ومن طرق القضية طريق أخرى عند ابن المنذر من رواية قيس ابن الربيع، وقد تكلم فيع غير واحد كالبخاري وابن مهدي ويحي بن معين وغيرهم، وذكره البخاري في الضعفاء وقال النسائي في (كتاب الضعفاء والمتروكين) : قيس بن الربيع متروك الحديث. وحيث أن طرق القصة لا تخلو من مقال فإنها لا تصلح للاحتجاج ولا لمعارضة تلك النصوص الثابتة المتقدم ذكرها، لا سيما وأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة مخالفة عمر أو الإنكار عليه غير ما جاء عن هذه المرأة. وقد علمت كلام العلماء في سند قصتها. وحينئذ فكلام عمر وهو المحدث الملهم إذا خلا من هذه الزيادة موافق لتلك النصوص وملزم بالعمل بها، وقد قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) وقال: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) .
إذا تقرر في هذا فإن الطريق الذي نرى حمل الرعية على العمل به في هذا الصدد يتلخص فيما يلي:
١- بالنسبة للرياض ومكة وجدة والمدينة وغيرها من مدن المملكة الكبار نرى أن يكون الحد الأعلى للصداق أربعة آلاف ريال فأقل، حسب مراتب الناس وأحوالهم، ومعها من التوابع ما يتلاءم مع مقدار الصداق.
٢- أما بالنسبة لغير من ذكر هنا فنرى أن يكتب لكل قاضي بلدة وأميرها أن يجمع أعيانهم ويخبرهم بإلزام ولاة الأمور لهم بتخفيض المهور، ثم يستعرضون حالة مواطنيهم ويتفقون على
стр. 2627
ما يتناسب مع حالتهم، ملاحظين حالة الأضعف ومتوسط الحال منهم، وما تم اتفاقهم عليه تعين الإلزام به.
٣- الذين سبقوا في هذا الميدان واتفقوا فيما بينهم من بعض القبائل في الحجاز وتهامة وغيرهم بدافع منهم على محارمهم على صداق يتلاءم مع مستوى حالتهم المادية مراعين في ذلك حالة الأضعف منهم فهؤلاء يشجعون على الاستمرار على ما هم عليه، ولا يمكن أحد من أفراد تلك الجهات مخالفة ما اتفقوا عليه.
٤- يلزم الجميع بمنع آلات اللهو والطرب والأغاني، وعلاوة على ذلك يمنع الدف وإن كان أصله مباحاً نظراً لما ارتكب بسببه من التوسع في استعمال آلات اللهو والطرب المحرمة واختلاط الرجال بالنساء، ورفع أصواتهن بالأغاني، وإقلاق راحة المجاورين بتلك الأصوات المنكرة، مع ما يقترن بذلك من بذل الأموال في سبيل غير مشروع للمغنيات وغيرهن.
٥- يلاحظ القضاء على كل ما من شأنه الإسراف والبذخ والتطاول من تلك التكاليف التي كان لها السبب الأعظم في المغالاة في المهور: كالإسراف في الولائم، والأثاث كغرف النوم والألبسة كالفساتين ونحوها، والحلي كالعقود الثمينة ونحوها.
٦- يكتفي بوليمة واحدة لا إسراف فيها، سواء كانت عند الزوج أو عند أهل الزوجة حسبما يحصل الاتفاق عليه، مع أن أصل شرعيتها من جانب الزوج. وبناء على ذلك تلغى الحفائل والمباهاة.
٧- يجعل في كل بلد لجنة رقابة مرجعها القاضي تتولى ملاحظة تطبيق ما تقدم، ومن ثبت مخالفته فيعاقب بعقوبة مالية،
стр. 2628
وتصادر الزيادة، وترصد للمحتاجين للزواج، كما يبلغ مأذون عقود الأنكحة أخذ التعهد على كل من أراد عقد زواج بأن لا يزيد على ما ذكر.
٨- متى امتنع ولي أمر المرأة من تزويجها بالكفء الذي رضيت به بدافع الطمع والرغبة منه في الزيادة على ما تقرر فلولي الأمر التدخل في الموضوع بالوجه الشرعي.
ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، ويثبتهم على دينهم ويهدينا وإياهم من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
أملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
مفاسد المغالاة في المهور
الذي ينبغي توخي الصداق النبوي، إلا أنه عقد تغير الأحوال تسوغ الزيادة، لا المغالاة.
وبالنسبة إلى حاجة الأعزاب إلى النكاح فإنه قد وصل غالباً إلى حد لا يستطيعه كثير من الناس فيفوت الوطء بالنسبة إليهما، وتحصيل السنل، وتحصين الفرج، كل هذا من مفاسد هذه المغالاة، فمن المناسب أن ينظر إلى ذلك ويرد الناس إلى شيء يصطلحون عليه، كما وجد في نواح عديدة ناحية أو ناحيتين أو ثلاث اصطلحوا على مقادير وأذن لهم في ذلك. وأفتي لهم في ذلك. بعضها في تهامة الشمالية وبعضها الجنوبية. فإنه يفوت بها مفاسد لا يعملها إلا رب العزة، ومن قواعد الشريعة إرتكاب إحدى المفسدتين لتفويت أعلاهما. مع أنه بالنظر
стр. 2629
والتحقيق في الآية: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ (١) ليس نصاً في المنع، لكن قد يكون فيه شيء من الإيماء أو قد يفهم منه أن القلقة هي التي ينبغي، ولذلك أمير المؤمنين عمرهم بذلك، فلما ذكرت له المرأة الآية كان عنده شيء من الورع فكف عما هم به. هذا في الذي تؤتاه ولو قناطير فإنها ملكته، والمسألة التي فيها الكلام هي عند ابتداء ذلك. المقصود أنه ينبغي أن يفطن له.
كما أن هنا مضرة أخرى وهي ربما يتزوجون من البلاد الأخرى فإن في ذلك مفاسد دينية ودنيوية وسمتية، وخلل ضار لبنات الوطن، فإنه غالباً قد يتزوج امرأة خفيفة الدين إن كان المعتقد صحيحاً وإن كان وثنياً فالزواج غير صحيح.
وإن كان صحيحاً في ذاته ولكن فيه فساد أحوال وأخلاق. فإنه لا يجوز للرجال أن يكونوا هكذا.
