
أبو محمد إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعي أهـ. وليس في هذا كبير فائدة من ناحية ترجمة أبي الوليد الأزرقي؛ لأن في إمكان كل من نظر في كتابه "أخبار مكة" أن يتحصل على مشايخه وعلى من روى ذلك الكتاب عنه؛ لأن جميع ذلك موجود في أخبار مكة، ومجرد كلمة روى فلان عن فلان، وروى عنه فلان، وأخرج له فلان: لا يروي الغلة، ولا يشفي العلة، كما بينها الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة كتابه: "تهذيب التهذيب".
وأما ثناء السمعاني على كتاب "أخبار مكة" فلا يوصله إلى درجة تقديم ما فيه على ما في مصنفات الإمامين الشهيرين: عبد الرزاق وابن أبي حاتم.
ثم بعد ابن السمعاني الإمام النووي قال في الكلام على حجر إسماعيل ﵇: قد وصفه الإمام أبوالوليد الأزرق في "تاريخ مكة" فأحسن وأجاد. وقد بحثنا عن قول النووي هذا فوجدناه يعتقد في مؤرخ مكة أنه هو جده الإمام أحمد بن محمد ابن الوليد الأزرقي، بدليل قوله في "المجموع" ج٧ ص٤٦٤ بعد ذكر حدود الحرم: هكذا ذكر هذه الحدود أبوالوليد الأزرقي (١) في كتاب مكة، وأبوالوليد هذا أحد أصحاب الشافعي الآخذين عنه الذين رووا عنه الحديث والفقه. وقد نبه العلامة الفاسي في "العقد
стр. 1088
الثمين" على وهم الإمام النووي في هذا، قال: وهم النووي في قوله في "شرح المهذب" بعد أن ذكر في حدود الحرم نقلا عن "أبي الوليد الأزرقي" هذا: أنه أخذ عن الشافعي وصحبه وروي عنه، وإنما كان ذلك وهمًا لأمرين. أحدهما أن الذين صنفوا في طبقات الفقهاء الشافعية لم يذكروا في أصحاب الشافعي إلا أحمد بن محمد بن الوليد جد أبي الوليد هذا. والأمر الثاني أو أن أبا الوليد هذا روى عن الإمام الشافعي لأخرج عنه في تاريخه، لما له من الجلالة والعظمة كما أخرج عن جده وابن أبي عمر العدني وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم الإمام الشافعي. ثم قال الفاسي: والسبب الذي أوقع النووي في هذا الوهم أن أحمد الأزرقي جد أبي الوليد هذا يكنى بأبي الوليد فظنه النووي هو، والله أعلم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكلام النووي فإنه ممن يعتمد عليه، وهذا مما لا ريب فيه. أهـ المراد من كلام الفاسي.
وأما تأريخ وفاة مؤرخ مكة الأزرقي فقد بيض السمعاني في الأنساب لما بعد المائتين منها، وتعرض لتاريخ وفاته بعده محمد بن عمر بن عزم التونسي، وصاحب كشف الظنون، وصاحب هداية العارفين؛ لكن أخطأوا فيها، وبيان ذلك فيما يلي:
أما محمد بن عمرو بن عزم فيقول في "دستور الأعلام بمعارف الأعلام": الأزرقي إلى جده الأزرق صاحب "تاريخ مكة" محمد ابن عبد الله بن أحمد سنة مائتين وأربع، وجده أحمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق بن عمر بن الحارث بن أبي شمر الغساني المكي، روى
стр. 1089
عن سفيان بن عيينة وداود بن عبد الرحمن العطار، وروى عنه حفيده سنة مائتين واثنى عشر. أهـ. وهذا غير صحيح: لا من ناحية الجد، ولا من ناحية الحفيد. أما الجد فلأنه حدث بواقعة بعد تاريخ مائتين واثنى عشر، ففي الجزء الأول من تاريخ الحفيد ص١٩٤ ما نصه: قال أبو الوليد: قال قال جدي: أول من أثقب النفاطات بين الصفا والمروة في ليالي الحج وبين المأزمين - ماء زمي عرفة - أمير المؤمنين إسحاق المعتصم بالله طاهر بن عبد الله ابن طاهر سنة تسع عشرة ومائتين فجرى ذلك إلى اليوم (١) أهـ. وأما الحفيد مؤرخ مكة فقد وجدناه حدث بحادث سنة ثلاث وأربعين ومائتين، ففي الجزء الأول من تاريخه ص١٧١ ما نصه: قال أبوالوليد: أمر أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله بإذالة (٢) القميص القباطي حتى بلغ الشاذروان الذي تحت الكعبة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين. أهـ.
وأما صاحب "كشف الظنون" فقد قال في الكلام على تواريخ مسكة: الإمام أبوالوليد محمد بن عبد الكريم المتوفي سنة ثلاث وعشرين مائتين. أهـ. وهذا غلط في اسم والد مؤرخ مكة؛ فإن اسمه عبد الله، لا عبد الكريم، وغلط في تأريخ وفاته، لما تقدم في الرد على التونسي.
وقد تبع صاحب "كشف الظنون" في الغلط التأريخي إسماعيل في "هداية العارفين". وتنبه الكناني لغلط صاحب "كشف الظنون"
стр. 1090
في تأريخ وفاة أبي الوليد الأزرق: ذكر عنه في الرسالة المستطرفة أنه أرخ وفاته بسنة ثلاث وعشرين ومائتين، ثم قال: لكن جده - أي جد أبي الوليد - أحمد المذكور ذكر في "التقريب" أنه توفي سنة سبع عشرة، وقيل إثنتين وعشرين ومائتين. فيبعد عليه أن يكون حفيده مؤرخ مكة توفي في السنة المذكورة، أو لا يصح ذلك بالكلية ولم يذكر الكناني من ناحية الأزرقي شيئًا يجدي.
لماذا أخر عمر بن الخطاب المقام
علل تأخير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ المقام بأربعة أشياء، نذكرها مع الكلام عليها:
١- خشية عمر لما كثر الناس أن يطئوه بأقدامهم، لما رواه الفاكهي كما في "شفاء الغرام" ج١ ص٣٠٧ قال: حدثنا الزبير ابن أبي بكر، قال حدثنا يحيى بن محمد بن ثوبان، عن سليم، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنه قال: كان المقام في وجه الكعبة، وإنما قام إبراهيم عليه حين ارتفع البيت فأراد أن يشرف على البناء، قال: فلما كثر الناس خشي عمر بن الخطاب أن يطئوه بأقدامهم فأخره إلى موضعه الذي هو به اليوم حذاء موضعه الذي كان قدام الكعبة. أهـ.
وهذا في سنده سليم بن مسلم الراوي عن ابن جريج، وقد تقدم أنه جهمي خبيث متروك الحديث.
٢- مما علل تأخير عمر بن الخطاب ﵁ مقام إبراهيم ﵇ عن موضعه الأول رده إلى الموضع الذي كان فيه في عهد النبوة. وقد بينا فيما تقدم أن صريح ما يستند إليه هذا التعليل