ذلك بمورث عن أمه أو بغير ذلك، ولا يقسم الوصي بين الأصاغر حتى يرفع [ذلك] إلى الإمام ويراه نظراً.
وإن كان معهم [إخوة] أكابر، أحببت له أن يرفع [أمرهم] إلى الإمام، فإن قاسم الكبار [وصي] للصغار دون الإمام، جاز إذا اجتهد، حضر الأصاغر أو غابوا، وما صار لكل صغير منهم بقسم وصي أو قاض مع أكابر، بقي بحاله لا تخلط أنصباؤهم بعد ذلك، ولو غاب أحد الأكابر، لم تجز قسمة الوصي عليه، ولا يقسم لغائب إلا الإمام، ويوكل بذلك ويجعل ما صار له بيد أمين. وليس لوصي الأصاغر أن يقول: ابقوا حظ الغائب بيدي. وقال في الجالفة: لتقاسمنّ أخوتها أحب إليّ أن يرفعوا ذلك إلى القاضي، فيأمر من يقسم بينهم خوفاً من الدلسة فتحنث.
وإذا قاسم على الصغير أبوه فحابى، لم تجز محاباته في ذلك، ولا هبته، ولا صدقته بمال ابنه الصغير، ويرد ذلك إن وجده بعينه.
стр. 1962
قال: وترد الصدقة وإن كان الأب موسراً، فإن فات لك عند المعطى وتلف ضمنه الأب إن كان موسراً، يوم يختصمون دون المعطى، فإذا غرم الأب في ملائه، لم يكن للأب ولا للابن على الأجنبي شيء، وإن كان الأب عديماً رجع الولد على المعطى، فإن كان الأب والمعطى عديمين اتبع الولد أولهما يسراً بالقيمة، ومن أدى منهما لم يرجع على صاحبه بشيء.
ولو أيسر الأب أولهما، لم يكن للابن تركه واتباع الأجنبي، كما ليس له ذلك في ملائهما.
وإن أعتق الأب غلام ابنه الصغير، جاز ذلك إن كان الأب موسراً يوم أعتق، وعليه الثمن في ملائه. وإن كان معسراً يوم أعتق لم يجز عتقه ورُدّ، قال مالك: إلا أن يتطاول زمان ذلك، وينكح الحرائر وتجوز شهادته فلا يرد عتقه ويتبع الأب بقيمته. وفي كتاب الشفعة ذكر بيع الوصي عقار اليتامى. (١)
٣٧١٣ - وإذا أسند مسلم وصيته إلى ذمي أو مسخوط، لم يجز ذلك ولا يكون وصياً.
وإذا هلكت امرأة وتركت ولداً صغيراً يتيماً لا وصي له، فأوصت بالصبي وبمالها إلى رجل، لم يجز ذلك ولا يكون وصياً، ولا تجوز مقاسمته عليه، إلا أن المال
стр. 1963
الذي ورث الولد من أمه لا ينزع من الوصي إن كان يسيراً نحو ستين ديناراً، استحسنه مالك وليس بقياس.
وإن أوصت إليه بتنفيذ ثلثها، جاز [وله] تنفيذه، ولا يكون وصي العم، أو الجد، أو الأخ وصياً في يسير مال ولا كثيره، والأم بخلافهم إذ لها اعتصار ما وهبت لولدها.
وهذا المال الذي أوصوا به، ينظر فيه السلطان ويحوزه على الصغير والغائب.
٣٧١٤ - ولا تجوز قسمة الأب على ابنه الكبير وإن غاب، ولا الأم على ابنها الصغير إلا أن تكون وصية، ولا الكافر على ابنته المسلمة البكر، كما لا [يجوز له] تزويجها. ويجوز قسم ملتقط اللقيط عليه. (١)
ومن كنف أخاً له صغيراً، أو ابن أخ له احتساباً، فأوصى له أحد بمال فقام عليه، لم يجز بيعه له ولا قسمه.
стр. 1964
وكذلك لو وثب على تركة أخيه وولده بغير إيصائه، فهو كالأجنبي، ولا يجوز قسم الزوج لزوجته البكر ولا قبض مالها، والأب أو وصيها أولى بذلك وإن دخلت حتى يؤنس رشدها بعد الدخول، فيدفع إليها مالها حينئذ.
وليس للزوج قضاء في مالها قبل البناء ولا بعده، وإن مات الأب ولم يوص، لم يجز للزوج أن يقسم لها إلا بأمر قاض.
٣٧١٥ -[قال ابن القاسم:] وإذا اقتسم شريكان دوراً، أو أرضين، أو رقيقاً، أو عروضاً، فوجد أحدهما ببعض ما أخذ عيباً، فإن كان وجه ما نابه أو أكثره ردّ الجميع وابتديا بالقسم إلا أن يفوت بيد صاحبه ببيع، أو هبة، أو حبس، أو صدقة، أو هدم، أو بناء، فيرد قيمته يوم قبضه، فيقتسمان تلك القيمة مع الحاضر المردود، وليس حوالة الأسواق في الدور فوتاً، وإن كان المعيب الأقل، رده ولم يرجع فيما بيد شريكه وإن لم يفت، إذ لم ينقض القسم، ولكن ينظر فإن كان المعيب قدر سُبع ما بيده، رجع على صاحبه بقيمة نصف سبع ما أخذ ثمناً، ثم يقتسمان هذا المعيب.
стр. 1965
وكذلك إن اقتسما داراً واحدة ثم وجد أحدهما عيباً يسيراً أو كثيراً، أو اقتسما على التراضي، فأخذ أحدهما نخلاً ودوراً ورقيقاً وحيواناً، وأخذ الآخر بزاً وعطراً وجوهراً، فأصاب أحدهما بصنف مما أخذ عيباً فعلى ما ذكرنا، ولو بنى أحدهما في حصته من الدار وهدم بعد القسمة، ثم وجد عيباً، فذلك فوت، ويرجع بنصف قيمة العيب ثمناً على ما فسرنا.
