لزوجها، لم يأمرني، ولم يعلم. قال: لا، إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها، قال: كنا نعده على عهد رسول الله ﷺ سفاحاً. وقال: لا يزال زانيين وإن مكثا عشرين سنة. وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً، أيحلها له رجل؟ فقال: من يخادع الله يخدعه.
ويتعين التعزير البليغ على من تعاطى مثل هذا وهو يعلم: من زوج، أو زوجة، وولي، وشهود - كل بحسبه.
أما نكاحها الثاني بغير ولي شرعي فنكاح فاسد يتعين أن يفرق بينهما، وعلى الزوج أن يطلقها، فإن أبى الحاكم يفسخ النكاح. والله أعلم. قال ذلك ممليه الفقير إلى الله تعالى محمد بن إبراهيم ابن عبد اللطيف. وصلى الله علي نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص-ف ١٦٧٦-١ في ٢٧-٨-١٣٨٣هـ)
تزوجها ولها خمس سنين وتوطآ على الطلاق قبل الدخول
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم عمر بن سالمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد صل إلى كتابكم المتضمن السؤال عن المسائل الآتية:
أولاً: رجل كطبيب يعالج امرأة غير محرم له، فأشارت إليه أن يعقد بابنتها البالغة من العمر خمس سنوات، وتواطآ على الطلاق قبل الدخول؟
ثانياً: رجل ترك الصلاة خمس سنوات ثم تاب ورجع إلى الله، هل يلزمه قضاء الفائت أم لا؟
ثالثاً: رجل اشترى من آخر خمسة أكياس مثلاً نسيئة بغير سعر
стр. 2592
الحاضر، ثم باعها بسعره إلى رجل آخر أو على من اشتراها منه بعد قبضها هل يصح ذلك، أم لا؟
رابعاً: رجل يخرج من دبره دود حال صلاته هل يكون حكمة كحكم سلس البول، وهل يجوز الإقتداء به، أم لا؟
والجواب: الحمد لله. أما المسألة الأولى فالنكاح غير صحيح ولا يجوز هذا العمل، بل هو حرام ومن الحيل الباطلة. وأيضاً المرأة ليس لها قول في تزويج ابنتها، وللنكاح شروط أخرى لا بد من توفرها.
(ص-ف ٦١٩ في ١٨-٨-١٣٧٦هـ) (١)
فصل - في العيوب في النكاح
(عيوب الرجل)
إذا ادعت عدم وطئه كشف عليها
فضيلة قاضي السليل ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد جرى الإطلاع على خطابك المرفق رقم ٢٠٠ وتاريخ ٢٥-١٠-٨٥هـ المتضمن الاستفتاء عن المرأة التي ادعت عدم وطئ زوجها لها، وأنكر زوجها ما ادعته، ولم يوجد لديكم نساء يوافقن على الكشف عليها لمعرفة وجود البكارة من عدمها.
وعليه نفيدكم أنه بناء على ما ذكر من عدم وجود نساء يكشفن وعليها فإن لها أن تسافر مع محرمها إلى الرياض ومعها خطاب منكم لرئيس المحكمة الكبرى بالرياض لإحالتها إلى النساء المختصات لإجراء الكشف اللازم ثم إفادتكم بالنتيجة. والله يتولاكم. والسلام.
رئيس القضاة
(ص-ق ١٣٣-١-١ في ١١-١-١٣٨٦هـ)
стр. 2593
إذا ادعت أنه عنين وطلب للكشف عليه فهرب
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم نائبنا
في المنطقة الغربية ... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد جرى الإطلاع على أوراق المكاتبة المرفوعة إلينا منكم ... مع زوجته ... المبعوثة لكم من قاضي العلا برقم ٣٥ وتاريخ ١٠-١-١٣٨٠هـ كما جرى الإطلاع على ما ذكره قاضي العلا المتضمن أنها ادعت على زوجها أنه عنين ولا تزال على بكارتها، ولإنكار الزوج قرر القاضي إحالتها إلى القابلات للكشف عليها، وقبل إجراء الكشف هرب الزوج ولم يعد. ويطلب القاضي إرشاده عن ما يلزم نحوها.
ويتأمل ما ذكر رأينه أنه لا مانع من إجراء الكشف على الزوجة من قبل القابلات، وفي الوقت نفسه يطب الزوج لإنهاء دعواه مع زوجته، فإن لم يحضر فينظر حاكم القضية في أمر تغيبه عن زوجته وإنفاقه عليها، ويجري اللازم حسب النصوص عليه شرعاً. والله يحفظكم.
(ص-ف في ٣-٥-١٣٨٠هـ)
في ذكره بثور في النصف
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء
وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
فقد اطلعنا على ما أحيل إلينا مشفوعاً بخطاب سموكم الوارد
стр. 2594
برقم ١٣٤٢٢ وتاريخ ١-٧-١٣٧٩هـ حول دعوى ضد زوجها علي بن ... وطلبها فسخ نكاحها منه- كما اطلعنا على دعوى المدعية، وأمرها بالانقياد لطاعة زوجها، نظراً لثبوت دخول الزوجة ووالدها على علم بالعيب المدعى به في الزوج، وذلك حسبما جاء في شهادة البينة المعدلة لدى حاكم القضية.
وبمراجعة كامل مرفقات المعاملة ودراسة القرار الشرعي المنوه عنه وجدنا في شهادة أحد الشاهدين شيئاً من القصور ولكن ما تحققت ولكن يجري ما تحقق من القرار الطبي من كون ذكر الزوج وجد به بئر في النصف وهو لا يؤثر في الوطئ، وقد صرح العلماء بأنه إذا بقي منه ما يمكن الجماع به فليس بعين، وقد صرح العلماء بأنه إذا بقي منه ما يمكن الجماع به فليس بعيب، ومنه يعلم أن حكم الحاكم لا بأس به. والله يحفظكم.
(ص-ف ١٥١٥ في ٢٧-١١-١٣٧٩هـ)
العقم عيب، متى يتحقق
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الفضيلة
الشيخ عبد الله بن عقيل ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
إشارة إلى استفتاءكم رقم ٤٢٨ في ١٢ الجاري في المرأة التي ادعت على زوجها أنه عقيم.. إلخ ... فالعقم وهو عدم الولادة في لا ريب أن الصحيح فيه أنه عيب، فإن من أهم وأعظم مقاصد المرأة من النكاح تحصيل الولد.
أما استفساركم هل ما ذكر في صورة السؤال يكون عقماً، أم لا
стр. 2595
فالذي يظهر أنه إذا مضى للمرأة مع زوجها مدة طويلة عرفاً، ونضم إلى ذلك تزوجه بزوجات قبلها لم يحبلن منه، وبعدما فارقهن وتزوجن غيره ولد لهن أولا فلها الفسخ، وهذا كله ما لم تكن دخلت على بصيرة وعلم بالواقع. اهـ.
(ص-ف ١٤٨ في ٢٤-٣-١٣٧٥هـ) (١)
مكثت معه ثلاثة عشر عاماً، ثم ادعت أنها لم تعلم بعقمه
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة فضيلة قاضي محكمة بقيق
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد اطلعنا على سؤالك عن قضية الزوجة التي مكثت مع زوجها ثلاثة عشر عاماً وهو عقيم باعترافه، ولكنها تدعي أنها لم تعلم ذلك سابقاً، وأنها طيلة المدة السابقة ترجو حصول الذرية، وهو يدعي علمها بذلك، ولم يقم بينة. إلخ ما جاء في السؤال.
