← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8496

الحسبة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (344 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والمحتسب كغيره له عدد يستعملها أحيانًا عند القيام ببعض عمله، وإن لم تكن هذه العدد من الناحية الفنية ضرورية لا يمكن القيام بالعمل بدونها، ولكن حاجة المحتسب إلى هذه الأدوات أو العدد تكون في مناسبة دون أخرى. وهي إلى جانب الاستفادة من بعضها في إنجاز بعض المهام، فإن لبعضها دورًا آخر في إظهار هيبة المحتسب في نفوس مخالفيه حتى ولو لم يستعملها. وكان المحتسب في الماضي يستعمل السوط والدرة في إيقاع العقوبات على المخالفين، وكانت هذه العدد رادعة لمن تسول له نفسه الأمارة بالسوء في أن يغش، أو يدلس، أو يقوم بالإَضرار بالصالح العام. وكان يتخذ السوط وسطًا لا بالغليظ ولا بالرقيق، بل يكون وسطًا بينهما؛ حتى لا يترك أثرًا على الجسد. أما الدرة: فتكون من جلد البقر أو الجمل، محشوة بنوى التمر، بينما الطرطور يكون على شكل قلنسوة من اللباد منقوشة مكللة بالخرق الملونة، محاطة بألوان الخرز، والودع، والأجراس، وأذناب الثعالب، والسنانير. وكان المحتسب يستخدم هذا الطرطور بوضعه على رأس المخالف؛ للتشهير، فيكون رادعًا له عن العودة إلى نفس المخالفة مرة أخرى، وزاجرًا لغيره من الوقوع فيما وقع هو فيه. وهذه الأدوات كانت تعلق على دكة، وكان من أدوات المحتسب: سجل خاص يدون فيه قوائم بأسماء الصناع والتجار، وكان يضع علامة إزاء اسم كل منهم، وموقع محله؛ ليتمكن من الوصول إليه بسرعة عند الحاجة إلى ذلك، كما أنه كان للمحتسب دواب من الخيل، والبغال يتنقل عليها من مقره إلى مواقع الذين يريد أن يحتسب عليهم عندما يبلغه

стр. 107

ما يوجب ذلك، وكان له خاتم يختم به، وربما خرج وفي خاتمه الخيط المربوط يتذكر به الشيء، وكان يختم به على الكتب ويقول: الخاتم على الكتاب خير من التهمة. وممن يمكن اعتباره من الأدوات أيضًا: أنه كان له في بعض الجهات لا سيما في مصر دار تسمى: دار العيار، يوجد بها موازين وأثقال ومكاييل يعين على أساسها ما عند التجار في السوق، ويعاقب من خالف ذلك. وأما مُحتسب اليوم: فكثيرة أدواته، من وسائل مواصلات، واتصالات، وآلات مكتبية، وغير مكتبية، فهو يستطيع أن يسخر لعمله كثيرًا من التقنيات الصناعية المعاصرة، ولا زال يوجد لديه من عدد الماضي السوط، فأكثر المحتسبين يحمل هذا السوط عند جولاته وتفتيشه على المحلات التجارية، والحانات، والتنبيه بالصلاة، ونادرًا ما يستخدم هذا السوط، لكن حمله فيه هيبة له، وتخويف لأصحاب القلوب المريضة، والنفوس الضعيفة. ومن أدواته أيضًا مكبرات الصوت التي تركب على سيارات رجال الحسبة عند تنبيههم للصلاة. وخلاصة الكلام عن هذه العدد: القول بأنها ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسائل -كما قلنا- تعين المحتسب على أداء عمله، إلى جانب الأساليب الأخرى التي يسلكها؛ لتحقيق أهدافه في الإصلاح. ومن أساليب المُحتسب في تغيير المنكر: نقول: لا شك أن في تلك العدد التي مر ذكرها معنا تعتبر من الوسائل التي تساعد على أداء مهمة المحتسب، لكن إلى

стр. 108

جانبها نجد أن هناك أساليب لا تقل أهمية، بل قد تكون ضرورية إلى حد ما في ممارسة المهمة؛ أملًا في الوصول إلى أحسن النتائج لتحقيقه الأهداف العامة للحسبة. فالمحتسب قد يقوم بنفسه، أو بواسطة أعوانه بتغيير المنكر، أو إقامة المعروف بالقوة، وهذا ما يمكن أن نسميه: مرحلة التغيير باليد، حسب درجات تغيير المنكر الواردة في قوله ﷺ : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)). وفي مرحلة التغيير باليد يكون استعمال عدد سالفة الذكر غالبًا، لكن هل يكون تغيير كل منكر باليد دائمًا؟ الجواب: لا، وبدهي ذلك من مفهوم الحديث المتقدم، فلا زال هناك مرحلتان يمكن أن تمارس لتغيير المنكر، والحيلولة دون وقوعه، وهي تختلف بحسب ظروف المنكر. والبيان باللسان من أساليب تغيير المنكر. لكن كيف تتم ممارسة هذا الأسلوب بالنسبة للمحتسب؟ الجواب: إن هذه ممارسة تكون ببيان مخالفة هذا المنكر الذي يريد أن يرتكبه المخالف، أو قد وقع فيه للشريعة الإسلامية، وهذا البيان قد يكون مباشرة في مكان وقوع المخالفة، وقد يكون بعد وقوعه، فيحتاج حينئذ إلى التحذير من الوقوع فيه من قبل آخرين؛ لبيان حكمه في الإسلام، وقد يكون قبل وقوع المنكر؛ درءًا لوقوعه، وتحذيرًا من اقترافه. وهناك عد عدة وسائل لإبلاغه إلى أكبر عدد ممكن من الناس منها: المحاضرات، والخطب، والندوات، وإصدار الكتيبات والنشرات، وتسجيل ذلك على أشرطة كاسيت؛ لأنها -أي: النشرات والأشرطة- أكثر فاعلية؛ لسرعة انتشارها، وسهولة الاطلاع عليها ممن يستفاد منها.

стр. 109

فهذه هي صلاحيات المحتسب، وأساليب تغييره للمنكر. ولكن قد يبذل المحتسب ما في وسعه؛ لتحقيق الأهداف العامة للحسبة داخل مجتمعه على قدر طاقته وعلمه، لكنه أمام ظرف من الظروف قد يقف دون تحقيقها أو بعضها بعد أن يكون قد استنفذ كل درجات تغيير المنكر التي عرفناها. فهل نقول: إن مهمته قد انتهت، وأن ذمته قد برئت؟ والجواب: أنه لا زال في إمكان المحتسب أن يقوم بعمل ما، يواصل من خلاله إنجاز مهمته بشأن تغيير المنكر الذي عجز عنه، وذلك بإحالة الأمر إلى جهات قضائية أخرى، قد يكون لها من الوسائل والإمكانات ما يعين على تحقيق ذلك الهدف الذي عجز عن تحقيقه، فيقيم المحتسب دعوى تسمى في لغة الفقهاء والأصوليين: دعوى الحسبة، وهذا لا يعني إلغاء دور المحتسب القضائي، ولكنه دور مقصور على ما ليس من اختصاص ولاية القضاء، فهو لا ينظر إلا في الدعوى التي ليس فيها سماع بينة، ولا نفاذ حكم، ففي هذه قضايا ينظر المحتسب، ويبت دون أن يقيم دعوى حسبة، أما ما زاد عن ذلك ففيها تكون دعوى الحسبة. ولذا يقول ابن خلدون ﵀: "وليس له أيضًا الحكم في الدعاوى مطلقًا، بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها، وفي المكاييل والموازين، وله أيضًا حمل المماطلين على الإنصاف، وغير ذلك مما ليس فيه سماع بينة، ولا نفاذ حكم، وكأنها أحكام لا ينظر فيها القضاء لعمومها وسهولة أغراضها، فترفع إلى صاحب هذه الوظيفة -يعني: المحتسب-؛ ليقوم بها. وأما من يحق له رفع دعوى الحسبة، فهل هو المحتسب المكلف أم المتطوع؟ والجواب: كلاهما يحق له رفع الدعوى، وإن كان المكلف معنيًّا بها أكثر؛ بحكم سلطته، وصلته داخل الحكومة الإسلامية.