(تقرير)
حددوا المهر فيما بينهم، وطلبوا الزيادة من غيرهم
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة رئيس محاكم منطقة جازان
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
بالإشارة إلى خطابكم لنا رقم ١١٣٢-٢ وتاريخ ٢١-٣-٨٧هـ المبني على خطاب قاضي هروب رقم ١٥٤ وتاريخ ٧-٣-٨٧هـ وقد ذكر فيه أن القبائل التي جهته اتفق رؤساؤها وأعيانها على أن الشخص إذا أراد أن يتزوج فالمهر الواجب عليه مائة وثلاثون ريالاً من الفرانسي وأنه حصل بعد ذلك أن بعض الآباء إذا
стр. 2630
أراد أن يزوج ابنته على شخص من غير قبيلتها أنه يأخذ مهر زائداً. وتسأل عن رأينا في هذا الموضوع؟
والجواب: حيث أن الاتفاق جرى بينهم في تحديد المهر، وأنه يحقق مصالح عظيمة وهي عدم تعطل الفتيان والفتيات عن الزواج وقلة الجرائم الأخلاقية وزوال جشع الآباء والتضحية بالبنات من أجل الطمع فإنه يتعين منعهم على أخذ قدر زائد عما اتفقوا عليه إذا أرادوا أن يزوجوا شخصاً ليس من قبيلة البنت، يكون معلوماً. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف ٣٢٦-١ في ٢٩-١-١٣٨٨هـ)
يجوز أن يكون المهر ريالين
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الله الصالح مبشر الشهري
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن المهر. وهل يصح للرجل أن يزوج ابنته على مهر ريالين فقط؟
والجواب: الحمد لله وحده. الصداق هو العوض المسمى في النكاح، والسنة أن يكون كصداق النبي ﷺ على أزواجه، وذلك خمسمائة درهم. وإن زاد أو نقص فلا بأس، وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً وإن قل لحديث جابر مرفوعاً (لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يده طعاماً كانت له حلالاً له) رواه أبو داود، وعن عامر بن ربيعة أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين وقال رسول الله ﷺ : (أرضيت من
стр. 2631
مالك ونفسك بنعلين) رواه الإمام أحمد وغيره. والله أعلم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف ٢٤١٩ في ٢-٦-١٣٨٧هـ)
ما يسمى مهراً عند العوام
س / ما يسمونه مهراً -كخمسين- والصداق قد بذل ثلاثة آلاف.
ج / هم يقدمون الحقيقي حتى لا يبقى إلا الشيء القليل. والأحكام دائرة على الحقيقي، وهذا استمروا عليه لأنه كان في السنين الماضية شيء قليل، وقد يعجل وقد يؤخر، وهو يقصدون أنه مؤجل. ويتنصف كله الثلاثة والخمسين.
س / هل لا بد من إعطائه المرأة؟
ج / حق يجب إعطاؤه المرأة. فهذا زيادة عليه، وكونه يسمى عند العقد جائز، فإنه ولو لم يذكر صداق صح النكاح.
(تقرير)
مكسر الجماعة
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الفضيلة قاضي
وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد ثبت لدينا أن لأهل تلك الجهات عادة اعتادوها بعد عقد الزواج هي أنهم يأخذون جبراً إما من المتزوج أو من مهر الزوجة مبلغاً يتراوح ما بين المائتين وبين خمسمائة ريال يوزع على أهل القرية التي عقد فيها النكاح باسم (مكسر
стр. 2632
الجماعة) فلهذا وجب بيان حكم الشرع في هذه العادة. وهو أنها من أكل أموال الناس بالباطل، إذ ليس المأخوذ تبرعاً ولا عقد معاوضة ولا مما طالبت به نفس المالك. وقد قال الله تعالى في كتابه ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ الآية (١) . وأخرج الشيخان من حديث أبي بكر ﵁، أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وروى البيهقي بإسناد صحيح من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع، فذكر الحديث، وفيه (ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس) والنصوص في هذا كثيرة، كما أن القرآن ما يدل على منع التلاعب بمهور النساء فقد قال الله في شأن الأزواج: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ (٣) فما دام التصرف في المهور محرماً على الأزواج بغير طيب نفس بالأجنبي الذي يأخذه جبراً من باب الأحرى والأولى.
стр. 2633
فيما ذكرناه ثبت أن ما يؤخذ من المتزوج وما يؤخذ من الزوجة حرام على الآخذ، فتجب إزالة هذه العادة السيئة، والأمر بالتوبة منها، فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) . لهذا نأمل التنبيه على أمراء وقبائل جهتكم الذين يعملون هذا العمل بمضمون كتابنا هذا. وفق الله الجميع.
(الختم)
(فصل)
بقية المهر فضة ويريد أن يبدلها ورقاً
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة مساعد رئيس محكمة القنفذة
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد اطلعنا على خطابكم رقم ١٠٨٣-١ وتاريخ ٢-٨-٨٨هـ المرفق به استرشاد قاضي محكمة المظليف عن قضية المرأة التي تطالب زوجها ببقية مهرها، وكان النكاح قد عقد منذ إحدى عشرة سنة حينما كانت العملة عندهم ريالات سعودية فضة، والآن اختلف الزوج معها. فهي تطالبه بباقي المهر فضة، وهو لم يبذل لها غير العملة الورقية. إلخ.
والجواب: الحمد لله - هذه المسألة لم نجد فيها نصاً للعلماء
стр. 2634
بذاتها، والأقرب الذي يظهر لنا أنه يلزمه فضة، لأن الحكومة لم تمنع الناس من التعامل بها حتى يعطيها قيمتها أو يعوضها عنها ولأنها هي العملة التي بينهم، فمن الوفاء بالعقود التي أمر الله بالوفاء بها أن يعطيها فضة، وإن أمكن الصلح بينهما فالصلح خير. والله أعلم. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف ٣٢٤٠-١ في ١٥-١٠-١٣٨٨هـ)
أخذ الولي من مهر موليته فيه تفصيل
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
نائب رئيس مجلس الوزراء ... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
إشارة إلى خطاب سموكم رقم ٢٧١٤٧ وتاريخ ١٢-١١-٨٣هـ المرفق به معروض يحي بن أحمد الزهراني المتضمن تشكيه من غلاء المهور في بلادهم زهران. كما يشتكي من أن ولي أمر الفتاة المتزوجة يستولي على مهرها. ولا يعطيها منه إلا القليل. والذي رغبتم معرفة رأينا في هذا الموضوع.
وعليه نفيدكم أن مشكلة غلاء المهور قد كتبنا عنها أكثر من مرة ووضحنا أن المغالاة في المهور خلاف السنة الثابتة عن الرسول ﷺ من قوله وفعله وتقريره، وذكرنا الأدلة على ذلك، ورغبنا في تخفيف المهور، وأهبنا بولاة الأمر -أيدهم الله- إلى تبني هذا المشروع والتعميد به إلى أمراء المقاطعات والقضاة وكبار القبائل وغيرهم.
стр. 2635
وأما موضوع أخذ ولي أمر الفتاة من مهرها فهذا فيه تفصيل، فإن كان ولي أمرها أباها فقد صرح العلماء بأن للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء بشروط ستة ذكرها الفقهاء ﵏، وإن كان وليها غير الأب كأخيها وعمها ونحوهما فلا يحل له شيء من صداقها إلا برضاها. وأما إعطاء أقارب الزوجة وإكرامهم بما جرت به العادة ككسوة ونحوها مما لا بأس به لا سيما إذا كان مدفوعاً من قبل الزوج باسم الأخ ونحوه، وقد ورد في ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن الرسول ﷺ قال: (وأحق ما يكرم عليه الرجل ابنته وأخته) . والسلام عليكم.
