قوله: حتى إن هذا ليعد من التكاليف الآصارية، التي تبطله النصوص الدينية، وما اشتملت عليه من الرحمة والمصلحة والإحسان والحنان.
يقال: لا يعد هذا من الآصار إلا من انغمس في الإلحاد، وصرح بما يدل أنه عن الدين قد حاد، أو منافق قد عاث في الأرض والفساد وتستر بالدين وكان في الحقيقة للدين قد كاد، أو جاهل قد تزيا بزي أهل العلم وهو منهم في غاية الابتعاد، فعد ذلك من الحرج، وتصور أن لا مخرج منه إلا بما أدركه فهمه الذي مرج، وفارق أفهام السلف الصالح الذين أقاموا من الدين العوج، وعرفوا الخروج من المضايق بما يسر الله وشرعه من فرج، وذلك أن الناس إذا عملوا بغث رخصته، حشدوا جميعاً أو أكثرهم أول النهار خشية حر الشمس أو قبل الفجر فحصل ما فر منه من الزحام، وفات عليه غرضه الذي حوله قد حام، لتوسيع هذا الرجل لهم المجال، وتصريحه بما لم يسبق إليه في الاستدلال، فإنه صرح ـ كما يأتيك في رسالته ـ بما يقتضي أن حديث " فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال أفعل ولا حرج" أن التحديد في أمثال هذا من باب الاستحباب، وليس له أي حظ من حكم الإيجاب، أو يفضي ما قرره إلى تأخيره عن يومه إلى الليل، فيلقون من مكابدة ظلامه كل ويل، أو إلى أن يستولي عليهم الكسل، فيفضي بهم إلى ترك العبادة مطلقاً أو تأخيرها التأخير الموقع في الإثم، وحينئذ يكون هذا الرجل قد فوتهم المأمور، وأوقعهم في نظير ما فر منه من المحذور، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1367
ولعمري لا شيء أحسن من الاعتصام بالكتاب والسنة، والدرج على ما جرج عليه صدر هذه الأمة، الذين هم القدوة والأئمة، الذين عرفوا من مراد الله ورسوله تاصيلاً وتفصيلاً ما حرمه أرباب الدعاوي الكاذبة، الذين صرحوا فيما كتبوه بأقلامهم بما يقتضي أنهم من أزجى الناس بضاعة في الشريعة المحمدية، وحظهم اللخبطة الشقاشق، والمخرفة والتحامق، وقد قدمنا أ، هـ معلوم بالضرورة أن هذا الدين الإسلامي هو دين الرحمة والمصلحة رخصه وعزائمه.
قوله: " والنبي ﷺ رمى جمرة العقبة يوم العيد في أول النهار، ثم رمى الجمار بقية الأيام فيما بعد الزوال " والكل سنة، وإنما فعل هذا وهذا توسعة منه على أمته، وبياناً لامتداد وقته، كما وسع عليهم في الوقوف بعرفة في المكان والزمان، فإنه وقف بها بعد الزوال إلى الغروب عند الصخرات، وقال: " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (١) وقال فيما رواه عروة بن مضرس المزني، أنه جاء النبي ﷺ وهو واقف بمزدلفة، قال: قلت يارسول الله: جئتك من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، ولا والله ما تركت من جبل تحب أو يوقف عليه إلا وقفت عليه فهل يجزيني ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : " من شهد صلاتنا هذه ـ يعني بالمزدلفة ـ ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة وقضى تفثه " (٢) وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث على أن وقت الوقوف يدخل
стр. 1368
بفجر يوم عرفة، وجعل الأصحاب الوقوف إلى الغروب من الواجبات التي تجبر بالدم، والحديث لا يقتضيه. والله أعلم.
يقال: مراد هذا الرجل بالسنة هاهنا السنة الاصطلاحية المعرفة عند الفقهاء بتعريف المستحب ـوهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ـ كما يعرف مما سبق من كلامه وما سيأتي منه. ومراده أيضاً أنه كما أن رمي جمرة العقبة يوم النحر أول النهار سنة، فالرمي في أيام التشريق بعد الزوال سنة، وأنه يجوز في أيام منى الثلاثة رمي الجمار قبل الزوال، كما رمى ﷺ جمرة العقبة في يوم النحر ضحى، فقاس رمي الجمار أيام التشريق على رمي جمرة العقبة يوم النحر في توسيع وقته، فيلزمه حينئذ أن يقيس أيام التشريق على يوم النحر في الاقتصار على رمي جمرة العقبة ولا فرق، وهذا قياس باطل، لمخالفته فعله ﷺ وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم جميعاً، عن عيسى بن يونس، قال ابن خشرم: أخبرنا عيسى عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول: " رايت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ".
ورميه ﷺ في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة ثلاث الجمرات بعد الزوال كما في حديث جابر الصحيح، وحديث ابن عباس، وحديث ابن عمر: يبطل هذا القياس من جهة الوقت، ومن جهة عدم اقتصاره ﷺ فيهن على رمي جمرة العقبة
стр. 1369
ورميه ﷺ الجمرات أيام التشريق بعد الزوال يدل على الوجوب، لأنه فعله ﷺ مشرعاً لمته على وجه الامتثال والتفسير، فكان حكمه حكم الأمر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " شرح العمدة ": والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر، وهو داخل في عموم قوله ﷺ " خذوا عني مناسككم" (١) انتهى.
وما احتج به هذا الرجل من قول النبي ﷺ يوم عرفة: " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف" على توسيع زمن رمي الجمار أيام التشريق بحيث يجوز ويجزي قبل الزوال فهو باطل، إذ من المعلوم عند كل أ؛ د أن مراد النبي ﷺ عدم تعيين الموضع الذي وقف فيه عند الصخرات لوقفة الحج، ولهذا قال: " عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة" ونظيره قوله ﷺ بمنى: " نحرت هاهنا ومنى كلها منحر" (٢) قال ذاك بعرفة خشية أن يظن أن لا موقف في عرفة إلا الموضع الذي وقف فيه عند الصخرات، وقال هذا في منى خشية أن يظن أن لا منحر إلا في المكان الذي نحر فيه ﷺ ، ولم يقل ﷺ حين رمى الجمرات أيام التشريق بعد الزوال " رميت هذا الوقت وكل اليوم وقت رمي" فلما قال في الموقف بعرفة والمنحر بمنى ما قال ولم يقل نظيره في وقت رمي الجمار أيام التشريق تبين الفرق بينهما، وأن الرمي أيام التشريق يختص بالوقت الذي
стр. 1370
رمى فيه، وأن الموقف بعرفة والمنحر بمنى لا يختص بالمكان الذي وقف فيه والمكان الذي نحر فيه، وهذا من أوضح الواضحات.
وتوسيع النبي ﷺ زمن الوقوف لامستفاد من حديث عروة بن مضرس ليس توسيعاً إطلاقياً، وإنما هو توسيع محدود الأول والآخر. فمن وقف في غير عرفة فلا حج له، ومن وقف في غير الزمن المحدود في حديث عروة فلا حج له، فمكان الوقوف وزمانه محدودان بالسنة النبوية، وزمن الرمي وعدده ومكانه محدودة بالسنة النبوية كما تقدم في حديث جابر وغيره، فمن لم يكتف في أي عبادة من عبادات الحج بمقدار التوسيع الذي وسعه رسول الله ﷺ فيها وقاسها على توسيع زمن أو مكان عبادة أخرى فقد أخطأ، وقدم بين يدي الله ورسوله، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فإن العبادات نوعاً وقدراً ووقتاً وكيفية إنما تتلقى من مشكاة النبوة، والآراء مطرحة والقياس لا قيمة له إذا أشرقت شمس سنة المصطفى ﷺ .
قوله: وجعل الأصحاب الوقوف إلى الغروب من الواجبات التي تجبر بدم، والحديث لا يقتضيه.
يقال له: ليس هذا قول الأصحاب فقط، بل هو قول سائر أئمة الدين وعلماء المسلمين إلا من شذ، بل ذهب الإمام مالك ﵀ إلى أن ذلك من أركان الحج.
ودليل وجوب بقاء الواقف بعرفة إلى غروب الشمس فعله ﷺ ، مع قوله ﷺ " خذوا عني مناسككم" (١) .
стр. 1371
وتقدم قول شيخ الإسلام في شرح العمدة: إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر.
