وكنت أطوف مع علي على الشيوخ الذي يسمع منهم، فقلت: أتريد أن تسمع من الواقدي، ثم قلت له بعد ذلك: لقد أردت أن أسمع منه. فكتب إلى أحمد بن حنبل: كيف تستحل الرواية عن رجل روى عن معمر حديث نبهان مكاتب أم سلمة، وهذا حديث يونس تفرد به، قال أحمد بن منصور الرمادي: فقدمت مصر بعد ذلك، فكان ابن أبي مريم يحدثنا به عن نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن نبها، وقد رواه أيضًا يعقوب بن سفيان، عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد كرواية الرمادي، قال الرمادي: فلما فرغ ابن أبي مريم من هذا الحديث ضحكت. فقال مم تضحك؟ فأخبرته بما قال علي.
وكتب إليه أحمد فقال لي ابن أبي مريم: إن شيوخنا المصريين لهم عناية بحديث الزهري، وكان الرمادي يقول: هذا مما ظلم فيه الواقدي. فقد ظهر في هذا الخبر أن يونس لم ينفرد به. وإذ قد تابعه عقيل فلا مانع من أن يتابعه معمر، وحتى لو لم يتابعه عقيل لكان ذلك محتملا، وقد يكون فيما رمى به من تقليب الأخبار ما ينحو هذا النحو. أهـ المراد من كلام صاحب "عيون الأثر".
стр. 1157
(فصل) في ذكر كلمة المفتي الأكبر والرد عليها (١)
قال صاحب النقض ص١٨٨: وأما وصفه لفضيلة المفتي "بالأكبر" كما اعتاده بعض من لا علم عنده وجعله ديدنه في خطاباته لفضيلته، فهذا خطأ واضح، بل زلة كبرى، لأن المفتي الأكبر هو الله جل وعلا؛ لأن الفتوى هي بيان الحكم للسائل، والله سبحانه هو الذي شرع الأحكام وبينها لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . وقد أخبر تعالى عن توليه لمنصب الفتوى في قوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) (٢) وقال (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (٣) . وقال النبي ﷺ لعائشة في قصة السحر: "أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي" (٤) وفتوى أهل العلم إنما هو مجرد التبليغ عنه لما أفتى به، والأخبار بأنه أمر بكذا ونهي عن كذا وأحل كذا وحرم كذا، والمفتي في الحقيقة هو الله . وبما أن الوصف "بالأكبر" أفعل تفضيل مطلق يقتضي تفضيل الموصوف بالأكبرية على غيره، وهذا لا يليق إلا بالله، لأن هذا الوصف لا يصدق إلا عليه، ولا ينصرف عند
стр. 1158
الإطلاق إلا إليه، فإطلاقه على المخلوق تهجم على مقام الربوبية في الفتوى، ومنازعة له في الأكبرية. هذا نص نقض المباني حول كلمة "المفتي الأكبر".
وجوابنا عنه أن تقليب الشخص بلقب "المفتي الأكبر" ليس القصد منه التفضيل المطلق، ولا منازعة الرب في الأكبرية؛ بل القصد منه أنه مرجع غيره من المفتين الذين يعتبر مرجعًا لهم، كما أن تلقيب غير الرسول ﷺ بلقب "الإمام الأعظم" ليس القصد منه التهجم على منصب الرسول الذي هو الإمام الأعظم، إنما القصد أنه أعظم بالنسبة إلى من هو أعظم منه (١) . وقد أطلقت لفظة "المفتي الأعظم" قديمًا على بعض العلماء ففي كتاب "الاعلام بأعلام بيت الله الحرام" للقطب الحنفي إطلاق لقب المفتي الأعظم على أبي السعود، ففي ص٢٦ منه ما نصه: أرسل - أي السلطان سليمان خان - إلى مفتي الإسلام، سلطان العلماء الأعلام، مولانا أبي السعود أفندي، المفتي الأعظم، يستفتيه عن حكم الله في هذه المسألة - أي مسألة تتعلق بإصلاح شيء من الكعبة - وكان هذا الإطلاق في زمن العلماء الأعلام أمثال الهيتمي والشيخ نور الدين علي بن إبراهيم وغيرهما، ولم يسمع أن أحدًا منهم اعتبر التلقيب بذلك اللقب "المفتي الأعظم" منازعة للربوبية، وذلك لمعرفتهم بالمقصود بهذه الكلمة ونظيراتها.
وأما إسناد الإفتاء بصيغة الفعل المقيد إلى الله تعالى في القرآن
стр. 1159
فلا يستلزم تسمية الله باسم المفتي؛ فإن باب الأفعال أوسع من باب الأسماء، كما بينه العلامة ابن القيم في كتبه، قال في "مدارج السالكين" ج٣ ص٤١٥ في الكلام على الواجد: أطلق الله على نفسه أفعالاً لم يتسم منها باسم الفاعل: كأراد، وشاء، وأحدث. ولم يسم بالمريد، والشائي، والمحدث. كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ أقبح خطأ من اشتق له من كل فعل اسمًا وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسماه الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد، ونحو ذلك. وكذلك باب الإخبار عنه بالإسم أوسع من تسميته به؛ فإنه يخبر عنه بأنه شيء وموجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمى بذلك. ومر ابن القيم في هذا البحث إلى أن قال: وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى. وقال في "سفر الهجرتين" بعد كلام طويل فيما لا يصح إطلاقه على الله : من هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقها له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه أسماء مطلقًا فأدخله في أسمائه الحسنى، فاشتق له اسم الماكر، والخادع، والفاتن، والمضل، والكاتب، ونحوها. من قوله: (ويمكر الله) (١) ومن قوله: (وهو خادعهم) (٢) ومن قوله: (لنفتنهم فيه) (٣) ومن قوله: (يضل من يشاء) (٤) وقوله: (كتب الله لأغلبن) (٥) وهذا خطأ من وجوه:
стр. 1160
"أحدها" أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه الأسماء، فإطلاقها عليه لا يجوز.
"الثاني" أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة، فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الإسم عند الإطلاق.
"الثالث" أن مسمى هذه الأسماء ينقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به، وإلى ما يذم، فيحسن في موضع، ويقبح في موضع، فيمتنع إطلاقه عليه تعالى من غير تفصيل.
"الرابع" أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي تسمى بها سبحانه، فلا يجوز أن يسمى بها؛ فإن أسماء الرب سبحانه كلها حسنى، كما قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) (١) وهي التي يحب سبحانه أن يثني عليه ويحمد ويمجد بها دون غيرها.
"الخامس" أن هذا القائل أو سمي بهذه الأسماء، وقيل هذه مدحتك وثناء عليك. فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعد هذا مدحة، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون علوًا كبيرا.
"السادس" أن هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآلي والذاهب والتارك والمقاتل والصادق والمنزل والنازل والمدموم والمدمر وأضعاف أضعاف ذلك، فيشتق له اسمًا من كل فعل أخبر به عن نفسه، وإلا تناقض تناقضًا بينًا، ولا أحد من العقلاء طرد ذلك، فعلم بطلان قوله. والحمد لله رب العالمين. أهـ.
стр. 1161
ويضاف إلى ما ذكرناه في هذا البحث أن المقصود بالإفتاء في الكتاب والسنة الإجابة عن المشكل، كما بينه الراغب في "مفردات القرآن" وابن الأثير في "النهاية" قال الراغب: الفتيا والفتوى: الجواب عما يشكل من الأحكام. ويقال: استفتيته فأفتاني بكذا، قال: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن) (١) (فاستفتهم) (٢) (أفتوني في رؤياي) (٣) . وقال ابن الأثير في "النهاية": يقال: أفتاه في المسألة، يفتيه. إذا أجابه، والإسم الفتوى. ومنه الحديث "الإثم ما حاك في صدرك ... وإن أفتاك الناس" (٤) . وأما المفتي في الإصطلاح ففي "منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل" لابن الحاجب ما نصه: أما المفتي فالعالم بأصول الفقه وبالأدلة السمعية التفصيلية واختلاف مراتبها. وقال الشاطبي في "الموافقات" ج٤ ص٢٥٨: المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرق الانحلال. وقال ابن القيم في "اعلام الموقعين": حكم الله ورسوله يظهر على أربعة السنة: لسان الراوي، ولسان المفتي، ولسان الحاكم، ولسان الشاهد. فالراوي يظهر على لسانه لفظ حكم الله ورسوله. والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبط من لفظه. والحاكم يظهر على لسانه الإخبار بحكم الله وتنفيذه. والشاهد يظهر على لسانه الأخبار بالسبب الذي يثبت حكم الشارع.