(ص-ف٣٥ في ٥-١-١٣٨٤هـ)
طلب أخوها ثلاثة آلاف ريال
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد بن.... الهذيلي
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد بلغنا أن أختك ... قد تقدم لخطبتها عبد الله بن.... وأنها راغبة فيه وراضية به، وأنك امتنعت عن العقد لها به إلا بعد أن يدفع لك من صداقها ما تطيب به نفسك، وأن أختك قد بذلت لك من صداقها ألف وخمسمائة (١٥٠٠) ريال فرفضتها طالباً منها ثلاثة آلاف (٣٠٠٠) ريال. والحقيقة أننا استغربنا هذا العمل الجاهلي الجائر من رجل مسلم يرجى له الخير. وتعرف بارك الله فيك ووفقك أن ولاية الرجل على المرأة ولاية ملاحظ فيها
стр. 2636
وجوب النصح لها. وبذل الجهد في اختيار من يكون عوناً لها على ما يسعدها في حياتها الدنيا وفي الآخرة. كما أن نظره لموليته نظر مصلحة ورعاية واهتمام، لا نظر شهوة وتسلط وطمع، فليست بمنزلة أمته أو بهيمته أو ما يملكه مما يعاوض بها على ما يريد، وإنما هي أمانة في عنقه يتعين عليه أن يرعى حقوقها، وأن يجعل نظره عليها نصحاً خالصاً لها. وما دامت قد تقدم لها زوج كفؤ رضيت به ورغبت فيه فامتناعك عن العقد لها عضل منك لها تأثم عليه، كما أن أخذك شيئاً من صداقها بدون طيبة نفس منها بهتان وإثم مبين وظلم ظاهر، فعليك بتقوى الله تعالى ومراقبته، والعمل بسنة رسولك ﷺ . ومنا قوله ﷺ : (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. قالوا يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه ثلاث مرات) (١) .
وأملنا إن شاء الله فيك طيب في أن خطابنا هذا لك عظة وتوضيح وأنك ستعقد لأختك بمن رغبته زوجاً لها بمجرد وصول خطابنا هذا إليك. ونرجو ألا تضطرنا إلى إجراء ما يقتضيه الوجه الشرعي نحو إسقاط ولايتك لأختك. والسلام عليكم.
(ص-ف ٨٢٢٩ في ١-٥-١٣٨٤هـ)
(فصل)
стр. 2637
تزوجها وهو يعلم أنها حامل من ماء زناه
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء ... وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد اطلعناا على المكاتبة المعادة إلينا بخطاب سموكم الوارد رقم ١٩٠٥١ وتاريخ ١١-٩-١٣٧٩هـ بشأن ما اتخذه قاضي هروب في قراره المرفق بهذه المتكاتبة على ضوء ما لوحظ عليه في قراره السابق بصدد قضية كل من المدعوة...... وسالم...... و...... وبعد دراسة ما جاء في القرار الأخير المبني على الملاحظات والمتضمن الحكم برجم المرأة ... نظراً لثبوت زناها وهي ثيب، والحكم بتعزير سالم.... وحرمانه من المهر لتواطئه مع المرأة على نكاحها وهو يعلم أنها حامل من ماء زناه بها، وتعزير العاقد.... لتفريطه بعقد النكاح قبل أن يتثبت من حال المعقود لهما. بتأمل ما أسلفناه وجدناه إجراء في محله والله يحفظكم.
ملحوظة: وإن رجعت عن إقرارها قبل إقامة الحد سقط عنها الحد.
(ص-ف١٤٤١ في ١٩-١١-١٣٧٩هـ)
إذا أكرهت على الزنا وجب لها مهر مثلها
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد جرى النظر في المعاملة الواردة إلينا رفق خطاب سموكم رقم ١٢١٣٠ وتاريخ ١٢-٦-١٣٧٩هـ المختصة بقضية
стр. 2638
اعترف بالزنا كما جرى الإطلاع على صك الحكم الصادر من رئيس المحكمة الكبرى بمكة المكرمة رقم ١٢١ وتاريخ ١٤-٥-١٣٧٩هـ المتضمن إقامة حد الزنا على المذكور بجلده مائة جلده، وتغريبه عاماً لكونه بكراً، وأن يدرأ الحد عنها لأنها مكرهة على الزنا، ولها عليه مهر مثلها بموجب إكراهه لها على الزنا.
وبتأمل ما ذكره وجد صحيحاً بالنسبة إلى إقامة الحد عليه وإسقاطه عنها لادعائها الإكراه، والحدود تدرأ بالشبهات.
أما فيما يختص بالمهر فإن كان الإكراه ثابتاً بالبينة المعدلة حسب الأصول فذاك، وإلا فلا يحكم على حسن بالمهر بمجرد دعوى عميره. وإلا فلا يحكم على حسن بالمهر بمجرد دعوى عميره. وحيث أن هذا حق مالي فإن لم تجد عميره بينة على أن حسن أكرهها فلها عليه اليمين، فإن حلف برئ من دعواها، وإن نكل حكم عليه بالنكول. والله يحفظكم.
(ص-ف٨١٤ في ٤-٧-١٣٧٩هـ)
اعترف بفض البكارة، ثم رجع عن اعترافه
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد جرى الإطلاع على المعاملة المحالة إلينا وفق خطاب سموكم برقم ٣٥٧٧ وتاريخ ٢٣-٢-١٣٧٩هـ حول قضية المتهم.... بفض بكارة.... المشتملة على الحكم الشرعي الصادر من وكيل رئيس محكمة بلجرشي رقم ٢٢١٥ في ٣-١٢-٧٨هـ حولها.
стр. 2639
وبتتبع المعاملة ومرفقاتها ودراسة الحكم الشرعي المذكور أعلاه المتضمن اعتراف المتهم بفض بكارة البنت، ثم رجوعه عن الاعتراف. ودرء الحد عنه بهذا الرجوع. وأن لها مطالبة المتهم بارش بكارتها لاعترافه بفض بكارتها. ورجوعه عن الاعتراف لا يقبل منه في الحقوق الآدمية -وجه الحكم بدرء الحد عن المتهم لرجوعه عن الاعتراف والحكم عليه بالتعزير جلداً وحبساً للتهمة القوية بجانبه ظاهرة الصحة. أما الحكم للمرأة بمطالبة المتهم بإرش البكارة فلا تطالب بارش البكارة، بل لها مطالبته بمهر المثل، ويدخل ارش البكارة في ذلك. والله يرعاكم.
(ص-ف ٣٣٩ في ٢٠-٣-١٣٧٩هـ)
إذا ثبت أنهما اللذان أزالا بكارتها من غير ثبوت وطء
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
نعيد لكم برفقه المعاملة الواردة منكم برقم ١٣٢٢٩ في ٢٨-٦-٧٩هـ بشأن منصور بن.... وضحوى بن..... واتهامهما بفعل الفاحشة في بنت.... وإزالتهما بكارتها.
ونفيد سموكم أنه جرى دراسة أوراق المعاملة بما فيها الحكم الشرعي الصادر من قاضي النعيرية رقم ٥٠ وتاريخ ١٦-٥-٧٩هـ والقرار الصادر من قضاة المنطقة الشرقية رقم ٦٧ في ٩-٦-٧٩هـ وقد لاحظنا ما يلي:
стр. 2640
١- جاء في القرار الصادرة من قضاة المنطقة الشرقية أنهم يرون إلزام المدعى عليهما بدفع إرش بكارة البنت وهو مهر مثلها لمثلها. وهذا ليس بظاهر، لما يأتي:
٢- أن قضية قاضي النعيرية لم يثبت لديه أن المدعى عليهما اللذان أزالا بكارتها، وقضاة المنطقة لم يصرحوا بثبوت ذلك لديهم، فإن كان قد ثبت لديهم فعليهم أن يوضحوه، وعلى اعتبار ثبوت أن المدعى عليهما هما اللذان أزالا بكارتها وهو حكومة، لا كما قرروه أنه يجب إرش بكارتها وهو مهر مثلها لمثلهما، وبما أنه لم يثبت ببينة ولا إقرار صريح من المدعى عليهما أنهما أزالا بكارتها إلا أن القرائن قوية فينبغي أن تقوى بيمين البنت إن كانت بالغة، أو بيمين والدها إن كانت صغيرة. على أن المدعى عليهما هما اللذان أزالا بكارتها، وبعد اليمين يثبت الارش على ما أوضحناه آنفاً. أما ما قرروه من التعزير بالجلد والحبس والطرد بعد إتمام التعزير فهو حسن إن شاء الله، لذا ينبغي إعادة المعاملة إلى قضاة المنطقة الشرقية لملاحظة ما ذكرناه، وإكمال ما يلزم في الموضوع. والله يحفظكم.