ولا يظن أن بين ما قررناه ها هنا وبين حديث عروة بن مضرس شيئاً من التنافي، بل ما قررناه يوافق حديث عروة ويفسره؛ وذلك أنه ليس في حديث عروة ما يدل على جوز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس أصلاً؛ فإن قوله ﷺ : " وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً " يفسره فعله ﷺ ؛ إنه وقف المسلمين نهاراً إلى غروب الشمس؛ فدل على أنه واجب، وعروة لم يصل إلى عرفة إلا ليلاً فقط؛ لأنه لو كان قد وقف بها نهاراً مع الجمع العظيم ما قال للنبي ﷺ فهل لي من حج، وأكثر ما في حديث عروة صحه حج من وقف بعرفة نهاراً ودفع قبل الغروب، وقد أخذ الفقهاء بذلك فصححوا وقفته وأوجبوا عليه دماً ظ، كما صححوا وقفة من لم يصل إلى عرفة إلا ليلاً ولم يوجبوا عليه دماً، وكما صححوا هم وغيرهم وقفة من وقف بعرفة نهاراً وبقي إلى غروب الشمس واعتقدوا أنه هو هدي النبي ﷺ ، ورأو وجوبه عملاً بفعل النبي ﷺ مع قوله: " خذوا عني مناسككم " وجمعوا بذلك بين سنن رسول الله ﷺ .
ومما يدل على عدم جواز الدفع من عرفة قبل الغروب عدم إذن النبي ﷺ للضعفة في ذلك مع ما يلقونه في طريقهم من الزحمة وحطمة الناس، كما رخص لهم في الدفع من مزدلفة آخر ليلة جمع لذلك. ومنى قول النبي ﷺ في حديث عروة " فقدتم حجة " أي صح؛ فإن عروة لم يسأل إلا عن
стр. 1372
صحة حجة كما تفيده كلمة: فهل لي من حج يا رسول الله ووجوب الدم لا يمنع صحة الحج؛ فإن من ترك واجباً من واجبات الحج عامداً أو ناسياً فعليه دم وحجه صحيح، ويشهد لاستعمال النبي ﷺ التمام بمعنى الصحة ما في النسائي وأبي داود مرفوعاً " إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ثم يكبر الله " الحديث.
قوله: ولو كان الأمر كما زعموا أن ما قبل الزوال وقت نهي غير قابل للرمي لبينه النبي ﷺ بياناً واضحاً بنص قطعي الرواية والدلالة وأرد مورد التكليف العام؛ إ ذ لا يجوز في الشرع تأخير بيان مثل هذا عن وقت حاجته، كما نهى النبي ﷺ عن الصلاة في أوقات معلومة.
يقال: أولا جباً لهذا الرجل: كيف يكون عدم النهي عن فعل العبادة المقيدة بوقتها المأمور بها فيه دليلاً على جواز فعل تلك العبادة قبل وقتها، وهل هذا إلا شرع دين لم يأذن به الله؟! أما يدر هذا الرجل أن العبادات مبناها على الأمر؟! أيخفى عليه حديث عائشة ﵂ مرفوعاً " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) فإنه يشمل بعمومه إحداث عبادة لم تعلم من الشرع. ويشمل بعمومه أيضاً فعل عبادة مأمور بها لكن فعلها الفاعل في غير وقتها الذي أمر بها فيه كمسألتنا، ويشمل بعمومه فعل عبادة قد أمر به افيه لكن عملها في مكان غير المكان الذي عين أن تفعل فيه. ونظير ذلك لو فعلها في وقتها الذي أمر أن تفعل فيه وفي المكان الذي أمر أن تفعل فيه لكن زاد فيه أو نقص. وزعم
стр. 1373
هذا الرجل أن النبي ﷺ لم يبين المنع من رمي الجمرات أيام منى قبل الزوال منعاً واضحاً بنص قطعي الرواية والدلالة وأرد مورد التكليف العام. زعم باطل؛ فإن فعل النبي ﷺ هذه العبادة في أيام منى الثلاث بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير منزل منزلة الأمر العام عند جميع أئمة الإسلام.
ويقال " ثانياًَ " قد ثبت النهي عن رمي هذه الجمرات قبل الزوال، فروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يقول: لا ترمى الجمرة حتى تزول الشمس. وهذا له حكم الرفع؛ لا مسرح للرأي فيه.
ويقال " ثالثاً " لا تفتقر الأحكام الشرعية الفرعية في ثبوتها إلى اشتراط قطعية السند؛ بل تثبت بالأدلة الظنية، إنها الذي يحتاج في ثبوته إلى كون دليله قعطياً هي الأصول والعقائد؛ فإنه لا يثبت أصل شرعي بدون دليل قطعي من تواتر أو ما يقوم مقامه، كما لا تثبت العقائد بدون دليل قطعي من تواتر أو ما يقوم مقامه.
فجمع هذا الرجل هاهنا بين عدة أنواع من الجهل: " أحدها": إقدامه على أن الجمرات ترمى في كل وقت لم يرد عن النبي ﷺ فيه نهي صريح.
"الثاني" اشتراطه في أدلة الفروع أنها قطعية.
"الثالث": تصريحه أنه لم يثبت عن النبي ﷺ توقيت رمي الجمار الثلاث أيام منى بعد الزوال بأمر عام، متخيلاً من فعل النبي ﷺ أيام التشريق أنه فعل فقط، وأنه لا عموم له، ولهذا اشتراط كون الدليل وارد مورد التكليف العام،
стр. 1374
ولهذا أعرض في رسالته عن حديث " خذوا عني مناسككم" إما عمداً وإما نسياناً له، سبب وقوعه فيما وقع فيه من الغلط.
وأما استدلال هذا الرجل على جواز رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال بعدم نهي النبي ﷺ عنه، معللاً بأن المنع من الصلاة أوقات النهي هو لنهي النبي ﷺ عن الصلاة فيها. فهو من عظيم جهله، وذلك للفرق الواضح بين رمي الجمرات وبين نوافل الصلاة المطلقة وصلاة الجنازة ونحوها مما لم يوقت له مما يجوز فعله في كل وقت من ليل ونهار، لكن نهي عنها في أوقات النهي الخمسة لعلة مشابهة الكفار ونحو ذلك.
أما العبادات المؤقتة من صلاة وطواف ورمي جمار فهي مقيدة بتلك الأوقات، وفعلها بعد دخولها من جملة شروط صحتها، ومن لم يعرف الفرق بينهما فهو إلى أن يتعلم أحوج منه إلى أن يفتي ويتكلم.
قوله: وكما نهى ابن عباس والضعفة الذين معه بأن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فبدل الناس قولاً غير الذي قيل لهم فكانوا يدفعون ثم يرمون الجمرة وهم أصحاء أقوياء.
مراد هذا الرجل من استدلاله بنهي النبي ﷺ ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب عن أن يرموا قبل طلوع الشمس على جواز الرمي أيام التشريق قبل الزوال: أنه كما استفيد من نهيه عن الرمي قبل طلوع الشمس المنع، فإنه يستفاد من عدم النهي عنه قبل الزوال أيام التشريق الجواز.
فيقال: أولاً: إنما يستقيم هذا فيما أصله الإباحة، والعبادات ليست كذلك، إنما هي توقيفية، فما شرعه الله ورسوله مطلقاً كان
стр. 1375
مشروعاً كذلك، وما شرعه مؤقتاً في زمان أو مكان توقت وتقيد بذلك المكان والزمان، ولا يحتاج الحكم على فساد العبادات إذا فعلت قبله إلى نهي عن ذلك، إكتفاء بالتوقيت الشرعي، والتحديد الشرعي ومسألتنا من هذا الباب.
فإن قيل: لم جاء هذا النهي في حق ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب ولم يجيء نهي الناس عموماً عن الرمي قبل الزوال أيام التشريق.
قيل: إنما جاء ذلك في حق ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب لعدم إمكان أخذهم مناسكهم عن النبي ﷺ في رميهم جمرة العقبة يوم النحر، لعدم حضورهم معه ﷺ الحين الذي يصلون فيه إلى جمرة العقبة، فكانوا محتاجين لتوقيت رمي الجمرة لهم بالبيان القولي منه ﷺ فإنهم مستغنون عن ذلك بحضورهم معه ﷺ حين رميه تلك الجمرة واقتدائهم به، وأخذهم عنه ﷺ مناسكهم، كما قال ﷺ : " خذوا عني مناسككم" وهكذا هم معه ﷺ في بقية أعمال الحج التي تعمل يوم النحر وبعده من رمي الجمرات أيام التشريق بعد الزوال.
