← Фатава

Фатава · id 8476

فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

محمد بن إبراهيم آل الشيخ

Полный текст (3 815 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

على ((مَا)) في قوله (بِمَا يُنَزِّلُ) فالمراد به القرآن كما يدل عليه سياق الكلام. وقوله: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) فيه اخبار بأنه أَنزله، لكن ليس في هذه اللفظة بيان أَن روح القدس نزل به ولا أَنهه منزل منه. ولفظ الانزال في القرآن قد يرد مقيدا بالانزال منه كنزول القرآن. وقد يرد مقيدًا بالانزال من السماء ويردا به العلو فيتناول نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك. وقد يرد مطلقًا فلا يختص بنوع من الانزال، بل ربما يتناول الانزال من رؤوس الجبال كقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) (١) والانزال من ظهور الحيوان كانزال الفحل الماءَ وغير ذلك. فقوله: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ) بيانا لنزول جبريل به من الله ، فإن روح القدس هنا هو جبريل بدليل قوله تعالى: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ) (٢) وهو الروح الأَمين كما في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (٣) وفي قوله (الْأَمِينُ) دلالة على أَنه مؤتمن على ما أَرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص، فان الرسول الخائن قد يغير الرسالة كما قال تعالى في صفته في الآية الأُخرى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (٤)

стр. 212

وفي قوله: (مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ) دلالة على أمور: منها بطلان قول من يقول انه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأَجسام المخلوقة كما هو قول ((الجهمية)) الذين يقولون بخلق القرآن من المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم، فان السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال ان القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة جهميًا. فان جهمًا أَول من ظهرت عنه بدعة نفي الأَسماءِ والصفات وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزيد المبالغة في النفي والابتداء لكثرة اظهار ذلك والدعوة إليه، وان كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك، فان الجعد أَول من أَحدث ذلك في الاسلام فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر، وقال: يا أَيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فاني مضح بالجعد بن درهم، انه زعم بأن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه. ولكن المعتزلة وان وافقوا جهما في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك كمسائل الايمان والقدر وبعض مسائل الصفات ايضًا ولا يبالغون في النفي مبالغته، وجهم يقول أَن الله لا يتكلم أَو يقول أنه متكلم بطريق المجاز، وأما المعتزلة فيقولون أنه تكلم حقيقة، لكن قولهم في المعنى هو قول جهم، وجهم ينفي الأَسماءَ أَيضًا كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة، وأَما جمهور المعتزلة فلا تنفي الأَسماءَ. فالمقصود ان قوله: (مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ) فيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق من المخلوقات، ولهذا قال السلف: منه بدأَ. أَي

стр. 213

هو الذي تلكم به لم يبتدأ من غيره كما قالت الخلقية. ومنها أَن قوله: (مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ) فيه بطلان قول من يجعله فاض على نفس النبي من العقل الفعال أَو غيره كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة، وهذا القول أَعظم كفرًا وضلالاً من الذي قبله. ومنها أَن هذه الآية أيضًا تبطل قول من قال أَن القرآن ليس منزل من الله بل مخلوق أما في جبريل أَو محمد أَو جسم آخر غيرهما، كما يقول ذلك الكلابية والأَشعرية الذين يقولون: القرآن العربي ليس هو كلام الله، وانما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أَن يكون خلق في بعض الأَجسام الهواء أَو غيره، أَو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أَو أَلهمه محمدًا فعبر عنه بالقرآن العربي، أَو يكون جبريل أخذه من اللوح المحفوظ أَو غيره. فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع على هذا القول، فان هذا القرآن العربي لابد له من متكلم تكلم به أَوَّلاً قبل أَن يصل إلينا. وهذا القول يوافق قول المعتزلة ونحوهم في اثبات خلق القرآن العربي، وكذلك التوراة العبرية، ويفارقه من وجهين ((أَحدهما)) : ان أولئك يقولون أن المخلوق كلام الله، وهؤلاء يقولون أنه ليس كلام الله لكن يسمى كلام الله مجازا، وهذا قول أَئمتهم وجمهورهم وقالت طائفة من متأخريهم بل لفظ الكلام يقال على هذا وهذا بالاشتراط اللفظي، لكن لفظ هذا الكلام ينقض أَصلهم في ابطال قيام الكلام بغير المتكلم به.

стр. 214

ومع هذا لا يقولون ان المخلوق كلام الله حقيقة كما يقوله المعتزلة مع قولهم انه كلامه حقيقة بل يجعلون القرآن العربي كلامَا لغير الله وهو كلام حقيقة، وهذا شر من قول المعتزلة، وهذا حقيقة قول الجهمية ومن هذا الوجه فقول المعتزلة أَقرب وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة، لكن المعتزلة في المعنى موافقون لهؤلاء وانما يتنازعونهم في اللفظ. ((الثاني)) : ان هؤلاء يقولون لله كلام هو معنى قديم قائم بذاته، والخلقية يقولون لا يقوم بذاته كلام. ومن هذا الوجه الكلابية خير من الخلقية في الظاهر، ولكن جمهور الناس يقولون أَن أَصحاب هذا القول عند التحقيق لم يثبتوا كلامًا له حقيقة غير المخلوق، فانهم يقولون أنه معنى واحد هو الأَمر والنهي والخبر، ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا ومنهم من قال هو خمس معان، وجمهور العقلاء الكثيرون يقولون ان فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، والعقلاءُ الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد الضرورات من غير تواطىء واتفاق كما في الأَخبار المتواترة، واما مع التواطىء فقد يتفقون على الكذب عمدا، وقد يتفقون على جحد الضرورات وان لم يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ولم يفهم حقيقة القول الذي يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ولمحبته لنصر ذلك القول، كما اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم فسادها بالضرورة. وقال جمهور العقلاءِ: نحن اذا عربنا التوراة والانجيل لم يكن

стр. 215

معنى ذلك معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا، وكذلك معنى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ليس هو معنى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) ولا معنى ((آية الكرسي)) معنى ((آية الدَّين)) . وقالوا: إذا جوزتم أَن تكون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فجوزوا أَن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة، فاعترف أَئمة هذا القول بان هذا الالزام ليس لهم عنه جواب عقلي. ثم منهم من قال: الناس في الصفات إما مثبت لها قائل بالتعدد، وإما ناف لها، وأَما اثباتها واتحادها فخلاف الاجماع، وهذه طريقة القاضي أَبي بكر وابي المعالى وغيرهما ومنهم من اعترف بأنه ليس له عنه جواب كأبي الحسن الآمدي وغيره. والمقصود هنا أَن هذه الآية تبين بطلان هذا القول، كما تبين بطلان غيره، فان قوله: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ) يقتضي نزول القرآن من ربه والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه، بدليل قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) وانما يقرأُ القرآن العربي لا يقرأُ معانيه المجردة. وأَيضًا فضمير المفعول في قوله (نَزَّلَه) عائد إلى (مَا) في قوله (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) فالذي انزله الله هو الذي نزل به روح القدس. فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أَن يكون نزله من الله فلا يكون شيء منه نزله من غيره من الأَعيان المخلوقة ولا نزله من نفسه. وأيضًا فانه قال عقب هذه الآية: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) الآية وهم كانوا يقولون انما يعلمه هذا القرآن العربي بشر، لم يكونوا يقولون انما يعلمه بشر معانيه فقط بدليل قوله: (لِّسَانُ

