Полный текст (344 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
في القول، فقال له المأمون: يا هذا إن الله أرسل من هو خير منك لمن هو شر مني، فقال لموسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤)، ثم أعرض عنه ولم يلتفت إليه.
ولأن الرجل قد ينال بالرفق ما لا ينال فيما يأمر به من غير الرفق، يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الفرق بين المحتسب الرفيق والعنيف: "يُذكر أن رجلًا من أهل الحسبة -يعني: من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر- في زمان مضى قديمًا مر على شخص يسقي إبله عند أذان المغرب، وعادة الناس أن يحدوا بالإبل -يعني: ينشد لها شعرًا من أجل أن تخف وتسرع؛ لأنه -سبحان الله- الإبل تطرب لناشدي الشعر- فجاء هذا الرجل ومعه غيره وتكلم على هذا بكلام قبيح على العامل الذي يسقي الماء، والعامل متعب من الشغل، وضاقت عليه نفسه، فضرب الرجل بالمسوقة -يقول الشيخ: وهي عصى طويلة متينة- فشرد الرجل وذهب إلى المسجد، والتقى بالشيخ عالم من العلماء من أحفاد الشيخ محمد بن الوهاب ﵀ وقال: إني فعلت كذا وكذا، وإن الرجل ضربني بالمسوقة، فلما كان من اليوم الثاني ذهب الشيخ بنفسه إلى المكان قبل غروب الشمس وتوضأ، ووضع عباءته على خشبة حوله، ثم أذن المغرب فوقف كأنه يريد أن يأخذ عباءته، فقال له: يا فلان يا أخي جزاك الله خيرًا، أنت تتطلب الخير في العمل هذا، وأنت على خير، لكن الآن أذن للصلاة، لو أنك تذهب وتصلي المغرب وترجع ما فاتك شيء، سبحان الله الكلام هين لين، فقال العامل للشيخ: جزاك الله خيرًا مر عليَّ رجل أمس جلف، وقام ينتهرني، وقال لي: أنت فيك ما فيك، وما ملكت نفسي حتى ضربته بالمسوقة، قال: الأمر لا يحتاج
стр. 72
إلى ضرب أنت عاقل، تكلم معه بكلام لين، فأسند المسوقة العصى التي يضرب بها الإبل، ثم ذهب يصلي بانقياد، وكان هذا؛ لأن الأول عامله بالعنف والثاني عامله بالرفق".
ونحن وإن لم تحصل هذه القصة هذه الواقعة، فكلام رسول الله -صلى الله عليه وسل م- يكفينا، ففي الحديث أنه -صلى الله عليه وسل م- قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه))، وقال -صلى الله عليه وسل م-: ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه))، فعلى الآمر أن يحرص على أن يكون أمره ونهيه رفيقًا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 73
الدرس: ٥ المحتسب (٢) .
стр. 74
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(المحتسب (٢))
أهمية العمل بالعلم للمحتسب
إن الحمد الله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد:
نؤكد على ضرورة عمل المحتسب بعلمه، واجتهاده في القيام بالواجبات، وتركه المحرمات، واجتهاده بعد ذلك في فعل المندوبات، وترك المكروهات حتى تؤثر دعوته في النفوس، وتؤتي أكلها وثمارها، فإن الدعوة بالسلوك أكثر تأثيرًا في النفوس؛ ولذلك قيل: عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل.
فعلى المحتسب أن يعلم أن العمل بالعلم واجب، وأن من لم يعمل بما علم عذب. وقد كثرت في ذلك النصوص من الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة.
قال الخطيب البغدادي ﵀ في كتاب (اقتضاء العلم العمل) بعد أن حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ : ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه؛ فإن العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يعد عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا، وقيل: العلم والد، والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية.
فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرًا في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قَلَّ نصيبك منهما، وما شيء أضعف من عالم، ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهل أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته، والقليل من هذا مع القليل من هذا أنجى في العاقبة؛ إذا تفضل الله بالرحمة، وتمم على عبده النعمة.
فأما المدافعة، والإهمال، وحب الهوينى، والاسترسال، وإيثار الخفض والدعة، والميل مع الراحة والسعة، فإن خواتم هذه الخصال ذميمة، وعقباها كريهة وخيمة.
стр. 75
والعلم يراد للعمل، كما العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرًا عن العلم، كان العلم كَلًا على العالم، ونعوذ بالله من علم عاد كلًّا، وأورث ذلًّا، وصار في رقبة صاحبه غِلًّا.
قال بعض الحكماء: العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم، فلولا العمل لم يطلب علم، ولولا العلم لم يطلب عمل، ولأن أدع الحق جهلًا به أحب إلي من أن أدعه زهدًا فيه.
وقال سهل بن مزاحم: الأمر أضيق على العالم من عقد التسعين، مع أن الجاهل لا يعذر بجهالته، لكن العالم أشد عذابًا إذا ترك ما علم فلم يعمل به.
قال الشيخ ﵀: وهل أدرك من السلف الماضين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد، والعمل الصالح، والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا؟ وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى إلا بالتشمير في السعي والرضا بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا ككانزهما؟
وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها، كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها، فلينظر امرؤ لنفسه، وليغتنم وقته، فإن الثواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨) ".
والأدلة على ضرورة العمل بالعلم كثيرة جدًّا، ومما يدل على أهمية العمل بالعلم، وتأثير سلوك المحتسب في حسبته على الناس أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لم
стр. 76
يقتصروا على تعليم أممهم أمور الدين فحسب، بل أمروهم كذلك بأن يكونوا كاملين في العلم والعمل، وأن يعلموا الناس طرق الخير، قال الله : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: ٧٩).
ومما نستفيده من هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء ﵈ كانوا يأمرون الناس بأن يكونوا ربانيين، والمراد بالرباني كما قال الإمام سعيد بن جبير: "العالم الذي يعمل بعلمه".
وقال الإمام أبو عبيدة: "هذه الكلمة -الرباني- تدل على الإنسان الذي علم، وعمل بما علم، واشتغل بتعليم طرق الخير".
ونقل الشيخ محمد جمال الدين القاسمي في تفسير قول الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ قول بعض المفسرين فقال: "أي منسوبين إلى الرب؛ لاستيلاء الربوبية عليهم، وطمس البشرية بسبب كونهم عالمين، عاملين، معلمين، تالين لكتاب الله، والمعنى: كونوا عابدين مرتاضين بالعلم، والعمل، والمواظبة على الطاعات؛ حتى تصيروا ربانيين بغلبة النور على الظلمة".
ومما يدل على أهمية العمل بالعلم، وأهمية سلوك المحتسب في الدعوة إلى الله تعالى: أن الله أثنى على من جمع بين الحسبة والقدوة، وكذلك رسوله الكريم ﷺ ، فبين الله ﵎ أن من جمع بين الحسبة والقدوة، والإعلام بإسلامه هو أحسن الناس قولًا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣).
فدلت الآية الكريمة كما قال الرازي على أن أحسن الأقوال قول من جمع بين خصال ثلاثة:
стр. 77
أولها: الدعوة إلى الله تعالى.
وثانيها: العمل الصالح.
وثالثها: أن يكون من المسلمين.