стр. 1162
فصل - في دعاواه حول المعلمي والجواب عنها
ادعى صاحب النقض على المعلمي دعاوي لا تليق، نذكرها مع الإجابة عنها في ما يلي:
١- ... دعواه أن قول المعلمي (وأن في معنى التطهير إزالة كل ما يمنع من أداء هذه العبادات أو يعسرها أو يخل بها، كأن يكون في موضع الطواف ما يعوق عنه من حجارة أو شوك أو حفر) ادعى صاحب النقض أن مراد المعلمي بهذه العبارة تطهير البيت من مقام إبراهيم ﵇، ورتب على هذه الدعوى لوازم باطلة قبيحة يقول لا مفر للمعلمي منها ولا محيد له عنها هي كما يلي:
١- ... أن إبراهيم واسماعيل ﵉ لم يفعلا ما أمرهما الله به من تطهير البيت حيث تركا المقام في موضعه الذي هو فيه الآن.
٢- ... أن النبي ﷺ لم يطهر البيت التطهير التام يوم الفتح حيث كسر الأًصنام والأوثان وأزالها عن البيت وترك المقام.
٣- ... إعتبار مقام إبراهيم الذي أمر الله بأن يتخذ منه مصلى في معنى الأصنام، فالمقام بهذا الاعتبار في معنى ما يتطهر منه وهي الأصنام.
٤- ... أنه لا يجوز أن يتخذ من المقام مصلى، وذلك مناقضة لأمر الله بذلك.
٥- ... وجوب إخراج المقام من الحرم حيث أن تأخيره عن محله إلى موضع آخر من المسجد لا يتم به تطهير البيت.
стр. 1163
وذكر صاحب النقض أن ما ذكره المعلمي من أن إزالة ما يمنع من أداء تلك العبادات في معنى التطهير لا دليل عليه من لغة ولا شرع، ولم يذكره أحد من المفسرين، وهو غير صحيح، وقال: إن الطهارة ضد النجاسة حسية كانت أو معنوية فهما ضدان لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما. والجواب على الجميع بما يلي:
أما اتهامه المعلمي بأنه إنما يقصد بتلك العبارة تطهير البيت من مقام إبراهيم. فلم نجد في رسالة المعلمي ما يبرره، ونعيذه بالله من أن يقول ذلك. وأما اللوازم القبيحة التي زعم صاحب النقض أن لا مقر للمعلمي منها ولا محيد عنها، فلا نرى أنها تلزم المعلمي، لا لمجرد حسن الظن به فقط باعتباره عالمًا خدم الأحاديث النبوية وما يتعلق بها، بل لأمرين:
"أحدهما": تصريحاته في رسالته بما يبرؤه من تلك اللوازم القبيحة، ففي تطهير ابراهيم واسماعيل ﵉ البيت يقول ص٣: أقام إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت على الطهارة بأوفى معانيها) قال هذا بعد أن ذكر ما جاء عن السلف في تفسير تطهير البيت بالتطهر من الشرك والأوثان والريب وقول الزور والرجس والآفات. وفي تطهير النبي ﷺ البيت يوم الفتح أشار ص٥٩ إلى قيامه ﷺ بإزالة الشرك وآثاره عند البيت، وذكر أن ذلك هو الأهم.
وفي حقوق مقام إبراهيم ﵇ يقول ص٤٢، ٤٣: (وللمقام حقوق: الأول القرب من الكعبة، الثاني البقاء في المسجد الذي حولها. الثالث البقاء على سمت الموضع الذي هو عليه) وهذه
стр. 1164
الحقوق التي أثبتها للمقام لا يتصور أن يثبتها له من يعتبره في معنى الأصنام. وفي اتخاذ مقام إبراهيم مصلى يقول ص٣٦ قال البخاري في صحيحه في أبواب القبلة: (باب قوله تعالى) : (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (١) ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ (أنه سئل عن رجل طاف بالبيت للعمرة ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة) وقال ص٣٨: (ثبت في حديث عطاء عن أسامة عند النسائي بسند رجاله ثقات" ثم خرج أي النبي ﷺ فصل خلف المقام ركعتين وقال هذه القبلة) وذكر في ص٦١-٦٢ أن حكم الصلاة خلف المقام يتعلق بالمقام لا بالموضع الذي خلفه قال: (إن الحكم المتعلق بالمقام وهو اتخاذه مصلى أي يصلي إليه لو كان يختص بموضع لكان هو موضعه الأصلي الذي انتهى إليه إبراهيم في قيامه عليه لبناء الكعبة وقام عليه فيه بالأذان بالحج، ونزلت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وهو فيه، وصلى إليه النبي ﷺ مرارًا تلا في بعضها الآية وهو فيه. فلما أجمع الصحابة ﵃ على تأخيره وانتقل الحكم وهو الصلاة إليه معه ثبت قطعًا أن الحكم يتعلق به لا بالموضع، إلا أنه يراعى ما راعوه من بقائه إلى ضيق ما أمامه على الطائفين) أهـ. في هذه العبارة دليل على احتفاظ المعلمي للمقام بحقوقه التي منها اتخاذه مصلى سواء انتقل
стр. 1165
من موضعه اليوم أو لم ينتقل، واشتراطه لنقله عن موضعه اليوم إلى موضع آخر البقاء على السمت الخاص في المسجد والقرب من الكعبة.
هذا لا يمكن الجمع بينه وبين محاولة صاحب النقض إلزام المعلمي اعتبار المقام في معنى الأصنام.
"الثاني": أن المعلمي لا يرضى هذه اللوازم على فرض أن في كلامه ما يستلزمها. ولازم القول الذي لا يرضاه القائل بعد ظهوره لا تجوز إضافته إليه. كما بينه ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية. قال العلامة ابن القيم في "اعلام الموقعين" ص٢٥٠ ج٣ في بحث ترك الحبل: أما من عداه - أي الشارع - فلا يمنع عليه أن يقول الشيء ويخفى عليه لازمه. ولو علم أن هذا لازمه لما قاله، فلا يجوز أن يقال هذا مذهبه، ويقول ما لم يقله. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "القواعد النورانية" ص١١٨، ١١٩: لازم قول الإنسان نوعان: أحدهما لازم قوله الحق. فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره. وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب. والثاني لازم قوله الذي ليس بحق. فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين: ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه لكونه قد قال ما يلزمه وهو لم يشعر بفساد تلك القول ولا بلزومه. وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب، أم ليس بمذهب.
стр. 1166
هو أجود من إطلاق أحدهما. فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله وإن كان متناقضًا.
وأما اعتبار إزالة ما يعوق عن الطواف من شجر أو شوك أو حجر أو حفر في معنى التطهير المأمور به، فيدل عليه ما رواه الأزرقي في "أخبار مكة" قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء عن عبيد بن عمير الليثي (طهر بيتي) من الآفات والريب. قال ابن جريج الآفات الشرور. أهـ. ولاشك أن الشجر والشوك والحفر في موضع الطوف من الشرور.
وأما زعم صاحب النقض أن الطهارة لا تكون إلا في مقابلة نجاسة حسية أو معنوية. فيرده (١) ما رواه الأزرقي في "تأريخ مكة" ج١ ص١٧ قال: حدثني جدي، قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال حدثني علقمة بن أبي علقمة، عن عائشة ﵂، أنها قالت: طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره، ولاشك أن التطهير هنا ليس في مقابلة نجاسة لا معنوية ولا حسية، إذ لا وجود لشيء من ذلك عند البيت أيام تحدثت بذلك عائشة ﵂، بل دعوى وجود شيء من ذلك عند البيت وقت أمر إبراهيم ﵇ بتطهيره تحتاج إلى دليل صحيح عن
стр. 1167
المعصوم، ولذلك يقول الحافظ ابن كثير في "تفسيره": يحتاج إثبات هذا - أي كون الأصنام تعبد عند البيت قبل إبراهيم ﵇ إلى دليل عن المعصوم محمد ﷺ . أهـ. قلت: ولعله لهذا قال السدي في تفسير (طهرا بيتي) ابنيا بيتي.
