← Фикх общий

Фикх общий · id 8490

الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ت رفعت فوزي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (181 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(الحديث الثامن): روى البخارى من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أُم مكتوم" (١). وأخرج البيهقي في سننه من جهة يعقوب بن محمد الزهري: ثنا الدراوردي ثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "إن ابن أُم مكتوم رجل أعمى، فإذا أذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" قالت: وكان بلال يبصر الفجر. وكانت عائشة تقول: "غلط ابن عمر". قال البيهقي: كذا قال، وحديث عبيد الله عن القاسم عن عائشة أصح (٢). يشير إلى ما أخرجه البخارى كذلك عنها موافقًا لحديث ابن عمر (٣). واعلم أن حديث عائشة هذا الذي أخرجه إسناده صحيح، وقد رواه أحمد ومسدد، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولكن لم يذكر فيه تغليط ابن عمر. وحمله ابن حبان وابن حزم على أن الأذان كان بينهما دُولا: تارة يقدم هذا وتارة يتأخر (٤).

стр. 107

وقد روى ابن أبي شيبة حديثًا شهد لذلك فقال: حدَّثنا عَفَّان (١) ثنا شعبة عن خبيب قال: سمعت عمتي، وكانت قد حجت مع رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن ابن أُم مكتوم ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى بلال" و "إن بلالًا ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أُم مكتوم" قالت: "وكان يصعد هذا وينزل هذا. قالت: فكنا نتعلق (٢) به فنقول: "كما أنت حتى نتسحر" (٣). وكذا رواه أبو داود عن شعبة عن خبيب (٤). (التاسع): روى أبو منصور البغدادى بإسناده إلى ابن جريج قال أنبأ ابن أبي مليكة عن رجل لا يكذبه: أخبرَت عائشة ﵂ بقول ابن عمر ﵁: "إن الشهر تسع وعشرون" فأنكرت ذلك عليه وقالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، ما هكذا قال رسول الله ﷺ ، ولكن قال: "إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين" (٥). قال الإمام أحمد في مسنده: حدَّثنا يحيى عن محمد بن عمرو قال: حدثني يحيى بن عبد الرحمن عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون" فذكروا ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما قال: "الشهر قد يكون تسعًا وعشرين" (٦).

стр. 108

(العاشر): أخرج البخارى عن ابن عمر قال: "وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقول" فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ : "إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق" (١). قال السهيلي في الروض: "وعائشة لم تحضر، وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه ﷺ وقد قالوا له يا رسول الله: "أتخاطب قومًا قد جيفوا أَو أُجيفوا"؟ فقال: "ما أنتم بأَسمع لما أقول منهم" وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رءوسهم إذا قلنا: إن الروح تعاد إلى الجسد، أو وإلى بعضه عند المسألة، وهو قول جمهور أهل السنة، وإما بأذن القلب، أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع منه إلى الجسد، أو إلى بعضه (٢). قال: "وقد روى أن عائشة احتجت بقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر: ٢٢] وهذه الآية كقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [سورة الزخرف: ٤٠] أي إن الله هو الذي يهدى ويوفق ويدخل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت، وجعل الكفار أمواتًا وصمًّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاءَ، فلا تعلق لها في الآية

стр. 109

لوجهين: أَحدهما أَنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان، الثاني أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله؛ فإنه لا يسمعهم إذا شاءَ إلا هو (١) (٢). * * *

стр. 110

الفصل ٦ - استدراكها على عبد الله بن عمرو بن العاص (الأول): أَخرج مسلم في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن ابن عمرو يأْمر النساءَ إِذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فقالت: "يا عجبًا لابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحد، وما أزيد أَن أُفرغ على رأسى ثلاث إفراغات (١) ورواه النسائي وقال: "وما أَنقض لى شعرًا" (٢). ورواه ابن خزيمة في صحيحه أتم من ذلك (٣). وقد تابع عائشة على رواية ذلك أم سلمة؛ فروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن رافع مولى أُم سلمة عن أُم سلمة قالت: قلت: "يا رسول الله إني امرأة أَشد ضَفْر رأسى، أفأنقضه لغسل الجنابة"؟ فقال: "لا، إنما يكفيك أن تَحْثِى على رأسك ثلاث حَثَيَات، ثم تفيضى عليك الماءَ فتطهرين" (٤) قال الماوردى في الحاوى: "ويحتمل أن يكون ابن عَمْرو أمر بذلك احتياطًا لا واجبًا، وعائشة إنما أنكرت وجوب الحَلّ" (٥) (٦). * * *

стр. 111

الفصل ٧ - استدراكها على أبي هريرة (الحديث الأول): إنكارها عليه بطلان الصوم بالجنابة (١): أخرج مسلم عن ابن جريجٍ، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه: "من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم". قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث، فذكره لأبيه، فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأُم سلمة، فسأَلها عبد الرحمن عن ذلك فقال: فكلماها قالت: "كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير طهر ثم يصوم" فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: "عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول" قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله، فذكر له عبد الرحمن فقال أَبو هريرة: "أهما قالتاه لك"؟ قال: "نعم" قال: "هما أعلم" ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، قال أبو هريرة: "سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمع من النبي ﷺ " قال: فرجع أَبو هريرة عما كان يقول من ذلك؟ (٢). قال البزار في مسنده: "ولا نعلم روى أبو هريرة عن الفضل بن العباس إلا هذا الحديث الواحد" (٣) ا. هـ. وفي لفظ: فقال أبو هريرة: "لا علم لي بذلك، إنما أخبرني مخبر" (٤).