ولا شك أن الموصوف بتلك الخصال أشرف الناس، وأفضلهم، وكمال الدرجة فيها ليس إلا لرسول الله ﷺ .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير ما جاء عن الخصلة الثانية: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: "أي هو في نفسه مهتد بما يقوله، فنفعه لنفسه ولغيره، لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف، ولا يأتونه، وينهون عن المنكر، ويأتونه، بل يأتمر بالخير، ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق ﵎.
وقد شبه النبي ﷺ العالم العامل المعلم لغيره بالأرض الطيبة، تستفيد وتفيد غيرها. فروى الشيخان عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)).
ففي هذا الحديث الشريف شبه النبي الكريم ﷺ ما بعثه الله تعالى به من الهدى والعلم بالغيث الكثير، وشبه العالم العامل بعلمه، والمعلم لغيره بأرض طيبة تستفيد من الغيث الكثير؛ حيث تشرب الماء، وتفيد غيرها؛ حيث تنبت الكلأ، والعشب الكثير".
стр. 78
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الإمام القرطبي وغيره أنهم قالوا في شرح الحديث: "ضرب النبي ﷺ لما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة، شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها".
ومما يدل على أهمية العمل بالعلم، وأثر السلوك في الدعوة إلى الله ﵎: ما ثبت من استعاذة النبي الكريم ﷺ من علم لا ينفع، فقد روى الإمام مسلم عن زيد بن أرقم ﵁ قال: ((لا أقول إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها)).
وروى الإمام النسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄: ((أن النبي ﷺ كان يتعوذ من أربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع)).
أهمية العمل بالعلم للمحتسب من القرآن والسنة والشعر
ومما يدل على أهمية العمل بالعلم للمحتسب وأثره في الدعوة إلى الله تعالى: ما ورد من توبيخ، وتقريع لمن خالف عمله قوله في الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وأقوال أهل العلم، وكلام الشعراء؛ فأما ما جاء في ذم من خالف فعله قوله في الكتاب العزيز: فمنه قول الله ﵎: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤).
стр. 79
ففي هذه الآية الكريمة وبخ الله أهل الكتاب الذين يأمرون الناس بالمعروف، ولا يفعلونه. قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمرون بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله، أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم؛ فتتنبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم".
وقال القاضي البيضاوي في تفسير الآية: "والآية ناعية على من يعظ غيره، ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه، وخبث نفسه، وأن فعله فعل الجاهل بالشرع، أو الأحمق الخالي عن العقل، فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته".
قال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: ٥).
قال الإمام ابن القيم ﵀ في تفسير الآية: "فقاس من حمله -سبحانه- كتابه؛ ليؤمن به، ويتدبره، ويعمل به، ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر، ولا تفهم، ولا اتباع له، ولا تحكيم له، وعمل بموجبه، كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره".
ثم قال ﵀: "فهذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حقه رعايته".
стр. 80
وقال : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٥، ١٧٦) فشبه الله تعالى من علمه العلم، فترك العمل به بالكلب.
قال الإمام ابن القيم: "فشبه من آتاه كتابه، وعلمه العلم الذي منعه غيره، فترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله تعالى على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق، شبهه بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا، وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرا وحرصًا".
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢، ٣)، فأنكر على أهل الإيمان أن يقولوا ما لا يفعلونه، وبين أن هذا سبب غضبه الشديد، ومقته الكبير.
قال الإمام الشوكاني في تفسيره: " ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: لم تقولون من الخير ما لا تفعلونه؟ ".
وقال القاضي البيضاوي في تفسيره: " ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ المقت: أشد البغض، ونصبه على التمييز؛ للدلالة على أن قولهم هذا مقت خالص، كبر عند من يحقر عنده كل عظيم؛ مبالغة في المنع عنه".
ومما يجب التنبه له في هاتين الآيتين الكريمتين: أن الله ناداهم بوصف الإيمان؛ ولعل ذلك كان تعريضًا بأن الإيمان من شأنه أن يزع المؤمن عن مخالفة فعله قوله، والله تعالى أعلم.
стр. 81
أما السنة: فقد ورد فيها من الترهيب من عدم العمل بالعلم، ومخالفة القول الفعل الكثير والكثير؛ فعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها)).
وعن أسامة بن زيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فتجتمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان، ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر، وآتيه)).
ومن حديث أسامة بن زيد أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: ((مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون)). وفي رواية: ((يقرءون كتاب الله، ولا يعملون به)).
وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه))، وفي رواية: ((ما تُزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه)).
وعن أبي برزة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء على الناس، وتحرق نفسها)).
стр. 82
وعن جندب بن عبد الله الأزدي ﵁ صاحب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: ((مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس، ويحرق نفسه)).
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان)).
وعن زياد بن لبيد ﵁ قال: ((ذكر النبي ﷺ شيئًا فقال: ذاك عند أوان ذهاب العلم. قال: قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال ﷺ : ثكلتك أمك زياد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟!)).
ومما نجده في هذا الحديث الشريف: أن النبي الكريم ﷺ قرر أن وقت ترك العمل بالعلم هو وقت اندراس العلم، كما قرر ﷺ أن اليهود والنصارى رغم قراءتهم التوراة والإنجيل جاهلون؛ لأنهم لا يعملون وفق علمهم.
قال الإمام الطيبي في شرح الحديث: "قوله: ((لا يعملون بشيء)) حال من فاعل ((يقرءون)) يعني: يقرءون التوراة والإنجيل غير عاملين بشيء مما فيهما. نزل العالم الذي لم يعمل بعلمه منزلة الجاهل، بل هو بمنزلة الحمار الذي يحمل أسفارًا.
وأما أقوال السلف -رضوان الله عليهم- في الحث على العمل بالعلم، والتحذير من مخالفة القول الفعل، وترك العمل بالعلم؛ فقد قال يوسف: بالأدب تفهم
стр. 83
العلم، وبالعلم يصح لك العمل، وبالعمل تنال الحكمة، وبالحكمة تفهم الزهد، وتوفق له، وبالزهد تترك الدنيا، وبترك الدنيا ترغب في الآخرة، وبالرغبة في الآخرة تنال رضا الله .
وعن جعفر بن محمد بن نصير أن أبا العباس الحلواني أخبره قال: سمعت أبا القاسم الجنيد يقول: متى أردت أن تُشَرَّف بالعلم، وتنسب إليه، وتكون من أهله قبل أن تعطي العلم ما له عليك احتجب عنك نوره، وبقي عليك رسمه وظهوره، ذلك العلم عليك لا لك؛ وذلك أن العلم يشير إلى استعماله، فإذا لم تستعمل العلم في مراتبه رحلت بركاته.
وعن أحمد بن الحسين بن أحمد الواعظ قال: سمعت أبا عبد الله الرُّذْبادي يقول: "من خرج إلى العلم يريد العلم لم ينفعه العلم، ومن خرج إلى العلم يريد العمل بالعلم نفعه قليل العلم". قال: وسمعت أبا عبد الله الرذبادي يقول: "العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله يورث الفهم عن الله ".
وعن مالك بن دينار قال: "إن العبد إذا طلب العلم للعمل كسره علمه، وإذا طلبه لغير ذلك ازداد به فجورًا، أو فخرًا". وعنه قال: "من تعلم العلم للعمل كسره علمه، ومن طلبه لغير العمل زاده فخرًا".