فأول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر لغير الضعفة مبين من النبي ﷺ ببيانين (أحدهما) : القولي الذي علمه ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب. و (الثاني) : فعله ﷺ برميه تلك الجمرة بعد طلوع الشمس على وجه الامتثال والتفسير المنزل منزلة الأمر. فما قبل طلوع الشمس ليس بوقت
стр. 1376
لرمي الجمرة في حق غير الضعفة، كما أن أول وقت رمي الجمرات أيام منى الثلاثة مبين بفعله ﷺ الذي فعله على وجه الامتثال والتفسير المنزل منزلة الأمر، ولم يحتج هنا للبيان القولي لكون ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب وسائر الضعفة حاضرين معه ﷺ ، مكتفين في معرفة وقت الرمي بفعله ﷺ ، فكما استفيد من تحديد أول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر بطلوع الشمس أن ما قبله لا يصح فيه الرمي، فإنه استفيد من تحديده الثاني لأول وقت رمي الجمرات أيام التشريق بالزوال أنه لا يصح الرمي قبله.
ويقال "ثانياً" مقتضى استدلال هذا الرجل ـ بكون الشريعة المحمدية شريعة اليسر البعيدة عن الآصار والأغلال على جواز الرمي أيام منى قبل الزوال ـ تجويز الدفع من مزدلفة ليلاً مطلقاً، وهو مقتضى استدلاله عليه أيضاً بحديث " فما سئل يومئذ عن شيء قدِّم أو أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج" وإلا فما الفرق؟ ! أفتكون هذه حججاً إذا كانت في جانبه، وإذا كانت في جانب سواه لغت وسقطت.
ويقال أيضاً: السنة فرقت بين الضعفة وغيرهم، فجوزت الدفع لهم آخر ليلة جمع، ولم تجوز لواحد منهم الرمي أيام منى قبل الزوال خشية الزحمة، مما يعلم به أن التوقيت والتحديد لرمي الجمرات تلك الأيام آكد وأبلغ من التحديد والتوقيت للدفع من جمع. أفيكون المجوزون للدفع لغير الضعفة من جمع قبل الوقت الذي دفع فيه رسول الله ﷺ مبدلين قولاً غير الذي قيل لهم مع وجود جنس الرخصة في حق بعض الحجاج، ولا يكون من رمي الجمرات أيام منى قبل الزوال الذي لم توجد الرخصة فيه
стр. 1377
لأحد غير مبدلين قولاً غير الذي قيل لهم؟ ! هذا في غاية البعد عن العدل والإنصاف.
قوله: ومما يدل على جواز الرمي قبل الزوال ما رواه البخاري في صحيحه، حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر عن وبرة، قال: سألت ابن عمر متى ارم الجمار قال: إذا رمى إمامك فارمه فأعدت عليه المسألة، فقال: " كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" (١) .
يقال: هذا الرجل لبعده عن هذا الشأن، وعدم استحقاقه أن يجول في هذا الميدان، أصبح كعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها، وذلك أن حديث ابن عمر هذا أحد أدلة المسلمين، على أن سنة سيد المرسلين، ﷺ وهديه الواجب الاتباع هاهنا أن لا ترمى الجمرات الثلاث أيام منى إلا بعد زوال الشمس، نظير حديث جابر وغيره من الأحاديث الدالة على توقيت رمي الجمار الثلاث بما بعد الزوال، وهذا هو صريح حديث ابن عمر المذكور الذي استدل به هذا الرجل على خلاف.. له، وذلك في قوله لما أعاد عليه وبرة السؤال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا. فأخبر ﵁ أن هديه وهدي سائر أصحابا رسول الله ﷺ هو هدي نبيهم ﷺ وهو الرمي في أيام منى الثلاثة بعد زوال الشمس. فانخرط هذا الرجل في سلك الذين بدلوا قولاً غير الذي قيل لهم.
والذي غره ما في قول ابن عمر لوبرة حين سأله متى أرم؟ فقال ابن عمر: إذا رمى إمامك فارمه. فمن أين لهذا الرجل أن هذا الإمام الذي أحال ابن عمر وبرة إلى أن يرمي إذا رمى كان يرمي قبل زوال
стр. 1378
الشمس، بل نعلم قطعاً أن هذا الإمام لا يرمي إلا بعد زوال الشمس، وإلا لزم أن ابن عمر يفتي من سأله بالاقتداء بمن يعلم أنه يخالف هدي النبي ﷺ في وقت الرمي، وهذا في غاية البطلان، ولا سيما وابن عمر قد اشتهر من تعظيم السنة بما يعرفه كل أحد، ولا سيما أحكام الحج، وقصته مع الحجاج في وقت الوقوف بعرفة وما وضح له من سنة رسول الله ﷺ معلومه.
وابن عمر ﵄ راعى هاهنا شيئين لم يراعهما هذا الرجل، بل قام بالدعاية ضدهما، وذلك أن ابن عمر عظم سنة رسول الله ﷺ ، وعظم طاعة أُولي الأمر: فأحال وبرة هذه الإحالة تنبيهاً على طاعة الإمام وعدم مخالفته فيما لا يخالف الحق، وعظم سنة رسول الله ﷺ بقوله: " كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" وهذا الرجل لم يبال بسنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، وما تمسك به المسلمون من ذلك إلى زمننا هذا، ولم يبال بأولي الأمر، بل دعا إلا خلافهم بالدفع من عرفة قبلهم، والرمي أيام التشريق قبلهم. وتعليل هذا الرجل إحالة وبرة إلى رمي الإمام بعلة سعة الوقت، واستدلاله على ذلك بأنه لو كان رمي الجمار مؤقتاً بما بعد الزوال لأحاله إليه من أول مرة، لأن العلم أمانة والكتمان خيانة. تعليل فاسد، وتقرير ساقط، ولا يستقيم إلا بعد أن يتحقق أن ذلك الإمام يرمي قبل الزوال وأن ابن عمر عالم بتلك الحال، ولن يجد هذا الرجل إلى ذلك سبيلاً.
والصواب ـ والله أعلم ـ أن وبرة خشي أو ظن تفويت الإمام السنة بتأخير الرمي عن أول وقته، فأرشده ابن عمر إلى أن لا يخالف إمامه بشيء لا يخرج عن الحق، لما في موافقته من المصلحة الظاهرة العامة
стр. 1379
ولما في مخالفته من أسباب التفرق على الإمام، المسبب مالا يخفى من الشر والفساد، فلما كرر وبرة السؤال على ابن عمر رأى أن لا مناص من التنصيص عن الوقت، فقال: " كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" ولا منافاة بين جواب ابن عمر لوبرة الأول وبين جوابه الثاني. وهذا الذي قررناه هو الحق بلا ريب، لما فيه من إعطاء النصوص حقها، والمحافظة على موقف ابن عمر منها، وطاعة أُولي الأمر بما لا يخالف الحق ـ فلله الحمد والمنة.
وقد دلت السنة على توقيت رمي الجمرات أيام التشريق بما بعد زوال الشمس من وجوه:
"أحدها " ما رواه البخاري في صحيحه، حدثنا أبو نعيم إلى آخر ما ساقه هذا الرجل إسناداً ومتناً (١) وقد عرفت دلالته على التوقيت.
"الثاني" ما رواه الجماعة عن جابر ﵁ قال: " رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضُحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس".
"الثالث" ما رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، قال الترمذي: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري، حدثنا زياد بن عبد الله، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ قال: " كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس".
стр. 1380
" الرابع " ما رواه مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: " لا تُرمى الجمرة حتى تزول الشمس" وقد تقدم.
" الخامس" ما رواه أحمد وأبو داود، عن عائشة ﵂ قالت: " أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها ".
قوله: وأما قولهم: إن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم العيد من أجل أنها تحية منى. فهذا التعليل لا أصل له شرعاً.
يقال: حدى هذا الرجل على اعتراض الفقهاء في هذا التعليل ظنه أن ذلك تعليل لرمي جمرة العقبة يوم النحر قبل الزوال وهم لم يعللوا بها لذلك، ولم يخطر ببالهم أن أحداً يجوز رمي جمرات أيام التشريق قبل الزوال بصفة الحث على الأخذ بذلك حتى يعللوا رمي جمرة العقبة يوم النحر ضحى بهذا التعليل، وإنما عللوا بذلك بداءته ﷺ برمي جمرة العقبة قبل نزوله وقبل النحر والحلق، وحينئذ يعلم غلط هذا الرجل على الفقهاء لفظاً ومعنى، وسوء تصوره، وأنه من شدة وجله في سلوك هذا الطريق، وفلسه في العلم والتحقيق، يحسب كل صيحة عليه، فسعى في إبطال هذا التعليل بما لا يجدي عليه شيئاً عند التحصيل، فقال: وبطلان هذا التعليل واضح بالدليل. يريد حديث " فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج".