والذي يظهر في هذه المسألة أنه حيث طالت المدة فإن الذي ينبغي في هذه المسألة محاولة الصلح بينهما مهما أمكن فإن لم يمكن ولم تقم بينة على علمها بعقمه ورضاها فإن لها الفسخ، بناء على القول الراجح في المسألة. والله يحفظكم.
رئيس القضاة
(ص-ق ٤٧٩ في ١٣-١١-١٣٧٨هـ)
стр. 2596
ولدت منه ولدين ثم لم يولد له
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرمة البندري بنت عبد العزيز
سلمها الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
فقد حضرت لديّ امرأة منيرة بنت دحيم الطي وأخبرتنا عن مسألتها مع زوجها وخروجها عنه تزعم أنه قد سبق أن ولدت منه ولدين، ومنذ سنين متطاولة نحو خمس عشرة سنة أو أزيد لم يولد لها منها، وأنه تزوج عدة نسوة فلم يولد له منهن.
وأفيدكم أن هذا لا يسوغ لها خروجها عنه، بل يلزمها الرجوع إلى بيت زوجها لأنه ليس بعقيم، لكونها قد ولدت منه. والسلام عليكم.
(ص-م في ٣-٥-٦٧هـ)
العقم في الزوجة ليس عيباً
س: هل العقم في الزوجة عيب؟
ج: كأن المتبادر أن لا تكون الزوجة كالرجل، لفروق، لأن له التزوج فهو ينفك عنه بأن يتزوج أخرى، ويبقيها معه لمودته إياها فيزول المشكل، وهي مالها مفك إذا استدامها، فهي تريد عيالاً وينفد عمرها، وقد يشق عليه الزواج. فالحاصل أن هذه أنواع فرق.
(تقرير)
إذا دخل بها ولم يطأها أنظر سنة
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة رئيس المحكمة والدوائر الشرعية بالمدينة المنورة
المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
стр. 2597
فإليكم المعاملة الواردة إلينا من رئيس ديوان مجلس الوزراء برقم ٥١٨٦ في ١٨-٣-١٣٨٢هـ وسابقتها رقم ٤٧٤٣ في ١٣-٣-١٣٨١هـ ورقم ١٦٠٢٠ في ١٤-١١-٨٠هـ بشأن قضية عوض بن ... مع زوجته....
نفيدكم أن ما أجراه فضيلة القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة المنورة الشيخ محمد الحافظ من فسخ النكاح في الحال وأمر الزوجة بالاعتداد غير صحيح، والواجب شرعاً أن ينظر الزوج لمدة سنة منذ ترافعهما كما هو الحكم في العنين، وقد صرح بذلك العلماء في كتبهم، ومنها كتاب (المقنع) وحاشيته ج٣ ص٥٥ و (كشاف القناع) ج٥ - ص٨٢ و (الإنصاف) ج٢ ص١٨٦ وغيرها وهو مذهب جماهير العلماء والخلاف في ذلك لا يعتد به وحينئذ فتحال القضية للشيخ محمد الحافظ لمراعاة ذلك في الحكم، لأن الواجب أن تعود المرأة إلى زوجها لتمضي معه سنة منذ ترافعا، ولا يحتسب عليه من المدة ما فارقته فيه، فإن وطء فيها وإلا فلها الفسخ، فيفسخ بطلبها. وعلى فضيلة القاضي إخراج الصك بذلك لتعتبر القضية منتهية. والسلام.
رئيس القضاة
(ص-ق ١٥٥١-٣ في ٦-٨-١٣٨٢هـ)
قلة الجماع ليس بعيب
ثم هذا في التأجيل سنة. وكون العلة ما ذكر هذا يبين أن ضعف الجماع إذا كان يجامع ولكنه قليل الجماع كفي الأشهر مرة فإن هذا ليس عيباً، فإن الناس فيهم الشهوة متفاوتة، فإذا تحقق أنه وطئ في السنة علم أنه ليس بعنين.
(تقرير)
стр. 2598
(قوله: وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين.
ظاهر كلامهم أنها لو اعترفت أنه وطئها في خمس سنوات مرة فليس بعنين، لأن العنين لا يطأ أبداً.
(تقرير)
(قوله: ولو جاهلة
ولعل القول إذا كانت جاهلة بالعتق عذر لها قوي، ودليله أصل المسألة.
(تقرير)
(عيوب المرأة)
(الرتق وعجيبه)
بعض الرتق إذا لم يكن متمادياً قد يكون في الوقت الحاضر لا يستعصى.
وأعرف قضية: أن بدوياً تزوج بدوية فوجدها رتقاء، وكان قد تزوج قبل فأخذ الشفرة فأزال ذلك.
ولما تزوجت ابنتها وكان ليلة الدخول قالت أمها قد تجد فافعل ما فعل أبوها.
(تقرير)
القروح غير السيالة
قوله: وقروح سيالة.
مفهومه أنها إذا لم تكن سيالة فليس بعيب، وهذا فيه تأمل، فإنه عيب، ولا سيما على أصل الشيخ وابن القيم، فإن ضابط العيب هو ما ينفر أحدهما.
(تقرير)
دخل بها فوجدها غير عذراء
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الله فتحي ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
стр. 2599
فقد وصلنا خطابك الذي تذكر فيه قضيتك، ولقد تأملناها فوجدناها راجعة إلى المحكمة الشرعية، فعلى هذا راجعوا المحكمة لتفيدكم بما يلزم، كما أننا من باب النصيحة والإرشاد نلفت نظرك إلى أنه يحسن منك أن تترك الإشارة نحو كونك وجدت الزوجة غير عذراء على حد قولك، خصوصاً وأنت لم تجزم بشيء نحو هذه الناحية. والسلام عليكم.
(ص-ف ١٥١٠ في ٢٦-١١-١٣٧٩هـ)
البياضة في العين ليس عيباً
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الشيخ عبد العزيز الشيعي
قاضي السيح ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
فقد وصلني خطابكم رقم ٢٥٠ وتاريخ ٢٥-٦-١٣٧٧هـ واطلعت على ما ذكرتم حول طلبكم الإفادة عن رجل تزوج امرأة فوجد بعينها بياضة، ويدعي أن هذا عور، ومثبت للفسخ.. إلخ.
وأفيدكم أن هذا الذي بعين هذه المرأة من البياضة التي يفهم من خطابكم أنها صغيرة ولكن لا تبصر بها - هذا لا يسمى عوراً لغة. قال في (القاموس) : العور ذهاب حس أحد العينين.
وكما عرفتم أن الأصحاب لا يعدون العور عيباً، وأن الشيخ تقي الدين وابن القيم رحمهما الله يلحقان بالعيوب التي ذكرها الأصحاب كلما حصل به النفرة كالعمى وقطع يد أو رجل ونحو ذلك. وهذا الذي بهذه المرأة من أسهل أنواع العور. فلا يظهر أن لهذا الزوج الفسخ كما قد فطنتم لذلك بقولكم الصائب:
стр. 2600
ولم نر أن هذا ينفر أحد الزوجين. ومرادكم أن هذا ليس عيباً لا عند الأصحاب ولا عند الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم وهو الذي نرى، ولا يظهر لنا غيره. فعليه لا يلتفت إلى دعوى الزوج أن هذا عيب. والسلام عليكم.