وعن مطر قال: خير العلم ما نفع، وإنما ينفع الله بالعلم من علمه، ثم عمل به، ولا ينفع به من علمه، ثم تركه.
وعن حبيب بن عبيد الرحبي قال: "تعلموا العلم، واعقلوه، وانتفعوا به، ولا تعلموه؛ لتتجملوا به؛ فإنه يوشك إن طال بكم العمر أن يتجمل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه".
стр. 84
وقال أبو سعيد الخراز: "العلم ما استعملك، واليقين ما حملك".
وعن صالح بن رستم قال: "قال لي أبو قلابة: إذا أحدث الله لك علمًا، فأحدث له عبادة، ولا يكن همك أن تحدِّث به الناس".
وعن الحسن قال: "همة العلماء الرعاية، وهمة السفهاء الرواية".
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل".
وعن ابن المنكدر قال: "العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل".
وقال أبو الدرداء ﵁: "ما علم الله عبدًا علمًا إلا كلفه يوم القيامة ضماره من العمل".
وقال فضيل بن عياض ﵀: "لا يزال العالم جاهلًا بما علم حتى يعمل به، فإذا عمل به كان عالمًا"، وقال ﵀: "إنما يراد من العلم العمل، والعلم دليل العمل". وقال أيضًا: "على الناس أن يتعلموا، فإذا علموا فعليهم العمل".
وقال عبد الله بن المعتز: "علم بلا عمل كشجرة بلا ثمرة". وقال أيضًا: "علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله".
وعن منصور بن زاذان قال: "نبئت أن بعض من يلقى في النار ليتأذى أهل النار بريحه، فيقال له: ويلك ما كنت تعمل؟ ما يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك ونتن ريحك؟ قال: فيقول: إني كنت عالمًا فلم أنتفع بعلمي".
стр. 85
وعن يحيى بن معاذ الرازي قال: مسكين من كان علمه حجيجه، ولسانه خصيمه، وفهمه القاطع بعذره. وقيل لبعضهم: ألا تطلب العلم؟ فقال: خصومي من العلم كثير فلا أزداد. وقال سُرِّي: كلما ازددت علمًا كانت الحجة عليك أوكد.
وقال محمد بن أحمد بن سمعون الواعظ: "كل من ينظر بالعلم فيما لله عليه، فالعلم حجة عليه ووبال".
قال أبو حامد الغزالي ﵀: إنما يضاعف عذاب العالم في معصيته؛ لأنه عصى عن علم؛ ولذلك قال الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النساء: ١٤٥)؛ لأنهم جحدوا بعد العلم.
وجعل اليهود شرًّا من النصارى، مع أنهم ما جعلوا لله -سبحانه- ولدًا، ولا قالوا: إنه ثالث ثلاثة، إلا أنهم كفروا بعد المعرفة، إذ قال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة: ١٤٦) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٨٩)، وقال تعالى في قصة بلعام: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ حتى قال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فكذلك العالم الفاجر، فإن بلعام أوتي كتاب الله تعالى؛ فأخلد إلى الشهوات، فشبه بالكلب أي: سواء أوتي الحكمة، أو لم يؤت، فهو يلهث إلى الشهوات.
وقال الفضيل بن عياض ﵀: "بلغني أن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان".
стр. 86
وقال أبو الدرداء ﵁: "ويل لمن لا يعلم مرة، وويل لمن يعلم، ولا يعمل سبع مرات".
وقال الشعبي: "يطلع يوم القيامة قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار، فيقولون لهم: ما أدخلكم النار، وإنما أدخلنا الله الجنة بفضل تأديبكم، وتعليمكم؟ فيقولون: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله، وننهى عن الشر ونفعله".
وقال حاتم الأصم ﵀: "ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علمًا فعملوا به، ولم يعمل هو به، ففازوا بسببه، وهلك هو".
وقال مالك بن دينار: "إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا".
وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: "مررت بحجر بمكة مكتوب عليه: اقلبني تعتبر، فقلبته فإذا عليه مكتوب: أنت بما تعلم لا تعمل، فكيف تطلب علم ما لم تعمل؟ ".
قال ابن السماك ﵀: "كم من مذكر بالله ناسٍ لله، وكم من مُخَوِّف بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله".
وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: لقد أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم نعرب". وقال الأوزاعي: "إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع".
وقال عيسى ﵇: ((مثل الذي يتعلم العلم ولا يعمل به كمثل امرأة زنت في السر فحملت؛ فظهر حملها فافتضحت، فكذلك من لا يعمل بعلمه يفضحه الله تعالى يوم القيامة على رءوس الأشهاد)).
стр. 87
وقال معاذ ﵀: "احذروا زلة العالم؛ لأن قدره عند الخلق عظيم، فيتبعونه على زلته".
وقال عمر ﵁: "إذا زل العالم زل بزلته عالَم من الخلق". وقال عمر ﵁: "ثلاث بهن ينهدم الزمان؛ إحداهن: زلة العالم".
وقال ابن مسعود ﵁: "سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب، فلا ينتفع بالعلم يومئذ عالمه، ولا متعلمه، فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات الملح، ينزل عليها قطر السماء، فلا يوجد لها عذوبة، وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا، وإيثارها على الآخرة، فعند ذلك يسلبها الله تعالى ينابيع الحكمة، ويطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم؛ فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله بلسانه، والفجور ظاهر في عمله، فما أخصب الألسن يومئذ، وما أجدب القلوب، فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا لأن المعلمين علموا لغير الله تعالى، والمتعلمين تعلموا لغير الله تعالى".
وفي التوراة والإنجيل مكتوب: "لا تطلبوا علم ما لم تعلموا حتى تعملوا بما علمتم".
وقال حذيفة ﵁: "إنكم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك، وسيأتي زمان من عمل فيه بعشر ما يعلم نجا؛ وذلك لكثرة البطالين".
قال أبو حامد الغزالي ﵀: واعلم أن مثل العالم مثل القاضي، وقد قال النبي ﷺ : ((القضاة ثلاثة: قاضٍ قضى بالحق وهو يعلم، فذلك في الجنة، وقاضٍ قضى بالجور وهو يعلم، أو لا يعلم فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير ما أمر الله به، فهو في النار)).
стр. 88
وقال كعب ﵀: ي"كون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا، ولا يزهدون، ويخوفون الناس ولا يخافون، وينهون عن غشيان الولاة ويأتونهم، ويؤثرون الدنيا على الآخرة، يأكلون بألسنتهم، يقربون الأغنياء دون الفقراء، يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال، يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره، أولئك الجبارون أعداء الرحمن".
وقال ابن مسعود ﵁: "ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية".
وقال الحسن: "تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فوالله لا يأجركم الله حتى تعملوا، فإن السفهاء همتهم الرواية، والعلماء همتهم الرعاية".
وقال مالك ﵀: "إن طلب العلم لحسن، وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي، فلا تؤثرن عليه شيئًا".
وقال ابن مسعود ﵁: "أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذتم دراسته عملًا، وسيأتي قوم يخطفونه مثل القناة، ليسوا بخياركم، والعالم الذي لا يعمل كالمريض الذي يصف الدواء، وكالجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة، ولا يجدها".