الدعوى الثانية: من دعاوي صاحب النقض على المعلمي فسر التطهير في آيتي (طهر بيتي) و (طهرا بيتي) بالتهيئة، وقوله إثر ذلك: التطهير شيء، والتهيئة شيء آخر. فتفسيره التطهير بالتهيئة تأويل مردود، لأنه صرف لمعاني الآيات عما دلت عليه إلى غيره، والبيت وما حوله مهيؤ لمن يعبد الله فيه من عهد إبراهيم ﵇، والتهيئة لا تنفي وجود الشرك فيه المأمور بتطهيره منه؛ ولهذا كان أهل الجاهلية يحجون البيت ويطوفون به مهيأ لهم مع شركهم وعبادتهم للأصنام عنده، وهذا يدل على أن التهيئة غير التطهير.
أقول: تصفحنا رسالة المعلمي من أولها إلى آخرها لنجد فيها موضعًا واحدًا فسر فيه (طهر بيتي) يهييء و (طهرا بيتي) يهيئا فلم أجد شيئًا من ذلك؛ بل الذي وجدناه في ص٣ من رسالته مما يتعلق بتفسير التطهير ما يلي:
١- ... أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: من الأوثان والريب وقول الزور والرجس. ذكره ابن كثير وغيره، وقال البغوي: قال ابن جبير وعطاء: طهرا من الأوثان والريب وقول الزور. وأخرج ابن جرير عن عبيد بن عمير قال: من الآفات والريب. هذا الذي وجدناه في رسالة المعلمي، وهو الذي ذكر أنه أعم معنى
стр. 1168
للتطهير. وبعد ذلك قال المعلمي: أقام إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت على الطهارة بأوفى معانيها - يعني بأوفي المعاني ما نقله قبل ذلك عن أئمة التفسير مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعبيد بن عمير.
وأما قول المعلمي: (فثبت الأمر بأن يهيأ ما حول البيت تهيئة تمكن الطائفين والعاكفين والمصلين من أداء هذه العبادات بدون خلل ولا حرج) فهذا لا يعني به المعلمي تفسير التطهير في الآيتين الكريمتين بالتهيئة كما توهمه صاحب النقض؛ بل إنما أخذ المعلمي الأمر بالتهيئة كما توهمه صاحب النقض؛ بل إنما أخذ المعلمي الأمر بالتهيئة من تعلق (للطائفين والعاكفين والركع السجود) بـ (طهرا) بدليل قوله إثر ما قدمناه عنه في تفسير التطهير وإقامة إبراهيم وإسماعيل إياه بأوفى المعاني، قال: وقوله: (للطائفين) الآية تدل على أنه - مع أن التطهير مأمور به لحرمة البيت - فهو مأمور به لأجل هذه الفرق - الطائفين، والعاكفين، والقائمين، والركع السجود - لتؤدي هذه العبادات على الوجه المطلوب) . ففي هذا الصدد قال: (فثبت الأمر أن المعلمي فسر التطهير بالتهيئة لا يرد عليه قول صاحب النقض: (والتهيئة لا تنفي وجود الشرك فيه المأمور بتطهيره منه) لأن تهيئة إبراهيم الخليل ﵇ لبيت الله بامر الله لا يمكن أن تجتمع مع الشرك، بل لابد أن تكون كاملة أتم الكمال. بقي أن يقال: إن تفسير التطهير بالتهيئة ليست تفسيرًا لفظيًا للتطهير. والجواب عن هذا أن التزام التفسير اللفظي طريقة المتأخرين. أما المتقدمون فلا يلتزمون التفسير اللفظي
стр. 1169
كما قرره الإمامان ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في مصنفاتهما، واستسهلا لذلك ما لا يتنافى مع الحق من تفاسير الصوفية المعبر عنها بالإشارات. وإليك نصهما بذلك:
قال العلامة ابن القيم في "التبيان في أقسام القرآن" ص٧٩: تفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون. وتفسير على المعنى. وهو الذي يذكره السلف. وتفسير على الإشارة والقياس. وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم. وهذا لا بأس به بأربعة شروط: أن لا يناقض معنى الآية، وأن يكون صحيحًا في نفسه، وأن يكون في اللفظ إشعار به، وأن يكون بينه وبين الآية ارتباط وتلازم. فإذا اجتمعتت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا. أهـ. وقال في تفسير قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (١) ص٢٣: دلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي، قال البخاري في صحيحه في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به. وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنه لا يلتذ بقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم به حقًا وأنزله على رسوله، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج بوجه من الوجود. أهـ.
وقال ابن القيم في "مدارج" السالكين ص٤١٦ ج ثاني في الكلام على الإشارات الصوفية: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله
стр. 1170
روحه يقول: الصحيح منها ما يدل عليه اللفظ بإشارة من باب قياس الأولى. قلت: مثاله قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (١) ثم بعد كلام طويل في تفسير الآية قال: فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر، وسمعته يقول في قول النبي ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة" (٢) : إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب من دخول البيت، فكيف تلج معرفة الله ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتليء بكلاب الشهوات وصورها، فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة. ومن هذا أن طهارة الثوب الطاهر والبدن إذا كانت شرطًا في صحة الصلاة والاعتداد بها فإذا أخل بها كانت فاسدة، فكيف إذا كان القلب نجسًا ولم يطهره صاحبه فكيف يعتد له بصلاته وإن سقطت المطالبة، وهل طهارة الظاهر إلا تكميل لطهارة الباطن. ومن هذا أن استقبال القبلة في الصلاة شرط لصحتها وهي بيت الرب، فتوجه المصلي إليها ببدنه وقلبه شرط، فكيف تصح صلاة من لم يتوجه بقلبه إلى رب القبلة والبدن، بل وجه بدنه إلى البيت ووجه قلبه إلى غير رب البيت. وأمثال ذلك من الإشارات الصحيحة التي لا تنال إلا بصفاء الباطن وصحة البصيرة وحسن السيرة وحسن التأمل والله أعلم.
стр. 1171
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية بعد ذكر نوع من إشارات الصوفية الباطلة قال في "شرح حديث النزول": منها - أي إشارات الصوفية - ما يكون معناه صحيحًا وإن لم يكن هو المراد باللفظ وهو الأكثر في إشارات الصوفية، وبعض ذلك لا يجعل تفسيرًا بل يجعل من باب الاعتبار والقياس، وهذه طريقة صحيحة علمية كما في قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) وقول النبي ﷺ "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب" فإذا كان ورقة لا يمسه إلا طاهر البدن، فمعناه لا تهتدي بها إلا القلوب الطاهرة، وإذا كان الملك لا يدخل بيتًا فيه كلب فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبًا فيه أخلاق الكلب المذمومة. ولا تنزل الملائكة على هؤلاء. وهذا لبسطه، وضع آخر. أهـ.
قلت: ومن قبيل التفسير الغير اللفظي تفسير السدي (طهرا) في قوله تعالى: (أن طهرا بيتي) : بأمنا. رواه عنه الأزرقي في "أخبار مكة" وروى عنه ابن كثير في تفسيره أنه قال في تفسر (طهرا) : إبنيا. وكذلك تفسير يمان (طهرا بيتي) بقوله: خلقاه، وبخراه. ذكره عنه القرطبي في تفسيره.