стр. 110

ودعوى الحسبة هي من مفاخر التشريع الإسلامي الصادر من لدن عليم حكيم، فالمسلم المكلف بالقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر تكفل له الشريعة متابعة القضية برفع دعوى ضد مرتكب المنكر إذا عجز عن تغييره بالوسائل التي تسبق ذلك من مراتب النهي عن المنكر، ويظل يتابع القضية حتى يصدر فيها حكم، بينما التشريعات الوضعية في النيابة العامة وغيرها لا تجيز لغير الجهة المعنية رفع دعوى من الأفراد. والشريعة الإسلامية تحفظ الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر عن أي ضغط خارجي يجبره على إقرار المنكر، وتحرم التعرض له، وتوقع العقوبات على الذين يتعرضون للذين يأمرون بالقسط من الناس. فإن قيل: في أي شيء تكون دعوى الحسبة؟ فالجواب: أن الحقوق في الإسلام التي ترفع الدعوى من أجلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: أولها: حق الله الخالص. وثانيها: حق العبد. وثالثها: حق مشترك بين حق الله الخالص، وحق العبد. والحسبة كما هو واقعها لها مساس مباشر بالنشاط الإنساني في مختلف صوره الظاهرة، فإذا ما انحرف الإنسان بنشاطه بحيث يمس حقًّا خالصًا أو غالبًا من حقوق الله كانت دعوى الحسبة، ووجد سبب قيامها، فعلى هذا يكون محل دعوى الحسبة، وهو أن يمس حق لله خالصًا أو غالبًا، أما فيما يتعلق بحق العبد: فمحله ليس هذه الدعوى، وإنما محله الدعوى الشخصية.

стр. 111

والفرق بين دعوى الحسبة، والدعوى الشخصية من وجوه: أولًا: الفرق بينهما من جهة الأطراف: الفرق في هذه الناحية دقيق؛ حيث أن كليهما يوجد فيهما مدعٍ، ومدعى عليه. ففي الدعوة الشخصية المدعي صاحب الحق نفسه، أو وكيله، والمدعى عليه هو المنكر الجاحد لذلك الحق، أما في دعوى الحسبة: فيمثل المدعي المحتسب؛ دفاعًا عن حق من حقوق الله، والمدعى عليه الذي فعل المنكر ووقع فيه. والفرق بينهما من حيث الحاجة إلى الخصومة في إثبات الجريمة: هو أن الدعوى الشخصية لا بد، بل شرط من شروط إقامتها إقامة الدعوى، والخصومة من قبل صاحب الحق هو الشخص المدعي؛ إذ بدون رفعه للدعوى والخصومة من قبل صاحب الحق هو الشخص المدعي، إذ بدون رفعه للدعوى ينهدم أحد أركان الدعوى. أما دعوى الحسبة: فلا تحتاج إلى خصومة كما هو الحال في الدعوى الشخصية، بل إن تقدم الشاهد في الدعوى الحسبية الذي هو المحتسب يعتبر كافيًا لإقامة الدعوى؛ فإن المحتسب يعتبر شاهدًا، وفي الوقت نفسه قائمًا مقام المدعي، إذًا الدعوى الحسبية لا يشترط أن يكون المدعي هو الشخص المعتدى عليه. أما الفرق بينهما من حيث طرق الإثبات: فطرق الإثبات هي الشهادة، والإقرار، والنكول عن اليمين، شاهد ويمين، قرائن. وهذه الطرق وردت عليها الأدلة من كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ وفعل الصحابة.

стр. 112

ففي الإقرار يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: ١٣٥). ومثال الإقرار: إقرار ماعز بالزنا، وكذلك المرأة الغامدية في عهد الرسول ﷺ ، وإقامته للحد عليهما. أما القضاء بالنكول وهو الامتناع عن اليمين: فالأصل فيه قول النبي ﷺ : ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)). أما الشاهد واليمين: فالأصل فيه قضاء النبي ﷺ بشاهد، ويمين في أحد أقضيته. وأما القرائن: فتختلف من قرينة إلى قرينة، فقد تكون قطعية، أو تكون ظنية، ومثال ذلك: إذا وجد رجل مقتول، وعلى رأسه رجل معه سكين ملطخة بالدم، فإن هذا يعتبر قرينة على أنه هو القاتل. وأما الشهادة: فالأصل فيها قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (البقرة: ٢٨٢). وهذه الطرق جميعًا تجري في الدعوى الشخصية باتفاق بين العلماء، لا سيما في الدعاوى المالية بصفة خاصة. أما دعوى الحسبة: فلا يقبل فيها من هذه الطرق إلا طريقان هما: الإقرار، أو البينة بشهادة اثنين، أو أربعة من الرجال، وهذا خاص فيما يتعلق بإقامة الحدود، كحد الزنا، أو السرقة وغيرهما مما هو من حقوق الله تعالى الخالصة، أو الغالبة. والفرق بينهما من حيث التقادم وأثره في سقوط الدعوى: أن التقادم معناه: مضي فترة من الزمن على وقوع ما يوجب الدعوى دون أن يتقدم أحد بخصومة أو شهادة، فأما بالنسبة للحق الشخصي: فاتفاقًا بين العلماء لا يؤثر عليه التقادم بحال،

стр. 113

أما ما يتعلق بالدعوى الحسبية: فالجمهور -وهم الحنابلة والشافعية والمالكية- يقولون: لا يؤثر على الدعوى؛ إذ لو قلنا بذلك لتعطلت الحدود، ولا يجوز ذلك. وأخيرًا الفرق بينهما من حيث العفو، وأثره على سقوط الدعوى والعقوبة: العفو: هو تنازل صاحب الحق عن حقه، وطلبه لرفع العقوبة، وإن كان الجاني يستحق العقوبة. وحق الله لا يسقط بالعفو إذا بلغ القاضي أو الحاكم، أما الحق الشخصي: فإنه يسقط بذلك. والنبي ﵊ يقول: ((تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني فقد وجب)). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 114

الدرس: ٧ المحتسب (٤) .

стр. 115

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (المحتسب (٤)) وسائل الإعلام وكيفية استغلالها في الاحتساب إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: جاء في الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها". وعليها نقول: الوسيلة التي تعين المحتسب في عمله، وتحقق أهداف احتسابه الأولى بها والأجدر أن يستغلها، ولا يتعلل بصارف يمنعه من استغلال أي وسيلة مهما كانت بسيطة. وسائل الإعلام -لا سيما المعاصرة منها- هي كما يقولون: سلاح ذو حدين، يمكن استخدامه في الخير، كما يمكن استخدامه في الشر، وما نريد الكلام عنه هو الحد الأول لهذا السيف، وهو جانب الخير؛ فوسائل الإعلام المختلفة من مقروءة وتمثلها: الصحف، والمجلات، والنشرات، والكُتب، ومرئية ويمثلها: التلفزيون، والفيديو، ومسموعة وتمثلها: الإذاعة عن طريق الراديو، والمسجل. هذه الأجهزة والوسائل هي آلة في يد مشغلها، يمكن -كما قلنا من قبل- أن يجعلها تنطق بخير، وهو ما نريده، ويريده كل مسلم، أو يسخرها للشر، وهو ما ينكره كل مسلم وعاقل، ومن غير المسلمين. ووسائل الإعلام وإن كان يغلب على بعضها الاستخدام في الشر، فإنها من أجل ذلك تحتاج إلى الاحتساب عليها أولًا قبل أن تسخر لتكون وسيلة تدعم عمل المحتسب.