(ص-م ٢٥٢ في ٢٥-٦-١٣٧٧هـ)
الجنون عيب، ولو قل
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة فضيلة رئيس
المحكمة الكبرى في الرياض ... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فإليكم برفقه معروض سلطانة بنت عبد العزيز الذي قدمته لنا بخصوص جاريتها المعتقة ذاكرة أن زوج الجارية اختل عقله، ومستفتيه عن جواز فسخ نكاحها منه. للإطلاع وإجراء اللازم حول طلب الجارية الفسخ، لأن الحق لها بذلك، وكذلك ثبوت اختلال عقل زوجها، وإذا ثبت ما ذكر فلا مانع من فسخ نكاحها بطلبها، لأن الفقهاء ﵏ صرحوا بأن الجنون ولو ساعة يثبت الفسخ، ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله. والسلام.
(ص-ف ١٣٦٨ في ٤-٨-١٣٨٢هـ)
ولا تطلق زوجته بمجرد ذلك
من محمد بن إبراهيم إلى المكرمة محمد بن خليل هرشاني
إمام مسجد النصب بأبها ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن مسألتين:
стр. 2601
المسألة الأولى: عن الرجل إذا أصيب بالجنون فهل تطلق زوجته، وهل تقسم تركته على ورثته، إلخ....
والجواب: الحمد لله. إذا أصيب الرجل بالجنون - نسأل الله العافية - فهل تطلق زوجته بمجرد ذلك، بل تبقى زوجته في عصمة نكاحه ما دام على قيد الحياة، وينفق عليها من ماله.
ولكن إن أرادت فسخ نكاحها منه فلها الاتصال بالقاضي وتقديم مبررات طلبها فسخ نكاحها، وعلى القاضي إجراء ما يلزم حول ذلك، وإثبات فسخ نكاحها إذا توفرت شروطه الشرعية. وأما ماله فيبقى على ملكه، ولا يورث وهو هي، لكن يوكل الحاكم عليه من يحفظه، ويعمل فيه الأصل، وينفق عليه وعلى زوجته وعياله منه.
(ص-ف ٢٣٣٧-١ في ١٠-٩-١٣٨٤هـ) (١)
إذا ظن العيب يسيراً فبان كثيرا فله الخيار
قوله: أو أظنه يسيراً فبان كثيراً.
ولعله على أصل الشيخ لا يسقط خياره، فإن الحكم يدور مع العلة، فإن الشيء اليسير قد لا يكون منه النفرة، بخلاف الكثير.
(تقرير)
(لا تمنع من تزوج مجنون ومجذوم وأبرص
وتعليله بالعار ليس بيناً، فلا يكون عيباً عند الناس. ... (تقرير)
стр. 2602
(باب الصداق)
الرسالة الثالثة
في مشكلة غلاء المهور (١) .
من محمد بن إبراهيم إلى من يراه إخوانه المسلمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فإن مشكلة غلاء المهور في زماننا هذا من أكبر المشاكل التي يجب الاعتناء بحلها، وذلك لما يترتب على غلاء المهور في زماننا هذا من أضرار كثيرة نختص منها بالذكر ما يأتي:
١- قلة الزواج التي تفضي إلى كثرة الأيامى وانتشار الفساد.
٢- الإسراف والتبذير المنهي عنهما شرعاً.
٣- غش الولي لموليته بامتناعه من تزويجها بالكفؤ الصالح الذي ظن أنه لا يدفع له صداقاً كثيراً، رجاء أن يأتي من هو أكثر صداقاً ولو كان لا يرضى ديناً ولا خلقاً، ولا يرجى للمرأة الهناء عنده، وهذا مع كونه غشاً فيه العضل الذي يعتبر من تكرر منه فاسقاً ناقص الدين ساقط العدالة حتى يتوب، وفيه مخالفة حديث: (إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) (٢) .
فلهذا وجب أن نبين ما دلت عليه النصوص في هذا الأمر المهم، وما اشترطه العلماء لجواز إكثار المهر بدون كراهة، ثم نجيب عما يظنه البعض دليلاً لهذا العمل المنافي لمقصد الشرع وهو الآية
стр. 2603
الكريمة: (وإن أردتم استبدال زوج وأتيتم إحداهن قنطاراً) (١) وقضية عمر بن الخطاب مع القرشية. فنقول وبالله التوفيق.
عقد الإمام ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) فصلاً خاصاً لقضاء النبي ﷺ في الصداق قال فيه: ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ (كان صداق النبي لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا فذلك خمسمائة) . وقال عمر ﵁: (ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئاً من نسائه ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية) . قال الترمذي حديث حسن صحيح. اهـ. و (الأوقية) أربعون درهماً وفي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال لرجل: (تزوج ولو بخاتم من حديد) وفي سنن أبي داود من حديث جابر، أن النبي ﷺ قال: (من أعطى في صداق ملء كفه سويقاً أو تمراً فقد استحل) . وفي سنن الترمذي أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : (رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم - فأجازه) قال الترمذي، حديث صحيح وفي مسند الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂، عن النبي (إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة) وفي الصحيحين (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة فقال: هل عندك شيء تصدقها إياه؟ قال ما عندي إلا إزاري هذا. فقال ﷺ : إنك إن أعطيتها إزارك جلست
стр. 2604
لا إزار لك، فالتمس شيئاً. فقال: ما أجد شيئاً. فالتمس ولو خاتماً من حديد. فالتزم فلم يجد شيئاً. فقال ﷺ : هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها. فقال: قد زوجتكها بما معك من القرآن) . قال ابن القيم فتضمنت هذه الأحاديث أن الصداق لا يتقدر أقله، وأن قبضة السويق وخاتم الحديد والنعلين يصح تسميتها مهراً، وتحل بها الزوجة. وتضمنت أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته وعره.
استحباب الاقتصار على صداق النبي ﷺ لمن قدر على بذله
قال النووي في شرح حديث عائشة عند مسلم في صداق النبي ﷺ لأزواجه المتقدم ذكره: استدل بهذا الحديث على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم. وقال ابن قدامه في (المغنى) : لا تستحب الزيادة على هذا. أي على صداق النبي ﷺ ، لأنه إذا كثر ربما تعذر عليه، فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (الاختبارات) : كلام الإمام أحمد في رواية حنبل يقتضي أنه يستحب أن يكون الصداق أربعمائة درهم، وهذا هو الصواب مع القدرة واليسار، فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه.
إنكار زيادة الشخص على المقدار المناسب لحاله
ولو كان دون صداق النبي ﷺ
روى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني تزوجت
стр. 2605
امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئاً. قال قد نظرت إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال على أربع أوراق. فقال له النبي ﷺ : على أربع أوراق؟ كأنما تنحتون الفضة من عرض (١) هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه. قال: فبعث بعثاً بعث ذلك الرجل فيهم) .
قال النووي في شرح صحيح مسلم: معنى هذا الكلام كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج. واستدل النووي بهذا الحديث على أن استجاب كون الصداق خمسمائة درهم إنما هو في حق من يحتمل ذلك ولا يجحف به. وقال أبو المحاسن يوسف أبي موسى الحنفي في (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار) : الحق أن الإنكار على من زاد على المقدار الذي يناسب حاله وحالها لأنه من الإسراف المذموم، لا عن مطلق الزيادة فإنها مباحة.