(ص-ق ١٧ في ١٨-١-١٣٨٠هـ)
وإن اتهمت بمطاوعتها عزرت
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء ... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فتجدون برفقه المعاملة الواردة منكم برقم ٥٧٢٦
стр. 2641
في ٢٤-٣-١٣٨٠هـ المتعلقة بدعوى ... ضد ... الغلاف من أنه تعدى وأخذ ابنته وأخيها من بيته.... غيابه وآواهما بداره في.... مدة أربعة أيام وأنه فعل الفاحشة في البنت وأزال بكارتها.
ونفيد سموكم أن جرى دراسة أوراق المعاملة، كما اطلعنا على القرار الصادر في القضية من فضيلة قاضي مستعجلة القطيف رقم ١٧ في ١٥-٢-١٣٨٠هـ وبدراسته وتأمله ظهر أن ما قرره فضيلة القاضي من إدانه الغلاف، وما رآه من أنه يسجن ستة شهور ويضرب في كل شهر ثلاثين سوطاً صحيح. وأما ما قرره أنه يغرم أرشاً عوضاً عن إزالة بكارتها فهذا ليس بظاهر لما يلي:
أولاً: أنه لم يثبت أن المدعى عليه هو الذي أزال بكارتها.
ثانياً: أن البنت متهمة بمطاوعتها له، لأن ذهابها له برضاها واختيارها دليل واضح على ذلك، لذا فإنه ينبغي تعزيرها بنحو ثلاثين جلدة. والسلام.
رئيس القضاة
(ص-ق ٢٨٧ في ٢٠-٤-١٣٨٠هـ)
باب وليمة العرس
و (المسألة الثانية) : وهي سؤالكم عن الحكم في إنفاق النفود في حفلات الزواج والأفراح والمآتم.
والجواب: أما وليمة النكاح فهي سنة مشروعة سنها الرسول ﷺ وفعلها وأمر بها. وينبغي أن تكون بالمعروف بدون إسراف ولا تبذير، وبدون بخل ولا تقتير، وقد قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة) .
стр. 2642
وأما إقامة حفلات المآتم فهذا ممنوع. صرح العلماء ﵏ بهذا، وقالوا: السنة أن يصنع لأهل الميت طعام يبعث به إليهم، لقوله ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) رواه الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه، ويكره لهم فعله للناس، لما روى الإمام أحمد عن جرير، قال: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة) . وإسناده ثقات. هذا جواب المسائل التي أوردتم باختصار.
(ص-ف ٦٢ -١ في ٩-١-١٣٨٥هـ)
(وهي بقية جواب أسئلة سكرتير جمعية العلماء المركزية بدلهي)
س: عمل أهل الزوجة الوليمة ما مستنده؟
ج: يمكن لأجل العموم، وإلا فأصل الوليمة من جانب الزوج.
(تقرير)
قوله: أو من ماله حرام.
ولعل الذي أكثر ماله حرام كذلك. ومن في ماله حرام فهو الذي ذكره الماتن، لأنه يمكن أن يكون فيه حرام.
(تقرير)
قوله: غير مأتم فتكره.
والمأتم منه ما يصنعه أهل المصيبة، كما كان عند الجاهلية إذا توفي شخص صنعوا طعاماً وكان يفعل لمن يساعد على الحزن والشرع جاء بالعكس وهو أن يصنع لأهل الميت طعام كما في قصة جعفر.
ويشمل المأتم كل طعام يصنع لأجل حزن.
(تقرير)
стр. 2643
(قوله دعا.
يدعو لهم بالبركة. ويكون الدعاء بصفة مناسبة ما يناسب: إما في زواجهم، أو في وليمتهم أو نحو هذا، ويكون منه: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم واغفر لهم وارحمهم.
(تقرير)
قلت: وكان دعاؤه لي لما تزوجت: بارك الله في المتزوج، وله، وعليه.
(قوله: وإباحته متوقفة على صريح إذن، أو قرينه.
اجتماع المدعوين وتقديم الطعام بين أيديهم قد يكون أبلغ من النطق أو أنسب. وجرت العادة بأن يجمعوا بين الأمرين:
تقديم الطعام، وتفضلوا أو سمو. ونحو ذلك.
(تقرير)
أما رجل حضر اتفاقاً من غير أن يدعى ثم قدم الطعام فلا يكون إذناً فيه، ما لم تكن هناك قرينة أخرى تشمل أن من حضر الطعام فإنه يأكل، بل غالب الناس لو وجدوا من حضر وارد القيام أمسكوه. فإن كان في العادة أن حضور مثل هذا الرجل يكون صاحب الدار مسروراً من ذلك فإنه يكفي.
(تقرير)
قوله كخمر وزمر
ويلحق بالخمر التنباك هذا فإنه منكر (١) . وآلات اللهو على اختلاف أنواعها
(تقرير)
قوله: وفرش حرير
ومثلها الوسائد التي يستند عليها إذا كانت من حرير.
(تقرير)
стр. 2644
قوله: وكره النثار.
وهو أن ينثر شيء في مجتمعات العرس من الفواكه والحبوب فينبعث الحضور ويهتمون منها للأخذ منها، وإذا كان نقوداً أو فلوساً فكذلك، أو أشد في الكراهة، لمزيد رغبة الناس في النقود وأخذ شيء من هذا الملقوط من الدناءة فإن من شأن النفوس أن تستعمل لها العزة والرفعة ولا تكون مبذولة، والسخف يرجع إلى ضعف العقل والمروءة والإنسانية.
(تقرير)
قوله: ويسن الدف في العرس
الدف الذي بوجه واحد ولا صنوج فيه ولا حلق جائز في العرس، أو سنة، وذلك أن السرور في العرس والطرب فيه طبيعي.
(تقرير)
والدف من أنواع اللهو، وارتكب للسلامة من مفسدة أكبر. والدف هو ما كان ذا وجه فقط، ولهذا سمعوا الدف علموا أنه عرس، فقالوا: من المتزوج؟ فقيل: فلان بفلانة. ومن فوائده أنه ربما يكون بينهما شيء من الرضاع فيكون بإعلانه لا يخفى فيه ما خفاؤه يضر. وهو للنساء خاصة. دون الرجال. أما المجامع الآخر فلا.
(تقرير)
حديث: (فصل ما بين الحرام والحلال الدف والصوت في النكاح)
الدف الذي لا صنوج به ولا حلق ولا جرسان. ثم الدف من خصائص النساء لا يضرب به الرجال، إنما يضرب به النساء خاصة، لأن هذا من تمام إعلانه. ولا يكتفي بالشاهدين لأن فيه
стр. 2645
إعلاناً غير تام، فإنه يخرج عن وصف الزنا الذي هو إسرار مطلقاً.
و (الصوت) هعو الغناء، والمراد الغناء الذي لا يشتمل ععلى محرم - مثل غناء الزفاف:
أتيناكم أتيناكم ... فحيانا وحياكم
ولولا الذهب الأحـ ... ـمر ما حللت بواديكم
ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاريكم
أو يكون شيء آخر المقصود لا يكون فيه شيء حرام.