стр. 116

والاحتساب ليس على الأجهزة والآلات وسائر الوسائل، ولكن الاحتساب على من يشغل، ويستخدم هذه الأجهزة والوسائل. فإن الواقع الذي عليه الإعلام اليوم في كثير من البلاد الإسلامية سلبي في كثير من جوانبه تجاه الأمة، وتوجيه النشء فيها؛ مما حدا بالمؤتمر الإسلامي العالمي الذي عقد في المدينة النبوية في عام ألف وثلاثمائة وسبعة وتسعين أن يندد بهذا الوضع القائم للإعلام، حيث كان ضمن توصيات المؤتمر: إن المؤتمر يندد بالهوة السحيقة التي تردى إليها إعلامنا، ولا يزال يتردى، فبدلًا من أن يكون الإعلام في بلدنا منبر دعوة إلى الخير، ومنار إشعاع للحق، صار صوت إفساد، وسوط عذاب عن علم من القائمين به أو عليه، أو عن جهل منهم، وسكت القادة فأقروا بسكوتهم أو أجازوا ذلك؛ فشجعوا، وخفت صوت الدعوة وسط ضجيج الإعلام الفاسد، وزلزل الناس في إيمانهم، وأخلاقهم، وقيمهم، ومثلهم. ولم يعد الأمر يحتمل السكوت؛ ولذا كان على أولي الأمر الواجب الأكبر، ولهم الكلمة الأخيرة، وحسبنا الله، ولهذا نقول -والحال للإعلام ما تقدم-: إن من أهم وأولى طرق الاحتساب على الإعلام، هو محاولة وضع موطئ قدم فيه لأهل الاحتساب، ونقصد بأهل الاحتساب هنا: المتطوعين؛ فإن وجود أهل الخير في الإعلام بداية للتصحيح والصيانة؛ لاستغلال هذه الوسيلة لبث الخير، بدعوة الناس إلى دين الله، وتعليمهم، وإبلاغهم تعاليم ربهم، وسنة نبيهم، وكفى بهذه المهمة شرفًا ورفعة، وكفى بها وسيلة ناجحة في الاحتساب على وسائل الإعلام المختلفة. فإذا تم الاحتساب عليها هي أولًا؛ أمكن بعد ذلك تسخيرها لتكون وسيلة فعالة من الوسائل التي تسند عمل المحتسب.

стр. 117

وسائل الإعلام قديمًا وحديثًا: نعرف أن الإعلام كما كان يستخدم، ولا يزال في الشر والدعوة إلى الباطل، ومنذ حقب التاريخ التي مضت، فإنه يمكن كما أمكن من قبل استغلاله لنصر الحق، ونشر الخير. وباستعراض بسيط لوسائل الإعلام في الماضي والحاضر ندرك مدى أهمية الإعلام كوسائل فعالة للتبليغ، أو للدفع، والمنافحة. وباختصار، فإن المتتبع للإعلام في الماضي -لا سيما فيما قبل الإسلام، وإلى ما قبل النهضة الصناعية المعاصرة- كانت وسائله تنحصر في الرحلات التجارية، ونقل الأخبار إلى مكان آخر، وكذا في الشعر، وهو أهم الوسائل الإعلامية في الماضي، ثم تأتي بعده خطابه، فالشاعر في الماضي كان يعتبر لسان القبيلة، وهو كالصحافة بالنسبة للأحزاب والحكومات اليوم، فما يكاد الشاعر ينطق بالبيت حتى تسير به الركبان، ويسري ويشيع في أنحاء الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، لا سيما إذا كان مدحًا أو هجاء، أو غزلًا أو رثاء أو وصفًا لنصر أو هزيمة، فهو يسير بسرعة تفوق توقعات الشاعر نفسه. ولما كان الشعر بهذه الفاعلية والقبول، فقد استخدم لمنافحة ومضادة دعوة الرسول ﷺ لا سيما في بدايتها، فكان الرد منه ﷺ ومن صحابته بالوسيلة نفسها. وقد استغل الرسول ﷺ هذه الوسيلة أحسن استغلال، بل لقد كان له ﵊ شعراء سخروا شعرهم لنشر الدعوة، ومدافعة أعدائها، منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وغيرهم.

стр. 118

ونماذج شعرهم كثيرة، وهي محفوظة في دواوينهم، وكان شعر حسان على الكفار أشد وقعًا من السهام والنبال، وضرب السيوف، حتى لقب حسان: بشاعر الرسول. كما كان ﷺ يعين لحسان ولغيره المصدر والمرجع إذا التبس نسب، أو يوم من أيام العرب، وما عليهم إذا أشكل عليهم ذلك، إلا أن يسألوا أبا بكر الصديق ﵁ فقد كان نسابة العرب في عصره. وكم كان الرسول ﷺ يعد حسانًا لمنازلة أعدائه، مما جعل قريحته الشعرية تجود بأحسن ما يكون من الهجاء لأعداء الله ورسوله. روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((اهج قريشًا؛ فإنه أشد عليها من رشق النبل، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم. فهجاهم، فلم يرض. فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه ويقول: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم. فقال رسول الله ﷺ : لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا حتى يلخص لك نسبي، فأتاه حسان -أي: أتى أبا بكر- ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله)). وقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هجاهم حسان فشفا واستشفى)). ولقوة هذه الوسيلة -أي: الشعر- وفعاليتها، لم يكن الرسول ﷺ يكتفي بالرد عليهم بالوسيلة نفسها، بل كان يتعدى ذلك إلى إهدار دم بعض حاملي هذه الوسيلة من أعداء الإسلام، ممن اشتد أذاهم على الرسول ﷺ ودعوته.

стр. 119

وهكذا كان رجال الدعوة الإسلامية يستخدمون وسائل الإعلام المتاحة لنشرها، ومنافحة أعدائها، وتأسيًا بهم وسيرًا على طريقتهم، لا بد لرجال الدعوة والحسبة اليوم أن يستخدموا وسائل الإعلام المعاصرة التي هي بلا شك أقوى تأثيرًا، وأبلغ إقناعًا وأكثر اشتهارًا، وأشد استقطابًا للنفوس والعقول من تلك التي كانت في الماضي؛ ولأن وسائل الإعلام المعاصرة لا يمكن للمسلمين أن يسكتوها أو يمنعوها من نشر سمومها التي تبث صباح مساء عبر موجات الأثير؛ لذا كان عليهم ألا يورثوا أنفسهم الوهن والكسل والاستسلام، بل عليهم أن يستغلوا ما بأيديهم من وسائل مشابهة، وينافحوا بها كما نافح الرسول ﷺ أعداء دعوته بنفس وسائلهم. ويوم أن نستطيع استغلال وسائل الإعلام المعاصرة بكل ذكاء وفطنة وتعقل؛ فإننا نستطيع -بإذن الله أن نصل من خلالها إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول: هو محاولة الذب عن الإسلام ضد التيارات والأباطيل التي تحاك ضده، وتلصق به، ثم العمل بعد ذلك وأثناءه على نقل صورته المشرقة للعالم خارج حدود دار الإسلام؛ لننقذ الناس من الضلال والكفر، وندخلهم في دائرة الإيمان، ونور الهداية. والهدف الثاني: هو مساندة عمل المحتسب بتربية الناس على الفضيلة، وتشويقها لهم، وإبعادهم عن الرذيلة، وتقبيحها في أعينهم، والاستمرار في تعليمهم أمور دينهم عن طريق ما تبث هذه الأجهزة التي تصل إلى كل إنسان وفي أي مكان، وهذه والله نعمة قد وجدت لنا، يجب أن نحسن استغلالها في الخير، وتعليمه للناس كما مهر غيرنا في تسخيرها للشر من الكفرة والمنافقين، وأضرابهم.

стр. 120

وإذا لم يكن لنا السبق والاستحواذ على استخدامها فيما ينفع الناس في دينهم وآخرتهم، فإنها تكون طامة كبرى، وتكون خسارة ماحقة بعدم استخدامنا لهذه الوسائل الفعالة جدًّا، أما إذا تم استغلالنا لهذه الأجهزة والوسائل فيما يخدم رسالة المحتسب في المجتمع، فإننا سنصل -بإذن الله تعالى- إلى تحقيق أهداف وغايات يسعى المحتسب دائما إلى تحقيقها، ولعل من أظهرها: أولًا: بذل الجهد في الحفاظ على جوهر العقيدة الإسلامية بدفع كل شوائب الشرك، وضلال البدع، وإبطال الشبه التي تحاك ضد العقيدة، وتوضيح ذلك للمسلمين. ثانيًا: الحفاظ على الشريعة الإسلامية، تطبيقًا، وسلوكًا، اتباعًا للأوامر، واجتنابًا للنواهي، وتربية النشء على ذلك. ثالثًا: إشاعة الحلال، وتحبيب الناس فيه، وإظهار بشاعة الحرام، وبيان آثاره السيئة على المجتمع حتى يسري بغضه في نفوس الناس. رابعًا: الحث على الأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام، والتي يجب أن يتحلى بها المسلمون أفرادًا وجماعات مثل: الحب في الله، والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والأمانة، والإخلاص، والصدق، والوفاء، والصلة، وإظهار محاسن الإسلام ونشرها لمن لم تبلغه من غير المسلمين. خامسًا: تنمية روح الاحتساب لدى عامة المسلمين فقهًا وتطبيقًا حتى يتجدد جهاز الصيانة داخل المجتمع المسلم الذي يعمل على التذكير بأوامر الله، واجتناب نواهيه، ويتحرك لتغيير المنكر، وإظهار المعروف. سادسًا: إحياء التراث الإسلامي، وبث البرامج العملية التي تستعيد نبوغ المسلمين في العلوم التجريبية؛ لتلحقهم بركب الحضارة المعاصرة؛ حتى يتمكنوا من الإسهام بما حث عليه دينهم من العلم والمعرفة.