٣٧١٦ - ومن ابتاع داراً عظمى أو نخلاً فاستحق بعضها، أو وجد بها عيباً، فأما اليسير كبيت من دار عظمى، أو نخلات يسيرة من كثيرة، فإن ذلك يرجع بحصته من الثمن، ويلزمه البيع فيما بقي، وإن كان كثيراً رد البيع. وكذلك القسمة.
٣٧١٧ - وإذا اقتسم رجلان حنطة، فأصاب أحدهما بما أخذ عيباً بعد أن طحنها، رد قيمتها، ويرد الآخر الطعام أو مكيلته إن فات، ثم يقتسمان ذلك، وليس له أن يرجع بنصف قيمة العيب في حنطة صاحبه فيدخله التفاضل في الطعام، ولا عليه أن يأتي بحنطة معيبة مثلها، إذ لا يحاط بمعرفته.
وكذلك من ابتاع عرضاً أو حيواناً أو غيره، فوجد به عيباً بعد أن فات عنده، فليس عليه ولا له أن يأتي بسلعة معيبة مثلها، إذ لا يحاط بذلك ولا بمعرفته،
стр. 1966
ولو كان يحاط بمعرفته، كان له أن يخرج مثلها فيما يكال أو يوزن.
٣٧١٨ - وإذا تبادلا قمحاً عفناً بعفن مثله، فإن اشتبها في العفن فلا بأس بذلك وإن تباعدا لم يجز، وإن كانا مغشوشين، أو كان أحدهما أو كلاهما كثير التبن أو التراب حتى يصير خطراً، لم يجز أن يتبادلا إلا في الغلث الخفيف، أو يكونا نقيين.
وكذلك سمراء مغلوثة بشعير مغلوث، لا يجوز إلا أن يكون ذلك شيئاً خفيفاً.
وليس حشف التمر بمنزلة غلث الطعام، لأن الحشف من التمر، والغلث في الطعام من غير الطعام.
ولو كان الطعام المغلوث صبرة واحدة، جاز أن يقتسماها، وإن كانا صبرتين مختلفتين، لم يجز ذلك، للغرر في موضع غلث هذه من غلث هذه.
والذي أجيز من القمح بالقمح أو بالشعير، أن يكونا نقيين ويكونا مشتبهين، ولا يكون أحدهما مغلوثاً والآخر نقياً.
قال مالك: ويغربل القمح للبيع، وهو الحق الذي لا شك فيه.
стр. 1967
ومن اشترى عبداً فباع نصفه، ثم استحق [رجل ربع] جميع العبد، فقد جرى الاستحقاق فيما بيع وفيما بقي.
ومن قول مالك فيمن ابتاع عبداً كاملاً، فاستحق أيسره، أن له رده كله لضرر الشركة، أو يحبس ما بقي من العبد بحصته من الثمن.
[قال ابن القاسم:] فالمستحق في مسألتك يأخذ الربع من جميع ما باع المبتاع ومما أبقى، ثم للمبتاع الثاني أن يرجع من ثمنه على بائعه بقدر ما استحق من العبد من حصته، أو يرد بقية صفقته إن شاء، ويخير المشتري الأول أيضاً كما وصفنا.
ولو اطلع المبتاع على عيب به بعد أن باع نصفه، فرضي به المبتاع الثاني، فأراد المشتري الأول رده، فالخيار ههنا للبائع في أن يغرم له نصف قيمة العيب، أو يقبل نصف العبد بنصف الثمن.
٣٧١٩ - وإن اقتسما عبدين فأخذ هذا عبداً وهذا عبداً، فاستُحق نصف أحدهما، فللذي استُحق ذلك من يديه أن يرجع على صاحبه بربع العبد الذي في يديه إن كان قائماً، وإن فات ببيع أو حوالة سوق فأعلى، رجع على صاحبه بربع قيمته يوم قبضه، ولا خيار له في [غير] هذا.
стр. 1968
وأما إن ابتاع عبداً، فله رده باستحقاق أيسره، لضرر الشركة فيه من منع السفر أو الوطء في الأمة، بخلاف مبتاع عبدين متكافئين يستحق أحدهما، أو مبتاع لدور أو سلع، لا ترد في تلك الصفقة إلا باستحقاق أكثرها. وقد تقدم كثير من هذا المعنى في كتاب الاستحقاق، و [في كتاب] العيوب.
٣٧٢٠ - وإن اقتسما داراً، فأخذ هذا ربعها من مقدمها، وأخذ الآخر ثلاثة أرباعها من مؤخرها، جاز ذلك، فإن استُحق نصف نصيب أحدهما، رجع على صاحبه بربع قيمة ما بيده، ولا تنقض القسمة في هذا إذا [كان الذي] استحق من يد كل واحد منهما تافهاً يسيراً، وإن استحق جل ما بيده انتقضت القسمة ورد ما بقي بيده وابتدأ بالقسم، إلا أن يفوت نصيب صاحبه، فيخرج قيمته بحال ما وصفنا.
٣٧٢١ - وإن اقتسما عشرين شاة، فوقع لهذا خمسة عشر، ولهذا خمسة بالقيمة والسهم، جاز [ذلك] .
فإن استحقت شاة من يد أحدهما، لم ينتقض القسم، ونُظر فإن كانت قدر خمس ما بيده، رجع على صاحبه بعشر قيمة ما بيده، وإن استحق جُلّ ما صار
стр. 1969
لأحدهما، انتقض القسم، ولا يجوز في قسم ثمر الحائط تفضيل أحد في الكيل، لرداءة حظه، ولا [على] التساوي في المقدار على أن يودي آخذ الجيد ثمناً لصاحبه.
ولا يجوز بيع حنطة ودراهم، [بحنطة] مثلها.
ولو اقتسما ثلاثين قفيزاً من قمح، وثلاثين درهماً، فأخذ أحدهما الدراهم وعشرة أقفزة، وأخذ الآخر عشرين قفيزاً، فإن كان القمح مختلفاً سمراء ومحمولة، أو نقياً ومغلوثاً لم يجز.
وإن تساوى القمح في النقاء والجودة والجنس، أو كان من صبرة يتفق أعلاها وأسفلها، فذلك جائز بخلاف المتبايعين، لأن هاهنا لم يأت أحدهما بطعام [وأتى] الآخر بطعام ودراهم، فيكون فاسداً.