стр. 216

الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) فانه تعالى أَبطل قول الكفار بان لسان الذي الحدوا إليه - فجعلوه هو الذي يعلم محمدا القرآن - لسان أَعجمي والقرآن لسان عربي مبين فلو كان الكفار قالوا يعلمه معانيه فقط لم يكن هذا ردا لقولهم فان الانسان قد يتعلم من الأعجمي شيئا بلغة ذلك الأعجمي ويعبر عنه بعباراته. وقد اشتهر في التفسير أَن بعض الكفار كانوا يقولون هو تعلمه من شخص كان بمكة أَعجمي قيل انه كان مولى لابن الحضرمي. وإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه ما نزل به روح القدس بشرا والله أَبطل ذلك بان لسان ذاك أَعجمي وهذا لسان عربي مبين علم أَن روح القدس نزل باللسان العربي المبين وان محمد لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه منه ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله أَن القرآن العربي هو اللسان العربي المبين سمعه روح القدس من الله. وكذلك قوله: (هُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) الآية (١) والكتاب اسم للكلام العربي بالضرورة والاتفاق فان الكلابية أَو بعضهم يفرق بين كلام الله وكتاب الله، فيقول كلام الله هو المعنى القائم بالذات وهو غير مخلوق، وكتابه هو المنظوم المؤلف العربي وهو المخلوق. والقرآن يراد به تارة هذا وتارة هذا، والله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى قرآنا وكتابًا وكلامًا فقال تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ) (٢)

стр. 217

وقال (طسم - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (١) وقال (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ) الآية (٢) فبين أَن الذين سمعوه هو القرآن وهو الكتاب، وقال: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) الآية (٣) وقال: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) الآية (٤) وقال: (يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً) (٥) وقال: (وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) الآية (٦) وقال: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا) الآية (٧) لكن لفظ الكتاب قد يراد به المكتوب فيكون هو الكلام، وقد يراد به ما يكتب فيه، كقوله (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا) الآية (٨) . والمقصود هنا أَن قوله: وقال: (هُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) يتناول نزول القرآن العربي على كل قول، وقد أَخبر أَن الذين آتاهم الكتاب يعلمون أَنه منزل من ربك بالحق اخبار مستشهد بهم لا مكذب لهم، وقال انهم يعلمون ذلك، لم يقل انهم يظنونه أَو يقولونه. والعلم لا يكون إلا حقًا مطابقًا للمعلوم بخلاف القول والظن الذي ينقسم إلى حق وباطل، فعلم أَن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء ولا من اللوح ولا من جسم آخر ولا من جبريل ولا محمد ولا غيرهما. وإذا كان أَهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان أَهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه.

стр. 218

وهذا لا ينافي ما جاءَ عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله تعالى: (. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أنه أَنزله إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم أَنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث. ولا ينافي أَنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) الآية وقال: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) الآية وقال (إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) الآية (١) وقال (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ) الآية (٢) . وكونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أَن يكون جبريل نزل به من الله، سواء كتبه الله قبل أَن يرسل به جبريل وغير ذلك، وإذا كان قد أَنزله مكتوبًا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أَن ينزله، والله تعالى يعلم ما كان وما لا يكون أَن لو كان كيف كان يكون، وهو سبحانه قدر مقادير الخلائق وكتب أَعمال العباد قبل أَن يعملوها كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة وآثار السلف، ثم إنه يامر الملائكة بكتابتها بعدما يعملونها، فيقابل بين الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة عنها فلا يكون بينهما تفاوت، هكذا قال ابن عباس وغيره من السلف، وهو حق. فإذا كان ما يخلقه بائنًا عنه قد كتبه قبل أَن يخلقه فكيف يستبعد أَن يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أَن يرسلهم به. ومن قال: ان جبريل أَخذ القرآن عن الكتاب لم يسمعه من الله. كان هذا باطلا من وجوه:

стр. 219

منها أَن يقال: إن الله تعالى كتب التوراة لموسى بيده فبنو إسرائيل أَخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو سبحانه فيه. فإن كان محمد أَخذه من جبريل وجبريل عن الكتاب كان ينمو إسرائيل أَعلا من محمد بدرجة ومن قال إنه القى إلى جبريل معاني وأَن جبريل عبر عنها بالكلام العربي فقوله يستلزم أَن يكون جبريل أُلهمه إلهامًا، وهذا الإلهام يكون لآحاد المؤمنين كما قال تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي) (١) وقال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ) (٢) وقد أوحى إلى سائر النبيين فيكون هذا الوحي الذي يكون لآحاد الأَنبياء والمؤمنين أَعلا من أَخذ محمد القرآن عن جبريل، لأَن جبريل الذي علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء، ولهذا زعم ابن عربي أَن خاتم الأَولياء أَفضل من خاتم الأَنبياء قال: لأَنه يأْخذ من المعدن الذي يأْخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول. فجعل أَخذه وأَخذ الملك الذي جاء إلى الرسول من معدن واحد وادعى أَن أَخذه عن الله أَعلا من أَخذ الرسول للقرآن، ومعلوم أَن هذا من أَعظم الكفر وإن هذا القول من جنسه. وأَيضًا فالله تعالى يقول: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ) الآية (٣) فضل موسى بالتكليم على غيره ممن أَوحى إليهم. وهذا يدل على أُمور: على أَن الله يكلم عبده تكليمًا زائدًا على الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص، فإِن لفظ

стр. 220

التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى عام وخاص، والتكليم العام هو المقسوم في قوله (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) الآية (١) والتكليم المطلق هو قسيم الوحي الخاص ليس قسمًا منه، وكذلك لفظ الوحي قد يكون عامًا فيدخل فيه التكليم الخاص كما في قوله لموسى: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) (٢) وقد يكون قسيم التكليم الخاص كما في سورة الشورى، وهذا يبطل قول من يقول الكلام معنى واحد قائم بالذات فانه حينئذ لا فرق بين التكليم الذي خص به موسى والوحي العام الذي هو لآحاد العباد. ومثل هذا قوله في الآية الأخرى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء) (٣) فدل على أَن التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى أَمر غير الايحاء. وأيضًا فقوله: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقوله: (حم - تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) وقوله: (حم - تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وأمثال ذلك يدل على أنه منزل من الله لا من غيره. وكذلك قوله تعالى: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) (٤) فانه يدل على أنه مبلغ ما أنزل إليه من ربه وأنه مأمور بتبليغ ذلك. وأيضًا فهم يقولون: انه معنى واحد. فان كان موسى سمع جميع المعنى فقد سمع جميع كلام الله، وان كان قد سمع البعض

стр. 221

فقد استمع بعضه فقد تبعض وكلاهما ينقض قولهم، فانهم يقولون أنه معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض، فان كان ما سمعه موسى والملائكة هو ذلك المعنى كله كان كل منهم علم جميع كلام الله، وكلامه متضمن لجميع خبره وجميع أَمره، فيلزم كلام الله، وكلامه متضمن لجميع خبره وجميع أمره، فيلزم أَن يكون كل واحد ممن كلمه الله وأَنزل عليه شيئًا من كلامه عالمًا بجميع اخبار الله وأَوامره، وهذا معلوم الفساد بالضرورة وان كان الواحد من هؤلاء إنما سمع بعضه فقد تبعض كلامه وذلك يناقض قولهم. وأَيضًا قوله: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وقوله: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا) (١) وقوله: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) (٢) وقوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي) الآيات (٣) دليل على تكليم موسى، والمعنى المجرد لا يسمع بالضرورة، ومن قال أنه يسمع فهو مكابر. ودليل على أنه ناداه والنداءُ لا يكون إلا صوتًا مسموعًا، لا يعقل في لغة العرب لفظ النداء بغير صوت مسموع لا حقيقة ولا مجازا، وقد قال تعالى (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ) إلى قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) (٤) وأَيضًا فقوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى - إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) (٥) وفي هذا دليل على أنه حينئذ نودي ولم يناد قبل ذلك، ولَمَّا فيها من معنى الظرف كما في قوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ

стр. 222

يَدْعُوهُ) (١) ومثل هذا قوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) (٢) (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (٣) فانه وَقَّتَ النداءَ بظرف محدود، فدل على أَن النداءَ يقع في ذلك الحين دون غيره، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداءُ إلا فيه، ومثل هذا قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (٤) وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ) (٥) وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أَقوال الرب بوقت معين. فان الكلابية ومن وافقهم من أَصحاب الأَئمة الأَربعة يقولون: انه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته. ومن هؤلاء من قال: انه معنى واحد لأَن الحروف والأًصوات متعاقبة يمتنع أَن تكون قديمة. ومنهم من قال: بل الحروف والأصوات قديمة الاعيان وأنها مترتبة في مقارنة وجودها لم تزل ولا تزال قائمة بذاته. ومنهم من قال: بل الحروف قديمة الأَعيان بخلاف الأَصوات. وكل هؤلاء يقولون: ان التكليم والنداءَ ليس إلا مجرد خلق ادراك في المخلوق بحيث يسمع ما لم يزل ولا يزال، لا أَنه يكون هناك كلام يتكلم الله به بمشيئته وقدرته ولا تكليم، بل تكليمه عندهم جعل العبد سامعًا لما كان موجودًا قبل سمعه، بمنزلة ما يجعل الأَعمى بصيرا لما كان موجودًا قبل رؤيته من غير احداث

стр. 223

شيء منفصل عنه، فعندهم لما جاءَ موسى لميقات ربه سمع النداءَ القديم لا أَنه حينئذ نودي، ولهذا يقولون: انه يُسْمِعُ كلامَه لخلقه بدل قول الناس يُكَلِّمُ خلقه. وهؤلاء يردون على الخليقة الذين يقولون أن القرآن مخلوق، ويقولون عن أَنفسهم أَنهمخ أَهل السنة الموافقون للسلف الذين يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق، وليس قولهم قول السلف، لكن قولهم أَقرب إلى السلف من وجه. أَما كون قولهم أَقرب فلأَنهم يقولون أَن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وهذا قول السلف. وهؤلاء عندهم لا يقدر الله على شيء من كلامه فليس كلامه بمشيئته واختياره بل كلامه عندهم كحياته، وهم يقولون: الكلام عندنا صفة ذات لا صفة فعل. والخلقية يقولون: صفة فعل، لا صفة ذات. ومذهب السلف أَنه صفة فعل وصفة ذات معًا. فكل منهم موافق للسلف من وجه دون وجه. ونظير هذا اختلافهم في افعاله تعالى ومسائل القدر، فإن المعتزلة يقولون أنه يفعل لحكمة مقصودة وارادة الاحسان إلى العباد، لكن لا يثبتون لفعله حكمة تعود إليه، وأُولئك يقولون لا يفعل لحكمة ولا لمقصود أَصلا. فاؤلئك اثبتوا حكمة لكن لا تقوم به، وهؤلاء لا يثبتون له قصدا يتصف به ولا حكمة تعود إليه. وكذلك في الكلام: أُولئك أَثبتوا كلامًا هو فعله لا يقوم به، وهؤلاءِ يقولون ما لا يقوم به لا يعود حكمه إليه. والفريقان يمنعون أَن تقوم به حكمة مرادة له، كما يمنع الفريقان أَن يقوم به كلام وفعل يريده. وقول أولئك أَقرب إلى قول السلف والفقهاء اذ اثبتوا الحكمة والمصلحة في افعاله وأَحكامه، واثبتوا

стр. 224

كلامًا يتكلم به بقدرته ومشيئته. وقول هؤلاء أَقرب إلى قول السلف اذ اثبتوا الصفات وقالوا لا يوصف بمجرد المخلوق المنفصل عنه الذي لم يقم به أَصلا ولا يعود إليه حكم من شيء لم يقم به فلا يكون متكلمًا بكلام لم يقم به ولا قديرا بقدرة لم تقم به. فكل من المعتزلة والأَشعرية في مسائل كلام الله وأَفعال الله وافقوا السلف والأَئمة من وجه وخالفوهم من وجه، وليس قول أَحدهم قول السلف دون الآخر، لكن الأَشعرية في جنس مسائل الصفات والقدر أَقرب إلى قول السلف والأَئمة من المعتزلة. انتهى. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه ((الصواعق ج٢ ص٢٩٣)) : - فصل -: قول اتباع الرسل الذين تلقوا عنهم هذا الباب: اثبتوا لله صفة الكلام كما اثبتوا له سائر الصفات. ومحال قيام هذه الصفة بنفسها كما يقوله بعض المكابرين انه خلق الكلام لا في محل، ومحال قيام هذه الصفة بنفسها كما يقوله المكابر الآخر انه خلق في محل فكان هو المتكلم دون المحل قالوا والكلام الحقيقي هو الذي يوجد بقدرة المتكلم وارادته قائمًا به لا يعقل غير هذا، وأَما ما كان موجودًا بدون قدرته ومشيئته وانه سمع منه فانه ليس بكلام له وانما هو مخلوق خلقه الله فيه، فلو كان ما قام بالرب تعالى من الكلام غير متعلق بمشيئته بل يتكلم بغير اختياره لم يكن هذا هو الكلام المعهود، بل هذا شيء آخر غير ما يعرفه العقل ويشهد به الشرع، قالوا ولو لم يكن هناك الفاظ مسموعة حقيقة السمع لم يكن ثم صفة كلام البتة، ولو كان عاجزًا عن الكلام في الأَزل لم يصر قادرًا عليه فيما لم يزل، فانه إذا كانت حاله قبل وبعد

стр. 225

سواء وهو لم يستفد صفة الكلام من غيره فمن المستحيل أَن تتجدد له هذه الصفة بعد أَن كان فاقدًا لها بالكلية، وكذلك اثبات قدم عين كل فرد من أَنواع الكلام وبقائه ازلا وابدا أَو اقتران حروفه بعضها ببعض بحيث لا يسبق شيء منها لغيره لا يسيغه عقل ولا تقبله فطرة. وقد دلت النصوص النبوية أنه يتكلم إذا شاءَ بما شاءَ، وأنه كلامه يسمع، وأن القرآن العزيز الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات عين كلامه حقًا، لا تأليف ملك ولا بشر، وأنه سبحانه الذي قال بنفسه (المص) و (حم - عسق) (كهيعص) وأن القرآن جميعه حروفه ومعانيه نفس كلامه الذي تكلم به وليس بمخلوق ولا بعضه قديمًا وهو المعنى وبعضه مخلوقًا وهو الكلمات والحروف ولا بعضه كلامه وبعضه كلام غيره، ولا الفاظ القرآن وحروفه ترجمة ترجم بها جبريل أَو محمد ﵉ عما قام بالرب من المعنى من غير أَن يتكلم الله بها، بل القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه تكلم الله به حقيقة. والقرآن اسم لهذا النظم العربي الذي بلغه الرسول ﷺ عن جبريل عن رب العالمين، فللرسولين منه مجرد التبليغ والأَداء، لا الوضع والانشاء، كما يقوله أَهل الزيغ والاعتداء. فكتاب الله عندهم غير كلامه، كتابه مخلوق، وكلامه غير مخلوق، والقرآن ان أُريد به الكتاب كان مخلوقًا، وان أُريد به الكلام كان غير مخلوق. وعندهم ان الذي قال السلف هو غير مخلوق هو عين القائم بالنفس، واما ما جاءَ به