وقال القرطي: هو إنكار بالنسبة إلى هذا الرجل فإنه كان فقيراً في تلك الحالة، وأدخل نفسه في مشقة تعرض للسؤال بسببها، ولهذا قال (ما عندنا نعطيك) ثم إنه ﷺ لكرم أخلاقه جبر إنكسار قلبه بقوله (ولكن عسى أن نبعثك في بعث -أي سرية للغزو- فتصيب منه. فبعثه) نقل هذا عن القرطبي صاحب (فتح الملهم) . قلت: ومن أحاديث الباب ما رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم في المستدرك عن أبي حدرد الأسلمي (أنه أتى النبي ﷺ ويستعينه في مهر امرأة، قال كم أمهرتها؟ قال: مائتي درهم. قال
стр. 2606
(لو كنتم تعرفون من بطحان ما زدتم) قال الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد) : رجال أحمد رجال الصحيح: وقال المناوي في (فيض القدير) قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي.
ما يشترط لجواز إكثار المهر بدون كراهة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (الاختيارات) : لو قيل إنه يكره جعل الصداق ديناً سواء كان مؤخر الوفاء وهو حال أو كان مؤجلاً لكان متجهاً، لحديث الواهبة، قال: والصداق المقدم إذا كثر وهو قادر على ذلك لم يكره، إلا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهاة ونحو ذلك، فأما إذا كان عاجزاً عن ذلك كره، بل يحرم إذا لم يتوصل إليه إلا بمسألة أو غيرها من الوجوه المحرمة. فأما إن كثر وهو مؤخر في ذمته فينبغي أن يكره هذا كله، لما فيه من تعريض نفسه لشغل الذمة. وقال أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن) : وقد تباهى الناس في الصدقات حتى بلغ صداق امرأة ألف ألف، وهذا قل أن يوجد من حلال. وتقدم قول ابن قدامة في (المغنى) : لا تستحب الزيادة على هذا. أي على صداق النبي ﷺ ، لأنه إذا كثر ربما تعذر عليه فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة.
ومن هذه النقود يستفاد أن لجواز الإكثار بدون كراهة من الشروط ما يلي:
١- أن لا يكون الصداق كله ديناً.
٢- أن لا يقصد الشخص بالإكثار المباهاة.
٣- القدرة واليسار.
стр. 2607
٤- أن لا يكون الطريق التي يتوصل بها إلى الصداق محرمة.
أن لا يكون الصادق كله من الحلال.
الجواب عن قوله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ (١) .
أما قوله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ فغاية ما تدل عليه هذه الآية جواز دفع القادر على القنطار لا تكليف العاجز ما لا يقدر عليه، بدليل إنكار النبي ﷺ على أبي حدرد الأسلمي إمهاره مائتين، وعلى الرجل المتزوج امرأة من الأنصار بأربع أوراق صنيعه، لكون ذلك لا يناسب حالهما، وسنة النبي ﷺ هي المبينة لكتاب الله . هذا جوابنا لمن يرى دلالة الآية على جواز المغالاة في الصداق.
أما من لا يرى ذلك فقد سلكوا في الآية (مسلكين) :
أحدهما: ما ذكره أبو حيان في البحر المحي
حيث قال: قال قوم: لا تدل على ذلك أي على إباحة المغالاة في الصداق لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة، كما أنه قيل وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهو شبيه بقوله ﷺ (من بنى مسجداً لله ولو كمفحص قطاه بنى الله له بيتاً في الجنة) ومعلوم أن مسجداً لا يكون كمفحص قطاه وإنما إنما هو تمثيل للمبالغة في الصغر، وقد قال صلى الله عليه وسلمم:
(كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة) .
ثانيهما: ما نقله أبو حيان عن الفخر الرازي أنه قال: لا دلالة فيها على المغالاة، لأن قوله تعالى: (وآتيتم) لا يدل
стр. 2608
على جواز إيتاء القنطار، ولا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع كقوله ﷺ : (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين) .
هذا ما ذكروه. وبه يتبين أن لا مبرر في الآية لتكليف العاجز ما لا يقدر عليه، ولا لعضل النساء والتضحية بكرامتهن في سبيل الوصول إلى الأغراض الشخصية.
أما ما روى أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد ابن عبد الرحمن، عن مجاهد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب ﵁ منبر رسول الله ﷺ ، ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء قد كان رسول الله ﷺ وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائه درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرمة لم تسبقوه إليها، فلا أعرفن ما زاد الرجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت الله يقول: (وآتيتم إحداهن قنطاراً) الآية. فقال: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر، فقال أيها الناس إني نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب فليفعل.
قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل.
стр. 2609
فالجواب عن هذه القضية أن قول عمر بن الخطاب ﵁: فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب فليفعل. يدل على تقييد ذلك بالقدرة واليسار كما تقدمت الأدلة عليه، مع أن زيادة اعتراض المرأة على عمر بن الخطاب في الحديث لها طرق لا تخلو من مقال.
(أولها) طريقة أبي يعلى المتقدمة، وفيها مجالد بن سعيد قال البخاري في التاريخ الصغير كان ابن مهدي لا يروي عنه. اهـ. وفي الميزان قال ابن معين وغيره: لا يحتج به. وقال أحمد: يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس، ليس بشيء وقال النسائي: ليس بالقوي. وذكر الأسج: أنه شيعي، وقال الدارقطني: ضعيف. وقال البخاري: كان يحي بن سعيد يضعفه وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وقال الفلاس سمعت يحي بن سعيد يقول: لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل. اهـ. ومن هنا يظهر إشكال جزم بعض أهل العلم بجودة إسناد هذه الرواية.
الثانية: رواية ابن المنذر من طريق قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء. فقالت امرأة: ليس ذاك لك يا عمر، إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب﴾ قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود (فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً) فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصته. وفي إسناد هذه الرواية قيس بن الربيع قال البخاري في التاريخ الصغير: حدثني عمرو بن علي، قال: كان يحي
стр. 2610
وعبد الرحمن حدثنا عنه ثم تركه. حدثنا علي، قال: وكان وكيع يضعف قيساً. قال أبو داود أيضاً: أتى قيس من ابنه، وكان ابنه يأخذ أحاديث الناس فيدخلها في فرج كتاب قيس ولا يعرف الشيخ ذلك وذكره البخاري في الضعفاء أيضاً. وقال النسائي في كتاب الضعفاء والمتروكين: قيس بن الربيع متروك الحديث كوفي.
الثالثة: رواية الزبير بن بكار، حدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة -يعني يزيد بن الحصين الحارثي- فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. قال: فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: إن الله تعالى قال: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ الآية. فقال عمر: امرأة أصابت، ورجل أخطأ. وهذه الرواية أعلها الحافظ بن كثير في تفسيره بالانقطاع.
الرابعة: رواية اسحاق من طريق عطاء الخراساني عن عمر هذا الحديث بزيادة، ثم إن عمر خطب أم كلثوم بنت علي وأصدقها بأربعين ألفاً. فهذه الرواية أعلها الحافظ بن حجر العسقلاني في تخريج أحاديث الكشاف بالانقطاع.