стр. 1381
فيقال: " أولاً ": أين إبطال ما تقدم من التعليل من هذا الدليل؟
أدل على هذا بمنطوقه؟ أو بمفهومه؟ أو غيرهما من أوجه الدلالة؟ ويقال له: " ثانياً" إن لم يكن في هذا الحديث دليل على صحة ذلك التعليل لم يكن فيه ما يبطله، بل هو على إثباته أدل منه على نفيه. ولا يرد على هذا جوابه ﷺ عن التقديم والتأخير يومئذ بقوله" افعل ولا حرج" إما لكون ذلك في حق من لم يشعر، أو مطلقاً، إذ لا يدل نفي الحرج على استواء التقديم والتأخير، بل السنة المستقرة أنه يرمي أولاً، ثم ينحر ثانياً، ثم يحلق ثالثاً. فأين عمل استقرت به السنة من فعل يعذر صاحبه لأجل الجهل أو أحسن أحواله نفي الحرج عن فاعله؟ ! شتان ما بينهما.
قوله: وأما قولهم: إنه خلاف فعل النبي ﷺ فنقول: حاشا أن نخالف في سنة من سنن الدين، أو أن نتبع غير سبيل المؤمنين، فقد رمى النبي ﷺ والمؤمنون معه يوم النحر قبل الزوال، ثم رمى بقية الأيام بعد الزوال، وفعله في الأول كفعله الآخر، و (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) (١) .
يقال: لقد كفانا هذا الرجل مؤونة الرد عليه، فقف وانظر وتأمل واعتبر وزن بذلك علم هذا الرجل وعقله، فإنه جعل مخالفة سنة رسول الله ﷺ عين سنة رسول الله ﷺ فإن سنة رسول الله ﷺ قد غايرت بين وقت رمي
стр. 1382
الجمرة يوم النحر وبين رمي جمرات أيام التشريق، فرمى ﷺ يوم النحر ضحى، ورمى جمرات أيام التشريق بعد زوال الشمس، ولا يكون الحاج عاملاً بقوله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ حتى يفعل كما فعل ﷺ من رمي جمرة العقبة يوم النحر ضحى ورمي ما عداها بعد الزوال، والمسوي بينهن برميهن كلهن قبل الزوال هو عن سنة رسول الله ﷺ بمعزل. والمقام في الحقيقة غني عن أن يقرر فيه مثل هذا التقرير، ولكن ضرورة خوض هذا الرجل في هذه الأبحاث بغير علم ومباهتته ومكابرته ألجأتنا إلى هذا التقرير.
قوله: فقولنا بجواز الرمي قبل الزوال ليس من المخالفة في شيء بل هو نفس الموافقة.
يقال: إذا كان النبي ﷺ رمى الجمرات الثلاث أيام منى بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب، وأنت أيها الرجل رميت قبل الزوال، فما المخالفة غير هذا؟ ! إذا لم يكن هذا مخالفة فلا ندري ما المخالفة. ورمي جمرة العقبة يوم النحر هي وظيفة ذلك اليوم وعبادته، وأحكامها تختص بها، كما أن رمي الجمرات الثلاث أيام منى هي وظائف تلك الأيام، وأحكامها تختص بها، فلا يكون وقت عبادة يوم معين وقتاً لعبادات يوم آخر سواء. والتوقيت توقيفي، فما وقته رسول الله ﷺ لعبادة يوم كان وقتاً لها فقط، فقياس جمرات منى في الوقت على وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر باطل، كبطلان التيمم حال وجود الماء، إذ من شرط القياس عدم النص، فوقت رمي الجمار
стр. 1383
أيام التشريق منصوص عليه، وإن أبيت إلا البقاء على مارأيت، فقس أيام التشريق على يوم النحر، واقتصر على رمي جمرة العقبة فقط فإن قلت: لا أفعل، لأن النبي ﷺ رمى الجمرات الثلاث ولم يقتصر على جمرة العقبة.
قيل لك: ولا ترم الجمرات قبل زوال الشمس أيام التشريق، لكون النبي ﷺ إنما رماها بعد الزوال ولم يرم قبله.
وأما حكم هذا الرجل على من قال باجزاء رمي الجمرات جميعها إذا أُخرت فلم ترم إلا في آخر أيام التشريق مع منعهم رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال (بالتناقض) فهو من جهله إنما المتناقض من يمنع تقديم العبادة على وقتها تارة ويجوزه تارة أخرى، والتسوية بين تقديم العبادة على وقتها وتأخيرها عن وقتها لا يستقيم، إذ تقديمها على وقتها مبطل لها، وتأخيرها عن وقتها غير مبطل لها، إنما فيه التحريم والتأثيم إذا لم يكن معذوراً، هذا في التأخير المحقق. أما تأخيرها إلى وقت هو وقت لجنسها فلا يحكم عليه بحكم التأخير الحقيقي، فإنه وقت في الجملة، كما في حديث عاصم بن عدي (١) .
وزعم هذا الرجل عدم مخالفة النبي ﷺ فيما ذهب إليه بناءً على أمرين:
(أحدهما) أن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة قبل زوال الشمس.
(الثاني) أن الفقهاء جوزوا تأخير رمي الجمرات إلى آخر أيام التشريق.
стр. 1384
وقد قدمت لك بطلان دليله وفحش غلطه فيما ذهب إليه، وأنه أصر على القياس لزمه التناقض والانتكاس. وبما قدمته يعرف أن تجويزه رمي الجمار قبل الزوال مطلقاً في أية ساعة شاء من ليل أو نهار بناءً على الأمرين الذين وضحت بطلانهما. وبسقوط أصليه اللذين بنى عليهما يسقط ما لديه من بنيان، ويستقر الأمر على أن لا محيد له عما عليه المسلمون من اقتفاء سنة سيد ولد عدنان، وأن يرجع عما اشتملت عليه رسالته من الغلط والبهتان.
قولهه: وهذا مذهب طاووس وعطاء.
يقال له (أولاً) أنت مطالب بثبوت ذلك عنهما.
ويقال له (ثانياً) من طاووس وما طاووس، ومن عطاء وما عطاء، وسنة رسول الله ﷺ كالشمس في رابعة النهار، وقد قال ابن عباس ﵄ حين ناظره من ناظره في متعة الحج، واحتج مناظره عليه بقول أبي بكر وعمر: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال: أبو بكر وعمر، وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (١) أتدري ماالفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. أفتترك توقيت رسول الله ﷺ لتوقيت سواه؟ أفتقيس قياساً السنة تأباه، وكل من أهل العلم لا يرضاه؟!
стр. 1385
قوله: ونقل في " التحفة " عن الرافعي ـ أحد شيخي مذهب الشافعي ـ الجزم بجوازه، قال: وحققه الأسنوي، وزعم أنه المعروف مذهباً، ورخص الحنفية في الرمي يوم النفر لمتعجل قبل الزوال مطلقاً، وهي رواية عن الإمام أحمد ساقها في " الفروع" بصيغة الجزم بقوله: ويجوز رمي متعجل قبل الزوال.
يقال: إن صح هذا النقل عن الرافعي وتحقيقه عن الأسنوي فإن سبيله سبيل ما قبله من عدم الصلاحية أن تعارض به سنة رسول الله ﷺ ، بل لا يصح أن يعارض به مذهب أمامهما، فضلاً عن أن تعارض به السنة، وهو مردود بقول الشافعي: إذا خالف قولي قول النبي ﷺ فاضربوا بقولي الحائط.
قوله: فقد علم مما تقدم من هذه الأقوال أن للاجتهاد في مثل هذه القضية مجال، وأن من العلم-+اء من قال بجواز الرمي مطلقاً قبل الزوال ومنهم من جوزه لحاجة الاستعجال.
يقال: (أولاً) غاية ما علم مما لفقه هذا الرجل هاهنا وجود جنس الخلاف في تجويزه مطلقاً، أو بشرط، وأنه روى عن بعض المانعين منه قول آخر بالجواز.
ويقال: (ثانياً) ليس كل خلاف يعول عليه، إنما يعول على خلاف له حظ من الاستدلال، وما أحسن ما قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلاف له حظ من النظر
وهذا الخلاف الذي ذكره هذا الرجل لا حظ له من النظر مطلقاً كما عرف ذلك مما تقدم ولا يعد مثل هذا الخلاف من العلم
стр. 1386
إنما العلم هو ما يستند إلى كتاب أو سنة أو قول الصحابة، ولله در القائل:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي فقيه
والحق عند النزاع أن يرد ذلك إلى الله ورسوله، كما قال تعالى ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ (١) والحق أيضاً رد ما تشابهت دلالته من النصوص إلى المحكم منها، ومخالف ذلك موسوم بزيغ القلب، قال تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله﴾ (٢) .
قوله: ولا شك أن الضرورة الحاصلة بنحو الزحام، المفضي بالناس إلى الموت الزؤام، أشد من حاجة الاستعجال.