ثم الغنا الذي فيه نعت الخدود ووصف القدود، هذا لا ينبغي وفي إباحته نظر (١) . لأنه يسبب الفتنة. والحربي لا مناسبة فيه هنا (٢) .
(تقرير)
ثم أيضاً إذا اجتمع فيه رجال ونساء لا يجوز لاجتماع يجتمع فيه حفل النسا هذا من إعلانه. ولا يخالطن الرجال. أما إن وجد فيه مخالطة الرجال فهو معصية. أما كون النسا يضربن الطبول في العرس فهو باطل. وأزيد من هذا جعله أياماً عديدة. يصنع بمكبرات الصوت فإنه يتغلظ ذلك، ويزداد غلظاً بالزيادة الكثيرة. وحديث الجاريتين لا يبيح الغناء المحرم (٣) .
стр. 2646
س: الجعل الذي يعطي في ذلك؟
ج: عطاء بباصل، تمدح فلاناً وتعطي؟ ! هذا ما يجوز.
(تقرير)
س: شق الهدوم في الزواج؟
ج: هذا شيء جديد. هذا باطل، وهو من إضاعة المال.
(تقرير)
س: الطرب
ج: الأصوات المطربة الحصول عليها بالآلات الأصل فيه المنع، لحديث (صوتان ملعونان) (١) فذكر أن أحدهما صوت الملهاة، فيه ما يسكر القلب، ويزيل منه استحضار عظمة الرب، وذكره بالقلب أبلغ من ذكره باللسان، فصار ممنوعاً.
وشيء منه يسير فيه إعطاء للنفس شيئاً مما تحبه من السرور والطرب من غير وصول إلى الضار. وهذا شأن الشريعة المطهرة أن لا تحرم النفس شيئاً مما يلائمها، لكن بمقدار لا يوصل إلى المفسدة كالدف في العرس، وفي أشياء عديدة أبيح شيء من المحرمات مقدار قليل من المحرمات، إعطاء للنفس مالها تعلق به وتوقان إليه (٢) .
فذكر الدف دون بقية الآلات يفيد أن جميع الآلات ممنوعة للتصويت بها في العرس. وفي غيره بطريق الأولى.
و (الطبل) له وجهان، والحلق تكون في جوانبه فتصوت، والصنوج شيء يكفت على جوانب الخشبة، ولعله إذا كان كذلك
стр. 2647
يزيد في الصوت كالحلق. فصار لا يباح إلا (الدف) الذي لا حلق فيه ولا (صنوج) ، للنساء خاصة، لا للرجال.
أما (الطبل) فلا يجوز بحال من الأحوال في أي وقت.
وذكر بعض العلماء أنه يجوز في الحرب كما جاز الحرير، لما فيه من تقوية القلب، والطبل فيه شيء مما يشجع، وفي غير هذا لا يستعمل. وهذا كله يستعمل بقدر لا يصل إلى محذور. فإذا وصل بأن كانت مفسدته أكبر منع، هذه قاعدة في كل شيء.
وأبيح الدف في حق النساء خاصة، وكذلك الذهب والحرير وأشياء أخرى فيها المفاوتة في جزيئات أو في كليات بعض الأحيان فالشرع له في الجملة المغايرة بين بعض الأشياء في بعض الأحكام.
(تقرير)
و (الغناء) الذي على عهد الصحابة جنسه مروي في الأحاديث وهو لا يشتمل على محرم، كما في: أتيناكم....... (١) .
أما المشتمل على محرم فلا يحل لا في عرس ولا في غيره. لا في نظم ولا في نثر.
(تقرير)
الدف في العرس سنة، وإذا عارضها مفاسد أعظم منعت
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة الأمير المكرم
عبد المحسن بن عبد الله آل جلوي ... وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
стр. 2648
فقد جرى الإطلاع على المعاملة المحالة إلينا بخطابكم رقم ٥٨-١ وتاريخ ٢٢-٢-٧٧هـ الخاصة بما رفعه رئيس هيئة الأمر بالمعروف في الإحساء عن أرباب الدفوف.
ونحيطكم علماً أن إعلان النكاح بالدف سنة، وفيه مصلحة لا تخفى، وقد وردت أحاديث منها أنه ﷺ قال: (أعلنوا النكاح) وفي لفظ: (أشهروا النكاح) رواه ابن ماجه، وقال ﷺ : (فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح) رواه النسائي.
لكن إذا عارض هذه المصلحة مفاسد أعظم منها تركت، والأدلة على ذلك كثيرة، منها أن النبي ﷺ ترك هدم الكعبة وبناءها من جديد مخافة ما يقع في القلوب، وأخبر النبي ﷺ معاذاً بما أخبره وخصه وأمره بالكتمان مخافة أن يقع من الاتكال على سعة رحمة الله، إلى غير ذلك، وقال الله سبحانه: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾ (١) وقال العلماء: درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فالدف في الأعراس مشروع لإظهار النكاح، فإذا كان يقع بسبب ذلك مفاسد أخرى فهو ممنوع، وقال في (سبل الكلام) : دلت الأحاديث على الأمر بإعلان النكاح. وعلى الأمر بضرب الغربال، وفسروه بالدف، والأحاديث فيه واسعة وإن كان في كل واسعة وإن كان في كل منها مقال -إلى أن قال: فيكون مسنوناً، ولكن بشرط أن لا يصحبه محرم من التغني بصوت رخيم من امرأة أجنبية
стр. 2649
بشعر فيه مدح القدود والخدود، بل ينظر بالأسلوب العربي الذي كان في عصره ﷺ فهو المأمور به، وأما ما أحدثته الناس بعد ذلك فهو غير المأمور به، ولا كلام في أنه في هذه الأمصار يقترن بمحرمات كثيرة، فيحرم لذلك، لا لنفسه. اهـ. وفتوى الشيخ سليمان العمري المشتملة على ما ذكره الجد الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵏ كافية في المنع من ذلك (١) ولا يلتبس هذا إلا على من لا يعرف المصالح والمفاسد.
فيجب منع هذه المرأة وأمثالها من تعاطي ذلك في الأعراس وغيرها، لما لا يخفى من اشتمال ذلك في هذه الأزمان على أنواع من المفاسد. والله يحفظكم.
(ص-ف ٢٣٠ في ٦-٣-١٣٧٧هـ)
تأديب مختلطين في حفلات الزواج على ضرب الدفوف
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
أمير منطقة الرياض ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد اطلعنا على أوراق المكاتبة الواردة إلينا شفعاً بخطاب سموكم رقم ١٩٩٧٥-١ في ١٩-٧-١٣٨١هـ حول ما تقدم به سعيد الدوسري في استدعائه المرفق بأوراق المكاتبة ضد هيئة الأمر بالمعروف بالبديع، متظلماً من سجنه، وتأديب المشتركين في حفلة الزواج بضرب كل واحد منهم خمسة أسواط إلى آخره.
стр. 2650
ونفيد سموكم أننا بتأمل ما قرره قاضي الأفلاج بحق المذكورين، بناء على ما تحقق لديه من اجتماعهم مختلطين رجالاً ونساءً على ضرب الدفوف، وما ترتب عليه من وجود منكرات لا يجوز فعلها شرعاً، يعتبر إجراءً حسناً، وفي محله، ولا وجه لتشكي المذكورين، بل الذي ينبغي في ذلك على ولاة الأمر أن يكونوا عوناً لرجال الدين والحسبة في قمع أمثال هؤلاء والضرب على أيديهم بما يحفظ للدين كرامته وللشرع قداسته.