ولو اقتسما مائة قفيز من قمح، ومائة من شعير، فأخذ هذا ستين قمحاً وأربعين شعيراً، وأخذ الآخر ستين شعيراً وأربعين قمحاً، فذلك جائز.
وإن اقتسما حنطة وقطنية، فأخذ هذا الحنطة، [وأخذ] هذا القطنية يداً بيد، جاز.
стр. 1970
ولو كان الصنفان زرعاً قد يبس، لم يجز إلا على أن يحصداه مكانهما.
[قال مالك:] ولو كان الزرع كله صنفاً واحداً، لم تجز قسمته وإن يبس حتى يحصد ويدرس ويقسم كيلاً.
٣٧٢٢ - وإن اقتسما داراً أو أرضاً فبنى أحدهما أو غرس، ثم استحق نصف نصيبه، فذلك فوت، وكذلك إن استحق نصف نصيب الذي لم يبن، فليرد الذي لم يبن ما بقي، ويرد الذي [غرس أو] بنى قيمة جميع حظه لفوته بالعمارة، ويقتسمان ذلك كله إن كان ما استحق كثيراً، وإن كان يسيراً تُركت القسمة ونظر إلى ما قابل ذلك مما بيد صاحبه، فيرجع عليه بنصف قيمته.
ولو كان الاستحقاق في نصيب الذي عمَّر، فإما دفع إليه المستحق قيمة ما عمَّر قائماً، وإلا دفع إليه هذا قيمة أرضه [براحاً] ، إذ ليس بغاصب، ونظر، فإن كان الذي استحق قليلاً قدر ربع ما بقي في يديه، لم ينتقض القسم ورجع على صاحبه بثمن قيمة ما في يديه، ولا يرجع بذلك في حظ شريكه وإن كان قائماً.
стр. 1971
قال ابن القاسم: وأنْظُر أبداً إلى ما استحق، فإن كان كثيراً كان له أن يرجع بقدر نصف ذلك فيما بيد صاحبه شريكاً فيه إن لم يفت، وفي اليسير يرجع بنصف قيمة ذلك ثمناً من دنانير أو دراهم. وكذلك في العبيد.
٣٧٢٣ -[قال مالك:] ومن اشترى مائة إردب [قمح] ، فاستحق منها خمسون، خُيّر المبتاع بين أخذ ما بقي بحصته من الثمن أو رده.
وإن أصاب بخمسين إردباً منها عيباً، أو بثلث الطعام، أو بربعه، فإنما له أخذ الجميع أو رده، وليس له رد المعيب وأخذ الجيد خاصة، وإن اقتسما عشرين داراً بالسهم أو التراضي، فوقع لكل واحد عشر دور فاستحقت واحدة، أو وُجد بها عيب، فإن كان جل ما بيد من وقعت له أو أكثره ثمناً، انتقض القسم، وإن لم يكن جله فإن كانت قدر عشر نصيبه وقد استحقت، رجع بنصف عشر قيمة ما بيد الآخر ثمناً، ولا يرجع فيه وإن كان قائماً.
وإن كان [إنما] وجد بها عيباً فيردها، وليرد الآخر عشر قيمة ما بيده، ثم يكون ذلك مع الدار المعيبة بينهما، إذا لم ينتقض القسم.
واستحقاق دار من دور في البيوع بخلاف الدار الواحدة يبتاعها، ثم يستحق بعضها لما يدخل عليه من الضرر فيها فيما يريد أن يبني أو يسكن، إلا أن لا يضره
стр. 1972
ذلك في بقيتها فيكون كالدور، واستحقاق النصف أو الثلث فيها كثير، يوجب له رد بقيتها أو حبسه بحصته من الثمن.
٣٧٢٤ - وإن اقتسما جاريتين فأخذ كل واحد منهما واحدة، فاستحقت جارية أحدهما بعد أن أولدها، فلربها أخذها وقيمة ولدها، ويرجع هذا على صاحبه بنصف الجارية الأخرى إن لم تفت، فإن فاتت بتغير سوق فأعلى، أخذ منه نصف قيمتها يوم قبضها.
وقد قال مالك فيمن استحق أمة وقد ولدت من مبتاعها: إنه يأخذها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق، وأخذ به ابن القاسم، ثم رجع مالك فقال: لا يأخذها، لأن في ذلك على المبتاع ضرراً لما يلحقه من العار ويلحق ولده إذا أخذت منه، ولكن يأخذ المستحق قيمتها وقيمة ولدها.
قال ابن القاسم: ولو رضي المستحق بأخذ قيمتها، لم يكن للذي أولدها أن يأبى ذلك، ويجيز حينئذ في قولي مالك جميعاً على غرم قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق.
[قال مالك:] وإنما يأخذ قيمتها يوم يستحقها، لأنها لو ماتت عند
стр. 1973
المبتاع قبل أن يستحقها ربها، لم تلزم المبتاع قيمتها، [ولو لزمته قيمتها] إذا هلكت ما لزمه من قيمة ولدها شيء، فليس لربها إلا قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق.
ومن باع أمة في سوق المسلمين بعين، أو عرض، أو حيوان، ثم استحقت من يد المبتاع بعد أن حالت بيده في سوق أو بدن بأمر من الله، وحال الثمن الذي بيعت به إن كان عرضاً، بزيادة أو نقص في سوق أو بدن بأمر من الله تعالى، فليس لربها إلا أن يأخذها بحالها، أو يجيز البيع ويأخذ من بائعها ما بيعت به على ما هو [به] من نقص أو نماء، لأن من باع عرضاً بعرض فوجد أحدهما بالعرض الذي أخذ عيباً وقد حال سوقه، فليرده ويأخذ عرضه ما لم يفت بحوالة سوق، [فإن فات] ، فلا يكون له إلا قيمته.
