الطواف) ثم رواه من طريق وكيع عن محمد بن ثابت العبدي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ قدم فطاف بالبيت ثم صلى ركعتين قال وكيع: يعني عند المقام ثم خرج إلى الصفا". ومع هذا فحمل صاحب النقض صلاة النبي ﷺ الركعتين خلف المقام على أن ذلك وقع منه اتفاقًا قبل المشروعية ينافي قول صاحب النقض نفسه ص٤٦ (إنه ﷺ لا يفعل شيئًا من التشريع إلا بأمر الله؛ لأن الله يقول في كتابه: (قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي) .
ولو تمسك بكلامه هذا كان خيرًا له من حمل الأحاديث على غير محملها.
وأما صلاة النبي ﷺ خلف مقام إبراهيم قبل حجة الوداع فأمر ثبتت به روايات كثيرة:
١- عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين خلف المقام يعني يوم الفتح" أخرجه أبوداود.
٢- عن عبد الله بن أبي أوفى "أن رسول الله ﷺ اعتمر فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين" أخرجه البخاري وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وهذه العمرة التي ذكرها ابن أبي أوفى عمرة القضية كما في "فتح الباري - في المغازي" واستدل الحافظ لذلك بما روى الإسماعيلي في مستخرجه من طريق ابن أبي عمر العدني، عن سفيان، عن إسماعيل بن خالد، سمع ابن أبي أوفى يقول: "لما قدم رسول الله ﷺ مكة
стр. 1122
طاف بالبيت في عمرة القضية فكنا نستره من السفهاء والصبيان مخافة أن يؤذوه".
٣- عن جابر قال: "لما وقف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم قال له عمر يا رسول الله هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال نعم" أخرجه ابن ماجه وابن أبي حاتم وابن مردويه. ومن طريق ابن مردويه رواه الحافظ ابن كثير في تفسيره، ونقله عنه صاحب النقض ص٣٨، ٣٩.
٤- عن مشائخ ابن سعد في سياق فتح مكة ما لفظه: "وطاف رسول الله ﷺ بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) فيقع الصنم لوجهه، وكان أعظمها هبل وهو وجاه الكعبة. ثم جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلى خلفه ركعتين" رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى.
وأما قول صاحب النقض: بأن تحويل مقام إبراهيم ﵇ إنما كان في حجة الوداع، وفيها شرعت الصلاة خلفه. فيخالف من ناحية تأريخ التحويل ما في نقضه ص٤ عن موسى بن عقبة، أن النبي ﷺ هو الذي أخر المقام يوم الفتح. ولاشك أن فتح مكة قبل حجة الوداع، كما يخالف من ناحية تأريخ مشروعية الصلاة خلف المقام ما نقله صاحب النقض ص٤١، ٤٢ عن "شفاء الغرام" ولفظه: وذكر الفقيه محمد بن سراقة العامري
стр. 1123
في كتابه "دلائل القبلة" في موضع المقام عند الكعبة -: ومن الباب يعني باب البيت إلى مصلى آدم ﵇ حين فرغ من طوافه وأنزل الله عليه التوبة وهو موضع الخلوق من إزار الكعبة أرجح من تسعة أذرع، وهناك كان موضع مقام إبراهيم ﵇، وصلى النبي ﷺ عنده حين فرغ من طوافه ركعتين، وأنزل الله عليه (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ثم نقله ﷺ إلى الموضع الذي هو فيه الآن، وذلك على عشرين ذراعًا من الكعبة. أهـ. ففي هذه العبارة التي استدل بها صاحب النقض على أن النبي ﷺ وهو أول من حول المقام من موضعه الأول إلى موضعه اليوم دليل على أنه صلى خلف المقام ركعتين قبل النقل.
هذا وهدفنا من الاستدلال بهذه العبارة إثبات تناقض صاحب النقض، وإلا فغير خاف علينا مخالفة ما فيها لما ثبت بأسانيد قوية عن عائشة أم المؤمنين وأصحاب ابن جريج وعطاء وغيره ومجاهد وسفيان بن عيينة وبعض مشائخ مالك وابن سعد والواقدي وغيرهم من أن أول من أخر المقام إلى موضعه اليوم عمر بن الخطاب ﵁، ولم تصح الرواية عن السلف بما يخالف ذلك.
"الحديث الثاني": من الحديثين الذين حملهما صاحب النقض على غير محملهما حديث عائشة عند البيهقي المتقدم "أن المقام كان زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر ﵁" ثم زعم صاحب النقض أن هذا الحديث لم يصح إلا من كلام عروة؛ استناداً
стр. 1124
لما قدمناه الرد عليه من ناحية السند، وحمله على أساس دعواه أنه من كلام عروة على أن مراد عروة يكون المقام عند سقع البيت وضعه عنده بعد أن حمله السيل إلى أن قدم عمر ﵁ من المدينة فرده إلى موضعه. قال: فعلم بهذا أنه لا خلاف بين ما قاله عروة وما رواه غيره في موضع المقام، وأن من نسب إليه خلاف هذا فقد غلط. وهذا الذي حمل عليه حديث البيهقي المذكور على فرض أنه من كلام عروة يمنعه سياق الحديث؛ فإن لفظه هكذا "أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁" فقوله "زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر" صريح في خلاف ما زعمه صاحب النقض.
فصل: فيما ادعى فيه الشذوذ من الروايات، والجواب عنه
إدعى صاحب النقض الشذوذ في روايتين من نصوص المقام:
"أولاهما": رواية الفاكهي عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس في سياق قصة بناء إبراهيم الخليل ﵇ البيت بلفظ "فلما بلغ - أي إبراهيم ﵇ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقًا بالبيت". إدعى صاحب النقض شذوذ قوله "فجعله لاصقًا بالبيت" وعلل ذلك ص٦٠، ٦١ (بأن عثمان بن أبي سليمان تفرد بهذه الزيادة عمن كان معه حينما حدثهم سعيد بن جبير وهم كثير من كثير وعبد الرحمن بن أبي حسين وغيرهما، قال: فهذا مما يدل
стр. 1125
على شذوذها، وذكر أن هذه الزيادة - يعني رواية عثمان المذكورة - ليست في رواية البخاري المعلقة والموقوفة، ولا ذكرها الأزرقي، وإنما ذكرها صاحب الفتح في رواية الفاكهي، وعارض صاحب النقض ص٦٠ رواية عثمان بن أبي سليمان المذكورة بقول الفاسي في "شفاء الغرام": موضع المقام الآن هو موضعه في عهد إبراهيم الخليل ﵇ من غير خلاف علم في ذلك) وأضاف صاحب النقض إلى كلامه في هذا الحديث انتقاده على المعلمي ترضيه على عثمان بن أبي سليمان مادام تابعيًا، وذكر أن الترضي عنه يوهم كونه صحابيًا، والجواب عن جميع ما ذكره بما يلي:
أما عدم ذكر غير عثمان بن أبي سليمان هذه الزيادة فلا يصيرها شاذة مادامت لم تتناف مع روايات أخر قوية، ولا مع المزيد عليه، وما كان من أنواع الزيادة كذلك يجب قبوله كما بينه أئمة العلم، ومثل له السيوطي في "تدريب الراوي" بزيادة إبراهيم بن موسى في حديث علي أن "العين وكاء اله" زاد إبراهيم بن موسى "فمن نام فليتوضأ". وقد روى أبوالجهم مثل ما روى عثمان بن أبي سليمان ففي "كتاب الاكتفاء في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء" للإمام الحافظ أبي الربيع سليمان بن سالم المشهور بالكلاعي أن أبا الجهم قال في روايته لبناء البيت: "لما فرغ إبراهيم بن بناء البيت وأدخل الحجر في البيت جعل المقام لاصقًا بالبيت عن يمين الداخل". ويضاف إلى هذا أن زيادة عثمان بن أبي سليمان من ضمن زيادات فتح الباري على نص البخاري التي اشترط الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمته أن تكون صحيحة أو حسنة قال في "مقدمة
стр. 1126
فتح الباري" ج١ ص٣ بعد ذكر فصول مقدمته: (فإذا تحررت هذه الفصول، وتقررت هذه الأصول، افتتحت شرح الكتاب - يعني البخاري - مستعينًا بالفتاح الوهاب، فأسوق إن شاء الله الباب وحديثه أولا - ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم استخرج ثانيًا ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية: من تتمات، وزيادات، وكشف غامض، وتصريح مدلس بسماع، ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كل ذلك من أمهات المساند والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد، بشرط الصحة والحسن فيما أورده من ذلك. أهـ المراد من نص مقدمة "فتح الباري".