стр. 121

سابعًا: توضيح وبيان ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم، ومنه: إظهار قيمة الوقت الذي أدرج قيمته الإسلام، وأنه يجب استغلاله في النافع والمفيد، وعدم هدره فيما لا فائدة فيه من لهو، وضلال، وضياع. وبتحقيق هذه الأهداف والغايات وغيرها مما يخدم الإسلام والمسلمين نكون قد سخرنا فعلًا كل وسائل الإعلام في مساندة عمل المحتسب، وهذا تطور لوسائل الحسبة لا ينبغي إهماله، وعدم الاستفادة منه، فهي -أي: وسائل الإعلام- سهلة وميسورة إذا قويت الهمم، وصحت النيات، والله المستعان. دور المؤسسات التعليمية في الاحتساب العلم نور يقذفه الله تعالى في قلب العبد؛ فيستنير وينير، والعلم عليه مدار سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، ولقد امتن الله تعالى على الإنسان بالتعليم، والوسائل التي يحصل بها العلم، فقال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨). جاء في تفسير ابن كثير ﵀: أن من كرم الله تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فكرمه وشرفه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم ﵇ على الملائكة، فبالعلم يعرف الإنسان ربه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩). وبالعلم أرسل الله الرسل، فلا سبيل للاهتداء إليه، وتعليم الناس دين الله إلا بالعلم؛ ولذا كان من حكمة الخالق ألا يرسل الرسول إلا بلغة المرسل إليهم؛

стр. 122

لأن ذلك أدعى إلى الفهم والتقبل، قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم: ٤). ولذا كانت رسالة الإسلام الخالدة تفتتح بمفتاح العلم، وهو القراءة إذ كانت أول الآيات التي نزلت على الرسول ﷺ قول الله ﵎: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:١: ٥). وعلى هذا فقد جاء في تفسير (أضواء البيان) للشنقيطي -رحمة الله عليه- نقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن هذه السورة وأمثالها من السور فيها العجائب، وذلك لما جاء فيها من التأسيس لافتتاحية تلك الرسالة العظيمة، ولا نستطيع إيفاءها حقها عجزًا وقصورًا". وأنا أقول ذلك، فإن المتكلم عن العلم وفضله يحتاج إلى مجلدات، ولكن وبحمد الله فقد حظي ذلك باهتمام علماء الأمة سلفًا وخلفًا، وألفت مئات الكتب، بل ألوفها في العلم وفضله، ومنزلته ومكانته في الإسلام، وكيف اهتم الإسلام به؛ إذ عليه مدار نشر الرسالة وبقاؤها، وصفاؤها من كل شائبة، والعلماء -بلا شك- هم الذين يقومون بدور الأنبياء في إبلاغ العلم إلى الناس بعد قبض الأنبياء؛ فقد قال البخاري ﵀ تحت باب العلم قبل القول والعمل: "وإن العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، بل ورفع الله منزلة العلماء الذين ينشرون الرسالة بالعلم، فقال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩). وقال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨).

стр. 123

فإذا عرفنا هذا عن فضل العلم وأهميته ومكانته، ومنزلة أهله، وأن الإسلام أولى العلم من الأهمية والمكانة ما لم تفعله كل الرسالات السابقة، فالسؤال الآن: لماذا كان هذا الاهتمام بالعلم في الإسلام؟. والجوابُ ببساطة -وقد تقدم طرف من ذلك-: لأن العلم هو الأساس في معرفة الله وذلك عن طريق التفكر في مخلوقاته ، وآياته الكونية، والتنزيلية، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:١٩٠، ١٩١). وهذا التفكر والتدبر لا يكون إلا بعد تحصيل العلم، والاستنارة بنوره، فإذا حصل المسلم العلم، ثم سخره للتدبر والتفكر في آلاء الله، وحكمة صنعه، قاده ذلك إلى معرفة ربه، والإيمان به إيمانًا ينير له الطريق في هذه الحياة، ويجعله يعيش في سعادة وطمأنينة، وينشد به تقوى الله؛ مما يوفر ويضمن له حسن الثواب في الآخرة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨). ثم بين جزاءهم في الآخرة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة:٧، ٨)، وهم العلماء. وهذا أول أهداف العلم في الإسلام: أن يعرف المسلم ربه وخالقه؛ فإن المسلم إذا عرف ربه حق المعرفة، وتيقن واطمأن قلبه بذلك حقق، وطبق كل ما تستلزمه العبودية الواردة في قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).

стр. 124

وثاني الأهداف للعلم في الإسلام: هو الإلمام بمقاصد الشريعة الإسلامية التي بنيت على مصالح العباد الضروري منها وغيره، وكل علم يحقق مصلحة من مصالح العباد، ويصيب مقصدًا من مقاصد الشريعة الإسلامية هو علم يثاب صاحبه، وطلبه عندئذ عمل شرعي، حتى ولو كان العلم المطلوب تحصيله غير العلوم الشرعية، كالطب، والصناعة، والهندسة بأنواعها، بل وكل علم تصب ثمرته في مصلحة الأمة، ولا يعارض أصلًا من أصول الشريعة؛ لأن العلوم التي تعارض أصلًا من أصول الشريعة لا حاجة لنا بها، ولو كان في ظاهرها منفعة. حقيقة هذه العلوم ليست كذلك؛ ولذلك يقول الإمام الشاطبي ﵀: "كل علم لا يفيد عملًا فليس من الشرع ما يدل على استحسانه، ولو كان له غاية أخرى شرعية؛ لكان مستحسنًا شرعًا"، ومثال ذلك كعلوم الفلسفة النظرية البحتة وغيرها من بعض ما أفرزته لنا الحضارة المعاصرة، كالعلوم التي تعلم هدم الأخلاق، وإفساد القيم، وما إليها. إذًا فهذان هدفان أصيلان يقوم على أساسهما طلب العلم في الإسلام، وهذا كله -كما قدمنا- عن العلم وأهميته وأهدافه في الإسلام، وفرضية طلبه، وتحصيله على كل من قال: لا إله إلا الله، وطلبه على درجات: فمنه الضروري، وهو الذي لا يعذر مسلم في تركه، كتعلم أحكام العبادات الواجبة عليه، وما لا تستقيم معيشته وحياته إلا به، وهو المقصود بقول النبي ﷺ : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)). ومنه ما هو كفائي بمعنى: أنه إذا تعلمه بعض أفراد الأمة أجزأ عن الباقين، بشرط ألا يترك من الجميع فيأثموا جميعًا، كما هو مفصل ومثبت في كتب الفقه. ومن العلم ما هو طلبه استحساني كمالي، إن تعلمه زادت معرفته وثقافته، وإن تركه لا يلام ولا يترتب عليه هدم لمصلحة الأمة.