والموصى له بالثلث إذا قاسم الورثة فأخذ ثلث الربع فبناه، ثم استحق ما بيده فللمستحق أن يعطيه قيمة بنائه، وإلا أعطاه هذا قيمة أرضه براحاً، فإن دفع إليه المستحق قيمة البناء وكان ذلك أقل مما أنفق فيه بحوالة سوق النقض، لم يرجع بنقض ذلك على الورثة ولا [على] غيرهم، وينتقض القسم، ويرجع فيقاسم الورثة
стр. 1974
ما في أيديهم من الربع إلا أن يفوت ببناء أو بيع، فيرجع عليهم بقيمة الرباع يوم قبضوها، فيقتسمون تلك القيمة.
وإن فات ذلك بهدم، لم يكن له غير ثلث ذلك مهدوماً مع ثلث النقض.
وإن بيع من النقض شيء، فله ثلث ثمنه فقط ولا قيمة له عليهم، لأن من ابتاع داراً فهدمها، أو احترقت في يديه، ثم استحقت، فللمستحق إن شاء اتباع البائع بالثمن أو أخذ داره مهدومة، ولا تباعة له على المبتاع إلا أن يكون باع من النقض شيئاً، فعليه الثمن الذي قبض فيه.
وكذلك إن ابتاع جارية فعميت عنده، ثم استحقت، فلا شيء عليه، وإنما لربها أخذها بحالها، أو أخذ ثمنها من البائع.
٣٧٢٥ - وإذا كان بين رجلين نقض دون القاعة، جاز أن يقتسماه على تراض، أو بالقيمة والسهم، ويجبر من أباه منهم لمن أراده، فإن أراد هدم النقض ورب العرصة غائب، رفعا ذلك إلى الأمام، فإن رأى شراء ذلك للغائب بقيمة النقض منقوضاً، فعل، وإلا تركهم ولزم الغائب ما فعل السلطان، قيل: فمن أين يدفع الإمام الثمن عن الغائب؟ قال: هو أعلم بذلك.
стр. 1975
فإن نقضا البناء دون الإمام، فلا شيء عليهما ويقتسمان النقض.
وفي كتاب العارية ذكر [أمدٍ] ما يقيم النقض في العرصة المعارة.
وإذا بنيا في عرصة رجل بإذنه، فأقام بناؤهما [في العرصة] قدر ما يعار إلى مثله، ثم أراد ربها إخراج أحدهما، فإن قدر على قسمة البناء قسم وخُير في المُخْرَج، فإما أعطاه قيمة حصته أو أمره بقلعه، وإن لم ينقسم قيل للشريكين: لا بد أن يقلع هذا الذي قال له رب العرصة: اقلع نقضك، فاصطلحا، إما تقاوياه أو بِيعاه، فإن باعا وبلغ ثمناً فللمقيم في العرصة أخذ ذلك بشفعته ما بلغ.
ولا يقسم الطريق في الدار إذا امتنع بعضهم، ويقسم الجدار إن لم يكن فيه ضرر وكان ينقسم، فإن كان فيه ضرر لم يقسم، وإن كان لكل واحد عليه جذوع لم يقسم وتقاوماه.
وتأول مالك قول الله تعالى: ×مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا% [النساء: ٧] ،
стр. 1976
فرأى أن يقسم البيت الصغير وإن لم يقع لأحدهم ما ينتفع به، والأرض القليلة، والدكان الصغير في السوق وإن كان أصل العرصة بينهم، والحمام والماجل، وكل شيء عنده [يقسم] .
٣٧٢٨ - قال ابن القاسم: وإنما لم يقسم الطريق والجدار إذا كان في ذلك ضرر، لأنه لا كبير عرصة لهما، فلا يقسمان إلا بتراض أو على غير ضرر.
وأنا أرى أن [كل] ما لا ينقسم إلا بضرر ولا يكون فيما يقسم منه منتفع من دار، أو أرض، أو حمام، فإنه لا يقسم، ويباع فيقسم ثمنه، لقول النبي ÷: "لا ضرر ولا ضرار". (١)
стр. 1977
وكذلك الماجل، إلا أن يصير لكل واحد ماجل ينتفع به، فليقسم.
٣٧٢٩ - ولا يقسم أصل العيون ولا الآبار، ولكن يقسم شربها بالقِلْد، قيل: فإن كانت نخلة وزيتونة بين رجلين هل يقسمانهما؟ قال: إن اعتدلتا في القسم وتراضيا [بذلك] بينهما قسماهما، فأخذ هذا واحدة وهذا واحدة، فإن كرها لم يجبرا، وإن لم يعتدلا في القسم تقاوماهما، أو باعاهما مثل ما لا ينقسم من ثوب أو عبد أو غيره، ومن دعا منهما إلى البيع أُجبر عليه من أباه، فإذا استقر على ثمن فلمن أبى البيع أخذ ذلك بما بلغ ولا بيع.
وإذا كانت دار داخلها لقوم، وخارجها لقوم، وللداخلين الممر على أهل خارجها، فأراد أهل خارجها تحويل بابها إلى موضع قريب من مكانه، لا ضرر
стр. 1978
على الداخلين فيه، فذلك لهم، وإن لم يقرب موضعه فللداخلين منعهم، ولهم منعهم من تضييق باب الدار. (١)
٣٧٣٠ - ولو اقتسم أهل الداخلة، فأراد أهل كل نصيب [منهم] فتح باب لنصيبه إلى الخارجة لممره، فللخارجين منعهم ألا يدخلوها إلا من الباب الأول.
[قال مالك ﵀: وليس العمل على حديث عمر ﵁ في الخليج الذي أمرَّه في أرض رجل بغير رضاه] .
وإذا كانت دار بين رجلين لأحدهما دار تلاصقها، فأراد أن يفتح في المشتركة باباً يدخل منه إلى داره، فللشريك منعه لشركته معه في موضع الفتح.
فإن قسّما فقال: اجعلوا نصيبي إلى جنب داري حتى أفتح فيه باباً، لم يقبل منه ذلك، وقسمت الدار بالقيمة، فحيث وقع سهمه أخذه وإن كان في الناحية الأخرى.