أما ما أشرتم إليه سموكم في عجز الخطاب من السؤال عن ضرب الدفوف في أفراح الزواج، وهل هي محرمة إذا حصل فيها دفوف فقط.
وجواباً عليه: أن ضرب الدفوف إذا كان مقصوراً على النساء فقط سالماً من الأمور المحرمة فلا مانع منه، لشرعية إعلان النكاح. هذا والله يحفظكم.
رئيس القضاة
(ص-ق١١٥١ في ٢٤-٩-١٣٨١هـ)
قوله: كمزمار
معروف وهو الذي يصوت فيه، ومن أي شيء كان، حتى قصبة الراعي، وذلك لما فيه من الصوت المطرب الملهي، كما تقدم في الحديث المشار إليه (وصوت ملهاة) والمزيك كذلك.
(تقرير)
стр. 2651
قوله: وعود
منه الربابة وغير ذلك. كل الأصوات الملهية محرمة ولا تجوز.
(تقرير) (١)
بعض قرى نجد من عادتهم أن يطيب المسجد الفجر من تزوج (٢) .
الاستماع إلى البرامج المفيدة من الراديو
وأما الاستماع إلى البرامج المفيدة في (الراديو) فلا مانع منه.
وحكم الاستماع للأغاني فيه كحكم الاستماع للأغاني من شخص دونه، ومن المعلوم كثرة الأحاديث الواردة في تحريم سماع الأغاني، وقد بسط الكلام عليها وعلى ما استدل به لتحريم الأغاني من كتاب الله تعالى العلامة ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) ومن ضمن الأحاديث التي ذكرها فيه ما رواه البخاري في صحيحه، عن عبد الرحمن بن غنيم. قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، أنه سمع النبي ﷺ يقول: (ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) وأحاديث كثيرة تدل أوضح دلالة على التحريم يطول الجواب بسردها.
(ص-ف ٦٤ في ٤-١-١٣٨٠هـ)
стр. 2652
الاستماع إلى الأغاني من الراديو
وجواب (المسألة الرابعة) : لا يجوز الاستماع إلى أغاني الراديو لا في حق الرجل ولا في حق المرأة، ولا فرق في ذلك بين أغاني الرجل وأغاني المرأة، وصاحب البيت الذي يشغل الراديو على الأغاني أو يقر غيره على تشغيله على الأغاني في بيته مرتكب جريمة.
(ص-ف ٦٠٨ في ١٧-٨-١٣٧٦هـ)
استعمال الراديو
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم أحمد بن صليصل
القائم بأعمال مدرسة بطحان ... المكرم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد وصل إلينا كتابك المتضمن السؤال عن الثلاث المسائل الآتي بيانها:
أولاً: الراديو هل يحرم استعماله، أم لا؟
ثانياً: الدخان المعروف هل يعرف من حالة شاربه بعد دفنه في قبره أنه يحول إلى اتجاه غير قبلة المسلمين، أم لا؟
ثالثاً: زكاة الأنعام هل فيه دليل شرعي بأخذ الذهب والفضة بدلاً من الجذعة والثنية..إلخ؟
والجواب: الحمد لله. لا يحرم استعمال الراديو أي تشغيله لأخذ أخبار الإذاعات ونحوها. إلا إذا كان فتحه على ما لا يجوز استماعه من الغناء وسائر المحرمات فيحرم.
(ص-ف٥٠٩ في ١٠-٧-١٣٧٦هـ)
стр. 2653
اقتناء الراديو في بيت العائلة يفتحونه على ما أرادوا
(السؤال الثاني) قوله: من أغرب المصنوعات الحديثة المذياع (الراديو) ولا يخفى أن عدم اقتنائه أصبح في حكم المتعذر لدى كثير من الناس، فهل يسوغ ذلك إذا كان الغرض منه سماع القرآن والأخبار والمحاضرات العلمية، لا سيما إذا عرف مقتنيه بالعقل والعدالة وعدم الانصياع إلى سماع المجون والأغاني الخليعة؟
الجواب: الحمد لله. لا ينبغي للرجل اقتناؤه إلا رجل، لا يبالي بعواقب الأمور والضرر على عوائله في أديانهم وأخلاقهم وفق الله الجميع للخير. والسلام عليكم.
(ص-ف١٤١ في ٢٤-٢-١٣٧٨هـ) (١)
المضايقة بالراديو
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة الأخوان المكرمين في بلد الأرطاوية جعيثن بن عثمان وعبد المحسن الدخيل وماجد المحمد وإخوانهم
سلمهم الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد وصل إلينا كتابكم المؤرخ ٢٧-٤-٨١هـ وفهمنا ما تضمنه بخصوص الراديو، وتشكيكم من هذا الرجل الذي وضعه في بلدكم، كما فهمنا ما ذكرتموه عنه مما زعمه من أقاويل لا صحة لها، والحقيقة أن هذا أمر مشكل، والذي أرى أنه لا ينبغي له أن يخالفكم بهذا، وأن لا يضايق الإخوان في
стр. 2654
محلاتهم بهذا الراديو وهم يكرهونه ولا يرغبون وجوده في بلدهم لأنه قد يسبب الوقوع في سماع ما لا يجوز سماعه فيفتتن به الجهال، كما قد جرى في البلاد التي وقع فيها مثل ذلك.
والذي أوصيكم به ونفسي تقوى الله، والتمسك بحبله المتين والقيام على من تحت أيديكم بالمحافظة على أمور دينهم وكف السفهاء عن المحظورات الشرعية والحرص على ما يجمع القلوب وتحصل به الألفة بين المسلمين. هذا ونسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويذل أعداءه، ويحفظ إمام المسلمين، ويصلح بطانته. إنه كان على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(٢٥-٥-١٣٨١هـ)
(سلم الأصل بدون قيد لوكيل المذكورين)
هل الراديو آلة لهو. حكم المعاملة فيه
س: إذا كان يستمع القرآن والحديث من الراديو؟
ج: إن كان يسمع القرآن في المساجد ويسمعه في الراديو فالذي يستمع في المساجد أخير هذا الذي يقرأ فيه إما إنقليزي لأجل مشاهرته، أو لأحد ممن يدعي الإسلام ولا ندري حقيقته.
الأخبار مباح سماع الأخبار بشرط أنه ما يصدره عن خير. فهم يلهون به. الذي يستمع يلهو به.
والراديو مقصود لمن يسمعها، فهو بنفسه ليس من آلة الملاهي، فبعض الناس يستمع المغني من حيث هو.
وعلى القول بأنه آلة وصناعة يجوز المعاملة، لكن الشأن ما يتخذه له، ولو يمنع فهو وجه شرعي لا لذاته بل ما يتوسل به.
стр. 2655
ولو يقال بأنه حرام لأجل أنه يفتح على الغناء. فليس بعيداً أما في نفسه فلا مانع، وليس لأجل اللهو، بل هو عارض، وبعض الناس يلهو به. بل هو لمنفعة مقصودة. اللهو الصندوق (١) فإنه يلهي.
(تقرير)
الأغاني التي تصدر في الإذاعات والحفلات
(الخامس) : ما حكم الأغاني التي تصدر في الإذاعات والحفلات.
والجواب: هي مقسمة إلى قسمين:
الأول: ما أشتمل على حكم ومواعظ وحماس ونصائح ونحو ذلك مما لا غرام فيه، ولا يشتمل على صوت مزمار ونحوه -فهذا لا محذور فيه، لما فيه من المصلحة.