стр. 112

قال البيهقي: ورواه البخارى مدرجًا في روايته عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، إلا أنه قال في حديثه: "فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهو أعلم" (١). وروي أنه قال: "أخبرني بذلك أُسامة بن زيد". أخرجه النسائي في سننه (٢). وقد صح رجوعه عن ذلك صريحًا كما سبق. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن أبي عروبة عن قَتادةَ عن ابن المسيب: "أن أَبا هريرة رجع عن قوله قبل موته" (٣). وروى مثله عن عطاء (٤). ثم قال: قال ابن المنذر: أَحسن ما سمعت في هذا أن يكون ذلك محمولا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر، وكان أبو هريرة يفتى بما سمعه من الفضل على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع من عائشة وأُم سلمة صار إليه ا هـ (٥).

стр. 113

وجواب ثان: وهو حمله على من طلع الفجر وهو مجامع (١) فاستدام. وثالث: أَنَّه إرشاد إلى الأفضل، وهو الاغتسال قبل الفجر، وتركه ﵇ لذلك في حديث عائشة وأُم سلمة؛ لبيان الجواز. واعلم أنه وقع خلاف في ذلك للسلف أيضًا، ثم استقر الإجماع على صحة صومه، كما نقله ابن المنذر وكذلك الماوردى في الاحتلام، فعن طاوس وعروة والنخعى (٢): التفصيل بين أن يعلم فإنه مبطل، وإلا فلا. وعن الحسن البصرى: الفصل بين صوم التطوع، فيحرم (٣) دون الفرض. وقيل: يصوم ويقضيه وحكى عن سالم بن عبد الله. وفي معجم الإمام أبي بكر الإسماعيلي: قال سفيان: وكان إبراهيم النخعى يقول: "من يدركه الصبح وهو جنب يفطر"، قال يحيى بن آدم: ثم جعل سفيان يتعجب من قول إبراهيم، فقال له حفص بن غياث: "لعل إبراهيم لم يسمع حديث النبي ﷺ : أنه كان يدركه الصبح وهو جنب" يعنى - ثم يصوم قال سفيان: "بلى، ثنا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به" ا هـ. (الحديث الثاني): قال أَبو داود الطيالسي في مسنده: حدَّثنا محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ "الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس" فقالت عائشة: "لم يحفظ أبو هريرة، إنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس. فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله" (٤). ومحمد بن راشد وثقه أحمد وغيره، ولكن الشأن (٥) في الواسطة بين مكحول وعائشة. وقد قال ابن أبي حاتم في المراسيل: "ثنا أبي قال: سألت

стр. 114

أبا مسهر: "سمع مكحول من أحد أصحاب النبي ﷺ "؟ قال: "ما صح عندنا إلا أنس بن مالك" قلت: "واثلة"؟ فأنكره ا هـ (١). وقد جاءَ الإنكار على وجه آخر: قال الإمام أحمد في مسنده: حدَّثنا روح ثنا سعيد عن قتادة عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: "إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله ﷺ كان يقول: "إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار" قال: فطارت شِقّة (٢) منها في السماءِ وشِقَّة منها في الأرض وقالت: "والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله ﷺ يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأَة والدابة والدار. ثم قرأت عائشة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٣) [سورة الحديد: ٢٢]. وأبو حسان اسمه مسلم الأَحْرَد (٤) يروى عن ابن عباس وعائشة. قال بعض الأئمة: ورواية عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاءَ الله؛ لموافقتها نهيه ﵊ عن الطيرة نهيًا عامًّا، وكراهتها، وترغيبه في تركها بقوله: "يدخل الجنة سبعون أَلْفًا بغير حساب، وهم الذين لا يَكْتَوُون ولا يَسْتَرْقُون ولا يَتَطَيَّرُون وعلى ربهم يتوكلون" (٥) واستدراكها على أبي هريرة في هذا من جنس استدراكها على ابن عمر في البكاءِ على الميت، بمعنى أن ذلك كان في واقعة خاصة لا على العموم. فإن قيل: فإن غيرها من الصحابة يروى الإثبات،