وأما قول الفاسي في "شفاء الغرام": موضع المقام الآن هو موضعه في عهد إبراهيم الخليل ﵇ من غير خلاف علم في ذلك) فمردود بالروايتين المذكورتين عن عثمان بن أبي سليمان وأبي الجهم إن كانت العبارة (من غير خلاف علم) بصيغة الماضي المبني للمجهول من العلم، وإن كانت العبارة ما وجدناه في "مراة الحرمين" بلفظ: (من غير خلاف أعلمه) بصيغة المضارع فالأمر هين، لأن نفي العلم بالشيء لا يستلزم عدمه.
وأما انتقاد صاحب النقض ترضي المعلمي عن عثمان الراوي لهذه الرواية، ودعواه إن ذلك يوهم كونه صحابيًا. فإنما نشأ من اعتقاد تخصيص الترضي بالصحابة، وهو خلاف ما عليه المحققون من أهل العلم، قال النووي في "الأذكار": يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار،
стр. 1127
فيقال: ﵁، أو ﵀، ونحو ذلك. وأما ما قاله بعض العلماء: إن قوله: ﵁ مخصوص بالصحابة، ويقال في غيرهم ﵀ فقط. فليس كما قال، ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه، ودلائله أكثر من أن تنحصر. أهـ. وفي "شرح ألفية العراقي" و "تدريب الراوي" ما نصه: قد روى الخطيب أن الربيع بن سليمان قال له القاريء يومًا: حدثكم الشافعي. ولم يقل: ﵁. فقال الربيع: ولا حرف حتى يقال ﵁. أهـ.
"الرواية الثانية" من الروايتين اللتين ادعى صاحب النقض فيهما الشذوذ رواية النسائي المتقدمة عن أسامة بن زيد، قال "دخل رسول الله ﷺ الكعبة فسبح في نواحيها وكبر ولم يصل ثم خرج فصلى خلف المقام ركعتين". كان مما علل به صاحب النقض هذا الحديث دعوى الشذوذ فيه، قال في ص١٣٧: (إن رواية النسائي هذه مخالفة لما ثبت في الروايات الصحيحة في موضع صلاته ﷺ بعد خروجه من البيت، ففي بعضها "أنه صلى في وجه الكعبة" وفي بعضها "أنه صلى في قبل الكعبة" وفي بعضها "أنه صلى عند باب الكعبة" وفي بعضها "أنه صلى مستقبل وجه الكعبة" وفي بعضها "أنه صلى في قبل البيت" وليس في شيء مما وقفت عليه من الروايات التي ذكرت فيها صلاته ﷺ وبعد خروجه من البيت أنها كانت خلف المقام سوى رواية النسائي هذه، وهذا مما يدل على شذوذها وحصول الوهم فيها وأن المحفوظ ما في أكثر الروايات
стр. 1128
من أن صلاته ﷺ بعد خروجه من البيت كانت في وجه الكعبة، ولم تكن خلف المقام) .
هذا ما ذكره صاحب النقض. وهو غير صحيح كما يعلم من كلام الفاسي في "شفاء الغرام" ج١ ص٢٢١ حيث ذكر رواية حديث أسامة "أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع قبل البيت ركعتين وقال: هذه القبلة" وذكر بجنبها رواية النسائي التي فيها "أن النبي ﷺ سبح في نواحي البيت وكبر ولم يصل ثم خرج وصلى خلف المقام ركعتين ثم قال هذه القبلة". ثم لا منافاة بين قول أسامة في الحديث الأول "ركع قبل البيت" وبين قوله في الحديث الثاني "وصلى خلف المقام ركعتين" لأن المقام كان في وجه الكعبة على ما ذكره ابن عقبة في "مغازيه" وغيره، فيكون قوله "صلى خلف المقام" مفسرًا لقوله: "ركع قبل البيت" لينتفي التعارض بين حديثيه، وهذا أولى من حمل قوله على أنه صلى خلف المقام في موضعه اليوم؛ لأنه إذا حمل على ذلك يفهم منه التناقض.
ثم ذكر الفاسي ص٢٢١ حديث ابن السائب عند الأزرقي أن النبي ﷺ صلى يوم الفتح في وجه الكعبة حذو الطرقة البيضاء ثم رفع يديه فقال هذه القبلة. قال الفاسي: إذا كان حديث ابن السائ يقتضي أن النبي ﷺ صلى عند الكعبة في يوم فتح مكة وقال هذه القبلة، واقتضى ذلك حديث أسامة، ففي ذلك دليل على اتحاد المصلى الذي ذكره أسامة وابن السائب) . أهـ كلام الفاسي. ومفاده أن "خلف المقام"
стр. 1129
و "قبل البيت" و "وجه الكعبة" كل هذه الألفاظ بمعنى واحد. ومادام الأمر كذلك فأمر باقي الروايات سهل؛ لأن معناها يرجع إلى هذه التي ذكرها الفاسي، وبهذا تبين أن لا تنافي بين رواية النسائي وبين غيرها من الروايات، ولا شذوذ.
فصل
في ذكر ما عزاه إلى بعض السلف في تفسير المقام والجواب عنه
قال صاحب النقض ص١٨٤: قد ذهب غير واحد من السلف إلى أن المقام المأمور باتخاذه مصلى الذي خلف المقام، ورجح هذا القول إمام المفسرين أبوجعفر محمد بن جرير الطبري ﵀، وقال: إنه أولى الأقوال عندنا بالصواب. وبنى صاحب النقض على هذا الذي زعم أنه مذهب غير واحد من السلف، وادعى أن ابن جرير رجحه. بنى عليه أن حكم الصلاة متعلق بالبقعة التي خلف المقام في موضعه اليوم لا بالمقام، بحيث لو نقل عن موضعه إلى موضع آخر تعينت الصلاة في ذلك الموضع الأول.
أقول: لم يذهب أحد من السلف إلى أن المقام هو البقعة التي خلف المقام، ودعوى ترجيح ابن جرير ذلك باطلة؛ فإن ابن جرير استعرض في تفسيره من أقوال السلف في المقام ما يلي:
أولا: أنه الحج كله.
ثانيًا: أنه عرفة - ومزدلفة - والجمار.
ثالثًا: أنه الحرم.
رابعًا: أنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناء البيت وضعف عن رفع الحجارة.
стр. 1130
خامسًا: أنه المقام المعروف بهذا الإسم الذي هو في المسجد الحرام.
هذه الأقوال التي استعرضها ابن جرير في تفسيره ثم قال: (أولى الأقوال بالصواب عندنا ما قاله القائلون: إن مقام إبراهيم هو المقام المعروف بهذا الإسم، الذي هو في المسجد الحرام؛ لما روينا آنفًا عن عمر بن الخطاب (١) ولما حدثنا يوسف بن سليمان، ثنا حاتم بن إسماعيل، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: "استلم رسول الله ﷺ الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا ثم تقدم إلى المقام فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بيبه وبين البيت فصلى ركعتين" فهذان الخبران ينبئان أن الله تعالى ذكره إنما عنى بمقام إبراهيم الذي أمرنا الله باتخاذه مصلى هو الذي وصفنا، ولو لم يكن على صحة ما اخترنا في تأويل ذلك خبر عن رسول الله ﷺ لكان الواجب من القول ما قلنا، وذلك أن الكلام محمول معناه على ظاهره المعروف دون باطنه المجهول، حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك مما يجب التسليم له) . هذه عبارة ابن جرير.
