فقد جرى الاطلاع على خطابكم رقم ٧-١٢-٢٨٨٦ وتاريخ ١٨-٧-١٣٧٥هـ المرفق به مذكرة رئاسة مجلس الوزراء رقم ٣٦٣٣ بصدد دعوى أَحمد منيعي على زوج ابنته معتوق بن محمد المالكي وقد جاء في المذكرة المشار إِليها أَن وزارة الداخلية تستوضح من القرار الصادر منا برقم ١٤ وتاريخ ٦-٢-١٣٧٥هـ على معاملة المرأَة علوة بن صفر الحمري مع زوجها المتضمن إِلزام علوة المذكورة بالانقياد لزوجها ولو قهرًا هل يطبق هذا القرار على جميع القضايا المماثلة لأَنها طبقته فعلاً على قضية ابنة أَحمد المنيعي مع زوجهاالمشار إِليه وغيرها الخ.
أُفيدكم أَن الوقائع غالبًا يختلف بعضها مع بعض وذلك باختلاف الأَشخاص والأَحوال تارة، واختلاف سواهما أُخرى. فلا يتعين أَن تكون الفتوى في واقعة من الوقائع أًصلا في كل واقعة تجتمع هي وإِياها في أَصل واحد. بل ولا يسوغ ذلك لما قدمنا. والمرجع في مثل هذه الأمور إِلى القاضي أَو المفتي الذي ابتلي بالقضاء أَو الافتاء في تلك الواقعة، فإِنها تارة تكون في تلك الواقعة مماثلة للواقعة التي أَفتى فيها المفتي السابق من كل وجه، وتارة تختلف معها في شيء مَّا - أَو أَشياء. فإِن ما ثلتها من كل وجه فحكمها حكمها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (١)
(صـ-ف-٣٥٧ في ٧-٨-١٣٧٥هـ)
(٢٤٧- طرد يماني يفتي بمذهب الظاهرية)
من محمد بن ابراهيم إِلى معالي وزير المعارف ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
стр. 282
نبعث لكم من طيه الخطاب الوارد لنا من فضيلة قاضي محكمة القويعية برقم ٤٨٦ في ٣-٨-٨٩ هـ المتضمن أخباره عن وجود شخص يدعى يعقوب حسين المعولي من أَهل اليمن يدرس في المدرسة المتوسطة ببلدة القويعية، وأَن المذكور ينتحل فتاوي مرجوحة ومخالفة لما درجت عليه الفتوى لدينا في المملكة، وأَنه ينتمي إِلى مذهب الظاهرية ... الخ.
لاتخاذ ما ترونه كفيلا بإِبعاده، خصوصًا وأَنه يقوم بمهمة خطيرة لها آثارها السيئة على عقائد الطلاب وسلامة فطرهم. وفقكم الله للخير، والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف-٣٨٥٧-١ في ١-٩-٨٩ هـ)
(٢٤٨- ترتيب الأدلة)
نعرف أنه لا يتعارض نصان من كل وجه إِلا وهناك نسخ. نعم بالنسبة إِلى أَفهام بعض السامعين ما اهتدوا للتوفيق بينهما. فالفهم شيء وحقيقة ما في التعيين شيء آخر. فلا يتعارضان أَبدا في نفس الأَمر إِلا وأَحدهما منسوخ، إِذ ما عند رب العالمين ليس فيه اختلاف. ... (تقرير) (١) .
стр. 283
الفقه
стр. 284
كتاب الطهارة
(باب المياه)
(٢٤٩- قوله (١) : المياه ثلاثة: هذا قول، وعللوه (٢) إِلا أن تعليلهم غير ظاهر في الاكتفاء به دليلا.
والقول الثاني الراجح في الدليل انقسامه إِلى قسمين: طهور، ونجس. وهذا الطهور هو طاهر وطهور، والثاني نجس. ... (تقرير)
(٢٥٠- قوله: والتيمم رافع في الجملة، هذا القول أَقوى من القول بأَنه مبيح، وأَدلته أَبين وأَظهر، لكن لا مطلقًا كما هو أَحد الأَقولا. والقول بأَنه رافع مطلقًا يرده الحديث والإِجماع. وقيل إِن رفعه بخروج الوقت. ... (تقرير ٤-١٣٧٨ هـ)
(٢٥١- استعمال ماء زمزم لازالة النجاسة والحدث)
من محمد بن ابراهيم إِلى المكرم سلطان بن زيد الكثيري ... سلمه الله تعالى آمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على كتابك لنا المؤرخ في ١٦-١١-٨٦ هـ وقد سأَلت فيه عن ثلاثة أَسئلة:
الأَول: ما حكم استعمال ماء زمزم في إزالة النجاسة والغسل من الحدث.
стр. 285
والجواب: يكره استعماله في إزالة النجاسة تعظيمًا له، ويجوز أَن يزال به الحدث بناء على الأَصل (١) .
(ص-ف-٦٧٣-٢-١ في ٢٧-٦-٨٧ هـ)
(٢٥٢- اذا خالطه البول أو العذرة)
مفهوم قوله: أَو خالطه البول أَو العذرة ويشق نزحه ... فطهور. أَنما لا يشق نزحه ينجس بذلك، وهذا القول والاستدلال غير طاهر ولا مسلم. والقول الثاني الذي هو خلاف المذهب هو الواضح في الدليل، وأَنهما (٢) ليسا أَسوأَ من الكلب. فلا ينجس ما لم يتغير أَحد أَوصافه بالملاقاة. وهذا القول هو المتمشي مع يسر الشريعة ونصوصها في هذا المقام (*) (٣) أَيُّ حرج وتعب أَعظم من أَن يمكث مدة طويلة ينزحه، ((الماء طهور)) . أَفكان حديث ((لا يَبُوْلنَّ)) (٤) حائمًا حول هذا من كونه لا بد من نزحه. وقالوا: النهي يقتضي الفساد، لكن الصحيح أَن هذا مقيد بحديث أَبي سعيد. (٥) ... (تقرير)
(٢٥٣- اذا خلت به امرأة)
قوله: ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث.
стр. 286
هذه المسأَلة من المفردات. والجماهير على أَنه يرفع الحدث ولكنه ماء ناقص. والنهي (١) للتنزيه فقط جمعًا بينه وبين حديث ميمونة: أَنه توضأَ بفضل طهورها. (٢) ... (تقرير)
(٢٥٤- اذا أدخل يديه في الاناء قبل غسلهما ثلاثا)
المسأَلة الثانية: إِذا أَدخل الإِنسان يديه في الإِناء قبل غسلهما ثلاثًا كما في الحديث فهل يفسد الماء.. الخ.
والجواب: الحديث صريح بالأَمر بغسلهما قبل إِدخالهما الإِناء وقوله ﷺ : ((إِذَا اسْتَيْقَظ أَحَدُكمْ مِن نَوْمِهِ فَليَغسل يَدَيْهِ قَبْلَ أَن يُدْخِلَهُمَا فِيْ الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْري أَيْن بَاتت يَدُهُ)) رواه مسلم. فلا يحل إِدخحالهما قبل غسلهما ثلاثًا، فإن أَدخلهما قبل ذلك فهو عاص آثم مخالف لأَمر الرسول ﷺ . وأَما المدخلة فيه اليدان فلم يتعرض لحكمه في الحديث فقال بعض الفقهاء: إِنه يفسد بذلك، وهذا المشهور عند متأَخري فقهائنا. وقال آخرون: إِن الماء لا يفسد بذلك ما دام طهورًا لم يتغير بالنجاسة ولا غيرها. وهذا الصواب الذي عليه المحققون.
(ص-ف-٣٠٥٣-١ في ٢٢-١١-١٣٨٢ هـ)
(٢٥٥- الطاهر غير المطهر)
كل ما ذكروه في قسم الطاهر غير المطهر هو مطهر على القول الآخر إِلا أَنه ناقص بكل حال، فالطهارة صحيحة كما تقدم لقوله ((الماء طهور)) (*) .