стр. 115

وعائشة نافية، والإثبات مقدم على النفى، ولهذا قال ابن عبد البر بعد هذا: "وأهل العلم لا يرون الإنكار علمًا ولا النفى شهادة ولا خبرا" (١). وقد أخرجه البخارى ومسلم من حديث ابن عمر بألفاظ، ومنها: أَن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طِيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار" (٢). وأَخرجاه أيضًا من حديث سهل بن سعد وأخرجه مسلم عن جابر (٣). وقال الترمذى بعد أن أخرج حديث ابن عمر، وفي الباب عن سهل بن سعد وعائشة وأنس (٤). قلنا (٥): ليس هذا من باب تعارض النفى والإثبات، بل من باب الزيادة المعتبرة (٦) في الحكم فتقبل باتفاق؛ لكن كلام الترمذى يقتضى أيضًا أن عائشة روته أيضًا، فعلى هذا روايتها مع الجماعة أولى من روايتها على الانفراد كما رجحوا بذلك في مواضع. على أَنه قد جاءَ عن أبي هريرة خلاف ما سبق، قال أحمد في مسنده: حدَّثنا خلف بن الوليد ثنا أبو معشر عن محمد بن قيس قال: سئل أبو هريرة: "هل سمعت من رسول الله ﷺ : الطِّيَرةُ في ثلاث، في المسكن والفرس والمرأة"؟ قال: "فكنت إذًا أَقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أصدق الطيرة الفأل، والعين حق" (٧).

стр. 116

وأما ابن الجوزى في المشكل فأنكر على عائشة هذا الرد، وقال: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها". والصحيح أن المعنى: إن خيف من شيءٍ أَن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءَم به، فهذه الأشياءُ، لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأسباب تأثيرا (١). وقال الخطابي: "لما كان الإنسان في غالب أحواله لا يستغنى عن دار يسكنها، وزوجة يعاشرها، وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه، أضيف اليمن والشؤم إلى هذه الأشياء إضافة محلّ وظرف، وإن كانا صادرين عن قضاء الله". قال: وقد قيل: "إن شؤم المرأَة أَلَّا تلد، وشؤم الفرس أَلَّا يحمل عليها في سبيل الله، وشؤم الدار سوءُ الجوار" (٢) (٣). (الحديث الثالث): قال أبو بكر البزار في مسنده: حدَّثنا هلال بن بشر: ثنا سهل بن حماد قال: ثنا أبو عامر الخَزَّاز، وثناه محمد بن معمر قال: ثنا عثمان بن عمر قال: ثنا أبو عامر الخَزَّاز عن سيّار عن الشعبي عن علقمة قال: قيل لعائشة رحمة الله عليها: "إن أبا هريرة يروى عن النبي ﷺ : أَن امرأة عذبت في هرة" قال: فقالت عائشة: "إن المرأة كانت كافرة". قال: "ولا نعلم روى علقمة عن أبي هريرة إلا هذا الحديث" (٤) أبو عامر الخَزَّاز (٥) صالح بن رستم قال فيه أحمد بن حنبل: "صالح الحديث".

стр. 117

ورواه أبو محمد قاسم بن ثابت السَّرَقُسْطِى في كتاب غريب الحديث: نا محمد بن جعفر: قال: نا أبو أحمد محمود بن غيلان المروزي: نا أبو داود الطيالسي قال: نا أبو عامر صالح بن رستم قال: نا سيار أبو الحكم عن الشعبي عن علقمة بن قيس قال: "كنا عند عائشة ومعنا أبو هريرة فقالت: "يا أبا هريرة أنت الذي تحدث عن رسول الله ﷺ : "أن امرأة عذبت بالنار من جَرَّى هرة لا هي أطعمتها ولا سقتها ولا هي تركتها تأكل من خِشَاش الأَرض شيئًا حتى ماتت"؟ قال أَبو هريرة: "سمعته من رسول الله ﷺ "، قالت عائشة: المؤمن أكرم عند الله من أن يعذبه من جرى هرة، أي إن المرأة مع ذلك كانت كافرة؛ يا أَبا هريرة إذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث". قولها "من جرى هرة" تعنى من أجلها (١). ا هـ. (الحديث الرابع): قال الحاكم في مستدركه في كتاب العتق: أَخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق: أنا محمد بن غالب: ثنا الحسن بن عمر بن شقيق: ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "لأَن أُمَتَّعَ بسوط في سبيل الله أحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" وأن رسول الله ﷺ قال: "ولد الزنى شر الثلاثة" و "إن الميت يعذب ببكاء الحى" فقالت عائشة: رحم الله أَبا هريرة أَساءَ سمعًا فأَساءَ إِجابة: أما قوله: "لأن امتع بسوط في سبيل الله أُحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" فإنها لما نزلت ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [سورة البلد ١٣]. قيل: "يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له الجارية السوداءُ تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهُن فزنين فجئن بأولاد