ولكن هناك عبارة فيها خلل في النسخ التي وقفنا عليها، وهي التي اغتر بها صاحب النقض، نصها بعد ما تقدم هكذا: (ولاشك أن المعروف في الناس بمقام إبراهيم هو المصلى الذي قال الله تعالى ذكره (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فإن أهل التأويل مختلفون في معناه: فقال بعضهم: هو المدعى إلخ ... ولاشك عند كل من
стр. 1131
نظر في هذه العبارة أن فيها خللا، ولعل صوابها هكذا: ولاشك أن المعروف بهذا الاسم هو إما المصلى الذي قال الله تعالى ذكره: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فإن أهل التأويل مختلفون في معناه. فبهذا يرتبط الكلام معنى ولفظًا.
ويدل على ما ذكرنا قول ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) ما نصه: وأما اختلاف أهل التأويل في مقام إبراهيم فقد ذكرناه في سورة البقرة، وبينا أولى الأقوال بالصواب هناك، وأنه عندنا المقام المعروف به. فتأويل الآية يعني قوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم) أن أول بيت وضع للناس مباركًا وهدى للعالمين الذي ببكة، فيه علامات بينات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم منهن أثر قدم خليله إبراهيم ﷺ في الحجر الذي قام عليه. أهـ. فهذا نص صريح بأن أولى الأقوال بالصواب عند ابن جرير أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه، لا نفس البقعة التي خلف الحجر.
وأما فتوى صاحب النقض بأن حكم الصلاة إنما يتعلق بنفس البقعة لا بالمقام. ففي غاية المخالفة لعمل الصحابة حين نقل عمر ابن الخطاب ﵁ المقام عن موضعه في عهد النبوة إلى موضعه الذي هو فيه اليوم.
стр. 1132
فصل في رد عواه اتفاق الروايات على أن أول من حول المقام النبي ﷺ
قال صاحب النقض ص١٣٦: اتفقت الروايات على تحويل النبي ﷺ للمقام، وأن هذا موضع المقام في زمن النبوة. وفي ص١٦٨ (أن تحويل النبي ﷺ للمقام من تحت البيت إلى مكانه اليوم ثابت بنقل الثقات، وهذا أمر لا يقبل الشك والارتياب عند من أنصف، وقد وضحنا جميع ذلك بشواهده فيما تقدم) وفي ص١٧٥ (قد قامت الأدلة المتظاهرة على تحويل النبي ﷺ للمقام، وعلى أن هذا موضعه في زمن النبوة، ولما نقله السيل منه رده عمر إليه وثبته فيه، ومع تظافر الأدلة على هذا وتعاضدها هل يبقى للشك في هذا مجال ولمن أنكر ذلك إلا العناد والشقاق، وقد توعد تعالى من فعل ذلك بقوله: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) هذا نص نقض المباني. وجميعه مردود:
أما دعوى صاحب النقض أنه أوضح في رسالته اتفاق الروايات على تحويل النبي ﷺ للمقام بنقل الثقات. فغير صحيحة؛ فإنه لم يذكر مما يصرح بتحويل النبي ﷺ لمقام إبراهيم ﵇ غير روايتين:
"أحدهما": عن مجاهد عند ابن مردويه وابن أبي داود أنه قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام فأنزل الله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله ﷺ إلى
стр. 1133
مقامه هذا" وهذه الرواية ضعفها الحافظان ابن كثير في تفسيره، وابن حجر في "فتح الباري" وبينا أنها مخالفة لما صح عن مجاهد قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) من تفسيره بعد ذكره هذا الأثر عن مجاهد: (هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم عن رواية عبد الرزاق عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا صح من طريق ابن مردوية مع اعتضاد هذا بما تقدم) يعني ابن كثير بما تقدم ذكره قبل ذلك من الآثار؛ فإنه قال: قال الحافظ أبوبكر أحمد بن علي ابن الحسين البيهقي: أخبرنا أبوالحسين بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبوبكر أحمد بن كامل، حدثنا أبواسماعيل محمد ابن اسماعيل السلمي، حدثنا أبوثابت، حدثنا الدراوردي، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ "أن المقام كان زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁" قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح. ثم قال: وقال ابن أبي حاتم أخبرنا أبي، أخبرنا ابن أبي عمر العدني، قال قال سفيان يعني ابن عيينة وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام في سقع البيت على عهد رسول الله ﷺ فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله، قال سفيان لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا.
قال ابن كثير: فهذه
стр. 1134
الآثار متعاضدة على ما ذكرناه) يعني من كون المقام في سقع البيت قبل تحويل عمر إياه في خلافته. أهـ.
وقال ابن حجر في تفسير الآية المذكورة في "فتح الباري" ج٨ ص١٣٧: أخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن النبي ﷺ هو الذي حوله، والأول أصح) . يعني بالأول ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁. ووجه ضعف السند الذي أشار إليه الحافظ: أن فيه ضعيفين: "أحدهما": شريك بن عبد الله وهو كما في "تقريب التهذيب" يخطيء كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء. "الثاني": إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي ضعفه علي بن المديني ويحيى بن سعيد وأحمد ابن حنبل، كما في "الضعفاء" للمقيلي، وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": ليس بالقوي. وقد اطلع صاحب النقض على كلام الحافظين في هذه الرواية ومع ذلك ضرب عنه صفحًا، وصار ينسب مضمونها إلى النبي ﷺ دون مبالاة بضعفها، وأطال في الثناء على مرسلات مجاهد بما لا يجدى مادام شرط ذلك مفقودًا وهو صحة السند إلى مجاهد وعدم قوة المعارض.
"الرواية الثانية": مما يصرح بتحويل النبي ﷺ لمقام إبراهيم ﵇ عن موضعه الأول إلى موضعه اليوم مما ذكره صاحب النقض ما في تاريخ ابن كثير "البداية والنهاية" عن موسى بن عقبة "أن النبي ﷺ يوم الفتح أخر المقام إلى مقامه اليوم وكان ملصقًا بالبيت" أهـ.
стр. 1135
وهذا يجاب عنها بأنها مع عدم الوقوف على سندها تخالف ما ثبت عن عائشة وعروة شيخ موسى بن عقبة وعطاء وغيره من أصحاب ابن جريج، وهو أن أول من حول المقام عن موضعه الأول إلى الموضع الذي هو فيه اليوم عمر بن الخطاب ﵁. ولهذا نرى ابن كثير الذي نقل هذا عن مغازي بن عقبة لم يعتبر؛ بل جزم بما ثبت عن الأعلام المذكورين.
وأما دعوى صاحب النقض تظاهر الروايات على أن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة فمن جنس دعواه الأولى في عدم الصحة؛ فإن الصريح في ما ذكره من ذلك روايتان في "تأريخ مكة" للأزرقي.
١- قوله: حدثني جدي، قال حدثنا عبد الجبار بن الورد، قال سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هذا الذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده بمحضر الناس.
٢- روى أبوالوليد الأزرقي في "تأريخ مكة" عن جده، عن داود بن عبد الرحمن العطار حديثًا طويلا فيه صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة في وجه الكعبة حذو الطرقة البيضاء، ثم روى عن جده أنه قال: قال داود: وكان ابن جريج يشير لنا إلى هذا الموضع، ويقول: هذا الموضع الذي صلى فيه النبي ﷺ ، وهو الموضع الذي جعل فيه المقام حين ذهب به سيل أم نهشل إلى أن قدم عمر بن الخطاب ﵁ فرده إلى موضعه الذي كان
стр. 1136
فيه في الجاهلية وفي عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وبعض خلافة عمر ﵁ إلى أن ذهب به السيل.
وهاتان الروايتان فيهما ما فيهما. أما رواية الأزرقي عن ابن أبي مليكة فلأن راويها عبد الجبار بن الورد، يخالف في بعض حديثه كما رواه العقيلي في "كتابه - الضعفاء" عن الإمام البخاري (١) .
وأما رواية الأزرقي عن ابن جريج فلمخالفتها ما صح عن مشائخ ابن جريج من رواية ابن جريج عنهم، فقد روى عبد الرزاق في مصنفه، عن ابن جريج أنه قال: سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من رفع المقام فوضعه موضعه الآن، وإنما كان في قبل الكعبة. ومع هذا ففي هاتين الروايتين مخالفة لدعوى صاحب النقض أن أول من حول المقام إلى الموضع الذي هو فيه اليوم النبي ﷺ ؛ فإن ظاهرهما أن النبي ﷺ
стр. 1137
لم يحول المقام عن الموضع الذي كان فيه في الجاهلية، بل استمر المقام في عهده في ذلك الموضع وفي عهد أبي بكر وبعض خلافة عمر قبل مجيء السيل الذي احتمله وبعد ما ذهب به السيل رده عمر إلى ذلك الموضع. هذا موقفنا من هاتين الروايتين.