الثاني: ما فيه غرام، ويشتمل على صوت مزمار وما أشبه ذلك -فهو حرام، والأصل في ذلك الكتاب والسنة. أما أدلة الكتاب فأربعة:
الأول: قوله تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ (٢) فسره ابن عباس وغيره بالغناء. وجه الدلالة أن الله جل وعلا بين في هذه الآية: أن الغناء طريق من الطرق التي يسلكها إبليس لإغواء الأمة، وقد تسلط بهذا وبغيره، بدليل قوله تعالى: ﴿لاحتنكن ذريته إلا قليلاً﴾ (٣) وهذا القليل هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين
стр. 2656
إلا عبادك منهم المخلصين﴾ وقد بين تعالى أنه ظفر بهم بقوله تعالى: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين﴾ وقد وقع في هذا كثير من أهل هذا الزمان، فنعوذ بالله من زيغ القلوب (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) ز
الثاني: قال تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً﴾ قال محمد بن الحنفية ومجاهد: (الزور) هنا الغناء. وجه الدلالة أن الله تعالى بين من أوصاف المؤمنين أنهم إذا مروا بالزور وهو الغناء مروا مر الكرام، ومفهوم ذلك أن استعماله ليس من أوصاف المؤمنين، فيكون حراماً.
الثالث: قال تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويخذها هزواً أولئك لهم عذاب أليم﴾ قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد (بلهو الحديث) الغناء قاله ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه، وقاله عبد الله بن مسعود في رواية أبي الصهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة. وجه الدلالة أن الله جل وعلا بين أن بعضاً (من الناس يشتري لهو الحديث) وهو الغناء من أجل إضلال الناس، وإذا كان الغناء سبباً من أسباب الضلالة فلا شك في تحريمه.
رابعاً: قال تعالى: ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون﴾ قال عكرمة عن ابن عباس (السمود) الغناء في لغة حمير، يقال: اسمدي لنا. أي غني لنا. قال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن غنوا، فنزلت. وجه
стр. 2657
الدلالة أن الله تعالى استفهم منهم استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع وذكر في سياق هذا أن من أوصافهم الذميمة السمود وهو الغناء، فهذا يدل على أنه محرم، إذ لو كان مشروعاً أو باقياً على البراءة الأصلية لما ذمهم على فعله.
وأما (السنة) فتقتصر على دليل واحد، وهو ما رواه البخاري في الصحيح معلقاً بصفة الجزم، ورواه أبو داود وابن ماجه في السنن، وأبو بكر الإسماعيلي في الصحيح إلى النبي ﷺ أنه قال: (ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) . وتقرير الاستدلال من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الحديث سيق لذم هذا الصنف من الناس الذي يتجاوزون حدود الله ومنها هذه الأمور التي منها المعازف، وأكد ذلك باللام في صدر الكلام، وبالنون المؤكدة، ولو كان مباحاً لما ذم.
الثاني: أنه قال: (يستحلون) ففهم من هذا أن حرمته متقررة. والمعازف هي آلات الملاهي على اختلاف أنواعها، قاله غير واحد من أئمة اللغة، كابن منظور، وصاحب القاموس.
الثالث: أن الله تعالى قرن المعازف بما ذكره معها وهي محرمة. فتكون المعازف مساوية لها في أصل الحكم الذي هو التحريم من (باب دلالة الاقتران) .
وأما أقول الأئمة: فقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن الغناء فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني.
وأما الشافعي فقد صرح أصحابه العارفون بمذهبه أنه يقول بتحريمه.
стр. 2658
وأما الإمام مالك لما سئل عنه قال: إنما يفعله عندنا الفساق.
وأما الإمام أبو حنيفة فقال مالك: وأما أبو حنيفة فإنه يكرهه، ويجعله من الذنوب. قلت والمراد بالكراهة هنا كراهة التحريم، يدل عليه أنه يجعله من الذنوب، ولا يكون من الذنوب إلا إذا كان حراماً.
(ص-ف ١٣٦٢٦-١ في ٢١-١١-٨٨هـ)
الغناء من الإذاعة
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء ... وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فقد جرى البحث مع سموكم حول ما اشتملت عليه الإذاعة من الغناء، وذكرنا لسموكم أنه محرم، وقد طلبتم البيان بشيء من الدليل، وإلى سموكم دليل تحريم الغناء من: الكتاب، والسنة، وكلام الأئمة الأربعة.
قال تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ قال ابن عباس: صوت الشيطان الغناء، والمزامير، واللهو، وقال الضحاك: صوت الشيطان في هذه الآية هو صوت المزمار، وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ قال مجاهد: لهو الحديث الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل، وقال حلف عبد الله بن مسعود ﵁ بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أنه الغناء -يعني لهو الحديث في هذه الآية.
وقال تعالى: ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون﴾ قال عكرمة، عن ابن عباس ﵄: السمود هو الغناء بلغة حمير. قال: يقال:
стр. 2659
اسمدي لنا يا فلانة. أي غني لنا. وقال ﷺ : (إن الله تعالى حرم على أمتي الخمر، والميسر، والكوبة، والغبراء، وكل مسكر حرام) رواه أحمد وأبو داود. و (الكوبة) الطبل الصغير. وقيل: البريط، وهو آلو غناء.
وأما الأئمة الأربعة فإنه ﵃ لم يسكتوا عن تبيين حكم هذا المنكر، فكان أبو حنيفة ﵀ يرى الغناء من الذنوب التي يجب تركها والابتعاد عنها، وتجنب التوبة منها فوراً. وصرح أصحابه بحرمة الغناء وسائر الملاهي. وقالوا: السماع فسق، والتلذذ به كفر. وقال مالك ﵀ وقد سأله ابن القاسم عن الغناء؟ فأجابه قائلاً: قال الله تعالى: ﴿فلماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ أفحق هو؟! وقال وقد سئل عن ما يترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء؟ إنما يفعله عندنا الفساق. وقال الشافعي ﵀: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل. وقال أحمد ﵀ في أيتام ورثوا جارية مغنية وأرادوا بيعها: لا تباع إلا أنها ساذجة غير مغنية. ففوت ﵀ عليهم زيادة في الثمن وهو أيتام، فلو كان يحل لهم لما فوته عليهم.
فمن ما تقدم يتبين تحريم الغناء، ووجوب الابتعاد عنه، وصيانة الإذاعة منه، وألا تجعل منبراً تشاع منه الخلاعة والمجون. وفق الله حكومتنا للتمسك بكتاب الله وسنة رسوله. وتحريم ما حرما، وتحليل ما أحلا. والسلام عليكم ورحمة الله.
(ص-ف ٣١٥٨ في ٢٨-١٢-١٣٨٢هـ)
стр. 2660
الغناء، وصوت المرأة في الإذاعة، وتوظيفها في الأعمال التي تسبب مخالطتها للرجال، وبيان الفوارق الطبيعية والشرعية بين الرجال والنساء، ودفع شبهات ...