стр. 118

فأعتقناهم"؟. فقال رسول الله ﷺ "لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إليَّ من أن آمر بالزنى ثم أُعتق الولد"، وأَما قوله: "ولد الزني شر الثلاثة" فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذى رسول الله ﷺ فقال: "من يعذرني من فلان"؟ قيل: "يا رسول الله، إنه مع ما به ولد زنى" فقال: "هو شر الثلاثة" والله تعالى يقول: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وأما قوله: "إن الميت يعذب ببكاء الحى" فلم يكن الحديث على هذا، ولكن رسول ﷺ مر بدار رجل من اليهود قد مات وأهله يبكون عليه، فقال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦]. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (١). وعن الحاكم أخرجه البيهقي في سننه في كتاب الأيمان، في باب عتق ولد الزنى، ثم قال: "وسلمة الأبرش يروى مناكير" (٢). قال الذهبي في مختصره: "هو مختلف فيه" (٣) وقد وثقه أبو داود. قال البيهقي: روى عن أَبي سليمان الشامي بُرْد بن سِنَان عن الزهري عن عائشة [مرسلًا] في إعتاق ولد الزنى (٤).

стр. 119

وأخرج عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت في ولد الزني: "ليس عليه من وزر أبويه شيء، لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْر أُخْرى". قال: وروى مرفوعًا، ولم يصح (١). ثم أخرج عن إسحاق السلولى: ثنا إسرائيل عن إبراهيم عن محمد بن قيس عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "ولد الزنى شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه" (٢). وقال: ليس بالقوى. وقد روى مثله بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس (٣). وقال صاحب الاستذكار: قد أنكر ابن عباس على من روي في ولد الزنى "أنه شر الثلاثة" وقال: "لو كان شر الثلاثة ما استؤنى بأُمه أن ترجم حتى تضعه". رواه ابن وهب عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد ذكرناه في التمهيد بإسناده (٤). وقال في باب حد الزنى: وقول أُم سلمة: "يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون"؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" الخبث في هذا الحديث عند أهل

стр. 120

العلم أولاد الزنى، وإن كانت اللفظة محتملة لذلك ولغيره (١). هذا لفظه، وهو غريب. وأخرج النسائي من حديث شعبة عن منصور عن سالم عن نُبَيْط بن شَرِيط عن جابان عن عبد الله بن عمرو (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة ولد زنية" (٣). وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٤). قال الحافظ أبو الحجاج المِزِّيُّ في الأطراف: قال البخاري: لا يعرف

стр. 121

لجابان سماع من عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط قال: وقد روى عن عبد الله بن عمرو قوله (١). (الحديث الخامس): قال الطبراني في الأوسط: حدَّثنا على بن سعيد الرازي، ثنا عبد الله بن أبي رومان الإسكندراني، ثنا عيسى بن واقد، نا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "مَن لم يوتر فلا صلاة له" فبلغ ذلك عائشة فقالت: مَنْ سَمع هذا من أبي القاسم ﷺ ؟ ما بَعْدَ الْعَهْد وما نسينا، إنما قال أبو القاسم ﷺ : "من جاءَ بصلوات الخمس يوم القيامة حافَظ على وُضوئها ومواقيتِها وركوعها وسجودها لم ينتقص منهن شيئًا - كان له عند الله عهد ألَّا يعذبه، ومن جاءَ وقد أنقص منهن شيئًا، فليس له عهد عند الله، إن شاء رحمه وإن شاءَ عذَّبه" ثم قال: لم يروه عن محمد بن عمرو إلا عيسى، تفرد به عبد الله بن أبي رومان (٢). (الحديث السادس): قال الحافظ أبو حاتم بن حبان البُسْتِي في صحيحه في النوع التاسع والمئة من القسم الثاني: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، ثنا

стр. 122

أَبو طاهر بن السرح، ثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: "ألا يعجبك أبو هريرة؟ جاءَ فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ ، يسمعني ذلك، وكنت أُسبِّح فقام قبل أن أقضى سُبْحَتى، ولو أدركته لرددت عليه: أن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم" (١). قال أبو حاتم: قول عائشة: "لرددت عليه" أَرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه، وترجم عليه ما يستحب للمرء من ترك سرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها (٢). أخرجه مسلم في الصحيح في الفضائل عن حرملة بن يحيى: ثنا ابن وهب به سندًا ومَتنًا (٣). (الحديث السابع): ذكر أبو منصور البغدادي (٤) بإسناده إلى أبي عروبة الحسين بن محمد الحراني قال: ثنا جدى عمرو بن أبي عمرو قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم مولى الأنصار قال: ثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبي هريرة: أنه قال: "مَن غَسَّلَ ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأ" فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت: "أَو نجس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حمل عودًا"؟ (٥).

стр. 123

واعلم أن جماعة من الصحابة رووا هذا الحديث ولم يذكروا فيه الوضوءَ من حمله، منهم عائشة. أخرجه أبو داود (١)، ومنهم حذيفة: أخرجه البيهقى (٢)، وهو يقوى إنكار عائشة.