стр. 226

الرسول وتلاه على الأمة فمخلوق وهو عبارة عن ذلك المعنى. وعندهم ان الله تعالى لم يكلم موسى وانما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس من غير أَن سمع منه كلمة واحدة، وما يقرأُه القارئون ويتلوه التالون فهو عبارة عن ذلك المعنى وفرعوا على هذا الأصل فروعًا: منها أَن كلام الله لا يتكلم به غيره فانه عين القائم بنفسه ومحال قيامه بغيره فلم يتل أحد قط كلام الله ولا قرأَه. ومنها أَن هذا الذي جاءَ به الرسول ﷺ ليس كلام الله الا على سبيل المجاز. ومنها أَنه لا يقال أَن الله تكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا خاطب ولا يخاطب، فان هذه كلها أَفعال ارادية تكون بالمشيئة وذلك المعنى صفة أَزلية لا تتعلق بالمشيئة. ومنها أَنهم قالوا لا يجوز أَن ينزل القرآن إلى الأَرض، فالفاظ النزول لا حقيقة لشيء منها عندهم. ومنها أَن القرآن القديم لا نصف له ولا ربع ولا خمس ولا عشر ولا جزءَ له البتة. ومنها أَن معنى الأَمر هو معنى النهي ومعنى الخبر والاستخبار وكل ذلك معنى واحد؟. ومنها أَنه نفس التوراة هي نفس القرآن، ونفس الانجيل الزبور، والاختلاف في التأويلات فقط. ومنها أَن هذا القرآن العربي تأليف جبريل ومحمد، ومخلوق خلقه الله تعالى في اللوح المحفوظ فنزل به جبريل من اللوح لا من الله على الحقيقة كما هو معروف من أَقوالهم.

стр. 227

ومنها أَن ذلك المعنى القديم يجوز أَن تتعلق به الادراكات الخمس فيسمع ويرى ويشم ويذاق ويلمس إلى غير ذلك من الفروع الباطلة سمعًا وعقلاً وفطرة. وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أَن الله سبحانه يتكلم بمشيئته، كما دل على أَن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل، قال تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (١) (فإذا) تخلص الفعل للاستقبال و (أَنْ) كذلك و (نقُوْل) فعل دال على الحال والاستقبال و (كُنْ) حرفان يسبق أَحدهما الآخر. فالذي اقتضته هذه الآية هو الذي في صريح العقول والفطر. وكذلك قوله: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً) الآية (٢) سواء كان الأَمر هاهنا أَمر تكوين أَو أَمر تشريع فهو موجود بعد أَن لم يكن. وكذلك قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ) (٣) وانما قال لهم اسجدوا بعد خلق آدم وتصويره. وكذلك قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي) الآيات كلها. فكم من برهان يدل على أَن التكلم هو الخطاب وقع في ذلك الوقت. وكذلك قوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ) والذي ناداه هو الذي قال له: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) (٤) وكذلك قوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ) وقوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ

стр. 228

لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) (١) وقوله: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ) الآية (٢) ومحال أَن يقول سبحانه لجهنم (هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) قبل خلقها ووجودها. وتأَمل نصوص القرآن من أَوله إلى آخره، ونصوص السنة ولا سيما أَحاديث الشفاعة، وحديث المعراج وغيرها كقوله ((أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ الْلَّيْلَةَ)) (٣) وقوله: ((إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ منْ أَمْرهِ مَا يَشاءُ وإِنَّ ممَّا أَحْدَثَ أَنْ لاَ تَكَلَّمُواْ فيْ الصَّلاَةِ)) (٤) وقوله: ((مَامنْكمْ منْ أَحد إِلاَّ سيُكلِّمُهُ رَبُّهُ ليْس بيْنهُ وَبيْنهُ تُرْجُمان وَلاَ حاجبٌ)) (٥) وقد أَخبر الصادق المصدوق أَنه يكلم ملائكته في الدنيا فيسألهم وهو أَعلم بهم كيْف ترَكتُمْ عباديْ، ويكلمهم يوم القيامة، ويكلم أَنبياءَه ورسله وعباده المؤمنين يومئذ، ويكلم أَهل الجنة في الجنة ويسلم عليهم في منازلهم، وأنه كل ليلة يقول: ((منْ يسْألُني فأعْطيَهُ مَنْ يَسْتَغْفرُني فَاغْفرَ لَهُ)) (٦) ((مَنْ يُقْرضُ غَيْرَ عَديم وَلاَ ظَلُوم)) (٧) وقال النبي ﷺ ((إِنَّ اللهَ أَحْيَا أَبَاكَ وَكَلَّمَهُ كفَاحًا)) ومعلوم أَنه في ذلك الوقت كلمه وقال له ((تَمَنَّ عَلَيَّ)) (٨) . إلى أَضعاف أَضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي ان دفعت دفعت الرسالة باجمعها، وإن كانت مجازًا كان الوحي

стр. 229

كله مجازًا، وان كانت من المتشابه كان الوحي كله من المتشابه، وان وجب أَو ساغ تأويلها على خلاف ظاهرها ساغ تأويل جميع القرآن والسنة على خلاف ظاهره، فان مجيء هذه النصوص في الكتاب وظهور معانيها وتعداد أَنواعها واختلاف مراتبها أَظهر من كل ظاهر وأَوضح من كل واضح، فكم جهد ما يبلغ التأويل والتحريف والحمل على المجاز، هب ان ذلك يمكن في موضع واثنين وثلاثة وعشرة، أفيسوغ حمل أَكثر من ثلاثة آلاف وأَربعة آلاف موضع كلها على المجاز وتأويل الجميع بما يخالف الظاهر. ولا تستبعد قولنا أَكثر من ثلاثة آلاف فكل آية وكل حديث إلهي وكل حديث فيه اخبار عما قال الله تعالى أَو يقول وكل أَثر فيه ذلك إذا استقرئت زادت على هذا العدد، ويكفي أَحاديث الشفاعة، وأَحاديث الرؤية، وأَحاديث الحساب، وأَحاديث تكليم الله لملائكته وأَنبيائه ورسله وأَهل الجنة، وأَحاديث تكليم الله موسى، وأَحاديث التكلم عند النزول الآلهي، وأَحاديث التكلم بالوحي، وأَحاديث تكليمه للشهداء، وأَحاديث تكليمه كافة عباده يوم القيامة بلا ترجمان ولا واسطة، وأَحاديث تكليمه للشفعاءِ يوم القيامة حين يأذن لهم في الشفاعة. إلى غير ذلك، إذ كل هذا وأَمثاله وأَضعافه مجازًا لا حقيقة له. سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهدك ونشهد ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك أَنك أَحق بهذه الصفة وأَولى من كل أَحد، وان البحر أو أَمده من بعده سبعة أَبحر وكانت اشجار الأَرض أَقلامًا يكتب بها ما تكلم به لنفدت البحار والأَقلام ولم تنفد كلماتك، وانك لك الخلق والأَمر فأَنت الخالق حقيقة. انتهى.