وإن اقتسما هذه الدار فاشترى أحد النصيبين رجل يلاصق داره، ففتح إلى النصيب من داره باباً وجعل يمر من داره إلى طريق هذا النصيب هو ومن اكترى منه، أو سكن معه، فذلك له إن أراد ارتفاقاً، ولا يمنع.
وإن أراد أن يجعل ذلك فيه، كسكة نافذة لممر الناس يدخلون من باب داره ويخرجون كالزقاق، فليس له ذلك.
стр. 1979
وإن قسما داراً على أن يأخذ كل واحد طائفة، فإن من صارت الأجنحة في حظه، فهي له ولا تعد من الفناء، وإن كانت في هوى الأفنية، وهي تُعد من البناء.
قال: وفناء الدار لهم أجمعين، للمرفق به، ولا بأس بالتفاضل في قسمة التراضي، أو يزيد أحدهما الآخر عرضاً أو حيواناً بعينه، نقداً أو موصوفاً إلى أجل معلوم، أو عيناً نقداً أو مؤجلاً، أو [على] هبة، [أو هدية] أو صدقة معلومة كذلك. ولا يجوز على دين مسمى إلا أن يضربا أجلاً.
٣٧٣١ - ولا بأس بأرزاق القضاة والعمال إذا عملوا على حق، وكل عامل للمسلمين على حق، وما بعث فيه الإمام من أمور الناس، فالرزق فيه من بيت المال.
وأكره لقسام القاضي والمغنم أن يأخذوا على القسم أجراً، لأنه إنما يفرض
стр. 1980
لهم من أموال الناس اليتامى وسائر الناس، كما أكره ارتزاق صاحب السوق من أمول الناس، وإن كانت أرزاق القسام من بيت المال، جاز. (١)
ولا بأس أن يستأجر أهل مورث، أو مغنم قاسماً برضاهم، وأجر القاسم على جميعهم ممن طلب القسم أو أباه.
وكذلك أجر [كاتب] الوثيقة، قال مالك في قوم أرادوا أخذ مال لهم عند رجل، فيستأجرون من يكتب بينهم كتاباً يتوثق لهم وله، فأجره عليهم وعليه. وقد تقدم في كتاب العتق ذكر من أعتق أو دبر في مرضه.
٣٧٣٢ - وإذا اقتسما داراً مذارعة بالسهم، فإن كانت الدار كلها سواء، جاز، وإن كان بعضها أجود من بعض أو كانت كلها سواء وجعلا في ناحية أكثر من ناحية، لم يجز، إلا أن يتراضوا [بذلك] بغير سهم فيجوز.
ولا بأس أن يقتسما البناء بالقيمة، والساحة بالذرع، إذا تساوت الساحة في القيمة والذرع، وإن كانت متفاضلة، لم يجز.
وإذا تداعوا إلى قسم البناء والساحة معاً، وكان يصير لكل واحد في حصته من الساحة ما ينتفع به في مدخل، أو مخرج، أو مربط دابة، أو غيره، قسمت الساحة
стр. 1981
مع البناء، وإن صار منها تلك المنافع لبعضهم ويصير لأقلهم نصيباً من الساحة ما لا ينتفع به أو ما لا ينتفع به إلا في دخوله وخروجه فقط، قسم البناء وتركت الساحة لانتفاعهم، وللأقل نصيباً من الانتفاع بالساحة ما للأكثر نصيباً، سكن معهم أو لم يسكن، ولهم منع من بيني في الساحة منهم.
وإذا كانت بين قوم دار فيها بيوت وساحة، ولها غرف وسطوح بين يديها، فقسموا البناء على القيمة وأبقوا الساحة، فالسطح يقوم مع البناء، تقوم الغرفة بما بين يديها من المرتفق، ولصاحب العلو أن يرتفق بساحة السفل [كارتفاق صاحب السفل] ، ولا ارتفاق لصاحب السفل في سطح الأعلى، إذ ليس من الأفنية، ويضيف القاسم قيمة خشب السطح والغرف، مع قيمة البيوت التي تحت ذلك.
وما رَث من خشب العلو [الذي] هو أرض الغرف والسطح، فإصلاحه على رب الأسفل وله ملكه، كما عليه إصلاح ما وهى ورث من جدار السفل.
стр. 1982
٣٧٣٣ -[وإذا سقط العلو الذي على السفل فهدمه، جبر رب السفل] على أن يبنيه، أو يبيع ممن يبنيه حتى يبني رب العلو علوه، فإن باعه ممن يبنيه فامتنع من بنائه أُجبر المبتاع أيضاً على أن يبنيه، أو يبيع ممن يبنيه. (١)
٣٧٣٤ - وإذا اقتسم قوم داراً وتركوا الساحة مرتفقاً، فكل واحد منهما أولى بما بين يدي [باب] بيته من الساحة في الارتفاق، وإن أراد بعضهم أن يطرح بين يدي [باب] غيره العلف والحطب، لم يكن له ذلك إن كان في الدار سعة عن ذلك، وإن احتاج إلى طرح ذلك في الساحة، ويقع بعض ذلك على باب غيره طرحه، إلا أن يكون في ذلك ضرر على من يطرحه على بابه، فيمنع أن يضر به.
وإذا اقتسموا البناء والساحة رفعوا الطريق، ولا يعرض فيها أحدهم لصاحبه.
وإن اقتسموا على أن يصرف كل واحد منهم بابه لناحية أخرى، ولا يدعوا طريقاً بتراض، جاز، ولا ترفع لهم طريق، وليصرف كل واحد طريقه حيث شاء إن كان له حيث يصرفه.
стр. 1983
وإن اقتسموا البناء ثم قسموا الساحة ولم يذكروا رفع الطريق، فوقع باب الدار في حظ أحدهم ورضي بذلك صاحبه، فإن لم يشترطوا في أصل القسم أن طريق كل حصة ومدخلها فيها خاصة، فإن الطريق بينهما عل حالها، وملك باب الدار لمن وقع في حظه، ولباقيهم فيه الممر.