يقال: من جوزه للاستعجال كالحنفية ومنعه مع الضرورة الموصوفة بهذه الصفة ولم يوجد منها مخرج شرعي فلا شك في غلطه حيث فرق بين متماثلين، بل جوزه في حال ومنعه في حال هي أولى بالجواز، وقول الحنفية في هذا الباب غير مسلم، ودعوى هذا الرجل الضرورة الموصوفة بتلك الصفة مردودة، والزحام إنما هو في بعض الوقت لا في جميعه، والشريعة المحمدية السهلة السمحة
стр. 1387
دلت على مخرج من هذه الضرورة لو ثبتت خير من هذا المخرج الذي زعمه هذا الرجل وتصوره لتمشيه على الأصول الشرعية، ومخرجه هو إنما بناه على شفا جرف هار، فإن الأعذار والضرورات لا تجوز تقديم عبادة على وقتها بحال، فلا يجوز للمريض ولا غيره أن يصلي الظهر ولا أن يحرم بها قبل زوال الشمس، وهكذا سائر الصلوات وكافة العبادات الموقتة بالأوقات من فرائض ومندوبات، وجمع العصر إلى الظهر للعذر الشرعي تقديماً والعشاء إلى المغرب كذلك ليس من هذا الباب، إذ الوقتان في حق المعذور كالوقت الواحد، فكما لا يسوغ تقديم رمي جمرات التشريق يوم النحر، فلا يسوغ تقديمها في يومها على وقتها الخاص بها ـ وهو الزوال.
قوله: وقد استأذن العباس النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له، ولم يأمره بالرجوع في النهار لرمي الجمار، وقيس عليه كل من كان له عذر من مرض أو تمريض صديق يتعاهده أو من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته، ويلتحق به على الأولى كل من خاف على نفسه وحرمه من مشقة الزحام، والسقوط تحت الأقدام، ومثله خوف الخفرة من تكشفها أو ظهور شيء من عورتها. فهذه الأعذار كلها وما أشبهها تسقط وجوب المباشرة للرمي.
يقال: اشتملت هذه الأسطر من التخليط والكذب والجهل والقول على الله بلا علم ما يعرفه من له أدنى إلمام بالشريعة. ورخصة النبي ﷺ لعمه العباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته شيء معلوم، وهو يدل على أن المبيت بمنى واجب، وعلى
стр. 1388
الرخصة لأهل السقاية، وقياس أهل العلم أرباب الأعذار المنصوصة في كلامهم على أهل السقاية شيء معلوم معروف.
واستدلال هذا الرجل بقصة العباس على عدم وجوب الرمي باطل، فإن أكثر ما فيه أن النبي ﷺ لم يأمره أن يعود إلى منى لرمي الجمار. ومن المعلوم أن العباس أعلم من هذا الرجل وأضرابه بأحكام الحج، وهو لم يستأذن النبي ﷺ إلا في ترك المبيت فقط، أفيكون استئذانه في ترك الرمي وهما واجبان متغايران؟!
لا يقول هذا إلا من هو من أجهل الناس بالأحكام، ودلالة الكلام، ومن المعلوم أنه يمكن العباس الرجوع إلى منى لرمي الجمار بدون أي مشقة، وإذا كان وجوب رمي الجمار عليه متحققاً ـ كتحقق وجوبه على غيره ـ فإنه لا يسقط عنه ذلك الواجب المتحقق الوجوب إلا برخصة متحققة، ولا رخصة هنا في ترك الجمار متحققة ولا مزعومة إلا عند هذا الرجل، وهذا الرجل لا يدري أي المشروعين آكد: المبيت بمنى لياليه؟! أم رمي الجمرات نهاره؟! فالمبيت بمنى إنما شرع بل وجب من أجل رمي الجمار.
وأذكر هاهنا بعض أدلة وجوب رمي الجمار: فمنها قوله : ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ (١) فإن هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ومنها فعل النبي ﷺ مع قوله: " خذوا عني مناسككم" ومنها رخصة النبي ﷺ للرعاة في تأخير بعض الجمرات، فإن الرخصة لهم تفيد وجوب
стр. 1389
الرمي، ومنها رخصة النبي ﷺ للعباس في ترك المبيت بمنى، فإنه من أدلة وجوب الرمي ـ كما سبق، فإن المبيت بمنى شرع من أجل رمي الجمار، ووجوب الوسيلة دليل على وجوب الغاية. وقياسه على المبيت باطل لعدم مساواة المبيت للرمي، فإن الرمي آكد من المبيت لكونه من الغايات، والمبيت من الوسائل، ولظهور أدلته، فإنه ثبت بالدليل القولي بالكتاب والسنة، وبفعل النبي ﷺ ، ولأن النبي ﷺ لما رخص لرعاة الإبل في ترك البيتوتة بمنى لم يرخص لهم في ترك الرمي، فبطل الإلحاق.
وبفرض وجود الزحام الشديد المسبب للموت أو دونه من كسر أو مرض فإنه لا يسقط الفرضية، غاية ما يسقط المباشرة، وحينئذ تجوز استنابة الخائف على نفسه غيره في رمي الجمرات كما يستنيب المريض والعاجز، وهذا هو المخرج الشرعي الذي تقدمت الإشارة إليه.
ولا يجوز أن يقال: العلة التي أسقطت وجوب مباشرة الرمي عن المنوب عنه هي بعينها موجودة في حق النائب، وذلك للتفاوت بالجلد والقوة. وإذا عذر الخائف على نفسه والضعيف والمرأة إما مطلقاً لأجل هذا الزحام المذكور أو لغيره من الأعذار لم يباشر الرمي إلا نصف الحجيج مثلاً أو أقل. كما أن مما يخرج من معرة الزحام توخي الزمن الذي لا يكون فيه ذلك الزحام المذكور أو لا يوجد فيه الزحام أصلاً. وبهذا يعلم أن للحجاج من الضرر عدة مخارج.
ثم سأل هذا الرجل سؤالاً، ليبدي ما لديه حوله من مقال. فقال: وهل يجب عليه أن يستنيب؟ أم تسقط عنه سقوطاً مطلقاً؟ فعند الفقهاء من الحنابلة والشافعية وغيرهم أن يستنيب من يرمي
стр. 1390
عنه كالمعضوب وإن لم يفعل فعليه دم. لكن يرد عليه قاعدة من قواعد الشرع المشهورة وهي أنه لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة وأنما ترك للعذر وعدم القدرة على الفعل هو بمنزلة الآتي به في عدم الإثم، لأن الله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١) وفي الحديث: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) فلم يناسب التضييق بذلك مع العذر، ولهذا تجب الصلاة بحسب الإمكان، وما عجز عنه من شروطها وواجباتها سقط عنه، على أن شروط الصلاة وواجباتها آكد من شروط الحج وواجباته، فإن واجبات الصلاة إذا ترك منها شيئاً عمداً بطلت صلاته، وواجبات الحج إذا ترك منها شيئاً عمداً لم يبطل حجه.
يقال: ذكر هذا الرجل جواز الاستنابة في الرمي بشرطه عن الحنابلة والشافعية وغيرهم من العلماء ولم يذكر لهم مخالفاً يبين عدم وقوفه على خلاف في ذلك، وإنما نصب نفسه مخالفاً للعلماء زاعماً ورود قاعدة " لا واجب مع عجز " على ما ذكروه، وهي لا ترد عليهم بحال، فإنهم أسقطوا عنه واجب المباشرة تمشياً مع هذه القاعدة الشرعية ولا يلزم من سقوط واجب المباشرة أن لا يجب شيء آخر.
فإن من العبادات ما يسقط وجوبه للعجز عنه إلى بدل: كواجب القيام في الصلاة، وكواجب الغسل من الجنابة، وواجب الوضوء في الصلاة وغير ذلك. ومنها ما يسقط إلى غير بدل كالطهارة في حق عادم الماء والتراب، وأمثلة ذلك معروفة، كما أن من العبادات
стр. 1391
ما تدخله النيابة، ومنها مالا تدخله النيابة، ودخول النيابة في العبادة وعدمه هو على حسب خفة العبادة في نفسها وعدمها، فإن العبادات المالية والمركبة منها ومن البدنية يسوغ فيها من النيابة ما لا يسوغ في العبادات البدنية المحضة، فالصلاة لكونها عبادة بدنية محضة لا تدخلها النيابة بحال. أما الصيام فجوزها أحمد في صوم النذر خاصة لخفته لكونه لم يكن واجباً في أصل الشرع، ومنعها فيما عداه.
وجوزه آخرون، وقول أ؛ مد: أقعد. والزكاة تدخلها النيابة فيجوز لزيد أن يؤدي من ماله زكاة مال عمرو بإذنه، فيكون كالوكيل له، كما يجوز لزيد أن يستنيب خالداً في تفرقة زكاته، والحج عبادة مركبة من مال وبدن فتدخله النيابة في رمي الجمار، وليس ذلك التضييق في شيء.