стр. 287
والاحتياط مكانته معروفة في الدين. أَما الحكم بسلبه الطهورية فلا دليل عليه، فإِن أَكثر ما يقدر مما يستدل به أَن الماء فيه نقص، والنقص شيء، وسلبه هذا الوصف الشرعي الذي هو حكم شرعي شيء آخر. ... (تقرير)
(٢٥٦- حكم الماء القليل اذا لاقى النجاسة)
كثير من أَهل العلم من الفقهاء وأَهل الحديث يقولون ينجس القليل بمجرد ملاقاة النجاسة له ولا يشترطون تغير أَحد أَوصافه. والقول الآخر وهو قول كثير أَو أَكثر أَهل الحديث واختيار الشيخ وإِمام الدعوة أَنه لا ينجس ولكن هذا ماء ناقص يعدل عنه إِلى غيره إِذا وجد خروجًا من الخلاف. وتعرف أَن ماء نقيًا لم تلاقه النجاسة خير من ماء لاقته. ومن فوائد البحث أَنه إذا توضأَ إِنسان بذلك الماء وصلى حكم بصحة صلاته. والبحث مع من اطلع على الخلاف.
(باب الآنية)
(٢٥٧- قوله: ولا يطهر جلد ميتة بدباغ.)
هذه رواية عن أَحمد وهي التي مشى عليها أَكثر الأَصحاب وعدوها مذهبًا. والرواية الأخرى طهارته بالدباغ، وهي اختيار الشيخ ومال إِليه جده في المنتقى وآخرون غيره كصاحب الفائق؛ وهذا هو الراجح في الدليل للأَحاديث الكثيرة الدالة على التطهير.
وحديث ابن عكيم (١) وإِن كان متأَخرًا فإِنه لا يعارضها (٢) ولا ينسخها (٣) . وأَيضًا الإِهاب اسم له قبل الدبغ.
стр. 288
والراجح أَن الدباغ لا تأْثير له إِلا فيما تعمل فيه الذكاة.
(باب الاستنجاء)
(٢٥٨- قوله: ونتره ثلاثا.)
النتر والمسح وأَشياء أُخر ذكرت هنا هي من البدع وهي أَعظم أَسباب وجود السلس، فإِنه (١) مشبه بالثدي. بل يترك ويتوخى النشاف. وانقطاع الخارج لابد منه، ولكن بالتأَني ما شاء الله كل بحسبه. المقصود أَنه لا يشرع في الاستنجاء. وحديث ((إِذا بَالَ أَحَدُكُمْ فَليَنتُرْ ذَكَرَهُ ثَلاثًا)) ضعيف لا تقوم به حجة.
وهنا يظهر أَنه إِذا علم عادة له أَنه إِذا ابتدأَ في الاستنجاء لا يخرج شيء فإِنه يستنجي بناء على غلبة ظنه. ... (تقرير) .
(٢٥٩- حكم افتتاح الجرائد بالبسملة وهي تلقى في الشوارع وتداس بالأرجل وتلقى في الزبالات.)
من محمد بن إبراهيم إِلى المكرم محيل بن عاتق المطيري ... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
كتابك لنا بتاريخ ١١-١٠-٨٦ هـ وصل، وقد ذكرت فيه استنكارك ما رأيته من كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) في الجرائد وهي ترمى في الشوارع والزبالات وتداس بالأَرجل.
والجواب: أَن كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) مشروعة في أَول كتب العلم والرسائل، فقد جرى على ذلك رسول الله ﷺ في مكاتباته، واستمر على ذلك خلفاؤه وأَصحابه من بعده، وسار عليه الناس إِلى يومنا هذا، وقد حث الله تعالى عليها في القرآن
стр. 289
فقال جل وعلا: (*) (١) قال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم، وذلك أَن الكفار كانوا لا يقرون بها. كما حث على كتابتها رسول الله ﷺ فروى عبد القادر الرهاوي في الأَربعين من حديث أَبي هريرة مرفوعًا ((كُلُّ أَمْر ذِيْ بَال لا يُبْدَأًُ فِيْهِ ببسْم اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيْم فَهُوَ أَقطَعْ)) رواه الخطيب في جامعه بنحوه. فيجب تعظيم ما فيه بسم الله الرحمن الرحيم، أَو شيء من القرآن أَو السنة، لقوله تعالى: (*) (٢) والحرمات امتثال الأَمر من فرائض وسنن، ومما فرضه احترام كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وبسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن في سورة النمل بإِجماع العلماء. وقال تعالى: (*) (٣) والشعائر كل شيء لله تعالى فيه أَمر أَشعر به وأَعلم، ومن ذلك كتابه وسنة رسوله ﷺ . وكما يجب تعظيم ذلك فيشرع للانسان أَن يحرقه إِذا دعت إِليه الحاجة كما فعل عثمان ﵁ فإِنه جمع الناس على مصحف واحد وحرق ما سواه من المصاحف ووافقه الصحابة فكان هذا إِجماعًا منهم. ومن رأَى أَحدًا يفعل شيئًا من الإِهانة فيجب الإِنكار عليه لقوله ﷺ ((مَن رَأَى مِنكُمْ مُنكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بيَدِهِ فَإِن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسَانِهِ فَإِن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلبهِ وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيْمَان)) (٤) وسوف نقوم حول ذلك بما يلزم إِنشاء الله. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص/ف/٢٠٣٠ في ٣٠/٧/٨٧ هـ)
стр. 290
(٢٦٠- احترام ما فيه ذكر الله)
قوله: ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله. الخ ...
كالذي فيه البسملة. والكلام الذي فيه اسم الجلالة، أَو اسم الرحمن، أَو اسم الرب، أَو نحو ذلك. وهذه البلوى الجرائد المشتملة تارة على مباح، وتارة على محرم، وتارة على راجح. والجرائد التي أَكثرها إِلحاد وقد يكون فيها شيء من أَسماء الله، والناس يبتذلونها ابتذالا، فكيف بالرسائل والظروف وعنوانه فيه: عبد الله، سلمه الله. وربما يقع ابتذال ما هو أَعظم كالدشوت التي في العلم، بل وقع حتى بالأَوراق التي فيها القرآن فهذا ينبغي التنبه له - فتحرق أو تشقق أَو نجعل ديباجة لكتب. والإحراق أَحسن، أَو الدفن. ... (تقرير)
(٢٦١- س: نص أحمد أن البسملة لا تكتب أَمام الشعر ولا معه فكيف كتبت في الألفية؟)
ج: هذا تسهيل فن من فنون العلم مراد لغيره، وليس بنشيد لقصائد مقصود بها الطرب.
(تقرير الأَلفية ١٨-٥-١٣٦٧ هـ)
(٢٦٢- دخول الخلاء بالحرز)
قوله: ولا حرز للمشقة.
لكن هذا على القول بلبس الحرز الذي فيه الكلام الحق الجائز. والقول الآخر وهو قول كثير من الصحابة وقول كثير من العلماء المنع من التمائم وهذا هو الراجح. وأَما الحرز الذي ليس فيه ذلك فليس في كلام الأَصحاب إِباحة له؛ ولهذا يذكرون المسأَلة في هذا الباب مما فيه ذكر الله. فالتمائم شرك، والأَحاديث طافحة بذلك.
стр. 291
فيه مسألة واحدة إِذا كان مكتوبًا ملفوفًا فيه آيات قرآنية ذهب بعض إِلى الجواز. والخلاف فيه من زمن الصحابة. وترد المسأَلة لله ورسوله، وهي داخلة في عموم النهي. وإِذا جاء نص عام عن الرسول فقاعدة عند العلماء أَن الله ورسوله إِذا أَطلقا شيئًا فلا يجوز لأَحد تقييده، ولن يجد أَحد إِلى ذكر الدليل سبيلا (١) . ... (تقرير)
(٢٦٣- لا يكره السلام على المستجمر)
سئل الشيخ محمد إبراهيم عن السلام على المستجمر ورده ...
فأَجاب ﵀: الظاهر عدم كراهية ذلك، وإِنما يكره ذلك في حق المتخلي. ... (ملحقة بالدرر جـ ١ - ٧٦) .
(٢٦٤- البول واقفًا)
من محمد بن إبراهيم إِلى المكرم ظافر ناصر القرني ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إِلينا كتابك الذي تستفتي به عن حكم البول قائمًا وذكرت أَنك تلاقي صعوبة إذا لبست الملابس العسكرية عندما تريد البول، لأَن الملابس تقيد حركة الرجلين عند الجلوس، وتخشى من تطاير البول على الملابس.