стр. 124

ولكن قال البيهقي: "الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية، لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم". والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة (١). (الثامن): قال أَبو عَروبة أيضًا: (٢) حدَّثنا جدى عمرو بن أبي عمرو قال، ثنا: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قال، ثنا الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: "لأنْ يمتلئَ جوف أحدكم قيْحًا ودمًا خير له من أَن يمتلئَ شعرًا" فقالت عائشة ﵂: "لم يحفظ الحديث، إنما قال رسول الله ﷺ : "لأَن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيتُ به" (٣).

стр. 125

وقد أخرج الشيخان حديث أبي هريرة من جهة الأعمش عن أبي صالح عنه (١) وأخرجه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص (٢)، وأخرجه البزار من حديث عمر (٣). قلت: وقد تابع عائشة على رواية هذه الزيادة جابر بن عبد الله، أخرجه أبو يعلى الموصلى في مسنده من جهة أحمد بن محرز الأزدى عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا بلفظ: "خير له من أن يمتلئَ شعرًا هجيتُ به" (٤). قال السهيلى في الروض: وذكر ابن وهب في جامعه: "أَن عائشة ﵂ تأولت هذا الحديث في الأشعار التي هُجى بها النبي ﷺ ، وأنكرت قول مَن

стр. 126

حمله على العموم في جميع الشعر" قال السهيلى: "وإذا قلنا بذلك فليس في الحديث إلا عيب: "امتلاء الجوف منه". وأما رواية اليسير على جهة الحكاية والاستشهاد على اللغة فلم يدخل في النهى" (١). قال: وقد رد أبو عبيد (٢) على من تأول الحديث في الشعر الذي هُجي به النبي ﷺ وقال: "رواية نصف بيت من ذلك الشعر حرام فكيف يخص امتلاء الجوف منه بالذَّم"؟ (٣). قال السهيلي: "وعائشة أعلم منه. فإن البيت والبيتين والأبيات من تلك الأشعار على جهة الحكاية، بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله ﷺ ، لا فرق" وجعل ذلك عذرا لابن إسحاق في ذكر بعض أشعار الكفرة من الهجو (٤). انتهى. والصواب: تحريم حكاية هجو النبي ﷺ قليله وكثيره، والحديث لعله خرج على من امتلًا بذلك، فلا يكون له مفهوم في عدم ذم القليل. وأيضًا فالمحذور في الكثير موجود في القليل بعينه، فتأويل عائشة مستقيم إن شاء الله، ولا يرد ما فهمه أبو عبيد (٥) ولا السهيلي (٦). (التاسع): أخرج مسلم والنسائى عن شريح بن هانئ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من أحب لقاءَ الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءه" قال شريح: فأَتيت عائشة فقلت: "يا أُم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله ﷺ حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا" فقالت: إن الهالك من هلك، وما ذاك؟ قال: "قال رسول الله ﷺ : من أَحبَّ لقاءَ الله أَحبَّ الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءَه. وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت"

стр. 127

فقالت: "قد قاله رسول الله ﷺ ، ولكن ليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شَخَصَ البصر وحَشْرَج الصدر واقْشَعَرَّ الجلد وتَشَنَّجَت الأصابع، فعند ذلك من أَحبَّ لقاء الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" (١). وأخرجه الدارقطنى من جهة محمد بن فضيل قال: ثنا عطاءُ بن السائب عن مجاهدٍ عن أبي هريرَة قال: قال رسول الله ﷺ "إِذا أَحبَّ العبدُ لقاء الله أَحبَّ الله لقاءَه، وإذا كرةَ العبدُ لقاءَ الله كره الله لقاءَه" فذكر ذلك لعائشة فقالت: "يرحمه الله حدثكم بآخر الحديث ولم يحدثكم بأوله" قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ "إذا أَراد الله بعبدٍ خيرًا بعث إليه ملكًا في عامه الذي يموت فيه فيسدده ويبشره، فإذا كان عند موته أتى ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: رأسه فقال: أيتها النفس المطمئنة اخرجى إلى مغفرة من الله ورضوان وتَتَهَوَّع نفسه رجاءَ أَن تخرج، فذلك حين يحب لقاء الله، ويحب الله لقاءَه. وإذا أراد بعبد شرًّا بعث إليه شيطانًا في عامه الذي يموت فيه فأغواه، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس، اخرجى إلى سَخَط من الله وغضب، فتفرق في جسده فيسترطه، فذاك حين يبغض لقاء الله، ويبغض الله لقاءَه". غريب من حديث مجاهد عن أبي هريرة وعائشة، تفرد به عطاء بن السائب عنه. قال الدارقطني: ولا أعلم حدث به عنه غير ابن فضيل (٢). قلت: وقد احتج به الشيخان (٣).