ومما يدل على أهمية العمل بالعلم، وأثره على المحتسب، وفي احتسابه: أن النبي ﷺ أخبر أن العبد سيسأل يوم القيامة عن علمه ماذا عمل فيه، وقد كان سلف الأمة -رضوان الله عليهم- يخشون هذه المساءلة، فروى الإمام الدارمي عن مالك بن دينار، قال: قال أبو الدرداء ﵁: "من يزدد علمًا يزدد وجعًا". وقال أبو الدرداء ﵁: "ما أخاف على نفسي أن يقال لي: ما علمت؟ ولكن أخاف أن يقال لي: ماذا عملت؟ ".
стр. 89
وروى الإمام البيهقي عن لقمان -يعني: ابن عامر- قال: كان أبو الدرداء ﵁ يقول: "إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن يدعوني على رءوس الخلائق، فيقول لي: يا عويمر. فأقول: لبيك ربي فيقول: ما عملت فيما علمت؟ ".
وقال الإمام الحسن البصري ﵀: "إذا كنت آمرًا بالمعروف، فكن من آخذ الناس به، وإلا هلكت، وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر، فكن من أنكر الناس له، وإلا هلكت".
قال ابن النحاس ﵀ في (تنبيه الغافلين): "والأحاديث والآثار في ذم علماء السوء، وتوبيخ من لم يعمل بعلمه، ومن خالف قوله عمله كثيرة جدًا، وهي ناطقة بأن من أمر بما لا يفعل أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، وأن العلماء الفجرة هم الأخسرون إذ ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وأن حجتهم داحضة عند ربهم؛ لما وهبهم من علمه نعمة منه عليهم، فكفروا نعمته، وخالفوا أمره، ولا يخفى عن ذي لب أن ملكًا من الملوك لو أرسل كتابه بأمر من الأمور إلى عبد من عبيده لا يعرف الكتابة، وليس عنده من يعرفه بما فيه فخالف أمره، لا يكون ذنبه عنده كمن أمكنه أن يقرأه، أو يسأل من يقرؤه؛ ليعرف ما فيه فيمتثله، فترك ذلك، وخالف ما فيه جاهلًا به، ولا يكون جرم هذا كجرم من قرأه، وفهمه، وكرر قراءته غير مرة، ثم خالف ما أمره به سيده ومولاه، وعمل بعكسه، لا جرم كان هذا العبد عنده أحق العبيد بأليم عذابه، وأولاهم بعظيم سخطه، وأقربهم إلى إبعاده وطرده؛ ولهذا جعل الله تعالى المنافقين في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم جحدوا بعد العلم، وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة: ٢٠٤، ٢٠٥).
стр. 90
وعن عمران بن أبي الجعد قال: قال عبد الله بن مسعود: "إن الناس أحسنوا القول كلهم، فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله، فإنما يوبخ نفسه".
وعن الحسن قال: "اعتبروا الناس بأعمالهم، ودعوا أقوالهم، فإن الله لم يدع قولًا إلا جعل عليه دليلًا من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا سمعت قولًا حسنًا فرويدًا بصاحبه، فإن وافق قوله فعله فنعم، ونعمت عين".
وذكر مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد قال: "أدركت الناس، وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل". وقال المأمون: "نحن إلى أن نوعظ بالأعمال، أحوج منا أن نوعظ بالأقوال".
وروي عن علي ﵁ قال: "يا حملة العلم، اعملوا به، فإنما العالم من علم، ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقًا فيباهي بعضهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله ".
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "كونوا للعلم وعاة، ولا تكونوا له رواة، فإنه قد يرعوي، ولا يروي، ولا يرعوي".
وذكر ابن وهب عن معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء قال: "لا تكون تقيًّا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملًا".
стр. 91
قال أبو عمر: مِن قول أبي الدرداء هذا -والله أعلم- أخذ القائل قوله: كيف هو متقي ولا يدري ما يتقي؟ وعن الحسن قال: العالم الذي وافق علمه عمله، ومن خالف علمه عمله فذاك.
ومن الأشعار في ذم عدم العمل بالعلم، ومخالفة القول الفعل: قول أبي العتاهية:
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى ... وريح الخطايا من ثناياك تسطع=
ما أقبح التزهيد من واعظ ... يزهد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقًا ... أضحى وأمسى بيته المسجد
أن يرفض الدنيا فما باله ... يستملح الناس ويسترفد
الرزق مقسوم على من ترى ... يسعى به الأبيض والأسود
وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: "أشكو إلى الله عيبي ما لا أترك، ونعتي ما لا آتي". وقال: "إنما يبكي بالدين للدنيا". وقال عبد الله بن عروة في هذا المعنى شعرًا:
يبكون بالدين للدنيا وبهجتها ... أرباب دين عليها كلهم صادي
لا يعملون لشيء من معادهم ... تعجلوا حظهم في العاجل البادي
لا يهتدون ولا يهدون تابعهم ... ض ل المقود وضل القائد الهادي
стр. 92
وقال:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التعليم
تصف الدواء لذي السقام من الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم
وأراك تلقح بالرشاد عقولنا ... نصحًا وأنت من الرشاد عديم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال أبو العتاهية:
يا ذا الذي يقرأ في كتبه
ما أمر الله ولا يعمل
قد بين الرحمن مقت الذي
يأمر بالحق ولا يفعل
من كان لا تشبه أفعاله
أقواله فصمته أجمل
من عذل الناس فنفسي بما
قد قارفت من ذنبها أعذل
إن الذي ينهى ويأتي الذي
عنه نهى في الحكم لا يعدل
وراكب الذنب على جهله
أعذر ممن كان لا يجهل
لا تخلطن ما يقبل الله من فعل
بقول منك لا يقبل
وقال بعضهم:
وبخت غيرك بالعمى فأفدته
بصرًا وأنت محسن لعماك
كفتيلة المصباح تحرق نفسها
وتنير موقدها وأنت كذاك
وقال محمد بن عيسى:
لا تلم المرء على فعله ... وأنت منسوب إلى مثله
من ذم شيئًا وأتى مثله
فإنما يزري على عقله
стр. 93
وقال منصور الفقيه:
إن قوما يأمرون
بالذي لا يفعلون
لمجانين وإن هم ... لم يكونوا يصرعون
وقال غيره:
إذا أنت لم تعرف لذي السن فضله عليك
فلا تنكر عقوق الأصاغر
فعلى المحتسب أن يتذكر ما أوردناه من القرآن والسنة، وأقوال سلف الأمة، وما ذكرناه من أشعار الشعراء، وأن يجتهد في أن يعمل بالعلم؛ حتى يؤثر قوله في الناس، وينفع الله ﵎ بقوله، فيكتب الله ﵎ له أجره. وليستعن بالله على العمل بالعلم، وليجاهد نفسه على ذلك؛ فإن الله ﵎ قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩) ".
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 94
الدرس: ٦ المحتسب (٣) .
стр. 95
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(المحتسب (٣))
أعوان المحتسب ومساعدوه
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
معلوم أن المحتسبين مهما كثر عددهم، فإنهم لا يغطون تلك الاختصاصات والمسئوليات الواسعة التي ينبغي، بل يجب أن يغطيها عمل المحتسب، ولا سيما وأننا قلنا أن الاحتساب شامل لوظائف الدين والحياة كلها.