وأما ما ليس بصريح من الروايات فيرجع إلى ما روى ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سفيان بن عيينة إمام المكيين في زمانه، قال: "كان المقام في سقع البيت على عهد رسول الله ﷺ فحوله عمر ﵁ إلى مكانه بعد النبي ﷺ وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه" الحديث.
وأما قول صاحب النقض: (هل يبقى للشك في هذا - أي تحويل النبي ﷺ للمقام - مجال، ولمن أنكر ذلك إلا العناد والشقاق، وقد توعد تعالى من فعل ذلك بقوله: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) الآية.
فالجواب عنه أن ما ذكره من الروايات في ذلك هو الذي بينا حالته آنفًا، ودعوى كون القول بأن عمر بن الخطاب أول من أخر المقام إلى موضعه اليوم مشاقة للرسول وإتباع غير سبيل المؤمنين باطلة، فإنه لو كان كذلك لما قالته أم المؤمنين عائشة ﵂ وعطاء وغيره من مشائخ ابن حريج، ومجاهد، وسفيان بن عيينة، وأشياخ ابن سعف.
وقد جمع كلامهم الإمام العلامة أبوبكر بن زيد الخزاعي الحنبلي في كتابه: "تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد" قال: روى
стр. 1138
محمد بن سعد عن أشياخ له أن عمر بن الخطاب ﵁ أخر المقام إلى موضعه اليوم وكان ملتصقًا بالبيت. وروى عبد الرزاق عن عطاء وغيره من أصحاب ابن جريج ومجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁. وروى البيهقي بسنده إلى عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁. قال ابن كثير: وسنده صحيح، وروى ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: كان المقام في سقع البيت على عهد رسول الله ﷺ فحوله عمر ﵁ إلى مكانه بعد النبي ﷺ ، وذهب السيل به بعد تحويل عمر ﵁ إياه من موضعه هذا فرده عمر ﵁ إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا. قال ابن كثير: فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه. وذكر الحافظ أبوبكر بن مردويه بسنده إلى إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد قال: قال عمر ﵁ يا رسول الله لو صلينا خلف المقام. فأنزل الله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وكان المقام عند البيت فحوله رسول الله ﷺ إلى موضعه هذا. قال مجاهد: قد كان عمر ﵁ يرى الرأي فينزل به القرآن. وهذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن مجاهد أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁. قال ابن كثير: وهو أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاده بما تقدم) ومر الخراعي في كلامه إلى أن ذكر أن عمر ﵁ أخره أولا
стр. 1139
ثم ذهب به السيل ثم أخره فيكون أخره مرتين) . أهـ المراد من كلام الخزاعي.
وجزم بمضمون هذه الروايات عن أولئك الأئمة: الحافظان ابن كثير في "تفسيره وتأريخه" وابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" وضعفا ما روي من أن النبي ﷺ هو أول من أخر مقام إبراهيم ﵇ إلى الموضع الذي هو فيه اليوم.
فصل في رد كلامه في آيتي التطهير
ذكر المعلمي في رسالته أن تقديم (الطائفين) في قوله تعالى: (أن طهرا بيتي للطائفين) (١) وفي قوله تعالى: (وطهر بيتي للطائفين) الآيتين الكريمتين (٢) يفيد الأهمية بحيث يقدم الطائفون إذا حصل التعارض بينهم وبين العاكفين والمصلين تطوعًا. فتعقب صاحب النقض ذلك في ص١٢، ١٣ وذكر أن لانكتة لتقديم (الطائفين) على سواهم في هاتين الآيتين، واستند في تلك الدعوى إلى أمرين: أحدهما ان "الواو" في قوله تعالى: (للطائفين والعاكفين والركع السجود) واو العطف. قال: وهي عند النحاة لمطلق الجمع. وحمى بعض الأصوليين الغجماع على ذلك، ونقله أبوعلي الفارسي إجماع نحاة الكوفة والبصرة عليه. الثاني: أنه قد روى عن بعض السلف تفسير (الطائفين) بمن أتى البيت من غربة، (والعاكفين) بالمقيمين فيه. قال: وقد سوى الله بينهما في قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد) (٣) هذا ما ذكره. والجواب عنه بما يلي:
стр. 1140
اما حكاية الإجماع على كون "واو العطف" غير مفيدة للترتيب فغير صحيحة. كما بينه ابن هشام والأسنوي، وابن اللحام، وابن كثير، قال ابن هشام في "المغني": وكونها - أي الواو السيرافي: فإن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب. مردود؛ بل قال بإفادتها إياه قطرب، والربعي، والفراء، وثعلب، وأبوعمرو الزاهد، وهشام، والشافعي. أهـ. وقال الإمام الأسنوي في "نهاية السول، على منهاج الأصول للبيضاوي": وقال السيرافي والسهيلي والفارسي: أجمع عليه - أي على عدم إفادة "الواو" للترتيب نحاة البصرة والكوفة. وليس الأمر كما قالوا، فقد ذهب جماعة إلى أنها للترتيب مهم ثعلب وقطرب وهشام وأبوجعفر الدينوري وأبوعمرو الزاهد. وقال: ابن اللحام في "قواعده" في ذكر المذاهب في "الواو": "الثالث" أنها تدل على الترتيب. وممن قال ذلك من أصحابنا عن الإمام أحمد بن أبي موسى في الارشاد. وأبومحمد الحلواني وغيرهما حتى إن الحلواني لم يحك خلافًا عن أصحابنا، إلا أنه قال تقتضي أصولها أنها للجمع، ونقل هذا المذهب صاحب "التتمة" من الشافعية عن بعض أصحابهم، وتابع الماوردي في الوضوء من الحاوي فنقله عن الأخفش وجمهور الشافعية: واختاره الشيخ أبوإسحاق في"التبصرة" نقل هذا المذهب أيضًا قطرب عن طائفة من النحاة منهم ابن درستويه وثعلب وأبوعمر والزاهد وابن جني وابن برهان الربعي. أهـ.
وقال ابن كثير من أئمة التفسير في (تفسير آية الوضوء) في بحث
стр. 1141
دلالة "الواو" على الترتيب: منهم من قال لا نسلم أن "الواو" لا تدل على الترتيب، بل هي دلت عليه كما هو مذهب طائفة من النحاة وأهل اللغة وبعض الفقهاء. ثم نقول: وبتقدير تسليم كونها لا تدل على الترتيب اللغوي هي دالة عليه شرعًا فيما من شأنه أن يترتب، والدليل على ذلك أنه ﷺ لما طاف بالبيت خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (١) ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به" لفظ مسلم. ولفظ النسائي "إبدءوا بما بدأ الله به" وهذا لفظ أمر. وإسناده صحيح، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعًا. أهـ كلام ابن كثير. وكلام العلماء في بطلان دعوى الإجماع على أن "الواو" لا تفيد الترتيب كثير.
وأما ما يتعلق بالآية التي نحن بصدد الكلام عليها فقد بين السهيلي وابن القيم نكتة تقديم الطائفين على من سواهم. قال السهيلي في بحث الواو الذي نقله عنه ابن القيم في "بدائع الفوائد ج١ ص٦٥": بدأ أي في الآية الكريمة - بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين، وجمعهم جمع السلامة، لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو علة تعلق بها حكم التطهير، ولو كان مكان (الطائفين) الطواف لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله (للطائفين) ألا ترى انك تقول: تطوفون، كما تقول: طائفون. فاللفظان متشابهان. فإن قيل: فهلا أتى بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين، فيقول: وطهر بيتي للذين يطوفون. قيل: إن الحكم يعلل بالفعل لا بذوات الأشخاص، ولفظ
стр. 1142
الذين ينبيء عن الشخص والذات. ولفظ الطواف يخفي معنى الفعل ولا يبينه. فكان لفظ (الطائفين) أولى بهذا الموطن. ثم يليه في الترتيب القائمين، لأنه في معنى (العاكفين) وهو في معنى قوله: (إلا ما دمت عليه قائمًا) (١) أي مثابرًا ملازمًا، وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهير به، ثم يليه بالرتبة لفظ الركع لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين، ولذلك لم يتعلق حكم التطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع، وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده، فلذلك لم يجيء بلفظ جمع السلامة، لأنه لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما قبله.