والجواب: الحمد لله. إِذا كان الرجل يستفيد من البول قائمًا وأَمن على نفسه من أَن يرى عورته أَحد وأَمن من تطاير رذاذ البول على ملابسه فلا بأْس بذلك. والله أَعلم. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف-٣٧١٤ في ٢٥-٩-١٣٨٧ هـ)
стр. 292
(٢٦٥- قوله: ويكره استقبال النيرين لما فيهما من نور الله)
هذه المسأَلة مرجوحة، ولا دليل عليها بحال. والتعليل إِن أُريد به النور المخلوق فلا يصلح تعليلا. وإِن أُريد النور الذي هو غير مخلوق فهذا بدعة كبرى، وليس الظن أَنه مرادهم. وكثير منهم يأْخذ عمن قبله. والنور على قسمين نور مضاف إِضافة صفة (١) وقسم إِضافة مخلوق إِلى خالقه. وقد ذكر ابن القيم ذلك في كتاب الصواعق (٢) . ... (تقرير)
(٢٦٦- لا فرق بين البنيان والفضاء)
الأَصحاب وطائفة وكثير من أَهل الحديث استثنوا ما في البنيان جمعًا بين حديث ابن عمر (٣) وغيره (٤) .
ولكن التحقيق في المسأَلة أَن لا فرق بين البنيان والقضاء، لعموم الأَدلة الكثيرة المطلقة التي لم تستثن شيئًا. أَما حديث ابن عمر فلا يصلح أَن يطلق هذا الإِطلاق. نعم فيه الاستدبار، وليس فيه الاستقبال. فليس بينهما شيء من المعارضة. ما بقي إِلا الاستدبار. فإِذا قيل: تقولون بجوازه في البنيان ومنعه في الفضاء؟ قيل: هذا فعل، وما في حديث أَبي أَيوب ونحوه قول. والقول
стр. 293
معمم التشريع ليس في حق أَحد دون أَحد، بخلاف ما كان من فعل النبي نفسه فإِنه يحتمل الاختصاص. ومما يدل على هذا قول أَبي أَيوب ((فننحرف عنها ونستغفر الله)) ولم يقل فانحرف. وقد بسط ذلك ابن القيم في حواشيه على السنن (١) . ... (تقرير)
(٢٦٧- قوله: ويحرم بوله في متحدث الناس)
هذه المجالس غير التي في أَثناء الطرقات. فإِن الجلوس في أَثناء الطرقات منهي عنه إِلا بشروط، لكونها تسلك، وإِن كان في جوانبها فإِنه يسبب الضرر. وتلك التي في متسعات وفسح من البلد يصيرون إِليها ولا تكون في الطريق، فكل شيء يحتاج إِليه الناس للحوائج المباحة لا يتخلى فيه ولا يبال. ... (تقرير)
٢٦٨- لو أنسد المخرج الأَصلي وانفتح آخر سواء بنفسه بأَن كان خلقة أَو بسبب كعملية فلا يثبت له حكم الفرج من إِجزاء الاستنجاء فيه، بل لا بد فيه من الماء ... (تقرير)
٢٦٩- ذكر بعضهم أَنه ينبغي أَن يراعى الشرج في الاستنجاء ويسعى بما يبرؤ ما حوالي نفس الحلقة - يعني أَن يتفاج شيئًا زائدًا عن العادة - وهذا إِذا عنى به شيئًا لا مشقة فيه فظاهر، فإِنه إِذا تضام لا يؤمن أَن يبقى شيء. ... (تقرير)
٢٧٠- القرطاس الخالي من الكتابة ونحوه من كل ناشف خشن يجزى في الاستجمار ... (تقرير)
٢٧١- أَما الزجاج الأَملس فلا يحصل به المقصود من إِزالة الأَجزاء الرقيقة الملساء، ومثله الرماد، وكل شيء ناعم ومسحوق. ... (تقرير)
стр. 294
(٢٧٢- الاستنجاء بالعظم والروث لا يجزى.)
والقول الآخر أَنه إِذا فعل ذلك أَجزأَه مع المعصية، وهذا لكونه من باب التروك ولا يحتاج إِلى نية كالاستنجاء بالطعام والمغصوب. هذا كله على أَصل الشيخ، فإِن المطلوب السلامة من النجاسة. والأَصحاب استدلوا بالنهي (١) وبقوله ((إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَان)) والاحتياط عندما يبتلى الإِنسان بهذه عدم التطهير احتياطًا وخروجًا من الخلاف وفائدة هذا أَنه إِذا أَفتى (٢) من يصلح للفتوى أَو من كان عنده علم (٣) لأَنه من مسائل الخلاف والمسائل الاجتهادية.
ومسأَلة الترجيح شيء والاحتياط وما في النفس شيء. وفي الحديث ((دَع مَا يَريْبُكَ إِلَى مَا لا يَريْبُكَ)) (٤) فينبغي استعمال الورع والخروج من الخلاف. ... (تقرير)
(باب السواك وسنن الوضوء)
(٢٧٣- قوله: لا بأصبع)
التسوك بالاصبع يصاب به السنة أَو بعضها على خلاف كلام الأَصحاب. وهو أَيسر من السواك (٥) فما لا يدرك كله لا يترك كله. ... (تقرير)
الأراك هو هذا الشجر المعروف، وأَصابه من القلة ما أَصاب الشجر، وكان في (الخرج) أَحسن ما يوجد منه، ولكنه الآن انقطع واستولت عليه الرمال والجدب والجد في قطعه وتطلبه. ... (تقرير)
стр. 295
(٢٧٤- التسوك بعد الزوال سنة للصائم كغيره)
حديث ((وَلا تَسْتَاكُوْا بالعَشِيِّ)) (١) صريح في التفريق، لكنه ضعيف بالمرة. وقد استدل بـ ((وَلَخَلُوْفُ فَم الصَّائِم أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِنْ ريْح الْمِسْك)) (٢) وهذا ليس بصريح. وهذا الخلوف ما نشأ إِلا عن الطاعة ويندب دفعه بالسواك، فأطاع الله بهذا وهذا ولا تضاد، بل ذلك أَكمل.
ثم في حديث عائشة ((رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ مَا لا أُحْصِيَ يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ)) (٣) عام، وحديث ((خَيْرُ خِصَال الصَّائِم السِّوَاكُ)) (٤) مع عموم ((مطْهَرَةٌ لِلْفَم مَرْضَاةٌ لِلْرَّب)) (٥) كلها دالة على أَن لا فرق بين الصيام والفطر. ... (تقرير)
كلها دالة على أَن لا فرق بين الصيام والفطر. ... (تقرير)
لكن ينبغي للصائم إِذا استاك أَن يكون في باله الحذر من قشر السواك وأَعواده. والطعم يحذر منه أَن يبتلعه إِذا حصل في الفم. ويندب أَن يجعل عليه طيبًا مما ليس له جرم كماء ورد ونحوه وليس بثخين. ... (تقرير)
(٢٧٥- قوله: قال في الرعاية ويقول اذا استاك اللهم طهر قلبي. الخ)
هذا الدعاء استحبه من استحبه ولا أَذكر فيه شيئًا واردًا. ... (تقرير)
٢٧٦- الادهان غبا عارضه حديث الرجل الذي له جمة ضخمة فأَمره النبي ﷺ أَن يتعاهدها كل يوم (٦) .
стр. 296
ويجمع بينهما أَن ذلك يختلف باختلاف الناس وشعورهم وباختلاف الجو. والمقصود من ذلك حسن الشعر وأَن لا يكون بمنظر الشعوثة. ... (تقرير)
(٢٧٧- التسمية في الوضوء.)
جاء فيها أَحاديث إِلا أَن أَسانيدها لا تخلو من مقال. لكن مجموعها يدل على الشرعية، وإِنما اختلف في الوجوب. وقول أَحمد: -
لا يصح في هذا الباب شيء. يعني حديثًا مفردًا بعينه. وعضد بعضها لبعض شيء آخر. فالتسمية مندوبة بل متأَكدة بكل حال. ... (تقرير)
(٢٧٨- هل يجوز ابقاء الصبي غير مختون إلى عشر سنوات)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد عبد الله رئيس هيئة الأَمر بالمعروف بالليث ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على استفتائك البرقي بخصوص الختان والسؤال: هل يجوز إبقاء الصبي غير مختون إِلى عشر سنوات.
والجواب: الحمد لله. الختان واجب على الرجال مكرمة للنساء. والقول بوجوبه على الرجال قول كثير من أَهل العلم، قال أَبو عبد الله: وكان ابن عباس ﵄ يشدد في أَمر الختان، وروي عنه: لا حج ولا صلاة. يعني إِذا لم يمختتن. وقد استدل العلماء رحمهم الله تعالى على القول بوجوبه بما روي عنه ﷺ أَنه قال لرجل أَسلم: ((أَلْق عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْر وَاخْتَتِنْ)) رواه أَحمد وأَبو داود، وبما رواه الشيخان من أَن إِبراهيم خليل
стр. 297
الرحمن اختتن بعدما أَتت عليه ثمانون سنة، وقد قال الله تعالى مخاطبًا نبيه ﵊: (*) (١) .