стр. 125

وسؤال أطرحه قبل أن أدخل إلى صلب مادة هذا العنصر وهو: ما دور العلم في صياغة شخصية المُتعلم؟ ومن الإجابة على هذا السؤال ننطلق إلى ما نريد أن نقرره من ضرورة الاستفادة من المؤسسات التعليمية في مساندة عمل المحتسب داخل المجتمع. وبداية أقول: لا بد أن نعرف أن التعليم -لا سيما في الصغر- يعتبر صياغة وتشكيل تشكل على أساسها ذهنية المتعلم، وهذا أمر من البداهة بمكان، لا نحتاج معه إلى شرح ودليل كلامي، هذا من واقع الناس اليوم، فما هؤلاء الذين تعلموا الباطل من زندقة، وانحراف، وضلال، وكفر، وإلحاد، ثم أصبحوا يدعون إليهن ويجادلون من أجله، ولم يعملوا عقولهم قبل عواطفهم وميولهم. ما هؤلاء إلا مواد مصنعة متحركة، شكلت على ما تدعو إليه، وتدافع عنه من الباطل، وكان ذلك بالتعليم الذي غرس في أذهان أصحابها في الصغر، فأصبح بمثابة العقيدة التي يعادون عليها، ويوالون. وهنا في الحقيقة تكمن خطورة التعليم، فعملية التعليم لا سيما في الصغر عملية حساسة وفعالة في الوقت نفسه، ودليلنا على أن عملية التعليم خطيرة إلى حد تغيير فطرة الإنسان: قول النبي ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، قال ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)). أي: أنّ تعليمهما له بما هما عليه من الكفر والضلال كان سببًا في أن تشكلت عقليته وعقيدته على ما يريدان.

стр. 126

ومن هنا، ندرك أهمية العملية التعليمية، وأنه يجب أن نستغلها فيما نهدف إليه من غرس لفقه الاحتساب، وتحبيب ذلك، وبيان فرضيته في نفوس النشء من أبناء المسلمين، فكيف يتم ذلك؟. نقول: ما تقدم كله عن العلم وفضله ومكانته، وأهداف تعلمه في الإسلام، وبيان أهمية الاستفادة من نظام التعليم في غرس فقه الاحتساب في أذهان المتعلمين من أبناء الإسلام؛ ليكونوا بعد ذلك على إدراك تام بواجبهم تجاه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر داخل مجتمعاتهم، وهذه غاية عظيمة، ويمكن تحقيقها -إن شاء الله تعالى- من خلال التطبيق الكامل في داخل المؤسسات التعليمية بالدول الإسلامية للأفكار التالية: أولًا: إعادة النظر في المناهج الموجودة اليوم، وهل هي مؤصلة ومؤسسة على أساس أهداف الإسلام، ومبادئه؟ واستكمال نقصها في ذلك، وصياغتها على أساسه، كما أن إعادة النظر فيها يوجب تهذيبها، وتخليتها عن كل ما ينافي الإسلام، ويتعارض مع تعاليمه السمحة. وفي ذلك يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: بأنه لا بد أن يصاغ النظام التعليمي في البلاد الإسلامية صوغًا جديدًا يلائم عقيدة الأمة المسلمة، ومقومات حياتها، وأهدافها، وحاجاتها، ويخرج من جميع مواده روح المادية، والتمرد على الله، والثورة على القيم الخلقية والروحية، وعبادة الجسم والمادة، ويبرز فيه روح التقوى والإنابة إلى الله، وتقدير الآخرة، والعمل لها، والعطف على الإنسانية كلها، وأن تنكر التبعية للغرب وسيادته، وأن تجعل علومه ونظرياته موضع الفحص والدراسة، بحيث يؤخذ منها ما يوافق تعاليم ديننا، وينبذ ما يعارضه. فإذا تم هذا من قبل القائمين على نظام التعليم في بلادنا الإسلامية صار الأمر عندئذ مهيئًًا لما بعده من نقاط الإصلاح والتقييم.

стр. 127

ثانيًا: التوسع فيما يتعلق بمنهج المواد الدينية بحيث تعطى للطلاب جرعات أكبر من فقه دينهم، وفي مختلف التخصصات الدينية، وفي كافة المراحل الدراسية؛ حتى إذا ما خرج الطالب المسلم بشهادة عالية يحسب على المسلم بها تكون ثقافته الدينية على مستوى الشهادة، والمدة التي قضاها في التعلم، وحتى تكون ثمرة علمه سببًا لفلاحه ونجاحه في الدنيا والآخرة. ثالثًا: جعل مواد الدين موادًّا أساسية لا اختيارية، والتركيز عليها، والمبالغة في غرس أهميتها في نفوس النشء المسلم. رابعًا: ربط المواد الأخرى غير الدينية، كالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وغيرها بتعاليم الإسلام ومبادئه، من خلال ربط الأسباب بالمسبب، وضرب الأمثلة بما يدعو إلى الإسلام، وليكن ذلك حتى في الأمثلة والتمارين الرياضية، كأن يضرب المدرس مثالًا فيقول: رجل يملك ألف ريال وأراد أن يخرج زكاته فكم تكون الزكاة إذا كانت الزكاة بما يعادل اثنين ونصف في المائة؟ وهكذا، ليربط أبناء المسلمين بدينهم، ويعرفهم بتعاليمه حتى من هذا الطريق. خامسًا: اختيار المدرس على أساس تأهيله من حيث التقوى، وثقافته وغيرته على مصلحة أمته، وتقييمه فيما بعد أي: بعد التعيين على أساس ذلك. أما من يختارون لتدريس المواد الدينية: فلا بد -زيادة على ذلك- أن يكونوا من ذوي الخبرات والقدرات، والتحصيل الجيد فيما هو مطلوب منهم، وأن يكون الواحد منهم قدوة، ونموذجًا طيبًا يمثل ما يقوم بالتعليم في أخلاقه وسلوكه، وكل شئونه، وأحسن وأكمل تمثيل ممكن. سادسًا: الاستمرار والتوسع في تعليم الطلاب الحلال، وتحبيبه إلى نفوسهم، وبيان محاسن الأخذ به في الدنيا، وثواب ذلك في الآخرة، ومقاومة الانحراف

стр. 128

والمنكرات ببيان أضرارها وعقوباتها في الدنيا، ومصير الذي يقارفها، ويداوم عليها في الآخرة، وأول ذلك النار، نعوذ بالله منها. وبعدما تقدم نصل إلى نقطة هامة هي نص في موضوعنا، وهو بذل ما في الوسع للتركيز على غرس فقه الاحتساب، من خلال إبراز الأصول الشرعية لذلك، من الكتاب والسنة بالشرح والتوضيح، مع الاستنارة في ذلك باستعراض نماذج من سيرة سلفنا الصالح، لا سيما في المواقف التي قدموا فيها صورًا احتسابية. كذلك يقوم المعلم بمحاولة تطبيق ذلك عمليًّا كلما سنحت له الفرصة، وحصل له موقف يوجب الاحتساب في الوسط المدرسي، والأماكن المحيطة؛ حتى يراه الطلاب؛ فإن ذلك أدعى للفهم، والتأسي، والتطبيق. فإذا تحقق اتباع هذه الخطوات نكون -بإذن الله- قد ضمنا سندًا قويًّا جدًّا داخل المجتمع، وتصبح عملية الاحتساب عملية سهلة؛ لأنّ المحتسبين يكثرون يومًا بعد يوم بخروج هؤلاء الطلاب الذين تسلحوا بفقه الحسبة، وبذلك يكون الخير والفلاح، والأمن والرضا من الله . المسجد ودوره في الاحتساب المسجد -كما هو معلوم- هو الشمعة المضيئة إضاءة يهتدي بها كل فرد داخل البناء الإسلامي في توجهه، وسيره إلى معبوده وخالقه ففيه يتم اتصال المسلم بربه، من خلال ركوعه وسجوده، وفيه يتلى القرآن، ويعلم، ومنه تخرج علماء الإسلام، بداية بصحابة الرسول ﷺ . ورغم ظهور المؤسسات الرسمية من تعليمية وغيرها، فإنها لم تسلب المسجد رسالته وأهميته التعليمية، والتربوية، وسيظل للمسجد أثره وفاعليته الروحية في تكوين عقيدة المسلم، وبناء الشخصية الإسلامية.