стр. 128

(العاشر): روى أبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي البغوي حدَّثنا عبيد الله بن عمر قال: ثنا خالد بن الحارث قال: ثنا عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد قال: بلغ عائشة ﵂ أن أبا هريرة يقول: "إن المرأة تقطع الصلاة" فقالت: "كان رسول الله ﷺ يصلى فتقع رجلى بين يديه أو بحذائه فيصرفها فأقبضها" (١) (٢). (الحادي عشر): روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، ليُنْعِلْهُما جميعًا أَو ليخلعهما" (٣). وروى مسلم عن جابر نحوه (٤).

стр. 129

قال ابن عبد البر في الاستذكار: حديث أبي هريرة وحديث جابر صحيحان ثابتان، وقد روى عن عائشة رحمها الله معارضة لحديث أبي هريرة في هذا الباب [و] لم يلتفت أهل العلم إلى ذلك؛ لأن السنن لا تعارض بالرأى. فإن قيل: لم تعارض أبا هريرة برأيها، وإنما ذكرت أن رسول الله ﷺ ربما انقطع شسع نعله فمشي في نعلٍ واحدة، قيل: لم يرو هذا والله أعلم إلا مَنْدَل بن علي عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. ومندل وليث ضعيفان لا حجة فيما نقلا منفردان، فكيف إذا عارض نقلهما نقل الثقات الأئمة (١)؟. ذكر أبو بكر يعني ابن أبي شيبة: ثنا ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة كانت تمشى في خف واحد وتقول: "لأُحْنِثَنَّ أَبا هريرة" وهذا هو الصحيح، لا حديث مندل عن ليث والله أعلم (٢). وقد روى عن علي أنه مشى في النعل الواحدة (٣)، وهذا يحتمل أن يكون يسيرًا وهو يصلح الأخرى، أو يكون لم يبلغه ما رواه أبو هريرة وجابر، مع أن حديث على لا يثبت (٤) من وجه يترتب عليه شيء ما (٥)، وعن رجل من مزينة عن علي: أنه كان يمشى في نعل واحدة وهو يصلح شسعه (٦).

стр. 130

فائدة: روى الشيخان عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة فلها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك" (١). وأَخرجا أيضًا عن هشام عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "وما أنفقت المرأَة من كسبه عن غير أمره فإن نصف أجره له" (٢). وهذا لا ينافي رواية أبي هريرة. ثم إنه قد جاءَ عن أبي هريرة ما يخالف ظاهر روايته: فروى أبو داود في سننه من جهة عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة في المرأة تصدق من بيت زوجها قال: "لا، إلا من قوتها والأجر بينهما. ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه" (٣). ولأجل هذا حمل البيهقى وغيره الحديث السابق على أنها تعطيه من

стр. 131

الطعام الذي أعطاها زوجها وجعله بحكمها دون سائر أمواله. والأصل تحريم مال الغير إلا بإذنه. قال: والحامل على ذلك أن أبا هريرة قال ذلك وهو أحد رواة تلك الأخبار (١). ونازعه الحافظ شمس الدين الذهبي وقال: بل الظاهر أنه أراد الإذن لها في الصدقة مما يقتاتونه من المطبوخ والمخبوز وهو الطعام الرطب، دون ما في البيت من مثل العسل والزيت والجبن مما يدخر، فإن ذلك مال؛ فإن أبا هريرة قال: والأجر بينهما. فأَما قوتها (٢) التي تأخذه من زوجها بالفرض ثم تؤثر منه فإن الأجر لها وحدها. اهـ. وقال صاحب الدر النقى: هذا الأثر المروى عن أبي هريرة لا يصح؛ فإن في سنده عبد الملك العَرْزَمِي وهو متكلم فيه، قال البيهقى في موضع: "لا يقبل منه ما خالف فيه الثقات". ثم لو صح فالعبرة عند الشافعي بما روى لا بما رأى. وكيف يحمل ذلك على الطعام الذي أعطاها وفى حديث أبي هريرة "وما أنفقت من كسبه عن غير أمره"، بل يحمل ذلك على كل ما هو مأذون فيه إما صريحًا أو عرفًا أو عادة (٣). وقد أخرج البيهقى أيضًا عن يحيى القطان عن زياد بن لاحق: حدثتني تميمة بنت سلمة أنها أتت عائشة في نسوة من أهل الكوفة فسألتها امرأة منا فقالت: "المرأة تصيب من بيت زوجها شيئًا بغير إذنه"؟ فغضبت وقطَّبت، وساءَها ما قالت، وقالت: "لا تسرقى منه ذهبًا ولا فضة ولا تأخذى منه شيئًا (٤).

стр. 132

قلت: وكأنها ﵂ قالت لها ذلك؛ لما فهمت من قرينة الحال أنها تستطيل في ماله لموافقتها بالجواز، كما اتفق مثل ذلك لابن عباس لما أفتى السائل عن توبة القاتل: أنه لا توبة له. وفى الباب حديث أخرجه الترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن عياش: نا شرحبيل بن سلمة سمع أَبا أُمامة يقول: شهدت رسول الله ﷺ في حجة الوداع فسمعته يقول: "لا يحل لامرأة أن تعطى من مال زوجها شيئًا إلا بإذنه فقال رجل: "يا رسول الله ولا الطعام"؟ قال: "ذاك أفضل أموالنا" (١) قال الذهبي: هذا إسناد حسن (٢).