وأَما وقت الختان فيجب عند البلوغ، وفعله زمن الصغر أَفضل. وبهذا يتضح أَنه لا شيء في إِبقاء الصبي أَغرل مدة عشر سنوات، وأَن المبادرة بختنه مستحب ما لم يبلغ، فمتى بلغ وجب ختانه. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(ص-ف-٩٧٧-١ في ١٥-٤-٨٤ هـ)
(٢٧٩- نوع الخوف والى متى التأخير)
قوله: ما لم يخف على نفسه.
موتًا أو شلل العضو، لقوله: (*) (٢) . وإِذا ادعى فلا يخفى الكذب. والخوف لأَسباب:
إِما موقتًا فيؤخر إِلى وقت معتدل، أَو كونه معه مرض كداء السكر فإِن الجروح معه لا تبرؤ أَو يتعسر برؤها. ... (تقرير)
(٢٨٠- منع الألعاب التي يخشى منها مفاسد عند الختان)
من محمد بن إبراهيم إِلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخليه ... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على أَوراق المعاملة الواردة إِلينا بخطابكم رقم ٣١١٣-٦ وتاريخ ٨-٩-٨٤ هـ المتعلقة بمطالبة رئيس هيئة
стр. 298
الليث بمنع الأَلعاب التي تقع حال حفلة الختان، وتحديد مدة الختان، وما ارتآ قاضي الليث من عرض الموضوع علينا.
وعليه فإِن عمل المسلمين اليوم ختن أَولادهم حال الصغر، لأَنه أَفضل بلا شك وأَسرع لبرء الطفل إِذا ختن وهو صغير. وأَما الوجوب فذكر الفقهاء أَن الختان يجب عند البلوغ، لكن إِذا كان يترتب على تأْخيره مفسدة تعين أَن يختن في حال الصغر.
وأَما الأَلعاب التي يحصل فيها مفاسد فيتعين القيام بمنعها وعدم التهاون بإِنكارها. والله الموفق والسلام.
مفتي البلاد السعودية
(ص-ف-٢٨٥٧-١ في ٩-١١-٨٤ هـ)
(٢٨١- انكار وتأديب من يؤخرون ختان أولادهم حتى يبلغوا عشرين عاما ثم يختنونهم ختانًا مخالفًا للسنة)
من محمد بن إبراهيم إِلى حضرة صاحب الجلالة رئيس مجلس الوزراء ... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فبالإِشارة إِلى المعاملة المرفوعة رفق خطاب فضيلة رئيس محكمة أَبها عدد ... وتاريخ ... بشأْن ما لوحظ في بادية تهامة شهران وقحطان من وجود عوائد سيئة مخالفة للسنة قد جاء في خطاب الواعظ والمرشد بمنطقة شهران أَنه بتجوله في تلك الجهات وقيامه بواجبه الإِرشادي لاحظ أَن لديهم عوائد سيئة لا يردعهم عنها إِلا الوازع السلطاني. منها: أَنهم يؤخرون ختان أَولادهم حتى يبلغ العشرين عامًا ثم يختن ختانًا مخالفًا للسنة.
ومنها: مغالاتهم في المهور بالرغم من فقرهم وقلة ما في أَيديهم
стр. 299
إذ أَن مهر البنت فيهم ثلاثمائة رأْس من الغنم مما كان له أثره السيء في انتشار الفساد فيهم وكثرة العوانس في نسائهم. ومنها: أَن أَولياء نسائهم يستحوذون على صدقاتهم ظلمًا وعدوانًا ولا يعطونهن إِلا النزر القليل جدًا مما يأْخذونه مهورًا لهن.
وحيث أَن هذه الأمور مخالفة للمقتضيات الشرعية وأَن التوجيه والوعظ والإِرشاد في تلك الجهات لا يؤتي ثماره ما لم يسند بوازع سلطاني - فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
لذلك نأْمل من جلالتكم تعميد إِمارات تلك الجهات والتأْكيد عليهم بإِنكار هذه المنكرات، ومعاقبة أَهلها بما يردعهم ويزجر أَمثالهم، كما جاء في خطاب الواعظ أَنهم موغلون في الجهل وليس فيهم من يقرأُ القرآن، وذلك أَنهم بحاجة ماسة إِلى مدرسة بمركزهم تنتقل معهم حيث ينتقلون نحو الماء والعشب.
فنأْمل إِجراء ما ترونه حفظكم الله.
مفتي البلاد السعودية
(ص-ف-٦٣٩-١ في ١٣-٣-٨٥ هـ)
(٢٨٢- حكم القزع ((التواليت)) )
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم ناصر بن عقيل الطريقي ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى إِطلاعنا على استفتائك الموجه إِلينا بخصوص سؤالك عن حكم ما يسمى بالتواليت.
والجواب: الحمد لله. روى أَبو داود عن عبد الله بن عمر ((أَن
стр. 300
رسول الله ﷺ نَهَى عَن الْقَزَع وَقَالَ احْلِقهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ)) . قال في شرح الإِقناع فيدخل في القزع حلق مواضع من جوانب الرأس، وأَن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما تفعله شمامسة النصارى، وحلق جوانبه وترك وسطه كما يفعله كثير من السفلة، وأَن يحلق مقدمه ويترك مؤخره. وسئل أَحمد عن حلق القفا، فقال: هو من فعل المجوس. ومن تشبه بقوم فهو منهم. وبما ذكرنا يظهر القول بعدم جوازه. وبالله التوفيق. والسلام عليكم (١) .
مفتي الديار السعودية
(ص-ف-٢٤٣٩-١ في ٣-٦-٨٧ هـ)
(٢٨٣- ابقاء شعر الرأس. والاعتذار عن أهل نجد)
إِتخاذ الشعر والاعتناء به مستحب، ولهذا في صفة الخوارج أَن من سيماهم التحليق (٢) فدل على أَن غيرهم في ذلك الزمان لا يحلقون فالشعور توفر وتبقى، وبقاؤها سنة لمن قصد الاستنان بالنبي، وهي محبوبة متخذة للجمال بالنسبة إِلى الأمور الطبيعية، أَما إِبقاء الشعر مع إِهماله فلا.
стр. 301
ثم إِبقاء الشعر مستحب - كما تقدم - ما لم يخرج إِلى طور آخر كأَن يكون من شأْن السفهاء فإِذا كان كذلك فلا ينبغي.
وفي وقت الدرعية فيه شباب أَهل مروج فإِذا رأَوا (١) شخصًا يترك الشعر ليفتن به ويفتتن حلقوه كما حلق عمر نصر بن حجاج ثم أَجلاه إِلى العراق لما سمع تشبيب النساء به وهو مستقيم (٢) .
لكن قد ذمَّ أَهلُ التوحيد أَهلُ نجد وقالوا هذه سيما الخوارج. وأَهل نجد أَخذوه عمن قبلهم لأَنهم أَهل مهن فيحلقون لأَجل ما يلزم لها. وكونها علامة ذكرت من جملة علامات لا يدل على أَنها الفاصلة، فمن كان مستقيمًا على الملة المحمدية وتعظيم سنة النبيين في الفعل والترك أَين هو ممن لا تساوي عنده أَوامر الرسول شيئًا. والعلامات التي تختلف بها الأَحكام هم موافقون الحق فيها وهذا شيء جزئي ولا وجوب فيه. وكون الرجل يوجد عنده خصلة خير لا تدل على أَنه أَهل الخير، ووجود خصلة شر في أَهل الخير لا تجعل الفيصلة، فيحكم بالكثير على القليل، فكيف بهذه الخصلة وأُولئك يدعون البدوي ويحجون بيته إِلى غير ذلك من الإِباحة والخلاعة في كثير ممن يدعى الإسلام شيء ما بلغه اليهود والنصارى.