وقال ابن القيم في "بدائع الفوائد ج١ ص٨١" في كلامه على الآية المذكورة: فإنه ذكر أخص هذه الثلاثة وهو الطواف الذي لا يشرع إلا بالبيت خاصة، ثم انتقل منه إلى الاعتكاف وهو القيام المذكور في الحج، وهو أعم من الطواف، لأنه يكون في كل مسجد، ويختص بالمساجد لا يتعداها، ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما منع منه مانع أو استثنى شرعًا. وإن شئت قلت: ذكر الطواف الذي هو أقرب من العبادات بالبيت: ثم الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد، ثم الصلاة التي تكون في البلد كله، بل في كل بقعة.
يضاف إلى هذا إستدلال من قال من أئمة العلماء بأفضلية التطوع بالطواف على التطوع بالصلاة بهذه الآية كابن عباس وغيره، وقد كانت سنة رسول الله ﷺ البدء بالطواف قبل كل
стр. 1143
شيء كما صرح به شيخ الإسلام ابن تيمية في منسكه قال: النبي ﷺ بعد أن دخل المسجد ابتدأ بالطواف، ولم يصل قبل ذلك تحية المسجد، بل تحية المسجد الحرام الطواف بالبيت.
وممن سبق شيخ الإسلام ابن تيمية إلى تقرير ذلك عمدة صاحب النقض الأزرقي في "تأريخ مكة" والإمام الشافعي في "الأم". قال الأزرقي في "أخبار مكة" ج٢ص٩١: حدثني جدي - أي أحمد ابن محمد بن الوليد - حدثني مسلم بن خالدج الزنجي. عن ابن جريج. قال: قال عطاء: لما دخل النبي ﷺ مكة لم يلو ولم يعرج ولم يبلغنا أنه دخل بيتًا ولا لوى لشيء ولا عرج في حجته هذه وفي عمره كلها حتى دخل المسجد، ولم يصنع شيئًا ولا ركع حتى بدأ بالبيت فطاف به، وهذا أجمع في حجته وعمره كلها. أهـ.
وقال الإمام الشافعي في "الأم": (باب ما جاء في تعجيل الطواف بالببيت حين يدخل مكة) أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة لم يلو ولم يعرج. قال الشافعي لم يبلغنا أنه حين دخل مكة لو لشيء ولا عرج في حجته هذه ولا عمرته كلها حتى دخل المسجد ولا صنع شيئًا حين دخل المسجد لا ركع ولا صنع غير ذلك حتى بدأ بالبيت فطاف، هذا أجمع في حجه وفي عمرته كلها. أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج، قال: قال عطاء فيمن قدم معتمرًا فقدم المسجد: لأن يطوف بالبيت فلا يمنع الطواف ولا يصلي تطوعًا حتى يطوف، وإن وجد الناس في المكتوبة فليصل معهم. ولا أحب أن يصلي بعدها
стр. 1144
شيئًا حتى يطوف بالبيت، وإن جاء قبل الصلاة فلا يجلس ولا ينتظرها وليطف. فإن قطع الإمام طوافه فليتم بعد. أخبرنا سعيد بن سالم. عن ابن جريج، قال قلت لعطاء: ألا أركع قبل تلك المكتوبة إن لم أكن ركعت ركعتين. قال: لا. إلا ركعتي الصبح إن لم تكن ركعتهما فاركعهما ثم طف، لأنهما أعظم شأنًا من غيرهما. أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج أنه قال لعطاء: المرأة تقدم نهارًا؟ قال: ما أبالي إن كانت مستورة أن تقدم نهارًا. قال الشافعي: وبما قال عطاء آخذ لموافقته السنة فلا أحب لأحد قدر على الطواف أن يبدأ بشيء قبل الطواف إلا أن يكون نسي المكتوبة فليصلها، أو يقدم في آخر مكتوبة فيخاف فواتها فيبدأ بصلاتها، أو خاف فوت ركعتي الفجر فيبدأ بهما، أو نسي الوتر فليبدأ به ثم يطوف، فإذا جاء وقد منع الناس الطواف ركع ركعتين لدخول المسجد إذا منع الطواف، فإن جاء وقد أقيمت الصلاة بدأ بالصلاة، فإن جاء وقد تقاربت إقامة الصلاة بدأ بالصلاة. والرجال والنساء فيما أحببت من التعجيل حين يقدمون ليلاً سواء. وكذلك هم إذا قدموا نهارًا، إلا إمرأة لها شباب ومنظر فإني أحب لتلك تؤخر الطواف حتى الليل ليستر الليل منها. أهـ نص "الأم".
وهو صريح في أن من قدر على الطواف لا يبدأ بشيء قبله، وعند الأزرقي بسنده إلى ابن جريج أنه قال في عطاء: هو يشدد في تأخير الطواف بالبيت جدًا. قال: لا تؤخره إلا لحاجة: إما لوجع، وإما لحصار. قال: فإذا دخلت المسجد فسأعتئذ فطف حين تدخل. قلت له: إني ربما دخلت عشية فأحببت أن أوخره إلى الليل. قال: لا يؤخره إلا أن يمنع إنسان الطواف فيصلي تطوعًا إن بدا له. أهـ.
стр. 1145
وأما قول المعلمي (يقدم الطائفون عند التعارض بينهم وبين العاكفين والمصلين تطوعًا) فيشهد له ما ذكره الحافظ ابن كثير في تأريخه "البداية والنهاية" ج٧ ص٩٣ عن أئمة هذا الشأن أنهم قالوا: حول عمر المقام وكان ملصقًا بجدار الكعبة فأخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين، ثم قال ابن كثير: قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر: ولله الحمد والمنة.
أما تفسير (الطائفين) بالآيتين من غربة. فقد استبعده القرطبي في تفسيره، وذكر ابن جيرير الطبري في تفسيره أنه ليس بصواب قال: لأن الطائف هو الذي يطوف بالشيء دون غيره، والطاريء من غربة لا يستحق اسم طائف بالبيت إن لم يطف به. أهـ.
(فصل) في ترفيعه الأزرقي على ابن اسحاق والواقدي، والرد عليه
قال صاحب النقض في نقضه ص٧١ وص٧٢: (إذا كان محمد بن إسحاق بن يسار المرمي بالتشيع والقدر والتدليس إمامًا وحجة في المغازي، ومحمد بن عمر الواقدي الذي هو متروك الرواية لا يحتج به إذا انفرد إنما يستفاد كثير من أمور المغازي من جهته، حتى قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀: لا يختلف اثنان أن الواقدي من أعلم الناس بتفاصيل أمور المغازي وأخبرهم بأحوالهم. وقد كان الشافعي وأحمد وغيرهما يستفيدون علم ذلك من كتبه. فالإمام أبوالوليد الأزرقي الذي لم يرم ببدعة، ولم يجرح بقادح يوجب الطعن يما يرويه أولى وأحرى بأن يكون حجة فيما دونه من أخبار مكة، وما تعلق بالمشاعر المعظمة) هكذا حاول صاحب
стр. 1146
النقض ترفيع عمدته الأوزرقي مؤرخ مكة الذي لم يترجمه أحد من أئمة عصره بشيء (١) على إمامي المغازي والسير محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر الواقدي، وذلك غير لائق، فإنهما وإن تكلم فيهما بعض أئمة العلم فهما مشهوران عند أئمة زمانهما ومن بعدهم بالعلم، وقد ذب عنهما من أئمة العلم من تذكر كلامه فيما يلي:
أما "محمد بن إسحاق" فقد قال البخاري في "التأريخ الكبير": قال لي علي بن عبد الله، عن ابن عيينة، قال الزهري: من أراد المغازي فعليه بمولى قيس بن مخرمة هذا - يعني ابن اسحاق - قال ابن عيينة: ولم أر أحدًا يتهم ابن إسحاق، قال في عبيد بن يعيش: سمعت يونس بن بكير يقول: سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحاق أمير المحدثين بحفظه، مات سنة إحدى وخمسين ومائة. أهـ.