وإن قسموا الساحة وهي واسعة يقع لكل واحد ما يرتفق به إذا قسمت بينهم، ليس لهم طريق ولا مخرج إلا من باب الدار، فاختلفوا في سعة الطريق، فقال بعضهم: اجعلها ثلاثة أذرع، وقال بعضهم: أكثر من ذلك، جعلت بقدر دخول الحمولة ودخولهم، ولا أعرف عرض باب الدار.
فإن قسما داراً [بتراض] ، فأخذ أحدهما دبر الدار وأعطي الآخر مقدمها على ألا طريق لصاحب المؤخر على المقدم، جاز ذلك على ما شرطا ورضيا إن كان له موضع يصرف إليه بابه، وإلا لم يجز.
وكذلك إن اقتسموا داراً على أن أخذ أحدهم الغرف، على ألا طريق له في الأسفل، فعلى ما ذكرنا.
٣٧٣٥ - وإن دعا أحد الأشراك إلى قسم ما يقسم من ربع أو حيوان أو عرض، وشركتهم بمورث أو غيره، أجبر على القسم من أباه، فإن لم ينقسم ذلك، فمن دعا إلى البيع أجبر عليه من أباه، ثم للآبي أخذ الجميع بما يعطى فيه، وكل
стр. 1984
ما قسم من ربع أو غيره فعلى قيمة عدل، ثم يضرب بالسهم، فمن خرج سهمه لزمه، ووجه قسم الربع بالسهم، وإن اختلفت الأنصباء: لواحد خمس، ولآخر ربع، ولآخر سدس، أن يقسم على أقلهم سهماً.
وكذلك من ترك زوجة وأماً وأختاً، إلا أن من خرج له سهم [في ناحية] جمع له تمام باقي حصته [فيها] ولا يفرق، وإذا تشاحوا على أي الطرفين يضرب، أسهم بأيهم يبدأ، فما خرج عرفه، ثم أسهم للقسم، فمن خرج سهمه أعطاه من ذلك الطرف، وضم إليه فيه سهمانه مجتمعة.
وإن كثرت يضرب الفريضة في الانكسار، ثم يضرب أيضاً بسهام من بقي، فيضرب على أقلهم سهماً، فإن تشاحوا على أي الطرفين يضرب، فعلى ما ذكرنا أولاً، فإذا بقي منهم اثنان فتشاحا على أي الطرفين يضرب، لم ينظر إلى قول واحد منهما وضرب القاسم على أي الطرفين شاء.
وإن ترك زوجة وابناً، أو عصبة، لم يسهد للزوجة إلا على أحد الطرفين لا في الوسط، فأي الطرفين خرج لها أخذته وكان الباقي للولد أو للعصبة، وكذلك إن كان الولد أو العصبة عدداً.
ولا يجمع حظ رجلين في القسم وإن أراد ذلك الباقون، إلا في مثل هذا.
стр. 1985
٣٧٣٦ - وما أحدثه الرجل في عرصته من فرن، أو حمام، أو أرحية ماء، أو غيرها، أو كير للحديد، أو أفران لتسييل الذهب والفضة، أو آبار، أو كُنُف، فكل ما أضر بجدار جاره من ذلك منع منه، واستخف اتخاذ التنور.
وليس لك أن تفتح في سكة غير نافذة، باباً يقابل باب جارك أو يقاربه، ولا تحول باباً لك هنالك إذا منعك، لأنه يقول: الموضع الذي تريد أن تفتح فيه بابك، لي فيه مرفق أفتح فيه بابي، وأنا في سترة، ولا أدعك أن تفتح قبالة بابي أو قربه، فتتخذ علي فيه المجالس وشبه هذا، فإذا كان هذا ضرراً فلا يجوز أن تحدث على جارك ما يضر به.
وأما في السكة النافذة، فلك أن تفتح ما شئت، وتحول بابك حيث شئت منها.
ومن رفع بنيانه فتجاوز به بنيان جاره ليشرف عليه، لم يمنع من رفع بنيانه، ومنع من الضرر.
стр. 1986
وإن رفع بنيانه فسد على جاره كواه، أو أظلمت أبواب غرفه وكواها، ومنعه الشمس أن تدخل في حجرته، لم يمنع من هذا البناء.
* * *
стр. 1987
(كتاب الوصايا)
٣٧٣٨ - قال: ومن أوصى بعتق عبد من عبيده فماتوا كلهم، بطلت الوصية، وكذلك من أوصي له بعبد فمات العبد، فلا حق [له] في مال الميت.
قال غيره: لأن ما مات أو هلك قبل النظر في الثلث، فكأن الميت لم يتركه، وكأنه لم يوص [فيه] بشيء، لأنه لا يقوّم ميت ولا يقوّّم على ميت. (١)
ومن أوصى بعتق عشرة من عبيده ولم يعينهم وعدد عبيده خمسون، فمات منهم
стр. 1988
عشرون قبل التقويم، عتق ممن بقي منهم عشرة أجزاء من ثلاثين جزءاً بالسهم، خرج عدد ذلك أقل من عشرة أو أكثر، [ولو هلكوا كلهم إلا عشرين، عتق نصفهم في ثلث الميت] ، ولو هلكوا إلا خمسة عشر عتق ثلثاهم.
ولو هلكوا إلا عشرة إن حملهم الثلث، [وإن لم يحملهم الثلث عتق منهم مبلغه بالقرعة ورق ما بقي] ، وكذلك من أوصى لرجل بعدد من رقيقه، أو أوصى بعشرة من إبله في سبيل الله وله إبل كثيرة فهلك بعضها، فعلى ما وصفنا.
ومن قال: ثلث رقيقي أحرار، عتق ثلثهم بالسهم لا من كل واحد ثلثه، فإن قال: ثلثهم لفلان وهلك بعضهم، أو أوصى له بثلث غنمه فاستحق ثلثاها، فإنما للموصى له ثلث ما بقي من العبيد أو الغنم إن حمل ذلك الثلث، وسواء بقي ثلثهم أو أقل، فإن لم ينقسموا كان شريكاً بثلثهم.
وإن أوصى له بجميع غنمه فهلك بعضها أو استحق، فللموصى له ما بقي إن حمله الثلث.