стр. 129

وبهذا كان المسجد، وما يزال هو المؤسسة التربوية التي تقوم بإعداد المسلم الإعداد المتكامل الذي يساعده على التكيف مع رسالته في الحياة، ومتطلباتها وفق استعداداته وقدراته دون تقيد بسن معينة. وبذلك حقق المسجد ويحقق أبعادًا تربوية، منها: البعد النفسي، هو التعلم وفق القدرات والاستعدادات، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، والبعد الاجتماعي، وهو إعداد الفرد للمشاركة، وبذل الجهد في الحياة العامة، والبعد التكاملي أي: التكامل في الإعداد حيث أن الإسلام ينظر إلى الفرد على أنه وحدة متكاملة من كل الجوانب السابقة الجسمية منها، والعقلية، والروحية. وفي المسجد يتم البناء التربوي متكامل، وعلى هذا فلا سبيل إلى النهوض بالمسلمين فيما يتعلق بدينهم، وتراثهم، وبعث روح الإسلام الفاعلة في نفوسهم إلا برجعة واعية وحثيثة إلى رسالة المسجد، ولا تعني هذه العودة إلغاء كل ما وجد في حياتنا من تطورات مادية، وتوزيع لبعض الوظائف التي كانت للمسجد، فنغلق المدارس والأندية وسائر مراكز النشاط الاجتماعي والثقافي لا، لا نقول ذلك، ولكن ما نريده هو أن تتضافر جهود المخلصين؛ لننقل إلى كل هذه الجهات التي أخذت من وظائف المسجد ننقل إليها روح المسجد؛ فتصبح هي بدورها امتدادًا فاعلًا لرسالة المسجد في حياة المجتمع. إنّ الله ﵎ رفع من شأن المساجد، ومن شأن أهلها، فقال الله ﵎: ﴿فِي بُيُوتٍ إذًا اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: ٣٦، ٣٧)،

стр. 130

ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: ١٨). فالوظيفة الأساسية للمسجد: هي الاجتماع فيها لأداء الصلوات، وهي بالإضافة إلى ذلك أمكنة لتلقي العلم، واجتماع العلماء، ففي الحديث عن النبي ﷺ قال: ((لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)). وبهذا كان المسجد أول المؤسسات التعليمية، فلم يكن عجبًا إذًا أن ارتبط التعليم بالمسجد لزمن طويل، ففي كل مسجد يقام كانت تقوم بداخله مدرسة، أو حلقة، أو حلقات فكرية وعلمية، تعلم القرآن وغيره، ولم يكن التعليم في المساجد يقتصر على تعلم الأمور الشرعية فقط، بل كان يضم إلى ذلك علومًا أخرى، كما يقول السيوطي: بأن دروسًا مختلفة رتبت في الجامع الطولوني في مصر شملت التفسير، والحديث، والفقه، والقراءات، والطب، وغيرها. كما أن من وظائف المسجد: الخلوة مع الله بالاعتكاف، والتفرغ لذكره، وعبادته. وقد أشار إلى ذلك ربنا في قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: ١٨٧). وفي المساجد كان يتم التقاضي، ومن ذلك: قضاء رسول الله ﷺ في المسجد على رجل اعترف بالزنا، فحكم عليه بإقامة حد الزنا عليه. وروى البخاري في صحيحه: ((أن كعب بن مالك قاضى رجلًا دينًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما فنادى رسول الله ﷺ : يا كعب، ضع عنك دينك هذا. قال: لقد فعلت ذلك يا رسول الله)).

стр. 131

وفي المسجد كانت تتم مداواة الجرحى وعياداتهم، وكان المسلمون يتشاورون، ويتبادلون الرأي في المساجد، وفي المساجد كانت توزع الأموال من زكوات وغيرها، وفي أكثر بلاد المسلمين كانت تتم في المساجد -وإلى وقت قريب- عقود الأنكحة وإعلانها، وفيها كان يتم استقبال الضيوف. ومن وظائف المسجد الكبرى: أنه المكان الذي يجتمع فيه المسلمون اجتماعات تسودها المحبة، والصفاء، والوئام، مجتمع يحث الجميع فيه بأخوة الإسلام، ووحدة الهدف والمصير. وإذا كان هذا هو دور المسجد، فإنه أيضًا كما أكدنا على ضرورة استغلال، وتسخير الوسائل الإعلامية المختلفة، والتعليم؛ ليكونا وسيلتين فاعلتين تساعد عمل المحتسب داخل المجتمع، فإن المسجد لا يقل أهمية في ذلك، بل هو أقرب وأسهل وأشمل في هذه المساندة لعمل المحتسب. ويُمكننا أن نلخص دور المسجد في مساندة عمل المحتسب في النقاط التالية: أولًا: قيام المُحتسب بنفسه، أو بالتعاون مع العلماء والمشايخ بإلقاء دروس ومواعظ في مسجد الحي الذي يعمل فيه المحتسب، يعلم الناس فيها تعاليم الإسلام، ومبادئه، وينير لهم الطريق بعدم الوقوع فيما يخالف تلك التعاليم والمبادئ؛ حتى إذا ما احتسب على أمر يخالف شيئًا منها كان المخالف على سابق علم بما وقع فيه. ثانيًا: استغلال خطبة الجمعة في طرح القضايا التي يرى المحتسب ضرورة الاحتساب على الناس فيها. ثالثًا: إضافة إلى ما تقدم، يتحين المحتسب الفرص لعقد ندوات بين كل فترة وأخرى، وليكن موضوعها: القضايا التي تهم أهل تلك الجهة، ولا تكفي خطبة الجمعة لمناقشتها، بحيث يتولى المنتدون مناقشة القضية من كل جوانبها.

стр. 132

رابعًا: استغلال تواجد المسلمين في المساجد، وتزويدهم ببعض النشرات، والرسائل العلمية القصيرة والمفيدة، والتي يعدها العلماء والمختصون في موضوعات إسلامية محددة، يتم بواسطتها توعيتهم وتعليمهم، وهذا نوع من الاحتساب في تعليم الناس الخير. خامسًا: الاستعانة بالطيبين من جامعة المسجد في بذل النصح للمقصرين، والمتهاونين في واجباتهم الدينية، لا سيما فيما يتعلق بالصلاة، وتخلف البعض عن أدائها في المساجد، فإن ذلك من أكبر المنكرات. سادسًا: الاستفادة من تواجد الناس في المساجد؛ للتنويه عن بعض المُخالفات التي يقع فيها بعض الشواذ من الناس، بشرط ألا يجرح أحد، ولا يعلن اسم، بل بما جرت عليه السنة، كما كان ﵊ يقول: ((ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا، أو قالوا كذا وكذا))، فبهذه الخطوات وغيرها مما لم نذكر، يمكن أن يؤدي المسجد الدور الرائد في مساندة عمل المحتسب في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. الحركات الإسلامية المعاصرة ودورها في الاحتساب إن أمة الإسلام مكلفة بتبليغ الحق الذي جاء من عند الله، وإرشاد البشرية بذلك إلى ما يسعدهم، ويجلب لهم الفلاح في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال جعلهم من أنفسهم، وهم يقومون بهذا التكليف نموذجًا تُحتذى أفعاله، وتسمع أقواله. ومن أجل ذلك، فلم تنقطع مسيرة الدعوة إلى الله، ومحاولة إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، ومن عبودية العباد إلى عبادة رب العباد، هذا من جهة، ومن جهة ثانية بترسيخ مفاهيم الإسلام بين أتباعه الذين يدينون به.

стр. 133

ورغم استمرار الدعوة الإسلامية على مر العصور الإسلامية الماضية إلا أنها، وباعتبارها جهودًا بشرية محدودة تتعرض من حين لآخر للقوة والضعف؛ ولهذا فإن عناية الله بهذه الأمة تتجلى في فترة الضعف بالذات؛ حيث يقيض الله للمسلمين من يقوم منهم ليعيد للدين نضارته، وينتشل المسلمين من كبوتهم، ويزيل الغبش الذي قد يكون علق بأذهانهم، وفكرهم، فلبس عليهم دينهم. وتأتي عناية الله -كما نوهنا من قبل- فتقيض للأمة من داخل نفسها، ومن أبنائها البررة من يحاول إعادة الأمة إلى جادة الصواب. والأمة اليوم تعج الساحة الإسلامية بحركات إسلامية، لا شك في أنها مثلت مظهرًا من مظاهر الرجعة إلى الدين، والتي أعادت -وبحق- جريان الإسلام في عروق وقلوب الأمة بعد أن تكالبت كل الشرور من الأعداء؛ لوقف الدين، ودفن ينابيعه. لكننا نريد أن نؤكد على أن الإسلام هو دين الوحدة شعاره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، وشعاره: التواثق، والترابط، والبروز صفًّا واحدًا، كما قال النبي ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)). وقد كثرت النصوص في الأمر بالاجتماع، والنهي عن التفرق، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، إلى أن قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٠٥)، وقال تعالى في ذم الخلاف والفرقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٩).