الحمد لله ووحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فنظراً لما حدث مؤخراً في هذه البلاد من الأمور التي توجب غضب الرب، وفساد المجتمع والتحلل من الأخلاق الفاضلة ولما أوجب الله على أهل العلم من النصح لولاة الأمور، وبيان حكم كل حادثة، وما أوجبه الله على ولاة الأمور من حماية الدين وتعزيزه والقضاء على الفساد، وسد أبوابه وطرقه، وحسم مواده والوسائل المقضية إليه: رأينا تعزيز الكتب السابقة بهذا الكتاب موضحين أدلة ما طلبنا من سموكم منعه وإزالته، وفيما يلي ذكر بعض الأدلة:
(١) الغناء وصوت المرأة في الإذاعة، وغيرها:
تظاهرت أدلة الكتاب والسنة على تحريمه في الجملة، وحكى غير واحد من العلماء إجماع العلماء على تحريمه: منهم القرطبي في تفسيره المشهور، وقد بسط ابن القيم ﵀ أدلة المنع في كتابه (إغاثة اللهفان) ونقل الأدلة من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم في ذمه وتحريمه وبيان ما يترتب عليه من الفاسد الكثيرة والعواقب الوخيمة، هذا كله إذا كان غناءً مجرداً من آلات العزف والطرب.
فأما إذا اقترن بشيء من ذلك صار التحريم أشد، والإثم أكبر، والمفاسد أكثر. وقد حكى العلامة ابن الصلاح إجماع
стр. 2661
العلماء على تحريم الغناء إذا اقترن به شي من آلات اللهو والطرب نقله عنه العلامة ابن القيم وغيره.
ومن أدلة الكتاب على ذلك قوله سبحانه: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين﴾ (١) حكى غير واحد من المفسرين كالواحدي وغيره عن أكثر العلماء تفسير (اللهو) هنا بالغناء. وبذلك فسره عبد الله بن مسعود، وابن عباس وابن عمر، وكان عبد الله بن مسعود يحلف على ذلك. وهؤلاء الثلاثة من خيار أصحاب رسول الله ﷺ وعلمائهم، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة وهم أعلم الناس بتفسير كتاب الله.
وقد تبعهم على ذلك أكثر العلماء: إن الآية الكريمة شاملة للغناء وغيره من آلات اللهو وأخبار الكفرة وغير ذلك مما يصد عن ذكر الله. والآية الكريمة تدل على أن الاشتغال بلهو الحديث بفضي بأهله إلى الضلال عن سبيل الله، واتخاذ آيات الله هزواً وكفى بذلك قبحاً وشناعة وذماً للغناء وما يقترن به من آلات اللهو والطرب.
ومن ذلك قوله: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾ (٢) فسر كثير من السلف (الصوت) بالغناء وآلات الطرب وكل صوت يدعو إلى باطل.
стр. 2662
ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وللذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً﴾ (١) فسر كثير من العلماء (الزور) بالغناء وآلات اللهو، ولا شك أنه داخل في ذلك، والزور يشمله وغيره من أنواع الباطل.
وهذه الآيات الكريمات تدل دلالة واضحة على ذم الغناء والتحذير منه، سواء كان المغني رجلاً أو امرأة. ولا شك أن الغناء إذا كان من الأنثى كانت الفتنة به أعظم، والفساد الناتج عنه أكثر.
وقد دل القرآن الكريم على تحريم خضوع المرأة بالقول في قوله سبحانه: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً﴾ (٢) وإذا كان أمهات المؤمنين ينهين عن الخضوع في القول مع طهارتهن وتقواهن فكيف بغيرهن من النساء اللاتي لا نسبة بينهن وبين أمهات الؤمنين في كمال التقوى والطهارة فكيف بنساء العصر الفاتنات المفتونات إلا من شاء الله منهن.
وإذا كان الله نهى عن الخضوع في القول فالغناء من باب أولى وأحرى، لأن الفتنة فيه أشد من مجرد القول. ولا يخفى على كل من أدنى بصيرة ما في صوت المرأة بالغناء ومخاطبتها الناس في الإذاعة ونحوها من الفتنة وإثارة الغرائز، لا سيما مع ترخيم الصوت وتحسينه.
стр. 2663
وعلاوة على ذلك ما يترتب على ذلك من اختلاطهن بالرجال. وخلوتهم بها والتساهل بالحجامة أو تركه بالكلية، كما هو الواقع من نساء العصر المخالطات للرجال. وتحريم هذا معلوم من الدين بالضرورة. ومن الادلة على ذلك قوله : ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ (١) وقولهعز وجل: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهم ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آباء بعولتهن﴾ (٢) الآية وأصح ما قيل في تفسير قوله: (إلا ما ظهر منها) أنه الملابس الظاهرة: قاله ابن مسعود وغيره. ومن فسره بالوجه والكفين فمراده مع أمن الفتنة والمحافظة على العفة وستر ما سوى ذلك، والواقع من نساء العصر خلاف ذلك لضعف إيمانهن، وقلة حيائهن، ومعلوم أن سد الذرائع المفضية للمحرمات من أهم أبواب الشريعة الكاملة وقال تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وإن يستعففن خير لهن﴾ الآية (٣) . فإذا كان القواعد وهن العجائز يمنعن من وضع الثياب على محاسنهن كالوجه والكفين ونحو ذلك، فكيف بالشابات الجميلات الفاتنات. وإذا كان العجائز يمنعن من التبرج بالزينة فهو في الشابات أشد منعاً والفتنة بسببهن أكبر.
стр. 2664
ولما ذكر ابن القيم ﵀ (الغناء) وما ورد فيه ابن عباس وغيره من الذم، وأنه من الباطل الذي لا يرضاه الله، قال ما نصه: فهذا جواب ابن عباس ﵄ عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط والتشبيب بالأجنبيات وأصوات المعازف والآلات والمطربات، فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول، فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير وأعظم من فتنته، ومن أبطل الباطل أن تأتي شريعة بإباحته، فمن قاس هذا على غناء القوم فقياسه من جنس قياس الربا على البيع، والميتة على المذكاة، والتحليل الملعون فاعله على النكاح الذي هو سنة رسول الله ﷺ . اهـ.
وإذا كان هذا كلام ابن القيم في غناء أهل عصره فكيف بغناء هذا العصر الذي يذاع ويسمع الرجال والنساء والخاص والعام فيما شاء الله من البلاد، فنعم مضرته، وتنتشر الفتنة به، لا شك أن هذا أشد إثماً وأعظم مضرة.
وأما الأحاديث فمنها ما رواه الترمذي وحسنه، عن عبد الرحمن ابن عوف ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوده وشق جيوب ورنة) قال ابن القيم ﵀ بعد هذا الحديث: فانظر إلى هذا النهي المؤكد بتسمية صوت الغناء صوتاً أحمق.
ولم يقتصر على ذلك حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 2665
أبا بكر على تسميته (الغناء) مزمور الشيطان في الحديث الصحيح، فإن لم نستفد التحريم من هذا لم نستفده من نهي أبداً. ثم قال: فكيف يستجيز العارف إباحة ما نهى عنه رسول الله صلى عليه وسلم وسماه (صوتاً أحمق فاجراً ومزمور الشيطان) وجعله والنياحة التي لعن فاعلها أخوين، وأخرج النهي عنهما مخرجاً واحداً، ووصفهما بالحمق والفجور وصفاً واحداً. وقال ابن مسعود ﵁: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل.
وفي صحيح البخاري، عن أبي مالك الأشعري ﵁. أنه سمع النبي ﷺ يقول: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم بحاجة فيقولوا ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير) قال ابن القيم ﵀ في هذا الحديث: إسناده صحيح. قال: وقد توعد مستحل المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير. قال و (المعازف) هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك. قال: ولو كانت حلالاً لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحر. اهـ.