"الدعوى الثالثة": من دعاوي صاحب النقض على المعلمي: دعواه أن ما كتبه في بحث المقام إنما هو من قبيل الاحتيال بالباطل، أخذًا من قول المعلمي في أول رسالته (حاولت فيها - أي في الرسالة تنقيح الأدلة ودلالتها على وجه التحقيق) قال صاحب النقض: هذا يدل على أنه - أي المعلمي - لم يجد من الأدلة ما يصح الاستناد عليه في ذلك؛ لأن المحاولة إنما تكون في ما فيه مشقة وصعوبة ولا يتأتى إلا بالاحتيال - هذا معنى كلامه ومقتضاه في
стр. 1172
اللغة. قال صاحب "النهاية": والمحاولة طلب الشيء بحيلة. وكلا الأمرين اللذين ذكرهما غير جائز شرعًا. هذا نص نقض المباني. وهو مبنى على أن المحاولة لا تستعمل إلا في الاحتيال بالباطل وهو مردود. قال صاحب لسان العرب في مادة "حول" ما نصه حاول الشيء محاولة رامه قال رؤية: (حول حمد وانتجار المؤتجر) فهذا يدل على أن المحاولة لا تستلزم الاحتيال بالباطل كما أدعاه صاحب النقض. وما ذكره عن "النهاية" وهو في النهاية بصيغة التمريض "قيل" وذكر صاحب النهاية قبل ذلك حديثًا يدل على أن المحاولة لا تتلازم مع الاحتيال بالباطل وهو "بك أصاول، وبك أحاول" (١)
وهذه الرواية التي ذكرها صاحب النهاية ذكرها أيضًا المرتضي في "تاج العروس" ثم قال: قال الأزهري: معناه - أي لفظ "أحاول" - بك أطالب. ومن قبيل المحاولة التي لم تكن بالطرق الباطلة قول حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي ﷺ :
стр. 1173
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
هذا مع أن كلمة الحيلة نفسها لا تستلزم الباطل كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "إقامة الدليل على إبطال التحليل" ص٨٢ - ٨٣ ج٣ من مجموعة الفتاوى الكبرى قال: ليس كل ما يسمى في اللغة حيلة أو يسميه بعض الناس حيلة أو يسمونه آلة مثل الحيلة المحرمة حرامًا. فإن الله سبحانه قال في تنزيله: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) (١) فلو احتال المؤمن المستضعف على التخلص من بين الكفار لكان محمودًا في ذلك. ومر شيخ الإسلام في كلامه إلى أن قال: وحسن التحيل على حصول ما فيه رضي الله ورسوله أو دفع ما يكيد الإسلام وأهله سعي مشكور. قال: والحيلة مشتقة من التحول وهو نوع من الحول: كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود. وكالأكلة والشربة من الأكل والشرب. ومعناها نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال هذا مقتضاها في اللغة، ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت حيلة حسنة، وإن كان قبيحًا كانت قبيحة. أهـ. وقال صاحب "المحكم": الحول والحيل والحيلة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل كل ذلك الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة
стр. 1174
التصرف. أهـ. نقله عن صاحب المحكم الإمام النووي في "تهذيب الأسماء واللغات". وقول صاحب النقض: لم يجد - أي المعلمي - من الأدلة ما يصح الاستناد عليه. خلاف الواقع؛ فإن رسالته مملوءة بالأدلة الثابتة. لا بالحيل الباطلة. والله أعلم، وصل الله على نبينا محمد وصحبه وسلم (١) .
(١١٨١ - ترك نقله مؤقتا لقصد استقامة الأحوال)
وهنا كلمة حول المقام:
المقام نعرف ان موضعه ليس معينا ذاتًا من الأرض، بخلاف الكعبة. ما ورد في المقام يفيد أنه ماله موضع معين؛ فإنه مرة صار عند البيت، ومرة كان في مكانه. وهذا صار مرتين أو ثلاثًا. إنما المتعين أن يكون بنسبة من البيت.
واختلف هل هذا موضعه الأول، وجعل عند البيت لعارض؟ وهل واضعه النبي. أو عمر؟.
وهذا الاختلاف يفيد أنه ليس عند العلماء نزاع أنه ليس من حين نزل منه إسماعيل وإبراهيم أن موضعه هذا. أو أنه ما صار فيه تغيير، ما قال هذا أحد؛ بل هو كان فيه تنحية بالاتفاق، والذي رجحه ابن حجر أن الذي نحاه عمر.
وحينئذ إذا عرض عارض جاز تنحيته عن المطاف بلا إشكال، وتنحيته من الموضع الذي هو فيه قرب البيت على جانب المسجد
стр. 1175
أو قريب من طرف المسجد لئلا يتعثر به الطائفون، ولكون الصلاة خلفه مشروعة، ولا يحصل زحمة لمن يقصد الصلاة عنده، هذه مصلحة، ودرء مفسدة ظاهرة، فإذا اقتضت المصلحة تنحيته فإنه لا مانع من ذلك.
وقد ألف المعلمي رسالة وذكر ما يتعلق بها، وهو أحسن في تعليقه وكتبنا عليها تعليقًا بسيطًا "تقريظ" وتكلم بعض من لا علم عنده بدون علم أن هذا مكانه أو نحو هذا.
وحين صار هذا الشيء وخشي من خوض الجهال ناس يقولون كذا ... رؤي من المصلحة أن يترك الآن، ليس أنه أشكل لما سمعنا بعض القول؛ لكن حيث أنه سيشوش أناس، فاستشار الملك ورؤي أن يترك.
وبحث المقام وتنحيته ليس هو عندي فقط؛ بل هذا مقتضى ما ظهر للمشايخ عند أصل البحث في المسألة، بحث كم مرة، هذا الذي رأوه صوابا، للتعليل السابق.
لكن المقصود استقامة الأحوال، وأن يكون الناس على نظر واحد.
ولكن بعد هذا التوسيع يكون الضرر منه أشد؛ فإنه إذا كان فيه ستين أو مائة وجاءوا كلهم وحاذوا المقام؛ بل يوجد عليهم خلل في طوافهم فيجعل كأنه يقبل على البيت في خطواتع يخطوها.
(تقرير)
стр. 1176
(١١٨٢ - اختصار هيكل المقام بعد توقف بعض المشايخ)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم
أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد
فنتيجة للاجتمع المنعقد بيننا وبين العلماء لبحث المواضيع المتعلقة بمنى وبكسوة الكعبة المشرفة ومقام إبراهيم، فقد صدر بشأن ذلك القرار المتخذ من الجميع المعروض لأنظار جلالتكم من طي هذا. تولاكم الله بتوفيقه.
(الختم)
(ص - م٥٧ في ٢/١/١٣٨٠هـ)
(القرار)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد: فبناء على رغبة إمام المسلمين حفظه الله في بحث عدة موضوعات دينية هامة فقد جرى بحثها واستعراضها وهي:
١- البنايات التي في منى بما فيها الأحواش والبيوت الخربة التي لا تصلح للسكنى.
٢- الكسوة العتيقة للكعبة الشريفة، وكيف يكون مصيرها.
٣- تنحية مقام إبراهيم عن موضعه الحالي نتيجة الزحام.
وقد ظهر لنا ما يلي:
стр. 1177
١- ... لا يسوغ بأي حال من الأحوال البناء في منى، وعليه فإنه يجب أن ترفع أيدي أرباب الدور المتهدمة عن تلك الدور، ويعوضوا عن ماله قيمة من أنقاضها، ثم تهدم وتسوى الأرض، كما يجب عدم جميع الأحواش المستقلة التي لا تتبع البيوت وتسويتها بالأرض وإزالة جميع المتحجرات والتأسيسات والمراسيم التي يراد بها التملك.
أما الأحواش التابعة للبيوت المبنية فتنقسم إلى قسمين: أحدهما الأحواش الواسعة الزائدة على حاجة البيوت. فهذه يجب هدم الزائد منها عن حاجة البيت. ويبقى ما هو بقدر حاجة البيت فقط. والثاني ما كان أصله بقدر حاجة البيت فقط. فهذا الذي بمقدار حاجة البيت المبني يكون تبعاً له. وإذا أزيلت تلك البيوت كما هو مقتضى الحكم الشرعي أزيلت معه الأحواش التابعة لها.
٢- ... يشكل هيئة دائمة لمراقبة منى. تتكون من أربعة أشخاص. ويجب أن يكونوا أمناء. أقوياء، حتى تحصل بهم المحافظة التامة، وتربط هذه الهيئة بجهة دينية: إما برئاسة القضاء، أو برئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحجاز.
٣- ... يتعين على الحكومة توسعة شارع الجمرات بقدر كاف، ويقسم طريقين: أحدهماللذاهبين. والآخر للراجعين، ويجعل بينهما حاجز. ومن ضرورة توسعة هذا الشارع المذكور أن تؤخذ الدور الواقعة في الشارعين القديمين ما بين جمرة الوسطى وجمرة العقبة.