هذا وعند البيهقي من طريق حميد عن بكر ما يعارض هذه الروايات بلفظ: قال عمر بن الخطاب: لقد خرجت وأنا أريد أن انهي عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ ففي هذه الرواية لو صحت دلالة على أن عمر
стр. 2611
هو الذي فهم من الآية جواز الكثرة، لكنها مرسلة كما في سنن البيهقي. كما أن عبد الرزاق في مصنفه رواية تعارض رواية اعتراض المرأة بالآية وقبول عمر كلامها، فقد روى عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع، قال: قال عمر بن الخطاب لا تغالوا في مهور النساء، فلو كان تقوى الله كان أولاكم به بنات رسول الله ﷺ ، ما نكح ولا أنكح إلا على اثنتي عشرة أوقية. قال نافع: فكان عمر يقول: مهور النساء لا يزدن على أربع مائة درهم، إلا فيما تراضوا عليه فيما دون ذلك، قال نافع: فكان عمر يقول: مهور النساء لا يزدن على أربع مائة درهم، إلا فيما تراضوا عليه فيما دون ذلك قال نافع وزوج رجل من لده ابنة له على ستمائة درهم. قال: ولو علم بذلك نكله. قال: وكان إذا نهى عن الشيء قال لأهله إني قد نهيت عن كذا وكذا، والناس ينظرون إليكم كما ينظر الحدا إلى اللحم فإياكم وإياه. هذا لفظ عبد الرزاق، فذكر نافع في هذه الرواية أن عمر بن الخطاب لو اطلع على تزوج ولد ابنته بستمائة درهم لنكله مما يشكك في قضية المرأة. ولما ذكرنا تركها أصحاب السنن الأربعة كثير من أئمة الحديث الذين رووا نهي عمر عن المغالاة بالصداق، واقتصروا على استدلال عمر بصداق النبي ﷺ ، وفي رواية بعضهم بدل اعتراض المرأة زيادة: وإن الرجل ليغلي بصداق امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه، وحتى يقول: كلفت لكم علق القربة.
وقد نص أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن) على أن الرواية المشهورة عن عمر هي التي لم تتعرض لقضية المرأة.
يضاف إلى هذا كله أن الحديث عند أصحاب السنن الذين تركوا زيادة اعتراض المرأة من طريق أبي الجعفاء هرم بن نسيب،
стр. 2612
وهو وإن كان قد وثقه بعض الحفاظ فقد قال أبو أحمد الحاكم ليس حديثه بالقائم، وقال البخاري: في حديثه نظر. وبهذا تعقب المنذري في مختصر السنن سكوت أبي داود عنه. وعبارة البخاري في (التاريخ الصغير) قال: سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين فثبت عن ابي الجعفاء، عن عمر في الصداق قال هشام عن ابن سيرين: حدثنا أبو الجعفاء، وقال بعضهم عن ابن سيرين عن أبي الجعفاء عن أبيه في حديثه نظر. هذا نص البخاري في تاريخه الصغير. وللحديث بلفظ أصحاب السنن عند أبي نعيم في (الحلية) إسناد آخر فإنه رواه في ترجمة شريح من طريق القاسم بن مالك، عن أشعث بن سوار، عن الشعبي عن شريح، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ فذكره، وهذا الاسناد قال أبو نعيم فيه: غريب من حديث الشعبي عن شريح والمشهور من حديث ابن سيرين عن أبي الجعفاء عن عمر تفرد به القاسم بن مالك المزني، عن أشعث.
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسحبه وسلم.
(إنتهت الرسالة الثالثة)
اتفقت قبائل على تخفيض المهور وطلب الموافقة عليها
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة
رئيس مجلس الوزراء ... وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد جرى الاطلاع على أوراق المكاتبة المشفوعة الواردة إلينا من رئاسة مجلس الوزراء برقم ٢٠٦٤٨ وتاريخ ٨-٣-١٣٨٠هـ
стр. 2613
بشأن مشكلة غلاء المهور، وما أرفق بها من القرارات الموقعة من كل من: قبيلة بني ساهر، البضاضة، عليان، والسقيفة قبيلة خشعم، قبيلة آل عامر، قبيلة الشفيف. قبيلة تمران الحارثية المتضمنة اتفاق القبائل المذكورة على تخفيض المهور وتحديدها بموجب ما قرره عقلاؤهم وأعيانهم، وتصديق قاضيهم وأميرهم ومشائخ قبائلهم.
وبتأمل ما ذكر وتتبع أوراق المكاتبة وجدت خطتهم التي انتهجوها خطة وجيهة، ولا محذور فيها، والشرع يحث عليها ويرشد إليها، لأن غلاء المهور وفدح ما يدفعه الزوج وقت العرس في الصداق وما يتبعه شيء كثير يعجز عنه فقراء الحال وكثير من المتوسطين ويفضي إلى قلة الزواج، لأنه يكلف الرجال ما لا طاقة لهم به. وقلة الزواج تفضي إلى كثرة الأيامى وانتشار الفساد، وربما كان الضرر في هذا على النساء أكثر، مع العلم أن الصداق لا تقدير له في الشرع بحد محدود لا يزاد فيه ولا ينقص وإنما ترك تقديره للناس حسبما يتعارفون عليه في كل زمان ومكان لتفاوتهم في الغنى والفقر والجمال وضده والبكارة والثيوبة فيكون صداق كل إنسان على حسب حاله وحال المرأة التي يريد أن يتزوجها، مع الإرشاد إلى التخفيف والتيسير وعدم المغالاة فيه ولهذا فإننا نؤيد ما انتهجه أعيان القبائل المذكورة في الجملة لما يأتي:
أولاً: أن تخفيف المهر أمر مأمور به شرعاً باتفاق العلماء سلفاً وخلفاً، ولم يخالف فيه أحد من أهل العلم، فهو الأصل والأكمل بلا شك.
стр. 2614
ثانياً: أنه هو السنة الثابتة عن النبي ﷺ من قوله وفعله وتقريره، فمن ما ثبت بقوله ﷺ ما رواه أحمد عن عائشة مرفوعاً (إن أعظم النكاح بركة أيسره مثونة) وفي لفظ (أخف النساء صداقاً أعظمهن بركة) وفي لفظ (خير الصداق أيسره) وروى أحمد وأبو داود عن جابر مرفوعاً (لو أن رجلاً أعطى امرأة صداق ملأ يديه طعاماً كانت له حلالاً) . ومما ثبت بفعله ﵊ ما رواه أبو سلمة، قال: سألت عائشة كيف كان صداق رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشاً) والنش نصف أوقيه فتلك خمسمائة درهم) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ومن ما ثبت بقريره ﵊ (أنه أجاز زواج امرأة من بني فزارة على صداق نعلين) رواه أحمد والترمذي وصححه، وعن أبي هريرة قال (كان صداقنا إذا كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق وطبق بيديه. وذلك أربعمائة درهم. رواه النسائي.
ثالثاً: أن المغالاة في المهور مع كونها خلاف السنة فيها محذور شرعي وهو الإسراف والتبذير، وهذا منهي عنه شرعاً، بل ورد الإنكار على من زاد في المهر صريحاً وهذا منهي عنه شرعاً، بل ورد الإنكار على من زاد في المهر صريحاً في حديث أبي هريرة عند مسلم، قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار على أربع أواق. فقال النبي ﷺ على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الحائط، ما عندنا نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه) .
стр. 2615
رابعاً: أن المغالاة في المهور كثيراً ما تكون حائلاً دون كثير من الرجال والنساء عن الزواج المبكر، لعجز الزوج في الغالب على تحصيل المهر إلا بجد ومشقة، وربما تدين ديوناً يعجز عن وفائها.