стр. 230

وقال أَيضًا في كتابه ((الكافية الشافية، لانتصار الفرقة الناجية)) في مقدمة الكتاب: ((فصل)) وأَما القرآن فاني أَقول: انه كلام الله، منزل، غير مخلوق، منه بدأَ، وإليه يعود، وتكلم الله به صدقًا، وسمعه جبريل منه حقًا، وبلغه محمدًا ﷺ وحيًا. انتهى. وقال أَيضًا في ((الكافية الشافية)) : والله ربي لم يزل متكلما ... وكلامه المسموع بالآذان صدقًا وعدلا أُحكمت آياته ... طلبًا واخبارا بلا نقصان ورسوله قد عاد بالكلمات من ... لدغ ومن عين ومن شيطان أَفعاذ بالمخلوق حاشاه من الاشراك ... شراك وهو معلم الايمان بل عاذ بالكلمات وهي صفاته ... سبحانه ليست من الأَكوان وكذلك القرآن عين كلامه المسموع ... مسموع منه حقيقة ببيان هو قول ربي كله لا بعضه ... لفظًا ومعنى ما هما خلقان تنزيل رب العالمين وقوله ... اللفظ والمعنى بلا روغان لكن أَصواب العباد وفعلهم ... كمدادهم والرق مخلوقان فالصوت للقاري ولكن الكلام ... كلام رب العرش ذي الاحسان هذا إذا ما كان ثم وساطة ... كقراءَة المخلوق للقرآن فاذا انتفت تلك الوساطة مثل ما قد ... قد كلم المولود من عمران فهناكل المخلوق نفس السمع لا شيء ... من المسموع فافهم ذان هذى مقالة أَحمد ومحمد ... وخصومهم من بعد طائفتان احداهما زعمت بأن كلامه ... خلق له الفاظه ومعان والآخرون أَبوا وقالوا شطره ... خلق وشطر قام بالرحمان زعموا القرآن عبارة وحكاية ... قلنا كما زعموه قرآنان

стр. 231

هذا الذي نتلوه خلقًا مثل ما قال ... الوليد وبعده الفئتان والاخر المعنى القديم فقائم ... بالنفس لم يسمع من الديان والامر عين النهي واستفهامه ... هو عين إخبار وذو وحدان وهو الزبور وعين توراة وانجيل ... وعين الذكر والفرقان الكل معنى واحد في نفسه ... لا يقبل التبعيض في الاذهان ما ان له كل ولا بعض ولا ... حرف ولا عربي ولا عبران ودليلهم في ذات بيت قاله ... فيما يقال الاخطل النصران يا قوم قد غلط النصارى قبل في ... معنى الكلام وما اهتدوا لبيان ولأَجل ذا جعلوا المسيح الههم ... إذ قيل كلمة خالق رحمان ولأَجل ذا جعلوه ناسوتاولا ... هوتًا قديمًا بعد متحدان ونظير هذا من يقول كلامه ... معنى قديم غير ذي حدثان والشطر مخلوق وتلك حروف ... ناسوتية لكن هما غيران فانظر إلى ذا الاتفاق فانه ... عجب وطالع سنة الرحمن وتكايست أُخرى وقالت ان ذا ... قول محال وهو خمس معان تلك التي ذكرت ومعنى جامع ... لجميعها كالأُس للبنيان فيكون أَنواعًا وعند نظيرهم ... أَوصافه وهما متفقان أن الذي جاءَ الرسول به لمخلوق ... ولم يسمع من الديان والخلف بينهم فقيل محمد ... أَنشاه تعبير عن القرآن والآخرون أَبوا وقالوا انما ... جبريل انشاه عن المنان وتكايست أخرى وقالت انه ... نقل من اللوح الرفيع الشان فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد ... أَنشاه خلقًا فيه ذا حدثان هذى مقالات لهم فانظر ترى ... في كتبهم يامن له عينان لكن أَهل الحق قالوا انما ... جبريل بلغه عن الرحمان

стр. 232

أَلقاه مسموعًا له من ربه ... للصادق المصدوق بالبرهان انتهى وقال شارح الطحاوية ﵀ عند قول الطحاوية ﵀ في عقيدته المشهورة (١) -: وأَنزله على رسوله وحيًا. أَي أَنزله إليه على لسان الملك، فسمعه الملك جبريل من الله، وسمعه الرسول محمد ﷺ من الملك، وقرأَه على الناس قال تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) (٢) انتهى. وكلام أَهل العلم من المحققين لا سيما هذين الامامين العظيمين شيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في هذه المسألة كثير جدًا لو استقصيناه لاستدعى مجلدًا. وفيما نقلناه كفاية لمن نور الله بصيرته. والله أَسأله أَن يهدينا واخواننا المسلمين صراطه المستقيم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أَجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أَملاه الفقير إلى مولاه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ. (طبع بمطبعة الحكومة بمكة المكرمة في ١٣٦٩)

стр. 233

القسم الرابع مسائل في فروع العقائد

стр. 234

(١٦٠- اشراط الساعة) قد وجد مباديء وأَوائل قرب الساعة، فإن نبينا ﷺ نبي الساعة، وهو الذي تقوم الساعة على أُمته. وبعدها تتابعت الصغار الكثيرة جدًا، ثم علاماتها الكبار إلى الآن لم تأت وغير بعيد أَن تقع، فإن النبي أَخبر عن أُمور هائلة وأُمور تنكرونها (١) بطريقة لا نسبة لها إلى ما قبل، كأَن الآن عالم والماضي قريبًا عالم آخر. ... (تقرير) . (١٦١- بعث هذه الأَجساد) الأَجساد تبعث فتجازى، والنصوص في بعث هذا الجسد نفسه أَصرح شيء، وما استنكر أَبو جل إلا هذا. لكن جاءَ أُناس تتلمذوا على الإفرنج ولا دروا أَنه مسلك أَبي جهل واضرابه ويعطى أَحدهم الشهادة العالمية؟! فانسان ينكر حقيقة البعث أَي شيء عنده من بحث أَو دين، ليس عنده إلا أَنه أَعرض عن القرآن وقبل رمي أَعدائه اياه. وهذا داء قديم وحديث لا يرون العلم إلا ما هو حديث، مع أَنهم يتناقضون ولا يستقيمون على قول، فهم يقولون: إن الأصول المنطقية هذبتها القدم، وكذا وكذا. ... (تقرير) .

стр. 235

(١٦٢- وزن الأَعمال) ((وَسُبْحَانَ الله تَمْلأُ الْميزانَ)) (١) لا يلتفت إلى قول من قال: لو كانت أَجسامًا لملأَت ذلك، فانه كلام باطل لا أَصل له، فإن الله قادر على أَن يجعل الأَعمال أَجسامًا ولها ثقل تملأُ الميزان. ... (تقرير الأَربعين) (١٦٣- س: المسلم اذا جن هل هو مثل أَهل الفترة والمجانين) ج: - الظاهر أَن جنونه كموته، فانه قد قامت عليه الحجة. (١٦٤- س: شفاعة النبي في أَبي طالب مع قوله: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (٢) ج: - هذه من خصائصه ﷺ . وأَيضًا هي في تخفيف عذابه فقط. (١٦٥- س: قول السفاريني: وجائز على الباري أَن يعذب الورى ... من غير ما ذنب ولا جرم جرى ج: - هذا غلط من صاحب العقيدة السفارينية. (١٦٦- س: قول شارح الورقات فيخلق الله عند ذلك) ج: - هذا من قول المبتدعة منكرة الأَسباب. ... (تقريرات) (١٦٧- أَفعال العباد) الفعل ينقسم إلى نفس المصدر، وإلى أَثره. فالذي من أَفعال العباد بمعنى المصدر (٣) والذي بمعنى المفعول منفصل عنه للمخلوق. ... (تقرير الطحاوية ٧٦هـ)