وقال البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام": رأيت علي بن عبد الله يحتج بحديث ابن إسحاق. وقال علي. عن ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يتهم ابن إسحق. قال البخاري: قال لي إبراهيم بن المنذر: حدثنا عمر بن عثمان: أن الزهري كان يتلقف المغازي من ابن إسحاق المدني فيما يحدثه عن عاصم بن قتادة. قال البخاري: والذي يذكر عن مالك في ابن إسحق لا يكاد يبين، وكان اسماعيل ابن أبي أويس من أتبع من رأينا مالكًا أخرج كتب ابن إسحق عن أبيه في المغازي وغيرها، فانتخبت منها كثيرًا، وقال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي. وإبراهيم بن سعد من
стр. 1147
أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه، ولو صح عن مالك تناوله من ابن إسحق فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد ولا يتهمه في الأمور كلها. وقال إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش وقد أكثر عنهما في الموطأ، وهما ممن يحتج بحديثهما، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما ذكره عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة وفيمن كان قبلهم، تأول بعضهم في الغرض والنفس. ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة، والكلام في هذا كثير. وقال عبيد ابن يعيش: حدثنا يونس بن بكير. قال سمعت شعبة يقول: محمد ابن اسحاق أمير المحدثين لحفظه. وروى عنه الثورين وابن ادريس وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع. وابن علية. وعبد الوارق، وابن المبارك، وكذلك احتمله أحمد ويحيى وعامة أهل العلم. وقال لي علي بن عبد الله: نظرت في كتاب ابن إسحق فما وجدت عليه إلا في حديثين، ويمكن أن يكونا صحيحين. وقال بعض أهل المدينة: إن الذي يذكر عن هشام بن عروة.
قال: كيف يدخل ابن إسحق على امرأتي؟ لو صح عن هشام جاز أن تكتب إليه، فإن أهل المدينة يرون الكتاب جائزًا، فإن النبي ﷺ كتب لأمير السرية كتابًا، وقال: "لا تقرأه حتى نبلغ كذا وكذا" فلما بلغ فتح الكتاب، وأخبرهم بما قال النبي ﷺ . وحكم بذلك، وكذلك الخلفاء والأئمة يفضون كتاب بعضهم إلى بعض، وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب، وهشام لم يشهد. أهـ. كلام البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام".
стр. 1148
وممن حذا حذو البخاري في الذب عن ابن إسحق من المتأخرين السهيلي صاحب "الروض الأنف" وابن القيم. قال السهيلي في "الروض الأنف": محمد بن إسحق رحمه الهل ثبت في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته فيهما، قال ابن شهاب الزهري: من أراد المغازي فعليه بابن إسحق. ذكره البخاري في "التاريخ" وذكر عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما أدركت أحدًا يتهم ابن إسحق في حديثه، وذكر أيضًا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: ابن إسحق أمير المؤمنين - يعني في الحديث - وذكر أبويحيى الساجي ﵀ بإسناد له عن الزهري أنه قال: خرج إلى قريته باذام فخرج غليه طلاب الحديث فقال لهم: أين أنتم من الغلام الأحول، أو قد خلفت فيكم الغلام الأحول - يعني ابن اسحق - وذكر الساجي أيضا قال: كان أصحاب الزهري يلجئون إلى محمد بن اسحق فيما شكوا فيه من حديث الزهري ثقة منهم بحفظه. هذا معنى كلام الساجي نقلته من حفظي لا من كتاب. وذكر عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان أنهم وثقوا ابن اسحق واحتجوا بحديثه. وذكر علي بن عمر الدارقطني في "السنن" حديث القلتين من جمؤع طرقه وما فيه من الاضطراب. ثم قال في حديث جرى قال: وهذا يدل على حفظ محمد بن إسحاق وشدة إتقانه.
ثم ذكر السهيلي أن ابن إسحاق أدرك من لم يدركه مالك روى حديثًا كثيرًا عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، ومالك إنما يروى عن رجل عنه، ثم قال: وذكر الخطيب أحمد بن علي
стр. 1149
ابن ثابت في تاريخه فيما ذكر لي عنه أنه - يعني ابن إسحق - رأى أنس بن مالك وعليه عمامة سوداء والصبيان خلفه يشتدون ويقولون هذا صاحب رسول الله ﷺ لا يموت حتى يلقى الدجال، وذكر الخطيب أيضًا أنه روى عن سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وذكر أن يحيى بن سعيد الأنصاري شيخ مالك روى عن ابن اسحق، قال: وروى عنه سفيان الثوري والحماد أن: حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد ابن درهم وشعبة. وذكر عن الشافعي ﵁ أنه قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن اسحق. أهـ.
وقال الإمام ابن القيم في باب الرد على الجهمية ج٧ ص٩٤ من "تهذيب سنن أبي داود": إن ابن اسحق بالموضع الذي جعله الله من العلم والأمانة. قال علي بن المديني: حديثه عندي صحيح. وقال شعبة: ابن إسحق أمير المؤمنين في الحديث. وقال أيضًا: هو هو صدوق. وقال علي بن المديني أيضًأ: لم أجد له سوى حديثين متكريين. وهذا في غاية الثناء والمدح إذ لم يجد له على كثرة ما روى إلا حديثين متكريين، وقال علي أيضًا: سمعت ابن عيينة يقول: ما سمعت أحدًا يتكلم في ابن إسحق إلا في قوله في القدر، ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم. وقال محمد بن عبد الله ابن الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال الزهري: لا يزال بهذه الحرة علم مادام ذلك الأحول - يريد به ابن إسحق - وقال يعقوب ابن شيبة: سألت يحيى بن معين: كيف ابن إسحق؟ قال: ليس بذلك. قلت: في نفسك من حديثه شيء؟ قال: لا، كان
стр. 1150
صدوقًا. وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: لو كان في سلطان لأمرت ابن إسحق على المحدثين. وقال ابن عدي: قد فتشت أحاديث ابن إسحق الكبير فلم أجد في حديثه ما يتهيؤ أن نقطع عليه بالضعف. وربما أخطأ أو وهم كما يخطيء غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة. وهو لا بأس به. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ابن اسحق ثقة. وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحق في صحيحه. وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن إسحق، حدثنا سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال: "كنت ألقى من المذي شدة فأكثر الاغتسال منه" الحديث. قال الترمذي: هذا حديث صحيح لا تعرفه إلا من حديث ابن اسحق. فهذا حكم قد تفرد به ابن إسحق في الدنيا وقد صححه الترمذي.
ثم قال الإمام ابن القيم: فإن قيل: فقد كذبه، مالك، فقال أبوقلاية الرقائي: حدثني أبوداود سليمان بن داود، قال: قال يحيى بن القطان: أشهد أن محمد بن إسحق كذاب. قلت: وما يدريك؟ قال: قال لي وهب، فقلت لوهب وما يدريك؟ قال: قال في مالك بن أنس. فقلت لمالك: وما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة. قال: قلت لهشام: وما يدريك؟ قال: حدث على امرأتي فاطمة بنت المنذر. ودخلت عليها وهي بنت تسع وما رآها رجل حتى لقيت الله.
قيل: هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرت من اتهمه بالكذب. وجوابها من وجوه:
стр. 1151
"أحدها": أن سليمان بن داود راويها عن يحيى هو الشاذكوني وقد اتهم بالكذب فلا يجوز القدح في الرحل بمثل رواية الشاذكوني.
"الثاني": أن في الحكاية ما يدل على أنها كذب، فإنه قال: أدخلت فاطمة علي وهي بنت تسع. وفاطمة أكبر من هشام بثلاثة عشرة سنة، ولعلها لم تزف إليه إلا وقد زادت على العشرين، ولما أخذ عنها ابن إسحق كان لها نحو بضع وخمسين سنة.