стр. 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * * *

стр. 135

فصل ٨ - استدراكها على مروان بن الحكم (١) نقل أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ [سورة الأحقاف: ١٧] أن معاوية كتب إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: "لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم"، فقال مروان: يا أيها الناس هذا الذي قال الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: "والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فَضَضٌ (٢) من لعنة الله". لفظ رواية النسائي (٣).

стр. 136

ورواه الحاكم وابن أبي خيثمة وابن مردويه من رواية محمد بن زياد. قال:

стр. 137

لما بايع معاوية لابنه قال مروان: "سنة أبي بكر وعمر" فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: "سنة هرقل وقيصر" قال مروان: "هذا الذي أنزل الله" فذكر الآية فبلغ ذلك عائشة فقالت: "كذب والله ما هو به فيذكره، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه إلى آخره" (١). ولفظ ابن أبي خيثمة: أن معاوية كتب إلى مروان أن يبايع الناس ليزيد، فقال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية … إلى آخره (٢). وأصله في البخاري من رواية يوسف بن ماهك عن عائشة دون ما في آخره (٣). وأما الذي أرادته عائشة ولم تسمِّه فلم يوقف له على اسم. وأنكر الزجاج نزولها في عبد الرحمن؛ لأنه أسلم وحسن إسلامه، وقال: الصحيح أنها نزلت في الكافر العاق (٤). وهذا مروى عن الحسن البصرى. وعن قَتادةَ أنه: نعت عبد سوءٍ عاق لوالديه (٥) وقال الزمخشري في الكشاف: نزولها في عبد الرحمن باطل: "ويشهد له

стр. 138

أَن المراد بـ "الذي قال" جنس القائلين ذلك، وأيضًا قوله تعالى (١): ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ إِلى آخرها، لا يناسب ذلك عبد الرحمن (٢)، إِلا أَن المهدوى قال: يحتمل أن يكون هو، وذلك قبل إسلامه وأن الإشارة بـ ﴿أولئك﴾ للقوم الذين أشار إليهم المذكور بقوله ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فلا يمتنع أن يقع ذلك له قبل إسلامه (٣). قال شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين بن حجر: "ولكن نفى عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته،، أَصح إسنادًا وَأَوْلى بالقبول" (٤). فإِنَّه نقل أَيضًا أنها نزلت في أخيه عبد الله. (٥) وقول عائشة ﵂ "فأَنت فَضَضٌ من لعنة الله" أي قطعة منها. * * *

стр. 139

فصل ٩ - استدركها على أبي سعيد الخدرى (الأول): قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه: أخبرنا محمد بن الحسن: ثنا قتيبة: ثنا حرملة بن يحيى قال: ثنا ابن وهب: ثنا يونس عن ابن شهاب: حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن: أَن عائشة أخبرت أن أبا سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ المرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم، قالت عمرة: فالتفتت عائشة إلى بعض النساءٍ: "ما لكلكن ذو محرم" (١). وأخرجه البيهقي في سننه (٢). ثم قال أبو حاتم: "لم تكن عائشة بالمتهمة أبا سعيد لعدالته، وإنما أرادت بقولها: "ما لكلكن ذو محرم" تريد أنه ليس لكلكن ذو محرم تسافر معه، فاتقين الله ولا تسافر واحدة منكن إلا بذى محرم يكون معها" (٣). قلت: ينافي هذا رواية البيهقى "ما كلهن ذوات محرم" وقد أدخله في باب لزومها الحج مع النساء الثقات (٤). وقال الطحاوى في معاني الآثار: "احتج بخبر عائشة هذا من لم يشترط

стр. 140

المحرم في وجوب الحج، ولا حجة في قول أحد مع قول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم" (١). قال: وقد قيل لأبي حنيفة: "فإن عائشة كانت تسافر بلا محرم" فقال أبو حنيفة: "كان الناس لعائشة محرمًا، مع أيهم سافرت فقد سافرت مع محرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك" (٢) اهـ (٣). (الثاني): أخرج أبو داود في سننه عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدرى: أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" (٤). وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥). والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٦). ورواه البزار في مسنده وقال: "لا يروى إلا من حديث أبي سعيد ولا نعلم له طريقًا عنه إلا هذه". اهـ ورأيت في كتاب أصول الفقه لأبي الحسين أحمد بن القطان من قدماء