وأُنموذج ينبؤك عن هذا البعض الذي يدعي الإِسلام كصحيفة ((صباح الشر)) ثم هذه الصحيفة لها أَخوات خبيثة وتغلى في المشترى. (٣) قوله؟ قال أَحمد هو سنة أو تقوى عليه اتخذناه. فهذا أَحمد على رأْي الخرافيين من الخوارج. فمن لا يقوى عليه لا يكون سنة في حقه. ... (تقرير)
стр. 302
(٢٨٤- كيف يسرح الرجل شعره والمرأة أيضًا، وهل يجوز لها قصه أو حلقه)
من محمد بن إبراهيم إِلى المكرم عمر بن محمد بن يحيى التميمي ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
كتابك لنا المؤرخ في ٣٠-٣-٨٧ هـ وصل وقد سأَلت عن مسأَلتين:
الأولى: ما كيفية تسريح شعر الرأْس بالنسبة للرجال والنساء وهل ورد شيء من أَحاديث نبي الله ﷺ بكيفية خاصة لتسريحه أَو نهي عن بعض التساريح؟
والجواب: أَما بالنسبة للرجال فقد كان هدي النبي ﷺ أَنه يجعله ضفائر، يدل على ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه في سننهما بسنديهما إِلى أُم هانيْ ﵂ قالت: ((قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ مَكَّةَ وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ تعني عقائص. رواية ابن ماجه تعني ضفائر)) وروى البخاري ومسلم وغيرهما بأَسانيدهم إِلى ابن عباس ﵄ قال: ((كان أَهل الكتاب يسدلون أَشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم وكان ﷺ يحب موافقة أَهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه فَسَدَلَ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ)) . قال ابن القيم في الهدي: والسدل أَن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين. والفرق أَن يجعل شعره فرقتين كل فرقة ذؤابة. انتهى كلام ابن القيم.
وقد أَمر ﷺ بإِكرام الشعر فروى أَبو داود في سننه بسنده إِلى أَبي هريرة ﵁ أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 303
قال: ((مَن كَانَ لَهُ شَعَرٌ فَليُكرمْهُ)) . والإِكرام الذي أَمر به النبي ﷺ بينه بما رواه أَبو داود والترمذي والنسائي في سننهم بأَسانيدهم إِلى عبد الله بن مغفل ﵁ ((أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَن التَّرجُّل إِلاَّ غِبًّا)) وروى مالك في الموطأ والنسائي في السنن بسنديهما إِلى أَبي قتادة ﵁ قال: ((يا رسول الله إِن لي جمة أَفأرجلها. قال رسول الله ﷺ : نَعَمْ وَأَكرمْهَا. قال كان أَبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أَجل قول رسول الله وأَكرمها)) . ومعنى الترجيل قال في تاج العروس: رجلته ترجيلا سرحته ومشطته. والتسريح حل الشعر وإِرساله قبل المشط كذا في الصحاح. وقال الأَزهري: تسريح الشعر ترجيله وتخليص بعضه من بعض.
أَما بالنسبة للنساء فقال البخاري (باب يجعل شعر المرأَة ثلاثة قرون) ثم ساق بسنده عن أُم عطية ﵂ قالت: ((ظَفَرْنَا شَعَرَ بنتِ رَسُوْل اللهِ ﷺ تعني ثلاثة قرون)) وقال وكيع قال سفيان ناصيتها قرنيها. انتهى من البخاري. وهذا التصفير بأَمره ﷺ لما رواه سعيد بن منصور في سننه بسنده عن أُم عطية قالت لنا قال لنا رسول الله ﷺ : ((إِغسِلنَهَا وترًا وَاجْعَلنَ شَعَرَهَا ضَفَائِرَ)) وأَخرج ابن حيان في صحيْحه عن أُم عطية ((إِغلسِلنَهَا ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا وَاجْعَلنَ لَهَا ثَلاَثَةَ قُرُوْن)) . وفي مصنف عبد الرزاق بسنده عن حفصة قالت: ((ضَفَرْنَا ثَلاَثَةَ قُرُوْن نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا وَأَلْقَيْنَاهَا خَلفَهَا)) . قال ابن دقيق العبد: فيه استحباب تسريح المرأَة وتضفرها.
стр. 304
وأَما ما يفعله بعض نساء المسلمين في هذا الزمن من فرق شعر الرأْس من جانب وجمعه من ناحية القفا أَو جعله فوق الرأْس كما تفعله نساء الافرنج فهذا لا يجوز، لما فيه من التشبه بنساء الكفار. وقد روى الإِمام أَحمد وأَبو داود بسنديهما إِلى عبد الله ابن عمر ﵄ أَن النبي ﷺ قال: ((مَن تَشَبَّهَ بقَوْم فَهُوَ مِنهُمْ)) صحح هذا الحديث ابن حيان والحافظ العراقي، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: إسناده جيّد، وقال ابن حجر العسقلاني في إِسناده: حسن. وعن أَبي هريرة ﵁ في حديث طويل قال: قال رسول الله ﷺ : ((صِنفَان مِن أَهل النَّار لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذنَاب الْبَقَر يَضربُوْنَ بهَا النَّاس، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَاريَاتٌ مَائِلاَتٌ ممِيْلاَتٌ رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُختِ الْعِجَافِ لاَ يَدْخُلنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجدْنَ ريْحَهَا وَإِن ريْحَهَا لَيُوْجَدُ مِن مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا)) أَخرجه مسلم. وقد فسر بعض العلماء قوله ((مَائِلاتٌ مُمِيْلاَتٌ)) بأَنهن يتمشطن المشطة الميلا - وهي مشطة البغايا.
ويمشطن غيرهن تلك المشطة وهذه هي مشطة نساء الافرنج ومن يحذو حذوهن من نساء المسلمين.
الثانية: هل أَخذ بعض شعر الرأْس وترك بعضه جائز للرجال والنساء، وهل هناك أَمر أَو نهي في هذا الباب عن نبي الإِسلام ﷺ ؟
والجواب: أَما ما يختص بالرجال فقال ابن القيم في ((الهدي)) : كان هديه ﷺ في شعر الرأْس تركه كله أَو أَخذه كله. ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه، ولم يحفظ عنه أَنه
стр. 305
حلق إِلا في نسك. انتهى كلام ابن القيم. والذي يدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن البراء ﵁ ((أَنَّ رَسوْلَ اللهِ ﷺ لَهُ شَعَرٌ يَضربُ مَنكَبَيْهِ)) وأَخرج الشيخان عنه ﵁ قال: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذَنَيْهِ)) وأَخرج مسلم وغيره عن حميد الطويل ﵁ قال: ((كَانَ شَعَرُ رَسُوْل اللهِ ﷺ فَوْقَ الْوَفرَةِ وَدُوْنَ الْجُمَّةِ)) . وقال في تاج العروس: ((الوفرة)) ما جاوز شحمة الأذنين. و ((الجمة)) من شعر الرأْس ما سقط على المنكبين. والجمع بين هذه الروايات المختلفة في شعره ﷺ أَنه ممول على اختلاف الأَوقات، فإِذا ترك تقصيرها بلغت المنكب، وإِذا قصر كان إِلى أَنصاف الأذنين، وبحسب ذلك يطول ويقصر. وأَما حلقه كله في النسك فمنه ما وقع له ﷺ في حجة الوداع.
وأَما ما يفعله بعض المسلمين من حلق بعض الرأْس وترك بعضه ويسمونه ((التواليت)) فهذا هو القزع الذي نهى عنه النبي ﷺ وهو أَنواع:
الأَول: أَن يحلق من رأْسه مواضع ويترك مواضع. مأْخوذ من تقزع السحاب وهو تقطعه.
الثاني: أَن يحلق وسطه ويترك جوانبه.
الثالث: أَن يحلق جوانبه ويترك وسطه.
الرابع: أَن يحلق مقدمه ويترك مؤخره.
الخامس: أَن يحلق مؤخره ويترك مقدمه.
السادس: حلق بعضه في أَحد جوانب الرأْس وترك البقية.