стр. 134

وقد كثرت كتابات العلماء المخلصين في الحث على الاجتماع، والنهي عن التفرقة، ودعوة كل الأحزاب الإسلامية، والجماعات الإسلامية إلى الاجتماع على كتاب الله، وسنة رسول الله بفهم أصحاب رسول الله ﷺ . ومن أبرز هذه الكتابات: ما قاله الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في كتاب (حلية طالب العلم)، فإنه يقول محذرًا من التحزب: "إن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي يعدها السلف من أعظم العوائق عن طلب العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم وهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسبب الغواشي، فاحذر -رحمك الله- أحزابًا وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب، تجمع ماء كدرًا، وتفرقه هدر ً ا، إلا ما رحم ربك". ويقول الشيخ سعد الحصين: "وكيف تتجمع الصفوف، ويتحد المسلمون بواسطة جماعات، وطوائف، وأحزاب متفرقة، يحاول كل طرف فيها أن يثبت أنه على الحق، وغيره على الباطل، يؤيد حزبه، ويعارض الأحزاب الأخرى، ثم يضيف متسائلًا مرة أخرى: أم كيف تتجمع الصفوف، ويتحد المسلمون على عقائد مختلفة، وعلى مناهج مبتدعة، وعلى عبادات لم يكن عليها أمر محمد ﷺ وصحبه -رضوان الله عليهم أجمعين-؟! ولقد أفتت اللجنة الدائمة بالرياض: بأنه لا يجوز التفرق، وأن على المسلمين أن يجتمعوا على كتاب الله، وسنة رسول الله. ففي الفتوى رقم ١٦٧٤ بتاريخ ٧/ ١٠/ ١٣٩٧، قالت اللجنة: لا يجوز أن يتفرق المسلمون في دينهم شيعًا وأحزابًا، يلعن بعضهم بعضًا، ويضرب بعضهم رقاب بعض، فإن هذا التفرق

стр. 135

مما نهي عنه ونعي على من أحدثه أو تابع أهله، وتوعد فاعلوه بالعذاب العظيم. وقد برئ رسول الله ﷺ منه، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ١٥٩)، وثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض))، والآيات والأحاديث في ذم التفرق كثيرة. وعليه، فإنها دعوة مخلصة نوجهها إلى جميع العاملين في الحركات الإسلامية، والجماعات الإسلامية ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤)، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، اجتمعوا على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله بفهم أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم الذين تلقوا القرآن والسنة من في رسول الله ﷺ غضين طريين، وقد قال ﵊: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا بعدي كتاب الله، وسنتي)). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 136

الدرس: ٨ المحتسب فيه (١) .

стр. 137

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (المحتسَب فيه (١)) تعريف المحتسب فيه إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: "المحتسب فيه: هو كل منكر موجود في الحال، ظاهر للمحتسب بغير تجسس، معلوم كونه منكرًا بغير اجتهاد". قال الدكتور عبد الكريم زيدان: "الحسبة -كما سبق تعريفها- هي أمر بمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن منكر إذا ظهر فعله، وهذا التعريف في الواقع يشمل موضوع الحسبة والاحتساب ذاته، فالموضوع هو المعروف والمنكر، والاحتساب هو الأمر بالأول، والنهي عن الثاني، ثم إنّ المنكر قد يكون بإيجاد فعل نهت الشريعة عنه، وقد يكون بترك فعل أمرت الشريعة بفعله، فيكون المنكر بهذا الاعتبار ذا وجهين: الأول: إيجابي، يتمثل بإيجاد الفعل المحظور شرعًا. والثاني: سلبي، يتحقق بترك الفعل المطلوب شرعًا، وهو المعروف. ويكون الاحتساب في الوجهين بالنهي عنهما، أي: بالنهي عن إيجاد الفعل المحظور؛ حتى لا يوجد، أو الانكفاف عنه بعد وجوده، وبالنهي عن ترك الفعل المشروع حتى يوجد. وعلى هذا، فنحن نؤثر أن نجعل موضوع الحسبة هو المنكر بوجهيه، ويكون الاحتساب فيه بالنهي عنه بهذين الوجهين. وإذا كان موضوع الحسبة هو المنكر بوجهيه: الإيجابي، والسلبي، فما المقصود بالمنكر إذن؟

стр. 138

الغالب أنّ هذه الكلمة تطلق على المعصية، والمعصية: هي مخالفة الشريعة بارتكاب ما نهت عنه، أو ترك ما أمرت به، سواء كانت المعصية من صغائر الذنوب أو كبائرها، وسواء تعلقت بحق الله أو بحق العبد، وسواء ورد بها نص شرعي خاص، أو عرف حكمها من قواعد الشريعة وأصولها العامة، وما أرشدت إليه من مصادر، وسواء كانت المعصية من أعمال القلوب، أو أعمال الجوارح. ولكن كلمة المنكر في باب الحسبة تطلق على معنى أوسع مما ذكرناه، فتطلق على كل فعل فيه مفسدة، أو نهت الشريعة عنه، وإن كان لا يعتبر معصية في حق فاعله، إما لصغر سنه أو لعدم عقله؛ ولهذا إذا زنا المجنون، أو هم بالزنا، وإذا شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكرًا، يستحق الإنكار، وإن لم يعتبر معصية في حقهما؛ لفوات شرط التكليف، وهو العقل والبلوغ. والجهةُ التي تملك إعطاء وصف المنكر لأي فعل أو ترك هي الشريعة الإسلامية؛ لأنّ إعطاء هذا الوصف حكم شرعي، والحاكم هو الله تعالى، كما قال : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف: ٤٠) وما على الفقهاء إلا التعرف على حكم الله، فعملهم هو كشف عن الحكم الشرعي، وليس إنشاء للحكم الشرعي. ولهذا إذا تبين خطؤهم لم نتابعهم عليه؛ لأن الحجة فيما بينه الشرع، وقد ظهر لنا، ولأن مهمة الفقهاء الكشف وليس الإنشاء كما قلنا. وقد يعترض البعض علينا بأن الفقهاء قالوا: إن ما رآه المسلمون حسنًا أو قبيحًا دخل في موضوع الحسبة أمرًا بالأول ونهيًا عن الثاني، فكيف نوفق بين هذا القول، وبين ما قلناه؟

стр. 139

والجواب: أن الشريعة الإسلامية دلت على أن الإجماع حجة معتبرة، فإذا أخذنا بما رآه المسلمون حسنًا فأمرنا به، وبما رأوه قبيحًا فنهينا عنه، فإنما نأخذ بدليل الإجماع، وهو دليل شرعي أرشدتنا إليه الشريعة، وكذلك أخذنا بالعرف الصحيح، هو اتباع بما أرشدتنا إليه الشريعة من مراعاة العرف الصحيح. شروط المحتسب فيه أما شروطه: فقد قال ابن النحاس في (تنبيه الغافلين): "يشترط في الفعل الذي يجب إنكاره: أن يكون منكرًا، سواء كان صغيرة أو كبيرة؛ إذ لا يختص وجوب الإنكار بالكبائر دون الصغائر، ولا يشترط في كونه منكرًا أن يكون معصية، فإن من رأى صبيًّا أو مجنونًا يشرب الخمر، فعليه أن يريق خمره، ويمنعه من شربه، وكذا من رأى مجنونًا يزني بمجنونة، أو بهيمة، وجب عليه منعه، وإن كان في خلوة، وإن كان هذا لا يسمى في حق المجنون معصية. ويشترط أيضًا: أن يكون المنكر موجودًا، يعني: مستمرًّا، فمن فرغ من شرب الخمر مثلًا لم يكن لآحاد الرعية الإنكار عليه بغير الوعظ إذا صحا من سكره، بل الأفضل لمن رآه، أو علم به أن يستر عليه؛ لقول النبي ﷺ : ((من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة)). ومحل الستر: فيما إذا لم تصل الحدود إلى الحكام، فإذا وصلت إليهم بالطريق الشرعي لم يجز ستره، وتحرم الشفاعة فيه؛ للحديث المشهور: أن أسامة بن زيد لما كلم النبي ﷺ في شأن المرأة المخزومية التي سرقت؛ غضب عليه النبي ﷺ وقال: ((أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فخطب الناس ثم قال: وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)).