٤- ... يتعين جعل مظلة من شينكو او نحوه لتقي الحجاج حرارة الشمس تبتدي هذه المظلة من الجمرة الأولى وتنتهي إلى جمرة العقبة.
стр. 1178
أما موضوع الكسوة العتيقة للكعبة المشرفة فإنه ليس لآل الشيبي في هذه الكسوة حق من حيث الشرع، لكن حيث كان الولاة المتقدمون قد عودوهم إعطاءهم إياها. وكانوا متشوفين لذلك، ولهم مكانة لدانتهم لهذا البيت المطهر، فينبغي للإمام وفقه الله أن يعوضهم عنها من بيت المال ما يراه كافيًا لتطيب نفوسهم. ولا يدفع الكسوة إليهم، لما يفضي إليه ذلك من بيعها المنتهي إلى حصولها في أيدي الجهلة المتعلقين بها على وجه التبريك والتمسح بها الذي لا تجيزه الشريعة، لكن تحفظ تلك الكسوة في مكان مصون تحت أيدي حفاظ لها أمناء. ولو تلفت بأرضه أو غيرها فإن ذلك لا يضر شرعًا، وأكثر ما فيه أنه فوات جزء من المال. وارتكاب ذلك أسهل من ارتكاب ما يجر العوام والجهال إلى ما هو محظور شرعًا. وفي ذلك حراسة لعقائد الناس.
أما تنحية مقام إبراهيم عن موضعه الآن شرقًا ماما ليتسع المطاف. فحيث توقف بعض المشائخ في ذلك. اتفق الرأي من الجميع على اختصار هذا الهيكل الذي على المقام الآن بجعله مترًا في متر فقط، والباقي يبقى توسعة في المطاف، فيكون من المطاف من وجه، وزيادة في مصلى الركعتين من وجه آخر، إذا فقدت الزحمة صارت صلاة الركعتين يه وفيما خلفه من المصلى الأول، وإذا وجدت الزحمة انشغل هذا الزائد بالطائفين وصلى المصلون ركعتي الطواف خلفه. ويحسن أن يوضع مظلة تقي المصلين خلف المقام حر الشمس. وتكون جملونًا من خشب، وينبغي أن يكون شبك المقام ضيقًا جدًا بحيث لا يتمكن الجهال من إدخال
стр. 1179
الأوراق فيه. وينبغي أيضًا أن ترفع الكسوة التي على حجر المقام ويوضع عليه مكانها زجاج سميك جدًا حتى يراه الناس ويعرفوا أنه حجرن ويلزم إحضار عالمين وقت قيام المهندس وعماله بعملية ما ذكر، حتى يتم تطبيق ما سلف ذكره بحضرتهما وتحت إشرافهما.
اما المنبر فيزال من مكانه، ويعمل من خشب، ويكون متحركًا بعجلات حتى يتمكن من إحضاره في محله وقت الحاجة، وعلى هذا حصل التوقيع:
عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
محمد بن إبراهيم آل الشيخ ... عبد الله بن جاسر
علوي عباس مالكي ... عبد الله بن عمر بن دهيش
محمد بن علي الحركان ... حسن بن عبد الله بن حسن
عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم ... عبد العزيز بن ناصر الرشيد
أمين الكتبي ... محمد يحيى أمان
(١١٨٣ - تغطية الحاجز الحديدي للمقام بسلك نايلون)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس الديوان العالي
الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على المعاملة المحالة إلينا بخطاب الديوان العالي رقم ١٦/٢/٢٤١٧ وتاريخ ٢٥/٩/٧٦هـ الخاصة باقتراح مديرية الأوقاف العامة بمكة بتغطية الحاجز الحديدي
стр. 1180
لـ "مقام إبراهيم" بالسلك النايلون صيانة له من إلقاء الأوراق التي ترمى فيه (١) .
نفيدكم أنه إذا كانت التغطية لمجرد تحصين المقام عما يلقى فيه ولم تكن بصورة كسوة وجمال فهذا لا بأس به إن شاء الله. والله يحفظكم. حرر في ١٧/١٠/١٣٧٦هـ.
(ص ف ٨٤١ في ١٨/١٠/١٣٧٦هـ)
(١١٨٤ - حدود المسعى بعد العمارة الجديدة)
(برقية) : الحوية، جلالة الملك المعظم أيده الله
ج٣٠١٤٤: من خصوص قرار الهيئة في حدود المسعى قد أطلعنا عليه فوجدناه صوابًا. وقد أعدنا أوراق القرار المذكور إلى محمد سرور مصحوبة بفتوانا بمقتضى ما جاء فيه: حفظكم الله وتولاكم. ... محمد بن إبراهيم
(ص م ١٣٩٦ في ٢٣/١٠/١٣٧٤هـ)
(مضمون القرار)
تأملت قرار الهيئة المنتدبة من لدن سمو وزير الداخلية، وهم فضيلة الأخ الشيخ عبد الملك بن إبراهيم. وفضيلة الشيخ عبد الله ابن دهيش. وفضيلة الشيخ عاوي مالكي. حول حدود موضع السعي مما يلي الصفا. المتضمن أنه لا بأس بالسعي في بعض دار آل الشيبي والأغوات المهدومتين هذه الأيام توسعة، وذلك البعض الذي يسوغ
стр. 1181
السعي فيه هو ما دفعه الميل الموجود في دار آل الشيبي إلى المسعى فقط وهو الأقل، دون ما دفعه هذا الميل إلى جهة بطن الوادي مما يلي باب الصفا وهو الأكثر؛ فإنه لا يسوغ السعي فيه. فبعد الوقوف على هذا الموضع في عدة رجال من الثقات رأيت هذا القرار صحيحًا، وأفتيت بمقتضاه، قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص م ١٣٨٦ في ١٩/١٠/١٣٧٤)
(نص القرار الوارد من الهيئة المشكلة رقم ٣٥ في ٢٣/٩/٧٤هـ)
بناء على الأمر الشفوي المبلغ إلينا بواسطة الشيخ محمد حابس رئيس ديوان سمو وزير الداخلية الأمير عبد الله الفيصل. القاضي أنه يأمر سموه بوقوفنا نحن الموقعين أدناه على "الميل" القائم هناك والبارز حينئذ، وذلك بعدما صدرت إرادة جلالة الملك المعظم بإضافة دار آل الشيبي ومحل الأغوات الواقعين بين موضع السعي من جهة الصفا وبين الشارع العام الملاصق للمسجد الحرام مما يلي باب الصفا. وتقرير ما يلزم شرعًا بشأن "الميل" المذكور. فقد توجهنا فوقفنا على "الميل" المذكور. وصحبنا معنا مهندسًا فنيًا، وجرى البحث فيما يتعلق بتحديد عرض المسعى مما يلي الصفا، فرأينا هذا الميل يقع عن يسار الخارج من باب الصفا القاصد إلى الصفا. وفي مقابل هذا الميل من الجهة الغربية على مسامتته ميل آخر ملتصقًا بدار الأشراف الناعمة فاصل بينها طريق الخارج من باب الصفا في سيره إلى الصفا. وما بين الميل الأول المذكور الذي بركن دار الشيبي المنتزعة ملكيتها
стр. 1182
حالا والمضافة إلى الصفا وبين الميل الذي بركن دار المناعمة ثمانية أمتار وثلاثون سنتيمًا. هي سبعة عشر ذراعًا، ومن دار المفتاح التي تقع بين الساعي من الصفا إلى الميل الأول الواقع بدار الشيبي تسعة عشر مترًا ونصف متر. ومن الميل الذي بدار الشيبي إلى درج الصفا للحرم الشريف خمسة وعشرين مترًا وثمانين سنتيمًا، كما أن بين الميل الذي يقرب الخاسكية ببطن الوادي والميل الذي يحاذيه بركن المسجد الحرام ستة عشر مترًا ونصف متر، كما أن بين الميل الذي بدار العباس وباب العباس ستة عشر مترًا ونصف متر تقريبًا، هذا التقرير الفني من حيث المساحة.