стр. 236

(الايمان) (١٦٨- س: جاء في بعض طبعات الواسطية: وعمل اللسان؟ ج: - هذا غلط، النسخ الأُخرى ليس فيها عمل اللسان. وسمعنا كلام ابن القيم واردنا حملها عليه ولكن لم يستقم لنا هذا بل وجد في عبارات أخر ما ينافيها. ... (تقرير الواسطية) . (١٦٩- القلب له إيمان واللسان له إيمان والجوارح لها إيمان) ولا يقال أَن ترك الصلاة لا ينافي كمال الإيمان الواجب، لكن التحقيق أَنه يزيله كله، والخلاف بينهم ليس لفظيًا. (١) ... (تقرير) (١٧٠- جاء في القرآن) (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ) (٢) (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) (٣) وهذا المعدي باللازم التصديق، وما تعدى بالباء فهو الشرعي. ... (تقرير الطحاوية) . (١٧١- نفي الإيمان عن الزاني) ((لاَ يَزْنيْ الزَّانيْ حيْنَ يَزْنيْ وَهُوَ مُؤْمنٌ)) قول بعض السلف يجانبه الايمان ويكون فوقه كالظلة. المراد به كماله الواجب لا الإيمان كله. ... (تقرير) . (مرجئة الفقهاء) الامام أَبو حنيفة ﵀ وشيخه حماد بن أَبي سليمان هما من مرجئة الفقهاء الذين يقولون لا تدخل أَعمال الجوارح في الايمان، مع أَنهم يقولون بالتغليظ فيها، انما هي مسأَلة الإسم فقط. والجمهور على خلاف هذا. ... (تقرير الحموية) . (١٧٣- غلاة المرجئة) قوله: وقد يكون قول من لا خلاق له، فان كثيرًا من الفساق والمنافقين يقولون لا يضر مع الايمان ذنب أَو مع التوحيد.

стр. 237

قال شيخنا: هذا من فروع قول المرجئة وهو الرائج في البلدان التي أَهلها يدعون الاسلام، فالمسلم الذي لايكون نصرانيًا ولا يهوديًا بالنسبة إلى العمل بالدين، هذا سائد عندهم، وان كانوا لا ينكرون فضل من يصلي، لكنه مسلم على كل حال عندهم، وأنه من حزب المسلمين، وأنه يبغض الكافرين - وهذا بقطع النظر عن الشرك - فهذه مذاهب ردية أَخذها أُناس فسقة، فشبهتهم وجود من تكلم بهذا من أَهل المذاهب قديمًا ثم يقول كذا وكذا، مع أَن المرجئة يرون من يعمل أَفضل الا بعض غلاتهم. ... (تقرير شرح الطحاوية باختصار) . تجد الاسلام الفاشي عند الأكثرية اذا لم ينتسب إلى طائفة أُخرى (١) يقولون مسلم وهو لا يصلي ولا يصوم، والايمان حاصل له وهو تصديق الرسول، اذا قال له أَحد: صل. قال: أَنا مسلم. يعني إذا قلت أَنا مسلم فلا تقل لي شيئًا. ... (تقرير كتاب الايمان) . (١٧٤- الذنب الذي لم ينص على أَنه شرك أَصغر أَخف من الذنب الذي شمله اسم الشرك، كالشيء الذي نص على أَنه ايمان أَقوى من الشيء الذي دخل في شمول الايمان له، فما نص عليه بعينه أَعظم. ... (تقرير كتاب الايمان) . (١٧٥- س: أَهل الفترة هل يسمون كفارا أَو مسلمين؟) ج: كفار لا مسلمين. أَما عذابهم فلا يكون حتى يبعث لهم

стр. 238

رسول. وفي قصة المجانين وأَهل الفترات أَنه يبعث لهم عنق من النار. ... (تقرير) . (١٧٦- بعض أَهل البدع يثاب على قصده ونيته لا على أَفعاله التي أَخطأَ فيها. وهذا إذا صار مسلمًا ولكن فيه البدع الغليظة - وهو مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أَخطأَ الصواب من أَجل قصر رأْيه الصائب، حتى الكافر إذا عمل عملاً في الدنيا يعطى به طعمة في الدنيا من عدل الله فإنه لا حظ له في الآخرة. ... (تقرير كتاب الإيمان) . (١٧٧- فضل الصحابة وأَهل البيت وافتراق الأمة فيهم) (لَهُ أَجْرُ خَمْسينَ منْكُمْ) (١) من هذه الناحية وهي صبره مع كثرة أَعدائه، فهو فضيلة جزئية، مثل عالم متخصص في النحو لكن ليس له مثلهم في الفضل وان سبقهم في النحو. ... (تقرير) . (١٧٨- ((وفي نزعه ضعف)) ) لا مطعن فيه على أَبي بكر للروافض، لأَن ابا بكر أَكثر ايمانًا. ثم هو الذي ولاه، ثم أَيضًا قال: ((وَاللهُ يَغْفرُ لَهُ)) فهذا إذا كان المراد أَنه نقص. (٢) .

стр. 239

(١٧٩- (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) استبدل بها بعض العلماء على أَنه لا حظ للرافضة في الفيء أبدًا. وبهذا ينبغي لولاة الأمور أَن لا يجعلوا لهم رفادة ولا شيئًا أَبدًا، اللهم إلا أَن يزول رفضهم أَولاً بما يظهرون فيعطون. ... (تقرير) . (١٨٠- تنقص الروافض لعمر الخليفة الراشد) من محمد بن ابراهيم إلى حضرة المكرم علي بن محمد المطوع ... المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد وصل إلينا كتابك المؤرخ. الذي ذكرت فيه ما أجراه بعض الروافض عندكم انهم صوروا أَمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ صورة مجسمة تجسيمًا كاملاً، وزينوه بلباس فاخر بلحيته وعمامته، وجعلوا له ذيلا يستهزؤن به في مجالسهم، ويرقصون حواليه، ويلعنونه، ثم أَتوا بولد أَبو عشرين سنة وأَتوا بمطوعهم ليعقدوا للولد على عمر، ويجعلونه مثل الذين تعرفون، ثم عثرت عليهم الشرطة فمسكتهم واودعوا السجن وتسأل عما يجب في حقهم شرعًا. والجواب: عن ما ذكرتم من هذا الأَمر العظيم من فعل هؤلاء الروافض وتهجمهم على أَصحاب رسول الله ﷺ ، الذين أختارهم الله لصحبة رسوله، فقاموا معه خير قيام، وآمنوا به، وهاجروا وجاهدوا معه، ونصروه، وبذلوا في سبيل ذلك مهجهم وأَولادهم وأَوطانهم وأَموالهم، وفدوه ﷺ بجميع ذلك.

стр. 240

قال أَبو زرعة العراقي: إذا رأَيت الرجل ينتقص أَحدا من الصحابة فاعلم أَنه زنديق، وذلك أَن القرآن حق، والرسول حق، وما جاء به حق، وما أَدى إلينا ذلك كله الا الصحابة. فمن جرحهم فقد أَراد ابطال الكتاب والسنة. فاذا كان هذا في حق سائر الصحابة، فما بالك بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي هو أَفضل الصحابة واجلهم بعد الصديق باجماع الأُمة والبراهين القاطعة، والذي وردت في فضله الأَحاديث الكثيرة والأَخبار الشهيرة، ففي الصحيحين عن سعد بن أَبي وقاص ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((يَا ابْنَ الْخطَّاب وَالَّذيْ نَفْسيْ بيَدِهِ مَا لَقيكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إلاَّ سَلَكَ فَجًّا غيْرَ فَجِّكَ)) وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ((لَقَدْ كَانَ فيْمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ مُحَدَّثُوْنَ فَإِنْ يَكُنْ فيْ أُمَّتيْ أَحَدٌ فَهُوَ عُمرُ)) أَي ملهمون. وروى الترمذي عن ابن عمر أَن رسول الله ﷺ قال: ((إِنَّ اللهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَان عُمرَ وَقَلْبه)) واخرج الترمذي أيضًا عن عقبة بن عامر مرفوعًأ: ((لَوْ كَانَ بَعْديْ نَبيٌّ لَكَانَ عمَر)) والأحاديث والآثار في هذا كثيرة معروفة. وهؤلاء الروافض قد ارتكبوا بهذا الصنيع عدة جرائم شنيعة: منها الاستهزاءُ بأَفاضل الصحابة رضوان الله عليهم وسبهم ولعنهم. ومنها التصوير والتصوير من كبائر الذنوب الملعون فاعلها، مع أَنهم لم يصوروه على خلقته ﵁ بل صوروه صورة بهيمة وجعلوا له ذيلاً لتمام السخرية والاستهزاء