قوله: ورمي الجمال ليس من الشروط ولا من الأركان، وإنما غاية ما يقال فيه: إنه واجب من الواجبات يؤمر به مع القدرة وليس في تركه مع العجز دم، لأن الدم إنما يكون في ترك المأمور وفعل المحظور بالاختيار، وهذا لم يترك مأموراً بالاختيار ولا فعل محظوراً، والنبي ﷺ لم يأمر العباس أن يستنيب في الرمي، ولا أن يجبره بدم، على أن مبيته مستلزم لترك الرمي، إذ لم ينقل عنه أنه رجع إلى منى بالنهار لقصد رمي الجمار، ومثله رعاة الإبل، فإنه لم يأمرهم باستنابة من يبيت مكانهم لأنه ممكن.
يقال: قول هذا الرجل: غاية ما فيه ـ يعني الرمي ـ أنه واجب.
هذه شنشنة أعرفها من أخزم، وتقدم في كلامه ما يبدو منه عدم اعتقاده وجوب الرمي، وبينا هنالك بطلانه.
стр. 1392
وما صرح به من أن تارك واجب الحج عجزاً لا دم عليه، معللاً بأن الدم إنما يكون في ترك المأمور وفعل المحظور بالاختيار.
باطل، وجهل صرف، وذلك أن قاتل الصيد في الإحرام يجب عليه الجزاء قتله بالاختيار أو بغير الاختيار، وحالق الرأس تجب عليه الفدية إذا حلقه لعذر كما وقع لكعب بن عجرة، وفيه نزلت: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (١) والمحصر يجب عليه ما استيسر من الهدي وهو لم يترك الواجب اختياراً.
وتقدم الجواب عن استدلاله على عدم وجوب الرمي على السقاة بقصة العباس، وأن قصته من أدلة وجوب الرمي. وعدم نقل رجوع العباس إلى منى بالنهار لرمي الجمار لا يدل على أنه لم يرجع للرمي، لأنه ليس مما تتوفر الهمم والدواعي إلى نقله، للاستغناء عنه بالعلم بأصل الوجوب الذي لا يسقط إلا بدليل صريح والمبيت بمكة لا يفوت الرمي، والمبيت بمنى يفوت على العباس سقايته، ومجرد رمي الجمار لا يفوت عليه سقايته، لطول زمن المبيت وقصر زمن الرمي، ولا مشقة على العباس في مجيئه في اليومين الأولين من أيام منى، فالجمع بين المبيت بمكة ورمي الجمار بمنى ممكن بدون مشقة.
ولا يوافق هذا الرجل على أن استنابة رعاة الإبل من يبيت عنهم ممكن، بل ذلك غير ممكن شرعاً، كما هو معلوم في موضعه.
قوله: وكما لا تجوز الاستنابة في الوقوف بعرفة، ولا مزدلفة، والحلق، ولا التقصير، ولا المبيت بمنى، فهذا منها.
стр. 1393
يقال: ليس في جواز الاستنابة في هذه المذكورات وعدمها ما يدل على المنع من الاستنابة في رمي الجمرات، فإنه مستفاد من دليل مستقل، معضود بالأدلة الدالة على جواز الاستنابة في أصل الحج، فإن بين واجب رمي الجمرات وغيرها من واجبات الحج فروقاً شرعاً معروفة، فلا يلزم من منع الاستنابة في بقية واجبات الحج منعها في رمي الجمرات. وبطريق الأولى الأركان، فإنه لا يلزم من منع الاستنابة فيها منع الاستنابة في الواجبات، فقياس الواجب على الركن باطل، إذ من المعلوم الفرق شرعاً بين العاجز عن الركن والعاجز عن الواجب، كما علم الفرق شرعاً بين تارك ركن الحج عمداً وتارك واجبه، وقياس واجبات الحج على واجبات الصلاة غلط ظاهر، لما بينهما من الفرق.
قوله: ومن التناقض العجيب قولهم: إن العذر في المبيت يسقط الدم والإثم، والعذر في الرمي يسقط الإثم دون الدم. فإن هذا تفريق بين متماثلين لا يقتضيه النص ولا القياس، وقد قال النبي ﷺ في شأن صفية: " أحابستنا هي. قالوا: نعم قال: وهل أفاضت قالوا: نعم قال: فالتنفر إذاً" (١) والوداع معدود من الواجبات، ولم يوجب في تركه للعذر دماً.
يقال: لا تناقض بحمد الله، بل هو جار على أصول الشريعة المحمدية البعيدة كل البعد عن التناقض، والنبي ﷺ فرق بينهما فرخص للرعاة في ترك المبيت ولم يرخص لهم في ترك الرمي، فثبت الفرق بين المبيت والرمي برخصة النبي صلى الله عليه
стр. 1394
وسلم للسقاة والرعاة في ترك المبيت وعدم رخصته لهم في ترك رمي الجمرات، وعلم من ذلك أن تفريق العلماء بينهما تفريق في محله.
وأيضاً من المعلوم أن شرعية المبيت ووجوبه من باب الوسائل، وشرعية رمي الجمار ووجوبه من باب الغايات، ويدخل في الوسائل من الرخصة للحاجة مالا يدخل في الغايات، ولا يسوى بين الوسائل والغايات إلا من هو أجهل الناس.
وأيضاً ورد من الأدلة الشرعية على شرعية الرمي ووجوبه ما لم يرد مثله من المبيت، وقد تقدم ذلك.
وسقوط الوداع عن الحائض إلى غير بدل لا حجة فيه على سقوط كل واجب بالعذر إلى غير بدل، فإن الحيض في الحقيقة يمنع فعل تلك العبادة ووجوبها كما يمنع فعل الصلاة ووجوبها، بخلاف مسألتنا. مع أن الوداع مختلف فيه، فذهب بعض أهل العلم إلى أنه سنة، وأوجبه آخرون واختلفوا في حق من هو. فقيل: في حق الحاج فقط. وقيل: في الخارج من مكة مطلقاً.
قوله: إذا ثبت هذا، فإن الصحيح الذي ندين به وندعو الناس إليه: هو أن المعذور بمرض أو ضعف حال أو من يخاف على نفسه حطمة الرجال فإنه يسقط عنه الرمي سقوطاً مطلقاً بلا بدل، كما سقط المبيت عن الرعاة والسكاة، وكما سقط طواف الوداع عن الحائض وهو معدود من الواجبات. ولا نقول بوجوب الاستنابة في هذه الحالة، لعدم ما يدل عليها، ولأن الله سبحانه ﴿لا يكلف نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ (١) .
стр. 1395
يقال: يتبين مما قدمناه بطلان ما قرره هذا الرجل، وأنه من الثبوت بمكان بعيد، ودللنا على بطلانه بما ليس عليه من مزيد، ومن سوء نظره لم يقتصر على نفسه في عجره وبجره، بل دعا إلى ذلك بما ألف وجمع، ونشر وطبع، ولكن يأبى الله ورسوله والمؤمنون، فلا يسقط رمي الجمار عن المعذور، وإنما يسقط عنه المباشرة فقط، لأن النبي ﷺ لم يسقط عن الرعاة، ولأن الأصل هو الوجوب، فلا يسقط إلا بدليل شرعي، ولا دليل، بل الأمر كما عرفت في رعاة الإبل. وقياسه على المبيت فاسد، لوجود الفارق كما تقدم. وهذا الرجل يهذي ولا يدري، بل يجب على المعذور أن يستنيب، لدليلين شرعيين (أحدهما) ما ثبت من السنة في جواز النيابة في جميع الحج، فكما تدخله النيابة في جميعه تدخل في بعضه بشروطه المبينة في كلام أهل العلم (الثاني) ما ورد من النيابة عن الصبيان فيما يعجزون عنه من الرمي والتلبية، وقد ترجم على ذلك ابن ماجه في سننه فقال (باب الرمي عن الصبيان) :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: " حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم" (١) وقد مر بك قريباً الجواب عما استدل به من سقوط طواف الوداع عن الحائض من غير بدل، واكتفيت بذلك عن إعادته ها هنا بما يكفي.
قوله: والأمر الثاني أنه يجوز رمي الجمار في أية ساعة شاء من ليل أو نهار، وكلام الأئمة في تحديد وقته بما بين الزوال إلى
стр. 1396
الغروب إنما يحسن الإفتاء به والعمل بموجبه في حالة القدرة والسعة، لا في حال الضيق والمشقة، فلا يفتي بالإلزام به في مثل هذا الزمان إلا من يحاول حطمة الناس وعدم رحمتهم. والفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان، فلو كان التقدير بهذا الزمن القصير شرطاً لسقط للعجز عن أدائه، أو لجاز تقديمه محافظة على فعله، لأن الجزم بلزومه مستلزم للحكم بسقوطه، حيث أنه صار في حق أكثر الناس من تكليف ما لا يستطاع.