خامساً: أن ولي المرأة إذا جعل هدفه كثرة الصداق وقع في محذورين شرعيين: أحدهما أنه يمنع من تزوج موليته الكفؤ الصالح الذي يظن أنه لا يدفع له صداقاً كثيراً رجاء أن يأتي من هو أكثر منه صداقاً ولو لم يكن مثله في الصلاح، وفي هذا غش لموليته، وعضل لها من تزويجها بكفئها، والعضل محرم، وإذا تكرر من الولي اعتبر فاسقاً به، وتنقص به ديانته وتسقط عدالته حتى يتوب منه. والمحذور الثاني ما تضمنه حديث (إذا جاءكم من ترغبون دينه وخلقه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم بلفظ: إذا أتاكم.. الخ.
стр. 2616
داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى) سورة المائدة - آية ٢. والله يحفظكم.
(ص-ف ١٧٥٧ في ٢/١٢/١٣٨٠هـ)
تخفيض المهور وتحديدها ومجازاة من يزيد عليها أو يسرف في الولائم
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
أمير منطقة الرياض ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
بناء على البحث الشفهي الذي جرى بيننا وبين الشيخ عبد الله ابن خميس حول موضوع المهور، وأمر سموكم بإرفاق صورة مما صدر منا ... نرفق لسموكم صورة من الفتوى في هذا الشأن، ونسأل الله أن يرفق سموكم إلى ما فيه الخير والصلاح، والله يحفظكم. والسلام.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف٣٣٨٨-١ في ٢٠-١٠-١٣٨٨هـ)
(صورة الفتوى)
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2617
أما بعد: فإن الله قد بعث محمداً ﷺ وأنزل عليه الكتاب والحكمة، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى توفاه الله. ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى توفاه الله. وقد أكمل به الدين، وأتم به النعمة، ودرج على سبيله خلفاؤه الراشدون ومن تبعهم بإحسان، وأمر عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم وهم العلماء والأمراء، كما أوجب سبحانه على أولي الأمر النصح لرعايتهم، والاهتمام بشئون من ولاهم الله أمرهم وحملهم على ما يصلحهم ويضمن مصالحهم في شئون دينهم ودنياهم، وأخذهم بحكم الله ورسوله، فيلزمونهم بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، كما أوجب عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -أي إلى كتاب الله، وسنة رسوله- ﷺ .
وإن من الأشياء التي تمادى الناس فيها حتى وصلوا إلى حد الإسراف والتباهي مسألة (التغالي في المهور) والإسراف في الألبسة والولائم ونحو ذلك، وقد تضجر علماء الناس وعقلاؤهم من هذا لما سببه من المفاسد الكثيرة التي منها تأيم كثير من النساء بسبب عجز كثير من الرجال عن تكاليف الزواج، ونجم عن ذلك مفاسد كثيرة متعددة. وبدافع الغيرة الدينية والسعي وراء الصالح العام رأى ولاة الأمور وقادة الناس من رجال الدولة وعلماء المسلمين وإحصان فروجهم تدعو إلى وضع حد لهذا الأمر الذي تباهى فيه الناس حتى خرجوا فيه عن الحد المألوف المرغب فيه من الرسول ﷺ إلى مستوى لا يستطيع الكثير من الناس معه إعفاف فروجهم، وبناء على ذلك جرت اجتماعات
стр. 2618
وكتابات من طلبة العلم وغيرهم للنظر في هذا الموضوع ولم يبق إلا إصدار فتوى يتمشى الناس على ضوئها، ويحملهم ولاة الأمر على العمل بها، فاستعنت بالله وبحثت الموضوع من جميع أطرافه وتحرر ما يلي:
١- أن تخفيف الصداق وعدم تكليف الزوج بما يشق عليه مأمور به شرعاً باتفاق العلماء سلفاً وخلفاً وهو السنة الثابتة عن النبي ﷺ ، وذكر الإمام الموفق بن قدامه في (المغنى) استحباب عدم المغالاة في الصداق والأحاديث الواردة في ذلك، منها ما روي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة) رواه أبو حفص بإسناده، ومنها ما رواه أبو العجفاء قال: قال عمر ﵁: ألا لا تغلو صداق النساء: فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشر أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقه امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه، حتى يقول كلفت لكم عرق القربة. أخرجه النسائي وأبو داود مختصراً ثم قال الموفق: ولا تستحب الزيادة على هذا -يعني صداق النبي ﷺ لأنه إذا كثر ربما تعذر عليه فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة.
وعقد الإمام ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) فصلاً خاصاً بفضائه ﷺ في الصداق قال فيه: ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان صداق
стр. 2619
النبي ﷺ لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشأ فذلك خمسمائة) وقال عمر ﵁ ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئاً من نسائه ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتهى.
وفي سنن أبي داود من حديث جابر، أن النبي ﷺ قال: من أعطي في صداق ملء كفه سويقاً أو تمراً فقد استحل) وفي الترمذي (أن امرأة من فزارة من تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم. فأجازه) قال الترمذي: حديث صحيح. وفي الصحيحين (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد وهبت نفسي لك، فقامت طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله قد وهبت نفسي لك، فقامت طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله زوجتنيها إن لم تكن، إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : (إنك إن أعطيتها إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ : إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك فالتمس شيئاً. قال: فالتمس ولو خاتماً من حديد. فالتمس ولم يجد شيئاً. قال: فالتمس ولو خاتماً من حديد. فالتمس ولم يجد شيئاً. فقال رسول الله ﷺ : هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، سورة كذا، وسورة سماها، فقال ﷺ : زوجتكما بما معك من القرآن، ثم قال ابن القيم: فتضمنت هذه الأحاديث أن الصداق لا يتقدر أقله، وأن قبضة السويق وخاتم الحديد والنعلين يصح تسميتها مهراً. وتحل بها الزوجة. وتضمنت أن المغالاة في المهر مكروهة
стр. 2620
في النكاح وأنها من قلة بركته وعسره. إلى أن قال: ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصاً بالنبي ﷺ وأنها منسوخة أو أن عمل أهل المدينة على خلافها فدعوى لا يقوم عليها دليل، والأصل يردها. وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد، بل عد ذلك من مناقبه وفضائله، وقد تزوج عبد الرحمن ابن عوف على صداق خمسة دراهم وأقره النبي ﷺ . اهـ.
وقال النووي ﵀ في (ِشرح مسلم) على حديث عائشة في صداق النبي ﷺ : استدل بهذا الحديث على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم. انتهى. وخمسمائة الدرهم نصف مثقال وخمس مثقال، فعشرة الدراهم سبعة مثاقيل، وهي تساوي من الريالات مائة وأربعين ريالاً تقريباً.
وقال شيخ الإسلام بن تيمية كما في (الاختيارات) : كلام الإمام أحمد أن يكون الصداق أربعمائة درهم، وهذا هو الصواب مع القدرة واليسار، فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه. اهـ.
٢- إن الزوج إذا تكلف من الصداق ما لا يقدر عليه ولا يتناسب مع حاله استحق الإنكار عليه، لأنه فعل شيئاً مكروهاً ولو كان ذلك الصداق دون صداق النبي ﷺ ، فقد روى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني تزوجت امرأة
стр. 2621
من الأنصار، فقال له النبي ﷺ هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئاً. قال: قد نظرت إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق. فقال له النبي ﷺ على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه. قال: فبعث بعثاً بعث ذلك الرجل فيهم. قال النووي في شرحه لهذا الحديث. معنى هذا الكلام كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج. وقال أبو المحاسن الحنفي في (ألمعتصر) ، من المختصر من مشكل الآثار: الحق أن الإنكار على ما زاد على المقدار الذي يناسب حاله وحالها، لأنه من الإسراف المذموم، لا عن مطلق الزيادة فإنها مباحة. اهـ. وروى أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم في المستدرك عن أبي حدرد الأسلمي أنه أتى النبي ﷺ يستعينه في مهر امرأة قال: كم أمهرتها؟ قال: مائتي درهم. قال: لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم. قال في (مجمع الزوائد) : رجال أحمد رجال الصحيح. اهـ.