"الثالث": أن هشامًا إنا نفى رؤيته لها ولم ينف سماعه منها، ومعلوم إنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع. قال الإمام أحمد: لعله سمع منها في المسجد. أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا، فقد كانت امرأة كبرت وأسنت، وقال: يعقوب بن شيبة: سألت ابن المديني عن ابن إسحاق، فقال: حديثه عندي صحيح. قلت: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه، وأي شيء حدث بالمدينة. قلت: فهشام بن عروة قد تكلم فيه. قال: الذي قال هشام ليس بحجة. لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها؛ فإن حديثه ليتبين فيه الصدق، يروي مرة يقول حدثني أبوالزناد، ومرة يقول ذكر أبوالزناد، ويقول حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب في "سلف وبيع" وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب. انتهى المراد من كلام ابن القيم.
وأما "محمد بن عمر الواقدي" فعندنا له - وإن تكلم فيه بعض أهل العلم - من شهادات أئمة الحديث ما لم يوجد منه شيء للأزرقي مؤرخ مكة، قال الخطيب: هو ممن طبق شرق الأرض
стр. 1152
وغربها ذكره، ولم يخف على أحد عرف أخبار الناس أمره، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم: من المغازي والسير، والطبقات، وأخبار النبي ﷺ ، والأحداث التي كانت في وقته وبعد وفاته ﷺ . وكتب الفقه، واختلاف الناس في الحديث. وغير ذلك. وقال الحافظ أبوالفتح محمد بن محمد المعروف بابن سيد الناس في "عيون الأثر": وقال محمد بن خلاد: سمعت محمد بن سلام الجمحي يقولك محمد بن عمر الواقدي عالم دهره. وقال إبراهيم الحربي: الواقدي أمن الناس على أهل الإسلام. وقال الحربي أيضًا: كان الواقدي أعلم الناس بأمر الإسلام فأما الجاهلية فلم يعمل فيها شيئًا. وقال يعوب بن شيبة: لما انتقل الواقدي من الجانب الغربي إلى ها هنا يقال إنه حمل كتبه على عشرين ومائة وقر. وقيل كانت كتبه ستمائة قمطر، وقال محمد بن جرير الطبري: وقال ابن سعد: كان الواقدي يقول: ما من أحد إلا وكتبه أكثر من حفظه، وحفظي أكثر من كتبي، وروى غيره عنه قال: ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته هل سمعت أحدًا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل، فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه، ونحو هذا الكلام. وقال ابن منيع: سمعت هارون الفروي يقول: رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة، فقلت: أين تريد؟ قال أريد أن أمضي إلى حنين حتى أرى موضع الواقعة.
وقال إبراهيم الحربي: سمعت المسيبي يقول: رأيت الواقدي يومًا جالسًا إلى اسطوانة في مسجد المدينة وهو يدرس،
стр. 1153
فقال له: أي شيء تدرس؟ فقال: حزبي من المغازي، وروينا عن أبي بكر الخطيب قال: أنا الأزهري قال: أنا محمد بن العباس، قال أنا أبوأيوب، قال سمعت إبراهيم الحربي يقول: وأخبرني إبراهيم بن عمر البرمكي، ثنا عبد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري، ثنا محمد بن أيوب بن المعافى، قال قال إبراهيم الحربي: سمعت المسيبي يقول: قلنا للواقدي هذا الذي تجمع الرجال تقول: ثنا فلان وفلان وجئت بمتن واحد، لو حدثتنا بحديث كل رجل على حدة. قال: يطول. فقلنا لقد رضينا، قال: فغاب عنا جمعة ثم أتانا بغزوة أحد عشرين جلدًا، وفي حديث البرمكي مائة جلد، فقلنا له ردنا إلى الأمر الأول، معنى اللفظين متقارب. وعن يعقوب بن شيبة قال: ومما ذكر لنا أن مالكًا سئل عن قتل الساحرة، فقال: انظروا هل عند الواقدي في هذا شيء، فذاكروه ذلك، فذكر شيئًا عن الضحاك بن عثمان، فذكروا أن مالكًا قنع به، وروى أن مالكًا سئل عن المرأة التي سمت النبي ﷺ بخيبر ما فعل بها، فقال ليس عندي بها علم، وسأسأل أهل العلم قال فلقي الواقدي، قال يا أبا عبد الله: ما فعل النبي ﷺ بالمرأة التي سمته بخيبر؟ فقال: الذي عندنا أنه قتلها، فقال مالك قد سالت أهل العلم فأخبروني أنه قتلها. وقال أبوبكر الصاغاني: لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه، حدث عن أربعة أئمة: أبوبكر بن أبي شيبة، وأبوعبيد، وأحسبه ذكر أبي خيثمة ورجلاً آخر. وقال عمرو الناقد: قلت للدراوردي: ما تقول في الواقدي؟ قال: لا تسألني عن الواقدي، سل الواقدي عني. وذكر الدراوردي الواقدي فقال: ذلك أمير المؤمنين في الحديث.
стр. 1154
وسئل أبوعامر العقدي عن الواقدي، فقال: نحن نسأل عن الواقدي، إنما يسأل هو عنا، ما كان يفيدنا الأحاديث والشيوخ بالمدينة إلا الواقدي، وقال الواقدي: لقد كانت الواحي تضيع فأوتي بها من شهرتها بالمدينة. يقال: هذه ألواح ابن واقد. وقال مصعب الزبيري: والله ما رأينا مثله قط. قال مصعب: وحدثنا من سمع عبد الله بن المبارك يقول: كنت أقدم المدينة فما يفيدني ولا يدلني على الشيوخ إلا الواقدي. وقال مجاهد بن موسى: ما كتبت عن أحد أحفظ منه. وسئل عنه مصعب الزبيري، فقال: ثقة مأمون. وكذلك قال المسيبي. وسئل عنه معن بن عيسى فقال: أنا أسأل عنه؟ هو يسأل عني. وسئل عنه أبويحيى الزهري، فقال: ثقة مأمون، وسئل عنه ابن نمير، فقال: أما حديثه عنا فمستو، وأما حديث أهل المدينة فهم أعلم به. وقال يزيد بن هارون: ثقة، وقال عباس العنبري: هو أحب إلى من عبد الرزاق. وقال أبوعبيد القاسم بن سلام: ثقة. وقال إبراهيم: وأما فقه أبي عبيد فمن كتاب محمد بن عمر الواقدي: الاختلاف، والإجماع كان عنده، وقال إبراهيم الحربي: من قال إن مسائل مالك بن أنس وابن أبي ذئب تؤخذ عمن هو أوثق من الواقدي فلا يصدق، إنه يقول سألت مالكًا وسألت ابن أبي ذئب. وقال إبراهيم بن جابر: حدثني عبد الله ابن أحمد بن حنبل. قال كتب أبي عن أبي يوسف ومحمد ثلاثة قماطر، قلت له: كان ينظر فيها؟ قال: كان ربما نظر فيها، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي.
وأما ما أنكر على الواقدي، فقد تعرض له ابن سيد الناس في "عيون الأثر" قال: سئل إبراهيم الحربي عما أنكره أحمد على الواقدي؟ فقال: إنما أنكر عليه جمعه الأسانيد ومجيئه بالمتن
стр. 1155
واحدًا. وقال إبراهيم: وليس هذا عيبًا، فقد فعل هذا الزهري، وابن اسحق: قال إبراهيم: لم يزل أحمد بن حنبل يوجه في كل جمعة بحنبل بن اسحق إلى محمد بن سعد فيأخذ له جزئين من حديث الواقدي فينظر فيهما، ثم يردهما ويأخذ غيرهما.