إذا شئت أن تعصى وإن كنت قادراً ... فمر الذي لا يستطاع من الأمر
يقال: لا ريب أن هذا شرع دين لم يأذن به الله، والعلماء به وأهل خشيته لا يجرؤون هذه الجراءة العظيمة، فينطقون بهذه الجملة الشاملة العميمة، إنما النطق بمثلها يكون ممن إليه التشريع ﷺ كما قال ﷺ : " يابني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار ".
لقد جهل هذا الرجل نفسه. وتحت هذه الجملة من الجهل والقول على الله ورسوله ما لا يعلمه إلا الله ثم العلماء بشرعه ودينه.
وقضية هذا العموم أن من رمى أية ساعة من ليلة النحر أو غيرها من الليالي أو أية ساعة من يوم عرفة أو ما قبلها أو ما بعدها من يوم النحر وأيام التشريق أو ما بعد أيام التشريق أجزأه، كالعموم الذي تقدم في قوله ﷺ في الطواف بالبيت والصلاة عنده: " أية ساعة شاء من ليل أو نهار" (١) .
стр. 1397
فإن قيل: لا يلزم من إطلاقه هذا العموم والشمول.
قيل: بلى، لأن المقام مقام توقيت وعدمه فيكون إطلاقه نافياً للتوقيت مطلقاً.
إذا علم هذا فإن رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة لا يصح قبل الزوال: بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) .
وأما السنة فرميه ﷺ بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب، كما في حديث جابر، وحديث ابن عمر وحديث ابن عباس، وحديث عائشة، وقوله ﷺ " خذوا عني مناسككم " وقد تقدمت.
وأما الإجماع فأمر معلوم، وقد نص عليه في بعض كتب الخلاف والإجماع. ولا يرد عليه ما ذكره هذا الرجل عن طاووس وعطاء وغيرهما فإن هذا لا يعد خلافاً أبداً، ولا يعتبر خلافاً عند العلماء، لأنه لاحظ له من النظر بتاتاً، بل هو مصادم للنصوص.
وأيضاً كلامه هذا مناقض لما قدمه من نهي النبي ﷺ لابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب أن يرموا قبل طلوع الشمس مما يدل على أن الرمي موقت محدد.
وزعمه أنه لا يحسن الإفتاء بتحديد وقت رمي الجمار أيام التشريق بما بين زوال الشمس وغروبها في مثل هذا الزمان. إلى آخره.
стр. 1398
يقال: التوقيتات الشرعية للعبادات لا تتغير الفتوى فيها أبداً وقائل ذلك يلزمه في هذه المقالة ما لو طرد لأتى بالأبطال على أكثر العبادات الشرعية المؤقتة بالأوقات بإخراجها عن وقتها بتقديمها عليه المفوت شرط صحتها وغير ذلك، وتوقيت الرمي زمن النبي ﷺ هو وقته اليوم ووقته إلى يوم القيامة. والمريض الشديد المرض وغيره من أرباب الأعذار لا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بدون نية الجمع بشرطه، كما لا يجوز له إجماعاً تقديمها أو بعضها على وقتها. فما بين زوال الشمس وغروبها هو وقت الرمي مطلقاً، لما تقدم. فإذا تحقق العذر في ترك مباشرة الرمي انتقل إلى البدل المدلول على صحته بالسنة كما تقدم، ودل على وجوبه قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١) فإن تقوى الله سبحانه ليست مختصة بالمباشرة ـ كما فهمه هذا الرجل مما يقتضي أن الإنسان إذا عذر في ترك المباشرة يبقى غير مأمور بتقوى الله ـ بل هو وإن عذر في المباشرة يبقى عليه من تقوى الله أشياء أخر، وذلك بأن يصير إلى البدل فيما له بدل، وبأن يستنيب فيما تدخله النيابة وأن يفدي فيما تجب فيه الفدية. وحينئذ يعرف أنه لا ملازمة بين الرخصة في عدم المباشرة للواجب وبين أن يبقى الإنسان غير مأمور بالتقوى فتقوى الإنسان الصحيح أو المريض القادر على القيام ربه هي أن يصلي الفرض قائماً. وتقوى من لا يقدر على القيام ربه أن يصلي جالساً. وتقوى العاجز عن الصلاة جالساً ربه أن يصلي مضطجعاً.
قوله: والعاقل إذا رأى ما يفعله الناس عندها يعلم على سبيل اليقين أن فعلهم بعيد عن مقاصد الدين، لأن الله
стр. 1399
لم يتعبد عباده بالهلكة وأنه لا بد أن يوجد في الشريعة السمحة ما يخرج الناس عن هذه المآزق الخطرة إلى الرحب والسعة، لأن من قواعد الشرع أنه إذا ضاق الأمر اتسع، والمشقة تجلب التيسير وأنه يجوز ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما.
يقال: لا يسلم لهذا الرجل ما زعمه من بعد الزحام عن مقاصد الدين، بل البعيد عن مقاصد الدين هو ما كان من ذلك مقصوداً بذاته لمن يرمون الجمار، وما كان زائداً عن الزحام من ضرب أو دفع ونحو ذلك. أما ما هو من الزحام من لوازم وضروريات الاجتماع على هذه العبادة والحرص على أدائها ليخرج من العهدة بيقين مما لا يؤذي به أحداً فإن ذلك ينسب إلى الدين، ولا حرج ولا عار على من زاحم على واجب العبادة، وفي الزحام على مندوباتها كتقبيل الحجر الأسود ونحوه الخلاف. وبكل حال ففي الشريعة السمحة مما يتخلص به من الزحام الشديد بترك مباشرة الرمي للعذر الشرعي بالعدول إلى الاستنابة الشرعية، وهذا من الرحب والسعة التي اشتملت عليها الشريعة.
ولكن هذا الرجل يأبى قبول سعة الشريعة التي هي سعتها على الحقيقة مما لا يكون ناقضاً لأصل العبادة، ويدعو إلى سعة مزعومة مفتراه مزيفة فيها من تفويت شرط صحة العبادة ما يعرفه أهل العلم بدليل الكتاب والسنة والإجماع، فلو لم يكن على الرخصة الشرعية في جواز الاستنابة في الرمي دليل شرعي معين لكانت أولى بالأخذ بها وسلوك سبيلها في التسهيل ودفع المشقة من رخصة قد استوت مع هذه الرخصة في عدم الدليل مثلاً، إذ رخصته بالتجويز قبل الوقت مع فقدها الدليل مصادمة للدليل، ورخصة المسلمين بجواز الاستنابة
стр. 1400
في الرمي مع استنادها إلى الدليل لم تصادم الدليل. فأين هذه من هذه لو كان هذا الرجل يدر السبيل، ويعول على الدليل، ويجانب الفلسفة والتخييل.
ويخشى على هذا الرجل أن تتناوله هذه الآية الكريمة: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ (١) فيحرم الرجوع والمتاب، ويصمم على ما أملاه عليه فكره في ذلك الكتاب، بل يخشى عليه أعظم من ذلك وهو ضلال الجهال في تلك المسائل التي أساء فيها المقال، كما يخشى عليه ما هو أعظم من ذلكوأطم من فتح باب إلغاء النصوص، ومساعدة شطار اللصوص، المعدين لنقض أحكام الشريعة بالخصوص.
وما ذكره: من أن الأمر إذا ضاق اتسع. هو حق، ولكنه به ما انتفع، لحصر سعته بما صور وابتدع، والغى رخص من تقيد بالرخص الشرعية واتبع.
قوله: يبقى أن يقال: إن الناس لا يزالون يحجون على الدوام وفيهم العلماء الأعلام، وجهابذة الإسلام، ولم يعهد عن أحد منهم أنه جوز الرمي قبل الزوال ولا فعله بنفسه. وأجاب عن هذا السؤال الذي أورده قائلاً: إن هذه المقالة شنشنة أهل الجمود المتعصبين على مذهب الآباء والجدود، فهم دائماً يدفعون الدليل بمثل هذا التعليل، وقالوا: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ (٢) .