وقد كان اتخاذ الأعوان والمساعدين في السابق أكثر منه في الحاضر، وإن كان لا زال المُحتسب يستفيد من تعاون وخدمات أولئك الأعوان؛ ذلك لأن التنظيم لولاية الحسبة وتكثير أعضائها في الماضي لم يكن بمثل ما هو عليه الآن، فقد كان جهاز الحسبة في الماضي يتكون من شخصية المحتسب، ومن يتخذه لمساعدته من الأعوان والعيون، وأمناء الحرف، وعرفاء في شئون المهن والصناعات.
وقد استدعت الشمولية في عمل المحتسب أن يعزز إدارته أيضًا بالنواب، ولا سيما في الأمصار الكبيرة ذوات الضواحي الآهلة، والأسواق المزدحمة بخدم مسخرين بمهمات تسيير أشغاله، وأعوان فنيين من وجوه أرباب الصنائع الذين يستظهر بهم في هذه المهام؛ ليطلعوه على خفي أسرار أصحاب الحرف والتجارة؛ حتى لا يخفى عليه من أمور السوق كثير ولا قليل، ولا يستتر عليه من الأمر دقيق ولا جليل، وهؤلاء هم المساعدون، وهم الذين أصبح يطلق عليهم العرفاء.
وعن العرفاء واختيارهم كأعوان للمحتسب يقول الشيزري: "ولما لم تدخل الإحاطة بأصحاب السوقة -يعني: أصحاب الحرف والصناعات- تحت وسع المحتسب جاز له أن يجعل لأهل كل صنعة عريفًا من صالح أهلها، خبيرًا بصناعتهم، بصيرًا بغشوشهم وتدليساتهم،
стр. 96
مشهورًا بالثقة والأمانة، يكون مشرفًا على أحوالهم، ويطالعه بأخبارهم، وما يجلب إلى سوقهم من السلع والبضائع، وما تستقر عليه من الأسعار، وغير ذلك من الأسباب التي يلزم المحتسب معرفتها".
لما كان الأمر كذلك، كان من مسئوليات العريف أيضًا تنبيه أهل حرفته إلى الأخطاء، وتحذيرهم من الوقوع فيها في السر والعلن، وإذا اتضح للعريف أن هناك من يغش في صناعته رفعه إلى المحتسب.
وقد يقوم العريف بحل الخلافات والمنازعات التي تقوم بين أهل صنعته، ويحكم فيها دون إبلاغها إلى الحاكم. وإذا حدث نزاع بين أهل صنعتين أو حرفتين مختلفتين قام عريفاهما بحل وتسوية الأمر.
وقد كان العريف في الغالب وخصوصًا في الماضي يأخذ أجره من أهل الأصناف؛ باعتبار ما يقوم به من واجب رعايتهم.
ومن الأعوان الذين كان يتخذهم المحتسب في الماضي الغلمان، وهم بمثابة العيون، يلاحقون المخالفين مما يجعل أهل السوق أكثر خوفًا ورهبة منه، فلا يغشون.
ومن الصفات التي يجب توفرها في أولئك الأعوان من الغلمان: العفة، والشهامة، وبعد الهمة. وكان يجري تهذيبهم وتعليمهم على واجباتهم، واكتشاف المخالفين تحت إشراف المحتسب.
وكان أيضًا من أعوان المحتسب ونوابه على الحدود والموانئ وسواحل البحر، وفي الأماكن التي ترد إليها الغلة؛ ليعلموه بما يرد من الغلال والبضائع، وما يخرج منها، ويشرف على مخازنها التي قد يختمونها إلى وقت الحاجة إليها؛ ليكون
стр. 97
المحتسب على اطلاع على أحوال البلاد الاقتصادية، ويتصرف على ضوء معلوماته تلك لمواجهة ما قد يحدث من منكرات في هذا السبيل.
وقد يكون ضمن أعوان المحتسب الشرطة -وهم كذلك-، بل هم اليوم أظهر وأقوى معين للمحتسب بعد الله في أداء مهمته الصعبة والحساسة جدًّا، بل لقد شكلت شرطة خاصة، وألحقت بالهيئات في مختلف مدن وجهات المملكة العربية السعودية، وسميت: شرطة الهيئات.
وإذا كان ما ذكرناه عن أعوان المحتسب يخصُّ محتسب الماضي أكثر مما يخص محتسب الحاضر، فإن وضع المحتسب في الحاضر يختلف قليلًا عن وضع المحتسب في الماضي من حيث التنظيم، وزيادة الأعضاء، وتوسع التشكيل، وتعدد الجهات والمؤسسات المساندة؛ وبذلك يكون أعوان المحتسب اليوم أكثر، بالرغم من اتساع دائرة تشكيل ولاية الحسبة اليوم قياسًا بوضعها في الماضي، وإلا فالحاجة لا تزال تدعو إلى توسع أكبر.
الصلاحيات الممنوحة للمحتسب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو في أساسه دعوة إلى الإصلاح والتقويم، وإلزام الناس ذلك بالتي هي أحسن، وليس دعوة إلى العنف، وتعسف الناس، وظلمهم. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، وفي حالات معينة، فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وهو يقوم بهذا الإصلاح يعتبر مربيًّا، ومن مستلزمات التربية: التأديب، والتأديب في مواقف محددة يحتاج إلى بعض الوازع السلطاني؛ ليكون رادعًا في قضايا يأبى فيها صنف ممن اجتالتهم الشياطين، وتغلغل في قلوبهم الران، وطغت
стр. 98
عليهم الصفات البهيمية؛ حتى أصبحوا لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، ولا تؤثر فيهم الكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة.
فهؤلاء لا بد من أطرهم على الحق أطرًا، وهذا ما جاء في حديث الرسول ﷺ وهو يتكلم عن تضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بني إسرائيل حيث قال: ((والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم)).
وصدق أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ عندما قال: "إنّ الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وعلى هذا؛ فإنه كانت ولا زالت لوالي الحسبة بعض الصلاحيات التأديبية، والتي تعرف في الفقه الإسلامي باسم: حق التعزير. وهذه السلطة أو الصلاحية ليست إلا لوالي الحسبة ومساعديه؛ فإن المحتسب إذا عجز عن تغيير المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة أخذ في تغييره بحسب طرق تغيير المنكر، ومنها: أن يستعمل التعزير.
والتعزير في اللغة: مصدر عزر من العزر، وهو الردع والمنع. ويختلف حكم التعزير باختلاف أحوال المذنب، فتأديب أهل الصيانة ووجوه القوم أخف من تأديب أهل البزاءة والسفاهة والسوقية، لا سيما إذا كانت المخالفة تحصل منه لأول وهلة.
стр. 99
وقد يكفي في ردع رجل الكلام، ويحتاج مع آخر إلى الضرب، فالتعزير بالنسبة للمحتسب قد يكون بالضرب، أو بالنفي، أو بالحبس، أو الغرامة المالية، أو الصلب، أو التشهير، أو الهجر، أو التوبيخ، أو التهديد، والتخويف، أو العتاب، أو الإعراض، أو الوعظ، أو الإعلام.