стр. 306
وهذه الأَنواع يدل على تحريمها ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال: ((نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَن الْقَزَع)) (١) أَن يحلق رأْس الصبي فيترك بعض شعره. وعنه ﵁: ((أَن النبي ﷺ رأَى صبيًا قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: ((احْلِقُوْهُ كُلَّهُ أَوْ اترُكُوْهُ كُلَّهُ)) رواه الإِمام أَحمد وأَبو داود والنسائي وغيرهم، وروى الطبراني وغيره عن عمر ﵁ مرفوعًا: (حَلقُ الْقَفَا مِن غَيْر حِجَامَة مَجُوْسِيَّةٌ)) وفي سنن أَبي داود عن أَنس بن مالك ﵁ أَنه رأَى غلامًا له قرنان أَو قصتان فقال: احلقوا هذين أو قصوهما فإِن هذا زي اليهود. وقال المروذي سأَلت أَبا عبد الله يعني أَحمد بن حنبل عن حلق القفا قال هو من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وأَما شعر رؤوس النساء فلا يجوز حلقه، لما رواه النسائي في سننه بسنده عن علي ﵁، ورواه البزار بسنده في مسنده عن عثمان ﵁، ورواه ابن جرير بسنده عن عكرمة ﵁ قالوا: (نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَن تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا)) . والنهي إِذا جاء عن النبي ﷺ فإِنه يقتضي التحريم ما لم يرد له معارض، قال ملا علي قاري في ((المرقاة)) شرح المشكاة: قوله ((أَن تحلق المرأَة رأْسها)) وذلك لأَن الذوائب للنساء كاللحى للرجال في الهيئة والجمال.
وأَما أَخذ شيء من أَسفل الضفائر ففي صحيح مسلم، عن أَبي سلمة بن عبد الرحمن، قال دخلت على عائشة أَنا وأَخوها من الرضاع
стр. 307
فسأَلها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة، فدعت بإِناء قدر الصاع فاغتسلت وبيننا وبينها ستر، وأَفرغت على رأْسها ثلاثًا، قال: وكان أَزواج النبي ﷺ يأْخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. قال النووي: قال القاضي عياض ﵀: المعروف أَن نساء العرب إِنما كن يتخذن القرون والذوائب ولعل أَزواج النبي ﷺ فعلن هذا بعد وفاته ﷺ لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفًا لمؤونة رؤوسهن. وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته ﷺ لا في حياته كذا قاله أَيضًا غيره وهو متعين، ولا يظن بهن في حياته ﷺ . وفيه دليل على جواز تخفيف الشعر للنساء. وقال النووي أَيضًا: قال القاضي عياض: ظاهر الحديث أَنهما رأَيا عملها في رأْسها وأَعالي جسدها مما يحل لذي المحرم النظر إِليه من ذات المحرم. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف-١٠٨٩-١ في ١٦-٤-٨٨ هـ)
(٢٨٥- تحريم حلق اللحي، وتعريف اللحية)
من محمد بن إبراهيم إِلى المكرم محمد بن شائع الفهد
إدارة البرق والبريد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إِلينا كتابك الذي تستفتي فيه عن حكم حلق اللحية.
والجواب: الحمد لله. حلق اللحية حرام، لما ورد في ذلك من الأَحاديث الصحيحة الصريحة والأَخبار، ولعموم النصوص الناهية عن التشبه بالكفار. فمن ذلك حديث ابن عمر أَن رسول الله
стр. 308
صلى الله عليه وسلم قال: ((خَالِفُوْا الْمُشركِيْنَ وَفِّرُوْا اللُّحَى، وَأَحْفُوْا الشَّوَاربَ)) وفي رواية: ((أَحفوا الشوارب واعفوا اللحى)) (١) وفيه أَحاديث أُخرى بهذا المعنى (٢) .
و ((اللحية)) اسم للشعر النابت على الذقن والخدين. واعفاؤها تركها على حالها. وتوفيرها إِبقاؤها وافرة من دون أَن تحلق أَو تنتف أَو يقص منها شيء. حكى ابن حزم الإِجماع على أَن قص الشارب وإِعفاء اللحية فرض، واستدل بجملة أَحاديث منها حديث ابن عمر السابق، وبحديث زيد بن أَرقم أَن النبي ﷺ قال: ((مَن لَمْ يأْخُذ مِن شَاربهِ فَلَيْسَ مِنَّا)) صححه الترمذي قال في الفروع: وهذه الصيغة عند أَصحابنا - يعني الحنابلة - تقتضي التحريم. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وقد دل الكتاب والسنة والإِجماع على الأ َمرِ بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، لأَن مشابهتهم في الظاهر سبب لمشابهتهم في الأَخلاق والأَفعال المذمومة؛ بل وفي نفس الاعتقادات، فهي تورث محبة وموالاة في الباطن، كما أَن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر. وروى الترمذي أَن رسول الله ﷺ قال: ((لَيْسَ مِنَّا مَن تَشَبَّهَ بغَيْرنَا لا تَشَبَّهُوْا بالْيَهُوْدِ وَلاَ بالنَّصَارَى)) الحديث وفي لفظ ((مَن تَشَبَّهَ بقَوْم فَهُوَ مِنهُمْ)) .
ورد عمر بن الخطاب شهادة من كان ينتف لحيته. وكذلك ردها ابن أَبي ليلى قاضي المدينة. وقال في ((التمهيد)) : يحرم حلق اللحية، ولا يفعله إِلا المخنثون من الرجال.
стр. 309
((وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ كَثِيْرَ شَعَر اللِّحْيَةِ)) رواه مسلم عن جابر، وفي رواية ((كَثِيْفَ اللِّحْيَةِ)) . وفي أُخرى: ((كَثْلَ اللِّحْيَةِ)) والمعنى واحد. رزقنا الله وإِياكم اتباع هديه ولزوم سنته. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص-ف-١٨٨-١ في ٢٤-١-٨٤ هـ) (١)
(٢٨٦- حكم التقصير من اللحية. والجواب عن حديث ((كان يأخذ من طولها وعرضها)) وفعل ابن عمر، العارضان. وهل حلقها كبيرة أو صغيرة)
من محمد بن إبراهيم إِلى المكرم عبد الله بن عثمان العمر ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
وصل كتابك الذي تسأَل فيه عن سبعة أَسئلة.
الأَول: ما حكم حلق اللحية؟
والجواب: لا يجوز أَن تزال بأَي وجه كان، لقوله تعالى: (*) (٢) وقوله تعالى: (*) (٣) وقوله ﷺ الثابت في الصحيح وغيره ((أَحْفُوْا الشَّوَاربَ وَأَعْفُوْا الُّلحَى)) وما جاء في هذا المعنى، والأَمر يقتضي الوجوب. وهذا أَمر درج عليه رسول الله ﷺ والصحابة ومن بعدهم إِلى القرن السابع الهجري، ثم بدأَ من قلت رغبته في الدين يحلقها نعوذ بالله من كل ما يغضبه.
стр. 310
الثاني: ما حكم التقصير منها؟
والجواب: لا يجوز، لما سبق من الأَدلة، وما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه ﷺ أَنه قال: ((خَالِفُوْا الْمَجُوْسَ لأَنَّهُمْ يُقَصِّرُوْنَ لُحَاهُمْ وَيُطَوِّلُوْنَ الشَّوَاربَ)) (١) وهذا نص في الموضوع.
وحديث الترمذي أَنه ﷺ ((كَانَ يَأْخُذُ مِن لِحْيَتِهِ مِن طُوْلِهَا وَعَرْضِهَا)) غير صحيح.
وفعل ابن عمر أَنه كان إِذا حج أَو اعتمر قبض لحيته فما فضل أَخذه لا يحتج به لأَنه روى النهي عن التقصير؛ وإِذا تعارض رأْي الصحابي وروايته فروايته مقدمة على رأْيه. هذا هو الصحيح من قولي العلماء في تعارض رأْي الصحابي وروايته.
الثالث: هل العارضان من اللحية؟
والجواب: نعم. العارضان من اللحية، يدل على ذلك ما رواه أَحمد في المسند عن يزيد الفارسي في رؤياه للنبي ﷺ وقد جاء في آخرها ((قَدْ مَلأَت لِحْيَتُهُ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، قَدْ مَلأَت نَحْرَهُ فقال ابن عباس ﵄ لو رأَيته في اليقظة ما استطعت أَن تنعته فوق هذا)) . انتهى.
قال المناوي وغيره قوله ((مَا بَيْنَ هَذِهِ وَهَذِهِ)) أَي قد ملأَت ما بين الأذن وقوله ((قَدْ مَلأَت نَحْرَهُ)) أَي كانت مسترسلة إِلى صدره كثة. وروى البخاري في صحيحه في (باب رفع البصر إِلى الإِمام في الصلاة) من حديث ابن عمر ﵁ قال: ((قُلنَا
стр. 311
لِخَبَّاب: أَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَقرَأُ فِيْ الظُّهر وَالْعَصْر. قَالَ: نَعَمْ. فَقُلنَا: بمَ كُنتُمْ تَعْرفُوْنَ ذَلِكَ. قَالَ: ((باضطِرَاب لِحْيَتِهِ)) وجه الدلالة أَن المأْموم إِذا رفع بصره إِلى الإِمام في الصلاة فإِنما يرى منه عارضيه فقط، وأَما ما على الذقن فمستور عنه بالعنق، وما تركهما ﷺ إِلا لأَنهما منها وقد جاء في لسان العرب وغيره أَنهما داخلان في مسماها.