стр. 141

أصحابنا من أصحاب ابن سريج في الكلام على الرواية بالمعنى: أن أبا سعيد ﵁ فهم من الحديث أن النبي ﷺ أراد بالثياب الكفن، وأن عائشة ﵂ أنكرت عليه ذلك، وقالت: يرحم الله أَبا سعيد، إنما أَراد النبي ﷺ عمله الذي مات عليه، قد قال رسول الله ﷺ "يحشر الناس حفاةً عراة غُرْلًا" (١) اهـ (٢). * * *

стр. 142

فصل ١٠ - استدراكها على ابن مسعود روى أبو منصور البغدادي (١) من جهة محمد بن عبيد الطنافسي قال: ثنا الأعمش عن خيثمة عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂ فقال مسروق: قال عبد الله بن مسعود: "من أَحب لقاءَ الله أَحب الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءه" فقالت عائشة: "يرحم الله أبا عبد الرحمن حَدَّثَ بأول الحديث ولم تسألوه عن آخره، إن الله تعالى إذا أَراد بعبد خيرًا قيض له قبل موته بعام ملكًا يوفقه ويسدده حتى يقول الناس: مات فلان على خير ما كان، فإذا حضر ورأى ثوابه من الجنة تهوع بنفسه أو قال تهوعت نفسه، فذلك حين أحب لقاءَ الله وأحب الله لقاءَه. وإذا أراد الله بعبد سوءًا قيّض له قبل موته بعام شيطانًا فأفتنه حتى يقول الناس مات فلان أشر ما كان، فإذا حضر رأى ما نزل عليه من العذاب فبلع نفسه، وذلك حين كره لقاءَ الله وكره الله لقاءَه (٢) (٣). * * *

стр. 143

فصل ١١ - استدراكها على أبي موسى الأشعرى عن أبي عطية مالك بن عامر قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلت لها: "يا أُم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يعجل الصلاة ويعجل الإفطار، والآخر يؤخر الصلاة ويؤخر الإفطار" قالت: "أيهما الذي يعجل" قال: "عبد الله" قالت: "هكذا كان يصنع رسول الله ﷺ " والآخر أَبو موسى. أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حسن (١) (٢). * * *

стр. 144

فصل ١٢ - استدراكها على زيد بن ثابت قال البزار في مسنده: حدَّثنا محمد بن المثنى: قال: ثنا ابن أبي عدى عن سعيد بن أبي عروبة عن قَتادةَ عن عكرمة: أن ابن عباس وزيد بن ثابت اختلفا في التي تطوف يوم النحر الطواف الواجب ثم تحيض؛ فقال زيد: "تقيم حتى يكون آخر عهدها بالبيت" وقال ابن عباس: "تنفر إذا طافت يوم النحر" فقالت الأنصار: "يا ابن عباس إنك إذا خالفت زيدًا لم نتابعك" فقال ابن عباس: "سلوا عن ذلك صاحبتكم أُم سليم" (١) فسألوها فأخبرت بما كان من حال صفية بنت حُيَي قال: فقالت عائشة: "إنها لحابِسَتُنَا" فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأمرها أن تَنْفِر" (٢). وذكره ابن عبد البر من جهة عبد الرزاق: ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن زيد بن ثابت وابن عباس تماريا في صدَر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها الطواف بالبيت؛ فقال ابن عباس: "تنفر" وقال زيد: "لا تنفر" فدخل زيد على عائشة فسألها فقالت: "تنفر" فخرج زيد وهو يبتسم، ويقول: "ما الكلام إلا ما قلتَ" (٣). قال أَبو عمر: "هكذا يكون الإنصاف وزيد يعلِّم ابن عباس فما لنا لا نقتدى بهم" (٤) (٥).

стр. 145

فصل ١٣ - استدراكها على زيد بن أرقم قال عبد الرزاق في مصنفه: أَخبرنا معمر والثورى عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته: أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: "يا أُم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاءِ، ثم ابتعتها منه بستمائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمانمائة" فقالت عائشة: "بئس ما اشتريت وبئس ما لمشتري زيد بن أرقم، إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب" فقالت المرأَة لعائشة: "أَرأَيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل"؟ فقالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (١). وأخرجه الدارقطني والبيهقي في سننيهما عن يونس بن أبي إسحاق الهمداني عن أُمه العالية قالت: "كنت قاعدة عند عائشة، فأتتها أم مُحِبّة فقالت: "إنى بعت زيد بن أرقم جارية إلى عطائه" فذكر نحوه (٢) قال الدارقطني: أُم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما، وهذا الحديث لا يثبت عن عائشة. قاله الإمام الشافعي، قال: ولو ثبت فإنها عابت بيعًا إلى العطاء؛ لأنه أجل غير معلوم، لا أنها عابت عليه ما اشترت بنقد وقد باعته إلى أَجَل. ولو اختلف بعض الصحابة في شيءٍ أخذنا بقول من معه القياس، والذي معه القياس زيد بن أرقم، وفَعَلَ ما يراه حلالًا، فلا نزعم أن الله يحبط عمله (٣) ا هـ.
следующие страницы →