стр. 241

قبحهم الله. وما أَعظمها وأَقبحها وأَفضعها وأَفحشها. ومنها تهجمهم عليه ووقاحتهم حتى أَتوا برجل يعقدون له النكاح عليه قبحهم الله وأَخزاهم، وهذا يدل على خبثهم وشدة عداوتهم للاسلام والمسلمين، فيجب على المسلمين أَن يغاروا لأَفاضل أَصحاب رسول الله ﷺ ، وأَن يقدموا على هؤلاء الروافض قيام صدق لله تعالى، ويحاكموهم محاكمة قوية دقيقة، ويوقعوا عليهم الجزاء الصارم البليغ، سواءٌ كان القتل أَو غيره حسب ما يراه الحاكم بنظره المصلحي الشرعي. والمأمول من ولاة الأُمور عندكم وفقهم الله وهداهم القيام حول ما ذكر بما يلزم شرعًا بالضرب على هؤلاء بيد من حديد غيرة لديننا وخيار سلفنا وزجرًا لمن تسول له نفسه مثل صنعهم. ونسأَل الله أَن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويذل أَعداءَه، ويوفق ولاة الأَمر لما فيه عز الاسلام والمسلمين. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (ص-ف-١٨١-٢٢-١-٨٤هـ) (١) (١٨١- محاكمة داعية للرفض) من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل ولي العهد نائب جلالة الملك السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشير إلى خطاب سموكم رقم ١٣٨٣٠ تاريخ ٨-٧-٨١هـ القاضي بالموافقة على تعيين الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ

стр. 242

عبد العزيز بن رشيد والشيخ محمد بن عودة للجلوس لمحاكمة عبد الله الخنيزي. ونعرض لسموكم أَن المذكورين أَنهوا مهمتهم واتخذوا بصددها القرار المرفق. والذي أَراه أَنه يسوغ قتل هذا الخبيث تعزيرًا، لأَن ما أَبداه رأْس فتنة ان قطع خمدت وان تسوهل في شأْنه عادت بأَفظع من هذا الكتاب من بدعة هذه الطائفة من صاحب هذا الكتاب أَو من غيره. وقتل مثل هذا تعزيرًا إذا رآه الإمام ردع للمفسدين وحسم لمادة البدعة وسد لهذا الباب. فإن قضية هذا الرجل هي أَول واحدة من نوعها، وهذه النابغة تمس مئاخذ المسلمين وحججهم، والقدح فيها تسبب في اسقاط حجيتها وساطع برهانها. فإن الذي لدى المسلمين في معتقداتهم وعاداتهم ومعاملاتهم وفروجهم واحكام دمائهم ومستند ما يحكمون به في محاكمهم أَصلان عظيمان وكل أَصل سواهما راجع إليهما ومستمد منهما. الا وهما الكتاب والسنة لا طريق لهما إلينا إلا من طريق أَصحاب رسول الله ﷺ . فمتى فشا الطعن في جنسهم زالت الثقة، ووجد أَخصام الاسلام ثغرة منها يتخذون سلطة على أَهل الاسلام. والله يحفظم ويتولاكم وينصر بكم دينه ويجعلكم السور الحصين على هذا الدين واليزك الغيور على صحب رسول الله ﷺ . (١) (ص-م-١٩١٨ في ٢٤-٧-٨١هـ)

стр. 243

(١٨٢- عدد زوجات النبي وأَبنائه وبناته) المسأَلة الخامسة (١) : كم عدد زوجات الرسول ﷺ ، وكم عدد أَبنائه وبناته؟ الجواب: أما زوجاته ﷺ فهن احدى عشرة، مات منهن في حياته ثنتان وتوفي هو عن تسع، وأسماؤهن كالآتي: ١- خديجة بنت خويلد القرشية الأَسدية، تزوجها قبل النبوة وعمرها أَربعون سنة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، وهي أُم أَولاده ما عدا إبراهيم، وهي التي آزرته على النبوة، وجاهدت معه، وواسته بنفسها ومالها. وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وحزن عليها الرسول ﷺ حزنًا شديدًا. ٢- سودة بنت زمعة القرشية، تزوجها بعد موت خديجة بأيام، وهذه هي التي وهبت يومها لعائشة. ماتت سودة في آخر زمان عمر. ٣- عائشة بنت أَبي بكر الصديق ﵄، وتكنى أُم عبد الله مع أَنه ليس لها أَولاد، وقد تزوج بها في شوال وعمرها ست سنوات، وبنى بها في شوال في السنة الأولى من الهجرة وعمرها تسع سنوات، ولم يتزوج بكرًا غيرها وكانت أَحب الخلق إليه، وهي التي رماها أَهل الافك بالزنا فأنزل الله براءَتها من فوق سبع سموات، واتفقت الأُمة على كفر قاذفها، وهي أَفقه نسائه وأَعلمهن، وكان الصحابة يرجعون إلى قولها ويستفتونها. ماتت سنة ٥٧ في رمضان وقيل سنة ٥٨.

стр. 244

٤- حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي. ماتت سنة ٤١. ٥- زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية من بني هلال ابن عامر، وقد توفيت بعد زواج الرسول ﷺ بها بشهرين. ٦- أُم سلمة هند بنت أبي أُمية القرشية المخزومية، وهي آخرهن وفاة ماتت سنة ٦١. ٧- زينب بنت جحش بن أَسد بن خزيمة، وهي ابنة عمته اميمة، وفيها نزل قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) (١) وبذلك كانت تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: (زَوَّجَكُنَّ أَهَاليْكُنَّ وَزَوَّجَني اللهُ منْ فَوْق سبْع سَمَواتِ) (٢) وكانت أَولا عند زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ تبناه، فلما طلقها زيد زوجه الله تعالى إياها. توفيت سنة ٢١. ٨- جويرية بنت الحارث بن أَبي ضرار المصطلقية، وكانت من سبايا بني المصطلق فجاءَته تستعينه على كتابتها فادى عنها كتابتها وتزوجها. توفيت سنة ٥٦. ٩- أم حبيبة واسمها رملة بنت أَبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأَموية، وقيل اسمها هند، تزوجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرة فاصدقها عنه النجاشي أربع مائة دينار، وسيقت إليه

стр. 245

من هناك، وماتت في أَيام خلافة أَخيها معاوية بن أَبي سفيان سنة ٤٤. ١٠- صفية بنت حيي بن أَخطب سيد بني النظير من ولد هارون بن عمران أَخي موسى بن عمران، وكانت من أَجمل النساء، وكانت قد صارت له من الصفي امة، فاعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها. ماتت سنة ٥٠. ١١- ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوج بها بمكة في عمرة القضا. فهؤلاء زوجاته ﵅. وأَما ابناؤه فهم: ١- القاسم. وبه كان يكنى، مات طفلاً. وقيل: إنه عاش إلى أَن ركب الدابة. ٢- عبد الله. واختلف في مولده هل ولد بعد النبوة أَو قبلها. وقيل أنه الطيب والطاهر. ٣- إبراهيم. ولد بالمدينة من سريته مارية القبطية سنة ثمان من الهجرة، ومات طفلاً قبل الفطام. وأَما بناته فهن: ١- زينب ... ٢- رقية ... ٣- أُم كلثوم ... ٤- فاطمة وكلهن من خديجة. وكل أَولاده توفي قبله إلا فاطمة فانها تأخرت بعده بستة أَشهر. (ص-ف-١٦٢٦-١ في ٢٦-٥-٥٨هـ) (فضل أَهل البيت، والاعتدال في محبتهم) (١٨٣- فضيلة أَهل البيت معلومة، والأَدلة على ما لهم من الميزة على من سواهم من أَجل أَنهم من البيت وقرابة النبي معلومة، فيجب أَن يحبوا زيادة على غيرهم من المسلمين.