وإن أوصى له بعشرة من غنمه وله مائة شاة، فللموصى له عشرها [بالسهم] ، يدخل فيه ما دخل، فإن هلكت الغنم كلها إلا عشرة، فهي للموصى
стр. 1989
له، وإن كانت تعدل نصف الغنم إذا حملها الثلث، وإن أوصى له بعشر غنمه وهي مائة، فهلكت كلها إلا عشرة لم يكن للموصى له إلا عشرها.
ومن أوصى بنسمة تشترى فتعتق، لم تكن بالشراء حرة حتى تعتق، لأنه لو قتله رجل أدى قيمته عبداً، وأحكامه في جميع أحواله أحكام عبد حتى يعتق، فإن مات بعد الشراء وقبل العتق، كان عليهم أن يشتروا رقبة أخرى ما بينهم وبين مبلغ الثلث.
٣٧٣٩ - ومن أوصى بعتق نسمة تشترى [فتعتق] ولم يسم ثمناً، أُخرجت بالاجتهاد بقدر قلة المال وكثرته، وكذلك إن قال: عن ظهاري، وإن سمى ثمناً لا يسعه الثلث اشتري بثلثه إن كان فيه ما يشترى به رقبة، فإن لم يبلغ شورك به في رقبة، فإن لم يبلغ أعين به مكاتب في آخر كتابته.
وإن سمى ثمناً فيه كفاف الثلث فاشترى الوصي به قبة فأعتقها، ثم لحق الميت دين يغترق جميع المال رد العبد رقاً، وإن لم يغترق الدين جميع ماله، ردّ العبد
стр. 1990
وأعطي صاحب الدين دينه، ثم عتق من العبد مقدار ثلث ما بقي من مال الميت بعد قضاء الدين. [قال مالك ﵀:] ولا يضمن الوصي إذا لم يعلم [بالدين] .
٣٧٤٠ - ومن قال في وصيته: اشتروا عبد فلان لفلان، أو فأعتقوه، أو بيعوا عبدي من فلان، أو ممن أحب، أو ممن يعتقه، فامتنع المشتري أن يشتريه بمثل ثمنه، أو امتنع الذي يبتاع منه أن يبيعه بمثل الثمن، فإنه يزاد في المشترى، وينقص في المبيع ما بينك وبين ثلث ثمنه لا ثلث الميت، وإن لم يذكر الميت أن يزاد أو ينقص، فإن أبى المشتري أن يأخذه إلا بأقل من ثلثي ثمنه، أو أبى الذي يبتاع منه أن يبيعه إلا بأكثر من ثمنه وثلث ثمنه، فذلك يختلف، أما الموصى أن يشترى فيعتق، [قال ابن القاسم:] يستأنى بثمنه، فإن بيع وإلا رد ثمنه ميراثاً، وفي رواية ابن وهب
стр. 1991
وغيره عن [مالك] أن الثمن يوقف ما رجي بيع العبد إلا أن يفوت بعتق أو موت. [قال سحنون:] وعليه أكثر الرواة.
[قال ابن القاسم:] وأما الذي يُشترى لفلان إن امتنع سيده من بيعه ليزداد ثمناً دفع ثمنه وزيادة ثلث ثمنه إلى الموصى له،
стр. 1992
فإن امتنع [سيده] من بيعه أصلاً ضناً منه بالعبد عاد ذلك ميراثاً وبطلت الوصية. (١)
وقال غيره: إن امتنع [سيده أن يبيعه] لزيادة، أو ضناً به، لم يلزم الورثة أكثر من زيادة ثلث الثمن، وليكن ثمنه موقوفاً حتى يؤيس من العبد، فإذا يئس منه رجع المال ميراثاً ولا شيء للموصى له، لأن الميت إنما أوصى له برقبة لا بمال.
قال ابن القاسم: وأما الذي قال: بيعوه من فلان، فطلب المشتري وضيعة أكثر من ثلث ثمنه، فإنه يخير الورثة بين بيعه بما سئلوا، أو يقطعوا له بثلث العبد بتلاً.
وأما الذي يباع ممن أحب [وليس من رجل بعينه] فيطلب المشتري
стр. 1993
وضيعة أكثر من ثلث ثمنه، فإنه يخير الورثة بين بيعه بما سئلوا، أو يعتقوا ثلث العبد بتلاً.
[قال سحنون:] وروى غير واحد عن مالك أن الورثة إذا بذلوه لمن أحب بوضيعة الثلث فلم يجدوا من يشتريه إلا بأقل، فليس عليهم غير ذلك.
وقال ابن وهب: قال مالك ﵀: وذلك الأمر عندنا.
وقال ابن القاسم عن مالك: وأما الذي يباع ممن يعتقه فيخير الورثة بين بيعه بمنه] بما أعطاهم، أو يعتقوا ثلث العبد، وهذا مما لم يختلف فيه قول مالك.
قال سحنون: وقد بينا هذا الأصل باختلاف الرواة [فيه] قبل هذا.
стр. 1994
[مالك: وإذا لم يذكر حطيطة فإنه يحط عن المشتري، لأنها وصية] .
٣٧٤١ - قال [مالك] : ومن أوصى [في مرضه] بعتق عبده فلم يقبل [العبد] ، فلا قول له، ويخرج إذا مات سيده من الثلث إن حمله [الثلث] ، أو ما حمل [الثلث] منه.
وإن أوصى أن تباع جاريته ممن يعتقها فأبت، فإن كانت من جواري الوطء، فذلك لها، وإلا بيعت ممن يعتقها، وقيل: لا يلتفت إلى قولها وتباع للعتق، إلا أن لا يوجد من يشتريها بوضيعة ثلث الثمن إن كان للميت مال يحمل [ثلث] الجارية.
٣٧٤٢ -[قال مالك ﵀:] ومن اشترى ابنه في مرضه، جاز إن حمله الثلث وعتق، وورث باقي المال إن انفرد أو حصته مع غيره.
стр. 1995
[قال ابن القاسم:] وإن أعتق عبداً له، واشترى ابنه فأعتقه وقيمته الثلث، فالابن يُبدّأ إذا حمله الثلث [ويكون وارثاً] .