ثانيًأ - قد جرت مراجعة كلام العلماء فيما يتعلق بذلك، قال في صحيح البخاري: (باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة) وقال ابن عمر ﵁: السعي من دار ابن عباد إلى زقاق بني أبي حسين. قال في "الفتح" صحيفة ٣٩٤ جلد ٣: نزل ابن عمر من الصفا حتى إذا حاذى باب بني عباد سعى، حتى إذا انتهى إلى الزقاق الذي يسلك بين دار بني أبي حسين ودار بنت قرضة. ومن طريق عبيد الله بن ابي يزيد قال: رأيت ابن عمر يسعى من مجلس ابن عباد إلى زقاق ابن أبي حسين. قال سفيان: هو ما بين هذين العلمين. انتهى. والمقصود بهذا والله أعلم سعيه في بطن الوادي. ولم نجد للحنابلة تحديدًا لعرض المسعى وجاء في "المغني" صحيفة ٤٠٣ جلد ٣: أنه يستحب أن يخرج إلى الصفا من بابه، فيأتي الصفا، فيرقى عليه حتى يرى الكعبة، ثم يستقبلها، قال في "الشرح الكبير" صحيفة ٤٠٥ جلد٣: فإن ترك مما بينها شيئًا
стр. 1183
(أي ما بين الصفا والمروة) ولو ذرعًا لم يجزءه حتى يأتي به. انتهى.
هذا كلامهم في الطول. ولم يذكروا تحديد العرض. وقال النووي في "المجموع" شرح المهذب جلد ٨ صحيفة ٧٦: "فرع" قال الشافعي والأصحاب: لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو مر وراء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه؛ لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف، قال أبوعلي البندنجي في كتابه "الجامع": موضع السعي بطن الوادي، قال الشافعي في القديم: فإن التوى شيئًا يسيرًا أجزأه. وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤدي إلى زقاق العطارين لم يجز، وكذا قال الدرامي: إن التوى في السعي يسييرًا جاز. وإن دخل المسجد أو زقاق العطارين فلا. والله أعلم. انتهى. وقال شمس الدين محمد الرملي الشافعي المتوفي سنة ١٠٠٤ هجرية في "نهاية المحتاج" شرح المنهاج صحيفة ٣٨٣ جلد ٣ ما نصه: ولم أر في كلامهم ضبط عرض المسعى، وسكوتهم عنه لعدم الاحتياج إليه، فإن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، ولو التوى في سعيه عن محل السعي يسيرًا لم يضر كما نص عليه الشافعي ﵁. انتهى. وفي "حاشية تحفة المحتاج" شرح المنهاج صحيفة ٩٨ جلد ٤ ولما ذكر النص الذي ذكره صاحب المجموع عن الإمام الشافعي قال: الظاهر أن التقدير لعرضه بخمسة وثلاثين أو نحوها على التقريب، إذ لا نص فيه يحفظ من السنة، فلا يضر الاءلتواء اليسير لذلك، بخلاف الكثير فإنه يخرج عن تقدير العرض ولو على التقريب.
стр. 1184
ثالثًأ - قد جرت مراجعة كلام المؤرخين، فذكر أبوالوليد محمد ابن عبد الله الأزرقي في صحيفة ٩٠ في "المجلد الثاني" ما نصه بالحرف: وذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى العلم الذي بحذائه على باب دار العباس بن عبد المطلب وبينهما عرض السعي خمسة وثلاثون ذراعًا ونصف ذراع، ومن العلم الذي على باب دار العباس إلى العلم الذي عند دار ابن عباد الذي بحذاء العلم الذي في حد المنارة وبينهما الوادي مائة ذراع وإحدى وعشرين ذراعًا. انتهى. وقال الإمام قطب الدين الحنفي في صحيفة ١٠١ في تاريخه المسمى بـ "الاعلام" لما ذكر قصة تعدي ابن الزمن على اغتصاب البعض من عرض المسعى في سلطنة الملك الأشرف قاينباي المحمودي إلى أن قال: قاضي مكة وعلماؤها أنكروا عليه. وقالوا له في وجهه أن عرض المسعى كان خمسة وثلاثين ذراعًا، وأحضر النقل من تاريخ الفاكيه وذرعوا من ركن المسجد إلى المحل الذي وضع فيه ابن الزمن أساسه فكان سبعة وعشرين ذراعًا. وقال باسلامه في تاريخه "عمارة المسجد الحرام" صحيفة ٢٩٩: ذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى المسجد إلى العلم الذي بحذائه على دار العباس بن عبد المطلب وبينهما عرض المسعى (١) ستة وثلاثون ذراعًا ونصف. ومن العلم الذي على باب دار العباس إلى العلم الذي عند دار ابن عباد الذي بحذاء العلم الذي في حد المنارة وبينهما الوادي مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعًا. انتهى.
стр. 1185
رابعًا - جرت مراجعة صكوك دار الشيبي، فوجد من أقدمها صك مسجل بسجل المحكمة الكبرى بمكة بعدد (٥٧) محرم عام ١١٧١ هجرية قال في حدودها: شرقًا الحوش الذي هو وقف الواقب، وغربًا الصفا وفيه الباب، وشاما الدار التي هي وقف خاسكي سلطان، ويمنًا الدار التي هي وقف الأيوبي، قال المسجل: ولم يظهر ما يدل على حدود السعي، كما جرى سؤال أغوات الحرم الشريف المكي عن تاريخ وحدود دارهم التي أضيفت إلى ما هناك، فذكروا أن دارهم في أيديهم من نحو ثمانمائة سنة وليست لها صكوك ولا وثائق. هكذا.
وحيث أن الحال ما ذكر بعاليه، ونظرًا إلى أنه في أوقات الزحمة عندما ينصرف بعض الجهال من أهل البوادي ونحوهم من الصفا قاصدًا المروة يلتوي كثيرًا حتى يسقط في الشارع العام فيخرج من حد الطول من ناحية باب الصفا والعرض معًا ويخالف المقصود من البينية - بين الصفا والمروة. وحيث أن الأصل في السعي عدم وجود بناء وأن البناء حادث قديمًا وحديثًا. وأن مكان السعي تعبدي، وأن الالتواء اليسير لا يضر، لأن التحديد المذكور بعاليه العرض تقريبي، بخلاف الالتواء الكثير كما تقدمت الإشارة إليه في كلامهم فإننا نقرر ما يلي:
(أولاً) لا بأس ببقاء العلم الأخضر موضوع البحث الذي بين دار الشيبي ومحل الأغوات المزالين؛ لأنه أثري، والظاهر أن لوضعه معنى، ولمسامته ومطابقته الميلين ببطن الوادي مكان السعي، ولا بأس من السعي في موضع دار الشيبي لأنها على مسامته بطن الوادي بين
стр. 1186
الصفا والمروة، على أن لا يتجاوز الساعي حين يسعى من الصفا أو يأتي إليه إلى ما كان بين الميل والمسجد مما يلي الشارع العام، وذلك للاحتياط والتقريب.
(ثانيًا) أننا نرى عرض كل ما ذكرناه بعاليه على أنظار صاحب السماحة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم حفظه الله تعالى.
هذا ما تقرر متفقًا عليه بعد بذلنا الوسع، سائلين من الله تعالى السداد والتوفيق.