الرابع: هل حكم حلق العارضين والتقصير منهما كحكم حلق اللحية والتقصير منها؟
والجواب: نعم. لما سبق من الأَدلة.
والخامس: هل حلقها كبيرة أَو صغيرة؟
والجواب: من حلق لحيته بعد العلم بالحكم مصرًا على ذلك ففعله كبيرة، فإِن الكبيرة هي ما توعد عليه بغضب أَو لعنة أَو رتب عليه عقاب في الدنيا أَو عذاب في الآخرة وهو دون الشرك والكفر، وقد سبقت الأَدلة الدالة على الأَمر بإِعفائها وهو يقتضي الوجوب، والأَمر بالشيء نهي عن ضده الذي لو فعل لتخلف متعلق مقتضي الأَمر. والنهي يقتضي التحريم. وقد حكى ابن حزم الإِجماع على أَن إِعفاء اللحية وقص الشارب فرض، وقال ابن عبد البر وشيخ الإِسلام أَبو العباس ابن تيمية وغيرهما: إِن حلقها حرام، وقد ورد التشديد في النهي عن حلقها، فثبت عنه ﷺ أَنه قال: ((مَن مَثَّلَ بالشَّعَر فَلَيْسَ لَهُ عِندَ اللهِ مِن خَلاَق)) (١) . قال الهروي والزمخشري وابن الأثير وابن منظور:
стр. 312
((مثل بالشعر)) صيره مثلة بأَن حلقه من الخدود ونتفه وغيَّره بالسواد، وثبت عنه ﷺ أَنه قال: ((مَن تَشَبَّهَ بقَوْم فَهُوَ مِنهُمْ)) (١) . وقال ﷺ : ((لَيْسَ مِنَّا مَن تَشَبَّهَ بغَيْرنَا)) (٢) . وقال ﷺ : ((لَعَنَ اللهُ الْمُتَشَبِّهيْنَ مِن الرِّجَال بالنِّسَاء وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِن النِّسَاءِ بالرِّجَال)) (٣) .
وحلق اللحية (٤) فيه تشبه بالمجوس والنصارى واليهود، وفيه تشبه بالنساء، وتغيير لخلق الله، وقد نص الإِمام أَحمد في رواية المروذي على كراهة أَخذ الشعر بالمنقاش من الوجه، وقال: ((لَعَنَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ الْمُتَنَمِّصَاتِ)) (٥) . والمراد بالكراهة عند أَحمد كراهة التحريم، والدليل على ذلك احتجاجه بحديث اللعن لمن فعل ذلك، واللعن لا يكون إِلا على كبائر الإِثم. ويلحق بالنتف إِزالة الشعر بحلق أَو قص ونحوهما.
السادس: هل رتب الشارع عقوبة دنيوية على من حلق لحيته أَو أَطال شاربه؟
والجواب: حلق اللحية وإِطالة الشارب (٦) المعاصي التي لم يقدر الشارع لها جزاء كما حدد في الزنا والسرقة وغير ذلك، وما كان غير محدد فيرجع فيه إِلى اجتهاد الحاكم فهو الذي يتولى تقديره حسب ما تقتضيه المصلحة.
стр. 313
السابع: هل يهجر من حلق لحيته وأَطال شاربه؟
والجواب: يهجر بعد العلم بالحكم ونصحه حتى يقلع من الذنب. إِلا إِذا كان يترتب على الهجر مفسدة أَكثر من المصلحة التي تنشأ عن الهجر فلا يهجره، لأَن هذه المسأَلة من المسائل التي أَطلقها الشارع، وما كان كذلك فإِن حكمه يختلف باختلاف الأَزمنة والأَمكنة والأَحوال والأَشخاص، فينظر في المصالح والمفاسد، وما ترجح جانبه فعليه الأَخذ به. وعليك بمطالعة قسمي التوحيد والجهاد من ((الدرر السنية في الأَجوبة النجدية)) فإِن أَئمة الدعوة رحمة الله عليهم بينوا الكلام على الهجر بيانًا شافيًا. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف-١١١٩-٨٨ في ١٤-٥-٨٨ هـ)
(٢٨٧- شبهات من جوز حلقها)
يبتلى كثير من الناس أَن يتحلى عند زوجته بحلق لحيته فاستعمل ما لا يجوز لإِرضائهن. (*) (١) و ((هُنَّ عَوَان عِندَكُمْ)) (٢) . لكن عكس هؤلاء الإِناث الذين هم أَعداء الرجولة والخلقة، فإِنه ود أَن يكون بشكل أُمه لا بشكل أَبيه.
من حجة بعضهم: أَنه أَحظى له عند امرأَته. فهذا ليس برجل فضلا عن مخالفته السنة الصحيحة الصريحة، فإِن حلقها من مشابهة المجوس، وكذلك اليهود والنصارى، وفي الحديث ((مَن تَشَبَّهَ بقَوْم فَهُوَ مِنهُمْ)) وظاهره التحريم.
واستعمل الحيلة من حالقي اللحى من ينتسب إِلى العلم يذكرون
стр. 314
هنا شبهات هي سخافات، ويقول: معنى ((إِكرامها)) هو حلقها لأَنها إِذا بقيت ولم تكرم فإِنه إِهانة لها. فما أَشبهه بوأْد البنات خشية العار. ونظير من يستريح من عياله يخاف أَن لا يقوم بواجب النفقة. (١) ... (تقرير)
(٢٨٨- حكم أخذ ما زاد على القبضة. والشعرة والشعرتين)
قيل: لا يكره أَخذ ما زاد على القبضة، لفعل ابن عمر وهو من أَشهر الصحابة في تعظيم سنن الرسول، بل يبالغ في ذلك المبالغة الشهيرة. والقول الآخر: أَنه يكره أَو يحرم احتجاجًا بما رواه لا بما رآه، ولعموم الأَدلة: وهذا أَصل إِذا قال الصحابي شيئًا وخالفه فالحق أَن الصواب فيما رواه، وان كان آخرون قالوا إِن الصحابي فهم أَن قول النبي لا يتناول هذا. والأَصل هو الأَول الأَخذ بها وإِبقاؤها على مداولها. إِلا أَن هذا من ابن عمر يبين أَن الأَخذ من الزائد على القبضة أَسهل من الأَخذ من أَصلها. ... (تقرير)
لكن نعرف أَن الشعرة والشعرتين النادرة هو المذكور هنا (٢) فإِن فيها تشويهًا فالشيء الذي فيه تشويه شعرتين ثلاث. ... (تقرير)
(٢٨٩- س: - حلق العوارض؟)
ج: حرام أَيضًا هو كاللحية. ... (تقرير)
(٢٩٠- س: إِذا كان الحلاق نصراني؟)
ج: لا يجوز أَن يحلق في بلاد المسلمين، هو كالكافر يبيع الخمر في بلاد المسلمين. ... (تقرير ٧٦)
стр. 315
(٢٩١- خضب الشعر بالحناء والكتم وبالسواد)
س: وجدت حديثًا في التقويم ((مَن شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلاَمِ كَانَت لَه نُوْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا لَمْ يَخضِبْها أَوْ يَنتِفهَا)) (١) .
ج: - هذا يحمل على أَن المراد بالسواد بقرينة فضل الشيب إِلا إِن خالف فصبغ أَو خالف فنتف. ومعناه صحيح ((الشَّيْب وَقَارٌ)) (٢) . وجنس هذا الفضل له. وجاء المنع من نتف الشيب. والذي يذكر في التقويم لا يعتمد. أَهل التقويم يضعون كل ما وجدوا. ... (تقرير) .