٣- مما لا شك فيه أن الزواج أمر مشروع مرغوب فيه، وفي غالب الحالات يصل إلى حد الوجوب، وأغلب الناس لا يتمكن من الوصول إلى هذا الأمر المشروع الواجب أو المستحب مع وجود هذه المغالاة في المهور. ومن المعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن هذا يؤخذ مشروعية إرشاد الناس وردعهم عن التمادي في هذا الأمر الذي يحول دون المرء ودون فعل ما أوجبه الله عليه، لا سيما والأمر بتقليل المهر لا يتضمن مفسدة، بل هو
стр. 2622
مصلحة محضة للزوج والزوجة، بل هو أمر للشارع مرغب فيه كما تقدم.
٤- أن امتناع ولي الأمر من تزويجها بالكفء إذا خطبها ورضيت به إذا لم يدفع ذلك الصداق الكثير الذي يفرضه من اجل أطماعه الشخصية أو لقصد الإسراف والمباهاة أمر لا يسوغ شرعاً بل هو من باب العضل المنهي عنه الذي يفسق به فاعله إذا تكرر، وتنتقل بسببه الولاية إلى غيره، وحالة عضل الأولياء كلهم لولي الأمر أن يتدخل ويتولى التزويج بنفسه.
٥- أن كثرة المهور والمغالاة فيها عائق قوي للكثير من التزوج ولا يخفى ما ينجم عن ذلك من المفاسد الكثيرة وتفشي المنكرات بين الرجال والنساء، والوسائل لها حكم الغايات والشريعة المطهرة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ولو لم يكن في السعي في تقليل المهور إلا سد الذرائع المسببة فعل المحرمات لكفى.
٦- ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (أعلام الموقعين) فصلاً في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، وذكر في هذا الفصل أن أساس الشريعة ومبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وأنها عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.
ولا يخفى ما سببته المغالاة في المهور من المفاسد، فكم من حرة
стр. 2623
مصونة عضلها أولياؤها وظلموها فتركوها إيما بدون زوج ولا ذرية وكم من امرأة ألجأها ذلك إلى الاستجابة لداعي الهوى والشيطان فجرت العار والخزي على نفسها وعلى أهلها وعشيرتها مما ارتكبته من المعاصي التي تسبب غضب الرحمن، وكم من شاب أعيته الأسباب فلم يقدر على هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان فاحتوشته الشياطين وجلساء السوء حتى أضلوه وأوردوه موارد العطب والخسران، فخسره أهله، وفسد اتجاهه، وبل خسرته أمته ووطنه، وخسر دنياه وآخرته.
٧- أن كثرة الصداق وإن كان فيها شيء من المصلحة للمرأة وأوليائها فإنما يترتب على ذلك من المفاسد يربو على تلك المصلحة إن وجدت، والقاعدة الشرعية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
٨- أن الواجب على ولاة الأمور الاهتمام بأمر رعيتهم ودفع الشعر عنهم، ولا سيما في أمور الدين. وحيث عرفنا مما تقدم ما يترتب على المغالاة في المهور من الشرور فإن الواجب على ولاة الأمور التدخل في هذا الموضوع ووضع حد لهذا السرف والمباهاة اللذين سببا عضل النساء وظلمهن وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه.
٩- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (كتاب الحسبة) في بحث التسعير أنه إذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب. وحمل الناس على تخفيف المهور والحالة ما تقدم من هذا الباب لأن المقصود به العدل والخير للرعية.
١٠- أما قول الله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ فغاية
стр. 2624
ما يدل عليه جواز دفع القادر للقنطار لا تكليف العاجز عنه به ومنع الرجل موليته من النكاح بالكفء إلا إذا بذله، بدليل إنكار النبي ﷺ على أبي حدرد الأسلمي إمهاره مائتين، وعلى الرجل المتزوج امرأة من الأنصار بأربع أواق، لكون ذلك لا يناسب حالهما، وسنة النبي ﷺ هي المبينة لكتاب الله والمفسرة له. وهذا كالجواب لمن يرى أنه في الآية دلالة على جواز المغالاة في المهور، وإلا فهناك قول آخر قوي، وهي أنها لا تدل على جواز ذلك، قال أبو حيان في (البحر المحيط) : قال قوم: لا تدل على ذلك -أي على إباحة المغالاة في الصداق- لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة، كأنه قيل وآتيتم هذا المقدار العظيم الذي لا يؤتى لأحد، وهو شبيه بقوله ﷺ (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) ومعلوم أن مسجداً لا يكون كمفحص قطاة، وإنما هو تمثيل للمبالغة في الصغر، وقد قال ﷺ لن أمهر مائتين وجاء ليستعين في مهره وغضب ﷺ : (كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحسرة) .
ونقل أبو حيان عن الفخر الرازي أنه قال: لا دلالة فيها على المغالاة، لأن قوله تعالى: ﴿وآتيتم﴾ لا تدل على جواز إيتاء القنطار، ولا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع، كقوله ﷺ : (من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين) . وبهذا يتبين أن لا مبرر في الآية لتكليف العاجز ما لا يقدر عليه، ولا لعضل النساء والتضحية
стр. 2625
بمستقبلهن وإهدار كرامتهن في سبيل الوصول إلى الأطماع والجشع والمباهاة.
١١- أما القصة المروية عن عمر بن الخطاب ﵁ وهي ما روى أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد ابن عبد الرحمن، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروققال: ركب عمر بن الخطاب ﵁ منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء. وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فيما دون ذلك، ولو أن الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرف ما زاد الرجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال ثم نزل. فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء عن أربعمائة درهم. فقالت أما سمعت الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ الآية. قال: فقال: اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب فليفعل. قال: قال أبو يعلي وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. اهـ.
فالجواب عنها أن زيادة اعتراض المرأة عليه لها طرق لا تخلو من مقال: منها طريق أبي يعلى المتقدمة فيها مجالد بن سعيد وقد قال الإمام أحمد فيه: يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس ليس بشيء. وقال ابن معين وغيره لا يتحج به. وقال البخاري فيه: ضعيف. وتكلم فيه جملة من أئمة الجرح والتعديل بغير ذلك.
стр. 2626
ومن طرق القضية طريق أخرى عند ابن المنذر من رواية قيس ابن الربيع، وقد تكلم فيع غير واحد كالبخاري وابن مهدي ويحي بن معين وغيرهم، وذكره البخاري في الضعفاء وقال النسائي في (كتاب الضعفاء والمتروكين) : قيس بن الربيع متروك الحديث. وحيث أن طرق القصة لا تخلو من مقال فإنها لا تصلح للاحتجاج ولا لمعارضة تلك النصوص الثابتة المتقدم ذكرها، لا سيما وأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة مخالفة عمر أو الإنكار عليه غير ما جاء عن هذه المرأة. وقد علمت كلام العلماء في سند قصتها. وحينئذ فكلام عمر وهو المحدث الملهم إذا خلا من هذه الزيادة موافق لتلك النصوص وملزم بالعمل بها، وقد قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) وقال: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) .