أما الحدُّ: وهو في الجرائم والكبائر التي قد فرض الشارع فيها عقوبات مقدرة كالقتل العمد، والزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، فإن النظر فيها، والتحقيق مع فاعلها، وتطبيق عقوبتها يكون من اختصاصات القضاة؛ فإذا ثبت الحكم على أحد المجرمين بجلده في الخمر، أو بقطعه في السرقة، أو برجمه أو جلده في الزنا، أو بجلده في القذف تولى تنفيذ ذلك والي الحسبة، ولا سيما إذا كانت القضية مرفوعة عن طريق ولاية الحسبة.
وها نحن نوضح ما أجملناه من أنواع التعزير التي يستخدمها المحتسب فنقول:
أولًا: الاستدعاء والتهديد: للمحتسب إذا ما علم بمخالفة من شخص توجب الاحتساب عليه، كأن يعثر على من ينقص المكيال، أو يبخس الميزان، أو غش بضاعة، أو فعل ما يستوجب الاحتساب عليه، استدعاه واستتابه عن معصيته إن كانت للمرة الأولى، وبدا للمحتسب أنه جاهل بحكم ما ارتكب، ثم يوعظه، ويخوفه بالله، ثم يحذر من العقوبة والتعزير، فإن عاد إلى فعله عذره على حسب ما يليق من التعزير، وعلى قدر الجناية، ولا يبلغ به حد الحد.
وقد هدد عمر بن الخطاب ﵁ من يشبب بالنساء من الشعراء بالجلد.
ثانيًا: التوبيخ والتبكيت: قد يرى المحتسب ولا سيما في بعض المخالفات التي لا تستدعي ما هو أشد من هذه الوسيلة أن في تأنيب، بل وتوبيخ صاحب المخالفة ما هو رادع له، ولا سيما إذا كانت المخالفة من متساهل، أو ممن هو من أهل
стр. 100
الفضل والمنزلة، وحصلت منه بسبب تساهله أيضًا، كأن يكون ترك مندوبًا ونحوه.
وفي مثل هذا روى ابن عمر ﵄: "أن عمر بن الخطاب ﵁ بينما هو يخطب الناس يوم الجمعة دخل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فناداه عمر: أي ساعة هذه؟ فقال: إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل".
ثالثًا: الهجر: كأن يرى المُحتسب أن يهجر فاعل المنكر مدة من الزمن، ويأمر أعوانه وغلمانه، ومن يعرفهم من أهل الخير بمقاطعته، وعدم التعامل معه إذا كان من التجار أو الصناع أو الزراع وأهل الحرف، كأن يكون هناك صانع، أو تاجر اشتهر بالغش والتحايل، ونصح وبذلت معه وسائل أقل من وسائل التعزير، فلم تنفع معه، فللمحتسب أن يستخدم معه وسيلة الهجر؛ لعلها تمنع ما هو أشد منها من وسائل التعزير الأخرى، وترجعه إلى صوابه، وهو أسلوب تعزيري جاءت به النصوص الشرعية.
فقد قال الله في شأن الزوجة الناشز: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: ٣٤)، وكذلك قصة هجر الرسول ﷺ للثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج معه إلى غزوة تبوك، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية. وأمره ﷺ لصحابته بمقاطعتهم وهجرهم إلى أن تاب الله عليهم بعد مرور خمسين ليلة، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: ١١٨).
стр. 101
رابعًا: التشهير: والتشهير كالهجر عقوبة معنوية أكثر من كونها بدنية، والمقصود منها: التسميع بالمذنب والمخالف، والمناداة عليه بما ارتكب من الذنب. وقد يلجأ إليها إذا لم تجدي الوسائل السابقة، وقد يلجأ إليها المحتسب كإجراء أولي وفي ظروف خاصة.
وكان الولاة المحتسبون السابقون عندما يريدون التشهير بالمذنب يركبونه حمارًا أو جملًا، ويلبسونه الطرطور، ويدار به في السوق، ويؤمر من يطوف به أن يقول: هذا فلان قد فعل كذا فاحذروه. وقد فعل هذه الوسيلة عمر بن الخطاب ﵁ بشاهدي الزور؛ حيث أركبهما ركوبًا مقلوبًا، وسود وجهيهما.
خامسًا: الغرامة المالية: وقد يستخدمها المحتسب في حالات معينة، لا سيما في إتلاف بعض المحرمات من آلات طرب وخمور بآنيتها وما إلى ذلك، وذلك مشروع كما يقول ابن قيم الجوزية -رحمة الله عليه- في مواضع مخصوصة في مذهب مالك، وأحمد، وأحد قولي الشافعي. وقد جاءت السنة عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه في مواضع، ونذكر منها: إباحته ﷺ سلب من يصطاد في حرم المدينة لمن وجده.
ومثل أمره ﷺ بكسر دينان الخمر، وشق ظلوفها، ومثل أخذه شطر مال مانع الزكاة، كما في الحديث أنه ﷺ قال في الصدقات: ((من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا)).
وقد عزسر عمر ﵁ بذلك بإحراقه حانوت رويشد الثقفي الذي كان يباع فيه الخمر، وقال له: إنما أنت فويسق ولست برويشد.
стр. 102
ومن التعزيرات التي تدخل في صلاحية المحتسب: الصلب: وهو أن يربط المخالف الذي استحق التعزير إلى سارية أو خشبة مدة محدودة، بشرط: ألا تزيد عن ثلاثة أيام، ولا يمنع فيها عن الطعام ولا الشراب، ولا يمنع من وضوء الصلاة، ويصلي بالإيماء، ويعيد الصلاة إذا أطلق.
ويجوز لوالي الحسبة أن يأتي بالمذنب إلى المكان الذي ارتكب فيه جريمته فيصلبه حيًّا ووجهه إلى الناس؛ ليرونه، ويجعل فوق مكانه منشورًا بما فعل ليقرأه كل من مر عليه.
ومن التعزيرات: التعزير بالحبس والنفي: فيجوز للمحتسب أن يعزر بالحبس والنفي، ذكره ابن تيمية ﵀ تحت عنوان: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية". حيث قال: "والتعزير أجناس، فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، وقد حبس عمر بن الخطاب ﵁ الحطيئة؛ لأنه كان يقول الكلام القبيح، ويمدح الناس ويذمهم بما ليس فيهم".
والنفي: هو التغريب عن الوطن، يجوز أن يستخدمه والي الحسبة ضمن التعازير التي يتخذها مع العصاة وأصحاب المخالفات الشرعية، والذين لم تنفع معهم الوسائل الأخرى، والأصل في ذلك ما فعله الرسول ﷺ بنفي أحد المخنثين من المدينة إلى خارجها، فعن أم سلمة ﵂ قالت: كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، قالت: وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ يومًا وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي ﷺ : ((أرى هذا يعرف ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم هذا)). وفي رواية لأبي داود وأخرجه: "وكان بالبيداء يدخل كل جمعة".
وقد طبق هذا التعزير أيضًا عمر بن الخطاب ﵁ كما في قصة نصر بن حجاج، وابن عمه أبي ذئب عندما نفاهما إلى البصرة.
стр. 103
ومن وسائل التعزير: الضرب: وهو من أنجح وسائل التعزير التي يستخدمها المحتسب وغيره من السلطات القضائية، ويضرب المذنب لحق الله، أو لحق الآدميين بما يراه المحتسب رادعًا له. وكان يقوم به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من حكام المسلمين؛ على اعتبار أن الضرب عقوبة في التعزير، وعلى ذلك انعقد الإجماع.