ثم ذكر ابن سيد الناس كلام من ضعف الواقدي، وكلام من نسبه إلى وضع الحديث وتقليب الأخبار، وأجاب عن ذلك بقوله: قلت: سعة العلم مظنة لكثرة الاغراب، وكثرة الاغراب مظنة التهمة، والواقدي غير مدفوع عن سعة العلم، فكثرت بذلك غرائبه. وقد روينا عن علي بن المديني أنه قال: للواقدي عشرون ألف حديث لم نسمع بها، وعن يحيى بن معين: أغرب الواقدي على رسول الله ﷺ في عشرين ألف حديث، وقد ورينا عنه من تتبعه آثار مواضع الوقائع. وسؤاله من أبناء الصحابة والشهداء ومواليهم عن أحوال سلفهم ما يقتضي انفرادًا بروايات وأخبار لا تدخل تحت الحصر. وكثيرًا ما يطعن في الراوي برواية وقعت له من أنكر تلك الرواية عليه واستغربها منه. ثم يظهر له أو لغيره بمتابعة متابع أو سبب من الأسباب براءته من مقتضى الطعن فيتخلص بذلك من العهدة. وقد روينا عن الإمام لأحمد ﵀ ورضي الله عنه أنه قال: مازلنا ندافع أمر الواقدي حتى روى عن معمر عن الزهري عن نبهان عن أم سلمة عن النبي ﷺ : "أفعمياوان انتما، فجاء بشيء لا حيلة فيه، والحديث حديث يونس لم يروه غيره. وروينا عن أحمد بن منصور الرمادي قال: قدم علي بن المديني بغداد سنة سبع ومائتين والواقدي يومئذ قاض علينا،
стр. 1156
وكنت أطوف مع علي على الشيوخ الذي يسمع منهم، فقلت: أتريد أن تسمع من الواقدي، ثم قلت له بعد ذلك: لقد أردت أن أسمع منه. فكتب إلى أحمد بن حنبل: كيف تستحل الرواية عن رجل روى عن معمر حديث نبهان مكاتب أم سلمة، وهذا حديث يونس تفرد به، قال أحمد بن منصور الرمادي: فقدمت مصر بعد ذلك، فكان ابن أبي مريم يحدثنا به عن نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن نبها، وقد رواه أيضًا يعقوب بن سفيان، عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد كرواية الرمادي، قال الرمادي: فلما فرغ ابن أبي مريم من هذا الحديث ضحكت. فقال مم تضحك؟ فأخبرته بما قال علي.
وكتب إليه أحمد فقال لي ابن أبي مريم: إن شيوخنا المصريين لهم عناية بحديث الزهري، وكان الرمادي يقول: هذا مما ظلم فيه الواقدي. فقد ظهر في هذا الخبر أن يونس لم ينفرد به. وإذ قد تابعه عقيل فلا مانع من أن يتابعه معمر، وحتى لو لم يتابعه عقيل لكان ذلك محتملا، وقد يكون فيما رمى به من تقليب الأخبار ما ينحو هذا النحو. أهـ المراد من كلام صاحب "عيون الأثر".
стр. 1157
(فصل) في ذكر كلمة المفتي الأكبر والرد عليها (١)
قال صاحب النقض ص١٨٨: وأما وصفه لفضيلة المفتي "بالأكبر" كما اعتاده بعض من لا علم عنده وجعله ديدنه في خطاباته لفضيلته، فهذا خطأ واضح، بل زلة كبرى، لأن المفتي الأكبر هو الله جل وعلا؛ لأن الفتوى هي بيان الحكم للسائل، والله سبحانه هو الذي شرع الأحكام وبينها لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . وقد أخبر تعالى عن توليه لمنصب الفتوى في قوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) (٢) وقال (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (٣) . وقال النبي ﷺ لعائشة في قصة السحر: "أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي" (٤) وفتوى أهل العلم إنما هو مجرد التبليغ عنه لما أفتى به، والأخبار بأنه أمر بكذا ونهي عن كذا وأحل كذا وحرم كذا، والمفتي في الحقيقة هو الله . وبما أن الوصف "بالأكبر" أفعل تفضيل مطلق يقتضي تفضيل الموصوف بالأكبرية على غيره، وهذا لا يليق إلا بالله، لأن هذا الوصف لا يصدق إلا عليه، ولا ينصرف عند
стр. 1158
الإطلاق إلا إليه، فإطلاقه على المخلوق تهجم على مقام الربوبية في الفتوى، ومنازعة له في الأكبرية. هذا نص نقض المباني حول كلمة "المفتي الأكبر".
وجوابنا عنه أن تقليب الشخص بلقب "المفتي الأكبر" ليس القصد منه التفضيل المطلق، ولا منازعة الرب في الأكبرية؛ بل القصد منه أنه مرجع غيره من المفتين الذين يعتبر مرجعًا لهم، كما أن تلقيب غير الرسول ﷺ بلقب "الإمام الأعظم" ليس القصد منه التهجم على منصب الرسول الذي هو الإمام الأعظم، إنما القصد أنه أعظم بالنسبة إلى من هو أعظم منه (١) . وقد أطلقت لفظة "المفتي الأعظم" قديمًا على بعض العلماء ففي كتاب "الاعلام بأعلام بيت الله الحرام" للقطب الحنفي إطلاق لقب المفتي الأعظم على أبي السعود، ففي ص٢٦ منه ما نصه: أرسل - أي السلطان سليمان خان - إلى مفتي الإسلام، سلطان العلماء الأعلام، مولانا أبي السعود أفندي، المفتي الأعظم، يستفتيه عن حكم الله في هذه المسألة - أي مسألة تتعلق بإصلاح شيء من الكعبة - وكان هذا الإطلاق في زمن العلماء الأعلام أمثال الهيتمي والشيخ نور الدين علي بن إبراهيم وغيرهما، ولم يسمع أن أحدًا منهم اعتبر التلقيب بذلك اللقب "المفتي الأعظم" منازعة للربوبية، وذلك لمعرفتهم بالمقصود بهذه الكلمة ونظيراتها.
وأما إسناد الإفتاء بصيغة الفعل المقيد إلى الله تعالى في القرآن
стр. 1159
فلا يستلزم تسمية الله باسم المفتي؛ فإن باب الأفعال أوسع من باب الأسماء، كما بينه العلامة ابن القيم في كتبه، قال في "مدارج السالكين" ج٣ ص٤١٥ في الكلام على الواجد: أطلق الله على نفسه أفعالاً لم يتسم منها باسم الفاعل: كأراد، وشاء، وأحدث. ولم يسم بالمريد، والشائي، والمحدث. كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ أقبح خطأ من اشتق له من كل فعل اسمًا وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسماه الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد، ونحو ذلك. وكذلك باب الإخبار عنه بالإسم أوسع من تسميته به؛ فإنه يخبر عنه بأنه شيء وموجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمى بذلك. ومر ابن القيم في هذا البحث إلى أن قال: وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى. وقال في "سفر الهجرتين" بعد كلام طويل فيما لا يصح إطلاقه على الله : من هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقها له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه أسماء مطلقًا فأدخله في أسمائه الحسنى، فاشتق له اسم الماكر، والخادع، والفاتن، والمضل، والكاتب، ونحوها. من قوله: (ويمكر الله) (١) ومن قوله: (وهو خادعهم) (٢) ومن قوله: (لنفتنهم فيه) (٣) ومن قوله: (يضل من يشاء) (٤) وقوله: (كتب الله لأغلبن) (٥) وهذا خطأ من وجوه:
стр. 1160
"أحدها" أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه الأسماء، فإطلاقها عليه لا يجوز.
"الثاني" أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة، فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الإسم عند الإطلاق.
"الثالث" أن مسمى هذه الأسماء ينقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به، وإلى ما يذم، فيحسن في موضع، ويقبح في موضع، فيمتنع إطلاقه عليه تعالى من غير تفصيل.
"الرابع" أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي تسمى بها سبحانه، فلا يجوز أن يسمى بها؛ فإن أسماء الرب سبحانه كلها حسنى، كما قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) (١) وهي التي يحب سبحانه أن يثني عليه ويحمد ويمجد بها دون غيرها.
"الخامس" أن هذا القائل أو سمي بهذه الأسماء، وقيل هذه مدحتك وثناء عليك. فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعد هذا مدحة، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون علوًا كبيرا.
"السادس" أن هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآلي والذاهب والتارك والمقاتل والصادق والمنزل والنازل والمدموم والمدمر وأضعاف أضعاف ذلك، فيشتق له اسمًا من كل فعل أخبر به عن نفسه، وإلا تناقض تناقضًا بينًا، ولا أحد من العقلاء طرد ذلك، فعلم بطلان قوله. والحمد لله رب العالمين. أهـ.