стр. 140

وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)). قال الإمام النووي في شرح مسلم: "وإنما يندب الستر على من كان من ذوي الهيئات مثل: العلماء، وأولياء الأمور، ونحوهم، ممن ليس معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب ألّا يستر عليهم، بل يرفع قصته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر على هذا يطغيه، ويطمعه في الإيذاء والفساد، وانتهاك الحرمات، فلو لم يستر على من لم يندب الستر عليه، بل رفعه إلى السلطان ونحوه، لم يأثم بالإجماع لكن هو خلاف الأولى". وأما المُنكر الذي يعلم بقرائن الحال أنه سيوجد، فلا إنكار فيه إلا بالوعظ، بشرط: أن يكون صاحبه معترفًا بعزمه عليه، فإن أنكر عزمه عليه لم يجز وعظه، فإن فيه إساءة الظن بالمسلم. فإن قيل: ينبغي أن نقول هذا فيمن خلا بأجنبية، أو وقف ينظر إلى النساء الأجنبيات؛ لأنه ربما لا يقدم على الفسق أو يعترف بعزمه عليه. قلنا: إنما أنكرنا عليه من حيث إن الخلوة معصية، والنظرة معصية في ذاتها، لا من حيث إننا نتوقع به معصية قد لا يقدم عليها. الشرط الثالث في المنكر: أن يكون ظاهرًا بغير تجسس، فكل من ستر معاصيه في داره وأغلق عليه بابه لا يجوز لأحد أن يتجسس عليه. قال الإمام الماوردي: "ليس للمحتسب أن يبحث عما لا يظهر من المحرمات، وإن غلب الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون في ذلك حرمة يفوت استدراكها مثل: أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا

стр. 141

الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث؛ حذارًا من فوات ما لا يستدرك، وكذلك لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار. قال ابن النحاس: قلت: والأمر مداره على التقوى. والوجه الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه". وقال ابن مفلح في (الآداب الشرعية): نص أحمد فيمن رأى إناء يرى أن فيه مسكرًا، نص أنه يدعه، يعني: أنه لا يفتشه، ترجم عليه الخلال: ما يكره أن يفتش إذا استراب به، وقطع القاضي في (المعتمد) أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا ظن وقوعه، وحكى عن بعضهم أنه يجب، واختار ابن المنذر وغيره من الأئمة أن الميت إذا نيح عليه يعذب إذا لم يوص بتركه، وكان من عادة أهله النوح، وهذا معنى اختيار الشيخ فخر الدين في (التلخيص). قال الشيخ مجد الدين في (شرح الهداية)، وهو أصح الأقوال: لأنه متى غلب على ظنه فعلهم له، ولم يوص بتركه مع القدرة، فقد رضي به، فصار كتارك النهي عن المنكر مع القدرة، فقد جعل ظن وقوع المنكر بمنزلة المنكر الموجود في وجوب الإنكار، والمشهور عندنا في هذه الحال: أنه لا يعذب. وذكر القاضي أبو يعلى في (الأحكام السلطانية): إن غلب على الظن استسرار قوم بالمعصية؛ لأمارة دلت، وآثار ظهرت، فإن كان في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل: أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها جاز أن يتجسس، ويقدم على البحث والكشف، وهذا في المحتسب دون غيره.

стр. 142

الشرط الرابع: يشترط في المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد: قال الإمام النووي في (شرح مسلم): العلماءُ إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه: فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين، أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه؛ لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب، مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع في خلاف آخر. وذكر الماوردي في كتاب (الأحكام السلطانية) خلافًا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد، أم ليس له أن يغير ما كان على مذهب غيره؟ والأصح أنه لا يغير؛ لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين، فمن بعدهم ﵃ أجمعين- ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتي، ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا جليًّا. وقال الحافظ ابن رجب في (جامع علوم والحكم) في شرح حديث: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره)) قال: والمنكر الذي يجب إنكاره: ما كان مجمعًا عليه، فأما المختلف فيه: فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا، أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا. واستثنى القاضي في (الأحكام السلطانية) ما ضعف فيه الخلاف، وإن كان ذريعة إلى محظور متفق عليه، كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النسا المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة؛ فإنه ذريعة إلى الزنا.

стр. 143

وذكر عن إسحاق بن شقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صراحة. عن ابن بطة قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إن كان قد تأول فيه تأويلًا إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثًا في لفظ واحد، وحكم بمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال. والمنصوص عن أحمد: الإنكار على اللاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على من لعب بها بغير اجتهاد، أو تقليد سائغ، وفيه نظر؛ فإن النصوص عنه: أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار مع أنه لا يفسق عنده بذلك، فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف؛ لدلالة السنة على تحريمه، ولا يخرج فاعل متأول عن العدالة بذلك، وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته، ولا يقيم صلبه في الركوع والسجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك. هذه هي أقوال الفقهاء في هذا الشرط من شروط المنكر، وهو ألا ينكر المختلف فيه، وللإمام ابن القيم ﵀ رأي وجيه في هذه المسألة، فقد قال في كتابه (إعلام الموقعين): خطأ من يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف. قال: قولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى، أو العمل، أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة، أو إجماعًا شائعًا وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك، فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله. وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنة، وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة، ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مسار، لم تنكر على من عمل بها مجتهدًا، أو مقلدًا،

стр. 144

وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم. والصواب: ما عليه الأئمة، أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، مثل: حديث صحيح لا معارض له من جنسه، فيسوغ فيها -إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به يسوغ فيها- الاجتهاد؛ لتعارض الأدلة، أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في قول العالم: إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا يسوغ فيها الاجتهاد، ليس في قوله هذا طعن على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب. والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف، وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثيرة، مثل: كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وإن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج، وإن لم ينزل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يقتل بكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه سنة، وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار، وأن الوقف صحيح لازم، وأن دية الأصابع سواء، وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم، وأن الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقًا، وأن التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائز، وأن صيام الولي عن الميت يجزئ عنه. وأن الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، وأن المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه، وأن السنة أن يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأن خيار المجلس ثابت في البيع، وأن

стр. 145

المصراة يرد معها عوض اللبن صاعًا من تمر، وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة، وأن القضاء جائز بشاهد ويمين، إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل. ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها. وعلى كل حال، فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب، وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلد من نهاه عن تقليده، وقال له: لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة، وإذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي. وحتى لو لم يقل له ذلك، كان هذا هو الواجب عليه وجوبًا لا فسحة له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يسعه إلا اتباع الحجة، ولو لم يكن له في هذا الباب شيء من الأحاديث والآثار البتة، فإن المؤمن يعلم بالاضطرار أن رسول الله ﷺ لم يكن يعلم أصحابه هذه الحيل، ولا يدلهم عليها، ولو بلغه عن أحد فعل شيئًا منها؛ لأنكر عليه، ولم يكن أحد من أصحابه يفتي بها، ولا يعلمها، وذلك مما يقطع به كل من له أدنى اطلاع على أحوال القوم، وسيرتهم، وفتاويهم، وهذا القدر لا يحتاج إلى دليل أكثر من معرفة حقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله الأمين ﷺ . وقد لخص الدكتور عبد الكريم زيدان في كتاب (أصول الدعوة) كلام ابن القيم هذا فقال في اشتراط عدم الخلاف: يشترط في المنكر أن يكون مما اتفق الفقهاء على اعتباره منكرًا؛ حتى لا يحتج المحتسب عليه بأن ما يفعله جائز على رأي بعض الفقهاء، وإن كان غير جائز على رأي المحتسب.
следующие страницы →