وقد فعله مشاهير المحتسبين من السلف، وأظهرهم عمر بن الخطاب ﵁ حيث كان شديدًا في الحق، فعن عبد الله بن ساعدة الهذلي قال: "رأيت عمر بن الخطاب يضرب التجار بالدرة إذا اجتمعوا على الطعام بالسوق حتى يخلوا السكك، ويقول: لا تقطعوا علينا سابلتنا".
وروى المسيب بن دارم قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب جمالًا ويقول: حملت جملك ما لا يطيق. ومر على رجل أضجع شاة ليذبحها، وجعل يحد الشفرة فعلاه بالدرة، وقال له: هلا حددتها أولًا؟ ".
واختلف في مقدار الضرب في التعزير على أقوال كثيرة، وهنا نذكر قاعدة قعدها شيخ الإسلام في هذه المسألة حيث يقول ﵀ في شأن التعزير بالضرب: "وليس لأقله حد، وأما أكثر التعزير بالضرب ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: عشر جلدات.
والثاني: دون الحد، إما تسعة وثلاثين سوطًا، وإما تسعة وسبعين سوطًا، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
стр. 104
والثالث: أنه لا يتقدر بذلك، وهو قول أصحاب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، هو إحدى الروايتين عنه.
لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لا يبلغ به ذلك المقدر، مثل: التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القدح، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير زنا لا يبلغ به الحد".
ثم رجح ﵀ هذا القول الثالث بقوله: "وهذا القول أعدل الأقوال، وعليه دلت سنة الرسول ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي ﷺ بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة جلدة، ودرأ عنه الحد بالشبهة، وأمر أبو بكر، وعمر بضرب رجل وامرأة وجدًّا في لحاف واحد مائة مائة، وضرب عمر الذي نقش على خاتمه، وأخذ من باب المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة".
فهذه هي التعزيرات التي هي من صلاحيات المحتسب في الماضي.
أما الصلاحيات التعزيرية التي يمارسها المحتسب في الحاضر: فإن ما يمارسه المحتسب اليوم من الصلاحيات التعزيرية لا يخرج في مجمله عما كان يمارسه المحتسب في الماضي مع بعض التحديد والتنظيم، فقد صدرت أنظمة تحدد الأطر العامة لعمل المحتسب، ومن ذلك صلاحيات ممنوحة له فيما يتعلق بالتعزير، وعلى اعتبار أننا سنأخذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية كنموذج فيما يتعلق بواقع الحسبة المعاصر، فإن من قانون هذه المادة، المادة الرابعة: العقوبات التأديبية التي لوالي الحسبة أن يمارسها، وتتلخص في أخذ التعهد، التوبيخ، التأديب بالجلد، وبحد أعلى خمسة عشر سوطًا، أو عقوبة الحبس لمدة أقصاها ثلاثة أيام.
стр. 105
وفي اللائحة التنفيذية في نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الباب الرابع تفصيل وتوضيح لكيفية إيقاع هذه العقوبات التعزيرية.
ولم يكن المحتسب اليوم يقف عند حدود هذه الصلاحيات المحدودة، بل من حقه أن يطالب بإيقاع عقوبات أشد من تلك التي حددها له نظام الهيئة في حالة استحقاق المخالف لما هو أشد، ويكون ذلك برفع أوراق المستحق للعقوبة بعد استكمال التحقيق فيها إلى المحاكم الشرعية عن طريق الحاكم الإداري، وتبقى علاقته بالموضوع وفي كل مراحله الإجرائية حتى نهايتها، وصدور الحكم فيها على اعتبار أنه مدعي حسبة، وشاهد في الوقت نفسه.
وأحيانًا يكون تنفيذ العقوبة على بعض المخالفين من قبل رجال الحسبة بالهيئة بعد صدور الحكم، وبعض العقوبات الأخرى تنفذها الجهات الأمنية بحضور مندوب من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذه هي الصلاحيات التعزيرية كما كانت في الماضي، لكن الفرق هو في الإجراءات والتنظيم؛ لإيقاع هذه العقوبات التعزيرية لمن يستحقها.
عُدد المحتسب في الماضي والحاضر، وأساليبه في تغيير المنكر
ومعلوم أن المحتسب وهو يقوم بواجبه لتحقيق ما أنيط به من مسئوليات كان يستخدم بعض الأدوات والعدد، وهو ما عرف في كتب الحسبة: بعدد المحتسب، ومن ضمنها ما كان يستخدمه في إنزال بعض العقوبات التعزيرية بالمخالفين، فما هي عُدد المحتسب في الماضي والحاضر؟
نقول -وبالله تعالى التوفيق-: كثير من الأعمال التي يقوم بها الإنسان يستخدم فيها أدوات تعتبر من الوسائل المعينة التي تساعد ذلك العامل في القيام بعمله،
стр. 106
والمحتسب كغيره له عدد يستعملها أحيانًا عند القيام ببعض عمله، وإن لم تكن هذه العدد من الناحية الفنية ضرورية لا يمكن القيام بالعمل بدونها، ولكن حاجة المحتسب إلى هذه الأدوات أو العدد تكون في مناسبة دون أخرى.
وهي إلى جانب الاستفادة من بعضها في إنجاز بعض المهام، فإن لبعضها دورًا آخر في إظهار هيبة المحتسب في نفوس مخالفيه حتى ولو لم يستعملها.
وكان المحتسب في الماضي يستعمل السوط والدرة في إيقاع العقوبات على المخالفين، وكانت هذه العدد رادعة لمن تسول له نفسه الأمارة بالسوء في أن يغش، أو يدلس، أو يقوم بالإَضرار بالصالح العام. وكان يتخذ السوط وسطًا لا بالغليظ ولا بالرقيق، بل يكون وسطًا بينهما؛ حتى لا يترك أثرًا على الجسد.
أما الدرة: فتكون من جلد البقر أو الجمل، محشوة بنوى التمر، بينما الطرطور يكون على شكل قلنسوة من اللباد منقوشة مكللة بالخرق الملونة، محاطة بألوان الخرز، والودع، والأجراس، وأذناب الثعالب، والسنانير. وكان المحتسب يستخدم هذا الطرطور بوضعه على رأس المخالف؛ للتشهير، فيكون رادعًا له عن العودة إلى نفس المخالفة مرة أخرى، وزاجرًا لغيره من الوقوع فيما وقع هو فيه.
وهذه الأدوات كانت تعلق على دكة، وكان من أدوات المحتسب: سجل خاص يدون فيه قوائم بأسماء الصناع والتجار، وكان يضع علامة إزاء اسم كل منهم، وموقع محله؛ ليتمكن من الوصول إليه بسرعة عند الحاجة إلى ذلك، كما أنه كان للمحتسب دواب من الخيل، والبغال يتنقل عليها من مقره إلى مواقع الذين يريد أن يحتسب عليهم عندما يبلغه
стр. 107
ما يوجب ذلك، وكان له خاتم يختم به، وربما خرج وفي خاتمه الخيط المربوط يتذكر به الشيء، وكان يختم به على الكتب ويقول: الخاتم على الكتاب خير من التهمة.
وممن يمكن اعتباره من الأدوات أيضًا: أنه كان له في بعض الجهات لا سيما في مصر دار تسمى: دار العيار، يوجد بها موازين وأثقال ومكاييل يعين على أساسها ما عند التجار في السوق، ويعاقب من خالف ذلك.