ومن أوصى أن يشترى أبوه بعد موته، فإنه يشترى ويعتق في ثلث وإن لم يقل: أعتقوه.
٣٧٤٣ - ومن قال لعبده لفظاً بغير كتاب: إن مت من مرضي هذا، أو في سفري هذا، فأنت حر، أو قال: لفلان كذا، فهي وصية [له] ، وله أن يغيرها [ببيع أو غيره] ، فإن مات قبل أن يغيرها، جازت من ثلثه إن مات من مرضه أو في سفره، وإن برئ من مرضه أو قدم من سفره فلم يغيرها حتى مات، فذلك باطل ولا ينفذ منه شيء، إلا أن يكون كتب بذلك كتاباً ووضعه على يدي رجل، فلم يغيره بعد قدومه أو إفاقته وأقره حتى مات، فهي وصية تنفذ. (١)
وإن كتب وصيته عند سفره أو عند مرضه، ووضعها على يدي رجل [أمين] ، ثم قدم من سفره أو برئ من مرضه، فقبضها ممن هي عنده وأقرها بيده حتى مات، فهي باطل وإن أشهد عليها، وإنما تنفذ إذا جعلها على يدي رجل [أمين] .
стр. 1996
٣٧٤٤ - وإن كتب وصيته في مرض أو صحة أو عند سفر، إلا أنه لم يقل فيها: إن مِتّ في سفري أو في مرضي هذا، وإنما كتب فيها متى حدث [بي حدث الموت] ، [أو إن حدث بي حدث الموت] ، وأقرها عند نفسه أو أخرجها من يده، فهي جائزة، مات في ذلك [المرض] أو بعده [إذا شهدت عليه بينة] .
[قال ابن القاسم: هذا إذا كانت وصيته مبهمة، لم يذكر فيها موته من مرضه أو من سفره، وإنما كتب فيها] : متى حدث [بي] حدث الموت، [وأقرها عند نفسه] ، أو أخرجها من يده، [أو كانت على يديه] ، فهي جائزة، مات في ذلك أو بعده إذا شهدت عليه بينة، وإنما اختلف الناس في السفر والمرض، [وروى مالك أن النبي ÷ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين
стр. 1997
إلا ووصيته عنده مكتوبة"] . (١)
٣٧٤٥ - قال مالك: ومن كتب وصيته، فليقدم ذكر التشهد [قبل الوصية] . قال ابن القاسم: ولم يذكر لنا مالك كيف هو.
[وروى ابن وهب أن مالك بن أنس قال: كانوا يوصون أن يشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له] ، وأن محمداً عبده ورسوله، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ربهم، ويصلحوا ذات بينهم إن كانوا مسلمين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ×يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ%] ، وأوصى إن مات في مرضه هذا.
قال مالك ﵀: وإن كتبها بغير محضر البينة ولا قرأها عليهم، دفعها إليهم وأشهدهم على ما فيها، فإن عرفوا الكتاب بعينه فليشهدوا بما فيه.
стр. 1998
قال عنه ابن وهب: ولو طبعها ثم دفعها إليهم وأشهدهم [أن ما فيها منه، وأمرهم] أن لا يفضوا خاتمها حتى يموت، جاز أن يشهدوا بما فيها بعد موته.
قال عنه ابن القاسم: وللموصي أن يغير وصيته، ويرجع ويزيد وينقص، أوصى في صحة أو في مرض، بعتق أو غيره.
٣٧٤٦ - وإن قال في وصيته: إن مت [من مرضي] فكل مملوك مسلم لي، حر، وله عبيد مسلمون ونصارى، ثم أسلم بعضهم قبل موته، لم يعتق منهم إلا من كان يوم الوصية مسلماً، لأني لا أراه أراد غيرهم.
وإن قال: أعتقوا عبدي بعد موتي بشهر، أو قال: هو حر بعد موتي بشهر، فذلك سواء، [وهو قول مالك] ، فإن لم يحمله الثلث خير الورثة بين أن يجيزوا أو يعتقوا، لأن محمل الثلث [منه] بتلاً، فإن أجازوا الوصية خدمهم تمام الشهر ثم خرج جميعه حراً.
стр. 1999
٣٧٤٧ - ومن قال: اشهدوا على أن فلاناً وصيي، ولم يزد على هذا، فهو وصيه في جميع الأشياء، وإنكاح صغار بنيه ومن بلغ من أبكار بناته بإذنهن، والثيب بإذنها، وفي النكاح إيعاب هذا.
وإن قال: فلان وصيي على كذا، لشيء خصه، فإنما هو وصي على ما سمى فقط، وإن قال: [فلان] وصي على قبض ديوني وبيع تركتي، ولم يذكر غير هذا. قال مالك: فأحب إليّ أن لا يزوج بناته [حتى] يرفع إلى السلطان، فإن لم يرفع رجوت أن يجوز. ولو قال: فلان وصيي على اقتضاء ديني أو قضائه، وفلان وصيي على مالي، وفلان وصيي على بضع بناتي، أو قال: فلان وصيي حتى يقدم فلان فيكون وصيي، فذلك جائز، ويكون كما قال.
стр. 2000
٣٧٤٨ - وإن مات الوصي فأوصى إلى غيره، جاز ذلك، وكان وصي الوصي مكان الوصي في النكاح وغيره.
قال يحيى بن سعيد: وإن كانا وصيين أو ثلاثة، فأوصى أحدهم عند موته بما أوصى به إليه من تلك الوصية إلى غير شريكه في الوصية، جاز ذلك، وأباه سحنون.
٣٧٤٩ - وللمرأة أن توصي في مالها في إنفاذ وصاياها وعلى قضاء دينها، وإن لم يكن عليها [دين] ، فلا يجوز إيصاؤها بمال ولدها الطفل إلا أن تكون وصية من [قيل] أب، وإلا لم يجز إذا كان المال كثيراً، وينظر فيه الإمام، وإن كان يسيراً نحو ستين ديناراً فجائز إسنادها فيه إلى العدل، وذلك فيمن لا أب له ولا وصي. وقال غيره: لا يجوز للمرأة أن توصي بمال ولدها.