الهيئة
علوي بن عباس المالكي ... عبد الملك بن إبراهيم
الشيخ عبد الله بن دهيش
(هذا القرار حصلت عليه من ديوان رئاسة مجلس الوزراء)
(قرار آخر)
(جميع ما ادخلته العمارة الجديدة داخل في مسمى المسعى)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فبناء على أمركم الكريم المبلغ إلينا من الشيخ يوسف ياسين في العام الماضي حول تنبيه الابن عبد العزيز على وضع الصفا ومراجعة ابن لادن لجلالتكم في ذلك، وحيث قد وعدت جلالتكم بالنظر في موضوع الصفا ففي هذا العام بمكة المكرمة بحثنا ذلك، وتقرر لدى ولدى المشايخ: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ علوي عباس المالكي، والأخ الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، والشيخ عبد الله بن دهيش، والشيخ عبد الله بن جاسر، والشيخ عبد العزيز ابن رشيد: على أن المحل المحجور بالأخشاب في أسفل الصفا داخل في الصفا، ماعدا فسحة الأرض الواقعة على يمين النازل من الصفا فإننا لم نتحقق أنها من الصفا. أما باقي المحجور بالأخشاب فهو داخل في مسمى الصفا. ومن وقف عليه فقد وقف على الصفا كما هو مشاهد، ونرى أن ما كان مسامتًا للجدار القديم الموجود حتى ينتهي إلى صبة الأسمنت التي قد وضع فيها أصياخ الحديد هو منتهى محل الوقوف من اليمين للنازل من الصفا. أما إذا نزل الساعي من الصفا فإن الذي نراه أن جميع ما أدخلته هذه العمارة الجديدة فإنه يشمله اسم المسعى، لأنه داخل في مسمى ما بين الصفا والمروة، ويصدق على من سعى في ذلك أنه سعى بين الصفا والمروة. هذا وعند إزالة هذا الحاجز والتحديد بالفعل ينبغي حضور ك من المشائخ: الأخ الشيخ عبد الملك، والشيخ علوي
стр. 1187
المالكي، والشيخ عبد الله بن جاسر والشيخ عبد الله بن دهيش، حتى يحصل تطبيق ما قرر هنا، وبالله التوفيق.
(ص م ٤٠٣ في ٣/١/١٣٨٠هـ)
(١١٨٥ - ترك حجارة الصفا والمروة كما كانت وما يكفي العربات في استكمال السعي)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس ديوان جلالة الملك
وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فقد أطلعنا على المعاملتين المحالتين إلينا بخطابكم رقم ١٥/٥/١٤٦٦ وتاريخ ١٩/٤/١٣٧٧هـ ورقم ١٥/٥/١٦١٧
стр. 1188
وتاريخ ١٩/٤/١٣٧٧هـ حول اقتراح عضو اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام محمد طاهر الكردي تأليف لجنة من علماء المذاهب الأربعة لبيان مبدأ السعي ومنتهاه في الصفا والمروة، وذلك بأن يكسر صخر الصفا والمروة، ولا يبقى درج مطلقًا، بل يبقى جدار سميك فقط في آخر الصفا. وجدار آخر ينتهي في آخر المروة يبدأ السعي منه وينتهي إليه، معللآً ذلك يتيسير حصول السعي في العربات على استكمال السعي بين الصفا والمروة.
وبعد تأمل الاقتراح المذكور ظهر لنا أنه يتعين ترك الصفا والمروة على ما هما عليه أولاً. ويسعنا ما وسع من قبلنا في ذلك، ولو فتحت أبواب الاقتراحات في المشاعر لأدى ذلك إلى أن تكون في المستقبل مسرحًا للآراء، وميدانًا للاجتهادات، ونافذة يولج منها لتغيير المشاعر وأحكام الحج، فيحصل بذلك فساد كبير. ويكفي في حصول وصول العربات التي تحمل المرضى والعاجزين إلى ما يحصل به الوصول إلى ما يكفي الوصول إليه في استكمال السعي، يكفي في ذلك إعادة أرض المسعى إلى ما كانت عليه قبل هذا العمل الجديد، أو يجمع بين هذه المصلحة ومصلحة انخفاض المسعى، بأن يجعل ما يلي كلا من الصفا والمروة متصاعدًا شيئًا فشيئًا حتى يكون ما يلي كلا منهما على حالته قبل هذا العمل الجديد، ولا مشقة في ذلك، مع المحافظة على ما ينبغي المحافظة عليه من بقاء المشاعر بحالها وعدم التعرض لها بشيء، ولا ينبغي أن يلتفت إلى أماني بعض المستصعبين لبعض أعمال الحج واقتراحاتهم، بل ينبغي أن يعمل حول ذلك البيانات الشرعية بالدلائل القطعية المشتملة على مزيد البحث والترغيب
стр. 1189
في الطاعة والتمسك بهدي رسول الله ﷺ وسنته في المعتقدات والأعمال، وتعظيم شعائر الله ومزيد احترامها، والله يحفظكم في ٤/٥/١٣٧٧هـ.
(ص - ف ٥٥٢٠ في ٨/٥/١٣٧٧هـ) (١)
(مساحة الصفا والمروة، واستبدال الدرج بمزلقان، ونهاية أرض المسعى - في قرار مشايخ) (٢)
في يوم الثلاثاء الموافق ١٠/٢/١٣٧٨هـ اجتمعتت اللجنة المكونة من كل من: الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، والشيخ عبد الله بن جاسر، والشيخ عبد الله بن دهيش، والسيد علوي مالكي، والشيخ محمد الحركان، والشيخ يحيى أمان، بحضور صالح قزاز وعبد الله ابن سعيد مندوبي الشيخ محمد بن لادن، للنظر في بناء المصعدين المؤديين إلى الصفا (٣) ولمعرفة ما إذا كان في ذلك مخالفة للمصعد الشرعي القديم، وذلك بناء على الأمر السامي المبلغ للجنة من وزارة الداخلية برقم ١٠٥٣ في ٢٨/١/٧٨هـ وجرى الوقوف أولاً على المصعدين المذكورين الذي جرى بناؤهما هناك من قبل مكتب مشروع توسعة المسجد الحرام. وبعد الدراسة والمذاكرة فيما بين اللجنة اتضح أن المصعد الشرقي المواجه للمروة هو مصعد غير شرعي، لأن الراقي عليه لا يستقبل القبلة كما هو السنة، وإذا حصل الصعود من ناحية فلا يتأتى بذلك استيعاب ما بين الصفا والمروة المطلوب
стр. 1190
شرعًا. وبناء على ذلك فإن اللجنة رأت إزالة ذلك المسعد، والاكتفاء بالمصعد الثاني المبني في موضع المصعد القديم، لأن الراقي عليه يستقبل القبلة كما هو السنة، كما أن المصعد والنزول من ناحيته يحصل به الاستيعاب المطلوب شرعًا. ونظرًا لكون المصعد المذكور يحتاج إلى التوسعة بقدر الإمكان ليتهيأ الوقوف عليه من أكبر عدد ممكن من الساعين فيما بين الصفا والمروة، وليخفف بذلك الضغط خصوصًا في أيام المواسم وكثرة الحجيج، وبالنظر لكون الصفا شرعًا هو الصخرات الملساء التي تقع في سفح جبل أبي قبيس، ولكون الصخرات المذكورة لاتزال موجودة للآن وبادية للعيان، ولكون العقود الثلاثة القديمة لم تستوعب كامل الصخرات عرضًا. فقد رأت اللجنة أنه لا مانع شرعًا من توسيع المصعد المذكور بقدر عرض الصفا.
وبناء على ذلك فقد جرى ذرع عرض الصفا ابتداء من الطرف الغربي للصخرات إلى نهاية محاذاة الطرف الشرقي للصخرات المذكورة في مسامتة موضع العقود القديمة، فظهر أن العرض المذكور يبلغ ستة عشر مترًا، وعليه فلا مانع من توسعة المصعد المذكور في حدود العرض المذكور، على أن يكون المصعد متجهًا إلى ناحية الكعبة المشرفة، فيحصل بذلك استقبال القبلة كما هو السنة، وليحصل الاستيعاب المطلوب شرعًا.
وبالنظر لكون الدرج الموجود حاليًا هو ١٤ درجًا، فقد رأت اللجنة أن تستبدل الستة الدرجات السفلى منها بمزلقان يكون انحداره نسبيًا، حتى يتمكن الساعي من الوصول إلى نهايتها باعتباره من أرض المسعى، وليتحقق بذلك الاستيعاب المطلوب شرعًا، ثم يكون
стр. 1191
ابتداء الدرج فوق المزلقان المذكور، ويكون من ثم ابتداء المسعى من ناحية الصفا.
ثانيًا: كما وقفت اللجنة أيضًا على المروة، فتبين لها بعد الاطلاع على الخرائط القديمة والحديثة للمسعى، وبعد تطبيق الذرع للمسافة فيما بين الصفا والمروة كما نص على ذلك الإمام الأزرقي والإمام الفاسي في تأريخهما بأن المسافة المذكورة تنتهي عند مراجعة موضع العقد القديم من المروة، وهو الموضع الذي أقيم عليه الجسر في البناية الجديدة، وبذلك يكون المدرج الذي أنشيء أمام الجسر والذي يبلغ عدده ستة عشرة درجة جميعه واقع في أرض المسعى.