وأما مُحتسب اليوم: فكثيرة أدواته، من وسائل مواصلات، واتصالات، وآلات مكتبية، وغير مكتبية، فهو يستطيع أن يسخر لعمله كثيرًا من التقنيات الصناعية المعاصرة، ولا زال يوجد لديه من عدد الماضي السوط، فأكثر المحتسبين يحمل هذا السوط عند جولاته وتفتيشه على المحلات التجارية، والحانات، والتنبيه بالصلاة، ونادرًا ما يستخدم هذا السوط، لكن حمله فيه هيبة له، وتخويف لأصحاب القلوب المريضة، والنفوس الضعيفة. ومن أدواته أيضًا مكبرات الصوت التي تركب على سيارات رجال الحسبة عند تنبيههم للصلاة.
وخلاصة الكلام عن هذه العدد: القول بأنها ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسائل -كما قلنا- تعين المحتسب على أداء عمله، إلى جانب الأساليب الأخرى التي يسلكها؛ لتحقيق أهدافه في الإصلاح.
ومن أساليب المُحتسب في تغيير المنكر: نقول: لا شك أن في تلك العدد التي مر ذكرها معنا تعتبر من الوسائل التي تساعد على أداء مهمة المحتسب، لكن إلى
стр. 108
جانبها نجد أن هناك أساليب لا تقل أهمية، بل قد تكون ضرورية إلى حد ما في ممارسة المهمة؛ أملًا في الوصول إلى أحسن النتائج لتحقيقه الأهداف العامة للحسبة. فالمحتسب قد يقوم بنفسه، أو بواسطة أعوانه بتغيير المنكر، أو إقامة المعروف بالقوة، وهذا ما يمكن أن نسميه: مرحلة التغيير باليد، حسب درجات تغيير المنكر الواردة في قوله ﷺ : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)).
وفي مرحلة التغيير باليد يكون استعمال عدد سالفة الذكر غالبًا، لكن هل يكون تغيير كل منكر باليد دائمًا؟ الجواب: لا، وبدهي ذلك من مفهوم الحديث المتقدم، فلا زال هناك مرحلتان يمكن أن تمارس لتغيير المنكر، والحيلولة دون وقوعه، وهي تختلف بحسب ظروف المنكر. والبيان باللسان من أساليب تغيير المنكر.
لكن كيف تتم ممارسة هذا الأسلوب بالنسبة للمحتسب؟
الجواب: إن هذه ممارسة تكون ببيان مخالفة هذا المنكر الذي يريد أن يرتكبه المخالف، أو قد وقع فيه للشريعة الإسلامية، وهذا البيان قد يكون مباشرة في مكان وقوع المخالفة، وقد يكون بعد وقوعه، فيحتاج حينئذ إلى التحذير من الوقوع فيه من قبل آخرين؛ لبيان حكمه في الإسلام، وقد يكون قبل وقوع المنكر؛ درءًا لوقوعه، وتحذيرًا من اقترافه.
وهناك عد عدة وسائل لإبلاغه إلى أكبر عدد ممكن من الناس منها: المحاضرات، والخطب، والندوات، وإصدار الكتيبات والنشرات، وتسجيل ذلك على أشرطة كاسيت؛ لأنها -أي: النشرات والأشرطة- أكثر فاعلية؛ لسرعة انتشارها، وسهولة الاطلاع عليها ممن يستفاد منها.
стр. 109
فهذه هي صلاحيات المحتسب، وأساليب تغييره للمنكر. ولكن قد يبذل المحتسب ما في وسعه؛ لتحقيق الأهداف العامة للحسبة داخل مجتمعه على قدر طاقته وعلمه، لكنه أمام ظرف من الظروف قد يقف دون تحقيقها أو بعضها بعد أن يكون قد استنفذ كل درجات تغيير المنكر التي عرفناها.
فهل نقول: إن مهمته قد انتهت، وأن ذمته قد برئت؟
والجواب: أنه لا زال في إمكان المحتسب أن يقوم بعمل ما، يواصل من خلاله إنجاز مهمته بشأن تغيير المنكر الذي عجز عنه، وذلك بإحالة الأمر إلى جهات قضائية أخرى، قد يكون لها من الوسائل والإمكانات ما يعين على تحقيق ذلك الهدف الذي عجز عن تحقيقه، فيقيم المحتسب دعوى تسمى في لغة الفقهاء والأصوليين: دعوى الحسبة، وهذا لا يعني إلغاء دور المحتسب القضائي، ولكنه دور مقصور على ما ليس من اختصاص ولاية القضاء، فهو لا ينظر إلا في الدعوى التي ليس فيها سماع بينة، ولا نفاذ حكم، ففي هذه قضايا ينظر المحتسب، ويبت دون أن يقيم دعوى حسبة، أما ما زاد عن ذلك ففيها تكون دعوى الحسبة.
ولذا يقول ابن خلدون ﵀: "وليس له أيضًا الحكم في الدعاوى مطلقًا، بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها، وفي المكاييل والموازين، وله أيضًا حمل المماطلين على الإنصاف، وغير ذلك مما ليس فيه سماع بينة، ولا نفاذ حكم، وكأنها أحكام لا ينظر فيها القضاء لعمومها وسهولة أغراضها، فترفع إلى صاحب هذه الوظيفة -يعني: المحتسب-؛ ليقوم بها.
وأما من يحق له رفع دعوى الحسبة، فهل هو المحتسب المكلف أم المتطوع؟
والجواب: كلاهما يحق له رفع الدعوى، وإن كان المكلف معنيًّا بها أكثر؛ بحكم سلطته، وصلته داخل الحكومة الإسلامية.
стр. 110
ودعوى الحسبة هي من مفاخر التشريع الإسلامي الصادر من لدن عليم حكيم، فالمسلم المكلف بالقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر تكفل له الشريعة متابعة القضية برفع دعوى ضد مرتكب المنكر إذا عجز عن تغييره بالوسائل التي تسبق ذلك من مراتب النهي عن المنكر، ويظل يتابع القضية حتى يصدر فيها حكم، بينما التشريعات الوضعية في النيابة العامة وغيرها لا تجيز لغير الجهة المعنية رفع دعوى من الأفراد.
والشريعة الإسلامية تحفظ الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر عن أي ضغط خارجي يجبره على إقرار المنكر، وتحرم التعرض له، وتوقع العقوبات على الذين يتعرضون للذين يأمرون بالقسط من الناس.
فإن قيل: في أي شيء تكون دعوى الحسبة؟
فالجواب: أن الحقوق في الإسلام التي ترفع الدعوى من أجلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولها: حق الله الخالص.
وثانيها: حق العبد.
وثالثها: حق مشترك بين حق الله الخالص، وحق العبد.
والحسبة كما هو واقعها لها مساس مباشر بالنشاط الإنساني في مختلف صوره الظاهرة، فإذا ما انحرف الإنسان بنشاطه بحيث يمس حقًّا خالصًا أو غالبًا من حقوق الله كانت دعوى الحسبة، ووجد سبب قيامها، فعلى هذا يكون محل دعوى الحسبة، وهو أن يمس حق لله خالصًا أو غالبًا، أما فيما يتعلق بحق العبد: فمحله ليس هذه الدعوى، وإنما محله الدعوى الشخصية.
следующие страницы →