إذا تقرر في هذا فإن الطريق الذي نرى حمل الرعية على العمل به في هذا الصدد يتلخص فيما يلي:
١- بالنسبة للرياض ومكة وجدة والمدينة وغيرها من مدن المملكة الكبار نرى أن يكون الحد الأعلى للصداق أربعة آلاف ريال فأقل، حسب مراتب الناس وأحوالهم، ومعها من التوابع ما يتلاءم مع مقدار الصداق.
٢- أما بالنسبة لغير من ذكر هنا فنرى أن يكتب لكل قاضي بلدة وأميرها أن يجمع أعيانهم ويخبرهم بإلزام ولاة الأمور لهم بتخفيض المهور، ثم يستعرضون حالة مواطنيهم ويتفقون على
стр. 2627
ما يتناسب مع حالتهم، ملاحظين حالة الأضعف ومتوسط الحال منهم، وما تم اتفاقهم عليه تعين الإلزام به.
٣- الذين سبقوا في هذا الميدان واتفقوا فيما بينهم من بعض القبائل في الحجاز وتهامة وغيرهم بدافع منهم على محارمهم على صداق يتلاءم مع مستوى حالتهم المادية مراعين في ذلك حالة الأضعف منهم فهؤلاء يشجعون على الاستمرار على ما هم عليه، ولا يمكن أحد من أفراد تلك الجهات مخالفة ما اتفقوا عليه.
٤- يلزم الجميع بمنع آلات اللهو والطرب والأغاني، وعلاوة على ذلك يمنع الدف وإن كان أصله مباحاً نظراً لما ارتكب بسببه من التوسع في استعمال آلات اللهو والطرب المحرمة واختلاط الرجال بالنساء، ورفع أصواتهن بالأغاني، وإقلاق راحة المجاورين بتلك الأصوات المنكرة، مع ما يقترن بذلك من بذل الأموال في سبيل غير مشروع للمغنيات وغيرهن.
٥- يلاحظ القضاء على كل ما من شأنه الإسراف والبذخ والتطاول من تلك التكاليف التي كان لها السبب الأعظم في المغالاة في المهور: كالإسراف في الولائم، والأثاث كغرف النوم والألبسة كالفساتين ونحوها، والحلي كالعقود الثمينة ونحوها.
٦- يكتفي بوليمة واحدة لا إسراف فيها، سواء كانت عند الزوج أو عند أهل الزوجة حسبما يحصل الاتفاق عليه، مع أن أصل شرعيتها من جانب الزوج. وبناء على ذلك تلغى الحفائل والمباهاة.
٧- يجعل في كل بلد لجنة رقابة مرجعها القاضي تتولى ملاحظة تطبيق ما تقدم، ومن ثبت مخالفته فيعاقب بعقوبة مالية،
стр. 2628
وتصادر الزيادة، وترصد للمحتاجين للزواج، كما يبلغ مأذون عقود الأنكحة أخذ التعهد على كل من أراد عقد زواج بأن لا يزيد على ما ذكر.
٨- متى امتنع ولي أمر المرأة من تزويجها بالكفء الذي رضيت به بدافع الطمع والرغبة منه في الزيادة على ما تقرر فلولي الأمر التدخل في الموضوع بالوجه الشرعي.
ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، ويثبتهم على دينهم ويهدينا وإياهم من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
أملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
مفاسد المغالاة في المهور
الذي ينبغي توخي الصداق النبوي، إلا أنه عقد تغير الأحوال تسوغ الزيادة، لا المغالاة.
وبالنسبة إلى حاجة الأعزاب إلى النكاح فإنه قد وصل غالباً إلى حد لا يستطيعه كثير من الناس فيفوت الوطء بالنسبة إليهما، وتحصيل السنل، وتحصين الفرج، كل هذا من مفاسد هذه المغالاة، فمن المناسب أن ينظر إلى ذلك ويرد الناس إلى شيء يصطلحون عليه، كما وجد في نواح عديدة ناحية أو ناحيتين أو ثلاث اصطلحوا على مقادير وأذن لهم في ذلك. وأفتي لهم في ذلك. بعضها في تهامة الشمالية وبعضها الجنوبية. فإنه يفوت بها مفاسد لا يعملها إلا رب العزة، ومن قواعد الشريعة إرتكاب إحدى المفسدتين لتفويت أعلاهما. مع أنه بالنظر
стр. 2629
والتحقيق في الآية: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ (١) ليس نصاً في المنع، لكن قد يكون فيه شيء من الإيماء أو قد يفهم منه أن القلقة هي التي ينبغي، ولذلك أمير المؤمنين عمرهم بذلك، فلما ذكرت له المرأة الآية كان عنده شيء من الورع فكف عما هم به. هذا في الذي تؤتاه ولو قناطير فإنها ملكته، والمسألة التي فيها الكلام هي عند ابتداء ذلك. المقصود أنه ينبغي أن يفطن له.
كما أن هنا مضرة أخرى وهي ربما يتزوجون من البلاد الأخرى فإن في ذلك مفاسد دينية ودنيوية وسمتية، وخلل ضار لبنات الوطن، فإنه غالباً قد يتزوج امرأة خفيفة الدين إن كان المعتقد صحيحاً وإن كان وثنياً فالزواج غير صحيح.
وإن كان صحيحاً في ذاته ولكن فيه فساد أحوال وأخلاق. فإنه لا يجوز للرجال أن يكونوا هكذا.
(تقرير)
حددوا المهر فيما بينهم، وطلبوا الزيادة من غيرهم
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة رئيس محاكم منطقة جازان
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
بالإشارة إلى خطابكم لنا رقم ١١٣٢-٢ وتاريخ ٢١-٣-٨٧هـ المبني على خطاب قاضي هروب رقم ١٥٤ وتاريخ ٧-٣-٨٧هـ وقد ذكر فيه أن القبائل التي جهته اتفق رؤساؤها وأعيانها على أن الشخص إذا أراد أن يتزوج فالمهر الواجب عليه مائة وثلاثون ريالاً من الفرانسي وأنه حصل بعد ذلك أن بعض الآباء إذا
стр. 2630
أراد أن يزوج ابنته على شخص من غير قبيلتها أنه يأخذ مهر زائداً. وتسأل عن رأينا في هذا الموضوع؟
والجواب: حيث أن الاتفاق جرى بينهم في تحديد المهر، وأنه يحقق مصالح عظيمة وهي عدم تعطل الفتيان والفتيات عن الزواج وقلة الجرائم الأخلاقية وزوال جشع الآباء والتضحية بالبنات من أجل الطمع فإنه يتعين منعهم على أخذ قدر زائد عما اتفقوا عليه إذا أرادوا أن يزوجوا شخصاً ليس من قبيلة البنت، يكون معلوماً. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف ٣٢٦-١ في ٢٩-١-١٣٨٨هـ)
يجوز أن يكون المهر ريالين
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الله الصالح مبشر الشهري
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن المهر. وهل يصح للرجل أن يزوج ابنته على مهر ريالين فقط؟
والجواب: الحمد لله وحده. الصداق هو العوض المسمى في النكاح، والسنة أن يكون كصداق النبي ﷺ على أزواجه، وذلك خمسمائة درهم. وإن زاد أو نقص فلا بأس، وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً وإن قل لحديث جابر مرفوعاً (لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يده طعاماً كانت له حلالاً له) رواه أبو داود، وعن عامر بن ربيعة أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين وقال رسول الله ﷺ : (أرضيت من