стр. 1401
يقال: من عناية الله ﵎ لدينه وشرعه أن يجري على لسان من خالف الحق ما هو من أقوى الحجج عليه. فهذا الرجل اعترف ها هنا بأن العلماء الأعلام وجهابذة الإسلام على الدوام يحجون ولم يعهد عن أحد منهم أنه جوز الرمي قبل الزوال، ولا فعله بنفسه. فلقد صدق، وبالحق ها هنا نطق. وهذا مما يأتي على جميع ما مر من مفترياته بالهد والنقض، وإمامهم في عدم تجويز الرمي قبل الزوال هو سيد الأنام، ﷺ ، فلعمري ما فعله ولا جوزه، وهم كذلك ما فعلوه ولا جوزوا، فليقم هذا الرجل البرهان على التجويز، وليرم هؤلاء الأئمة الأعلام بما لديه من السهام، وإذا فعل حصل الوئام، وانتفى عنه الملام، ولكن كلا وهيهات أن تشتمل كنانته من السهام، ما يصلح لهد حصن الأئمة الأعلام، وجهابذة الإسلام، الذين يحجون على الدوام، ولم يجوزوا لأحد حج معهم من الأنام، أن يرمي قبل الزوال، ولم يخالفوا شرع إمام كل إمام، فضلاً عن أن تصلح لأن يقذف بها هدي النبي ﷺ وسنته الثابتة من فعله التشريعي الخارج مخرج الامتثال والتفسير المقتضى للوجوب، ومن قوله ﷺ : " خذوا عني مناسككم ".
وقد تصور هذا الرجل أن طاووساً وعطاءً والرافعي والأسنوي يصلون أن يتعارض أقوالهم نصوص الكتاب والسنة والإجماع وغيرهم.
بقي لدى هذا الرجل سهم واحد رمى به أئمة الإسلام والعلماء الأعلام الذين يحجون على الدوام، ولم يقدموا الرمي قبل الزوال ولم يجيء عنهم تجويزه بحال , وظن أنه لا يبقى لهم باقية، وأن
стр. 1402
رميته إياهم به تكون هي القاضية، وبعد أن وسمهم بالجمود والتعصب على مذهب الآباء والجدود، وذلك السهم هو قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ ولعمري لئن كانوا هكذا، وإمامهم في مسلكهم ذلك خير الورى، فعلى الدنيا العفى، لانتشار الجهل والجفى واقفار أرضها من القول بالحق والوفى.
وقد أحس هذا الرجل ها هنا بأنه وقع في أسوأ ورطة فقال: وبالتأمل لما قلناه يعلم أن كلاً منا ليس بأول مطر صاب أرض الفلاة، ولا هو بأول أذان أُقيمت له الصلاة.
فوجد وحشة الوحدة، وظلمة فقد الحجة، فسلى نفسه بذكر من تصور أن قولهم بمثل مقاله ينفي الوحدة. ولعمري ما له في هذا الطريق من رفيق. وهؤلاء الدين اعتمدهم في مسلكه، لم يشاركوه في سوء صنيعه ومهلكه، فهم إن صح النقل عنهم إنما هو القول بالجواز، لا الرد على العلماء، ولا السعي في أن يجمعوا على خلاف السنة، والخروج عن طريق أهل الجنة جميع الورى، ولم يرموا واحداً من الأمة بالجمود، والتقيد بدين الأباء والجدود، فضلاً أن يرموا بذلك كافة العلماء. وحينئذ تكون مقالته أول مطر سوء أصاب أرض الفلاة، وأول بوق آذنٍ برفض السنة أصغى إليه الجفاة. فو الله ما دعا قبله إلى هذه المقالة من إنسان، ولا جلب بخيله ورجله في زلزلة مناسك الحج ذو إيمان.
قوله: وقد سبق تسمية من قال بجوازه مطلقاً، وأنه مذهب الطاووس وعطاء، وجزم به الرافعي، وحققه الأسنوي، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد في المتعجل.
стр. 1403
يقال: إن أراد أن هؤلاء تصلح أقوالهم لمصادمة السنة كفانا مؤونة الرد عليه. وإن أراد المسألة خلافية فالذي عليه أهل العلم قاطبة أن مثل هذا الخلاف لا يعد خلافاً، ومستندهم من الاصول الشرعية في ذلك مقرر في كتب الأصول وغيرها.
قوله: فقول هؤلاء العلماء في توسعة وقته هو مما تقتضيه الضرورة وتوجيه المصلحة في مثل هذه الأزمنة، على أنه لا يصادم نص الشارع بل يوافقه. ولو لم يرد أنه رمى يوم العيد قبل الزوال، ولا قال لمن سأله عن التقديم والتأخير: " إفعل ولا حرج" لكان سكوته عن بيانه هو من العفو الدال على جواز فعله، فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عفوه، واحمدوه على عافيته ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (١) ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ك ان بكم رحيماً﴾ (٢) .
يقال: (أولاً) الأوقات التي وقتها الله ورسوله للعبادات ليس لأحد من العلماء تغييرها بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان، فإن التوقيت من الدين، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله.
(ثانياً) لا تسلم الضرورة التي زعمها هذا الرجل، وقد قدمنا في ذلك ما يكفي.
(ثالثاً) إن سلم وجود الضرورة فالمخرج منها بالرخصة الشرعية وهي الاستنابة، وقد قدمنا دليل جوازها، وأنها هي الحقيقة بأن تسمى رخصة، وأن ما رآه هذا الرجل هو من شرع دين لم يأذن به الله.
стр. 1404
(رابعاً) أن القول بجواز تقديم رمي أيام التشريق على وقته مصادم للنص، والنص هو كما تقدم رمي النبي ﷺ بعد الزوال في ثلاثة الأيام جميعها تشريعاً منه للأمة: من حيث المكان، ومن حيث العدد، ومن حيث الزمان. ففعله ذلك ﷺ على وجه الامتثال والتفسير يكون للوجوب من حيث المكان والزمان والعدد لا فرق بينهن في ذلك.
(خامساً) يقال: لو أن النبي ﷺ رمى في يوم من أيام التشريق الثلاثة قبل الزوال ورمى في اليومين الآخرين بعد الزوال لساغ الاستدلال به على جوازه في اليومين الآخرين، ولا أظن أحداً من الأمة سبقه إلى هذا الاستدلال، فهو استدلال ساقط، ولا نكون ممتثلين لقول النبي ﷺ " خذوا عني مناسككم " إلا بأن نغاير بين يوم النحر وأيام التشريق في وقت الرمي وهذه العبادة ـ أعني رمي جمرة العقبة يوم النحر ـ وإن كانت بصورتها مثل رمي أيام التشريق فقد فارقت غيرها في عدة أحكام: منها أنها إذا فعلت مع التقصير أو فعلت مع طواف الإفاضة حصل التحلل الأول، وإذا فعلت مع الإثنين الآخرين حصل الحل كله، ولم يثبت شيء من ذلك للجمرات أيام التشريق، فامتنع قياس رمي أيام التشريق عليها.
هذا لو لم يخصصها رسول الله ﷺ بهذا الوقت، فكيف وقد خصصها به.
فعسى هذا الرجل أن ينتبه من غفلته، ويستيقط من رقدته، ويتوب إلى الله من التهجم على أحكام شرعه ودينه بما ليس من العلم في شيء. والحمد لله على وضوح النهار وجلاء الغبار.
стр. 1405
(سادساً) لا دليل في قوله ﷺ يوم النحر لمن سأله عن تقديم الحلق على الرمي ونحو ذلك بقوله: " إ فعل ولا حرج" على جواز رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال أصلاً وذلك أن التقديم والتأخير الذي نفى النبي ﷺ الحرج عن فاعله مختص بأعمال يوم النحر التي هي: الرمي والنحر، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، كما هو معلوم لكل أحد يفهم عن الله ورسوله من قوله في الحديث "يومئذٍ" ولو لم ترد هذه الكلمة لما كان في قول النبي ﷺ " إفعل ولا حرج" دليل على أن جنس التقديم والتأخير في أيام منى وغيرها بالنسبة إلى الحج غير جائز، بل يكون ذلك مختصاً بتلك المسألة التي سئل عنها، وذلك أن كلمة: " إفعل ولا حرج " لا عموم فيها والعموم إنما هو في قول الراوي: " فما سئل يومئذٍ عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج " ولهذا احتاج إلى التقييد المفيد اختصاصه بأعمال ذلك اليوم بقوله: " يومئذ" التي منعت أن يلحق بهذا اليوم سواه. فتبين ها هنا بطلان قياسه على رمي جمرة العقبة يوم النحر وإفلاسه من دلالة حديث " فما سئل يومئذ عن شيء" إلى آخره على مراده، فبقى سفر اليدين من المستند، ورجع بخفي حنين فيما قصد.
وكان من أدلة هذا الرجل على جواز رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال عدم نهي النبي ﷺ عن ذلك، كما يفهمه قوله ها هنا: فما سكت عنه فهو عفو. بل صرح به فيما سلف من رسالته.