стр. 246

ومن لم يدن بدين النبي ﷺ بان كان تاركه أَصلاً أَو انتسب إليه ووجد منه ناقض من نواقض دينه فان هذا لا ينال حقًا من حقوق المسلمين فضلاً عن أَن ينال حقًا من حقوق سيد المرسلين. فالرافضة أَحبت أَهل البيت ولكنها غلت. والشيعة الأَولون إنما فيهم الشيء الزائد في محبة أَهل البيت، ودخل في هؤلاء زنادقة على أَنهم من الشيعة إلى أَن كان ضررهم على المسلمين ما هو معلوم كعبد الله بن سبأ ونحوه، فهم ما دخلوا على الإسلام والمسلمين إلا من بدعة التشيع. ثم زاد وخرج عن بدعة التشيع حتى صار الروافض هم أَئمة كل شرك وخرافة، فهم أَول من بنى المساجد على القبور، وفي آخر (١) الثالث مع أَول القرن الرابع التقى بحر البويهيين فعظمت الفتنة ووجد في هذا تاريخ القرامطة كلهم في أَواخر الثالث وأَول الرابع. ووجد مصداق قوله ﷺ : ((خَيْرُ النَّاس قرْنيْ ثُمَّ الَّذينَ يَلُوْنَهُمْ ثُمَّ الَّذينَ يَلُوْنَهُمْ)) (٢) فبعد مضي القرون الثلاثة وجد الاختلال الظاهر وحماة البدعة، وان كان قد وجد في زمن الصحابة ما وجد من بدعة الخوارج وبدعة القدرية. المقصود أَن أَهل بيت رسول الله ﷺ لهم مزية ومحبة لمكانهم من رسول الله ﷺ ، لكن بقدر، دون ما وصلت إليه الشيعة في أَول الأَمر دون آخر الأَمر من الشرك

стр. 247

مع ما انضم إليه من بدعة الاعتزال والقدر. فالرافضة في هذا الزمان أَكثر المذكورات فيهم. ... (تقرير) . مسلك الرافضة الغلو في أَهل البيت وسب الصحابة. ثم انقسموا أَقسامًا: بعضهم مخونة يقولون أَن جبريل خان الرسالة فهؤلاء كفرة. والمفضلة بدعة، كالمزيد على المحبة لأَهل البيت زيادة لا تصل إلى الشرك فهذا المقدار بدعة قبل أَن ينضم إليها البدع الكبرى العظمى. والروافض من أَعظم الناس كذبًا لا سيما على جعفر الصادق، فالجهلة الروافض يأخذون تلك الأَشياء يكذبونها هم، فانهم أَكذب الناس. فهم أَعظم الناس تكذيبًا بالصدق، فيكون هذا الوعيد منطبقًا عليهم (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ) الآية (١) فالأَحاديث الصحيحة يردونها، ويقبلون المنخفضة والموقوذة والباطل. ... (تقرير) . (١٨٤- س: يقول الروافض أَن الأَمويين يلعنون أَهل البيت) ج: - فاذا لعن بنو أُمية أَهل البيت أَفينتقصون أَبا بكر وعمر؟ فأَهل السنة أَحبوا أَهل البيت ولا عاكسوا الروافض لم يبغضوا أَهل البيت ولا سبوهم. وفي الشيعة من لا يتجرأ على هذا (٢) كالزيدية فان فيهم شيئًا من الاعتدال، وليسوا على التمام في مسألة أبي بكر وعمر. ... (تقرير) .

стр. 248

(١٨٥- س: الزيدية يقولون أمرنا بحبهم فيقدمون؟) ج: - لكن من يقول: أَن هذا يصل إلى أَن تصادم به النصوص التي هي في خصوص المسألة. فهذا من باب الخصوص والعموم. الزيدية عندهم من عبادة القبور نصيب، وبناؤهم على قبور أَوليائهم شيء معلوم معروف. وهم ينكرون على غيرهم ويبنون هم وبعضهم يبني له قبل أَن يموت، ويعتلون بانه لأَجل تعظيمهم، وينكرون على الشافعية، وبكل حال فشوها في الشافعية أَكثر من الزيدية، لكن الاعتزال في الزيدية أَكثر، ولهذا عمدتهم الوحيد هو كتاب الزمخشري ((الكشاف)) . فالأَفواه مفتوحة والميزان الكتاب والسنة ((ولَوْ يُعْطى النَّاسُ بدَعْواهُمْ)) الحديث (١) يقول فرعون في خطبته: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (٢) . ... (تقرير) . (١٨٦- س: ويقولون تقدمون الأَعاجم كالبخاري) ج: - من استحق التقديم قدم. فاين البخاري من مؤلف زيد ابن علي.... فكتاب البخاري معروف عند الامة. ... (تقرير) . (١٨٧- الزيود أَهون من الذين يأْخذون الناس بالمغريات هؤلاء هم السم) . ... (تقرير) . (١٨٨- ابن جرير أَلف في حديث الغدير مجلدًا. ونعرف أَن عنده شيئًا من التشيع الذي لم يصل إلى البدعة. ... (تقرير) . (١٨٩- كل بدعة ضلالة) فيه أَن البدعة ليس فيها حسن، ففيه الرد تعلى من يقول أَن هذه بدعة حسنة والرسول يقول ضلالة.

стр. 249

وأَما قول عمر: نعمت البدعة. المراد من جهة اللغة والا فأصلها مشروع فانه من المعلوم أَن النبي ﷺ صلى بهم ليال فلم يخرج خشية فرضها عليهم فأَصلها معروف زمن النبي. أَما تقسيم بعضهم البدعة إلى خمسة أَقسام: فهذا غير مسلم. بل البدعة التي لا يسوغها الشرع بدعة ضلالة. وما كان لها ما يخولها من الدين ويدل عليها فليست بدعة ضلالة بل بدعة لفظية. ... (تقرير) . ((وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فيْ النَّار)) قال شيخنا: يتعقبها الشيخ في بعض كتبه (١) . ... (تقرير) . (١٩٠- الابدال) أَحاديث الابدال فيها ضعف، ولكن - والله أَعلم - هم أَئمة الدين الذين لا يضرهم من خذلهم والذين يذبون عن الدين ويكون جمعًا بين الاخبار. ... (تقرير ١٧-١٠-٨٠) والابدال قد أخذه بعضهم من قوله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) (٢) ... (تقرير ١٧-١٠-٥٨هـ) (١٩١- قوله: رجال الغيب) يعني رجال لا يظهرون للأَبصار قد يكونون من الجن. رشيد رضا في تعاليقه على مؤلفات شيخ الاسلام ومثله حامد الفقي سلك مسلك شيخه ينكران هذا. والحق أنه شيء موجود وواقع لبعض الثقات (٣) فرجال الغيب هو المتقدم الكلام في وجودهم (٤) ومن رآهم وخضع لهم فهذا شيء آخر. ... (تقرير شرح الطحاوية) .

стр. 250

القسم الخامس الصوفية والشيوعية
следующие страницы →