س: - الكتم الآن يطبخونه؟
ج: - في الحديث ((بالْحِنَّا وَالْكَتم)) (٣) فإِذا جمعا صار فيه لون من الحمرة والسواد. والكتم وحده يكون أَسود. الكتم هو ((الوسمة)) شجر معروف ينبت في شعبان نجد. ... (تقرير)
(٢٩٢- المستحب في الشارب)
المستحب فيه هو الإِطار وهو أَن لا يستأْصل ذلك. والإِطار هو أَن يكون أَعلا الشفة بارزًا فلا يستأْصل بالكلية بل يبقى شيء. ... (تقرير)
(٢٩٣- س: - الحكمة في تقليم الأظافر)
جـ: - ليبلغ ماء الطهارة، ولئلا تؤذيه وغيره، ولئلا يكون منظره
стр. 316
كمنظر السباع بأَظافرها، فإِن في إِزالتها الجمال والسلامة من أَضرارها والنظافة. ... (تقرير)
(٢٩٤- إذا أزال الشعر بالنورة فليضف إليها ما يدفع ضررها أَو يخففه. ((تقرير)) )
س: - الحكمة في دفن الشعر.
جـ: - كقطعة من جسده أَو لحمه أَو عضو كأنملة أَو عضو تام ينكسر أَو ينفصل أَو يقطع كما لو رؤي فيه جذام، ووجه دفنه أَنه تبع لجسده، ولعموم (*) (١) وليسلم من الامتهان بأَكل السباع، ولئلا يتوصل السحرة ببعض جسده إلى سحره. ... (تقرير)
(٢٩٥- أقرب ما قيل في غسل اليدين من النوم)
اختلف في المسأَلة فقيل: مظنة النجاسة. وقيل: غير ذلك. ومن أَقرب ما قيل فيها: أَن الإِنسان إِذا نام طاف به الشيطان وحرص على أَذاه كما جاء في الاستنثار. وأَيضًا هو يحب أَن يضر الإِنسان فهو يحرص على قلبه وحواسه من بوله في أُذنيه (٢) وعلى خياشيمه (٣) ولا يمنع أيضًا أَنه تعبدي. ومنهم من قال: العلة
стр. 317
إِدخال اليد في الإِناء. وليس كذلك، فلو استعمل الماء فيهما من غير إدخال فالحكم بحاله. ... (تقرير)
(٢٩٦- التسمية اذا ذكرها في أثناء الوضوء أتى بها في البقية) . ... (تقرير)
(٢٩٧- أفضل صور المضمضة والاستنشاق
للمضمضة والاستنشاق صور عديدة وأَفضلها الجمع بينهما بغرفة ويفعل ذلك ثلاث مرات. ... (تقرير)
(٢٩٨- أحاديث تخليل اللحية الكثيفة - كثيرة الشعر)
جاء في ذلك عدة أَحاديث وكلها لا تخلو من مقال ولكنها لا تنقص عن شرعيته. ويكفي غسل ظاهرها لأَن به تحصل المواجهة. ... (تقرير)
(٢٩٩- قوله: وأخذ ماء جديد للأذنين)
والرواية الأخرى والقول الآخر لا يندب، وهذا هو الصحيح. وما استدل به على أَخذه ماء جديدًا فهو وهم ولا يثبت، بل أَصل الحديث أَنه أَخذ ماءً جديدًا للرأْس لا للأذنين.
ثم الأَحاديث التي في صفة وضوء النبي فيها أَنهما مسحا من مائه. ثم ثبت عن ابن عمر، وهذا مما اجتهد فيه وخفي عليه الدليل فيه. وقول الصحابي إِذا خالف الحديث قدم الحديث عند الأَئمة.
وابن عمر له اجتهادات انفرد بها منها هذا. ومنها غسل عينيه حتى عمي في نحو خمسة أَشياء لمزيد تحريه السنة. فعلى هذا لا يعتبر (١) إِذ لا معصوم في الشرعيات إِلا النبي، ويؤجر على اجتهاده. ... (تقرير)
стр. 318
(٣٠٠- قوله ومجاوزة محل الفرض)
قليلاً احتياطًا للفرض. والرواية الأخرى أَنه لا يندب بل يقتصر على المفروض، وهو اختيار شيخ الإِسلام وطائفة (١) وذلك أَنه ما جاء في شيء من الأَحاديث الزيادة على المفروض أَبدًا.
وأَحاديث التحجيل لا يلزم منها الزيادة. نعم أَبو هريرة اجتهد في ذلك، ولفظ ((تَبْلُغُ الْحُليَةُ مِن الْمومِن حَيْثُ يَبْلُغُ الْوضُوْءُ)) (٢) لا دليل فيه له. وقوله ((فَمَن اسْتَطَاع)) . الخ مدرج من كلامه ﵁. ... (تقرير) .
(٣٠١- قوله: والغسلة الثانية والثالثة)
المراد تعميم العضو ثلاثًا، فهي تعميمات لا غرفات. ولكن الإِنسان يتوخى كون الغرفة تكفي، فإِن منع مانع من كون الماء قليلا فلابد من أَكثر من ثلاث غرفات. وهذا ما عدى مسح الرأس فإِنه لا تكرار فيه، وتقدم واضحًا في الأَحاديث الثابتة عن النبي ﷺ . ... (تقرير)
(باب فروض الوضوء وصفته)
(٣٠٢- غسل الفم والأنف في الغسل)
ذهب بعض إِلى أَن غسل الفم والأَنف سنة في الوضوء دون الغسل. والصحيح فرضيتهما في الطهارتين، فإِن الفم والأَنف داخلان فيما يواجهك. والسنة دالة على ذلك، فإِن النبي لم يترك المضمضة والاستنشاق مرة واحدة، وفي الحديث (٣) ((إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضمِض)) . ... (تقرير)
стр. 319
(٣٠٣- مسح الرأس كله لا بعضه)
وبعض مذاهب الأَئمة مسح مقدار منه - في بعضها الناصية، حتى إِن بعضًا يمسح شعرة واحدة، ومرجح هذا القول (١) والصواب أنه لا بد من مسحه كله. وزعم من زعم أَن الباء للتبعيض. وليس في لغة العرب أَنها للتبعيض بل هي للإِلصاق. ثم سنة الرسول واضحة في تعميمه مسح رأْسه. نعم إذا كانت عليه العمامة فإِنه يمسح الفاضل عن العمامة وهو الناصية، ولم يحفظ عنه أَنه اقتصر على مسح بعض الرأْس بدون عمامة. ... (تقرير)
(٣٠٤- المسح على الحلي والمشاط)
سئل عن مسح الحلي على الرأس؟
فأَجاب: - لا يمسح عليه، وليس في معنى الخفين (٢) .
سئل عن المسح على المشاط (٣) الكثير على الرأْس.
فأَجاب: - لا يمسح عليه فإِنه ليس مثل الخفين معنى ولا حسا فهو يوضع للترفه لا للحاجة ولا للضرورة. ... (تقرير)
(٣٠٥- مسح الرجلين)
القراءة الأخرى (*) بالجر عطفًا على (*) (٤) استدل بها الرافضة على جواز الاقتصار على مسح الرجلين وأَنه لا يجب غسلهما، ولا دليل فيها، وقراءة النصب أَشهر وأَكثر
стр. 320
فتكون مفسرة بالغسل. الفائدة في هذه القراءة شرعية التخفيف في غسل الرجلين وأَنه لا يجب زيادة غسلهما لوطئهما التراب. فالمسح هنا مسح إِسالة، فإِن المسح مسحان: إِسالة، وغير إِسالة. والسنة في غسلهما متواترة. ... (تقرير)
(٣٠٦- الغظاريف)
لا يشرع مسحهما. أَما الصماخان فتدخل فيهما أَطراف الأَصابع وظاهرهما مما يلي الرأْس والجوانب يمسحان. ... (تقرير)
(٣٠٧- التلفظ بالنية عند الوضوء)
النية هي أَن يتصور الإِنسان ما سيفعله ثم يشرع في فعله.
والتلفظ بها بدعة، فإِن النبي لم يتلفظ بالنية قط لا في حج ولا عمرة (نويت) بل بالتلبية بهما. ومثلها تسمية المنسوك عنه. وهذا ليس من التلفظ بالنية في شيء. وبعضهم يطلق على هذا تلفظ بالنية.
أَما نويت كذا وكذا فهذا ما نطق به في الشرع أَبدا (*) (١) ولم يتلفظ بها الخلفاء الراشدون ولا العشرة والمهاجرون والأَنصار إِنما وجد كلمة موهمة في بعض كلام الأَئمة وليس كذلك (٢) ولا يصح نسبته إِلى أَحد من الأَربعة بحال، ولو فرض أَنه قال فهو مردود بقولهم إِذا خالف قولي السنة فأَضربوا به الحائط. فإِنه ليس أَحد إٍِلا مردود عليه إِلا رسول الله ﷺ ، بل وفي كلام الشيخ أَنه بعدما يعرف سنة الرسول