وقد يجهل كثير من الناس ضرورة الصعود إلى نهاية الست عشرة درجة المذكورة ويعودون من أسفل الدرج كما هو مشاهد من حال كثير من الناس فلا يتم بذلك سعيهم، لذلك رأت اللجنة ضرورة إزالة الدرج المذكورة. وبعد تداول الرأي مع المهندسين والاطلاع على الخريطة القديمة تقرر استبدال الدرج المذكورة بمزلقان يتحدر نسبيًا إبتداء من واجهة الجسر المذكور إلى النقطة التي عينها المهندسون المختصون بمسافة يبلغ طولها ٣١مترًا، وبذلك يتحتم على الساعين الوصول إلى الحد المطلوب شرعًا وهو مكان العقد القديم الذي وضع في مكانه الجسر الجديد باعتبار المزلقان المذكور من أرض المسعى، ثم تكون الثلاث الدرج التي تحت الجسر هي مبدأ الصعود للمروة، وتكون هذه النقطة هي نهاية السعي من جهة المروة، وعلى ذلك حصل التوقيع.
(هذا القرار وجدته عند فضيلة الشيخ عبد الله بن دهيش أحد أعضاء اللجنة)
стр. 1192
(١١٨٦ - طريق العربات)
وكذلك تسهيلاً للسعي بين الصفا والمروة على العجزة يمكن عمل خط تمر عليه عربات من داخل المسعى ومعلقة في جدرانه تذهب من طريق وتعود من الطريق الثاني.
(ص - م في ٢٨/٧/١١١٧هـ)
وقد استغنيت عن أولها بفتاوي أبسط منها.
(١١٨٧ - حدود منى)
من شفير وادي محسر الغربي إلى جمرة العقبة. بعضهم يدخل جمرة العقبة في نفس منى، وبعضهم يقول حد منى إليها نفسها وهي خارجة من الحد إلا أنها لاصقة به. ومتى في العرض كل ما انحدر به السيل إلى متى كله تبع متى، وهو ما بين الجبلين الأيمن والأيسر وجميع التلاع التي فيه. (تقرير)
(الجمرات)
(١١٨٨ - توسيع ما حول جمرة العقبة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس الديوان العالي
الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فبالإشارة إلى خطابكم رقم ١٥/٥/٣١٧٥ وتاريخ ١١/٨/١٣٧٥هـ المرفق به الأوراق الدائرة حول توسيع ما حول جمرة العقبة.
نفيدكم أنه قد جرى الاطلاع على قرار رئيس المحكمة الشرعية الكبرى بمكة بهذا الخصوص، وترى الموافقة عليه على أساس أن
стр. 1193
يكون الأخذ من الجبل المذكور الذي تستند عليه جمرة العقبة بطريقة التسهيل فقط - على أن لا يمس الشاخص والحوض وما يليه، ويكون الوصول إلى المرمى من تلك الجهة سهلاً - وتبقى الجهة التي فوق العقبة مرتفعة ارتفاعًا يتناسب مع الموضع المذكور واسم العقبة وحرمة المشعر المذكور، مع العلم أن التسامح في التسهيل المذكور نظرًا للحالة الحاضرة ووجود الزحام الذي ينشأ عنه ما ينشأ من أضرار، ولولا ذلك أبقى كل شيء على ما كان عليه. وإليكم برفقه جميع الأوراق لإجراء اللازم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(ص - ف ٩٤٧ وتاريخ ١/٩/١٣٧٥هـ)
(١١٨٩ - دائرة المرمى لا توسع، ولا يغير الشاخص الزمي من فوقه، التخفيف من الجدار، النهي عن الكتابة عليه)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فبالإشارة إلى خطاب سموكم رقم ١٣١٨ - ٢ وتاريخ ٢٩/٤/١٣٨٣هـ المرفق بقصاصة جريدة الندوة من عددها ١١٥١ المؤرخ في ٢٣/٥/٨٢هـ المنشور فيها اقتراحات الشيخ طاهر الكردي حول جدار جمرة العقبة الخلفي المكتوب عليه: (لا يجوز الرمي من هنا) وما ارتآه من أن الكتابة لا تكفي لتتبيه الناس، واقتراحه أن يوضع ميكرفون يشبه الناس على ما ذكر، كما يقترح أن يزاد
стр. 1194
في بناء الجدار حتى يحاذي رأس الجمرة، وأن يبنى من الخلف طول نحو أربعة أمتار أو خمسة. وذكرتهم أن اللجنة العامة لمشاريع مناطق الحج رأت في قرارها رقم ١٤-٨ إحالة هذا الاقتراح إلينا لإبداء ما تراه. وهل الرمي من خلف الجمرة غير جائز؟ وإذا كان جائزًا فترغبون إيضاح الطريقة التي يزال بها الجدار الحالي.
أولاً: من ناحية جواز رمي جمرة العقبة من فوقها، فهذا جائز شرعًا، بتصريح أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرهم، ولا نعلم أحدًا قال إن رميها من وفقها غير صحيح، وإنما رميها من بطن الوادي هو السنة التي فعلها النبي ﷺ فهو أفضل وأكمل بلاشك. وأما رميها من فوقها فصحيح ومجزي قولا واحدًا، ونحن نسوق هنا عبارات العلماء لاطلاع اللجنة الموقرة وغيرها، بل واطلاع الرأي العام.
أما كلام علماء الحنابلة فقال الموفق في "المغني" صحيفة ٤٢٧": وإن رماها - يعني جمرة العقبة - من فوقها جاز، لأن عمر ﵁ جاء والزحام عند الجمرة فرماها من فوقها، والأول أفضل. أهـ. وقال في "الإقناع وشرحه" جزء ٢ صحيفة ٤٥٠: ذكره في "المنتهى وشرحه" و "الغاية" وغيرها من كتب المذهب.
وأما كلام علماء الشافعية فقال الإمام الشافعي في "الأم" جزء ثاني صحيفة ٢١٣: ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ومن حيث رماها أجزأه. وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" جزء ٩ ص٤٢. وقد أجمعوا على أن من حيث رماها سواء استقبلها
стр. 1195
أو جعلها يمينه أو عن يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وقف وسطها ورماها، والاختلاف في الأفضل. أهـ.
وأما كلام المالكية فقال فلي"شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، للإمام أبي الحسن جزء أول صحيفة ٤٧٧ و ٤٧٨: وللرمي شروط صحة: وهي ثلاثة. وشروط كمال: وهي سبعة. وذكر السابع رميها من بطن الوادي فلو رماها من فوقها أجزاء. وقال في "الفواكه الدواني": على رسالة ابن أبي زيد القيرواني صحيفة ٣٧٤:: ولا فرق في الإجزاء بين كون الرامي واقفًا أمام البناء أو تحته أو خلفه، لأن القصد إيصال الحصيات إلى أسفل البناء. أهـ.
وأما كلام الحنيفية فقال: في "المبسوط" للسرخسي جزء رابع ص٦٦ قال: وإن رمي جمرة العقبة من فوق العفبة أجزأه، وقد بينا أن الأفضل أن يرميها من بطن الوادي، ولكن ما حول ذلك الموضع. كله موضع الرمي، فإذا رماها من فوق العقبة فقد أقام النسك في موضعه فجاز. أهـ. وقال في "فتح القدير" على الهداية جزء ثاني صحيفة ١٧٤. ولو رماها من فوق العقبة أجزأ، لأن ما حولها موضع النسك، والأفضل أن يكون من بطن الوادي، لما روينا. قال في شرحه: قوله: ولو رماها من وفق العقبة أجزأه. إلا أنه خلاف الستة، ففعله ﷺ من أسفلها سنة، لا لأنه متعين، ولذا ثبت رمي خلق كثير في زمن الصحابة من أعلاها كما ذكرناه آنفًا من حديث ابن مسعود، ولم يأمرهم بالإعادة ولا أعلنوا بالنداء بذلك في الناس.
ثانيًا: من ناحية بناء الجدار الحالي والكتابة عليه (لا يجوز